النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
باب ١٢
كتاب الزكاة
قال الزّين بن المنيِر: لمَّا كان السُّؤال عن آجال مُقدَّرة لا تُعلَمُ إلَّ بالوحي، أجابهُنَّ
بلفظٍ غير صريح وأحالهَنَّ على ما لا يَتَبَيَّنُ إلَّا بَآخَرَ، وساغَ ذلك لكَونِه ليس من الأحكام
التَّكليفيَّة.
وفيه أنَّ مَن حَمَل الكلامَ على ظاهره وحقيقتِه لم يُلَمْ وإن كان مرادُ المتكلِّم مَجَازَه، لأنَّ
نِسوةَ النبِّوََّ حَمَلْنَ طولَ اليد على الحقيقة فلم يُنكِرْ عليهنَّ.
وأمَّا ما رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٢٩٧) من طريق يزيد بن الأصَمِّ عن ميمونةَ،
أنَّ النبيَّ نَّه قال لهنّ: ((ليس ذلك أَعْني، إنَّما أَعْني: أصنَعَكُنَّ يدا))، فهو ضعيفٌ جدّاً، ولو
كان ثابتاً لم يَحَتَجنَ بعدَ النبيِّ ◌َ ◌ّهِ إِلَى ذَرْع أيدِيِنَّ كما تقدَّم في رواية عَمْرة عن عائشة(١).
وقال المهلَّب: في الحديث دلالة على أنَّ الحُكْمَ للمعاني لا للألفاظِ؛ لأنَّ النِّسوةَ فَهِمْنَ
مِن طول اليد الجارحةَ، وإنَّما المراد بالطُّول كَثْرَةُ الصَّدقة، وما قاله لا يُمكِنُ اطِّرادُه في جميع
الأحوال، والله أعلم.
١٢ - باب صَدَقة العلانية
وقولِه عزَّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَنِيَةٌ ﴾ إلى قوله:
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤].
قوله: (باب صدقةِ العَلانيَة، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ ٢٨٩/٣
سِتَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾)).
سَقَطَت هذه الترجمةُ للمُستَمْلي وثبتت للباقين، وبه جَزَمَ الإسماعيليّ، ولم يَثْبُت فيها لمن
ثَبّتها حديثٌ، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّه لم يَصِحَّ فيها شيءٌ على شرطِهِ.
وقد اختُلِفَ في سببٍ نزول الآية المذكورة، فعندَ عبد الرزاق بإسنادٍ فيه ضَعفٌ إلى ابن
عَبَّاس: أنَّها نزلت في عليٍّ بن أبي طالب، كان عندَه أربعةُ دراهمَ، فأنفَقَ بالليلِ واحداً
(١) تقدمت قريباً، وهي عند الحاكم ٤/ ٢٥.

٦٢
باب ١٣
فتح الباري بشرح البخاري
وبالنهار واحداً، وفي السِّرِّ واحداً وفي العَلانية واحداً(١)، وذكره الكَلْبِيّ في ((تفسيره) عن
أبي صالحٍ عن ابن عبّاس أيضاً، وزاد: أنَّ النبيَّ نَّه قال له: ((أمَا إنَّ ذلك لك)).
وقيل: نزلت في أصحاب الخيل الذينَ يَرِبِطونَها في سبيل الله، أخرجه ابن أبي حاتم من
حديث أبي أمامة، وعن قَتَادةَ وغيرِهِ: نزلت في قومٍ أنفَقُوا في سبيل الله من غير إسرافٍ ولا
تقتير، ذكره الطبريّ وغيره(٢).
وقال الماوَزْدِيُّ: يحتملُ أن يكون في إباحة الارتفاق بالزُّروع والثِّار، لأنَّه يَرتَفِقُ بها كلّ
مارِّ في ليلٍ أو نهارٍ في ◌ِرِّ وعَلانيَة وكانت أعمَّ.
١٣ - باب صدقة السِّرّ
وقال أبو هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّ: ((ورجلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلمَ شِمالُهُ
ما صَنَعَت یمینُه)).
وقولِه تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ الآيةَ [البقرة: ٢٧١].
وإذا تَصدَّقَ على غنيٍّ وهو لا يَعلَمُ
قوله: ((باب صدقةِ السِّرِّ. وقال أبو هريرة عن النبيِّ وَّ: «ورجلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها
حتَّى لا تعلمَ شِمالُهُ ما صَنَعَت يمينُه)). وقولُه تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىٌّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ الآية. وإذا تَصدَّقَ على غنيٍّ وهو لا يَعلَم)) ثمَّ
ساق حديث أبي هريرة في قصَّة الذي خرج بصَدَقتِه فوَضَعَها في یدِ سارقٍ، ثمَّ زانیةٍ، ثمَّ
غَنِيّ، كذا وقع في رواية أبي ذرِّ، ووقع في رواية غيره: ((باب إذا تَصدَّقَ على غَنِيٍّ وهو لا
يَعلَمُ))، وكذا هو عندَ الإسماعيليّ، ثمَّ ساق الحديث.
ومُناسَبتُه ظاهرةٌ، ويكون قد اقتَصَرَ في ترجمة صدقة السِّرِّ على الحديث المعلَّق وعلى (٣)
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١٠٨/١.
(٢) ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٣/ ١٠٠ عن قتادة.
(٣) في (س): المعلَّق على الآية، بإسقاط الواو، وهو خطأ.

٦٣
باب ١٣
كتاب الزكاة
الآية، وعلى ما في رواية أبي ذرٍّ فيحتاجُ إلى مُناسَبةٍ بين ترجمة صدقة السِّرِّ وحديث المتصدِّق،
ووَجْهُها أنَّ الصَّدَقَةَ المذكورةَ وقعت بالليلِ لقوله في الحديث: «فأصبحوا يَتَحَدَّثونَ»، بل
وقع في ((صحيح مسلمٍ)) (١٠٢٢) التصريحُ بذلك لقوله فيه: (لأنصَدَّقَنَّ الليلةَ)) كما
سيأتي(١)، فدَلَّ على أنَّ صَدَقتَه كانت سِرّاً، إذ لو كانت بالجَهرِ نهاراً لمَا خَفِيَ عنه حالُ الغني؛
لأنَّها في الغالبِ لا تَخْفَى، بخلاف الزّانية والسارق، ولذلك خصَّ الغنيَّ بالترجمة دونهما.
وحديثُ أبي هريرة المعلَّق طرفٌ من حديثٍ سيأتي بعدَ بابٍ بتمامِه، وقد تقدَّم مع
الكلام عليه مُستوفَّى في ((باب مَن جلس في المسجد ينتظرُ الصلاةَ) (٦٦٠)، وهو أقوَى
الأدلَّة على أفضليَّة إخفاءِ الصَّدَقة.
وأمَّا الآيةُ فظاهرة في تفضيلٍ صدقة السّرِّ أيضاً، ولكن ذهب الجمهورُ إلى أنَّها نزلت
في صدقة التطوُّع، ونَقَلَ الطَّبَرِيُّ وغيرُه الإجماعَ على أنَّ الإعلانَ في صدقة الفرض أفضلُ
مِن الإخفاء، وصدقة التطوُّع على العكسِ من ذلك. وخالَفَ يزيدُ بن أبي حَبيبٍ(٢) فقال:
إنَّ الآيَةَ نزلت في الصَّدَقة على اليهودِ والنَّصارى، قال: فالمعنى: إنْ تُؤْتوها أهلَ الكتابينِ
ظاهرةً فلكم فَضْل، وإن تُؤْتوها فقراءَكم سِرّاً فهو خيرٌ لكم. قال: وكان يأمرُ بإخفاءِ
الصَّدَقة مُطلَقاً.
ونَقَلَ أبو إسحاق الزَّجّاج أنَّ إخفاء الزكاة في زَمَن النبيِّ ◌َِّ كان أفضلَ، فأمَّا بعدَه فإنَّ
الظَّنَّ يُساءُ بمن أخفاها، فلهذا كان إظهارُ الزكاة المفروضة أفضل، قال ابن عَطيَّة: ويُشبِهِ
في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضلَ، فقد كَثُرَ المانعُ لها وصار إخراجُها
عُرضةً للرِّیاء، انتهى.
وأيضاً فكان السلف يُعطونَ زكاتهم للسُّعاة، وكان مَن أخفاها اتَّهمَ بعَدَم الإخراج،
وأمَّا اليومَ فصار كلُّ أحدٍ يُخْرِجُ زكاتَه بَنفْسِه فصار إخفاؤها أفضلَ، والله أعلمُ.
(١) عند شرح الحديث (١٤٢١).
(٢) انظر ((تفسير الطبري)) ٣/ ٩٣.

٦٤
باب ١٤ / ح ١٤٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الزّين بن المنيِّر: لو قيل: إنَّ ذلك يختلفُ باختلاف الأحوال لمَا كان بعيداً، فإذا
كان الإمام مثلاً جائراً ومالُ مَن وَجَبَت عليه تَخَفيّاً فالإسرارُ أَوْلِى، وإن كان المتَطَوِّع
مَّن يُقْتَدَى به ويُتَّبَعُ وتَنَبَعِثُ الهمَمُ على التطوُّع بالإنفاق وسَلِمَ قَصدُه، فالإظهار أَولِى،
والله أعلم.
١٤ - باب إذا تَصدّق على غنيٍّ وهو لا يعلم
٢٩٠/٣
١٤٢١ - حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
﴿ه، أنَّ رسولَ الله وَلَ قال: «قال رجلٌ: لأتصَدَّقَنَّ بصدقةٍ، فخَرَجَ بِصَدَقِتِهِ فَوَضَعَها في يدِ
سارقٍ، فأصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على سارقٍ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، لأنصَدَّقَنَّ بصدقةٍ،
فَخَّرَجَ بِصَدَقِتِهِ فَوَضَعَها في يدِ زانيةٍ، فأصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ الليلةَ على زانيةٍ. فقال: اللهمَّ
لكَ الحمدُ، على زانيةٍ! لأنصَدَّقَنَّ بصدقةٍ، فخَرَجَ بصَدَقِتِهِ فَوَضَعَها في يَدَي غَنِيٌّ، فأصبَحُوا
يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على غَنِيٍّ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، على سارقٍ، وعلى زانيةٍ، وعلى غَنِيٌّ! فأُتيَ
فقيلَ له: أمَّا صَدَقتُكَ على سارقٍ، فَلَعَلَّه أن يَسْتَعِفَّ عن سَرِقَتِهِ، وأمَّ الزّانيةُ فَلَعَلَّها أن تَسْتَعِفَّ
عن زِناها، وأمَّ الغَنِيُّ فَلَعَلَّه أنْ يَعْتَبِرَ فِيُنفِقَ ممّ أعطاهُ الله)).
قوله: ((باب إذا تَصدَّقَ على غَنِيٍّ وهو لا يَعْلَمْ)) أي: فصَدَقتُه مقبولةٌ.
قوله: ((عن الأعرَجِ عن أبي هريرة)) في رواية مالك في ((الغرائبٍ)) للدَّارَقُطنيّ: عن أبي
الزِّناد، أنَّ عبد الرحمن بن هُرمُزَ أخبَرَه، أنَّه سمع أبا هريرة.
قوله: ((قال رجلٌ)) لم أقف على اسمِه، ووقع عندَ أحمد (٨٦٠٢) من طريق ابنٍ لَهِيعة عن
الأعرَجِ في هذا الحديث: أنَّه كان من بني إسرائيلَ.
قوله: (لَأَتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ)) في رواية أبي عَوَانة عن أبي أُميَّة عن أبي اليَمَان بهذا الإسناد:
((لَأتصَدَّقَنَّ الليلةَ))، وكَرَّرَ كذلك في المواضع الثلاثة. وكذا أخرجه أحمد (٨٢٨٢) من طريق
وَرْقاءَ، ومسلمٌ (١٠٢٢) من طريق موسى بن عُقْبةَ، والدارَقُطنيّ في ((غرائب مالكِ))، كلَّهم
عن أبي الزّناد.

٦٥
باب ١٤ / ح ١٤٢١
كتاب الزكاة
وقولُهُ: ((لَأَتصَدَّقَنَّ) من باب الالتزام كالنَّذْر مثلاً، والقَسَم فيه مُقدَّر كأنَّه قال: والله
لأَتصَدَّقَنَّ.
قوله: ((فَوَضَعَها في يدِ سارِقٍ)) أي: وهو لا يَعلَمُ أنَّه سارقٌ.
قوله: ((فأصبَحُوا يَتَحَدَّثُون: تُصُدِّقَ على سارقِ)) في رواية أبي أُميَّة: ((تُصُدِّقَ الليلةَ
على سارق))، وفي رواية ابن لهيعة(١): ((تُصُدِّقَ الليلةَ على فلانٍ السارق))، ولم أرَ في شيءٍ
من الطُّرق تسميةَ أحدٍ من الثلاثة المتصدَّق عليهم. وقولُه: ((تُصُدِّقَ)) بضم أوله على
البناء للمفعول.
قوله: ((فقال: اللهمَّ لك الحمدُ)) أي: لا لي، لأنَّ صَدَقَتِي وَقَعتْ بيد مَن لا يَستحِقَّها،
فلك الحمدُ حيثُ كان ذلك بإرادتِك، أي: لا بإرادتي، فإنَّ إرادةَ الله كلَّها جميلةٌ.
قال الطِّيبيّ: لمَّ عَزَمَ على أن يَتصدَّقَ على مُستَحِقٌّ فَوَضَعَها بيد زانيةٍ حَدَ الله على أنَّه لم
يَقدِرْ أن يَتصدَّقَ على مَن هو أسوأ حالاً منها، أو أجرَى الحمد مَجَرَى التَّسبيح في استعماله
عندَ مُشاهَدة ما يُتَعَجَّبُ منه تعظيماً لله، فلمَّا تَعَجَّبوا من فعلِه تَعَجَّبَ هو أيضاً، فقال:
اللهمَّ لك الحمد، على زانية! أي: التي تَصدَّقتُ عليها، فهو مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ، انتهى.
ولا يَخْفَى بُعدُ هذا الوجه، وأمَّا الذي قبله فأبعَدُ منه، والذي يظهرُ الأولُ وأنَّه سَلَّمَ
وفَوَّضَ ورَضِيَ بقضاء الله فحَمِدَ اللهَ على تلك الحال، لأنَّه المحمودُ على جميع الحال، لا
يُحمَدُ على المكروه سِواهُ، وقد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ وَلَّ كان إذا رأى ما لا يُعجِبُه قال: «اللهمَّ لك
الحمدُ على كلِّ حال))(٢).
قوله: ((فأَنَيَ فقيلَ له)) في رواية الطبرانيّ في ((مسند الشاميّينَ)) (٣٣١٥) عن أحمد بن
عبد الوهّاب عن أبي اليَمَان بهذا الإسناد: ((فساءَه ذلك فأَتَيَ في منامه)»، وأخرجه أبو نُعَيم
في ((المستخرَجِ)) عنه، وكذا الإسماعيليّ من طريق عليّ بن عيَّاش عن شعيب، وفيه تعيينُ
أحد الاحتمالات التي ذكرها ابنُ التِّين وغيرُه.
(١) عند أحمد في ((المسند)) برقم (٨٦٠٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث حسن.

٦٦
باب ١٥ / ح ١٤٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال الكِرْمانيّ: قولُه: ((أُتيَ)) أي: أُريَ في المنام أو سمع هاتفاً مَلَكاً أو غيرَه، أو أخبَرَه
٢٩١/٣ نبيٌّ أو أَفتاه عالمٌ. وقال غيره: أو أتاه مَلَكٌ فكَلَّمَه، فقد كانت الملائكة تُكَلِّمُ/ بعضَهم في
بعض الأُمور. وقد ظَهَرَ بالنَّقْل الصحيح أنَّها كلّها لم تَفَع إلَّ النَّقْلَ الأولَ.
قوله: ((أمَّا صَدَقَتُك على سارِق)) زاد أبو أُميَّة: ((فقد قُبِلَتْ))، وفي رواية موسى بن عُقْبة
وابن لهيعة(١): ((أمَّا صَدَقَتُك فقد قُبِلَتْ))، وفي رواية الطبرانيّ(٢): ((إنَّ اللهَ قد قَبِلَ صَدَقَتَك)).
وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الصَّدَقَةَ كانت عندَهم مُخْتَصّةٌ بأهل الحاجة من أهل الخير،
ولهذا تَعَجَّبوا من الصَّدَقة على الأصناف الثلاثة.
وفيه أنَّ نِيَّة المتصدِّق إذا كانت صالحةً قُبِلَت صَدَقتُه ولو لم تَقَع الموقِعَ. واختَلَفَ
الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالةَ في الحديث على الإجزاء، ولا
على المنع، ومن ثَمَّ أورَدَ المصنِّفُ الترجمةَ بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحُكْم.
فإن قيل: إنَّ الخبرَ إِنَّا تَضَمَّنَ قصَّة خاصَّةً وقع الاطّلاعُ فيها على قَبُول الصَّدَقة بُرُؤياً
صادقةٍ اتَّفاقيَّة، فمِن أينَ يقعُ تَعْميمُ الحُكْمِ؟ فالجوابُ: أنَّ التنصيصَ في هذا الخيرِ على
رجاء الاستِعْفاف هو الدالّ على تَعْدية الحُكْم، فَيَقْتضي ارتباطُ القَبُولِ بهذه الأسباب.
وفيه فَضْل صدقة السِّ، وفضل الإخلاص، واستحبابُ إعادة الصَّدَقة إذا لم تَقَع
الموقِعَ، وأنَّ الْحُكْمَ للظاهر حتَّى يَتَبَّن سِواهُ، وبَرَكةُ التسليم والرِّضا، وذمُّ التَّضَجُّر
بالقضاء كما قال بعض السلف: لا تَقطَع الخدمةَ ولو ظَهَرَ لك عدمُ القَبُول.
١٥ - باب إذا تَصدَّق على ابنه وهو لا يَشْعر
١٤٢٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا إسرائيلُ، حدَّثنا أبو الْجُوَيِرِية، أنَّ مَعْنَ بنَ يزيدَ
حذَّثه قال: بايعتُ رسولَ الله وَِّ أنا وأبي وجَدّي، وخَطَبَ عليَّ فَأَنْكَحَني، وخاصَمْتُ
(١) رواية موسى بن عقبة عند مسلم (١٠٢٢)، ورواية ابن لهيعة عند أحمد (٨٦٠٢)، وأما رواية أبي أمية
فقد سلف تخريجها عند الحافظ عن أبي عوانة.
(٢) في ((مسند الشاميين)) (٣٣١٥).

٦٧
باب ١٥ / ح ١٤٢٢
كتاب الزكاة
إليه؛ وكان أبي يزيدُ أخرَجَ دنانيرَ يَتصدَّقُ بها، فَوَضَعَها عندَ رجلٍ في المسجدِ فجئتُ فأخذُمُها،
فأتيتُه بها فقال: والله ما إيّاكَ أرَدْتُ، فخاصَمْتُه إلى رسولِ اللهِ وَّه فقال: ((لَكَ مَا نَوَيتَ یا یزیدُ،
ولكَ ما أخذْتَ يا مَعْنُ)).
قوله: ((باب إذا تَصدَّقَ)) أي: الشَّخص ((على ابنِه وهو لا يَشْعُرُ)) قال الزَّين بن المنيِّر: لم
يَذكُر جواب الشَّرط اختصاراً، وتقديرُه: جاز، لأَنَّ يصيرُ لعَدَمِ شُعوره كالأجنبيّ.
ومُناسَبةُ الترجمة للخيرِ من جهة أن يزيدَ أعطَى مَن يَتصدَّقُ عنه ولم يُحُجِّرْ عليه، وكان هو
السببَ في وقوع الصَّدَقة في يدِ ولِدِهِ، قال: وعَبَّرَ في هذه الترجمة بنفي الشُّعورِ، وفي التي
قَبْلها بنَفْي العلم؛ لأنَّ المتصدِّقَ في السابقة بَذَلَ وُسْعَه في طلبٍ إعطاء الفقير فأخطَأْ
اجتهادُه، فناسَبَ أن يَنْفِيَ عنه العلمَ، وأمَّا هذا، فباشَرَ التصدّقَ غيرُه، فناسَبَ أن يَنْفِيَ عن
صاحب الصَّدَقة الشُّعورَ.
قوله: ((حدَّنا محمّد بن يوسف)) هو الفِرْيابيّ، و((أبو الجُوَيريَة)) بالجيمِ مصغَّراً، اسمه
حِطّان - بكسر المهمَلة - وكان سماعُه مِن مَعْنٍ ومعنٌّ أمير على غَزاة الرومِ في خلافة
معاوية، کما رواه أبو داود (٢٧٥٣) من طريق أبي الجُوَيرية.
قوله: ((أنا وأبي وجَدّي)) اسم جَدِّه الأخنَسُ بن حَبيب السُّلَميّ كما جَزَمَ به ابن حِبَّان
وغيرُ واحد، ووقع في ((الصحابة)) لمُطيَّنٍ وتَبِعَه الباوَرْدي والطبرانيّ وابن مَندَه وأبو نُعَيم:
أنَّ اسمَ جَدِّ مَعْن بنِ يزيدَ ثورٌ، فَتَرجَموا في كتبِهِم بثَور، وساقوا حديث الباب من طريق
الجرّاح والد وكيع عن أبي الْجُوَيرية عن مَعْن بن يزيد بن ثور السُّلَميّ، أخرجه مُطَيَّن عن
سفيان بن وكيع عن أبيه عن جَدِّه، ورواه الباوَرْدي والطبرانيّ عن مُطيَّن، ورواه ابن مَندَه
عن الباوَرْدي، وأبو نُعَيم عن الطبرانيّ، وجمهور الرُّواة عن أبي الجُوَيريَة لم يُسمّوا جَدَّ مَعْن،
بل تفرَّد سفيانُ بن وكيع بذلك وهو ضعيفٌ، وأظنُّه كان فيه: ((عن مَعْن بن یزید أبي ثَوْرٍ
السُّلَمَيّ)) فَتَصَحَّفت أداة الكُنية بابن، فإنَّ مَعْناً كان يُكْنَى أبا ثور، فقد ذكر خَليفةٌ بن خَيّاط
في ((تاريخه)) أنَّ مَعْن بن يزيد وابنه ثَوراً قُتِلا يوم مَرْج راهطٍ مع الضَّحّاك بن قيس.

٦٨
باب ١٥ / ح ١٤٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢٩٢/٣
وجمع ابن حِبَّان بين القولين بوجهٍ آخرَ، فقال في / «الصحابة)»: ثَور السُّلَميّ جَدُّ مَعْن
ابن يزيدَ بن الأخْتَس السُّلَميّ لأُمِّه. فإن كان ضَبَطَه فقد زالَ الإشكالُ، والله أعلم.
ورُوِيَ عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّ مَعْن بن يزيد شَهِدَ بدراً هو وأبوه وجَدُّه، ولم يُتابَع
على ذلك، فقد روى أحمدُ والطبرانيّ(١) من طريق صَفْوان بن عَمْرو، عن عبد الرحمن بن
جُبير بن نُفَيرِ، عن يزيد بن الأخْنَس السُّلَميّ: أنَّه أسلَمَ فأسلَمَ معه جميعُ أهلِهِ إلَّا امرأةً
واحدةً أَبَتْ أن تُسلِمَ، فأنزلَ الله تعالى على رسولِهِ وَّهِ: ﴿وَلَا تُفْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَاِ﴾
[الممتحنة: ١٠]، فهذا دالٌّ على أنَّ إسلامه كان مُتأخّراً؛ لأنَّ الآيةَ مُتأخّرةُ الإنزال عن بدرٍ
قطعاً. وقد فرَّقَ البَغَويّ وغيره في الصحابة بين يزيد بن الأخنَس وبين يزيدَ والد معن،
والجمهور على أنَّه هو.
قوله: ((وخَطَب عليَّ فأنْكَحَني)) أي: طلبَ ليَ النِّكاح فأُجيبَ، يقال: خَطَبَ المرأةَ إلى
وليِّها: إذا أرادها الخاطبُ لنَفْسه، وعلى فلانٍ: إذا أرادها لغيره، والفاعل النبيّ وَلِّ، لأنَّ
مقصودَ الراوي بيانُ أنواع علاقاته به من المبايعة وغيرها. ولم أقف على اسم المخطوبة،
ولو وَرَدَ أنَّها ولدَت منه لَضاهَى بيتَ الصَّديق في الصُّحبة من جهة كَونِهِم أربعةً في نَسَق،
وقد وقع ذلك لأسامة بن زيد بن حارثة، فروى الحاكم في ((المستدرك)) (٢١٣/٣-٢١٥)
أنَّ حارثة قَدِمَ فأسلم، وذكر الواقديّ في ((المغازي)): أنَّ أُسامةَ وُلِدَ له على عَهدِ رسول الله
وَلَه، وقد تَتَبَّعتُ نظائر لذلك أكثرُها فيه مقالٌ ذكرتها في «النُّكَتِ على عُلوم الحديث))
لابن الصَّلاح.
قوله: ((وكان أَبي يزيدُ» بالرفع على البَدَليَّة.
قوله: ((فَوَضَعَها عندَ رجلٍ)) لم أقِفْ على اسمِه، وفي السّياق حَذْفٌ تقديرُهُ: وأذِنَ له أن
يَتصدَّقَ بها على محتاجٍ إليها إذْناً مُطلَقاً.
(١) الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٩٣٣)، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٣٩٣)، ولم
يخرجه أحمد في «مسنده»، فالعزوُ إليه ذهولٌ، خصوصاً أن الحافظ نفسه لم يعزُه إليه في ((أطراف المسند)).

٦٩
باب ١٥ / ح ١٤٢٢
كتاب الزكاة
قوله: ((فجئت فأخذتُها)) أي: من المأذونِ له في التصدُّق بها بإذنِه لا بطريق الاعتداء،
ووقع عند البيهقيّ (٧/ ٣٤) من طريق أبي حمزة السُّكَّريّ عن أبي الجُوَيريَة في هذا الحديث:
قلتُ: ما كانت خُصومَتُك؟ قال: كان رجلٌ يَغْشَى المسجد فيَتصدَّقُ على رجالٍ يَعِرِفُهم،
فظَنَّ أنّ بعضُ مَن يَعرِف ... فذكر الحديث.
قوله: ((فأتيتُهُ)) الضَّمير لأبيه، أي: فأتيت أَبي بالدَّنانير المذكورة.
قوله: ((والله ما إيّاكَ أرَدْتُ)) يعني: لو أردتُ أنَّك تأخُذُها لناوَلتُها لك ولم أُوَگِّل فيها، أو
كأنَّه كان يرى أنَّ الصَّدَقةَ على الولدِ لا تُجزِئ، أو يرى أنَّ الصَّدَقَةَ على الأجنبيِّ أفضلُ.
قوله: ((فخاصَمْتُه)) تفسير لقوله أولاً: وخاصَمتُ إليه.
قوله: ((لكَ ما نَوَيتَ)) أي: إِنَّك نويتَ أن تَتَصدَّقَ بها على مَن يحتاجُ إليها، وابنُكَ يحتاجُ
إليها، فَوَقَعتِ الموقعَ، وإن كان لم يَخْطُر ببالِكَ أنَّه يأخُذُها.
قوله: ((ولك ما أخذْتَ يا مَعْنُ)) أي: لأنَّك أخذتها محتاجاً إليها.
قال ابن رُشَيْد: الظاهرُ أنَّه لم يُرِد بقوله: ((والله ما إيّاك أرَدتُ)) أي: إنّي أخرجتُّك بنَّتِي،
وإنَّما أطلقتُ لمن تُجزِئُ عنِّي الصَّدَقَةُ عليه ولم تَخْطُر أنت ببالي، فأمضَى النبيُّ ◌َّ الإطلاق؛
لأنَّه فَوَّضَ للوكيلِ بلفظٍ مُطلَّقٍ فَنَفَذَ فعله.
وفيه دليلٌ على العمل بالمطلَقات على إطلاقها، وإنِ احتُمِلَ أنَّ المطلِقَ لو خَطَرَ بباله فَرْدٌ
من الأفراد لَفَيَّدَ اللفظَ به، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على جواز دفع الصَّدَقة إلى كلِّ أصلٍ وفَرْعٍ ولو كان ممَّن تَلزَمُه نفقَتُه، ولا
حُجَّة فيه؛ لأنَّها واقعةُ حالٍ فاحتُمِلَ أن يكون مَعْنٌ كان مُستَقِلَّا لا يَلزَمُ أباه يزيدَ نَفَقتُه،
وسيأتي الكلام على هذه المسألة مبسوطاً في ((باب الزكاة على الَّوج)) (١٤٦٦) بعدَ ثلاثين
باباً إن شاء الله تعالى.
وفيه جوازُ الافتِخار بالمواهب الرَّبّانيَّة والتحدُّثِ بنِعَم الله. وفيه جواز التَّحاكُم بين

٧٠
باب ١٦ / ح ١٤٢٣ - ١٤٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
الأبِ والابنِ وأنَّ ذلك بمجرَّدِه لا يكون عُقوقاً. وجواز الاستخلاف في الصَّدَقة ولا سيّما
صدقةُ التطوُّع، لأنَّ فيه نوعَ إسرارٍ.
وفيه أنَّ للمتصدِّق أجرَ ما نَوَاه، سواءٌ صادفَ المسْتَحِقَّ أو لا، وأنَّ الأبَ لا رُجوعَ له
في الصَّدَقة على ولِدِه بخلاف الهِبَة، والله أعلم.
١٦ - باب الصَّدقة باليمين
١٤٢٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني خُبَيَبُ بنُ عبدِ الرحمن،
عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّ قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهم الهُ تعالى في ظِلِّهِ
يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمامٌ عَدْلٌ، وشابٌ نَشَأَ في عبادةِ الله، ورجلٌ قلبُهُ مُعلَّقٌّ في المساجدِ،
ورجلانِ تَحَابًّا في الله، اجتَمَعا عليه وتَفَرَّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمالٍ فقال:
إني أخافُ اللهَ، ورجلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُهُ، ورجلٌ ذَكَرَ
اللهَ خالياً ففاضَتْ عَيناهُ)).
١٤٢٤ - حدّثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، قال: أخبرني مَعبَدُ بنُ خالٍ، قال: سمعتُ
حارثةَ بنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ ه يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َ يقول: («تَصدَّقُوا، فسيأتي عليكم زمانٌ
يَمْشِي الرجلُ بصَدَقِتِهِ فيقول الرجلُ: لو جئتَ بها بالأمسِ لقَبِلِتُها منكَ، فأمَّا اليومَ فلا حاجةً
لي فيها».
٢٩٣/٣ قوله: ((باب الصَّدَقةِ باليمين)) أي: حُكم، أو ((بابٌ)) بالتنوين، والتقدير: أي فاضلةٌ أو
یُرغَّبُ فيها.
ثم أورد فيه حديث أبي هريرة: ((سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه))، وفيه قوله: ((حتَّى لا تَعلَمَ
شِمالُه ما تُنفِقُ يمينه))، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى كما بيَّنته قريباً(١).
(١) حديث أبي هريرة سلف معلّقاً في الباب رقم (١٣)، وأحال هناك إلى شرحه في ((باب من جلس في
المسجد ينتظر الصلاة)) برقم (٦٦٠).

٧١
باب ١٧ / ح ١٤٢٥
كتاب الزكاة
ثم أورد فيه أيضاً حديث حارثة بن وهب الذي تقدَّم في ((باب الصَّدَقة قبلَ الردّ»
(١٤١١) وفيه: ((يمشي الرجلُ بصَدَقِتِه فيقول الرجل: لو جئتَ بها أمسٍ لقَبِلتُها منك)).
قال ابن رُشَيد: مُطابقةُ الحديث للترجمة من جهة أنَّه اشتَرَك مع الذي قبله في گونٍ كلُّ
منهما حاملاً لصَدَقتِهِ، لأَنَّه إذا كان حاملاً لها بَنفْسِه كان أخفَى لها، فكان في معنى: ((لا تَعلَمُ
شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه))، ويُحْمَلُ المطلَق في هذا على المقيَّدِ في هذا، أي: المناولة باليمين، قال:
ويُقوِّي أنَّ ذلك مَقصِدُه إتباعُه بالترجمة التي بعدَها حيثُ قال: ((مَن أمَرَ خادمَه بالصَّدَقة
ولم يُنَاوِل بنَفْسِه)) وكأنَّه قَصَدَ في هذا مَن حَمَلها بنفسِه.
١٧ - باب مَن أَمر خادمَه بالصدقة ولم يُناوِل بِنَفْسه
وقال أبو موسى عن النبيِّ وَّ: هو أحدُ المتصدِّقَينِ.
١٤٢٥ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن شَقِيقٍ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إذا أنفَقَتِ المرأةُ من طعام بيتها غيرَ
مُفْسِدةٍ، كان لها أجْرُها بما أنفَقَت، ولزوجِها أجْرُه بما كَسَبَ، وللخازِنِ مِثْلُ ذلك، لا يَنقُصُ
بعضُهم أجْرَ بعضٍ شيئاً).
[أطرافه في: ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥]
قوله: ((باب مَن أمَرَ خادمَه بالصَّدَقةِ ولم يُناوِل بنفسِه)) قال الّين بن المنيِّرِ: فائدة قوله:
((ولم يُناوِل بنفسه)) التَّنبيهُ على أنَّ ذلك ممَّا يُغْتَفَر، وأنَّ قولَه في الباب قَبله: ((الصَّدَقُ باليمينِ))
لا يَلزَمُ منه المنعُ مِن إعطائها بيد الغير، وإن كانت المباشَرةُ أَولى.
قوله: ((وقال أبو موسى)» هو الأشعريّ.
قوله: ((هو أحدُ المتصدِّقَينِ)) ضُبِطَ في جميع روايات ((الصحيحين)) بفتح القاف على
التَّنية، قال القُرطُبيّ: ويجوزُ الكسرُ على الجمع، أي: هو متصدِّقٌ من المتصدِّقينَ.
وهذا التعليقُ طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه بعدَ ستَّة أبوابٍ (١٤٣٨) بلفظ: ((الخازن))
والخازن: خادم المالكِ في الخَزْنِ وإن لم يكن خادمَه/ حقيقةً.
٢٩٤/٣

٧٢
باب ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ هنا حديثَ عائشة: ((إذا أنفَقَتِ المرأةُ من طعام بيتِها)) الحديث.
قال ابن رُشَيد: نَبَّه بالترجمة على أنَّ هذا الحديثَ مُفسَّرٌ بها، لأنَّ كلَّ من الخازنِ
والخادم والمرأةِ أمينٌ ليس له أن يَتصرَّفَ إلَّ بإذن المالكِ نَصّاً أو عُرْفاً، إجمالاً أو تفصيلاً.
انتهى، وسيأتي البحث في ذلك بعدَ سبعة أبواب (١٤٣٩).
١٨ - باب لا صَدقةَ إلّا عن ظَهْر غِنَّى
ومَن تَصدَّقَ وهو محتاجٌ أو أهلُه محتاجٌ أو عليه دَينٌ، فالدَّينُ أحَقُّ أن يُقضَى من الصَّدَقِةِ
والعِثْقِ والهِبةِ، وهو ردٌّ عليه، ليس له أن يُتَلِفَ أموالَ الناس.
وقال النبيُّ وَ لّهِ: ((مَن أخذَ أموالَ الناس يريدُ إتلافَها، ألَفَه الله))، إلا أن يكونَ معروفاً
بالصَّيْرِ فُؤثِرَ على نفسِه، ولو كان به خَصَاصٌ.
كُفِعْلٍ أبي بكرٍ ﴾ حينَ تَصدَّقَ بمالِه.
وكذلك أثَّرَ الأنصارُ المهاجرِينَ.
ونَهَى النبيُّ وَّهِ عن إضاعةِ المال، فليس له أن يُضَيِّعَ أموالَ الناس بعِلّةِ الصَّدَقةِ.
وقال كَعْبٌ ﴾: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ من تَوْبَتي أن أنخَلِعَ من مالي صدقةً إلى الله وإلى
رسوله بَّ، قال: ((أمسِك عليكَ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ)) قلتُ: فإنّ أُمْسِكُ سَهْمي الَّذي
بخیبرَ.
قوله: ((باب لا صدقةَ إلّا عن ظَهْر غِنَى)) أورَدَ في الباب حديث أبي هريرة بلفظ: ((خير
الصَّدَقة ما كان عن ظَهر غِنّى)) وهو مُشعِرٌ بأنَّ النَّفيَ في اللفظ الأولِ للكمال لا للحقيقة،
فالمعنى: لا صدقةً كاملةً إلَّا عن ظَهر غِنَى، وقد أورَدَه أحمد (٧٤٢٩) من طريق أبي صالح
بلفظ: ((إنَّما الصَّدَقَةُ ما كان عن ظَهْر غِنَّى)) وهو أقربُ إلى لفظ الترجمة، وأخرجه أيضاً
(٧١٥٥) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة بلفظ الترجمة قال:
((لا صدقةَ إلَّا عن ظَهر غِنّى)) الحديث.

٧٣
باب ١٨
كتاب الزكاة
وكذا ذكره المصنّف تعليقاً في الوصايا (٢٧٥٠)، وساقه مُغَلْطاي بإسنادٍ له إلى أبي ٢٩٥/٣
هريرة بلفظه، وليس هو باللفظ المذکور في الكتاب الذي ساقه منه، فلا يُغتَرُّ به ولا بمن
تَبِعَه على ذلك.
قوله: ((ومَن تَصدَّقَ وهو محتاجٌ)) إلى آخِرِ الترجمة، كأنَّه أراد تفسير الحديث المذكور بأنَّ
شرطَ المتصدِّق أن لا يكون محتاجاً لنفسه أو لمن تَلزَمُه نَفَقتُه. ويَلْتَحِقُ بالتصدُّق سائرُ
التبرُّعات.
وأمَّا قوله: ((فهو ردٌّ عليه)) فمُقتَضاه أنَّ ذا الدَّين المستَغرِق لا يَصِحُّ منه التبرُّع، لكنَّ
محلَّ هذا عندَ الفقهاءِ إذا حَجَرَ عليه الحاكمُ بالفَلَس، وقد نَقَلَ فيه صاحب ((المغني)) وغيره
الإجماعَ، فيُحمَلُ إطلاقُ المصنِّف عليه، واستَدَلَّ له المصنِّفُ بالأحاديث التي عَلَّقَها.
وأمَّا قوله: ((إِلَّا أن يكونَ معروفاً بالصَّبر)) فهو من كلام المصنّف، وكلام ابن التِّين يوهم
أنَّه بقيّةُ الحديث فلا يُغتَرُّ به، وكأنَّ المصنِّفَ أراد أن يَخُصَّ به عمومَ الحديث الأول،
والظاهرُ أنَّه يَخْتَصُّ بالمحتاج، ويحتملُ أن يكون عامّاً ويكون التقدير: إلَّا أن يكون كلٌّ من
المحتاج أو مَن تَلزَمُه النَّفقةُ أو صاحب الدَّينِ معروفاً بالصَّبر.
ويُقوِّي الأولَ التَّمثيلُ الذي مَثَّلَ به مِن فعل أبي بكر والأنصار، قال ابن بَطَّال: أجمعوا
على أنَّ الِدْيانَ لا يجوزُ له أن يَتصدَّقَ بماله ويَترُك قضاءَ الدَّين، فَتَعيَّن حملُ ذلك على
المحتاج. وحكى ابن رُشَيد عن بعضهم أنَّه يُتصوَّرُ في المِدْيان فيما إذا عاملَه الغُرَماءُ على أن
يأكلَ من المال، فلو آثرَ بِقُوَّتِه وكان صَبُوراً، جازَ له ذلك، وإلَّا كان إيثاره سبباً في أن يَرجِعَ
لاحتياجه فيأكلَ فيُتْلِفَ أموالهم فيُمنَع.
وإذا تَقرَّرَ ذلك، فقد اشتملت الترجمةُ على خمسة أحاديثَ مُعلَّقة، وفي الباب أربعة
أحاديثَ موصولة، فأمَّا المعلّقةُ:
فأولها: قوله: ((وقال النبيّ وََّ: مَن أخذَ أموالَ الناس)) وهو طرفٌ من حديثٍ لأبي
هريرة موصول عندَه في الاستقراض (٢٣٨٧).

٧٤
باب ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيها: قوله: ((كفعلِ أبي بكر حينَ تَصدَّقَ بماله)) هذا مشهور في السِّيَرَ، ووَرَدَ في
حديثٍ مرفوعٍ أخرجه أبو داود (١٦٧٨) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ (٣٦٧٥) والحاكمُ (٤١٤/١)
من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه: سمعت عمر يقول: أمَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَن نَتَصدَّق،
فَوافَقَ ذلك مالاً عندي فقلت: اليومَ أسبِقُ أبا بكرٍ إِن سَبَقْتُه يوماً، فجئت بنصفٍ مالي،
وأتى أبو بكر بكلِّ ما عندَه، فقال له النبيّ ◌َّ: ((يا أبا بكر، ما أبقَيتَ لأهلِك؟)) قال:
أبقَيتُ لهم اللهَ ورسولَه ... الحديث، تفرَّد به هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق فيه
مقالٌ من جهة حفظه.
قال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: مَن تَصدَّقَ بمالِه كلِّه في صِحَّة بَدَنِهِ وعقلِهِ حيثُ لا
دَينَ عليه، وكان صَبوراً على الإضافة، ولا عيالَ له أو له عيالٌ يَصبِرونَ أيضاً فهو جائز،
فإن فُقِدَ شيءٌ من هذه الثُّروطِ كُره.
وقال بعضهم: هو مردودٌ، ورُوِيَ عن عمرَ حيثُ ردَّ على غَيلان الثَّقَفيّ قِسمةَ مالِهِ(١).
ويُمكِنُ أن يُحتَجَّ له بقصَّة المدَبَّر الآتي ذِكرُه(٢)، فإنَّه ◌َلِّ باعَه وأرسَلَ ثمنه إلى الذي دَبَّرَه
لكَونِه كان محتاجاً.
وقال آخرون: يجوزُ من الثُّلثِ ويُرَدُّ عليه الثُّلثان، وهو قول الأوزاعيِّ ومكحول.
وعن مكحولٍ أيضاً: يُرَدُّ ما زاد على النِّصف.
قال الطبريّ: والصوابُ عندنا الأول من حيثُ الجواز، والمختار من حيثُ الاستحباب
أن يُجِعَلَ ذلك من الثُّلث، جمعاً بين قصَّة أبي بكر وحديث كعب، والله أعلم.
ثالثها: قوله: ((وكذلك آثرَ الأنصارُ المهاجرينَ)) هو مشهورٌ أيضاً في السِّيَرَ، وفيه
أحاديثُ مرفوعةٌ: منها حديث أنس: قَدِمَ المهاجرونَ المدينةَ وليس بأيديهم شيء، فقاسمَهم
الأنصار، وسيأتي موصولاً في الهِبة (٢٦٣٠)، وحديثُ أبي هريرة في قصَّة الأنصاريّ الذي
آثَرَ ضيفَه بعَشَائه وعَشاءِ أهلِه، وسيأتي موصولاً في تفسير سورة الحَشْر (٤٨٨٩).
(١) قصة عمر مع غيلان الثقفي أخرجها أحمد في ((مسنده)) (٤٦٣١) بإسناد صحيح.
(٢) عند باب ((بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم))، ح (٧١٨٦).

٧٥
باب ١٨ / ح ١٤٢٦
كتاب الزكاة
رابعها: قوله: ((وَهَى النبيّ وَِّ عن إضاعة المال)) هو طرفٌ من حديث المغيرة، وقد
تقدَّم بتمامه في آخر صفة الصلاة (٨٤٤).
خامسها: قوله: ((وقال كعب - يعني: ابن مالك -... )) إلى آخره، وهو طرفٌ من حديثه
الطَّويلِ في قصَّة توبته، وسيأتي بتمامه في تفسير سورة التوبة (٤٦٧٦).
وأما الموصولة:
٢٩٦/٣
فأولها: حديث أبي هريرة: ((خير / الصَّدَقة ما كان عن ظَهر غِنَّى)).
١٤٢٦ - حدّثنا عبدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونسَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ
المسيّب أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّه قال: ((خيرُ الصَّدَقةِ ما كان عن ظَهْرِ غِنَى، وابدَأْ
بمَن تَعُولُ».
[أطرافه في: ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦]
فعبدُ الله المذكور في الإسناد: هو ابنُ المبارَك، و ((يونسُ)): هو ابن يزيد. ومعنى
الحديث: أفضل الصَّدَقة ما وقع من غير محتاجٍ إلى ما يَتصدَّقُ به لنفسه أو لمن تَلزَمُه نَفَقتُه.
قال الخطَّبيّ: لفظ الظّهر يَرِدُ في مثلِ هذا إشباعاً للكلام، والمعنى: أفضل الصَّدَقة ما
أخرجَه الإنسانُ من مالِهِ بعدَ أن يستبقيَ منه قَدْرَ الكِفاية، ولذلك قال بعدَه: ((وابدَأْ بمن
تَعُول)).
وقال البَغَويّ: المرادُ غِنَّى يستظهِرُ به على النَّوائب التي تَنوبُه. ونحوُه قولهم: رَكِبَ مَثْنَ
السلامة. والتنكيرُ في قوله: ((غِنَّى)) للتعظيم، هذا هو المعتمَدُ في معنى الحديث.
وقيل: المرادُ خير الصَّدَقة ما أغنَيَتَ به مَن أعطَيتَه عن المسألة، وقيل: ((عن)) للسبَبيَّة،
والظَّهر زائد، أي: خير الصَّدَقة ما كان سَببُها غِنَى في المتصدِّق.
وقال النَّوَويّ: مذهبُنا أنَّ التصدُّقَ بجميع المال مُستَحَبّ لمن لا دَينَ عليه ولا له عِيالٌ
لا يَصبِرون، ويكون هو ثمَّن يَصبِرُ على الإضافة والفقر، فإن لم يَجمعْ هذه الشُّروطَ فهو
مكروهٌ.

٧٦
باب ١٨ / ح ١٤٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): يُرَدُّ على تأويل الخطَّابي بالآيات والأحاديث الواردة في
فضل المؤثرينَ على أنفُسِهم، ومنها حديثُ أبي ذرّ: ((أفضلُ الصَّدَقةِ جُهْدٌ من مُقِلّ))(١)،
والمختار أنَّ معنى الحديث: أفضلُ الصَّدَقة ما وقع بعدَ القيام بحُقوق النَّفْسِ والعِيال،
بحيثُ لا يصيرُ المتصدِّق محتاجاً بعدَ صَدَقِتِهِ إلى أحد، فمعنى الغِنَى في هذا الحديث:
حصول ما تُدفَعُ به الحاجةُ الضَّروريَّةُ: كالأكلِ عندَ الجوع المشوِّش الذي لا صَبرَ عليه،
وسَتْرِ العَوْرة، والحاجةِ إلى ما يَدِفَعُ به عن نَفْسه الأذَى، وما هذا سبيلُه فلا يجوزُ الإيثارُ به
بل يَجِرُم، وذلك أنَّه إذا آثرَ غيرَه به أدَّى إلى إهلاك نَفْسِه، أو الإضرارِ بها، أو كَشفِ عَورَتِهِ،
فمُراعاة حَقُّه أَولى على كلِّ حال، فإذا سَقَطَت هذه الواجباتُ صَحَّ الإيثارُ، وكانت صَدَقتُهُ
هي الأفضل لأجلِ ما يَتحمَّلُ من مَضَض الفقر وشِدّة مَشَقَّتِهِ، فبهذا يَندَفِعُ التَّعارضُ بين
الأدلَّة إن شاء الله.
قوله: ((وابدَأْ بمَن تَعُول)) فيه تقديم نَفَقة نفْسِه وعيالِه؛ لأنَّهَا مُنحَصِرة فيه بخلاف نَفَقة
غيرهم، وسيأتي شرحه في النَّفقات (٥٣٥٥) إن شاء الله تعالى.
ثانيها: حديث حكيم بن حِزَامٍ: ((اليد العُليا خير من اليد السُّفلى)) الحديث.
١٤٢٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن حَكِيمِ بنِ
حِزَامِ ﴾، عن النبيِّ وَّرِ قال: «اليدُ العُلْيا خيرٌ من اليدِ السُّفْلَى، وابدَأْ بمَنْ تَعُولُ، وخيرُ
الصَّدَقةِ عن ظَهْرِ غِنَّى، ومَن يَسْتَعِفِفْ يُعِفَّ اللهُ، ومَن يَستَغنِ يُغْنِهِ اللهُ».
وشاهد الترجمة منه قوله فيه: ((وخير الصَّدَقة عن ظَهْر غِنَّى)) وهشام المذکور في الإسناد:
هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير.
وقوله فيه: (ومَن یستعِفَّ يُعِفَّه الله)) یأتي الكلام عليه في حديث أبي سعيد بعدَ أبواب
(١٤٦٩).
(١) أخرجه أحمد (٢١٥٤٦)، والطبراني (٧٨٧١)، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر فیما سلف عند: باب فضل
صدقة الشحيح الصحيح.

٧٧
باب ١٨ / ح ١٤٢٨ -١٤٢٩
كتاب الزكاة
ثالثها: حديث أبي هريرة.
١٤٢٨ - وعن وُهَيبٍ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، بهذا.
قال: ((بهذا)) أي: بحديث حَكِيم، أورَدَه معطوفاً على إسناد حديث حكيم بلفظ: ((وعن
وُهَيبٍ)) والظاهر أنَّه حَمَله عن موسى بن إسماعيل عنه بالطَّريقَينِ معاً، وكأنَّ هشاماً حدَّث
به وُهَيباً تارةً عن أبيه عن حكيم، وتارةً عن أبيه عن أبي هريرة، أو حدَّثه به عنهما مجموعاً
ففَرَّقَه ◌ُمَیبٌ أو الراوي عنه.
وقد وَصَلَ حديث أبي هريرةَ من طريق وُهَیپِ الإسماعيلُّ قال: أخبرني ابن یاسین،
حدَّثنا محمد بن سفيان، حدَّثنا حِبّان - هو ابن هلال - حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا هشام بن
عُزوة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال؛ مثلَ حدیث حکیمٍ.
رابعاً: حديث ابن عمر من وجھینٍ في ذِكْر الید العُليا.
١٤٢٩ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َل و (ح)
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ
رسولَ الله ◌ِّل قال وهو على المنيرِ - وذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتعقُّفَ والمسألةَ -: ((اليدُ العُلْيا خيرٌ من اليدِ
السُّفْلَى))، فاليدُ العُلْيا هي المُنفِقَةُ، والسُّفْلَى هي السائلةُ.
وإنَّما أورَدَه ليُفسِّر به ما ◌ُچِلَ في حديث حكيمٍ.
قال ابن رُشَيد: والذي يظهرُ أنَّ حديثَ حكيم بن حِزَام لمَّ اشتَمَل على شيئَين:
حديث ((اليد العُليا))، وحديث ((لا صدقةَ إلَّا عن ظَهر غِنَّى))، ذكر معه حديثَ ابنِ عمرَ
المشتَمِل على الشيء الأول تكثيراً لطرقِه.
ويحتملُ أن يكون مُناسَبة حديث: ((اليد العُليا)) للترجمة من جهة أنَّ إطلاق گَوْن اليد
العُليا هي المنفِقة، محلُّه ما إذا كان الإنفاق لا يُمنَعُ منه بالشَّرع كالمِدْيان المحْجورِ عليه،
فعُمومُه مخصوص بقوله: ((لا صدقةَ إلَّا عن ظَهرِ غِنَّى))، والله أعلم.

٧٨
باب ١٨ / ح ١٤٢٨ -١٤٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: لم يَسُق البخاري متنَ طريق حمّاد عن أيوب، وعَطَفَ عليه طريقَ مالك، فربّما
أوهَمَ أنَّهما سواءٌ، وليس كذلك لمَا سنذكره عن أبي داود.
وقال ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)): لم تَخْتَلِفِ الزُّواة عن مالك؛ أي: في سياقه، كذا قال،
وفيه نظرٌ کما سيأتي.
وقال القُرطُبيّ: وقع تفسير اليد العُليا والسُّفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصُّ
يَرفَعُ الخلاف ويَدفَعُ تَعُّف مَن تَعسَّفَ في تأويله ذلك، انتهى.
٢٩٧/٣
لكن ادَّعَى أبو العبّاس الدانيّ في ((أطراف الموطَّأ)) أنَّ التفسيرَ المذكورَ مُدَرَجُ في الحديث،
ولم یذكُر مُستنداً لذلك. ثمّ وجدت في كتاب العسكريِّ في الصحابة بإسناد له فيه انقطاع
عن ابن عمر، أنَّ كَتَبَ إلى بشر بن مروان: ((إنّي سمعت النبيَّ وَّ يقول: اليدُ العُليا خيرٌ منَ
اليد السُّفلى، ولا أحسِبُ اليدَ السُّغلى إلَّ السائلة، ولا العُليا إلَّ المعطية)»، فهذا يُشعِرُ بأنَّ
التفسيرَ من كلام ابن عمر، ويؤيِّدُه ما رواه ابن أبي شَيْبة (٢١١/٣-٢١٢) من طريق
عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ اليدَ العُليا هي المنفِقة (١).
قوله: ((وذَكَرَ الصَّدَقة والتعفُّف والمسألة) كذا للبخاريِّ بالواو قبلَ المسألة، وفي رواية
مسلمٍ (١٠٣٣) عن قُتَية عن مالك: ((والتعفُّف عن المسألة))، ولأبي داود (١٦٤٨):
((والتعفُّف منها)) أي: من أَخْذ الصَّدَقة، والمعنى: أنَّه كان يَحِضُّ الغنيَّ على الصَّدَقة،
والفقيرَ على التعفُّفِ عن المسألة، أو يَحِضُّه على التعفُّفِ ويَدُمُّ المسألة.
قوله: ((فاليد العُلْيا هي المنفقة)) قال أبو داود: قال الأكثر عن حمّاد بن زيد: المنفِقة، وقال
واحد عنه: المتعفَّفة، وكذا قال عبد الوارث عن أيوبَ، انتهى.
فأمَّا الذي قال عن حمّاد: المتعفِّفة بالعين وفاءَينٍ، فهو مُسدَّدٌ، كذلك رُوّيناه عنه في
((مسنده)) رواية معاذ بن المثنَّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) (١٥/
٢٤٧)، وقد تابَعَه على ذلك أبو الربيع الزَّهْرانيُّ كما رُوّيناه في كتاب ((الزكاة)) ليوسف ابن
يعقوب القاضي: حدَّثنا أبو الربيع ... وأمَّا روايةٌ عبد الوارث فلم أقفْ عليها موصولة.
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): المنفقة، وفي النسخ المطبوعة من ((المصنف)): المتعفِّقة!

٧٩
باب ١٨ / ح ١٤٢٨ -١٤٢٩
كتاب الزكاة
وقد أخرجه أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق سليمان بن حَرْب عن حمّاد بلفظ: ((واليد
العُليا يد المعطي))، وهذا يدلُّ على أنَّ مَن رواه عن نافع بلفظ: ((المتعفِّقة))، فقد صَحَّف.
قال ابن عبد البرِّ(١): ورواه موسى بن عُقْبة عن نافع، فاختُلِفَ علیه أيضاً، فقال حفص
ابن مَيَسَرة عنه: ((المنفِقة)» كما قال مالكٌ.
قلت: وكذلك قال فُضَيل بن سليمان عنه، أخرجه ابن حِبَّان (٣٣٦٤) من طريقه قال:
ورواه إبراهيم بن طَهْمانَ عن موسى فقال: ((المنِفِقة)).
قال ابن عبد البَرِّ: روايةُ مالك أَولِى وأشبه بالأُصول. ويؤيِّدُه حديث طارق المُحَاربيّ
عندَ النَّسائيّ (٢٥٣٢) قال: قَدِمْنا المدينةَ، فإذا النبيُّ نَّهِ قائم على المنبر يَخْطُبُ الناس وهو
يقول: ((يدُ المعطي العُليا)). انتهى، ولابن أبي شَيْبة (٢١٢/٣) والبَزَّار(٢) من طريق ثَعْلبة بن
زَهْدَم مثلُه.
وللطَّبَرانيّ (٣٠٨١) بإسناد صحيحٍ عن حكيم بن حِزَام مرفوعاً: ((يدُ الله فوقَ يد
المعطي، ويدُ المعطي فوقَ يدِ المعطَى، ويدُ المعطَى أسفَلُ الأيدي))، وللطََّرانيّ (٢٦٩/١٧)
من حديث عَديّ الجُذَاميّ مرفوعاً مثلُه، ولأبي داود (٤٠٦٣) وابن خُزيمة (٢٤٤٠) من
حديث أبي الأحوَصِ عَوف بن مالك، عن أبيه مرفوعاً: ((الأيدي ثلاثةٌ: فَيَدُ الله العُليا، ويَدُ
المعطي التي تَليها، ويَدُ السائلِ السُّغلى)».
ولأحمد والبَزَّار من حديث عَطيّة السعديّ: ((اليدُ المعطية هي العُليا، والسائلة هي
السُّفلی))(٣).
(١) لعلَّ في نسبة هذا الكلام إلى ابن عبد البر ذهولاً من الحافظ رحمه الله، فنحو هذا الكلام في ((طرح التثريب))
٧٥/٤ وعزاه فيه أبو زرعة بن العراقي إلى أبيه في ((شرح الترمذي)) مخرِّجاً إياه من ((البيهقي)) ١٩٨/٤.
وانظر ((التمهيد)) ١٥/ ٢٤٧ -٢٥٠.
(٢) برقم (٩١٧ - كشف الأستار).
(٣) لم يرد بهذا اللفظ عند أحمد والبزار، وانظر تخريجه في ((مسند أحمد)) (١٧٩٨٣).

٨٠
باب ١٨ / ح ١٤٢٨ -١٤٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
فهذه الأحاديث مُتَضافرة على أنَّ اليدَ العُليا هي المنفِقةُ المعطيةُ، وأنَّ السُّفلى هي
السائلة، وهذا هو المعتمدُ، وهو قول الجمهور.
وقيل: اليد السُّفلى: الآخِذَةُ، سواء كان بسؤالٍ أم بغير سؤال، وهذا أَبَاهُ قوم، واستَنَدوا
إلى أنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يد الله قبلَ يد المتصدَّق عليه.
قال ابن العربيّ: التحقيقُ أنَّ السُّعلى يدُ السائل، وأمَّا يدُ الآخذِ فلا، لأنَّ يدَ الله هي
المعطيةُ ويَدَ الله هي الآخذةُ، وكلتاهما عُلْيًا، وكلتاهما يمينٌ. انتهى، وفيه نظرٌ لأنَّ البحثَ
إنَّما هو في أيدي الآدميّين، وأمَّا يدُ الله تعالى فباعتبار كَونِهِ مالِكَ كلِّ شيءٍ نُسِبَت يَدُه إلى
الإعطاء، وباعتبار قَبُولِه للصَّدَقة ورِضاه بها نُسِبَت يدُه إلى الأَخْذ، ويدُه العُليا على كلِّ
حال، وأمَّا يدُ الآدميِّ فهي أربعة: يد المعطي، وقد تَضافَرَت الأخبارُ بأنَّهَا عُلْيا. ثانيها: يدُ
السائل، وقد تَضافَرَت بأنَّها سُفلى سواء أخذَت أم لا، وهذا موافق لكيفيَّة الإعطاء
٢٩٨/٣ والأَخْذِ غالباً، وللمُقابَلة بين العُلوِّ والسُّفْلِ المشتَقّ منهما. ثالثُها: يد/ المتعفِّف عن الأخذِ
ولو بعدَ أن تُمَدَّ إليه يدُ المعطي مثلاً، وهذه توصَفُ بكَونِها عُلْيا عُلوّاً معنَويّاً. رابعُها: يدُ
الآخذِ بغير سؤال، وهذه قد اختُلِفَ فيها، فذهب جمعٌ إلى أنَّهَا سُفْلى، وهذا بالنَّظَرِ إلى الأمر
المَحْسوس، وأمَّا المعنَويّ فلا يَطَّرِدُ، فقد تكون عُلْيا في بعض الصّوَر، وعليه مُحِمَلُ كلامُ
من أطلقَ گَونها عُليا.
قال ابن حِبَّان: اليدُ المتصدِّقةُ أفضل من السائلة لا الآخذةُ بغير سؤال، إذ محالٌ أن
تكون اليد التي أُبيحَ لها استعمال فعلِ باستعماله، دون مَن فُرِضَ عليه إتيانُ شيءٍ فَأَتى
به، أو تَقرَّبَ إلى رَبِّ مُتنفِّلاً، فربَّما كان الآخذُ لمَا أُبِيحَ له أفضلَ وأورعَ من الذي
يُعطِي. انتھی.
وعن الحسن البصريّ: اليدُ العُليا المعطيةُ، والسُّفلى المانعة، ولم يوافَق عليه.
وأطلقَ آخرونَ من المتَصَوِّفة أنَّ اليدَ الآخذةَ أفضلُ من المعطية مُطلَقاً، وقد حكى ابن
قُتَيبة في ((غريب الحديث)) ذلك عن قوم ثمّ قال: وما أرى هؤلاء إلَّا قوماً استطابوا