النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ٥٣ كتاب الزكاة الزيادة، ورُوِّيناه أيضاً في ((معجم)) أبي سعيد بن الأعرابي (٥٨٣) قال: حدَّثنا حَمدان بن عليٍّ، عن مُعلّی بن أسدٍ به. وفي هذا الحديث أنَّ هذا الوعيدَ يَخْتَصُّ بمن أكثرَ السُّؤْالَ لا مَن نَدَرَ ذلك منه، ويُؤْخَذُ منه جوازُ سؤال غير المسلم لأنَّ لفظَ: ((الناس)) يَعُمُّ، قاله ابن أبي جَمْرة، وحكى عن بعض الصالحينَ: أَنَّه كان إذا احتاجَ سألَ ذِمّاً، لئلا يُعاقبَ المسلمُ بسَبِه لو ردَّه! ٥٣- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وكم الغِنَی وقولِ النبيِّ وَّهِ: ((ولا يَجِدُ غِنَّى يُغْنيه)) لقول الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] و گم ٣٤١/٣ الغِنى. وقول النبي نَّهِ: لا يَجِدُ غِنِّى يُغنيه، لقول الله عزَّ وجلّ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ الآية)) هذه اللَّام التي في قوله: ((لقول الله)) لام التعليل؛ لأنَّه أورَدَ الآيةَ تفسيراً لقوله في الترجمة: ((وكم الغِنى)) وكأنَّه يقول: وقول النبي ◌َّ: ((ولا يَجِدُ غِنَّى يُغنيه)) مُبيِّنٌ لِقَدْر الغِنى، لأنَّ الله تعالى جعل الصَّدَقةَ للفقراء الموصوفينَ بهذه الصِّفة، أي: مَن كان كذلك فليس بغَنيّ، ومَن كان بخلافها فهو غَنِيّ، فحاصله أنَّ شرطَ السُّؤْال عَدَمُ وِجدان الغِنى لوصف الله الفقراء بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، إذ مَن استَطاعَ ضَرْباً فيها فهو واجدٌ لنوعٍ من الغِنى، والمراد بالذينِ أُحصِروا: الذينَ حَصَرَهم الجهادُ، أي: مَنَّعَهم الاشتغال به من الضربِ في الأرضِ - أي: التِّجارة - لاشتغالهم به عن التَّكَسُّب، قال ابن عَطِيَّةٌ(١): كلّ مُحيط تَحَصُرُ - بفتح أولِه وضم الصاد - والأعذارُ المانعةُ تُحِصِرُ - بضم المثنَّة وكسر الصاد - أي: تَجعَلُ المرءَ كالمحاط به، و﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ يتعلَّقُ بمحذوفٍ تقدیرُه: الإنفاقُ المقدَّمُ ذِكرُه هؤلاء، انتھی. (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ابن علية، والصواب ما أثبتناه من (ع)، وانظر ((المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)) لابن عطية الأندلسي ٢٦٦/١. ١٦٢ باب ٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قول المصنِّف في الترجمة: ((وكم الغِنى)) فلم يَذكُر فيه حديثاً صريحاً، فيحتملُ أنَّه أشارَ إلى أنَّه لم يَرِدْ فيه شيءٌ على شرطِهِ، ويحتملُ أن يُستفاد المراد من قوله في حديث أبي هريرة: ((الذي لا يَجِدُ غِنَى يُغنيه)) فإنَّ معناه: لا يَجِدُ شيئاً يقعُ مَوقِعاً مِن حاجته، فمَن وَجَدَ ذلك كان غَنّاً. وقد وَرَدَ فيه ما أخرجه التِّرمِذي (٦٥٠) وغيره(١) من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((مَن سألَ الناسَ وله ما يُغنیه جاء يومَ القيامة ومسألته في وجهه ◌ُوشٌ)) قيل: يا رسول الله، وما يُغنيه؟ قال: ((خمسونَ درهماً أو قيمتُها من الذَّهب))، وفي إسناده حكيم بن جُبَير، وهو ضعيفٌ، وقد تكلّم فيه شُعْبةُ من أجلِ هذا الحديث، وحدَّث به سفيان الثَّوري عن حكيمٍ، فقيل له: إنَّ شُعْبةَ لا يُحدِّثُ عنه، قال: لقد حدَّثني به زُبَيد أبو عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، يعني: شيخَ حَكيم، أخرجه التِّرمِذي أيضاً (٦٥١)، ونصَّ أحمدُ في ((عِلَل الخَلّال)) وغيرِه على أنَّ رواية زُبَيد موقوفة. وقد تقدَّم حديث أبي سعيد قريباً عند النَّسائي (٢٥٩٥) في ((باب الاستعفاف)) وفيه: ((مَن سألَ وله أُوقِيّةٌ فقد ألحَفَ))، وقد أخرجه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٣٣٩٠) بلفظ: «فهو مُلحِف)). وفي الباب عن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه عند النَّسائي (٢٥٩٤) بلفظ: ((فهو المُلْحِف)). وعن عطاء بن يسار، عن رجل مَن بني أسَد له صحبة في أثناء حديثٍ مرفوعٍ قال فيه: ((مَن سألَ منكم وله أُوقيةٌ أو عِدْها، فقد سألَ إلحافاً)) أخرجه أبو داود (١٦٢٧)، وعن سَهل ابن الحَنظَليَّة، قال: قال رسول الله وَّةِ: ((مَن سألَ وعنده ما يُغْنِهِ فإنَّما يستكثِرُ من النار)) فقالوا: يا رسول الله، وما يُغْنيهِ؟ قال: ((قَدْرُ ما يُغْدِّيه ويُعِّيه)) أخرجه أبو داود أيضاً (١٦٢٩) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٣٣٩٤). (١) منهم أحمد (٣٦٧٥)، وأبو داود (١٦٢٦)، وابن ماجه (١٨٤٠)، والنسائي (٢٥٩٢)، والحديث يتقوى بمجموع طرقه وشواهده على ما هو مبيَّن في المصادر المذكورة. ١٦٣ باب ٥٣ / ح ١٤٧٦ كتاب الزكاة قال التِّرمِذي (٦٥١) في حديث ابن مسعود: والعملُ على هذا عند بعض أصحابنا كالثَّوري وابنِ المبارَك وأحمد وإسحاقَ. قال: ووَسَّعَ قوم في ذلك، فقالوا: إذا كان عنده خمسونَ درهماً أو أكثرَ وهو محتاجٌ، فَلَه أن يأخُذَ من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم. انتهى، وقال الشافعي: قد يكون الرجلُ غَنّاً بالدِّرهَمِ مع الكَسبِ ولا يُغنيه الأَلْفُ مع ضَعِفِه في نفسه و کَثْرة عیالِهِ. وفي المسألة مذاهب أُخرى: أحدها: قول أبي حنيفة: إنَّ الغَنيَّ مَن مَلَكَ نِصاباً، فيَحرُمُ عليه أَخْذُ الزكاة، واحتَجَّ بحديث ابن عبّاس في بَعْثِ معاذ إلى اليمن، وقولِ النبيِّ وَلّ له: «تُؤْخَذُ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم))(١) فوَصَفَ مَن تُؤْخَذُ الزكاة منه بالغنيّ، وقد قال: ((لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ))(٢). ثانيها: أنَّ حَدَّه ((مَن وَجَدَ ما يُغَدِّيه ويُعَشِّيه)) على ظاهرٍ حديث سهل ابن الحَنظَلية، حكاه الخطَّابي عن بعضهم، قال: ومنهم مَن قال: وَجهُه مَن لا يَجِدُ غَداءً ولا عَشاءً على دائم الأوقات. ثالثها: أنَّ حَدَّه أربعونَ درهماً، وهو قول أبي عُبيد بن سَلّام على ظاهرٍ حديث أبي سعيد، وهو الظاهرُ من تصرُّف البخاري، لأنَّه أتْبَعَ ذلك قوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانًا﴾، وقد تَضَمَّنَ الحديثُ المذكور أنَّ مَن سألَ وعندَه هذا القَدْرُ، فقد سألَ إلحافاً. ثم أورد المصنف في الباب أربعة أحاديث: أولها: حديث أبي هريرة في ذِكر المِسْكين، أورَدَه من طريقَين: ١٤٧٦ - حدَّثْنا حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرني محمَّدُ بنُ زیادٍ، قال: سمعتُ أبا (١) سلف برقم (١٤٥٨)، وأخرجه مسلم (١٩). (٢) أخرجه أحمد (٦٥٣٠)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناده قوي. ١٦٤ باب ٥٣ / ح ١٤٧٨ - ١٤٧٩ فتح الباري بشرح البخاري هريرةَ ﴿ه، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((ليس المِسِكِينُ الَّذِي تَرُدُّه الأُكْلةُ والأُكْلَتان، ولكنِ المِسِكِينُ الَّذي ليس له غِنَّى ويَسْتَحْبِي، أو لا يَسْألُ الناسَ إِلْحافاً)). [طرفاه في: ١٤٧٩، ٤٥٣٩] ١٤٧٩ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((ليس المِسِكِينُ الَّذِي يَطُوفُ على الناس تَرُدُّه اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمرةُ والتَّمَرَتانِ، ولكنِ المِسِكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِهِ، ولا يُفْطَنُ به فيُصَدَّقَ عليه، ولا يقومُ فَيَسْألَ الناسَ)). والمسكينُ مِفْعِيل من السُّكون، قاله القُرطُبي، قال: فكأنَّه من قِلّة المال سَكَنَت حَرَكاتُه، ولذا قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَكٍ﴾ [البلد: ١٦]، أي: لاصقٌّ بالتُّراب. قوله: ((الأُكلَةُ والأُكلَتان)) بالضمِّ فيهما، ويؤيِّدُه ما في رواية الأعرَج الآتية آخرَ الباب (١٤٧٩): ((اللُّقمةُ واللُّقمَتان، والتَّمرةُ والتَّمَرَتان)) وزاد فيه: «الذي يطوفُ على الناس)) قال أهل اللُّغة: الأُكْلة بالضمّ: اللُّقمة، وبالفتح: المرّة من الغَداء والعَشاء. قوله: (ليس له غِنَّى)) زاد في رواية الأعرَج (١٤٧٩): ((غِنَّى يُغنيهِ))، وهذه صفة زائدة على اليسار المنفيّ، إذ لا يَلزَمُ من حصول اليسار للمَرِ أن يَغنى به، بحيثُ لا يحتاجُ إلى شيءٍ آخَر، وكأنَّ المعنى نَفْيُ اليَسار المقيَّد بأنَّه يُغنيه مع وجودِ أصل اليسار، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافً﴾. قوله: ((ويَسْتَحْيِي)) زاد في رواية الأعرَج ((ولا يُفطَنُ به))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((له فيُتَصدَّقَ عليه، ولا يقومُ فَيَسألَ الناسَ)) وهو بنصب ((فِيُتَصَدَّقَ)) و((يَسأل))، وموضع الترجمة منه قوله: ((ليس له غِنَى)) وقد أورَدَه المصنِّفُ في التفسير (٤٥٣٩) من طريقٍ أُخرى عن أبي هريرة يظهرُ تَعلَّقُها بهذه الترجمة أكثرُ من هذه الطَّريق، ولفظه هناك: ((إنَّما المسكينُ الذي يَتَعَفَّفُ، اقرؤوا إن شِئْتُم، يعني قوله: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾) كذا وقع ١٦٥ باب ٥٣ / ح ١٤٧٧ - ١٤٧٨ كتاب الزكاة فيه بزيادة ((يعني))، وقد أخرجه مسلم (١٠١/١٠٣٩) وأحمد (٩١٤٠) من هذا الوجه بدونها، وكذلك ابن أبي حاتم في «تفسيره)» (١). ثانيها: حديث المغيرة. ١٤٧٧ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّة، حدَّثنا خالدٌ الحَذّاءُ، عن ابنِ أَشوَعَ، عن الشَّعْبِيِّ، حدَّثني كاتِبُ المغيرةِ بنِ شُعْبةَ قال: كَتَبَ مُعاوِيةٌ إلى المغيرةِ بنِ شُعْبَةً: أنِ اكتُبْ إليَّ بشيءٍ سمعتَه من النبيِّ وَّهِ فَكَتَبَ إليه: سمعتُ النبيَّ ◌َّه يقول: ((إنَّ اللهَ حْرِةٍ لكم ثلاثاً: قِيلَ وقالَ، وإضاعةً الأموالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ». وابنُ أشوَعَ بالشّين المعجَمةِ، وَزْنُ(٢) أَحْمد، في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ابن الأشوَع))، وهو سعيد بن عَمْرو بن الأشوَع، نُسِبَ لجدِّه، وكاتب المغيرة: هو وَرَّادٌ. قوله: ((وإضاعة الأموال)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((المال)). وموضع الترجمة منه قوله: ((وكَثْرة السُّؤال))، قال ابن التِّين: فَهِمَ منه البخاريُّ سؤالَ الناس، ويحتملُ أن يكون المراد: السُّؤال عن المُشكِلات، أو عمّ لا حاجةٌ للسائلِ به، ولذلك قالرَّ: ((ذَرُوني ما تَرَكتُكم))(٣). قلت: وحَملُه على المعنى الأعمِّ أَوْلى، ويستقيمُ مراد البخاري مع ذلك. وقد مضى بعضُ شرحِه في كتاب الصلاة (٨٤٤)، ويأتي في كتاب الأدب (٥٩٧٥)، وفي الرِّقاق (٦٤٧٣) مُستوقّ إن شاء الله تعالی. ثالثها: حديث سعد بن أبي وقاص، أورَدّه بإسنادين: ١٤٧٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ غُرَيرِ الزّهْرِيُّ، حذَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن صالحٍ ابنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عامرُ بنُ سعدٍ، عن أبيه قال: أعطَى رسولُ اللهِه (١) في (أ) و(س): ((وكذلك وقع فيه بزيادة ابن أبي حاتم في ((تفسيره)، وهو خلط لا معنى له، وصوابه ما أثبتناه من (ع). (٢) تحرفت في (س) إلى: وزاد. (٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة، وسيأتي عند البخاري برقم (٧٢٨٨) بلفظ: «دعوني ما ترکتگم». ١٦٦ باب ٥٣ / ح ١٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري رَهْطاً وأنا جالسٌّ فيهم، قال: فَتَرَكَ رسولُ اللهِ وَّر منهم رجلاً لم يُعْطِهِ .- وهو أعجَبُهم إليَّ - فقمتُ إلى رسولِ الله وَِّ فسارَرْتُه فقلتُ: ما لكَ عن فُلانٍ، والله إنّي لأُراه مُؤْمِناً! قال: ((أو مُسلِماً)) قال: فسَكَتُّ قليلاً، ثمَّ غَلَبَتي ما أَعلمُ فيه فقلتُ: يا رسولَ الله، ما لكَ عن فُلانٍ، والله إِي لأُراه مُؤْمِناً! قال: ((أو مُسلِم)) قال: فسَكَتُّ قليلاً، ثمَّ غَلَبَني ما أعلمُ فيه فقلتُ: يا رسولَ الله، ما لكَ عن فُلانٍ، والله إنّي لأُراه مُؤْمِناً! قال: ((أو مُسلِماً، إنّي لأُعطي الرجلَ وَغيرُه أَحَبُّ إليَّ منه، خَشْبةَ أن يُكبَّ في النار على وَجْهِه)). وعن أبيه، عن صالح، عن إسماعيلَ بنِ محمَّدٍ أنَّه قال: سمعتُ أبي يُحدِّثُ بهذا فقال في حديثه: فَضَرَبَ رسولُ اللهِ وَ بَيَدِهِ، فَجَمعَ بين عُنُقي وكَتِفي، ثمَّ قال: ((أَقْبِلْ أَيْ سعدُ، إنّي لأُعطي الرجلَ». قال أبو عبد الله: ﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، ﴿مُكِبَّ﴾ [الملك: ٢٢]: أكَبَّ الرجلُ: إذا كان فِعْلُه غيرَ واقعٍ على أحدٍ، فإذا وَقَعَ الفِعْلُ قلتَ: كَبَّه الله لوَجْهِه، وكَبَيتُه أنا. قال أبو عبد الله: صالحُ بنُ كَيْسانَ أكبرُ مِن الزُّهْريِّ، وهو قد أَدرَك ابنَ عمرَ. ٣٤٣/٣ وموضعُ الترجمة منه قولُه في الرواية الثانية: «فجَمَع بين عُنُقي وكَتِفي، ثمَّ قال: أَقبِلْ أيْ سعدُ))، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفّ في كتاب الإيمان (٢٧)، وأنَّه أمرٌ بالإقبال أو بالقَبُول، ووقع عند مسلم (١٥٠/ ٢٣٧): «أَقِتالاً(١) أيْ سعدُ)) على أنَّه مصدرٌ، أي: أَتُقاتِلُ قِتالً(٢) بهذه المعارضة؟ وسياقُهُ يُشعِرُ بأنَّه ◌َلّهكره منه إلحاحَه عليه في المسألة، ويحتملُ أن يكون من جهة أنَّ المشفوع له تَرَك السُّؤالَ فمُدِح. قوله: ((وعن أبيه، عن صالح)) هو معطوفٌ على الإسناد الأول، وكذا أخرجه مسلم (٢٣٧/١٥٠) عن الحسن الحُلْواني عن يعقوبَ بنِ إبراهيمَ بنِ سعد. (١) تصحف في (س) إلى: إقبالاً. (٢) تصحف في (س) إلى: ((أتقابلني قبالاً))، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الموافق لما في ((صحيح مسلم))، ومعنى القتال هنا: الدفع والمكابدة، كما قال القاضي عياض والقرطبي وغيرهما من شرّاح ((مسلم)). ١٦٧ باب ٥٣ / ح ١٤٨٠ كتاب الزكاة قوله: ((أبو عبد الله)) هو المصنّف. قوله: ﴿فَكُبْكِبُواْ ... ﴾ إلى آخره، تقدَّمت الإشارة إليه في الإيمان (٢٧)، وجَرَى المصنِّفُ على عادتِه في إيراد تفسير اللفظة الغريبة، إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن. وقوله: ((غيرَ واقع)) أي: لازماً((إذا وَقَعَ)) أي: إذا كان مُتَعَدِّياً، والغَرَض أنَّ هذه الكلمةَ من النَّوادر، حيثُ كان الثَّلاثي مُتَعَدِّياً، والمَزِيدُ فيه لازِماً، عَكْس القاعدة التَّصْريفية، قيل: ويجوزُ أن يكون أَلِفُ ((أَكَبَّ)) للصَّيرورة. قوله: (صالح بن کَیْسان)) يعني: المذكور في الإسنادین. قوله: ((أكبرَ من الزُّهْري)) يعني: في السِّنِّ، ومثل هذا جاء عن أحمد وابنٍ مَعِين، وقال عليّ بن المدِيني: كان أسَنَّ من الزُّهْري، فإنَّ مَولِدَه سنة خمسينَ، وقيل: بعدَها، ومات سنة ثلاث وعشرينَ ومئةً، وقيل: سنةَ أربع، وأمَّا صالح بن كَيْسان، فمات سنة أربعينَ ومئة، وقيل: قَبلَها. وذَكَر الحاكمُ في مقدار عمره شيئاً تعقّبوه عليه. وقوله: ((أدرَكُ ابنَ عُمرَ)) يعني: أدرَك السماعَ منه، وأمَّا الزُّهْرِي فمُختَلَف في لُقِيِّه له، والصحيح أنَّه لم يَلقَه وإنَّما يروي عن ابنه سالمٍ عنه، والحديثان اللَّذان وقع في رواية مَعمٍَّ عنه: أنَّه سَمِعَهما من ابن عمر، ثَبَتَ ذِكرُ سالم بينهما في رواية غيره، والله أعلم. رابعها: حديث أبي هريرة الدالُّ على ذَمّ السُّؤال ومَدْح الاكتِساب. ١٤٨٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثْنا الأعمَثُ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ قال: ((لَأَنْ يأْخُذَ أحدُكم حَبْلَه، ثمَّ يَغْدُوَ - أحسِبُه قال: إلى الجبلِ - فِيَحْتَطِبَ فِيَبِيعَ فيأكلَ ويَتصدَّقَ، خيرٌ له من أن يَسْأَلَ الناسَ)). قال أبو عبد الله: صالحُ بنُ كَيسانَ أكبرُ من الزُّهْريِّ، وهو قد أدرَكَ ابنَ عمَرَ. وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في ((باب الاستعفاف عن المسألة)) (١٤٧٠). وفي الحديث الأول أنَّ المسكَنَةَ إِنَّا تُحمَدُ مع العِفّة عن السُّؤال والصَّيِرِ على الحاجة. ١٦٨ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري وفيه استحبابُ الحياء في كلّ الأحوال، وحُسْنُ الإرشاد لوَضع الصَّدَقة، وأن يُتَحَرّى وضَعَها فيمن صِفَتُهُ التعفُّف دونَ الإلحاح. وفيه دلالةٌ لمن يقول: إنَّ الفقيرَ أسوأُ حالاً من المسكين، وأنَّ المسكينَ الذي له شيء لكنَّه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيءَ له كما تقدَّم توجيهُه، ويؤيِّدُه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسّاهم مساكينَ مع أنَّ لهم سَفينةً يَعمَلونَ فيها، وهذا قول الشافعيِّ وجمهورِ أهلِ الحديث والفِقْهِ، وعَكَسَ آخرونَ، فقالوا: المسكينُ أسوأ حالاً من الفقير، وقال آخرون: هما سواءً، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك. وقيل: الفقيرُ: الذي يَسألُ، والمسكينُ: الذي لا يَسألُ، حكاه ابن بَطَّال، وظاهرُه أيضاً أنَّ المِسِكينَ مَنِ اتَّصَفَ بالتعفُّفِ وعَدَم الإلحاف في السُّؤال، ولكن قال ابن بَطَّل: معناه: المسكينُ الكاملُ، وليس المراد نَفْيَ أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، بل هي كقوله: «أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ)) الحديث(١)، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وكذا قَرَّرَه القُرطُبي وغير واحد، والله أعلم. ٥٤- باب خَرْص الثّمر ١٤٨١ - حدَّثْنَا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ، حَدَّنا وُهَيبٌ، عن عَمرِو بنِ يحيى، عن عبَّاسِ الساعدِيِّ، عن أبي ◌ُميدٍ الساعدِيِّ، قال: غَزَوْنا مع النبيِّ وَّهُ غَزْوةَ تَبُوكَ، فلمَّا جاء واديَ القُرَى، إذا امرأةٌ في حَدِيقٍ لها، فقال النبيُّ وٍَّ لأَصحابه: ((اخرُصُوا)) وخَرَصَ رسولُ اللهِ وَّهِ عشرةَ أَوسُقٍ، ٣٤٤/٣ فقال لها: ((أَحِصِي ما يَخْرُجُ منها)). فلمَّا أَتَيْنا تَبُوكَ،/ قال: ((أما إنَّها ستَهُبُّ الليلةَ رِيحٌ شديدةٌ، فلا يقومَنَّ أحدٌ، ومَن كان معه بعيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ)) فعَقَلْناها وهَبَّتْ رِبِحٌ شديدةٌ، فقامَ رجلٌ فألقَتْهُ بجبلٍ طَيِّي. وأهدَى مَلِكُ أَيْلَ للنبيِّ ◌َلَ بَغْلَةً بيضاءَ، وكَسَاهُ بُرْداً، وكتبَ له بيَحْرِهم. فلمَّا أتى واديَ القُرَى، قال للمرأة: ((كم جاءُ حَدِيقتُكِ؟» قالت: عشرةَ أَوسُقٍ، خَرْصَ (١) أخرجه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة. ١٦٩ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ كتاب الزكاة رسولِ اللهِ وَّه فقال النبيُّ وَه «إنّي مُتَعَجِّلٌ إلى المدينةِ، فمَن أرادَ منكم أن يَتَعَجَّلَ معي فَلْيَتَعَجَّلْ)) فلمَّا - قال ابنُ بَكّارٍ كلمةً مَعْناها: أشَفَ على المدينةِ - قال: ((هذه طابةُ)) فلمَّا رَأى أُحداً قال: ((هذا ◌ُبَيلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، ألا أُخبِرُكم بخَيرِ دُورِ الأنصارِ؟)) قالوا: بلى، قال: «دُورُ بني النَّجّار، ثمَّ دُورُ بني عبدِ الأشهَلِ، ثمَّ دُورُ بني ساعدةَ أو دُورُ بني الحارثِ بنِ الخَزْرَج، وفي كلِّ دُورِ الأنصار - يعني - خيراً». [أطرافه في: ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢] ١٤٨٢ - وقال سليمانُ بنُ بلالٍ: حدَّثني عَمرٌو: ((ثمَّ دارُ بني الحارثِ، ثمَّ بني ساعِدةَ)). وقال سليمانُ: عن سعدِ بنِ سعيدٍ، عن عمارةَ بنِ غَزِيَّة، عن عبَّاسٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َلـ قال: ((أُحدِّ جبلٌ مُحِبُّنًا ونُحِبُّهُ)). قال أبو عبد الله: كلُّ بُسْتانٍ عليه حائطٌ فهو حَدِيقةٌ، وما لم يَكُنْ عليه حائطٌ، لم يُقَل: حَدِيقَةٌ. قوله: ((باب خَرْص الثَّمر)) أي: مشروعيَّتِه، والخَرْص - بفتح المعجَمة، وحُكي كَسرُها، ويسكون الراء بعدَها مُهمَلة -: هو حَزْرُ ما على النَّخلِ من الرُّطَبِ تمراً، حكى التِّرمِذي(١) عن بعض أهل العلم: أنَّ تفسيرَه أنَّ الثِّارَ إذا أَدرَكَت من الُّطَبِ والعِنَبِ مَمَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ، بَعَثَ السُّلطان خارصاً يَنظُرُ فيقول: يَخْرُجُ من هذا كذا وكذا زَبِيباً، وكذا وكذا تمراً، فيُحصِيه ويَنظُرُ مَبلَغ العُشْر فيُئِتُّه عليهم، ويُحَلّي بينهم وبين الثِّمار، فإذا جاء وقتُ الجُذَاذِ أَخذَ منهم العُشرَ، انتهى. وفائدة الخَرْص التوسِعةُ على أرباب الثِّار في التَّنَاوُلِ منها والبيع من زَهْوِها، وإيثارُ الأهلِ والجيران والفقراء، لأنَّ في مَنعِهم منها تَضییقاً لا يخفى. وقال الخطَّبي: أنكَرَ أصحاب الرَّأي الخَرْصَ. وقال بعضُهم: إنَّما كان يُفعَلُ تخويفاً للمُزارعينَ لئلّا يُونوا، لا ليَلزَمَ به الحكمُ، لأنَّه تخمين وغُرور، أو كان يجوز قبلَ تحريم الرِّبا والقِمار. (١) في ((جامعه)) تحت حديث (٦٤٣). ١٧٠ باب ٥٤ / ح ١٤٨١- ١٤٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وتعقَّبه الخطَّابي بأنَّ تحريمَ الرِّبا والمَيْسِر مُتقدِّم، والخَرْص عُمِلَ به في حياة النبيِّ وَّل حتَّى مات، ثمَّ أبو بكر وعمر فمَن بعدَهم، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم ولا من التابعين تَركُه إلَّا عن الشَّعْبي، قال: وأمَّا قولهم: إنَّه تخمينٌ وغُرورٌ فليس كذلك، بل هو اجتهادٌ في معرفة مِقدار الثَّمرِ، وإدراكُه بالخَرْص الذي هو نوعٌ من المقادير. وحكى أبو عُبيد عن قومٍ منهم أنَّ الخَرْصَ كان خاصّاً بالنبي وَِّ؛ لأنَّه كان يُوَفَّقَ من الصَّواب ما لا يوفَّقُ له غيرُه، وتعقَّبه بأنَّه لا يَلزَمُ من كَونٍ غيرِه لا يُسَدَّدُ لمَا كان يُسَدَّدُ له سواء، أن تَثْبُتَ بذلك الخصوصيّةُ، ولو كان المرء لا يجبُ عليه الاتِّباع إلَّا فيما يَعلَمُ أنَّه يُسَدَّدُ فيه كَتَسديد الأنبياء لَسَقَطَ الاتِّباعِ، وتُرَدُّ هذه الحُجَّةُ أيضاً بإرسال النبيِّي وَل الخُرّاص في زمانه، والله أعلم. واعتَلَّ الطَّحاوي بأنَّه يجوزُ أن يَحَصُلَ للَّمَرة آفةٌ فَتُتْلِفَها، فيكون ما يُؤخَذُ من صاحبِها مأخوذاً بَدَلاً ممّا لم يَسْلَمْ له، وأُجيبَ بأنَّ القائلينَ به لا يُضمِّنونَ أربابَ الأموال ما تَلِفَ بعدَ الخَرْص، قال ابن المنذر: أجمع مَن يُحفَظُ عنه العلمُ أنَّ المَخْروصَ إذا أصابَته جائحةٌ قبلَ الجُذاذِ فلا ضَمانَ. قوله: ((عن عَمْرو بن يحيى)) هو المازني، ولمسلم (١١/٢٢٨١) من وجهٍ آخرَ عن وُهَيبٍ: حدَّثنا عَمْرو بن يحيى. قوله: ((عن عبَّاس الساعدي)) هو ابن سَهل بن سَعْد، ووقع في رواية أبي داود (٣٠٧٩) ٣٤٥/٣ عن / سَهْل بن بَكّارٍ شيخ البخاري فيه عن العبَّاس الساعدي، يعني: ابن سَهل بن سَعْد، وفي رواية الإسماعيلي من وجهٍ آخرَ عن وُهَيبٍ: حدَّثنا عَمْرو بن يحيى، حدَّثنا عِبَّاس بن سَهل الساعدي. قوله: (غَزْوَة تَبُوكَ)) سيأتي شرحها في المغازي (٤٤٢٢). قوله: ((فلمَّا جاء وادي القُرى)) هي مدينةٌ قديمةٌ بين المدينة والشام، سيأتي ذِكرُها في البيوع (١)، وأغرَب ابن قُرْقول، فقال: إنَّها من أعمال المدينة. (١) بين يدي الحديث (٢١١٥): باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته قبل أن يتفرّقا. ١٧١ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ كتاب الزكاة قوله: ((إذا امْرَأة في حديقةٍ لها)) استُدِلَّ به على جواز الابتداء بالنَّكِرة لكن بشرط الإفادة، قال ابن مالك: لا يمتنعُ الابتداءُ بالنَّكِرِة المَحْضَة على الإطلاق، بل إذا لم تَحصُل فائدة، فلو اقتَرَنَ بالنَّكِرَة المَحْضة قَرِينةٌ تَتَحصَّل بها الفائدةُ جازَ الابتداء بها، نحو: انطلقت فإذا سَبُعٌ في الطَّريق ... إلى آخره. ووقع في رواية سليمان بن بلال، عن عَمْرو بن يحيى عند مسلم (١١/٢٢٨١) «فأتينا على حديقة امرأةٍ)) ولم أقف على اسمِها في شيءٍ من الطُّرق. قوله: ((اخرُصُوا)) بضم الراء، زاد سليمان: ((فخَرَصْنا))(١) ولم أقف على أسماء مَن خَرَصَ منهم. قوله: ((وخَرَصَ)) في رواية سليمانَ: ((وخَرَصَها)). قوله: ((أَحْصي)) أي: احفَظي عدد كَيلها، وفي رواية سليمانَ: «أَحصِيها حتَّى نَرجِعَ إليك إن شاء الله تعالى)). وأصلُ الإحصاء: العَدُّبالحصى؛ لأنَّهم كانوا لا يُحسِنونَ الكتابة، فكانوا يَضبُطُونَ العددَ بالحصى. قوله: (سَتَهُبُّ اللیلةَ)) زاد سلیمان: ((علیکم)). قوله: ((فلا يقومَنَّ أحد)» في رواية سليمانَ: «فلا يَقُم فيها أحدٌ منكم)). قوله: ((فلْيَعْقِلْه)) أي: يَشُدُّه بالعِقال، وهو الحَبْل، وفي رواية سليمانَ: ((فليَشُدَّ عِقالَه))، وفي رواية ابن إسحاق في ((المغازي)) عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، عن عبَّاس بن سَهل: ((ولا يَخْرُ جَنَّ أحدٌ منگُم الليلةَ، إِلَّا ومعه صاحبٌ له)). قوله: ((فقامَ رجلٌ فألقَتْه بجبلٍ طَيِّىع)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بجبلَي طَيِّئ))، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عَفّانَ عن وُهَيبٍ: ((ولم يَقُم فيها أحدٌ غير رجلَينِ ألقَتهما بجَبَلَي طَيِّى))، وفيه نظرٌ بَّنْهُ روايةُ ابن إسحاق ولفظه: ((ففَعَلَ الناسُ ما أمَرَهم، إلَّا رجلَينِ من بني ساعدة خرج أحدُهما لحاجته، وخرج آخر في طلبٍ بعيرٍ له، فأمَّا الذي ذهب لحاجته، (١) كذا وقع في الأصول، وفي المطبوع من ((صحيح مسلم)): فخرصناها. ١٧٢ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ فتح الباري بشرح البخاري فإنَّه خُنِقَ على مَذْهبِهِ، وأمَّا الذي ذهب في طلبٍ بعيره، فاحتَمَلَته الرّيح حتَّى طَرَحَته بِجَبَلَي طَيِّى، فأُخبِرَ رسولُ اللهِوَّ، فقال: ألم أنهَكم أن يخرجَ رجلٌ إلَّا ومعه صاحبٌ له. ثمَّ دَعَا للذي أُصيبَ على مَذْهبهِ فشُفِيَ، وأمَّا الآخر فإنَّه وَصَلَ إلى رسول الله وَّهِ حِينَ قَدِمَ من تبوكَ))، والمراد بجبلَي طَيِّ: المكانُ الذي كانت القبيلةُ المذكورةُ تَنزِلُه، واسم الجبلَين المذكورين: ((أَجَأ)» بهمزةٍ وجيمٍ مفتوحتَينِ بعدَهما همزة، بوزن قَمَر، وقد لا تُهمَزُ فيكون بوَزنٍ عَصا، و((سَلْمى))، وهما مشهوران، ويقال: إنَّما سُمّيا باسمِ رجلٍ وامرأةٍ من العَماليق. ولم أقف على اسم الرجلَين المذكورَين، وأظنُّ تَركَ ذِكْرهما وقع عَمْداً، فقد وقع في آخر حديث ابن إسحاق: أنَّ عبد الله بن أبي بكر حدَّثه أنَّ العبَّاس بن سَهل سمّى الرجلَين، ولكنَّه استَكتَمَني إياهما، قال: وأَبى عبدُ الله أن يُسمِّيَهما لنا. قوله: ((وأهدى مَلِك أَيْلَةَ)) بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام مفتوحة: بلدة قديمة بساحل البحر، تقدَّم ذِكرُها في ((باب الجمعة في القُرى والمدُن)) (٨٩٣)، ووقع في رواية سليمانَ عند مسلم (١١/٢٢٨١): وجاء رسول ابنِ العَلْماء صاحبٍ أيلةَ إلى رسول الله وَله بكتابٍ وأهدى له بغلةً بيضاءَ، وفي («مغازي ابن إسحاق)): ولمَّا انتهى رسولُ الله وَّهِ إلى تبوك أتاه يُؤُحَنّا بن رُوبَة صاحب أيْلَةَ، فصالَحَ رسولَ الله وَِّ وأعطاه الجِزية. وكذا رواه إبراهيم الحربي في ((الهدايا)) من حديث عليٍّ، فاستُفيدَ من ذلك اسمُه واسم أبيه، فلعلَّ العَلْمَاءَ اسم أُمِّه، ويُوحَنّا: بضم التحتانية وفتح المهمَلة وتشديد النون، ورُوبَة: بضم الراء وسكون الواو بعدَها موحّدة. واسم البغلة المذكورة: دُلْدُل، هكذا جَزَمَ به النَّوَوي، ونَقَلَ عن العلماء أنَّه لا يُعرَفُ له بغلة سواها، وتُعقِّبَ بأنَّ الحاكمَ أخرج في ((المستدرَك)) (٥٤١/٣) عن ابن عبّاس: أنَّ ٣٤٦/٣ كِسرى أهدى للنبي وَلّ بغلة، فَرَكِبَها بحَبْلٍ من شعَرٍ ثمّ أردَفَني خَلفَه ... الحديث،/ وهذه غير دُلْدُل. ويقال: إنَّ النَّجاشي أهدى له بغلةً، وأنَّ صاحبَ دُومَة الجَنْدَل أهدى له بغلة، وأنَّ دُلْدُل إنَّما أَهداها له المُقَوقِس. ١٧٣ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ كتاب الزكاة وذكر السُّهَيلي أنَّ التي كانت تحتَه يومَ حُنَينٍ تُسمَّى فضَّة وكانت شَهباءً، ووقع عند مسلم (١٧٧٥/ ٧٦) في هذه البغلة: أنَّ فَرْوةَ أهداها له. قوله: ((وكَتَبَ له ببَحْرِهم)) أي: ببلدهم، أو المراد: بأهلِ بَحْرهم؛ لأنَّهم كانوا سُكّاناً بساحل البحر، أي: أنَّه أقرَّه عليهم(١) بما التزَمُوه من الجِزية، وفي بعض الروايات: (بَحْرتِهِم)) (٢) أي: بلدتهم، وقيل: البحرة: الأرض. وذكر ابن إسحاق الكتابَ، وهو بعدَ البَسْملة: ((هذه أَمَنَةٌ من الله ومحمدٍ النبيِّ رسولِ الله ليوحَّا بن رُوبَة وأهلِ أَيلةَ، سُفُنهم وسَيّارَتهم في البَرِّ والبحر، لهم ذِمّةُ الله ومحمدِ النبي)) وساق بقيَّة الكتاب. قوله: ((كم جاء حديقتُك؟)) أي: تمرُ حديقتِك، وفي رواية مسلم (١١/٢٢٨١): فسألَ المرأةَ عن حديقتها: ((كم بَلَغَ ثَمَرُها؟». وقوله: ((عشرةَ)) بالنصب على نزع الخافض، أو على الحال. وقوله: ((خَرصَ)) بالنصب أيضاً، إمّا بَدَلاً وإمّا بياناً، ويجوزُ الرفعُ فيهما، وتقديرُه: الحاصلُ عشرةُ أَوسُق، وهو خَرْص رسول الله وَله. قوله: ((فلمَّا، قال ابن بَكّار كلمة مَعْناها: أشرَفَ على المدينة)) ابن بكّارٍ: هو سَهلٌ شيخُ البخاري، فكأنَّ البخاري شكَّ في هذه اللفظة، فقال هذا، وقد رواه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) عن فاروق، عن أبي مسلم وغيره عن سَهلٍ، فذكرها بهذا اللفظ سواء، وسيأتي الكلام على بقيَّة الحديث وما يَتعلَّقُ بالمدينة في فضل المدينة (١٨٧٢)، وما يَتَعلَّقُ بالأنصار في مناقب الأنصار (٣٧٩١)، فإنَّه ساق ذلك هناك أتمَّ مَّا هنا. وقولُهُ: ((طابة)) هو من أسماء المدينة كطَيْبة. (١) في (ع): أقرَّهم عليه. (٢) لعله يريد إحدى روايات ((صحيح البخاري))، إذ لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من المصادر. ١٧٤ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال سليمان بن بلال: حدَّثني عَمْرو)) يعني: ابن يحيى بالإسناد المذكور، وهذه الطَّريق موصولة في فضائل الأنصار (٣٧٩١). قوله: ((وقال سليمان)) هو ابن بلالٍ المذكور، وسعد بن سعيد: هو الأنصاري أخو يحيى ابن سعید، و عبّاس: هو ابن سهل بن سعد. وهي موصولةٌ في ((فوائد)) أبي عليّ بن خُزيمة قال: حدّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذي، حدّثنا أيوب بن سليمان - أي: ابن بلال - حدَّثني أبو بكر بن أبي أُوَيس، عن سليمان بن بلال، فذكره، وأولُه: أقبلْنا مع رسول الله وَ﴿ حتَّى إذا دَنَا من المدينة أخذَ طريق غُراب، لأنَّهَا أقربُ إلى المدينة وتَرَك الأُخرى؛ فساق الحديث ولم يَذكُر أولَه. واستُفيدَ منه بيان قوله: ((إنّي مُتَعَجِّلٌ إلى المدينة، فمَن أحَبَّ فليَتَعَجَّل معي)) أي: إنّ سالكٌ الطَّريقَ القريبةَ، فمَن أراد فليأتِ معي؛ يعني: مَمَّن له اقتدار على ذلك دونَ بقيّة الجيش. وظَهَرَ أنَّ عُمارة بن غَزِيَّة خالَفَ عَمْرو بن يحيى في إسناد الحديث فقال عَمْرو: ((عن عبّاس عن أبي حُميد)) وقال عُمارة: ((عن عبَّاس عن أبيه))، فيحتملُ أن يُسلَكَ طريق الجمع بأن يكون عبَّاسُ أخذَ القَدْر المذكور وهو: ((أُحدٌ جبل يُحِبُّنَا ونُحِبُّه)) عن أبيه وعن أبي حُميد معاً، أو حَمَل الحديث عنهما معاً، أو كلَّه عن أبي حُميد ومُعظَمه عن أبيه، وكان يُحدِّثُ به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعُهما. وقد وقع في رواية ابن إسحاق المذكورة: ((عبَّاس بن سهل بن سعد، أو عبَّاس عن سَهل)) فتَرَدَّدَ فيه هل هو مُرسَلٌ، أو رواه عن أبيه فيوافقَ قولَ عُمارة، لكنَّ سياق عَمْرو بن يحيى أتمُّ من سياق غيره، والله أعلم. وفي هذا الحديث مشروعية الخَرْص، وقد تقدَّم ذِكر الخلاف فيه أول الباب، واختَلَفَ القائلونَ به هل هو واجب أو مُستَحَبّ، فحكى الصَّيْمَري من الشافعية وجهاً بوجوبه، وقال الجمهورُ: هو مُستَحَبُّ إلَّا إن تَعلَّقَ به حقٌّ لمحْجورٍ مثلاً، أو كان شُرَكاؤُه غير مُؤْتَمَنينَ فيجبُ لِحِفْظ مال الغير. ١٧٥ باب ٥٤ / ح ١٤٨١ - ١٤٨٢ كتاب الزكاة واختُلِفَ أيضاً: هل يَخْتَصُّ بالنَّخلِ أو يُلحَقُ به العِنَب، أو يَعُمُّ كلَّ ما يُنْتَفَعُ به رَطْباً وجافّاً؟ وبالأول قال شُرَيح القاضي وبعضُ أهل الظاهر، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نَحَا البخاري. وهل يُمضَى قولُ الخارص، أو يُرجَعُ إلى ما آلَ إليه الحال بعدَ الجَفَاف؟ الأولُ قول مالك وطائفة، والثاني قول الشافعي ومَن تَبِعَه. وهل يكفي خارصٌ واحد عارف ثقة، أو لا بُدَّ منَ/ اثنينٍ؟ وهما قولان للشافعي، ٣٤٧/٣ والجمهور على الأول. واختُلِفَ أيضاً: هل هو اعتبارٌ أو تَضمين؟ وهما قولان للشافعي أظهَرُهما الثاني، وفائدته جواز التصرُّفِ في جميع الثَّمَرة، ولو أَتْلَفَ المالكُ الثَّمَرةَ بعدَ الْخَرْصِ أُخِذَت منه الزكاةُ بحِسابٍ ما خُرِصَ. وفيه أشياءُ من أعلام النُّبّة: كالإخبار عن الرِّيح وما ذُكِر في تلك القصّة، وفيه تدریبُ الأتباع وتعليمُهم، وأَخْذُ الحَذَر ممّا يُتوقَّعُ الخوف منه. وفضلُ المدينة والأنصار، ومشروعية المفاضَلة بين الفُضَلاء بالإجمال والتعيين، ومشروعية الهديَّة والمكافأة عليها. تكميل: في ((السُّنَن))(١) و((صحيح ابن حِيَّان)) (٣٢٨٠) من حديث سهلٍ بن أبي حَثْمة مرفوعاً: ((إذا خَرَصْتُمْ فخُذُوا ودَعُوا الثُّلث، فإن لم تدعوا الثُّلث فدعوا الرُّبُعَ))، وقال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق وغيرُهم، وفَهمَ منه أبو عُبيد في كتاب ((الأموال)) (١٤٤٨) أَنَّه القَدْرُ الذي يأكلونه بحَسَب احتياجهم إليه، فقال: يُتْرَكُ قَدْر احتياجِهم. وقال مالك وسفيان: لا يُترَكُ لهم شيء، وهو المشهورُ عن الشافعي. قال ابن العربي: والمتَحَصِّلُ من صحيح النَّظَرِ أن يُعمَلَ بالحديث وهو قَدْر المؤْنَة، ولقد جَرَّبناه فَوَجَدناه كذلك في الأغلَبِ مَمَّ يُؤكَلُ رَطباً. (١) عند أبي داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي (٢٤٩١)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في (مسند أحمد) برقم (١٥٧١٣)، ووقع عند بعضهم: ((فجُذُّوا)) بدل: فخذوا. ١٧٦ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال أبو عُبيد))(١) هو القاسم بن سَلّام الإمامُ المشهور صاحب ((الغريب))، وكلامه هذا في ((غريب الحديث)) له، وقال صاحب ((المحكَم)): هو من الرِّياض كلَّ أرضٍ استدارَت، وقيل: كلّ أرضٍ ذاتِ شجر مُثْمِر ونَخْل، وقيل: كلّ حُفْرةٍ تكونُ في الوادي يُحْتَبسُ فيها الماءُ، فإذا لم يكن فيه ماءٌ فهو حديقة، ويقال: الحديقة أعمَقُ من الغَدير، والحديقةُ: القِطْعة من الزَّرْع، يعني: أنَّه من المشتَرَك. ٥٥- باب العُشْر فيما يُسقى من ماء السماء وبالماء الجاري ولم يَرَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في العَسَلِ شيئاً. ١٤٨٣ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني یونسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه﴾، عن النبيِّ، وَ أَنَّه قال: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ أو كان عَثَرِيّاً العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ)). قال أبو عبد الله: هذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ، لأنَّه لم يُوَقِّت في الأوَّلِ، يعني: حديثَ ابنِ عمر: ((فِیما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ))، وبيَّنَ في هذا ووَقَّتَ، والزِّيادةُ مَقْبُولٌ والمفَسَّرُ يَقْضي على المبهَمِ إذا رواه أهلُ الثََّتِ. كما روى الفَضْلُ بنُ عِبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يُصلِّ في الكَعْبةِ. وقال بلالٌ: قد صَلَّى، فَأُخِذَ بقول بلالٍ وتُّرِكَ قول الفَضْلِ. قوله: ((باب العُشْر فيما يُسْقى من ماء السَّماء وبالماء الجاري)) قال الزّين بن المنيِر: عَدَلَ عن لفظ العُيون الواقع في الخيرِ إلى الماء الجاري، ليُجْرِيَه مَجَرى التفسير للمقصودِ من ماء العُيون، وأنَّه الماءُ الذي يجري بنفسه من غير نَضْح، وليبيِّن أنَّ الذي يجري بنفسه من نهرٍ أو غَدير حُكمه حُكم ما يجري من العُيون. انتهى، وكأنَّه أشارَ إلى ما في بعض طرقِه، فعند أبي داود (١٥٩٦): «فيما سَقَت السماءُ والأنهارُ والعُيون)) الحديث. قوله: ((ولم يَرَ عُمَرُ بن عبد العزيز في العَسَلِ شيئاً)) أي: زكاة، وَصَلَه مالك في ((الموطَّأ)» (١) كذا وقع للحافظ، والذي في نسخ اليونينية كافة: أبو عبد الله؛ يعني البخاري. وأما عزوه هذا الكلام إلى كتاب أبي عبيد، فلم نقف عليه في المطبوع منه. ١٧٧ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ كتاب الزكاة (١/ ٢٧٧-٢٧٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم قال: جاء كتابٌ من عمر بن عبدالعزيز / إلى أبي وهو بمِنَّى: أن لا تأخُذْ من الخيلِ ولا من العَسَلِ صدقةً. وأخرج ابن أبي شَيْبة ٣٤٨/٣ (١٤٢/٣) وعبد الرزاق (٦٩٦٥ و٦٩٦٦) بإسناد صحيح إلى نافع مولى ابن عمر قال: بَعَثَني عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأرَدت أن آخُذَ من العَسَل العُشر، فقال مُغيرة بن حكيم الصنعاني: ليس فيه شيء، فكَتَبت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: صَدَق، هو عَدْلٌ رِضاً، ليس فيه شيء. وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يُخالفُه، أخرجه عبد الرزاق (٦٩٦٨) عن ابن جُرَیج عن كتاب إبراهيم بن مَيسَرة قال: ذَكَر لي بعض مَن لا أنَّهم من أهلي: أنَّه تَذاكَرَ هو وعُرْوة ابن محمد السَّعْدي، فَزَعَمَ عُرْوة أنَّه كَتَبَ إلى عمر بن عبد العزيز يَسألُه عن صدقة العَسَل، فَزَعَمَ عُرْوة أنَّ كَتَبَ إليه: إنّا قد وجَدْنا بيان صدقة العَسَل بأرض الطائف، فخُذ منه العُشُورَ(١). انتهى، وهذا إسناد ضعيف لجَهالة الواسطة، والأول أثبت. وكأنَّ البخاري أشارَ إلى تضعيفِ ما رُوي: ((أَنَّ في العَسَل العُشرَ)) وهو ما أخرجه عبد الرزاق (٦٩٧٢) بسنده عن أبي هريرة قال: ((كَتَبَ رسول الله وَّل إلى أهل اليمن: أن يُؤْخَذَ من العَسَل العُشر))، وفي إسناده عبد الله بن مُرَّر - وهو بمُهمَلاتٍ وزنُ محمد - قال البخاري في ((تاريخه)): عبد الله متروكٌ، ولا يَصِحُّ في زكاة العَسَل شيء. قال التِّرمِذي: لا يَصِحُّ في هذا الباب شيء. قال الشافعي في القديم: حديثُ أنَّ في العَسَل العُشرَ ضعيف، وفي أن لا يُؤْخَذُ منه العُشر ضعيف، إلَّا عن عمر بن عبد العزيز، انتهى. وروى عبد الرزاق (٦٩٦٤) وابن أبي شَيْبة (٣/ ١٤٢) من طريق طاووس: أنَّ معاذاً لمَّا أتى اليمن، قال: لم أُؤْمَر فيهما بشيءٍ. يعني: العَسَل وأَوْقاص البقر، وهذا مُنْقَطِع، وأمَّا ما أخرجه أبو داود (١٦٠٠) والنَّسائي (٢٤٩٩) من طريق عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: جاء هلالٌّ أحد بني مُتْعانَ - أي: بضم الميمِ وسكون المثنَّة بعدَها مُهمَلة - إلى (١) في (س): العُشر. ١٧٨ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله ◌َّ بِعُشورِ نحلٍ له وكان سأله أن يَحمِيَ له وادياً فحَماه له، فلمَّا وُلِّيَ عمرُ كتب إلى عاملِه: إن أدَّى إليك عُشورَ نَحِلِه، فاحْمٍ له سَلَبَه وإلَّا فلا. وإسناده صحيح إلى عَمْرو، وترجمة عَمْرو قوية على المختار، لكن حيثُ لا تَعارُض. وقد وَرَدَ ما يدلُّ على أنَّ هلالاً أعطى ذلك تطوُّعاً، فعند عبد الرزاق (٦٩٦٧) عن صالح ابن دينار: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد يَنهاه أن يأخُذَ من العَسَلِ صدقةً إلَّا إن كان النبي ◌َِّ أخذَها، فجمع عثمان أهلَ العَسَل فشَهِدوا أنَّ هلال بن سعد قَدِمَ على النبي وَ بَعَسَل، فقال: ((ما هذا؟» قال: صدقة، فأمرَ برفعِها ولم يَذكُر عُشوراً. لكنَّ الإسناد الأولَ أقوى، إلَّا أَنَّه محمولٌ على أنَّه في مُقابَلة الحِمى كما يدلُّ عليه كتابُ عمر بن الخطّاب. وقال ابن المنذر: ليس في العَسَلِ خبر يَثبُتُّ ولا إجماع، فلا زكاةَ فيه، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة وأحمد وإسحاق: يجبُ العُشر فيما أُخِذَ من غير أرض الخَراج. وما نقله عن الجمهور مُقابلُه قول التِّرمِذي بعدَ أن أخرج حديث ابن عمر فيه (٦٢٩): والعملُ على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: ليس في العَسَلِ شيء، وأشارَ شيخُنا في ((شرحِه)) إلى أنَّ الذي نقله ابن المنذر أقوى. قال ابن المنيِّر: مُناسَبةُ أثرٍ عمرَ في العَسَلِ للترجمة من جهة أنَّ الحديثَ يدلُّ على أن لا عُشْرَ فيه؛ لأنَّه خَصَّ العُشر أو نصفَه بما يُسقى، فأفهَمَ أنَّ ما لا يُسقى لا يُعَشَّر. زاد ابن رُشَيْد: فإن قيل: المفهوم إنَّما يَنفي العُشر أو نصفَه لا مُطلَقَ الزكاة، فالجواب: أنَّ الناسَ قائلان: مُثبِتٌ للعُشرِ، ونافٍ للَّكاة أصلاً، فتَمَّ المراد، قال: ووَجهُ إدخالِهِ العَسَل أيضاً للتنبيه على الخلاف فيه، وأنَّه لا يَرى فيه زكاةً، وإن كانت النَّحِلُ تَتَغَذّى ممّا يُسقى من السماء، لكنَّ المتَوَلِّدَ بالمباشَرة كالزَّرع، ليس كالمُتَوَلِّدِ بواسطة حيوانٍ كاللَّبَن، فإِنَّه مُتَوَلِّدٌ عن الرَّعي ولا زکاةَ فیه. قوله: (عَثَرِيّا) بفتح المهملة والمثلَّثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، وحُكي عن ابن الأعرابي ٣٤٩/٣ تشديد المثلَّثة، ورَدَّ ثَعلَب، وحكى ابن عُدَيسٍ في ((المثلّث)) فيه ضَمَّ أوَّله وإسكانَ ثانيهِ. ١٧٩ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ كتاب الزكاة قال الخطَّابي: هو الذي يَشرَبُ بعُروقِه من غيرِ سَقْي، زاد ابن قُدَامةَ عن القاضي أبي يَعْلى: وهو المستَنقَعُ في بِرْكَةٍ ونحوها يُصَبُّ إليه من ماء المطرِ في سَواقِ تُشَقُّ له، قال: واشتقاقُه من العاثورِ: وهي الساقيةُ التي يجري فيها الماءُ، لأنَّ الماشي يَعثُرُ فيها. قال: ومنه الذي يَشَرَبُ من الأنهار بغير مُؤْنة، أو يَشرَبُ بعُروقِهِ كأن يُغْرَسَ في أرضٍ يكون الماءُ قريباً من وجهها فيَصِلُ إليه عُروق الشجرِ فيستغني عن السَّقي، وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عُبيد أنَّ العَثَري ما سَقَته السماء، لأنَّ سياق الحديث يدلُّ على المُغايرة، وكذا قول مَن فسَّرَ العَثَرِيَّ بأنَّه الذي لا حَمْلَ له، لأنَّه لا زكاةَ فيه، قال ابن قُدَامة: لا نَعلَمُ في هذه التفرقة التي ذَكَرناها خلافاً. قوله: ((بالنَّضْح)) بفتح النون وسكون المعجَمة بعدَها مُهمَلة، أي: بالسانية، وهي روايةٌ مسلم (٩٨١) والمراد بها: الإبل التي يُستَقى عليها، وذِكْرُ الإبلِ كالمثال، وإلَّ فالبَقَر وغيرُها كذلك في الحُكْم. قوله: ((قال أبو عبد الله: هذا تفسيرُ الأوَّل ... )) إلى آخره، هكذا وقع في رواية أبي ذرِّ هذا الكلام عَقِبَ حديث ابن عمر في العَثَري، ووقع في رواية غيره عَقِبَ حديث أبي سعيد المذكور في الباب الذي بعدَهُ (١٤٨٤)، وهو الذي وقع عند الإسماعيلي أيضاً، وجَزَمَ أبو عليّ الصَّدَفي بأنَّ ذِكرَه عَقِبَ حديث ابن عمر من قِبَلِ بعض نُسّاخ الكتاب. انتهى، ولم يَقِف الصَّغَاني على اختلاف الروايات، فجَزَمَ بأنَّه وقع هنا في جميعِها، قال: وحَقُّه أن يُذكَرَ في الباب الذي یلیه. قلت: ولِذِكْره عَقِبَ كلٍّ من الحديثين وَجهٌ، لكنَّ تعبيره بالأول يُرجِّحُ كونَه بعدَ حديث أبي سعيد، لأنَّه هو المفسِّرُ للذي قبله، وهو حديثُ ابن عمرَ، فحديث ابن عمر بعُمومِه ظاهر في عَدَم اشتراط النِّصاب، وفي إيجاب الزكاة في كلِّ ما يُسقى بمُؤْنة ويغير مُؤْنة، ولكنَّه عند الجمهور مُخْتَصُّ بالمعنى الذي سِيقَ لأجلِه وهو التَّمييزُ بين ما يجبُ فيه العُشْر أو نصف العُشِرِ، بخلاف حديث أبي سعيد، فإنَّه مُساقٌ لبيان جنس المُخرَج منه وقَدْرِه فأخذَ به الجمهورُ عملاً بالدّليلين، كما سيأتي بسط القول فيه بعدُ إن شاء الله تعالى. ١٨٠ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد جَزَمَ الإسماعيلي بأنَّ کلام البخاري وقع عقِبَ حديث أبي سعيد. ودَلَّ حديث الباب على التفرقة في القَدْرِ المُخرَج الذي يُسقى بنَضْحِ أو بغير نَضْح، فإن وُجِدَ ما يُسقى بهما فظاهره أنَّه يجبُ فيه ثلاثة أرباع العُشرِ إذا تَساوى ذلك، وهو قول أهل العلم. قال ابن قُدَامَةَ: لا نَعلَمُ فيه خلافاً، وإن كان أحدُهما أكثرَ كان حُكم الأقلّ تَبَعاً للأكثر، نصَّ عليه أحمد، وهو قول الثَّوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والثاني يُؤخَذُ بالقسط، ويحتملُ أن يقال: إن أمكنَ فصلُ كلّ واحد منهما أُخِذَ بحِسابه. وعن ابن القاسم صاحب مالك: العِبرة بما تَمَّ به الَّرعُ وانتهى ولو كان أقلّ، قاله ابن التِّين عن حكاية أبي محمد بن أبي زيد عنه، والله أعلم. تنبيه: قال النَّسائي (ك٢٢٧٩) عَقِبَ تخريج هذا الحديث: رواه نافع عن ابن عمر عن عمر قوله، قال: وسالم أجَلُّ من نافع، وقول نافعٍ أوْلى بالصواب. وقوله بعدَه: ((هذا تفسيرُ الأوَّل لأنَّه لم يُوَقِّت في الأوَّلِ)) أي: لم يَذكُر حَدّاً للنِّصاب. وقوله: «وبيَّنَ في هذا) يعني: في حديث أبي سعيد. قوله: ((والزّيادَة مَقْبُولَة)) أي: من الحافظ. والثَّبَتُ، بتحريك الموحّدة: الثَّبات والحُجَّة. قوله: ((والمفَسَّر يَقْضي على المبهَم)): أي: الخاصُّ يقضي على العامِّ، لأنَّ ((فيما سَقَّت)) عامّ يَشْمَلُ النِّصابَ ودونَه، و ((ليس فيما دونَ خمسة أوسُق صدقة)) خاصٌّ بقَدر النِّصاب. وأجاب بعض الحنفيَّة: بأنَّ مَحَلّ ذلك ما إذا كان البيان وَفْقَ المبيَّنِ لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، أمَّا إذا انتَفى شيء من أفراد العامّ مثلاً، فيُمكِنُ التمسُّكُ به كَحديث أبي سعيد هذا، فإنَّه دَلَّ على النِّصاب فيما يقبلُ التَّوسيقَ، وسَكَتَ عمَّا لا يقبلُ التَّوسيق، فيُمكِنُ التمسُّكُ بعُموم قوله: ((فيما سَقَت السماء العُشر)) أي: ممّا لا يُمكِّنُ التَّوسيقُ فيه عملاً بالدليلين.