النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب ١٨ / ح ١٤٢٨-١٤٢٩
كتاب الزكاة
السُّؤال فهم يحتجُّونَ للدَّناءة، ولو جازَ هذا لكان المولى من فوقُ هو الذي كان رَقيقاً
فَأُعِقَ، والمولى من أسفَلَ هو السيِّدُ الذي أعتَقَه، انتهى.
وقرأت في ((مطلَع الفوائد)) للعَلّامة جمال الدّين بن نُباتةَ في تأويل الحديث المذكور معنّى
آخر فقال: اليدُ هنا هي النِّعمة، وكأنَّ المعنى أنَّ العَطيَّة الجزيلةَ خير من العَطيَّة القليلة.
قال: وهذا حَثٍّ على المكارمِ بأوجَزِ لفظ، ويَشهَدُ له أحدُ التأويلَينِ في قوله: ((ما أبقَتْ غِنَّى))
أي: ما حَصَلَ به للسائلِ غِنِّى عن سؤاله، كَمَن أراد أن يَتصدَّقَ بألفٍ، فلو أعطاها لمئة
إنسانٍ لم يظهر عليهم الغِنَى، بخلاف ما لو أعطاها لرجلٍ واحدٍ. قال: وهو أولى من حَمْل
اليد على الجارحة، لأنَّ ذلك لا يستمِرُّ، إذ في مَن يأخُذُ مَن هو خيرٌ عندَ الله ثمَّن يُعطي.
قلت: التَّفاضُلُ هنا يَرجِعُ إلى الإعطاء والأخذ، ولا يَلزَمُ منه أن يكون المعطي أفضلَ
من الآخذِ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في ((مسنده)) من طريق عمر بن عبد الله بن
عُرْوة بن الزُّبَيرِ: أنَّ حكيم بن حِزَام قال: يا رسول الله، ما اليدُ العُليا؟ قال: ((التي تُعطي
ولا تأخذُ))، فقوله: ((ولا تأخذ)) صريح في أنَّ الآخذةَ ليست بعُلْيا، والله أعلم.
وكلُّ هذه التأويلات المتَعسِّفة تَضمَحِلُ عندَ الأحاديث المتقدِّمة المصرِّحة بالمراد، فأولى ما
فُشِّرَ الحديثُ بالحديث، ومُحصَّل ما في الآثار المتقدِّمة: أن أعلى الأيدي المنفِقةُ، ثمَّ المتعفِّقة عن
الأخْذ، ثمَّ الآخِذة بغير سؤال. وأسفَلَ الأيدي السائلةُ والمانعةُ، والله أعلم.
قال ابن عبد البَرِّ: وفي الحديث إباحة الكلام للخطيبِ بكلِّ ما يَصلُحُ من مَوعِظة
وعِلْم وقُرْبة. وفيه الحَثُّ على الإنفاق في وجوه الطاعة. وفيه تفضيل الغِنَى مع القيام
بحقوقه على الفقر، لأنَّ العطاءَ إنَّما یکون مع الغِنى، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك في حديث:
((ذهب أهل الدُّثور)) في أواخر صفة الصلاة (٨٤٣).
وفيه كراهةُ السُّؤال والتَّنغير عنه، ومَحَلُّه إذا لم تَدْعُ إليه ضَرورةٌ من خوفِ هلاكٍ
ونحوه. وقد روى الطبرانيّ (١٢/ ١٣٥٦٠) من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقال مرفوعاً:
((ما المعطي من سَعة بأفضلَ من الآخذِ إذا كان محتاجاً)، وسيأتي حديث حكيم مطوَّلاً في

٨٢
باب ١٩ - ٢٠ / ح ١٤٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
((باب الاستعفاف عن المسألة)) (١٤٧٢)، وفيه بيانُ سببه إن شاء الله تعالى.
١٩ - باب المّان بما أعطى
لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّى﴾
الآيةَ [البقرة: ٢٦٢].
قوله: ((باب المنَّان بما أعطَى، لقولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ
مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّى) الآية)) هذه الترجمة ثبتت في رواية الگُشْمِيهنيّ وحده بغير حديث،
وكأنَّه أشارَ إلى ما رواه مسلم (١٠٦) من حديث أبي ذرِّ مرفوعاً: ((ثلاثة لا يُكلِّمُهم الله يوم
٢٩٩/٣ القيامة: المنّان الذي لا يُعطي شيئاً إلَّا مَنَّ به)) الحديث، ولمَّا لم يكن على شرطِه/ اقتَصَرَ على
الإشارة إليه.
ومُناسَبةُ الآية للترجمة واضحة من جهة أنَّ النَّفقةَ في سبيل الله لمَّا كان المانُّ بها مذموماً
كان ذَمُّ المعطي في غيرها من باب الأَوْلى.
قال القُرطُبيّ: المنُّ غالباً يقعُ من البخيلِ والمعجَب، فالبخيل تَعظُمُ في نفسه العَطيَّة وإن
كانت حَقيرة في نفسِها، والمعجَب يَحِمِلُه العُجْبُ على النَّظَرِ لنفسه بعَين العَظَمة، وأنَّه مُنعِمٌ
بماله على المعطَى وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ ونسيان نِعمة
الله فيما أنعَمَ به عليه، ولو نظرَ مَصيرَه لعَلِمَ أنَّ الِنّةَ للآخذِ لمَا يَتَرتَّبُ له من الفوائد.
٢٠ - باب من أحبَّ تعجيلَ الصدقة من يومها
١٤٣٠ - حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكة، أنَّ عُقْبَةَ بنَ الحارثِ
فه حدَّثه قال: صَلَّى بنا النبيُّ ◌َِّ العصرَ فأسرَعَ، ثمَّ دخل البيتَ فلم يَلْبَث أن خَرَجَ، فقلتُ
. أو قيلَ - له! فقال: ((كنتُ خَلَّفْتُ في البيتِ تِبْراً من الصَّدَقة، فَكَرِهْتُ أن أُبيَِّه فَقَسَمْتُهُ)).
قوله: ((باب مَن أحَبَّ تعجيل الصَّدَقة من يومِها)) ذكر فيه حديث عُقْبة بن الحارث:
((صَلَّى بنا النبيّمَ ◌ِّ العصرِ فأسرَع، ثمَّ دخل البيت)) الحديث، وفيه: «كنت خَلَّفت في البيت
تِبْراً من الصَّدَقة، فكرهتُ أن أُبَيِّتَه فقَسمتُه)).

٨٣
باب ٢١ / ح ١٤٣١ - ١٤٣٣
كتاب الزكاة
قال ابن بَطَّال: فيه أنَّ الخيرَ ينبغي أن يُبادَرَ به، فإنَّ الآفاتِ تَعرِضُ والموانعَ تَنَعُ، والموتَ
لا يُؤْمَنُ، والتَّسويفَ غيرُ محمودٍ، زاد غيرُه: وهو أخلَصُ للذِّة وأنفَى للحاجة وأبعَدُ من
المطل المذمومِ، وأرضَى للرَّبّ، وأمحَى للذَّنب. وقد تقدَّمت بقيَّة فوائده في أواخر صفة
الصلاة (٨٥١).
وقال الزَّين بن المنيِر: ترجم المصنّف بالاستحباب، وكان يُمكِنُ أن يقول: كراهة
تَبْبيتِ الصَّدَقة لأنَّ الكراهةَ صريحة في الخبر، واستحباب التعجيلِ مُستَنْبَط من قرائنِ سياق
الخبر، حيثُ أسرَعَ في الدُّخولِ والقِسْمة، فجَرَى على عادتِه في إيثار الأخفَى على الأَجْلى.
قوله: ((أن أُبيِّتَه)) أي: أتُرُكَه حتَّى يَدخُلَ عليه الليل، يقال: باتَ الرجل: دخل في الليل،
وبيَّتَه: تَرَكَه حتَّی دخل الليل.
٢١ - باب التّحريض على الصدقة والشّفاعة فيها
١٤٣١ - حدَّثْنا مُسلِمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عَدِيٌّ، عن سعيد بنِ جُبَيرِ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما قال: خَرَجَ النبيُّنَّهِ يومَ عِيدٍ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لم يُصلِّ قبلُ ولا بعدُ، ثمَّ مالَ على
النِّساء - ومعه بلالٌ - فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ أن يَتصدَّقْنَ، فجَعَلَتِ المرأةُ تُلْقِي القُلْبَ والخُرْصَ.
١٤٣٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا أبو بُرَيدةَ بنُ عبدِ الله بنِ
أبي بُرْدَةَ، حدَّثنا أبو بُرْدَةَ بنُ أبي موسى، عن أبيه ﴿ قال: كان رسولُ الله ◌َّهِ إذا جاءه السائلُ،
أو طُلِبَت إليه حاجةٌ، قال: ((اشفَعُوا تُؤْجَرُوا)) ويَقْضى الله على لِسان نبيِّهِ وَّ ما شاءَ.
[أطرافه في: ٦٠٢٧، ٦٠٢٨، ٧٤٧٦]
١٤٣٣ - حدَّثنا صدقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن فاطمةَ، عن أسماءَ رضي
الله عنها قالت: / قال ليَ النبيُّ وَّ: ((لا تُوكِي فیُوكَی علیكِ)).
حدّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيبةَ، عن عَبْدةَ، وقال: ((لا تُخْصي فيُحْصِيَ الله عليك)).
[أطرافه في: ١٤٣٤، ٢٥٩١،٢٥٩٠]
٣٠٠/٣

٨٤
باب ٢١ / ح ١٤٣١- ١٤٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب التَّحْرِيضِ على الصَّدَقةِ والشَّفاعِةِ فيها)) قال الزَّين بن المنيِّر: يجتمعُ التحريض
والشَّفاعة في أنَّ كلَّ منهما إيصالُ الرّاحة للمحتاج، ويَفتَرِقان في أنَّ التحريضَ معناه:
الترغيب بذِكرِ ما في الصَّدَقة من الأجر، والشَّفاعة فيها معنى السُّؤال والنَّقاضي للإجابة.
انتهى، ويَفتَرِقان بأنَّ الشَّفاعةَ لا تكون إلَّا في خير، بخلاف التَّحريض، وبأنّها قد تكون
بغیر تحريض.
وذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث:
أولها: حديثُ ابن عبّاس في تحريض النِّساء على الصَّدَقة، وقد تقدَّم مبسوطاً في العيدين
(٩٧٧).
وقوله هنا: ((عن عَديّ)) هو ابن ثابت.
وقوله: ((القُلْب)) بضم القاف وسكون اللَّام آخرها موخَّدة: هو السِّوارُ، وقيل: هو
مخصوص بما كان من عَظْم.
والخُرْص، بضم المعجَمة وسكون الراء بعدَها مُهمَلة: هي الحَلْقة.
ثانيهما: حديث أبي موسى: ((اشفَعوا تُؤْجَروا))، قد أُورِدَ في ((باب الشَّفاعة)) من كتاب
الأدب (٦٠٢٧ و٦٠٢٨)، ويأتي الكلام عليه مُستوفّ هناك إن شاء الله تعالى.
وعبد الواحد في الإسناد: هو ابن زياد.
قال ابن بَطَّل: المعنى: اشفَعوا تَحَصُل لكُم الأجر مُطلَقاً، سواءٌ قُضيَت الحاجة أو لا.
ثالثهما: حديث أسماء، وهي بنت أبي بكر الصِّدّيق: ((لا تُوكِي فيُوكَى عليك)) كذا عندَه
بفتح الكاف ولم يَذكُر الفاعل، وفي رواية له: ((لا تُحِصِي فُيُحِصِيَ الله عليك)) فأبرَزَ الفاعلَ،
وكِلاهما بالنصب لكَونِه جوابَ النَّهي وبالفاء.
قوله: ((عَبْدة)) هو ابن سليمان، وهشام: هو ابن عُرْوة، وفاطمة: هي بنت المنذر بن
الزُّبَير، وهي زوجُ هشام، وأسماء جَدَّتُهما لأبويهما.

٨٥
باب ٢٢ / ح ١٤٣٤
كتاب الزكاة
وقوله: ((حدّثنا عثمان عن عبدَة)) أي: بإسناده المذكور، ويحتملُ أن يكون الحديث كان عندَ
عبدة عن هشام باللفظَين، فحدَّث به تارةً هكذا وتارةً هكذا، وقد رواه النَّسائيّ (ك٩١٥١)
والإسماعيليّ من طريق أبي معاوية عن هشام باللفظَينِ معاً، وسيأتي في الهِبة (٢٥٩١) عندَ
المصنّف من طريق ابنِ نُمَيرٍ عن هشام باللفظَين، لكن بعَينٍ مُهمَلةٍ بدلَ الكاف، وهو بمعناه،
يقال: أَوعَيْتُ المتاع في الوعاء أُوعِيه: إذا جَعلتُه فيه، ووَعَيتُ الشيء: حَفِظتُه، وإسناد الوعي
إلى الله عَجَازٌ عن الإمساك.
والإيكاءُ: شَدُّ رأس الوِعاء بالوِكاء، وهو الرِّباطُ الذي يُربَطُ به، والإحصاءُ: معرفة
قَدْرِ الشيء وَزْناً أو عدداً، وهو من باب المقابلة، والمعنى: النَّهي عن مَنع الصَّدَقة خَشْيَةً
النَّفادِ، فإنَّ ذلك أعظَمُ الأسباب لقَطْع مادّة البَرَكة، لأنَّ اللهَ يُثيبُ على العطاء بغير
حِساب، ومَن لا يُحاسَبُ عندَ الجزاء لا يُحسَبُ عليه عندَ العطاء، ومَن عَلِمَ أنَّ اللهَ يَرِزُقُه
من حيثُ لا يَحْتَسِبُ، فحَقُّه أن يُعطيَ ولا تَحِسُب.
وقيل: المرادُ بالإحصاء عَدُّ الشيءٍ لأَنْ يُدَّخَرَ ولا يُنفَقَ منه، وأحصاه الله: قَطَعَ البَرَكَةَ
عنه، أو حَبَسَ مادّة الرِّزق، أو المحاسبة عليه في الآخرة. وسيأتي ذِكر سببٍ هذا الحديث
في كتاب الهبة (٢٥٩١) مع بقيّة الكلام علیه إن شاء الله تعالى.
قال ابن رُشَيد: قد تَخْفَى مُناسَبة حديث أسماء لهذه الترجمة، وليس بخافٍ على الفَطِنِ ما
فيه من معنى التَّحريض والشَّفاعة معاً، فإنَّه يَصلُحُ أن يقال في كلٍّ منهما، وهذه هي النُّكتةُ
في خَتْم الباب به.
٣٠١/٣
٢٢ - باب الصَّدقة فیما استطاع
١٤٣٤ - حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ. وحذَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحیم، عن حَجّاج
ابنِ محمَّدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكةً، عن عبّاد بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبَير أخبره،
عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، أنَّها جاءت إلى النبيِّ وَّه فقال: ((لا تُوعِي فِيُّوعِيَ الله
عليكِ، ارْضَخي ما استَطَعْتِ)).

٨٦
باب ٢٣-٢٤ / ح ١٤٣٥ - ١٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الصَّدَقةِ فيما استَطاعَ» أورَدَ فيه حديث أسماء المذكور من وجهٍ آخرَ عنها من
وجهَين، وساقه هنا على لفظ حَجّاج بن محمد لخُلُوِّ طريق أبي عاصم من التَّقييد
بالاستطاعة، وسيأتي في الهِبة (٢٥٩٠) بلفظ أبي عاصم وسياقُه أتمُّ.
قوله: ((ارضَخي)) بكسر الهمزة من الرَّضْخِ بمعجمتَين: وهو العطاءُ اليسير، فالمعنى:
أنفِقي بغير إجحافٍ ما دُمتِ قادرةً مُستَطيعةً.
٢٣ - باب الصدقة تكفِّر الخطيئة
١٤٣٥ - حذَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن خُذَيفةَ﴾ قال: قال
عمرُ ﴾: أَيُّكُم يَخْفَظُ حديثَ رسولِ اللهِوَِّ عن الفِتْنِةِ؟ قال: قلتُ: أنا أحفظُه كما قال، قال:
إِنَّكَ عليه لَجِرِيءٌ، فكيفَ قال؟ قلتُ: فِتْنَةُ الرجلِ في أهلِهِ وَلَدِه وجارِهِ تُكفِّرُها الصلاةُ
والصَّدَقةُ والمعروفُ - قال سليمانُ: قد كان يقول: الصلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ
عن المنكَرِ - قال ليس هذه أُرِيدُ، ولكنّي أُرِيدُ التي تَمُوجُ كَمَوْج البحر، قال: قلتُ: ليس عليكَ
بها يا أمِيرَ المؤمنينَ بأسٌِّ، بينَكَ وبينها بابٌ مُغْلَقٌ. قال: فَيُكْسَرُ البابُ أو يُفتَح؟ قال: قلتُ: لا
بل يُكْسَرُ، قال: فإنَّه إذا كُسِرَ لم يُغْلَق أبداً؟ قال: قلتُ: أجَل، فهِبْنا أن نَسْأَلَه مَنِ البابُ، فقلنا
لمسروقٍ: سَلْه، قال: فسألَه، فقال: عمرُ ﴾، قال: قلنا: فَعَلِمَ عمرُ مَن تعني؟ قال: نعم، كما أنَّ
دُونَ غَدٍ ليلةً، وذلك أنَّ حَدَّثتُه حديثاً ليس بالأغاليطِ.
قوله: ((باب الصَّدَقةِ تُكفِّرُ الخطيئَةُ)) أورَدَ فيه حديث حُذَيفة: ((فِتنة الرجلِ في أهلِه
ووَلَدِهِ تُكفِّرُها الصلاة والصَّدَقة)) الحديث، وقد تقدَّم في ((باب الصلاة كفّارة (١)) (٥٢٥)،
وسيأتي الكلام عليه مبسوطاً في علامات النُّبّة (٣٥٨٦) إن شاء الله تعالى.
٢٤ - باب من تصدَّق في الشِّرك ثمّ أسلم
١٤٣٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثْنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ،
عن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامِ ﴾ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ أشياءَ كنتُ أتحنَّثُ بها في الجاهليَّةِ،
(١) قوله: ((كفارة)) سقط من (س).

٨٧
باب ٢٤ / ح ١٤٣٦
كتاب الزكاة
من صدقةٍ، أو عَناقةٍ ومِن صِلَّةِ رَحِمٍ، فهل فيها من أجْرٍ؟ فقال النبيُّ ◌َّ: «أسلَمْتَ على ما
سَلَفَ من خيرٍ)).
[أطرافه في: ٢٢٢٠، ٢٥٣٨، ٥٩٩٢]
قوله: ((باب مَن تَصدَّقَ في الشِّرْكِ ثمَّ أسلَمَ)) أي: هل يُعتَدُّ له بثواب ذلك أو لا؟ قال
الزّين بن المنيِر: لم يَبُتَّ الحُكْمَ من أجلِ قوّة الاختلاف فيه.
قلت: وقد تقدَّم البحثُ في ذلك مُستوفَّى في كتاب الإيمان (٤١) في الكلام على حديث: ٣٠٢/٣
((إذا أسلَمَ العبدُ فحَسُنَ إسلامُه)) وأنَّه لا مانعَ من أنَّ اللهَ يُضيفُ إلى حسناته في الإسلام
ثوابَ ما كان صَدَرَ منه في الكفرِ تَفَضُّلاً وإحساناً.
قوله: ((أتحنَّث)) بالمثلَّثة، أي: أتقرَّب، والحِنْث في الأصل: الإثم، وكأنَّه أراد: أُلقي عنِّي
الإثمَ. ولمَّ أخرج البخاري هذا الحديث في الأدب (٥٩٩٢) عن أبي اليَمَان، عن شعيب،
عن الزُّهْريّ، قال في آخره: ويقال أيضاً عن أبي اليَمَان: أتحنَّتُ؛ يعني: بالمثنَّة. ونَقلَ عن
ابن إسحاق: أن التَّحَنُّتَ التبرُّر، قال: وتابَعَه هشام بن عُرْوة عن أبيه. وحديثُ هشام
أورَدَه في العِتق (٢٥٣٨) بلفظ: «كنت أتحنَّتُ بها؟ يعني: أتبَرَّرُ بها)).
قال عياض: رواه جماعةٌ من الرُّواة في البخاريِّ بالمثلَّثة وبالمثنَّة، وبالمثلَّثة أصحُّ روايَةً
ومعنّی.
قوله: ((من صدقةٍ أو عَتاقة أو صِلَة)) كذا هنا بلفظ: ((أو))، وفي رواية شعيب (٥٩٩٢)
المذكورة بالواو في الموضعين، وسَقَطَ لفظ: ((الصَّدَقة)) من رواية عبد الرزاق عن مَعمَر
(١٩٦٨٥)، وفي رواية هشام المذكورة: أنَّه أعتَقَ في الجاهليَّة مئتي رَقَبة، وحمل على مِئْتَي
بعير. وزاد في آخره: فوالله لا أدَعُ شيئاً صَنَعتُه في الجاهليَّة إلَّا فعَلتُ في الإسلام مثلَه.
قوله: ((أسلَمْتَ على ما سَلَفَ من خيرٍ)) قال المازَرِيّ: ظاهرُه أنَّ الخيرَ الذي أسلَفَه كُتِبَ
له، والتقدير: أسلمتَ على قَبُولِ ما سَلَفَ لك من خيرٍ.

٨٨
باب ٢٥ / ح ١٤٣٧ -١٤٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الخَرْبيّ: معناه: ما تقدَّم لك من الخير الذي عَمِلتَه هو لك، كما تقولُ: أسلمتُ
على أن أحوزَ لنفسي ألف درهم.
وأمَّا مَن قال: إنَّ الكافرَ لا يُئابُ فحَمَلَ معنى الحديث على وجوهٍ أُخرى(١)، منها: أن
يكون المعنى: أنَّك بفعْلِك ذلك اكتَسَبت طِباعاً جميلةً، فانتَفَعت بتلك الطِّباع في الإسلام،
وتكون تلك العادة قد مَهَّدَت لك مَعونة على فعْل الخير، أو أنَّك اكتَسَبت بذلك ثَناءً جميلاً
فهو باقٍ لك في الإسلام، أو أنَّك ببَرَكة فعْل الخير هُديتَ إلى الإسلام، لأنَّ المبادئَ عُنْوان
الغايات، أو أنَّك بتلك الأفعال رُزِقتَ الرِّزق الواسع.
قال ابن الجَوْزيّ: قيل: إنَّ النبيَّ وَّهِ ورَّى عن جوابه، فإنَّه سأل: هل لي فيها من أجرٍ؟
فقال: ((أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير)). والعِتقُ فعْل خيرٍ، كأنَّه أراد: أنَّك فعَلت الخيرَ،
والخيرُ يُمدَحُ فاعلُه ويُجازَى عليه في الدنيا، فقد روى مسلم (٢٨٠٨) من حديث أنس
مرفوعاً: ((إنَّ الكافرَ يُتابُ في الدنيا بالرِّزق على ما يفعلُه من حَسنةٍ)).
٢٥ - باب أجْر الخادم إذا تصدّق بأمر صاحبه غيرَ مفسدٍ
١٤٣٧ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إذا تَصدَّقَتِ المرأةُ من طعام زوجِها غيرَ
مُفْسِدةٍ، كان لها أجْرُها، ولزوجِها بما كَسَبَ، وللخازِنِ مِثْلُ ذلك».
١٤٣٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيد بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدَ، عن
أبي موسى، عن النبيِّ وَّمِ قال: ((الخازِنُ المسلمُ الأمِينُ الَّذِي يُنِفِذُ - وربَّما قال: يُعْطي - ما أُمِرَ
به كاملاً مُوَفَّراً طيِّاً به نفسُه، فِيَدْفَعُه إلى الَّذِي أُمِرَ له به أحدُ المتصدِّقَينِ)).
[طرفاه في: ٢٢٦٠، ٢٣١٩]
(١) هذه المحامل ضعيفة، والصواب ما قاله المازري والحربي في معنى الحديث، وهو دليل على أن ما فعله
الكافر من الحسنات يقبل منه إذا مات على الإسلام، والله أعلم. (س)

٨٩
باب ٢٦ / ح ١٤٣٩
كتاب الزكاة
قوله: ((باب أجْر الخادم إذا تَصدَّقَ بأمرِ صاحبِه غير مُفْسِدٍ)) قال ابن العربيّ: اختَلَفَ ٣٠٣/٣
السلف فيما إذا تَصدَّقَت المرأةُ من بيت زوجِها، فمنهم مَن أجازَه، لكن في الشيء اليسير
الذي لا يُؤْبَه له ولا يظهرُ به النُّقْصان.
ومنهم مَن ◌َله على ما إذا أذِنَ الَّوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ،
ولذلك فَيَّدَ الترجمةَ بالأمر به. ويحتملُ أن يكون ذلك محمولاً على العادة، وأمَّا التقييدُ بغير
الإفساد فمُتَّفَق علیه.
ومنهم مَن قال: المرادُ بنَفَقة المرأة والعبد والخازن النَّفقةُ على عِيال صاحب المال في
مَصالِحِهِ، وليس ذلك بأن يَفتَئِّتوا على رَبّ البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذنٍ.
ومنهم مَن فَرَّقَ بين المرأة والخادم، فقال: المرأةُ لها حَقٌّ في مال الَّوجِ والنَّظَرِ في بيتها،
فجازَ لها أن تَتَصدَّق، بخلاف الخادم فليس له تصرُّف في مَتاع مَولاه فيُشتَرَطُ الإذن فيه.
وهو مُتعقَّبٌ بأنَّ المرأةَ إذا استَوفَت حَقَّها فتَصدَّقَت منه فقد تَّخَصَّصَت به، وإن تَصدَّقَت
من غير حَقِّها رَجَعَت المسألةُ كما كانت، والله أعلم.
ثم أورد المصنفُ في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث عائشة وسيأتي في الباب الذي بعده.
ثانيهما: حديث أبي موسى، وقد قَيَّد الخازنَ فيه بكَونِه مسلماً، فأخرج الكافرَ لأنَّه لا نيَّة
له، وبكَونِه أميناً، فأخرج الخائن لأنَّه مَأْزور. ورَتَّبَ الأجرَ على إعطائه ما يُؤمِرُ به غیرَ
ناقص، لكَونِه خائناً أيضاً، وبكَونِ نَفْسِه بذلك طيِّةً لئلّا يَعدَمَ النّيَّة فَيَفْقِد الأجر، وهي
قُیودٌ لا بُدَّ منها.
قوله: ((الَّذِي يُنفِذ)) بفاءِ مكسورةٍ مُثقَّلة ومُفَّفة.
٢٦ - باب أجر المرأة إذا تصدّقت أو أطعمت من بيت
زوجِها غیرَ مُفْسِدةٍ
١٤٣٩ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا منصورٌ والأعمَشُ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَِّ؛ تعني إذا تَصدَّقَتِ المرأةُ من بيتِ زوجِها.

٩٠
باب ٢٦ / ح ١٤٣٩ -١٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٤٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ بِّهِ: ((إذا أطعَمَتِ المرأةُ من بيتِ زوجِها غيرَ
مُفْسِدةٍ، لها أجْرُها، وله مِثلُه، وللخازِنِ مِثلُ ذلك، له بما اكْتَسَبَ، ولها بما أنفَقَت)).
١٤٤١ - حدَّثنا يحيى بنُ يحيى، أخبرنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن شَقِيقٍ، عن مسروقٍ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّه قال: «إذا أنفَقَتِ المرأةُ من طعام بيتِها غيرَ مُفْسِدٍ، فَلَها
أجْرُها، وللَّوْجِ بِما اكتَسَبَ، وللخازِنِ مِثلُ ذلك)).
قوله: ((باب أجْر المرأةِ إذا تَصدَّقَت أو أطعَمَت من بيتِ زوجِها غير مَفْسِدَة)) قد تقدَّمت
مَباحثه في الذي قبله، ولم يُقيِّده بالأمر كما قَيَّدَ الذي قَبله، فقيل: إنَّه فَرَّقَ بين المرأة والخادمِ
بأنَّ المرأةَ لها أن تَتَصَرَّفَ في بيت زوجِها بما ليس فيه إفسادٌ للرِّضا بذلك في الغالب،
بخلاف الخادم والخازن. ويدلُّ على ذلك ما رواه المصنِّفُ من حديث همَّامٍ عن أبي هريرة
بلفظ: ((إذا أنفَقَت المرأةُ من كَسبٍ زوجِها من غير أمرِهِ، فلَها نصفُ أجرِه)) وسيأتي في
البيوع (٢٠٦٦).
وأورَدَ فيه المصنِّفُ حديثَ عائشة المذكورَ من ثلاثة طرقٍ تَدورُ على أبي وائل شَقيق بن
سَلَمةَ عن مسروقٍ عنها:
أولها: شُعْبة عن منصور والأعمَش عنه، ولم يَسُق لفظه بتمامه.
ثانيها: حفص بن غياثٍ عن الأعمَشِ وحده.
ثالثها: جَرِير عن منصورٍ وحدَه، ولفظ الأعمَش: ((إذا أَطْعَمَت المرأة من بيت زوجِها»،
ولفظُ منصورٍ: ((إذا أنفَقَت من طعام بيتها)).
٣٠٤/٣
وقد أورَدَه الإسماعيليّ من حديث شُعْبة ولفظه: ((إذا تَصدَّقَت المرأةُ من بيت زوجِها كُتِبَ
لها أجرٌ، ولِزوجِها مثلُ ذلك، وللخازنِ مثلُ ذلك لا يَنقُصُ كلُّ واحدٍ منهم من أجرِ صاحبِهِ
شيئاً، للزَّوجِ بما اكتَسَبَ، ولها بما أنفَقَت غير مُفْسِدةٍ))، ولِشُعْبة فيه إسناد آخر أورَدَه
الإسماعيليّ أیضاً من روايته عن عمرو بن مُرّة، عن أبي وائل، عن عائشة ليس فيه مسروق.

٩١
باب ٢٧ / ح ١٤٤٢
كتاب الزكاة
وقد أخرجه التِّرمِذيّ (٦٧١ و٦٧٢) بالإسنادينِ وقال: إنَّ رواية منصور والأعمَش
بذکر مسروقٍ فیه أصحّ.
قوله في هذه الرواية: ((ولَه مِثْلُه)) أي: مثل أجرها ((وللخازِنِ مِثلُ ذلك)) أي: بالشُّروط
المذكورة في حديث أبي موسى، وظاهره يقتضي تَساويهم في الأجر، ويحتملُ أن يكون المراد
بالمثلِ حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفَرَ، لكنَّ التعبيرَ في حديث أبي
هريرة الذي ذكرتُه بقوله: ((فلها نصفُ أجره)) يُشعِرُ بالتَّساوي.
وقد سَبَقَ قبلُ بستَّة أبوابٍ (١٤٢٥) من طريق جَرِير أيضاً وزاد في آخره: ((لا يَنقُصُ
بعضُهم أجرَ بعض)) والمراد عَدَم المساهمة والمزاحَمة في الأجر، ويحتملُ أن يُراد مُساواة
بعضهم بعضاً، والله أعلم.
وفي الحديث فَضْل الأمانة، وسَخاوة النَّفْس، وطيبُ النَّفْسِ في فعل الخير، والإعانةُ
على فعل الخير.
٢٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْمُسْنَى
٦
فَسَنْيَسِرُ لِلْيُسْرَى ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى
٩.
١٠
فَسَنْيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى
اللهمَّ أعطِ مُنفِقَ مالٍ خَلَفاً.
١٤٤٢ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن مُعاوِيةَ بنِ أبي مُزَرِّدٍ، عن
أبي الحُبَاب، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((ما مِن يَومِ يُصبِحُ العِبَادُ فيه، إلا مَلَكانِ
يَنْزلانِ فيقول أحدهما: اللهمَّ أعطِ مُنفِقَ مالٍ خَلَفاً، ويقول الآخرُ: اللهمَّ أعطِ مُمسِكاً تَلَفاً».
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى﴾ الآية [الليل: ٥])) قال الزّين بن المنيِّر:
أدخَلَ هذه الترجمة بين أبواب الترغيبِ في الصَّدَقة ليُفهِمَ أنَّ المقصود الخاصَّ بها
الترغيبُ في الإنفاق في وجوه البِرّ، وأنَّ ذلك مَوعودٌ عليه بالخَلَفِ في العاجلِ زيادة على
الثَّواب الآچِل.

٩٢
باب ٢٧ / ح ١٤٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((اللهمَّ أعطِ مُنْفِقَ مالٍ خَلَفاً)) قال: الكِرْمانيّ: هو معطوفٌ على الآية، وحَذْفُ أداة
العطفِ كثير، وهو مذكورٌ على سبيل البيان للحُسنَى، أي: تَيسير الحُسنَى له إعطاءُ الخَلَف.
قلت: قد أخرج الطبريّ (٢١٩/٣٠ و٢٢٠) من طرقٍ مُتَعَدِّدةٍ عن ابن عبّاس في هذه
الآية قال: أَعطَى مَّا عندَه، واتَّقَى رَبَّه، وصَدَّقَ بالْخَلَفِ من الله تعالى. ثمَّ حكى عن غيره
أقوالاً أُخرى، قال: وأشبَهُها بالصواب قولُ ابن عبّاس.
والذي يظهرُ لي أنَّ البخاريَّ أشارَ بذلك إلى سببٍ نزول الآية المذكورة، وهو بيِّنٌّ فيما
أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤١) من طريق قَتَادة: حدَّثني خُلَيد العَصَريّ عن أبي
الدَّرداء مرفوعاً؛ نحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وزاد في آخره: «فأنزلَ الله في
ذلك ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْمُشْرَى﴾)) وهو عند أحمد (٨٠٥٤) من هذا الوجه،
لکن لیس فیه آخرُه.
قوله: ((مُنِفِقَ مالٍ)) بالإضافة، ولبعضهم: ((مُنِفِقاً مالاً خَلَفاً)، و((مالاً)) مفعول ((مُنِفِقٍ))
بدليلِ رواية الإضافة، ولولاها احتَمَلَ أن يكون مفعولَ أعطَى، والأول أَولى من جهةٍ
٣٠٥/٣ أُخرى: وهي أنَّ سياق الحديث للحَضِّ على إنفاق المال، فناسَبَ أن/يكون مفعول ((مُنفِق))،
وأمَّا الْخَلَفُ فإبهامُهُ أَولِى، لِيَتَنَاوَل المال والثَّواب وغيرهما، وكم من مُنفقٍ مات قبلَ أن يقعَ له
الخَلَفُ المالِيّ، فيكون خَلَفُه الثَّوابَ المعَدَّله في الآخرة، أو يُدفَعُ عنه من السوءِ ما يُقابلُ ذلك.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني أخي)) هو أبو بكر بن أبي أُوَیس، وسليمان: هو ابن
بلال، وأبو الحُبَاب: بضم المهمَلة وموحَّدتَين الأولى خفيفة، وسمّاه مسلم (١٠١٠) في
روايته سعيدَ بنَ يَسار، وهو عَمُّ معاوية الراوي عنه، و((مُزَرِّدٌ)): بضم الميمِ وفتح الزّاي
وتشديد الراء الثَّقيلة، واسم أبي مُزَرِّدٍ عبدُ الرحمن، وهذا الإسناد كلُّه مدنُّون.
قوله: ((ما من يوم)) في حديث أبي الدَّرداءِ (١): ((ما من يومٍ طَلَعَت فيه الشَّمسُ إلَّا
وبجَنبَتَيَها مَلَكانٍ يُناديان، يَسْمِعُهُ خَلقُ الله كلُّهم إِلَّ الثَّقَلَين: يا أيُّها الناس، هَلُمّوا إلى رَبِكم،
(١) أشار إليه قبل أسطر ونسبه إلى ابن أبي حاتم، يعني: في « تفسيره)).

٩٣
باب ٢٨ / ح ١٤٤٣
كتاب الزكاة
إِنَّ ما قَلَّ وكَفَى خير ممَّا كَثُرَ وَأَلْى، ولا غَرَبَت شَمسُه إِلَّ وبجَنْبَتَيها مَلَكان يُناديان)) فذكر
مثلَ حديث أبي هريرة.
قوله: ((إلّا مَلَكَانٍ)) في حديث أبي الدَّرداء: ((إلَّا وبجَنبَتَيِها مَلَكان)) والجَنْبة، بسكون
النون: الناحية.
وقوله: (خَلَفاً» أي: عِوَضاً.
قوله: (أعطِ تُمْسِكاً تَلَفاً)) التعبير بالعَطيَّة في هذه للمُشاكَلة، لأنَّ التَّلَفَ ليس بعَطِيَّة.
وأفاد حديثُ أبي هريرة أنَّ الكلام المذكورَ مَوَزَّع بينهما، فنُسِبَ إليهما في حديث أبي الدَّرداء
نسبةَ المجموع إلى المجموع، وتَضَمَّنَت الآية الوَعد بالتَّيسير لمن يُنفِقُ في وجوه البِرّ،
والوعيدَ بالتَّعسير لعَكْسِه. والتَّيسيرُ المذكورُ أعمُّ من أن يكون لأحوال الدنيا أو الأحوال
الآخرة، وكذا دعاء المَلَكِ بالْخَلَفِ يحتملُ الأمرين، وأمَّا الدُّعاءُ بالتَّلَفِ فيحتملُ تَلَفَ
ذلك المال بعَينِهِ أو تَلَفَ نفسٍ صاحب المال، والمراد به فَواتُ أعمال البِرِّ بالتَّشاغُلِ بغيرها.
قال النَّوَويّ: الإنفاقُ الممدوحُ ما كان في الطاعات وعلى العيال والضّيفان والتطوُّعات.
وقال القُرطُبيّ: وهو يَعُمُّ الواجباتِ والمندوباتِ، لكنَّ المُمْسِك عن المندوبات لا
يستحِقُّ هذا الدُّعاءَ إلَّا أن يَغْلِبَ عليه البخل المذموم، بحيثُ لا تَطيبُ نفسُه بإخراج الحقّ
الذي عليه ولو أخرجَه. وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك(١) في قوله في حديث أبي موسى:
((طيِّبة بها نَفْسُه)) والله أعلم.
٢٨ - باب مثل المتصدِّق والبخيل
١٤٤٣ - حذَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ.
قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((مَثَلُ الْبَخِيلِ والمتصدِّقِ، كَمَثَلِ رجلَينِ عليهما جُبَّتَانِ من حَدِيدٍ)).
وحدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزّناد، أنَّ عبد الرحمن حدَّثه، أنَّه سمعَ أبا
هريرةَ ﴾، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِّهِ يقول: ((مَثَلُ الْبَخِيلِ والمُنفِقِ كَمَثَلِ رجلَينٍ عليهما جُبَّتَان
(١) في آخر شرحه للحديث (١٤٣٨).

٩٤
باب ٢٨ / ح ١٤٤٣ - ١٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
من حَدِيدٍ من ثُدِيِّهما إلى تراقِيهما، فأمَّا المُنفِقُ فلا يُنفِقُ إلا سَبَغَت - أو وَفَرَتْ - على چِلْدِه حتَّى
تُحِفِيَ بَنانَهِ، وَتَعْفُوَ أَثَرَه، وأَمَّا البَخِيلُ فلا يريدُ أن يُنفِقَ شيئاً، إلا لَزِقَت كلُّ حَلْقٍ مكانها، فهو
يُؤَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ».
تابَعَه الحسنُ بنُ مُسلِمٍ عن طاووسٍ في الجُبَّتَيْنِ.
[أطرافه في: ١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧]
١٤٤٤ - وقال حَنْظَلةُ، عن طاووسٍ: جُنَتان.
وقال الليثُ: حدَّثني جعفرٌ، عن ابنِ هُرْمُزَ، سمعتُ أبا هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّ: (جُتََّانٍ)).
قوله: ((باب مَثَلُ المتصدِّقِ والبخيل)) قال الزَّين بن المنيِر: قام التَّمثيلُ في خبر الباب مقام
الدليل على تفضيل المتصدِّق على البخيل، فاكتَفَى المصنّف بذلك عن أن يُضمِّنَ الترجمةَ
مقاصدَ الخبر على التَّفصیل.
٣٠٦/٣
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكيّ، و((ابن طاووس)): اسمه عبد الله.
ولم يَسُقِ المتن من هذه الطَّريق الأولى هنا، وقد أورَدَه في الجهاد (٢٩١٧) عن موسى بهذا
الإسناد، فساقه بتمامه.
قوله: ((أنَّ عبد الرحمن)) هو ابن هُرْمُز الأعَرَج.
قوله: ((مَثَلُ البخيلِ والمنفِق)) وقع عند مسلم (١٠٢١/ ٧٥) من طريق سفيان عن أبي
الزِّناد: ((مَثَلُ المنفِقِ والمتصدِّق)) قال عياض: وهو وَهْمٌ، ويُمكِنُ أن يكون حُذِفَ مُقابلُه
لدلالة السیاق علیه.
قلت: قد رواه الحميدي (١٠٦٤) وأحمد(١) وابن أبي عمر وغيرهم في مَسانيدِهم عن ابن
عُيَينَةَ، فقالوا في روايتهم: ((مَثَلُ المنفِقِ والبخيل)) كما في رواية شعيب عن أبي الزِّناد وهو
الصواب، ووقع في رواية الحسن بن مسلم عن طاووس: ضَرَبَ رسول الله ،وَلَهُ مَثَلَ
البخيلِ والمتصدِّق. أخرجها المصنِّفُ في اللباس (٥٧٩٧).
(١) لم يخرجه أحمد عن ابن عيينة، وإنما أخرجه عن يزيد عن محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن الأعرج عن
أبي هريرة، وهو فیه برقم (٧٤٨٣).

٩٥
باب ٢٨ / ح ١٤٤٣- ١٤٤٤
كتاب الزكاة
قوله: ((عليهما جُبَّتان من حَديدٍ)) كذا في هذه الرواية بضم الجيمِ بعدَها موحّدة، ومَن
رواه فيها بالنون فقد صَحَّف، وكذا رواية الحسن بن مسلم، ورواه حَنظَلة بن أبي سفيان
الجُمَحيّ عن طاووس(١) بالنون، ورُجِّحَت لقوله: ((من حديدٍ)) والجُنَّة في الأصل:
الحِصْن، وسُمّيَت بها الدِّرع، لأنَّها تُجِنُّ صاحبَها؛ أي: تُحصِّنُه، والجُبّة بالموحّدة: ثوب
تَخْصوص، ولا مانعَ من إطلاقه على الدِّرع. واختُلِفَ في رواية الأعرَج، والأكثرُ على أنّها
بالموحّدة أيضاً.
قوله: ((من تُدِيَّهما)) بضم المثلَّئة جمعُ ثَدْي، و(تَراقِيهما)) بِمُثَنَّاة وقاف: جمع تَرْقُوَة.
قوله: ((سَبَغَت)) أي: امتَدَّت وغَطَّت.
قوله: ((أو وَفَرَتْ)) شكٌّ من الراوي، وهو بتخفيف الفاء من الوُفُور، ووَقَعَ في روايةٍ
الحسن بن مُسلِمٍ (٥٧٩٧): ((انبَسَطَت))، وفي روايةِ الأعرج(٢): ((اتَّسَعَت عليه))، وكُلّها
مُتَقارِبة.
قوله: ((حتَّى تُحُفِيَ بَنانَه)) أي: تَستُّر أصابعَه، وفي رواية الحميدي (١٠٦٤): ((حتَّى تُجِنَّ»
بكسر الجيمِ وتشديد النون، وهي بمعنى تُخُفي، وذكرها الخطَّبي في ((شرحِه)) للبخاريِّ
کروایة الحمیدي.
و(بَنَانه)) بفتح الموحّدة ونونَين الأَولى خفيفة: الإصبَع، ورواه بعضهم: ((ثيابه)) بمُثْلَّئَةٍ
وبعدَ الألف موحّدة، وهو تصحيف. وقد وقع في رواية الحسن بن مسلم (٥٧٩٧): ((حتَّى
تُغَشِّيَ - بمعجمتَينِ - أناملَه)).
قوله: ((وَتَعفُوَ أَثَرَه)) بالنصب، أي: تَستُّر أثره، يقال: عَفَا الشيءُ وعَفَوتُه أنا، لازمٌ ومُتَعَدٍّ،
ويقال: عَفَت الدار: إذا غَطّها التُراب، والمعنى: أنَّ الصَّدَقَةَ تَستُر خطاياه كما يُغَطّي الثَّوب
الذي يجرُّ على الأرضِ أثر صاحبِه إذا مَشَى بمُرور الذَّيل عليه.
(١) ستأتي عنده معلقة في آخر الحديث رقم (٥٧٩٧).
(٢) الآتية برقم (٢٩١٧)، وأما روايته في هذا الباب فهي ((سبغت أو وفرت)).

٩٦
باب ٢٨ / ح ١٤٤٣ - ١٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (لَزِقَت)) في رواية مسلم (١٠٢١ / ٧٧): ((انقَبَضَت))، وفي رواية همَّامٍ(١): ((عَضَّتْ(٢)
كلّ حَلْقة مكانها)»، وفي رواية سفيان عند مسلم (١٠٢١/ ٧٥): ((قَلَصَت)) وكذا في رواية
الحسن بن مسلم عندَ المصنِّف (٥٧٩٧)، والمَفادُ واحد، لكنَّ الأولى نظرَ فيها إلى صورة
الضّيق، والأخيرة نظر فيها إلى سبب الضّیق.
وزَعَمَ ابن التِّين أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ البخيلَ يُكوَى بالنار يومَ القيامة.
قال الخطَّبي وغيره: وهذا مَثَلُ ضَرَبَه النبيّ ◌َّهِ للبخيلِ والمتصدِّق، فشَبَّهَهما برجلَينِ
أراد كلّ واحد منهما أن يَلْبَسَ دِرعاً يستثِرُ به من سِلاحِ عَدوِّه، فصَبَّها على رأسِه ليَلبَسها،
والدُّروع أول ما تَقَعُ على الصَّدرِ والثَّدَيَينِ إلى أن يُدخِلَ الإنسانُ يَدَيِهِ في كُمَّيها، فجعل
المُنفِقَ كَمَن لَبِسَ دِرعاً سابغة، فاستَرسَلَت عليه حتَّى سَتَرَت جميعَ بَدَنِه، وهو معنى قوله:
((حتَّى تَعفُوَ أثره) أي: تَستُّرُ جميع بَدَنِه. وجُعِلَ البخيل كَمَثَلِ رجلٍ غُلَّتِ يَداه إلى عُنُقِه،
كلَّما أراد لُبْسَها اجتمعت في عُنُقِه فلَزِمَت تَرْقُوَته، وهو معنى قوله: ((قَلَصَت)) أي:
تَضامنَت واجتمعت، والمراد أنَّ الجواد إذا هَمَّ بالصَّدَقة انفَسَحَ لها صَدرُه وطابَت نفسُه
فَتَوَسَّعَت في الإنفاق، والبخيل إذا حدَّث نفسَه بالصَّدَقة شَخَّت نفسُه، فضاق صَدرُه
وانقَبَضَت يَداه، ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٣٠٧/٣ وقال المهلَّب: المرادُ أنَّ اللهَ يَستُّر المنِفِقَ في الدنيا والآخرة، بخلاف البخيل فإنَّه/يَفضَحُه.
ومعنى («تَعفُوَ أثره)): تَحُو خطاياه.
وتعقّبه عياض بأنَّ الخبرَ جاء على التَّمثيل، لا على الإخبار عن كائن. قال: وقيل: هو
تَمثيلٌ لنَماء المال بالصَّدَقة، والبخلِ بضِدِه. وقيل: تَمثيلٌ لكَثْرة الجودِ والبُخْل، وأنَّ المعطيَ
إذا أعطَى انبَسَطَت يَداه بالعطاء وتَعَوَّدَ ذلك، وإذا أمسَك صار ذلك عادة.
(١) عند ابن حبان في «صحيحه)) (٣٣٣٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٦٥٩).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: غاصت، وسقطت من (أ)، وما أثبتناه من (ع) وهو الموافق لما جاء في مصادر
التخريج المذكورة.

٩٧
باب ٢٩
كتاب الزكاة
وقال الطِّييّ: قَيَّدَ المشَبَّهَ به بالحديد إعلاماً بأنَّ القَبضَ والشِّدّةَ من جِبِلَّة الإنسان،
وأَوقعَ المتصدِّقَ مَوقِعِ السَّخيِّ لكَونِهِ جعلَه في مُقابَلة البخيل، إشعاراً بأنَّ السخاءَ هو ما
أمَرَ به الشارع، ونَدَبَ إليه من الإنفاق، لا ما يَتَعاناه المسرِ فون.
قوله: «فهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِع))، وقع في رواية سفيان عندَ مسلم (٧٥/١٠٢١): ((قال
أبو هريرة: فهو يُوَسِّعُها ولا تَتَسِع)) وهذا يُوهم أن یکون مُدرَجاً، وليس كذلك، وقد وقع
التصريحُ برفع هذه الجملة في طريق طاووس عن أبي هريرة: ففي رواية ابن طاووس عندَ
المصنِّف في الجهاد (٢٩١٧): ((فسمع النبيَّ ◌َّهِ يقول: فَيَجْتَهِدُ أن يوَسِّعَها ولا تَّسِعُ))، وفي
رواية مسلم (١٠٢١/ ٧٧): ((فسمعت رسولَ الله وَّ)) فذكره، وفي رواية الحسن بن مسلم
عندَهما (١): ((فأنا رأيت رسولَ اللهَ وَ لَه يقول بإصبَعِه هكذا في جَيِه، فلو رأيتَه يُوَسِّعُها ولا
تَسِع))، ووقع عندَ أحمد (٧٤٨٣) من طريق ابن إسحاق عن أبي الزّناد في الحديث: ((وأمَّا
البخيلُ فإنّها لا تَزدادُ عليه إلَّا استِحكاماً)) وهذا بالمعنى.
قوله: ((تابَعَه الحسن بن مُسلِمٍ عن طاووس)) وَصَلَه المصنّف في اللباس (٥٧٩٧) من طريقه.
قوله: ((وقال حَنْظَلة عن طاووس)) ذكره في اللباس أيضاً تعليقاً (٥٧٩٧) بلفظ: وقال
حَنظَلة: سمعت طاووساً، سمعت أبا هريرة، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق إسحاق
الأزرق عن حَنظَلة.
قوله: ((وقال الليثُ: حدَّثني جعفر)) هو ابنُ ربيعة، وابن هُرمُز: هو عبد الرحمن الأعرج،
ولم تقع لي رواية الليث موصولة إلى الآن، وقد رأيته عنه بإسناد آخرَ أخرجه ابن حِبَّان
(٣٣١٣) من طريق عيسى بن حَمَّاد، عن الليث، عن ابن عَجلانَ، عن أبي الزِّناد بسندِه.
٢٩ - باب صدقة الكَسْب والتّجارة
لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهُ
غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
(١) البخاري برقم (٥٧٩٧)، ومسلم برقم (١٠٢١) (٧٥).

٩٨
باب ٣٠ / ح ١٤٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب صدقة الكَسْب والتِّجارة، لقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ
مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾)) هكذا أورَدَ هذه الترجمةَ مُقتَصِراً على
الآية بغير حديث، وكأنَّه أشارَ إلى ما رواه شُعْبة عن الحكم عن مجاهدٍ في هذه الآية
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التِّجارة الحلال. أخرجه
الطبريّ (٣/ ٨٠) وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه، وأخرجه الطبريّ (٨١/٣) من طريق
هُشَيمٍ عن شُعْبة، ولفظُه: ﴿مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التِّجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: من الثِّمار.
و(٨١/٣) من طريق أبي بكر الهُذَلِيّ، عن محمد بن سيرينَ، عن عَبِيدة بن عَمْرو، عن
عليّ، قال في قوله: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يعني: من الحَبِّ والثَّمَر، كلّ شيءٍ
عليه زكاة.
قال الَّين بن المنيِّر: لم يُقيِّد الكَسْبَ في الترجمة بالطيِّبِ كما في الآية، استغناءً عن ذلك
بما قَدَّمَ في ترجمة (باب الصَّدَقة من گَسبٍ طيِّبٍ».
٣٠ - باب على كلّ مسلم صدقةٌ فمَن لم يَجد
فليَعمَل بالمعروف
١٤٤٥ - حدَّثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن
جَدِّه، عن النبيِّ وََّ، قال: ((على كلٌّ مُسلِمٍ صدقةٌ)) فقالوا: يا نبيَّ الله، فمَن لم يَجِدْ؟ قال:
٣٠٨/٣ (يَعْمَلُ بيدِه فيَنْفَعُ نفسَه، ويَتصدَّق)»/ قالوا: فإن لم يَجِدْ؟ قال: ((يُعِينُ ذا الحاجةِ الملهوفَ)) قالوا:
فإن لم يَجِدْ؟ قال: ((فلْيَعْمَل بالمعروفِ، ولْيُمْسِكْ عن الشَّرِّ، فإنَّها له صدقةٌ)).
[طرفه في: ٦٠٢٢]
قوله: ((باب على كلّ مُسلِمٍ صدقةٌ، فمَن لم يَجِد فليَعْمَلْ بالمعروف)) قال الزَّين بن المنيِّر:
نَصَبَ هذه الترجمة عَلَماً على الخيرِ مُقْتَصِراً على بعض ما فيه إيجازاً.

٩٩
باب ٣٠ / ح ١٤٤٥
كتاب الزكاة
قوله: ((سعيد بن أبي بُرْدَة)) أي: ابن أبي موسى الأشعَريّ. ووقع التصريح به عندَ أبي
عوانة في ((صحیحه)).
قوله: ((على كلّ مُسلِمٍ صدقة)) أي: على سبيل الاستحباب المتأكّد، أو على ما هو أعمُّ من
ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب كقوله عليه الصلاة والسلام: ((على المسلمِ
ستُّ خِصال))(١) فذكر منها ما هو مُستَحَبّ اتِّفاقاً، وزاد أبو هريرة في حديثه تقييد ذلك
بكلِّ يوم، كما سيأتي في الصُّلح (٢٧٠٧) من طريقٍ هُمَّامٍ عنه، ولمسلم (٧٢٠) من حديث
أبي ذرِّ مرفوعاً: ((يُصبحُ على كلِّ سُلامى من أحدِكم صدقة)) والسُّلامى، بضم المهمَلة
وتخفيف اللَّام: المَفصِل، وله (١٠٠٧) في حديث عائشة: ((خَلَقَ الله كلَّ إنسانٍ من بني آدمَ
علی ستینَ وثلاث مئةِ مفصِل)).
قوله: ((فقالوا: يا نبيَّ الله، فمَن لم يَجِدْ؟)) كأنَّهم فهموا من لفظ الصَّدَقة العَطيَّة، فسألوا
عَمَّن ليس عنده شيء، فبيَّن لهم أنَّ المراد بالصَّدَقة ما هو أعمُّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوفِ
والأمر بالمعروف.
وهل تَلتَحِقُّ هذه الصَّدَقة بصدقة التطوُّع التي تُحسَبُ يومَ القيامة من الفرض الذي
أخلَّ به؟ فيه نظرٌ، الذي يظهرُ أنَّها غيرُها لمَا تَبيَّن من حديث عائشة المذكور أنَّهَا شُرِعَت
بسببٍ عِتق المفاصل حيثُ قال في آخر هذا الحديث: ((فإنَّه يُمْسي يومَئذٍ وقد زَحزَحَ نفسَه
عن النار)).
قوله: ((الملهوف)) أي: المستَغيث، وهو أعمُّ من أن يكون مظلوماً أو عاجزاً.
قوله: ((فليَعْمَل بالمعروف)) في رواية المصنِّف في الأدب (٦٠٢٢) من وجهٍ آخرَ عن
شُعْبة: «فليأمرْ بالخير أو بالمعروف)»، زاد أبو داود الطَّالسيّ في «مسنده)» (٤٩٧) عن شُعْبة:
((وینھَى عن المنكر)).
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٨٢٧١) من حديث أبي هريرة، وانظر تمام تخريجه فيه.

١٠٠
باب ٣٠ / ح ١٤٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولْيُمْسِك)) في روايته في الأدب (٦٠٢٢): «قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليُمسِك
عن الشَّ))، وكذا لمسلم (١٠٠٨) من طريق أبي أُسامة عن شُعْبةَ، وهو أصحُ سياقاً، فظاهر
سياق الباب أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والإمساك عن الشَّرِّ رُتبةٌ واحدة، ولیس کذلك، بل
الإمساك هو الرُّتْبة الأخيرة.
قوله: ((فإنَّهَا)) كذا وقع هنا بضمير المؤنَّث، وهو باعتبار الخَصْلة من الخير، وهو
الإمساك، ووقع في رواية الأدب: ((فإنَّه)) أي: الإمساك ((له)) أي: للمُمْسِك.
وقال الزّين بن المنيِّر: إنَّما يَحَصُلُ ذلك للمُمْسِكِ عن الشَّرّ إذا نَوَى بالإمساك القُربة،
بخلاف مَحْض التَّرْك، والإمساكُ أعمُّ من أن يكون عن غيره، فكأنَّه تَصدَّقَ عليه بالسلامة
منه، فإن كان شَرُّه لا يَتَعَدَّى نفسَه فقد تَصدَّقَ على نفسه بأن مَنَعَها من الإثم.
قال: وليس ما تَضَمَّنَه الخبرُ من قوله: ((فإن لم يَجِد)) تَرتيباً، وإنَّما هو للإيضاح لمَا يفعلُه
مَن عَجَزَ عن خَصْلةٍ من الخِصال المذكورة، فإنَّه يُمكِّنُهُ خَصْلة أُخرى، فمَن أمكَنَه أن يَعمَلَ
بيدِه فيَتصدَّقَ وأن يُغيثَ الملهوفَ، وأن يأمرَ بالمعروفِ ويَنهَى عن المنكَرِ ويُمسِك عن
الشَّ، فليَفْعَلِ الجميعَ.
ومقصود هذا الباب أنَّ أعمالَ الخيرِ تُنَزَّلُ منزلة الصَّدَقات في الأجر، ولا سيَّما في حَقِّ
مَن لا يَقْدِرُ عليها. ويُفهَمُ منه أنَّ الصَّدَقَةَ في حقّ القادرِ عليها أفضلُ من الأعمال
القاصرة.
ومُحُصَّلُ ما ذُكِرَ في حديث الباب أنَّه لا بُدَّ من الشَّفَقة على خلق الله، وهي إمّا بالمال أو
غيره، والمال إمّا حاصل أو مُكتَسَب، وغير المال إمّا فعْل: وهو الإغاثةُ، وإمّا تَرْك: وهو
الإمساكُ، انتھی.
وقال الشَّيخُ أبو محمد بن أبي جَمْرة نَفَعَ الله به: تَرتيبُ هذا الحديث أنَّه نَدَبَ إلى
الصَّدَقة، وعندَ العَجْزِ عنها نَدَبَ إلى ما يُقرِّبُ منها أو يقومُ مَقامَها: وهو العملُ والانتفاع،
٣٠٩/٣ وعندَ العَجْزِ عن ذلك نَدَبَ إلى ما يقومُ مقامه: وهو الإغاثة، وعندَ عَدَمِ ذلك/ نَدَبَ إلى