النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٣٠ / ح ١٤٤٥ كتاب الزكاة فعل المعروف، أي: مِنْ سوى ما تقدَّم كإماطة الأذى، وعند عَدَم ذلك نَدَبَ إلى الصلاة، فإن لم يُطِقِ فَتَرْكُ الشَّرّ، وذلك آخِرُ المراتب. قال: ومعنى الشَّرِّ هنا: ما مَنَعَه الشَّرع، ففيه تسليةٌ للعاجزِ عن فعل المندوبات إذا كان عَجزُه عن ذلك من غير اختيار. قلت: وأشارَ بالصلاة إلى ما وقع في آخِر حديث أبي ذرِّ عند مسلم (٧٢٠): ((ويُجْزِئُ عن ذلك كلِّه ركعتا الضُّحى)) وهو يؤيِّدُ ما قَدَّمناه أنَّ هذه الصَّدَقَةَ لا يُكَمَّلُ منها ما يَخْتَلُ من الفرْض، لأنَّ الزكاةَ لا تُكَمِّلُ الصلاةَ ولا العكسُ، فدَلَّ على افتِراق الصَّدَقَتَين. واستُشكِلَ الحديث مع تقدُّم ذِكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض الكِفاية، فكيف تُجزِئُ عنه صلاة الضُّحى وهي من التطوُّعات؟ وأُجِيبَ بحَمْل الأمر هنا على ما إذا حَصَلَ من غيره فسَقَطَ به الفرْضُ، وكأنَّ في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تَرَكَه أجزأت عنه صلاة الضُّحى، کذا قيل، وفيه نظرٌ، والذي يظهرُ أنَّ المراد أنَّ صلاةَ الضُّحى تقومُ مقام الثَّلاث مئة وستّينَ حسنةً التي يُستَحبُّ للمَرءِ أن يَسعى في تحصيلِها كلَّ يومٍ لَيَعْتِقَ مَفَاصِلَه التي هي بعددِها، لا أنَّ المراد أنَّ صلاةَ الضُّحى تُغني عن الأمر بالمعروفِ وما ذُكِرَ معه، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الصلاةَ عملٌ بجميع الجَسَد، فتَتَحرَّكُ المفاصلُ كلُّها فيها بالعبادة. ويحتملُ أن يكون ذلك لكون الركعتَينِ تَشتَمِلان على ثلاث مئةٍ وستّينَ ما بين قولٍ وفعلٍ إذا جعلتَ كلَّ حَرفٍ من القراءة مثلاً صدقة، وكأنَّ صلاةَ الضُّحى خُصَّت بالذِّكرِ لكونها أولَ تطوُّعات النهار بعدَ الفرضِ وراتبَتِه، وقد أشارَ في حديث أبي ذرٍّ(١) إلى أنَّ صدقة السُّلامى نَهَارِيَّة، لقوله: ((يُصبحُ على كلُّ سُلامى من أحدِكم))، وفي حديث أبي هريرة (٢): ((كلّ يومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمس))، وفي حديث عائشة (٣): ((فيُمسي وقد زَحزَحَ نفسَه عن النار)). (١) عند مسلم برقم (٧٢٠). (٢) سيأتي في الصلح برقم (٢٧٠٧). (٣) عند مسلم برقم (١٠٠٧)، بلفظ: ((فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار)). ١٠٢ باب ٣١ / ح ١٤٤٦ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث أنَّ الأحكام تُجْرى على الغالب، لأنَّ في المسلمين مَن يأخُذُ الصَّدَقَةَ المأمور بصَرْفِها، وقد قال: ((على كلّ مسلم صدقة))، وفيه مُراجَعةُ العالم في تفسير المجمَلِ وتَخْصيصِ العامّ. وفيه فضل التَّكَسُّب لما فيه من الإعانة، وتقديم النَّفْسِ على الغير، والمراد بالنَّفْسِ: ذاتُ الشَّخصِ وما يَلزَمُه، والله أعلم. ٣١- باب قَدْر كم يُعطى من الزكاة والصدقة ومَن أعطى شاةً ١٤٤٦ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن حفصة بنتٍ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطيَّة رضي الله عنها قالت: بُعِثَ إلى نُسَيبةَ الأنصاريَّةِ بشاةٍ، فأرسَلَت إلى عائشةَ رضي الله عنها منها، فقال النبيُّ وَّةِ: ((عندَكم شيءٌ؟)) فقلتُ: لا، إلا ما أرسَلَت به نُسَيبةٌ من تلكَ الشّاةِ، فقال: ((هاتٍ، فقد بَلَغَت مِلَّها)). [طرفاه في: ١٤٩٤، ٢٥٧٩] قوله: ((باب قَدْرُ كم يُعْطَى من الزكاةِ والصَّدَقةِ، ومَن أعطى شاة)) أورَدَ فیه حدیث ◌ُمِّ عطيّة في إهدائها الشاةَ التي تُصُدِّقَ بها عليها. قال الزَّين بن المنيِّرِ: عطف الصَّدَقة على الزكاة من عطف العامِّ على الخاصّ، إذ لو اقتَصَرَ على الزكاة لَأفهَمَ أنَّ غيرَها بخلافها، وحَذَفَ مفعول ((يُعطي)) اختصاراً لكونهم ثمانيةَ أصناف، وأشارَ بذلك إلى الردِّ على مَن كَرِهَ أن يَدِفَعَ إلى شخصٍ واحدٍ قَدر النِّصاب، وهو تحكي عن أبي حنيفة. وقال محمد بن الحسن: لا بأس به، انتهى. وقال غيره: لفظُ الصَّدَقة يَعُمُّ الفرضَ والنَّفل، والزكاةُ كذلك، لكنَّها لا تُطلَقُ غالباً إلَّا على المفروضِ دونَ التطوُّع، فهي أخصُّ من الصَّدَقة من هذا الوجه، ولفظ الصَّدَقة من حيثُ الإطلاق على الفرضِ مرادف الزكاة، لا من حيثُ الإطلاق على النَّفْل، وقد تكرَّرَ في الأحاديثِ لفظُ الصَّدَقة على المفروضة، ولكنَّ الأغلَبَ التَّفْرِقَةُ، والله أعلم. ١٠٣ باب ٣٢ / ح ١٤٤٧ كتاب الزكاة قوله: ((بُعِثَ إلى نُسَيبةَ الأنصارية)) هي أُمُّ عطيّة، كذا وقع في رواية ابن السَّكَنِ عن ٣١٠/٣ الفِرَبْري، عن البخاري في آخر هذا الحديث، وكأنَّ السياقَ يَقْتضى أن يقول: ((بُعِثَ إِلَيَّ)) بلفظ ضمير المتكلُّم المجرور كما وقع عند مسلم (١٠٧٦) من طريق ابن عُليَّة عن خالد، لكنَّه في هذا السياق وَضَعَ الظاهرَ موضعَ المضمَر، إمّا تجريداً وإمّا التِفاتاً، وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث في ((باب إذا حُوِّلَت الصَّدَقة)) في أواخر كتاب الزكاة (١٤٩٤) إن شاء الله تعالى. ٣٢- باب زکاة الوَرِق ١٤٤٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عَمرِو بنِ يحبى المازِنيٍّ، عن أبيه، قال: سمعتُ أبا سعيدِ الخُذْريَّ قال: قال رسولُ الله وَّهَ: ((ليس فيما دُونَ خمسٍ ذَوْدٍ صدقةٌ من الإبلِ، وليس فيما دُونَ خمسٍ أواقٍ صدقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسةٍ أوسُقٍ صدقةٌ)). حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو، سمعَ أباه، عن أبي سعيدٍ ﴾، سمعتُ النبيَّ ◌ٍَِّ، بهذا. قوله: ((باب زكاة الوَرِق)) أي: الفضَّة، يقال: ((وَرِقَ)) بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسکونها. قال ابن المنيِر: لمّا كانت الفضَّة هي المال الذي يَكثُرُ دَوَرانُه في أيدي الناس، ويَرُوجُ بكلِّ مكانٍ، كان أولى بأن يُقدَّمَ على ذِكرٍ تفاصيل الأموال الَّكَوية. قوله: ((عن عَمْرو بن يحيى المازِني)) في ((موطَّ)) ابن وَهْب عن مالكِ: أنَّ عَمْرو بن یحیی حدَّثه. قوله: ((عن أبيه)) في ((مسند الحميدي)) (١٣٥) عن سفيان: ((سألت عَمْرو بن يحيى(١) بن عُمارة بن أبي الحسن المازني فحدَّثني عن أبيه))، وفي رواية يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - (١) في المطبوع: عن سفيان حدثني عمرو ... ١٠٤ باب ٣٢ / ح ١٤٤٧ فتح الباري بشرح البخاري التي ذكرها المصنِّفُ عَقِبَ هذا الإسناد التصريح بسماع عَمْرو - وهو ابن يحيى المذكورُ - له من أبيه، وهذا هو السِّرُّ في إيراده للإسناد خاصَّة. وقد حكى ابن عبد البَرِّ عن بعض أهل العلم: أنَّ حديثَ الباب لم يأتِ إلَّا من حديث أبي سعيد الخُدْري، قال: وهذا هو الأغلَب، إلّا أنَّني وجدتُه من رواية سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة، ومن طریق محمد بن مسلم عن عَمْرو بن دينار عن جابر، انتهى. وروايةُ سُهَيل في ((الأموال)) لأبي عُبيد (١٤٢٤) ورواية محمد بن مسلم(١) في ((المستدرك)) (١/ ٤٠١-٤٠٢)، وقد أخرجه مسلم (٩٨٠) من وجهٍ آخرَ عن جابر، وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد الله بن جَحْش، أخرج أحاديثَ الأربعة الدارَقُطْني (١٩٠٢ و١٩٠٩و٢٠٢٩) (٢)، ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٢٤/٣)، وأبو عُبيد أيضاً (١٤٢٣). قوله: ((خمس ذَوْدٍ)) بفتح المعجَمة وسكون الواو بعدَها مُهمَلة، وسيأتي الكلام عليه في بابِ مُفرَد (١٤٥٩). قوله: ((خمس أواقٍ)) زاد مالك (٢٤٤/١ -٢٤٥) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة، عن أبيه، عن أبي سعيد: ((خمس أواقٍ من الوَرِق صدقة))، وهو مُطابقٌ للفظ الترجمة، وكأنَّ المصنِّفَ أراد أن يُبيِّنَ بالترجمة ما أُبهمَ في لفظ الحديث اعتماداً على الطَّريق الأُخرى. و((أواقٍ)) بالتنوين، وبإثبات التحتانية مُشدَّداً ومُحُفَّفاً: جمعُ أوقيّة، بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى اللِّحياني ((وَقِيَّة)) بحذف الألف وفتح الواو. ومِقدارُ الأوقية في هذا الحديث أربعونَ درهماً بالاتّفاق، والمراد بالدِّرهَم: الخالصُ من الفضَّة سواء كان مضروباً أو غيرَ مضروب. (١) قوله: ((محمد بن)) سقط من (أ) و(س). (٢) ولم نقف في المطبوع من ((سنن الدارقطني)) على حديث أبي رافع. ١٠٥ باب ٣٢ / ح ١٤٤٧ كتاب الزكاة قال عياض: قال أبو عُبيد: إنَّ الدِّرهَمَ لم يكن معلومَ القَدرِ حتَّى جاء عبد الملك بن/ مروان فجَمَع العلماءَ، فجعلوا كلَّ عشرة دراهمَ سبعةَ مثاقيلَ، قال: وهذا يَلزَمُ منه أن ٣١١/٣ يكون وَ ل﴿ أحالَ بنِصاب الزكاة على أمرٍ مجهولٍ وهو مُشكِل، والصواب أنَّ معنى ما نُقِلَ من ذلك أنَّه لم يكن شيءٌ منها من ضَرْب الإسلام، وكانت مُخُتِلِفة في الوَزنِ بالنّسبة إلى العدد، فعشرةٌ مثلاً وَزْن عشرة، وعشرةٌ وزن ثمانية، فاتَّفَقَ الرَّأي على أن تُنْقَشَ بكتابةٍ عربيَّةٍ ویصیرَ وزنُها وزناً واحداً. وقال غيره: لم يتغيَّرَ المِثقال في جاهلية ولا إسلام، وأمَّا الدِّرهَمُ فأجمعوا على أنَّ كلّ سبعة مثاقيلَ عشرةُ دراهم، ولم يُخالِفْ في أنَّ نِصابَ الزكاة مثَنا درهمٍ يَبلُغُ مئة وأربعينَ مِثقالاً من الفِضَّة الخالصة، إلَّا ابنُ حَبيب الأندلسي فإنَّه انفَرَدَ بقوله: إنَّ كلَّ أهلِ بلدٍ يتعاملونَ بدراهمهم. وذكر ابن عبد البَرِّ اختلافاً في الوَزْن بالنّسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خَرَقَ المِرِيسي الإجماعَ فاعتَبَرَ النِّصاب بالعددِ لا الوزن، وانفَرَدَ السَّرَخْسي من الشافعية بحكاية وجهٍ في المذهبِ: أنَّ الدَّراهمَ المغشوشةَ إذا بَلَغَت قَدْراً لو ضُمَّ إليه قيمة الغِشِّ من نُحاسٍ مثلاً لَبَلَغَ نِصاباً، فإنَّ الزكاة تجبُ فيه كما نُقِلَ عن أبي حنيفة، واستدلَّ بهذا الحديث على عَدَم الوجوب فيما إذا نَقَصَ من النِّصاب ولو حَبّةً واحدةً، خلافاً لمن سامحَ بنقصٍ يسيرٍ كما نُقِلَ عن بعض المالكية. قوله: ((أوسُقٍ)) جمع وَسْقٍ بفتح الواو، ويجوزُ كسرُها كما حكاه صاحبُ ((المحكم)) وجمعُه حينئذٍ: أوساقٌ، كحِمْلٍ وأحمال، وقد وقع كذلك في روايةٍ لمسلم (٩٧٩/ ٤)، وهو ستُّونَ صاعاً بالاتّفاق، ووقع في رواية ابن ماجَهْ (١٨٣٢) من طريق أبي البَخْتَري عن أبي سعيد نحوُ هذا الحديث وفيه: ((والوَسْق ستّونَ صاعاً))، وأخرجها أبو داود أيضاً (١٥٥٩) لكن قال: ((ستّونَ مختوماً)(١)، والدارَقُطْني (٢٠٢٨) من حديث عائشة أيضاً. والوَسْقُ: ستّونَ صاعاً. (١) المختوم: هو الصاع. ١٠٦ باب ٣٣ فتح الباري بشرح البخاري ولم يقع في الحديث بيان المَكِيل بالأوسُق، لكن في رواية مسلم: ((ليس فيما دونَ خمسة أوسُق من تمر ولا حَبِّ صدقةٌ))، وفي روايةٍ له: ((ليس في حَبٍّ ولا تمر صدقةٌ حتَّى يَبلُغَ خمسةَ أوسُق))، ولفظُ: ((دونَ)) في المواضع الثلاثة بمعنى: أقلّ، لا أنَّ نَفَى عن غير الخَمْس الصَّدَقَةَ كما زَعَمَ بعض مَن لا يُعتَدُّ بقوله. واستُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الأُمور الثلاثة، واستُدِلَّ به على أنَّ الزّروعَ لا زكاةَ فيها حتَّى تَبلُغَ خمسة أوسُق، وعن أبي حنيفة: تجبُ في قَليلِه وكثيرِه لقوله وَلَّه: ((فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرُ))، وسيأتي البحث في ذلك في بابِ مُفرَدٍ (١٤٨٣) إن شاء الله تعالى. ولم يَتعرَّض الحديثُ للقَدْر الزائدِ على المحدود، وقد أجمعوا في الأوساق على أنَّه لا وَقْصَ فيها، وأمَّا الفضَّةُ فقال الجمهورُ: هو كذلك، وعن أبي حنيفة: لا شيءَ فيما زاد على مئتي درهمٍ حتَّى يَبلُغَ النِّصابَ، وهو أربعونَ، فجعل لها وَقْصاً كالماشية، واحتَجَّ الطَّبري(١) بالقياس على الثِّمار والحبوب، والجامعُ كَونُ الذَّهب والفضّة مُستَخرَجَينِ من الأرضِ بكلفةٍ ومؤونة، وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسُقِ فما زاد. فائدة: أجمع العلماء على اشتراط الحَوْلِ في الماشية والنَّقْدِ دونَ المعَشَرات(٢)، والله أعلم. ٣٣- باب العَرْض في الزكاة وقال طاووسِّ: قال معاذٌ ﴾ لأهلِ اليمن: اتتُوني بعَرْضٍ ثيابٍ خَمِيصٍ أو لَبِيسٍ في الصَّدَقةِ مكانَ الشَّعِيرِ والذُّرةِ، أهوَنُ عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبيِّ نَّ بالمدينةِ. وقال النبيُّ ◌َّ: ((وأمَّا خالدٌ احتَبَسَ أدراعَه وأعتُدَه في سبيلِ الله)). وقال النبيُّ ◌َ: ((تَصدَّقْنَ ولو من خُلِّكُنَّ)) فلم يَسْتَثْنِ صدقةَ الفَرْضِ من غيرِها، فجَعَلَتِ ٣١٢/٣ المرأةُ تُلْقي خُرْصَها وسِخابَها، ولم يَخُصَّ الذَّهبَ والفضَّةَ من العُرُوضِ. (١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرف في (س) إلى: واحتج عليه الطبراني! (٢) المعشَرات: هي التي يجب فيها زكاة العُشْر أو نصفه كالبُرِّ والشعير والتمر والزبيب ونحو ذلك من الثمار، سميت بذلك لأن فيها العُشر نظراً للغالب من سقيها بلا مؤنة، ونصف العُشر فيما سُقي بمؤنة. ١٠٧ باب ٣٣ / ح ١٤٤٨ - ١٤٤٩ كتاب الزكاة ١٤٤٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثني ثُمَامةُ، أنَّ أنساً ﴾ حدَّثه: أنَّ أبا بكرٍ ﴾ كَتَبَ له التي أمَرَ الله رسولَه ◌َّ: ومَن بَلَغَت صَدَقتُه بنتَ مَخَاضٍ، وليست عندَه وعندَه بنتُ لَبُونٍ، فإنَّها تُقبَلُ منه، ويُعْطِيه المصَدِّقُ عشرينَ درهماً أو شاتَينٍ، فإن لم يكن عنده بنتُ مَخَاضٍ على وَجْهِها وعندَه ابنُ لَبُّونٍ، فإنَّه يُقبَلُ منه وليس معه شيءٌ. [أطرافه في: ١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥] ١٤٤٩ - حدَّثنا مُؤمَّلٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن عطاء بنِ أبي رَباحِ قال: قال ابنُ عبَّاسٍ: أشهَدُ على رسولِ الله وَّهَ لَصَلَّى قبلَ الخُطْبةِ، فَرَأى أنَّه لم يُسْمِعِ النِّساءَ، فأتاهُنَّ ومعه بلالٌ ناشرَ ثَوْبِهِ فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ أن يَتصدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المرأةُ تُلْقِي، وأشارَ أيوبُ إلى أُذُنِهِ وإلى حَلْقِهِ. قوله: ((باب العَرْض في الزكاة)) أي: جواز أخذ العَرْض، وهو بفتح المهمَلة وسكون الراء بعدَها معجمة، والمراد به ما عَدا النَّقْدَين. قال ابن رُشَيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفيَّة مع كَثْرة مُحَالَفَتِه لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليلُ. وقد أجاب الجمهورُ عن قصَّة معاذ وعن الأحاديثِ كما سيأتي عَقِبَ كلِّ منها. قوله: ((وقال طاووس: قال معاذ لأهلِ اليمن)) هذا التعليق صحيحُ الإسناد إلى طاووس، لكنَّ طاووساً لم يسمع من معاذ فهو مُنقَطِعٍ، فلا يُغتَرُّ بقول مَن قال: ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيحٌ عنده؛ لأنَّ ذلك لا يفيدُ إلَّ الصِّحّة إلى مَن عُلِّقَ عنه، وأمَّا باقي الإسناد فلا، إلَّا أنَّ إيرادَه له في مَعرِض الاحتجاج به يقتضي قوَّتَه عنده، وكأنَّه عَضَدَه عنده الأحاديثُ التي ذكرها في الباب. وقد رُوّينا أثر طاووس المذكور في كتاب ((الخَراج)) ليحيى ابن آدم (٥٢٦) من رواية ابن عُيَينةَ عن إبراهيم بن مَيسَرة وعَمْرو بن دينار، فرَّقَهما كلاهما عن طاووس. ١٠٨ باب ٣٣ / ح ١٤٤٨-١٤٤٩ فتح الباري بشرح البخاري وقولُهُ: ((خَمِيصٍ) قال الداوودي والجَوْهري وغيرهما: ثوبٌ خَمِيسٌ، بسينٍ مُهمَلةٍ: هو ثوب طوله خمسة أذرُع، وقيل: سُمّي بذلك لأنَّ أولَ مَن عَمِله الخميس مَلِكٌ من ملوك اليمن. وقال عياض: ذكره البخاري بالصاد، وأمَّا أبو عُبيدة فذكره بالسّين، قال أبو عُبيدة: كأنَّ معاذاً عَنَى الصَّفيقَ من الثّياب. وقال عياض: قد يكون المراد ثوب خَميص، أي: ◌َميصة، لكن ذكره على إرادة الثَّوب. وقوله: (لَبِيس)) أي: ملبوسٍ، فعيل بمعنى مفعول. وقوله: ((في الصَّدَقة)) يَرُدُّ قول مَن قال: إنَّ ذلك كان في الخَراج، وحكى البيهقي (٤/ ١١٣) أنَّ بعضهم قال فيه: ((من الجِزية)) بدل الصَّدَقة، فإن ثَبَتَ ذلك سَقَطَ الاستدلال، لكنَّ المشهورَ الأول، وقد رواه ابن أبي شَيْبة (١٨١/٣) عن وكيع، عن الثَّوري، عن إبراهيم ابن مَسَرة، عن طاووس: ((أنَّ معاذاً كان يأخُذُ العُروضَ في الصَّدَقة)). وأجاب الإسماعيلي باحتمال أن يكون المعنى: ائتوني به آخُذُه منكم مكانَ الشَّعير والذُّرة الذي آخُذُه شراءً بما آخُذُه، فيكون بقَبْضِه قد بَلَغَ مِلَّه، ثمَّ يأخُذُ مكانَه ما يشتريه ممَّا هو أوسَعُ عنِهم وأَنفَعُ للآخذ. قال: ويؤيِّدُه أنَّها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودةً على الصحابة، وقد أمَرَه النبي وَّه أن يأخُذَ الصَّدَقَةَ من أغنيائهم فيَرُدَّها على فقرائهم. ٣١٣/٣ وأُجيبَ بأنَّه لا مانعَ من أنَّه كان يَحِمِلُ الزكاةَ إلى الإمام ليتولَّ قِسمَتَها. وقد احتَجَّ به مَن يُحِيزُ نَقْلَ الزكاة من بلدٍ إلى بلد، وهي مسألةٌ خلافيةٌ أيضاً. وقيل في الجواب عن قصَّة معاذ: إنَّها اجتهادٌ منه فلا حُجَّةَ فيها، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه كان أعلمَ الناس بالحلال والحرام، وقد بيَّن له النبيُّ وَ ل﴿ لمَّا أرسله إلى اليمن ما يَصنع. وقيل: كانت تلك واقعة حالٍ لا دلالةَ فيها، لاحتمال أن يكون عَلِمَ بأهل المدينة حاجةً لذلك، وقد قام الدليلُ على خلاف عَمَلِه ذلك. ١٠٩ باب ٣٣ / ح ١٤٤٨ - ١٤٤٩ كتاب الزكاة وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: كانوا يُطلِقونَ على الجِزية اسم الصَّدَقة، فلعلَّ هذا منها. وتُعقّبَ بقوله: ((مكان الشَّعير والذُّرة)) وما كانت الجِزية حينئذٍ من أولَئِك من شَعیرٍ ولا ذُرةٍ إلَّا من النَّقْدَين. وقولُهُ: ((أهوَنُ عليكم)) أراد معنى تَسَلُّط السُّهولة عليهم، فلم يُقَل: أهوَن لكم. وقوله: ((وخيرٌ لأصحاب محمَّد)) أي: أرفَقُ بهم؛ لأنَّ مُؤنة النَّقل ثَقيلة، فرأى الأخفَّ في ذلك خيراً من الأثقل. وسيلة قوله: ((وقال النبي وَلّ: وأمَّا خالدٌ)) هو طرفٌ من حديثٍ لأبي هريرة أوله: ((أمَرَ النبي صَلىالله بصدقة، فقيل: مَنَعَ ابن جَميل)) الحديث، وسيأتي موصولاً في ((باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي اُلْرِقَابٍ﴾)) (١٤٦٨) مع بقيّة الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال النبي ◌َِّ: تَصدَّقْنَ ولو من خُليَّكُنَّ، فلم يَسْتَئنِ صدقةَ الفَرْض من غيرِها، فَجَعَلَت المرأة تُلْقي خُرْصَها وسِخابَها، ولم يَخُصَّ الذَّهبَ والفِضَّةَ من العُروض)) أمَّا الحديث فطرفٌ من حديثٍ لابن عبّاس أخرجه المصنّفُ بمعناه، وقد تقدَّم في العيدين (٩٦٤)، وهو عند مسلم (١٣/٨٩٠) بلفظه من طريق عَديٍّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس وأوله: خرج النبي وَّ يومَ فِطْر أو أضحى ... الحديث، وفيه: فجعلت المرأة تُلقي خُرْصَها وسِخابَها. والخُرْصُ، بضم المعجَمة وسكون الراء بعدَها مُهمَلة: الحَلْقة التي تُجعَلُ في الأُذُن، وقد ذكره المصنِّفُ موصولاً في آخر الباب (١٤٤٩) لكن لفظُه: ((فجعلتِ المرأة تُلقي، وأشارَ أيوبُ إلى أُذُنِهِ وحَلْقِه)) وقد وقع تفسيرُ ذلك بما ذكره في الترجمة من قوله: ((تُلقي خُرْصَها وسِخابَها)) لأنَّ الْخُرْصَ من الأُذُن، والسِّخاب من الخَلْق، والسِّخاب بكسر المهمَلة بعدَها معجمة وآخرُه موحّدة: القِلادة. وقوله: ((فلم يستثن) وقوله: ((فلم يَخُصَّ)» كلٍّ من الكلامينِ للبخاري ذكرهما بياناً لكيفية الاستدلال على أداء العَرْضِ في الزكاة، وهو مَصيرٌ منه إلى أنَّ مصارفَ الصَّدَقة الواجبة كمصارفٍ صدقة التطوُّع بجامع ما فيهما من قَصْد القُرْبة، والمصروف إليهم بجامع الفقرِ والاحتياج، إلّا ما استثناه الدليلُ. ١١٠ باب ٣٤ / ح ١٤٥٠ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا مَن وَجَّهَه فقال: لمَّا أمَرَ النبيُّ وَّهِ النِّساءَ بالصَّدَقة في ذلك اليوم، وأمرُه على الوجوب، صارت صدقةً واجبةً، ففيه نظرٌّ؛ لأنَّه لو كان للإيجاب هنا لكان مُقدَّراً، وكانت المجازفة فيه وقَبُول ما تيسّر غیرَ جائز. ويُمكِنُ أن يكون تمسَّك بقوله: ((تَصدَّقنَ)) فإنَّه مُطلَق يَصلُحُ لجميع أنواع الصَّدَقات واجبِها ونَفْلِها، وجميع أنواع المتصدَّق به عَيناً وعَرْضاً، ويكون قوله: ((ولو من حُلِيِّكُنَّ) للمُبالَغة، أي: ولو لم تَجِدنَ إلَّا ذلك، وموضعُ الاستدلال منه للعَرْضِ قوله: ((وسِخابها)» لأَنَّه قِلادةٌ تُتَّخَذُ من سُكِّ (١) وقَرَنْفُلِ ونحوهما تُجعَل في العُثُق، والبخاري فيما عُرِفَ بالاستقراء من طريقته يَتمسَّكُ بالْمُطْلَقات تمسُّكَ غِيرِه بالعُمومات. ثم ذكر المصنِّف في الباب حديثَ أنسٍ: أنَّ أبا بكر كَتَبَ له، فذَكَر طَرفاً من حديث الصَّدقات، وسيأتي مُعظَمُه في ((باب زكاة الغنم)) (١٤٥٤)، وموضع الدّلالة منه قَبُول ما هو أنفَسُ ممَّا يجبُ على المتصدِّق، وإعطاؤه التَّفاوُتَ من جنسٍ غير الجنس الواجب، وكذا العكسُ، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنَّه لو كان كذلك لكان يُنظَر إلى ما بين الشَّيْئَيْنِ في القيمة، فكان العَرْضُ يزيدُ تارةً ويَنقُصُ أُخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلمَّا قَدَّرَ الشارعُ التَّقاوُتَ بمقدارٍ مُعيٍَّ لا يزيدُ ولا يَنقُصُ كان ذلك هو الواجبَ في/ ٣١٤/٣ الأصلِ في مثلِ ذلك، ولولا تقديرُ الشارع بذلك لَتَعيَّنتْ بنتُ المَخاض مثلاً، ولم يَجُز أن تُبَدَّلَ بِنْتِ لَبون مع التَّفْاوُت، والله أعلم. ٣٤ - باب لا يجمع بين مُفتَرِقٍ ولا يفرّق بين مُجتَمِع ويُذكَرُ عن سالمٍ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ وَلِّ، مِثْلُه. ١٤٥٠ - حدَّثنا محمّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثني تُمامةُ، أنَّ (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: مسك، والسُّك: طيب يُتخذ من مِسْك ورامِك، والرامك: شيء أسود كالقار يُخلط بالمِسْك فيُجعل سُكّاً، انظر ((الصحاح)) للجوهري، و((المحيط في اللغة)) للصاحب ابن عبّاد (سكك) و(رمك). ١١١ باب ٣٤ / ح ١٤٥٠ كتاب الزكاة أنساً ﴾ حدَّثه: أنَّ أبا بكرِ﴾ه كَتَبَ له التي فَرَضَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((ولا يُجمَعُ بین مُفتَرِقٍ، ولا يُفرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ، خَشْبَةَ الصَّدَقة)). قوله: ((باب لا يُجمَعُ بين مُفتَرِقٍ ولا يُفرَّقُ بين مُجْتَمِع)) في رواية الكُشْمِيهني: ((مُتَفرِّق)) بتقدیم التاء وتشديد الراء. قال الزَّين بن المنِّر: لم يُقيِّد المصنّفُ الترجمةَ بقوله: خَشْية الصَّدَقة، لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك كما سيأتي. قوله: ((ويُذكَّرُ عن سالمٍ عن ابن عُمَر عن النبي ◌َّهِ مِثْلُهُ)) أي: مثلُ لفظ هذه الترجمة، وهو طرفٌ من حديثٍ أخرجه أبو داود (١٥٦٨) وأحمد (٤٦٣٤) والتِّرمِذي (٦٢١) والحاكمُ (٣٩٢/١ -٣٩٣) وغيرُهم من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهْري عنه موصولاً، وسفيان ابن حسين ضعيف في الزُّهْري، وقد خالَفَه مَن هو أحفظُ منه في الزُّهْري، فأرسلَه (١)، أخرجه الحاكم (١/ ٣٩٣-٣٩٤) من طريق يونس بن يزيد عن الزُّهْري، وقال: إنَّ فيه تقويةً لرواية سفيان بن حسين؛ لأنَّه قال عن الزُّهْري: قال: أقرأَنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوَعَيتُها على وجهِها ... فذكر الحديثَ، ولم يقل: إنَّ ابن عمر حدَّثه به، ولهذه العِلّة لم يَجِزِم به البخاري، لكن أورَدَه شاهداً لحديث أنس الذي وَصَلَه البخاري في الباب، ولفظُهُ: ((ولا يُحِمَعُ بين مُتَفَرِّق)) بتقديم التاء أيضاً، وزاد: ((خَشْية الصَّدَقة)) واختُلِفَ في المراد بالخشْیة کما سنذكره. وفي الباب عن عليّ عند أصحاب ((السُّنَن))(٢)، وعن سُوَيد بن غَفَلَةَ قال: أتانا مُصدِّق النبي ◌َِّ فقرأت في عَهدِه، فذكر مثله، أخرجه النَّسائي(٣) (٢٤٥٧)، وعن سعد بن أبي وقَّاص أخرجه البيهقي (١٠٦/٤). قال مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢٦٤): معنى هذا الحديث أن يكون النَّرُ الثلاثة لكلِّ واحدٍ منهم أربعونَ شاةً وَجَبَت فيها الزكاة، فيَجمعونَها حتّی (١) قوله: فأرسله، سقط من (س). (٢) أخرجه أبو داود برقم (١٥٧٢). (٣) وهو في ((المسند)) برقم (١٨٨٣٧)، وإسناده حسن، وانظر تتمة تخريجه فيه. ١١٢ ـسيـ باب ٣٥ / ح ١٤٥١ فتح الباري بشرح البخاري لا تجبَ عليهم كلِّهم فيها إلَّا شاة واحدة، أو يكون للخَليطَينِ مئتا شاة وشاتان، فيكون عليهما فيها ثلاث شِيَاه، فيُفرِّقونَها حتَّى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلَّا شاةً واحدةً. وقال الشافعي: هو خطابٌ لرَبّ المال من جهةٍ، وللساعي من جهة، فأَمَرَ كلَّ واحدٍ منهم أن لا يُحدِثَ شيئاً من الجمع والتَّفْريق خَشْية الصَّدَقَةَ، فَرَبُّ المال يخشى أن تَكثُرُ الصَّدَقَةُ فِيَجمعَ أو يُفرِّقَ لتَقِلَّ، والساعي يخشى أن تَقِلَّ الصَّدَقَةُ فيَجمعَ أو يُفرِّقَ لتَكثُرُ، فمعنى قوله: ((خَشْية الصَّدَقة)) أي: خَشْية أن تَكثُرُ الصَّدَقةُ أو خَشْية أن تَقِلَّ الصَّدَقة، فلمَّا كان مُتِمِلاً للأمرين، لم يكنِ الحَمْلُ على أحدهما بأَولى منَ الآخَر، فحُمِلَ عليهما معاً، لكن الذي يظهرُ أنَّ حَمْلَه على المالكِ أظهَرُ، والله أعلم. واستُدِلَّ به على أنَّ مَن كان عنده دونَ النِّصاب من الفضَّة، ودونَ النِّصاب من الذَّهب مثلاً، أنَّه لا يجبُ ضَمُّ بعضِه إلى بعض، حتَّى يصيرَ نِصاباً كاملاً فتجبَ فيه الزكاة، خلافاً لمن قال: يُضَمُّ على الأجزاءِ كالمالكية، أو على القِيَم كالحنفيَّة. واستُدِلَّ به لأحمد على أنَّ مَن كان له ماشيةٌ ببلدٍ لا تَبلُغُ النِّصاب، كعشرينَ شاةً مثلاً بالكوفة، ومِثْلُها بالبصرة أنَّها لا تُضَمُّ باعتبار كَونِها مِلك رجلٍ واحد، وتُؤْخَذُ منها الزكاة لبلوغِها النِّصاب، قاله ابن المنذر، وخالَفَه الجمهورُ، فقالوا: يُجمَعُ على صاحب المال أموالُه ولو كانت في بُلدانٍ شَتَّى، ويُخْرَجُ منها الزكاة. واستُدِلَّ به على إيطال الحيل، والعَملِ على المقاصد المَدْلولِ عليها بالقرائن، وأنَّ زكاةً ٣١٥/٣ العَيْن لا تَسقُطُ بالِبَة مثلاً، والله أعلم. ٣٥- باب ما كان من خَليطَين فإنَّما يتراجعان بينهما بالسَّويَّة وقال طاووسٌ وعطاءٌ: إذا عَلِمَ الخَلِيطان أموالَهما فلا يُجمَعُ مالُهما. وقال سفيانُ: لا تَجِبُ حتَّى يَتِمَّ لهذا أربعونَ شاةً ولهذا أربعونَ شاةً. ١٤٥١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثني ثُمَامةُ، أنَّ أنساً حدَّثه: أنَّ ١١٣ باب ٣٥ / ح ١٤٥١ كتاب الزكاة أبا بكرٍ كَتَبَ له التي فَرَضَ رسولُ الله وَّةِ: ((وما كان من خَلِيطَينِ فإنََّما يَتراجَعان بينَهما بالسّوِئَةِ». قوله: ((باب ما كان من خَليطَينِ فإنَّهما يَتراجَعان بينهما بالسَّوية)) اختُلِفَ في المراد بالخَلِيطِ کما سيأتي. فعند أبي حنيفة أنَّه الشَّريكُ، قال: ولا يجبُ على أحدٍ منهم فيما يَملِكُ إلَّا مثلُ الذي كان يجبُ عليه لو لم يكن خُلِط. وتعقَّبه ابن جَرِير بأنَّه لو كان تفريقُها مثلَ جَمْعِها في الحُكْم، لَبَطَلَت فائدة الحديث، وإنَّما نهى عن أمرٍ لو فعَله كانت فيه فائدةٌ قبلَ النَّهي، ولو كان كما قال، لما كان لتراجع الخَلِيطَيْنِ بينهما بالسَّوية معنَى. قوله: ((يَتراجَعان)) قال الخطَّبي: معناه أن يكون بينهما أربعونَ شاةً مثلاً، لكلِّ واحدٍ منهما عشرونَ، قد عَرَفَ كلٌّ منهما عَيْنَ مالِهِ، فيأخُذُ المصَدِّقُ من أحدِهما شاةً، فَرجِعُ المأخوذُ من مالِه على خليطِه بقيمة نصف شاة، وهذه تُسمَّى خُلطة الجوار. قوله: ((وقال طاووس وعطاء ... )) إلى آخره، هذا التعليق وَصَلَه أبو عُبيد في ((كتاب الأموال)» (١٠٧٩) قال: ((حدَّثنا حَجّاج، عن ابن جُرَيج، أخبرني عَمْرو بن دينار، عن طاووس، قال: إذا كان الخَلِيطان يَعلَمَان أموالَما لم يُجمَعْ مالهما في الصَّدَقة، قال - يعني ابن جُرَيج -: فذكرتُه لعطاء، فقال: ما أُراه إلَّ حَقّاً)) وهكذا رواه عبد الرزاق (٦٨٣٨) عن ابن جُرَيج عن شيخِه، وقال أيضاً عن ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ناس خُلَطاء لهم أربعونَ شاةً؟ قال: عليهم شاةٌ. قلت: فلواحِد تسعة وثلاثونَ شاةً ولآخرَ شاةٌ؟ قال: عليهما شاةٌ. قوله: ((وقال سفيان: لا تَجِبُ حتَّى يَتِمَّ لهذا أربعُونَ شاةً ولهذا أربعُونَ شاةً)) قال عبد الرزاق (٦٨٣٩) عن الثَّوري: قولنا لا يجبُ على الخَلِيطَينِ شيءٍ إلَّا أن يَتِمَّ لهذا أربعونَ، ولهذا أربعونَ. انتهى، وبهذا قال مالكٌ، وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بَلَغَت ماشيتُهما النِّصاب زَكَّيا، والخُلْطة عندهم أن يجتمعا في المَسرَحِ والمَبيت والحوضِ والفَحْل، والشَّرِكة أخصُّ منها. ١١٤ باب ٣٦ / ح ١٤٥٢ فتح الباري بشرح البخاري وفي ((جامع سفيان الثَّوري)) عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر: ما كان من خَليطَيْنِ فإنَّهَا يَتراجَعان بالسَّوية. قلت لعُبيد الله: ما يعني بالخَلِيطَينِ؟ قال: إذا كان المَراحُ واحداً والرّاعي واحداً والدَّلْو واحداً. ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ طرفاً من حديث أنسٍ المذكور، وفيه لفظ الترجمة. واختُلِفَ في المراد بالخَلِيط، فقال أبو حنيفة: هو الشَّريك، واعتُرِضَ عليه بأنَّ الشَّريك قد لا يَعرِفُ عَين مالِه، وقد قال: إنَّهما يَتراجَعان بينهما بالسَّوية، ومما يدلُّ على أنَّ الْخَلِيطَ لا يستلزمُ أن يكون شريكاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ اْخُلَطَاءِ﴾ وقد بيَّنه قبلَ ذلك قوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَنَسْعُونَ نَجْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ ﴾ [ص:٢٣]. واعتَذَرَ بعضهم عن الحنفيَّة بأَهم لم يَبلُغْهم هذا الحديث، أو رأوا أنَّ الأصلَ قوله: ((ليس فيما دونَ خمس ذَودٍ صدقة))(١)، وحُكمُ الخُلْطة بغير هذا الأصلِ، فلم يقولوا به. ٣١٦/٣ ٣٦- باب زکاة الإبل ذَكَرَه أبو بكرٍ وأبو ذرٍّ وأبو هريرةَ رضي الله عنهم، عن النبيِّ ◌َّ. ١٤٥٢ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني ابنُ شِهابٍ، عن عطاء بنِ يزيدَ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ﴾: أنَّ أعرابيّاً سألَ رسولَ الله وَِّ عن الهِجْرةِ فقال: ((وَيْحَكَ إنَّ شَأْنَها شديدٌ، فهل لكَ من إبلٍ تُؤَدّي صَدَقتَها؟)) قال: نعم. قال: ((فاعمَل مِنْ وَراء البحار، فإنَّ اللهَ لَن يَتِرَكَ من عَملِكَ شيئاً)). [أطرافه في: ٢٦٣٣، ٣٩٢٣، ٦١٦٥] قوله: ((باب زكاةِ الإبل)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية الكُشْمِيهني والحَمُّوِيّ. قوله: (ذَكَرَه أبو بكر وأبو ذرِّ وأبو هريرة رضي الله عنهم عن النبي ◌َّ)) أَمَّا حديث أبي بكر فقد ذكره مطوَّلاً كما سيأتي بعدَ بابٍ من رواية أنس عنه (١٤٥٤)، ولأبي بكر حديث آخر تقدَّم أيضاً فيما يتعلَّقُّ بقتال مانعي الزكاة (١٣٩٩ و١٤٠٠). (١) سلف برقم (١٤٠٥). ١١٥ باب ٣٧ / ح ١٤٥٣ كتاب الزكاة وأمَّا حديثُ أبي ذرٍّ، فسيأتي بعدَ ستَّة أبوابٍ (١٤٦٠) من رواية المَعْرور بن سُوَيدٍ عنه في وَعِيد مَن لا يُؤدّي زكاةَ إِيلِه وغيرها، ويأتي منه حديثُ أبي هريرة أيضاً في ذلك إن شاء الله تعالى. ثمَّ ذكر المصنِّفُ حديثَ الأعرابي الذي سألَ عن شَأن الهجرة، ومَوضعُ الحاجة منه قوله: «فهل لك من إبلِ تُؤَدّي صَدَقتَها؟ قال: نعم))، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في كتاب الهجرة(١) إن شاء الله تعالى. قال الزَّين بن المنيِرِ: في هذه الأحاديثِ أحكام مُتَعَدِّدة تَتَعلَّقُ بهذه الترجمة، منها إيجاب الزكاة، والتَّسوية بينها وبين الصلاة في قتال مانعيها حتَّى لو مَنَعوا عِقالاً: وهو الذي تُربَطُ به الإبل، وتَسميتُها فريضةً وذلك أعلى الواجبات، وتُوعِّدَ مَن لم يُؤدِّها بالعقوبة في الدار الآخرة كما في حديثَي أبي ذرِّ وأبي هريرة. وفي حديث أبي سعيد فَضْلُ أداء زكاة الإبل، ومُعادلة إخراج حقّ الله منها لِفَضْل الهجرة، فإنَّ في الحديث إشارةً إلى أنَّ استقرارَه بوَطَنِهِ إذا أدّى زكاةَ إبلِه، يقومُ له مَقامَ ثواب هِجرَته وإقامته بالمدينة. ٣٧- باب مَن بَلغتْ عندَه صدقةُ بنتِ مخاضٍ وليست عنده ١٤٥٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني ثُمامةُ، أنَّ أنساً ﴾ه حدَّثه: أنَّ أبا بكرٍ كَتَبَ له فريضةَ الصَّدَقةِ التي أمَرَ الله رسولَه وَّهِ: مَن بَلَغَت عندَه من الإبلِ صدقةُ الجَذَعةِ، وليست عندَه جَذَعةٌ وعندَه حِقّةٌ فإنَّهَا تُقبَلُ منه الِحِقّةُ، ويَجْعَلُ معها شائَينِ إِنِ استَسَرَتا له، أو عشرينَ درهماً. ومَن بَلَغَت عندَه صدقةُ الحِقّةِ وليست عندَه الحِقّةُ وعندَه الجَذَعةُ، فإنَّهَا تُقبَلُ منه الجَذَعةُ، ويُعْطِيه المُصَدِّقُ عشرينَ درهماً أو شاتَينٍ. (١) في (باب هجرة النبي (آله وأصحابه إلى المدينة)) حديث رقم (٣٩٢٣). ١١٦ باب ٣٧ / ح ١٤٥٣ فتح الباري بشرح البخاري ومَن بَلَغَت عندَه صدقةُ الحِقّةِ وليست عندَه إلا بنتُ لَبُونٍ، فإنَّها تُقبَلُ منه بنتُ لَبُونٍ، ويُعْطي شاتَينٍ أو عشرينَ درهماً. ومَن بَلَغَت صَدَقتُهُ بنتَ لَبُونٍ وعندَه حِقّةٌ، فإنَّها تُقبَلُ منه الِحِقّةُ ويُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عشرينَ درهماً أو شاتَينِ. ومَن بَلَغَت صَدَقتُهُ بنتَ لَبُونٍ وليست عندَه، وعندَه بنتُ مَخَاضٍ، فإنَّهَا تُقبَلُ منه بنتُ مَخَاضٍ ويُعْطي معها عشرينَ درهماً أو شاتَين. ٣١٧/٣ قوله: ((باب مَن بَلَغَت عنده صدقة بنتِ مَخَاض وليست عنده)) أورَدَ فيه طرفاً من حديث أنس المذكور، وليس فيه ما ترجم به، وقد أورَدَ احُكْمَ الذي ترجم به في ((باب (٣٣) العَرْض في الزكاة)) وحذفه هنا، فقال ابن بَطَّال: هذه غَفْلة منه. وتعقَّبه ابن رُشَيد وقال: بل هي غَفْلَةٌ مَمَّن ظَنَّ به الغَفْلَةَ، وإنَّما مَقصِدُه أن يستدِلَّ على مَن بَلَغَت صَدَقتُه بنتَ مَخَاض، وليست عنده هي ولا ابنُ لَبُون، لكن عنده مثلاً حِقّةٌ، وهي أرفَعُ من بنت مَخَاض؛ لأنَّ بينهما بنتَ لَبُون، وقد تَقرَّرَ أنَّ بين بنتِ اللَّبُون وبنت المَخاض عشرينَ درهماً أو شاتَين، وكذلك سائر ما وقع ذِكرُه في الحدیث من سِنِّ یزیدُ أو يَنْقُصُ إِنَّمَا ذَكَر فيه ما يليها، لا ما يقعُ بينهما بتَفاوت درجةٍ، فأشارَ البخاري إلى أنَّه يُستَنَبَطُ من الزائدِ والناقصِ المتَّصِل(١) ما يكون مُنفَصِلاً بحساب ذلك. فعلى هذا مَن بَلَغَت صَدَقتُه بنتَ مَخَاض وليست عنده إلَّا حِقّة، أن يَرُدَّ عليه المُصدِّقُ أربعينَ درهماً أو أربع شياهٍ جُبْراناً أو بالعكس، فلو ذكر اللفظَ الذي تَرجَم به لمَا أفهَمَ هذا الغَرَض، فتَدَّرْهُ، انتھی. قال الزّين بن المنيِّر: مَن أمعَنَ النَّظَرَ في تراجمِ هذا الكتاب وما أودَعَه فيها من أسرار المقاصد، استَبعَدَ أن يَغْفُلَ أو يُهمِلَ أو يَضَعَ لفظاً بغير معنًى، أو يَرسُمَ في الباب خَبَراً يكون غيرُه به أقعَدَ وأَوْلى، وإِنَّمَا قَصَدَ بذِكْرِ ما لم يُترجِم به أن يُقرِّرَ أنَّ المفقودَ إذا وَجَدَ الأكمَل منه (١) تحرف في (س) إلى: والمنفصل. ١١٧ باب ٣٨ / ح ١٤٥٤ كتاب الزكاة أو الأنقَص، شُرِعَ الْجُبْرانُ كما شُرِعَ ذلك فيما تَضَمَّنَه هذا الخبرُ من ذِكْرِ الأسنان، فإنَّه لا فرقَ بين فَقْدِ بنتِ المخاض ووجود الأكمَلِ منها. قال: ولو جَعَل العُمدةَ في هذا الباب الخبرَ المشتَمِلَ على ذِكْرٍ فَقْدِ بنتِ المَخَاض، لكان نَصّاً في التَّرجمة ظاهراً، فلمَّا تَرَكَه واستَدَلَّ بنَظِيره أفهَمَ ما ذَكَرناه من الإلحاق بنفي الفَرْق وتَسويَتِه بين فَقْدٍ بنتِ المخاض ووجودِ الأكمَلِ منها، وبَين فَقْد الحِقَّة ووُجودِ الأكمَلِ منها، والله أعلم. ٣٨- باب زكاة الغنم ١٤٥٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ المثنَّى الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني ثُمامةُ ابنُ عبدِ الله بنِ أنسٍ، أنَّ أنساً حدَّثه: أنَّ أبا بكرٍ كَتَبَ له هذا الكتابَ لمَّا وَجَّهَه إلى البحرَينِ: بسم الله الرحمن الرَّحيم، هذه فرِيضةُ الصَّدَقةِ التي فَرَضَ رسولُ اللهَِّ على المسلمينَ، والتي أمَرَ الله بها رسولَه، فمَن سُئِلَها من المسلمينَ على وَجْهِها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فَوْقَها فلا يُعْطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإبلِ فما دُونَها من الغنمِ من كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا بَلَغَت خمساً وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثِينَ ففيها بنتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَت سِتّاً وثلاثِينَ إلى خمسٍ وأربعِينَ، ففيها بنتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَت سِتّاً وأربعِينَ إِلى سِتِّنَ ففيها حِقّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فإذا بَلَغَت واحدةً ويستِّينَ إلى خمسٍ وسبعينَ، ففيها جَذَعةٌ، فإذا بَلَغَت - يعني: سِتّاً وسبعينَ - إلى تسعينَ، ففيها بِنتا لَبُّونٍ، فإذا بَلَغَت إحدَى وتسعينَ إلى عشرينَ ومِئَةٍ، ففيها حِقَّتَان طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فإذا زادَت على عشرينَ ومئةٍ، ففي كلِّ أربعِينَ بنتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خمسينَ حِقّةٌ، ومَن لم يكن معه إلا أربعٌ من الإبلِ فليس فيها صدقةٌ إلا أن يَشَاءَ رَبُّها، فإذا بَلَغَت خمساً من الإبلِ ففيها شاةٌ. وفي صدقةِ الغنمِ في سائمَتها إذا كانت أربعِينَ إلى عشرينَ ومئةٍ شاقٌّ، فإذا زادت على عشرينَ ومئةٍ إلى مِئْتَينِ شاتان، فإذا زادَت على مِئْتَينِ إلى ثلاثٍ مئةٍ ففيها ثلاثٌ، فإذا زادَت/ ٣١٨/٣ على ثلاثٍ مئةٍ ففي كلِّ مئةٍ شاةٌ، فإذا كانت سائمةُ الرَّجلِ ناقصةً من أربعِينَ شاةً واحدةً، ١١٨ باب ٣٨ / ح ١٤٥٤ فتح الباري بشرح البخاري فليس فيها صدقةٌ إلا أن يَشَاءَ رَُّها. وفي الرِّقَةِ ربعُ العُشْرِ، فإن لم تكن إلا تسعينَ ومثّةً، فليس فيها شيءٌ إلا أن يَشاءَ رَبُّها. قوله: ((باب زكاةِ الغنم)) قال الَّين بن المنيِّر: حَذَفَ وصفَ الغنمِ بالسائمة، وهو ثابتٌ في الخبر، إمّا لأنَّه لم يَعتَبِرِ هذا المفهومَ، أو لتَرَدُّدِه من جهة تَعارُضِ وجوه النَّظَرِ فیه عنده، وهي مسألةٌ خلافيةٌ شهيرة، والراجح في مفهوم الصِّفة أنَّها إن كانت تناسبُ الحُكمَ مُناسَبةً العِلّة لمعلولِها اعتُبِرَت وإلَّا فلا، ولا شكَّ أنَّ السَّوْمَ يُشعِرُ بخِفَّة المُؤْنة ودَرْء المشَقّة بخلاف العَلْف، فالراجح اعتبارُه هنا، والله أعلم. قوله: ((حدَّثْنِي ثُمامة)) هو عَمُّ الراوي عنه، لأنَّه عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك، وهذا الإسناد مُسَلسَل بالبصريينَ من آل أنس بن مالك. وعبد الله بن المثنَّى اختَلَفَ فيه قول ابن مَعِين، فقال مرَّةً: صالح، ومرَّةً: ليس بشيءٍ. وقَوّاه أبو زُرْعة وأبو حاتم والعِجْلي. وأمَّا النَّسائي فقال: ليس بالقوي. وقال العُقَيلي: لا يُتابعُ في أکثر حديثه. انتهى. وقد تابَعَه على حديثه هذا حمّاد بن سَلَمَةَ، فرواه عن ثُمامةَ: أنَّه أعطاه كتاباً زَعَمَ أنَّ أبا بكر كَتَبَه لأنسٍ وعليه خاتَمُ رسول الله وَّهِ حِينَ بَعَثَه مُصدِّقاً، فذكر الحديث، هكذا أخرجه أبو داود (١٥٦٧) عن أبي سَلَمةَ عنه. ورواه أحمد في ((مسنده)) (٧٢) قال: حدَّثنا أبو كامل، حدَّثنا حمّاد، قال: أخذت هذا الكتابَ من تُمامة بن عبد الله بن أنس: عن أنس أنَّ أبا بكر ... فذكره. وقال إسحاق بن راهويه في ((مسنده): أخبرنا النَّضر بن شُمَيل، حدَّثنا حمّاد بن سَلَمَةَ: أخذنا هذا الكتابَ من ثُمامةَ يُحدِّثُه عن أنس عن النبي ◌ََّ، فذكره. فَوَضَحَ أنَّ حَمَّاداً سمعه من ثُمامةَ، وأَقرَأَه الكتابَ فانتَفى تعليلُ مَن أعَلَّه بكَونِهِ مُكاتَبَةً، وانتَفى تَعْليلُ مَن أعَلَّه بكَوْن عبد الله بن المثنَّى لم يُتابع عليه. قوله: ((أنَّ أبا بكر ﴾ كَتَبَ له هذا الكتابَ لمَّا وجَّهَه إلى البحرين)) أي: عاملاً عليها، ١١٩ باب ٣٨ / ح ١٤٥٤ كتاب الزكاة وهي اسمٌ لإقليمِ مشهورٍ يَشتَمِلُ على مدنٍ معروفةٍ قاعدَتُها هَجَر، وهكذا يُنطَقُّ به بلفظ التَّنية، والنِّسبة إليه: بَحْرانيّ. قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذه)) قال الماوَرْدي: يُستدَلَّ به على إثبات البسملة في ابتداء الكتب، وعلى أنَّ الابتداءَ بالحمد ليس بشرط. قوله: ((هذه فريضةُ الصَّدَقة)) أي: نُسخةُ فَريضة، فحَذَفَ المضافَ للعلم به، وفيه أنَّ اسم الصَّدَقة يقعُ على الزكاة، خلافاً لمن مَنَعَ ذلك من الحنفيَّة. قوله: ((التي فَرَضَ رسول اللهِوَِّ على المسلمينَ)) ظاهرٌ في رفع الخيرِ إلى النبيِ وَِّ، وأَنَّه ليس موقوفاً على أبي بكر، وقد صَرَّحَ بَرَفْعِه في رواية إسحاق المقدَّمِ ذِكرُها. ومعنى («فرضَ)) هنا: أو جَبَ، أو شَرَعَ، يعني: يأمرُ الله تعالى، وقيل: معناه: قَدَّرَ لأنَّ إيجابَها ثابت في الكتاب، ففَرْضُ النبيِّ وَّ لها بياتُه للمُجمَلِ من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس. وأصلُ الفرضِ: قَطعُ الشيء الصُّلْبِ، ثمَّ استُعمِلَ في التقدير لكَونِهِ مُقتَطعاً من الشيء الذي يُقدَّرُ منه، ويَرِدُ بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ [القصص: ٨٥]، وبمعنى الحِلِّ كقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وكلَّ ذلك لا يخرج عن معنى التقدير. ووقع استعمالُ الفَرْضِ بمعنى اللُّزوم، حتَّى كاد يَغْلِبُ عليه، وهو لا يخرجُ أيضاً عن معنى التقدير، وقد قال الرّاغِب: كلُّ شيءٍ وَرَدَ في القُرآنِ: فُرِضَ على فلان، فهو بمعنی الإلزام، وكلُّ شيءٍ فُرِضَ له، فهو بمعنى: لم يُرِّمْه عليه. وذَكر أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ أي: أوجَبَ عليك العملَ به، وهذا يؤيِّدُ قولَ الجمهور: إِنَّ الفرضَ مرادِفٌ للوجوب. وتفريقُ الحنفيَّة بين الفَرْضِ والواجبِ باعتبار ما يثبتان به لا مُشاحَّةَ فيه، وإنَّما النِّاعُ في حَملِ ما وَرَدَ من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأنَّ اللفظَ السابقَ لا يُحمَلُ على الاصطلاح الحادث، والله أعلم. قوله: ((على المسلمينَ)) استُدِلَّ به على أنَّ الكافرَ ليس مُخاطَباً بذلك، وتُعقّبَ بأنَّ المراد ٣١٩/٣ ١٢٠ باب ٣٨ / ح ١٤٥٤ فتح الباري بشرح البخاري بذلك كونها لا تَصِحُّ منه، لا أنَّه لا يُعاقَبُ عليها وهو محلُّ النِّراع. قوله: ((والتي أمُرَ الله بها رسولَه» کذا في کثیرٍ من نُسخ البخاري، ووقع في کثیرٍ منها بحَذْف ((بها))، وأنكَرَها النَّوَوي في ((شرح المهذَّب))، ووقع في رواية أبي داود (١٥٦٧) المقدَّمِ ذِكرُها: ((التي أمَرَ » بغير واوٍ على أنَّهَا بَدَلٌّ من الأولى. قوله: ((فمَن سُئِلَها من المسلمينَ على وَجْهِها فلميُعْطِها)) أي: على هذه الكيفية المبيَّنَة في هذا الحديث. وفيه دلالةٌ على دَفْع الأموال الظاهرة إلى الإمام. قوله: ((ومَن سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطِ)) أي: مَن سُئِلَ زائداً على ذلك في سِنٍّ أو عدد، فَلَه المنع. ونَقَّلَ الرّافعي الاتِّفاق على تّرْجيحِه. وقيل: معناه: فليمنع الساعي وليَتَولَّ هو إخراجَه بَنفْسِه أو بساعٍ آخرَ، فإنَّ الساعي الذي طلبَ الزيادةَ يكون بذلك مُتَعَدّياً، وشرطُه أن يكون أميناً، لكن محلٌّ هذا إذا طلبَ الزيادةَ بغير تأويل. قوله: ((في كلِّ أربع وعشرينَ من الإبلِ فما دُونَها)) أي: إلى خمس. قوله: ((من الغنم)) كذا للأكثر، وفي رواية ابن السَّكَنِ بإسقاط ((مِن)) وصَوَّبَها بعضُهم، وقال عياض: مَن أَثبَتَها فمعناه: زكاتها، أي: الإبلِ من الغنم، و ((مِنْ)) للبيان لا للتَّبعيض. ومَن حَذَفَها فالغنم مُبْتَدَأ، والخبر مُضمَر في قوله: ((في كلِّ أربع وعشرينَ)) وما بعده، وإنَّما قَدَّمَ الخبرَ، لأنَّ الغَرَضَ بيانُ المقادير التي تَجِبُ فيها الزكاةُ، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ بعدَ وجود النِّصاب، فحَسُنَ التقديمُ. واستدلَّ به على تَعيُّنِ إخراج الغنمِ في مثلِ ذلك، وهو قول مالك وأحمد، فلو أخرج بعيراً عن الأربع والعشرينَ لم يُجزِه. وقال الشافعي والجمهور: يُجِزِتُه، لأنَّه يُجْزِئُ عن خمسٍ وعشرين، فما دونَهَا أَوْلى. ولأنَّ الأصلَ أن يجبَ من جنْس المال، وإِنَّا عَدَلَ عنه رِفْقاً بالمالك، فإذا رَجَعَ باختياره إلى الأصلِ أَجزأَه، فإن كانت قيمة البعير مثلاً دونَ قيمة أربع شياه، ففيه خلافٌ عند الشافعية وغيرهم، والأقيَسُ أنَّه لا يُجْزِئ. واستُدِلَّ بقوله: ((في كلِّ أربع وعشرينَ)) على أنَّ الأربعَ مأخوذةٌ عن الجَمْع، وإن كانت