النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ كتاب الزكاة المغلولِ (١) إلى أصحابه، ولا تَبْرَأُ(٢) بأنْ يَتصدَّقَ به إذا جَهِلَهم مثلاً، والسبب فيه أنَّه من حقِّ الغانمين، فلو جُهِلَت أعيانهم لم يكن له أن يَتصرَّفَ فيه بالصَّدَقة على غيرهم. الثاني: وقع هنا للمُستَمْلِي والكُتْمِيهنيّ وابن شَبّويه: ((باب الصَّدَقة من کَسْبٍ طيِّبٍ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِ الصَّدَفَتِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) وعلى هذا فَتَخلُو الترجمةُ التي قبلَ هذا من الحديث، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تَزِيدُ عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة. ومُناسَبةُ الحديث لهذه الترجمة ظاهرة، ومُناسَبتُه للتي قبلها من جهة مفهوم المخالفة، لأَنَّه دَلَّ بمَنْطوقِه على أنَّ اللهَ لا يقبلُ إلَّا ما كان من كَسْبٍ طيِّب، فمَفهومُه أنَّ ما ليس بطيِّبٍ لا يُقبَل، والغُلول فردٌ من أفراد غير الطيِّبِ فلا يُقْبَل، والله أعلم. ثُمَّ إِنَّ هذه الترجمةَ إن كان ((باب)) بغير تنوينٍ فالجملة خبر المبتَدَأ، والتقديرُ: هذا بابُ فضل الصَّدَقة من كسبٍ طيِّب، وإن كان مُنَوَّناً فما بعدَه مُبتَدَأ والخبر محذوف تقديره: الصَّدَقة من كسبٍ طيِّبٍ مقبولةٌ، أو يُكثِرُ الله ثوابها. ومعنى الكَسْبِ: المكسوبُ، والمرادُ به ما هو أعمُّ من تَعاطي التَّكَسُّب، أو حصولُ المكسوبِ بغير تَعاطٍ كالميراث. وكأنَّه ذَكَر الكسبَ لكَونِه الغالبَ في تحصيل المال، والمرادُ بالطيِّب: الحلالُ، لأنَّه صفةُ الكَسْبِ. قال القُرطُبيّ: أصل الطيِّبِ المستَلَدُّ بالطَّع، ثمَّ أُطلِقَ على المطلَق بالشَّرع وهو الحلال. وأمَّا قول المصنّف: ((لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾)) بعدَ قوله: ((الصَّدَقة من کَسبٍ طيِّبٍ))، فقد اعتَرَضَه ابنُ التِّين وغيرُه بأنَّ تكثير أجر الصَّدَقة ليس عِلّةً لكون الصَّدَقة من كَسبٍ طيِّب، بل الأمر على عَكْسِ ذلك، فإنَّ الصَّدَقةَ من الكَسب الطيِّبِ سببٌ (١) في (س): الغلول. (٢) قوله: ((ولا تبرأ)) من الأصلين، وفي هامش (س) أشار إلى وجود نقص وقال: ((ولعله: لا بأن يتصدق))، وما أثبتناه من الأصلین يُغني عنه. ٤٢ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ فتح الباري بشرح البخاري لتكثير الأجر. قال ابن التِّين: وكان الأبيّن أن يستدِلَّ بقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقال ابن بَطَّل: لمَّا كانت الآية مُشتَمِلةً على أنَّ الرِّبا يَمحَقُه الله لأنَّه حرامٌ، دَلَّ ذلك على أنَّ الصَّدَقَةَ التي تُتَقبَّلُ لا تكون من جنس الممحوق. وقال الكِرْمانيّ: لفظُ ((الصَّدَقات)) وإن كان أعمَّ من أن يكون من الكَسب الطيِّبِ ومن غيره، لكنَّه مُقيّدٌ بالصَّدَقات التي من الكَسْب الطيِّبِ بقَرِينة السياق، نحو: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ اُلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قوله: ((بعَدْل تَمْرة)) أي: بقيمتها لأنَّه بالفتح: المِثْل، وبالكسر: الحِمْل، بكسر المهمَلة، هذا قول الجمهور، وقال الفَرّاء: بالفتح: المثُلُ من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح: مثلُه في القِيمة، وبالكسر: في النَّظَرِ. وأنكَرَ البصريُّونَ هذه التَّفْرِقة، وقال الكِسائيّ: هما بمعنَّى، كما أنَّ لفظَ الِمِثْلِ لا يختلف. وضُبِطَ في هذه الرواية للأكثر بالفتح. قوله: ((ولا يقبلُ الله إلّا الطيِّبَ)) في رواية سليمان بن بلال الآتي ذِكرُها: ((ولا يَصعَدُ إلى الله إلَّا الطيِّب))، وهذه جملة مُعتَرِضة بين الشَّرطِ والجزاء لتقرير ما قبلَه، زاد سُهَيل في روايته الآتي ذِكرُها: «فيَضَعُها في حَقِّها». قال القُرطُبيّ: وإنَّما لا يقبلُ الله الصَّدَقَةَ بالحرام؛ لأنَّه غيرُ مملوكٍ للمتصدِّق، وهو منوعٌ من التصرُّفِ فيه، والمتصدَّق به مُتَصَرَّف فيه، فلو قُبِلَ منه لَزِمَ أن يكون الشيء مأموراً مَنهيّاً من وجهٍ واحدٍ، وهو محال. قوله: ((یتقبّلُھا بیمینه)» في رواية سُھیل: ((إلَّا أخذها بیمینِه))، وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذِكرُها: ((فيَقِضُها))، وفي حديث عائشة عندَ البَزَّار(١): «فيَتلقّاها الرحمنُ بيدِه)). قوله: ((فَلُوَّه) بفتح الفاء وضم اللَّام وتشديد الواو: وهو المُهْر، لأنَّه يُفْلَى، أي: يُفطَم، وقيل: هو كلّ فَطِيم من ذات حافر، والجمع أَفْلَاءٌ، كعدوٍّ وأعداء. وقال أبو زيد: إذا (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٩٣١). ٤٣ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ كتاب الزكاة فتحتَ الفاءَ شَدَّدتَ الواو، وإذا كَسَرتها سَكَّنت اللَّام كجِرْو. وضُرِبَ به المَثَل لأنَّه يزيدُ زيادةَ بيِّنَةً، ولأنَّ الصَّدَقَةَ نِتاجُ العمل، وأحوَجُ ما يكون النِّتاج إلى التربية إذا كان فَطِيماً، فإذا أحسنَ العِنايةَ به انتهى إلى حَدِّ الكمال، وكذلك عملُ ابنِ آدمَ - لا سيّما/ الصَّدَقَةُ - فإنَّ ٢٨٠/٣ العبدَ إذا تَصدَّقَ من كسبٍ طيِّبٍ، لا يزالُ نظرُ الله إليها يُكسِبُها نَعْتَ الكمال حتَّى تنتهيَ بالتَّضعيف إلى نِصابٍ تَقَعُ المناسَبةُ بينه وبين ما قَدَّمَ نسبةَ ما بين الثَّمرة إلى الجبل. ووقع في رواية القاسم عن أبي هريرة عندَ التِّرمِذيّ (٦٦٢): ((فَلُوَّه أو مُهرَه))(١)، ولعبد الرزاق (٢٠٠٥٠) من وجهٍ آخرَ عن القاسم: ((مُهْره أو فَصِيله))، وفي رواية له عند البَزَّار: «مُهرَه أو وَصِيفَه(٢) أو فَصِيلَه))، ولابن خُزيمة (٢٤٢٥) من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة: ((فَلُوَّه أو قال: فَصِيلَه) وهذا يُشعِرُ بأنَّ ((أو)) للشكِّ. قال المازَرِيّ: هذا الحديثُ وشِبهُه إنَّما عُبِّرَ به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكَنَّى عن قَبُول الصَّدَقة باليمين وعن تضعيفِ أجرِها بالتَّربية. وقال عياض: لمَّا كان الشيءُ الذي يُرتَضَى يُتلقَّى باليمين ويُؤْخَذُ بها، استُعمِلَ في مثلِ هذا واستُعيرَ للقَبُول، لقول القائل: تَلقّاها عَرَابةُ باليمينِ(٣) أي: هو مُؤَهَّلٌ للمَجدِ والشَّرَفِ، وليس المراد بها الجارحة. وقيل: عَبَّرَ باليمين عن جهة القَبُول، إذ الشِّمالُ بضِدِّه. وقيل: المرادُ يمين الذي تُدفَعُ إليه الصَّدَقَةُ، وأضافَها إلى الله تعالى إضافة ملكٍ واختصاص، لوضع هذه الصَّدَقة في يمين الآخذِ لله تعالى. وقيل: المرادُ سُرعة القبول، وقيل: حُسْنُه. (١) ليس فيه: ((فلوه))، ولكن وقع عنده من رواية سعيد بن يسار عن أبي هريرة (٦٦١): ((فَلُوَّه أو فصيله)»، والفصيل: ولد الناقة إذا فُصل عن أمه. (٢) في (أ) و(س): رضيعه، وما أثبتناه من (ع) وهو الموافق لما في رواية عائشة عند البزار، أما رواية القاسم عن أبي هريرة عنده في («مسنده)) (٨٠٦٢) فهي كروايته عند عبد الرزاق. وفي (لسان العرب)) (وصف): ٠٠ وَصَفَ المُهْرُ: إذا جادَ مشیُه. (٣) هذا عجز بيت للشَّماخ، وصدره: ((إذا ما رايةٌ رُفعت لمجدٍ))، انظر ((ديوانه)) ١/ ٧١. ٤٤ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال الزَّين بن المنيِرِ: الكِنايةُ عن الرِّضا والقَبُول بالتَّلقِّي باليمين، لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان وتَحقيقِها في النُّفُوسِ تحقيقَ المَحْسوسات، أي: لا يُتَشْكَّكُ في القَبُولِ كما لا يَتَشكَّكُ مَن عايَنَ التَّلَقِّيَ للشيءٍ بَيَمينِهِ، لا أنَّ التَّنَاوُل كالتَّنَاوُل المعهود، ولا أنَّ المتَناوَل به جارحةٌ. وقال التِّرمِذيّ في ((جامعه)) (٦٦٢): قال أهل العلم من أهل السُّنّة والجماعة: نُؤمِنُ بهذه الأحاديثِ ولا نَتَوَهَّمُ فيها تشبيهاً ولا نقولُ: كيف، هكذا رويَ عن مالك وابن عُيَينةَ وابن المبارَك وغيرِهم، وأنكَرَت الجَهْميَّة هذه الروايات. انتهى، وسيأتي الردُّ عليهم مُستوفَّى في كتاب التوحيد (٧٤٣٠) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حتَّى تكونَ مِثلَ الجبل))، ولمسلم (١٠١٤/ ٦٣) من طريق سعيد بن يسار، عن أبي هريرة: ((حتَّى تكون أعظَمَ من الجبل))، ولابن جَرِير (١٠٥/٣) من وجهٍ آخرَ عن القاسم: ((حتَّى يُوافى بها يومَ القيامة وهي أعظَمُ من أُحد)) يعني: التَّمرة. وهي في رواية القاسم عندَ التِّرمِذيّ (٦٦٢) بلفظ: ((حتَّى إِنَّ اللُّقمةَ لتَصيرُ مثلَ أُحد)» قال: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَوْاْ وَيُرْبِ الصََّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جَرِير (١٠٥/٣) التصريح بأنَّ تلاوةَ الآية من كلام أبي هريرة. وزاد عبد الرزاق في روايته (٢٠٠٥٠) من طريق القاسم أيضاً: ((فتَصدَّقوا))، والظاهر أنَّ المراد بعِظَمِها: أنَّ عَينَها تعظُمُ لتَقُل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك مُعبّراً به عن ثوابها. قوله: ((تابَعَه سليمان)) هو ابن بلال ((عن ابن دينار)) أي: عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهذه المتابعة ذَكَرَها المصنِّف في التوحيد (٧٤٣٠) فقال: وقال خالد بن ◌َخَلَد عن سليمان ابن بلال، فساقَ مِثْلَه، إلّا أنَّ فيه مُخَالَفَةً في اللَّفْظِ يسيرةً، وقد وَصَلَه أبو عَوَانة والجَوْزَقِيّ من طريق محمّد بن معاذ بن يوسف عن خالد بن عَلَد بهذا الإسناد. ووَفَعَ في ((صحيح مسلم)) (١٠١٤ / ٦٤): حذَّثنا أحمدُ بن عثمانَ، حذَّثنا خالد بن ◌َلَد، عن سليمانَ، عن سُهَيل، عن أبي صالح، ولم يَسُق لفظَہ کلَّه، وهذا إن كان أحمد بن عثمان ٤٥ باب ٩ / ح ١٤١١ - ١٤١٢ كتاب الزكاة حَفِظَه، فلسُليمانَ فيه شيخان: عبد الله بن دينار وسُهَيل، عن أبي صالح، وقد غَفَلَ صاحبُ ((الأطراف)) فسَوَّى بين روايتَي ((الصَّحيحَين)) في هذا وليس بجيِّد. قوله: ((وقال وَرْقاء)) هو ابن عمر ((عن ابن دينار عن سعيد بن يَسَار عن أبي هريرة» يعني أنَّ وَرْقَاءَ خالَفَ عبد الرحمن وسلیمانَ، فجعل شیخَ ابن دینار فیه سعيد بن يسار بدلَ أبي صالح، ولم أقف على رواية وَرْقاءَ هذه موصولة، وقد أشارَ الداووديّ/ إلى أنَّها وهم ٢٨١/٣ لتَوارُد الرُّواة عن أبي صالح دونَ سعيد بن يَسَار، وليس ما قال بجيِّد، لأنَّه محفوظٌ عن سعيد بن يَسار من وجهٍ آخرَ كما أخرجه مسلم (١٠١٤/ ٦٣) والتِّرمِذيّ (٦٦١) وغيرهما. نعم رواية وَرْقاء شاذّةٌ بالنّسبة إلى مُخالَفة سليمان وعبد الرحمن، والله أعلم. تنبيه: وَقَفت على رواية وَرْقاءَ موصولة، وقد بيَّنت ذلك في كتاب التوحيد (٧٤٣٠). قوله: ((ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم وسُهَيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة» أمَّا رواية مسلمٍ فُرُوّيناها موصولة في كتاب الزكاة ليوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، حدَّثنا سعيد بن سَلَمَةَ - هو ابن أبي الحُسام - عنه به، وأمَّا روايةُ زيد بن أسلم وسُهَيل، فوَصَلَهما مسلم (١٠١٤ / ٦٤)، وقد قَدَّمت ما في سياق الثلاثة من فائدة وزيادة. ٩ - باب الصدقة قبل الرَّد ١٤١١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنا شُعْبةُ، حدَّثنا مَعبَدُ بنُ خالٍ، قال: سمعتُ حارثةَ بنَ وَهْبٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌ِّهِ، يقول: ((تَصدَّقُوا، فإِنَّه يأتي عليكم زمانٌ يَمْشي الرجلُ بصَدَقِتِهِ فلا يَجِدُ مَن يَقبلُها، يقول الرجلُ: لو جئتَ بها بالأمسِ لَقَبِلْتُها، فأمَّا اليومَ فلا حاجةً لي بها)). [طرفاه في: ٧١٢٠،١٤٢٤] ١٤١٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َلِّ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَكثُرَ فيكُمُ المالُ فِيَفِيضَ، حتَّى يَهُمَّرَبَّ المال مَن يقبلُ صَدَقَتَهِ، وحتَّى يَعْرِضَه، فيقولَ الَّذي يَعْرِضُه عليه: لا أَرَبَ لِي». ٤٦ باب ٩ / ح ١٤١١- ١٤١٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٢/٣ قوله: ((باب الصَّدَقةِ قبلَ الردّ» قال الزّين بن المنيِر ما مُلخَّصه: مَقْصُودُه بهذه الترجمة الحَثّ على التَّحْذيرِ من التَّسْوِيفِ بالصَّدَقةِ، لِ في المسارَعةِ إلَيها من تحصيل النُّمُوِّ المذْكُورِ. قيل: لأنَّ التَّسْويفَ بها قد يكونُ ذَريعةً إلى عَدَم القابل لها، إذ لا يَتِمّ مَقْصُودُ الصَّدَقة إلّا بِمُصادَفَةِ المحْتاج إلَيها، وقد أَخبر الصّادق أنَّه سَيَقَعُ فَقْدُ الفقراء المحْتاجينَ إلى الصَّدَقةِ بأن يُجْرِجَ الغَنيُّ صَدَقتَه فلا يَجِدُ مَن يقبلُها. فإن قيلَ: إِنَّ مَن أخرج صَدَقَتَه مُثاب على نِيَّتِه ولو لم يَجِد مَن يقبلُها، فالجَواب: أنَّ الواجدَ يُثابُ ثَواب المجازاة والفَضْل، والناوي يُئابُ ثَواب الفَضْل فقَط، والأوَّل أربحُ، والله أعلمُ. ثُمَّ ذَكَرَ المصنِّفُ في الباب أربعةَ أحاديثَ في كلٍّ منها الإنذار بوقوعِ فِقْدان مَن يقبلُ الصَّدَقَةَ. أولها: حديث ((حارِثَة بن وَهْب» هو الخُزَاعيّ. قوله: ((فإنَّه يأتي عليكم زمان)) سيأتي بعدَ سبعة أبواب (١٤٢٤) من وجهٍ آخرَ بلفظ: (فسیأتي)). قوله: ((يقول الرَّجل)) أي: الذي يريدُ المتصدِّقُ أن يُعطيَه إيّاها. قوله: «فأمَّا اليومَ فلا حاجةَ لي بها)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فيها))، والظاهر أنَّ ذلك يقعُ فِي زَمَنِ كَثْرة المال وفَيْضِهِ قُربَ الساعة كما قال ابن بَطَّال، ومن ثَمَّ أورَدَه المصنِّفُ في كتاب الفتن كما سيأتي (٧١٢٠). وهو بيِّنٌّ من سياق حديث أبي هريرةَ ثاني حديثَي الباب، وقد ساقه في الفتن (٧١٢١) بالإسناد المذكور هنا مطوَّلاً، ويأتي الكلام عليه مُستوفّى هناك إن شاء الله تعالى. وقوله: ((حتَّى يَهُمَّ)) بفتح أوله وضم الهاء، و((رَبَّ المال)) منصوب على المفعوليَّة وفاعله قوله: ((مَن يقبلُه)) يقال: هَمَّه الشيءُ: أحزَنَه. ويُروَى بضم أوله، يقال: أهمّه الأمرُ: أقلَقَه. وقال النَّوَويّ في ((شرح مسلم)): ضبطوه بوجهين، أشهَرُهما: بضم أوله وكسر الهاء، ٤٧ باب ٩ / ح ١٤١٣ كتاب الزكاة و ((رَبَّ المال)) مفعول، والفاعل: ((مَن يقبلُ)) أي: يُحِزِنُه، والثاني: بفتح أوله وضم الهاء، و ((رَبُّ المال)) فاعل، و((مَن)) مفعول، أي: يَقْصِد، والله أعلم. قوله: ((لا أَرَبّ لي)) زاد في الفتن (٧١٢١): ((به)) أي: لا حاجةً لي به لاستغنائي عنه. ١٤١٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عاصمِ النبيلُ، أخبرنا سعدانُ بنُ بِشْرِ، حدّثنا أبو مجاهدٍ، حدَّثنا مُحِلُّ بنُ خَلِيفةَ الطّائِيُّ، قال: سمعتُ عَدِيَّ بنَ حاتم ﴾، يقول: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ وَ﴿ فجاءَه رَجُلانِ: أحدُهما يَشْكُو العَيْلَةَ والآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فقال رسولُ اللهِوَّ: ((أمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ، فإنَّه لا يأتي عليكَ إلا قليلٌ حتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إلى مكَّةَ بغيرِ خَفِيرٍ، وأمَّ العَيلةُ، فإنَّ الساعةَ لا تقومُ حتَّى يَطُوفَ أحدُكم بصَدَقِتِهِ لا يَجِدُ مَن يقبلُها منه، ثمَّ لَيَقِفَنَّ أحدُكم بين يَدَى الله ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا تُرجمانٌ يُترجِمُ له، ثمَّ لَيَقولَنَّ له: ألم أُوتِكَ مالاً؟ فَلَيقولَنّ: بلى، ثمَّلَيقولَنّ: ألم أُرسِلْ إليكَ رسولاً؟ فَلَيقولَنّ: بلى، فَيَظُرُّ عن يمينِهِ فلا يَرَى إلا النارَ، ثمَّ يَنظُرُ عن شِماله فلا يَرَى إلا النارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أحدُكُم النارَ ولو بشِقٌّ تَمْرةٍ، فإن لم يَجِدْ فبكَلِمِةٍ طيِّةٍ)). [أطرافه في: ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢] ثالثها: حديث عَديّ بن حاتم، وقد أورَدَه المصنِّفُ بأتمَّ من هذا السياق (٣٥٩٥)، ويأتي الكلام علیه مُستوفَّى. وشاهدُه هنا قوله فيه: ((فإنَّ الساعةَ لا تقومُ حتَّى يَطُوفَ أحدُكم بصَدَقِتِهِ لا يَجِدُ مَن يقبلُها منه)) وهو موافقٌ لحديث أبي هريرة الذي قبله، ومُشعِرٌ بأنَّ ذلك يكون في آخِر الزمان، وحديثُ أبي موسى الآتي بعدَه مُشعِر بذلك أيضاً، وقد أشارَ عَديّ بن حاتم - كما سيأتي في علامات النُّبوّة (٣٥٩٥) - إلى أنَّ ذلك لم يقع في زمانه، وكانت وفاتُه في خلافة معاويةَ بعدَ استقرار أمرِ الفُتوح، فانتَفى قولُ مَن زَعَمَ أنَّ ذلك وقع في ذلك الزمان. قال ابن التِّين: إنَّما يقعُ ذلك بعدَ نزولٍ عيسى، حينَ تُخْرِجُ الأرضُ بَرَكاتِها حتَّى تُشبعَ ٤٨ باب ١٠ / ح ١٤١٤- ١٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري الرّمّانةُ أهلَ البيتِ ولا يَبقَى في الأرضِ كافر (١). ويأتي الكلام على اتِّقاء النار ولو بشِقٌّ تمرةٍ في الباب الذي يليه (١٤١٧). رابعها: حديث أبي موسى. ١٤١٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدٍ، عن أبي بُرْدَ، عن أبي موسى جه، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((لَيَأْتَنَّ على الناس زمانٌ يَطُوفُ الرجلُ فيه بالصَّدَقةِ من الذَّهب، ثمَّ لا يَجِدُ أحداً يأخُذُها منه، ويُرَى الرجلُ الواحدُ يَتْبَعُه أربعونَ امرأةٌ يَلُذْنَ به من قِلّةِ الرِّجال وكَثْرةِ النِّساء)». قوله: ((من الذَّهب)) خَصَّه بالذِّكرِ مُبالَغة في عَدَم مَن يَقْبلُ الصَّدَقة، وكذا قوله: ((يطوفُ ثُمَّ لا يَجِدُ مَن يقبلُها)». وقوله: ((ويُرَى الرجل ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلام عليه مُستوفّى في ((باب رفع العلم)) من كتاب العلم (٨١). ١٠ - باب اتّقوا النار ولو بشِقّ تمرةٍ والقليل من الصدقة ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيةَ، إلى قوله: ﴿كُلّ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥-٢٦٦]. ١٤١٥ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو النُّعْمَان الحَكَمُ - هو ابنُ عبدِ الله البَصْرِيُّ - حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ ﴾، قال: لمَّا نَزلَت آيةُ الصَّدَقةِ كنَّا نُحامِلُ، فجاء رجلٌ فتَصدَّقَ بشيءٍ كَثِيرٍ، فقالوا: مُرائي، وجاء رجلٌ فتَصدَّقَ بصاع، فقالوا: إنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عن صاع هذا، فنزلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآيةَ [التوبة: ٧٩]. [أطرافه في: ١٤١٦، ٢٧٧٢، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩] (١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٩٣٧) وغيره مطوَّلاً من حديث النواس بن سمعان څ، وفيه: ((فيومئذ تأكل العصابة من الرُّمانة، ويستظلون بقِحْفها، ويبارك في الرِّسْل (أي: اللبن) حتى إن اللّقْحة لتكفي الفئام من الناس ... )) إلى آخره. ٤٩ باب ١٠ / ح ١٤١٥ كتاب الزكاة قوله: ((باب اتَّقُوا النارَ ولو بشِقٌّ تَمْرة، والقليل من الصَّدَقةِ، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ ٢٨٣/٣ أَمْوَلَهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥ -٢٦٦])) قال الّين بن المنيِر وغيره: جمع المصنّف بين لفظ الخبرِ والآيةِ لاشتمال ذلك كلِّه على الحَثِّ على الصَّدَقة قَليلِها وكَثِيرِها، فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَمْوَلَهُمُ﴾ يَشْمَلُ قليلَ النَّفقة وكثيرَها، ويَشهَدُ له قولُه: ((لا يَحِلُّ مالُ امرِئ مسلمٍ إلَّا عن طيبٍ نفس))(١)، فإنَّه يَتَنَاوَلُ القليل والكثير، إذ لا قائلَ بحِلّ القليل دون الكثير. وقوله: ((أَنَّقوا النارَ ولو بشِقٌّ تمرة)) يَتَنَاوَلُ الكثير والقليل أيضاً، والآية أيضاً مُشتَمِلة على قليل الصَّدَقة وكثيرها (٢) من جهة التَّمثيل المذكور فيها بالطَّلِّ والوابل، فشُبِّهَت الصَّدَقَةُ بالقليل بإصابة الطَّلِّ، والصَّدَقةُ بالكثير بإصابة الوابِل. وأمَّا ذِكرُ القليل من الصَّدَقة بعدَ ذِكرِ شِقّ التَّمرة فهو من عطف العامُّ على الخاصّ، ولهذا أورَدَ في الباب حديثَ أبي مسعود الذي كان سبباً لنزولِ قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وقال الشَّيخ عِزّ الدّين بنُ عبد السلام: تقدير الآية: مَثَلُ تضعيفٍ أُجور الذينَ يُنِفِقونَ كمَثَلِ تضعيف ثمار الجنَّة بالمطر، إنْ قليلاً فقليل، وإنْ كثيراً فكثير. وكأنَّ البخاريّ أتبَعَ الآيةَ الأولى التي ضُرِبَت مثلاً بالرَّبْوة بالآية الثانية التي تَضَمَّنَت ضربَ المَثَل لمن عَمِلَ عملاً يَفْقِدُه أحوَجَ ما كان إليه؛ للإشارة إلى اجتناب الرّياء في الصَّدَقة، ولأنَّ قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] يُشعِرُ بالوَعيد بعدَ الوَعْد، فأوضحَه بذِكْر الآية الثانية، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في اقتصاره على بعضها اختصاراً. ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث: أحدها: حديث أبي مسعود، وَرَدَ من وجهَينٍ تامّاً ومختصراً. (١) أخرجه أحمد برقم (١٥٤٨٨) من حديث عمرو بن يَثْربي، وبرقم (٢٠٦٩٥) من حديث عم أبي حُرَّة الرَّقَاشي، وبرقم (٢٣٦٠٥) من حديث أبي حميد الساعدي بنحوه، وهو أصحها. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: وغيرها. ٥٠ باب ١٠ / ح ١٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٤١٦ - حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﴾، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَّ إذا أمَرَنا بالصَّدَقةِ انطلقَ أحدُنا إلى السُّوقِ فِيُحامِلُ، فيُصِيبُ المَّ، وإِنَّ لبعضِهم اليومَ لَمِئَةَ ألفٍ. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، و((أبو مسعود)): هو الأنصاريُّ البَدْريّ. قوله: ((لمَّا نزلَت آيَةُ الصَّدَقة)) كأنَّه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. قوله: ((كنّا نُحامِل)) أي: نَحمِلُ على ظُهورِنا بالأجرة، يقال: حاملتُ بمعنى حَلتُ، کسافرتٌ. وقال الخطَّبيّ: يريد: نَتَكَلَّفُ الْحَمْلَ بالأُجرة لنكتَسِبَ ما نَتَصدَّقُ به، ويؤيِّدُه قولُه في الرواية الثانية التي بعدَ هذه حيثُ قال: ((انطلقَ أحدُنا إلى السوق فيُحامِلُ)) أي: يَطلُب الحَمْلَ بالأُجرة. قوله: «فجاء رجلٌ فتصدَّقَ بشيءٍ کثیرٍ)» هو عبد الرحمن بن عَوْف کما سيأتي في التفسير ٢٨٤/٣ (٤٦٦٨)، والشيء المذكور كان ثمانيةَ آلافٍ أو أربعة آلاف. قوله: ((وجاء رجل)) هو أبو عَقِيل - بفتح العين - كما سيأتي في التفسير (٤٦٦٨)، ونذكر هناك إن شاء الله تعالى الاختلاف في اسمِه واسم أبيه ومَن وقع له ذلك أيضاً من الصحابة كأبِي خَيْثَمة، وأنَّ الصاعَ إِنَّا حَصَلَ لأبي عَقيل لكَونِه أجَّرَ نفسَه على النَّزْعِ(١) من البئرِ بالحبل. قوله: ((فقالوا)) سُمّيَ من اللَّامِزِينَ في ((مَغازي)) الواقديّ: مُعتِّب بن قُشَير وعبد الرحمن ابن نَبتَل، بنون ومُثنَّاة مفتوحتَينِ بينهما موحّدة ساكنة ثمَّ لام. قوله: ﴿يَلْمِزُونَ﴾ أي: يَعِيبون، وشاهدُ الترجمة قوله: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة:٧٩]. (١) تحرَّفت في (س) إلى: النزح، والنَّزْع: هو استخراج الماء من البئر بواسطة الحَبْل، وهو المعنى المراد هنا، وأما النزح: فهو استقاء ماء البئر كله حتى يَنفَد. ٥١ باب ١٠ / ح ١٤١٧ كتاب الزكاة قوله: ((سعيد بن يحيى)) أي: ابن سعيد الأُمَويّ. قوله: ((فيُحامِلُ)) بضم التحتانيَّة واللَّام مضمومة بلفظ المضارع من المفاعلة، ويُروَى بفتح المثنَّة وفتح اللَّام أيضاً(١)، ويؤيِّدُه قولُه في رواية زائدةَ الآتية في التفسير (٤٦٦٩): فيَحتالُ أحدُنا حتَّى تَجِيءَ بالمُدِّ. قوله: ((فيُصيبُ المُلَّ) أي: في مُقابلة أُجرته فيَتصدَّقُ به. قوله: ((وإنَّ لبعضِهم اليومَ لَمِئَةَ ألفٍ)) زاد في التفسير (٤٦٦٩): ((كأنَّه يُعرِّضُ بنفسِه))، وأشارَ بذلك إلى ما كانوا عليه في عهد النبيِّ نَّهِ من قِلّة الشيء، وإلى ما صاروا إليه بعدَه من التوَسُّع لكَثْرة الفُتوحِ، ومع ذلك فكانوا في العهد الأولِ يَتصدَّقونَ بما يَجِدونَ ولو جَهِدوا، والذينَ أشارَ إليهم آخِراً بخلاف ذلك. تنبيه: وقع بخَطِّ مُغَلْطاي في ((شرحه): ((وإنَّ لبعضهم اليومَ ثمانية آلاف)) وهو تصحيف. ١٤١٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ عبدَ الله ابنَ مَعْقِلٍ، قال: سمعتُ عَدِيَّ بنَ حاتمِ ﴾، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّةِ، يقول: «أَتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرةٍ)). ثانيها: حديث عَديّ بن حاتم وهو بلفظ الترجمة، وهو طرفٌ من حديثه المذكور في الباب الذي قبله (١٤١٣). و ((بشِقِّ)) بكسر المعجَمة: نِصْفها أو جانبها، أي: ولو كان الاتِّقاء بالتصدُّق بشِقِّ تمرةٍ واحدةٍ، فإنّه يُفید. وفي الطبرانيّ (٧٧٧/١٨) من حديث فَضَالة بن عُبيد مرفوعاً: ((اجعَلوا بينَكم وبين النار حِجاباً ولو بشِقِّ تمْرةٍ))، ولأحمد (٣٦٧٩) من حديث ابن مسعود مرفوعاً بإسناد صحيح (٢): (ليَتَّقَ أحدُكم وجهَه النارَ ولو بشِقٌّ تمرةٍ))، وله من حديث عائشة (٢٤٥٠١) (١) أي: فتَحامَل. (٢) بل إسناده ضعيف للين إبراهيم بن مسلم الهَجَري، وفيه أيضاً عمار بن محمد - وهو شيخ أحمد - مختلف فيه، لكن الحديث صحيح بشواهده، ولتمام الفائدة انظر التعليق عليه في ((المسند)). ٥٢ باب ١٠ / ح ١٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري بإسناد حسنٍ: ((يا عائشة، استَقِري من النار ولو بشِقِّ تمرة، فإنَّها تَسُدُّ من الجائع مَسَدَّها من الشَّبعان))، ولأبي يَعْلى (٨٥) من حديث أبي بكر الصِّدّيق، نحوُه وأتمُّ منه بلفظ: ((تَقَعُ من الجائع مَوقِعَها منَ الشَّبعان)) وكأنَّ الجامعَ بينهما في ذلك حَلاوَتُها. وفي الحديث: الحَثّ على الصَّدَقة بما قَلَّ وما جَلَّ، وأن لا يُحتَقَرُ ما يُتَصَدَّقُ به، وأنَّ اليسيرَ من الصَّدَقة يَستُر المتصدِّقَ من النار. ثالثها: حديث عائشة. ١٤١٨ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ حَزْمٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: دَخَلَتِ امرأةٌ معها ابنتان لها تَسألُ، فلم تَجِدْ عندي شيئاً غيرَ تَمْرةٍ فأعطَيْتُها إيّاها، فقَسَمَتْها بين ابنَتَيها ولم تَأْكُلْ منها، ثمَّ قامَت فخَرَجَتْ، فدخل النبيُّ وَلَّه علينا فأخبرتُه، فقال: ((مَنِ ابتُليَ من هذه البَناتِ بشيءٍ، كُنَّ له سِتْراً من النارِ)). [طرفه في: ٥٩٩٥] وسيأتي في الأدب (٥٩٩٥) من وجهٍ آخرَ عن الزُّهْريِّ بسنِدِه، وفيه التقييدُ بالإحسان، ولفظُه: ((مَن ابتُليَ من البنات بشيءٍ فأحسنَ إليهِنَّ، كُنَّ له سِتراً من النار))، وسيأتي الكلام عليه مُستوقّ هناك إن شاء الله تعالى. ومُناسَبتُه للترجمة من جهة أنَّ الأُمّ المذكورةَ لمَّا قَسمَت الثَّمرةَ بين ابنتَيها، صار لكلِّ واحدةٍ منهما شِقُّ تمرة، وقد دَخَلَت في عُمومٍ خبر الصادق أنَّهَا مَمَّن سُتِرَ من النار، لأنَّهَا مَمَّن ابتُليَ بشيءٍ من البنات فأحسَنَ. ومُناسَبةُ فعلٍ عائشة للترجمة من قوله: ((والقليل من الصَّدَقة))، وللآية من قوله: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ لقولها في الحديث: فلم تَجِدْ عندي غيرَ تمرةٍ. وفيه شِدّةُ حِرْص عائشة على الصَّدَقة امتثالاً لوَصِيَّتَه وَِّ لها حيثُ قال: ((لا يَرجِعُ من عندك سائلٌ ولو بشِقِّ تمرة)) رواه البَزَّار (٨١٣١) من حديث أبي هريرة. ٥٣ باب ١١ / ح ١٤١٩ كتاب الزكاة ١١ - باب فَضْل صَدَقَةِ الشَّحيح الصَّحيح لقوله: ﴿ وَأَنِفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [المنافقون: ١٠]. وقولِهِ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْمِمَا رَزَقْتَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ١٤١٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عمارةُ بنُ القَعْقاع، حدَّثنا ٢٨٥/٣ أبو زُرْعةَ، حدَّثنا أبو هريرةَ﴾، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ نَّه فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجْراً؟ قال: ((أن تَصَّدَّقَ وأنتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفقرَ وتَأْمُلُ الغِنَى، ولا تُهِلُ حتَّى إذا بَلَغَتِ الخُلْقُومَ قلتَ: لِفُلانٍ كذا ولِفُلانٍ كذا، وقد كان لِفُلانٍ». [طرفه في: ٢٧٤٨] قوله: ((باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((أيُّ الصَّدَقة أفضل، وصدقة الشَّحيح الصَّحيح، لقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْنُ﴾ الآية [المنافقون: ١٠])) فعلى الأول المرادُ: فضل مَن كان كذلك على غيره، وهو واضح، وعلى الثاني: كأنَّه تَرَدَّدَ في إطلاق أفضليَّة مَن كان كذلك، فأورَدَ الترجمةَ بصيغة الاستفهام. قال الزَّين بن المنيِّر ما مُلخَّصُه: مُناسَبةُ الآية للترجمة أنَّ معنى الآية التحذيرُ من الشَّسويفِ بالإنفاق استبعاداً لحلول الأجَلِ واشتغالاً بطول الأمَل، والترغيبُ في المبادَرة بالصَّدَقة قبل هجوم المنيَّة وفَواتِ الأُمنيَّة. والمرادُ بالصِّحّة في الحديث مَن لم يَدخُل في مرضٍ مَوفٍ فيَتصدَّقُ عندَ انقِطاع أمَله من الحياة، كما أشارَ إليه في آخره بقوله: ((ولا تُهِلُ حتَّى إذا بَلَغَت الحلقومَ)». ولمَّا كانت مُجَاهَدة النَّفْس على إخراج المال مع قيام مانع الشُّحِّ، دالًّا على صِحَّة القَصدِ وقوّة الرّغبة في القُرْبة، كان ذلك أفضلَ من غيره، وليس المراد أنَّ نفسَ الشُّحِّ هو السببُ في هذه الأفضليَّة، والله أعلم. ٥٤ باب ١١ / ح ١٤١٩ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: وقع في رواية غير أبي ذرِّ تقديمُ آية المنافقينَ على آية البقرة، وفي رواية أبي ذرِّ بالعكس. قوله: «حدّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد. قوله: ((جاء رجل)) لم أقفْ على تسميته، ويحتملُ أن يكون أبا ذرٍّ، ففي ((مسند أحمد)) (٢١٥٤٦) عنه أنَّه سألَ: أُّ الصَّدَقة أفضل؟ لكن في الجواب: ((جُهدٌ من مُقِلٍّ، أو سِرٌّ إلى فقير))، وكذا روى الطبرانيُّ (٧٨٧١) من حديث أبي أُمامةَ: أنَّ أبا ذرِّ سألَ فأُجيبَ. قوله: ((أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجْراً؟» في الوصايا (٢٧٤٨) من وجهٍ آخرَ عن عمارة بن القعقاع: أيُّ الصَّدَقة أفضلُ؟ قوله: ((أن تَصَّدَّقَ)) بتشديد الصاد، وأصلُه: تَتَصَدَّق، فأُدغِمَت إحدَى التاءَين. قوله: ((وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ)) في الوصايا: ((وأنت صحیحٌ حَریصٌ)). قال صاحب ((المنتَهَى)): الشُّخُ بخلٌ مع حِرْص. وقال صاحب ((المحكم)): الشُّخُ مُثَلَّث الشّين، والضمُّ أعلى. وقال صاحب ((الجامع)): كأنَّ الفتحَ في المصدرِ، والضمَّ في الاسم. وقال الخطّابِيّ: فيه أنَّ المرض يَقصُرُ يدَ المالكِ عن بعض مِلكِهِ، وأنَّ سَخاوَتَه بالمال في مرضِه لا تَمْحو عنه سِمَةَ البُخْل، فلذلك شَرَطَ صِحَّة البَدَنِ في الشُّحِّ بالمال، لأنَّه في الحالتَينِ يَجِدُ للمال وَقْعاً في قلبِهِ لمَا يأمُّلُه من البقاء فيَحذَرُ معه الفقر، وأحد الأمرينِ للمُوصي والثالث للوارث، لأنَّه إذا شاءَ أبطَله. قال الكِرْمانيّ: ويحتملُ أن يكون الثالث للمُوصي أيضاً لخروجِه عن الاستقلال بالتصرُّفِ فیما یشاءُ، فلذلك نَقَصَ ثوابه عن حال الصِّحّة. قال ابن بَطَّال وغيره: لمَّا كان الشُّخُّ غالباً في الصِّحّة فالسماح فيه بالصَّدَقة أصدَقُ في النَيَّة وأعظَمُ للأجر، بخلاف مَن يَئِسَ من الحياة، ورأى مَصيرَ المال لغيره. قوله: ((وتَأْمُل)) بضم الميم، أي: تَطمَع. ٥٥ باب / ح ١٤٢٠ كتاب الزكاة قوله: ((إذا بَلَغَت)) أي: الزُّوح، والمراد قارَبَت بُلوغَه، إذ لو بَلَغَته حقيقةً لم يَصِحَّ شيءٍ من تصرُّفاته. ولم يَجْرِ الرُّوحِ ذِكرٌ اغتناءً بدلالة السياق. والحُلْقومُ: مَجَرَى النَّفْس، قاله أبو عُبيدة، وقد تقدَّم في أواخر كتاب العلم(١). وسيأتي بقيَّة الكلام على هذا الحديث في كتاب الوصايا (٢٧٤٨) إن شاء الله تعالى. باب ١٤٢٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن فِراسٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن ٢٨٦/٣ مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ بعضَ أزواج النبيِّ ◌ٍَّ قُلْنَ للنبيِّ وَِّ: أَيُّنا أسرَعُ بِكَ لُحوقاً؟ قال: ((أطوَلُكُنَّ يداً)) فأخذُوا قَصَبةً يَذْرَعُونَها، فكانت سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يداً، فعَلِمْنا بعدُ أنَّما كانت طُولَ يَدِها الصَّدَقَةُ، وكانت أسرَ عَنا لُحوقاً به، وكانت تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. قوله: (باب)) كذا للأكثر وبه جَزَمَ الإسماعيليّ، وسَقَطَ لأبي ذرٍّ، فعلى روايته هو من ترجمة فضل صدقة الصحيح، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفَصْل منه. وأورَدَ فيه المصنِّفُ قصَّة سؤال أزواج النبيِّ وَّهِ منه: أيَّتُهنَّ أسرَع لحوقاً به، وفيه قولُه لهنَّ: ((أطوَلُكنَّ يدا)) الحديث. ووجه تعلُّقه بما قبله: أنَّ هذا الحديثَ تَضَمَّنَ أنَّ الإيثارَ والاستكثارَ من الصَّدَقة في زَمَن القُدرة على العمل سبب للَّحاق بالنبيِّ وَّةِ، وذلك الغايةُ في الفضيلة، أشارَ إلى هذا الَّين بن المنيِّر. قال ابن رُشَيد: وجه المناسبة أنَّه تَبيَّن في الحديث أنَّ المراد بطُول اليد المقتضي للَّحاق به: الطَّوْلُ(٢)، وذلك إنَّما يَتَأَتَّى للصحيح لأنَّه إنَّما يَحَصُلُ بالمداومة في حال الصِّحّة، وبذلك يَتِمُّ المراد، والله أعلم. (١) تحت حديث رقم (١٢٠)، وانظر ما سيأتي في كتاب استتابة المرتدين تحت رقم (٦٩٣٠). (٢) أي: الجود وسَعَة العطاء. ٥٦ باب / ح ١٤٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ بعضَ أزواج النبيِّ نَّ)) لم أقفْ على تعيين السائلة منهنَّ عن ذلك، إلَّ عند ابن حِبَّان (٣٣١٥) من طريق يحيى بن حمّاد عن أبي عَوَانة بهذا الإسناد: ((قالت: فقلت) بالمثنَّة، وقد أخرجه النَّسائيّ (٢٥٤١) من هذا الوجه بلفظ: ((فقُلنَ)) بالنون، فالله أعلم. قوله: ((أسرَع بك لحوقاً)) منصوب على التَّمييز، وكذا قوله: ((يدا)، و(أطولُكنَّ)) مرفوع على أنَّه خبرُ مُبتَدَأِ محذوفٍ. قوله: ((فأخذُوا قَصَبةً يَذْرَعُونَهَا)) أي: يُقدِّرونَها بذِراع كلِّ واحدةٍ منهنَّ، وإنَّما ذكره بلفظ جمع المذكَّر بالنَّظَرِ إلى لفظ الجمع لا بلفظ جماعة النِّساء، وقد قيل في قول الشاعرِ: وإن شِئتِ حَرَّمتُ النِّساءَ سِواكُمُ(١) أنَّه ذكره بلفظ جمع المذكَّر تعظيماً، وقولُه: ((أطولُكنَّ) يناسبُ ذلك، وإلَّ لقالَ: طُولاكُنّ. قوله: ((فكانت سَوْدة)) زاد ابن سعد (٥٤/٨-٥٥) عن عَفّانَ عن أبي عَوَانة بهذا الإسناد: بنتُ زَمْعَةَ بنِ قیس. قوله: (أطوَفُنَّ يداً)) في رواية عَفّانَ: ((ذِراعاً)) وهي تعيِّنُ أنَّهنَّ فَهِمْنَ من لفظ اليد الجارحة. قوله: ((فَعَلِمْنا بعدُ)) أي: لمَّا ماتت أولُ نسائه به لحوقاً. قولُهُ: (أَنَّا)) بالفتح، و((الصَّدَقَةُ)) بالرفع، و ((طُولَ يَدِها)) بالنصب لأنَّه الخبر. قوله: ((وكانت أسرَعَنا)) كذا وقع في ((الصحيح)) بغير تعيين، ووقع في ((التاريخ الصَّغير)) للمصنَّف(٢) عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: فكانت سَوْدةُ أسرَ عَنا ... إلى آخره. وكذا أخرجه البيهقيّ في ((الدَّلائل)) (٦/ ٣٧١) وابن حِبَّان في ((صحيحه)) من طريق (١) صدرُ بيت للشاعر الأُموي عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان الملقب بالعَرْجي، وعجزه: ((وإن شئتِ لم أطعم نُقاخاً ولا بَرْدا))، انظر ((لسان العرب)) (نقخ)، والنقاخ: الماء البارد العذب الصافي الخالص. (٢) وهو أيضاً في ((الأوسط)) له (المطبوع خطأً باسم ((الصغير))) ١/ ٧٤ -٧٥ بالإسناد ذاته. ٥٧ باب / ح ١٤٢٠ كتاب الزكاة العبّاس الدُّوريّ عن موسى(١)، وكذا في رواية عَفّانَ عندَ أحمد (٢٤٨٩٩) وابن سعد (٥٤/٨-٥٥) عنه، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر - يعني الواقديَّ -: هذا الحديث وَهْلٌ فِي سَوْدة، وإنَّما هو في زينب بنت جَحْش، فهي أولُ نسائه به لحوقاً وتُوقِّيَت في خلافة عمرَ، وَبَقْيَت سَوْدة إلى أن تُوقِّيَت في خلافة معاوية في شَوّال سنة أربع وخمسينَ. قال ابن بَطَّال: هذا الحديثُ سَقَطَ منه ذِكرُ زينب لاتِّفاق أهل السِّيَرَ على أنَّ زينب أولُ مَن مات من أزواج النبيِّ وَّة، يعني أنَّ الصواب: وكانت زينبُ أسرَعَنا ... إلى آخره. ولكن يُعكِّرُ على هذا التأويلِ تلك الروايات المتقدِّمة المصَرَّح فيها بأنَّ الضَّميرَ لسَوْدة. وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليٍّ الصَّدَفيّ: ظاهرُ هذا اللفظ أنَّ سَوْدة كانت أسرَعَ، وهو خلافُ المعروفِ عندَ أهل العلم أنَّ زينب أولُ مَن مات من الأزواج، ثمَّ نقله عن مالكٍ من روايته عن الواقديّ، قال: ويُقَوّيه رواية عائشة بنت طلحة(٢). وقال ابن الجَوْزيّ: هذا الحديثُ غَلَطٌ من بعض الرُّواة، والعَجَب من البخاريِّ كيف لم يُنبِّه عليه ولا أصحابُ التَّعاليق، ولا عَلِمَ بفساد / ذلك الخطَّابي، فإنَّه فسَّره وقال: لحوق ٢٨٧/٣ سَوْدة به من أعلام النُّبّة. وكلُّ ذلك وَهْمٌ، وإنَّما هي زينب، فإنَّما كانت أطولهَنَّ يداً بالعطاء كما رواه مسلم (٢٤٥٢) من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: فكانت أطوَلَنا يداً زينبُ، لأنَّها كانت تَعمَلُ وتَتَصدَّق. انتهى، وتَلقَّى مُغَلْطاي كلامَ ابن الجَوْزيِّ فِجَزَمَ به ولم يَنسُبه له. وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطِّيبيّ: يُمكِنُ أن يقال فيما رواه البخاري: المراد الحاضرات من أزواجه دونَ زينب، وكانت سَوْدة أوَّلَهَنَّ موتاً. (١) لم نقف عليه من هذا الطريق عند ابن حبان، ولم يعزه إليه الحافظ نفسه من هذا الطريق في ((إتحاف المهرة) ٥٥٨/١٧، لكن هو عنده من طريق يحيى بن حماد عن موسى برقم (٣٣١٥)، وسيأتي عزؤُه له على الصحيح قريباً. (٢) عند مسلم برقم (٢٤٥١). ٥٨ باب / ح ١٤٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وقد وقع نحوُه في كلام مُغَلْطاي، لكن يُعكِّرُ على هذا أنَّ في رواية يحيى بن حمّاد عندَ ابن حِبَّان (٣٣١٥) أنَّ نساءَ النبيِّ ◌َِّ اجتمعنَ عندَه لم تُغادرْ منهنَّ واحدة، ثمَّ هو مع ذلك إنَّما يَتأتَى على أحد القولين في وفاة سَوْدة، فقد روى البخاري في ((تاريخِه))(١) بإسناد صحيحٍ إلى سعيد بن أبي هلال أنَّه قال: ماتت سَوْدة في خلافة عمر، وجَزَمَ الذَّهبيُّ في ((التاريخ الكبير)) (٢) بأنَّها ماتت في آخر خلافة عمر. وقال ابن سَيِّد الناس: إنَّه المشهور. وهذا يخالفُ ما أطلقَه الشَّيخُ محيي الدِّين حيثُ قال: أجمع أهل السِّيَرَ على أنَّ زينب أول مَن مات من أزواجه. وسَبَقَه إلى نقل الاتّفاق ابن بَطَّل كما تقدَّم، ويُمكِنُ الجوابُ بأنَّ النَّقْلَ مُقيَّد بأهل السِّيَرَ، فلا يَرِدُ نقل قول مَن خالَفَهم من أهل النَّقْل ممَّن لا يَدخُلُ فِي زُمْرة أهل السِّیر. وأمَّا على قول الواقديّ الذي تقدَّم فلا يَصِحّ. وقد تقدَّم عن ابنِ بَطَّالٍ أنَّ الضَّميرَ في قوله: ((فكانت)) لزينب، وذكرتُ ما يُعكِّرُ عليه، لكن يُمكِنُ أن يكون تفسيره بسَوْدة من بعض الرُّواة، لكَونِ غيرها لم يتقدَّم له ذِكر، فلمَّا لم يَطَّلِعْ على قصَّة زينب وكَونها أولَ الأزواج لحوقاً به جعل الضَّمائر كلَّها لسَوْدة، وهذا عندي من أبي عَوَانة، فقد خالَفَه في ذلك ابن عُيَينةَ عن فِراسٍ كما قرأت بخطٍّ ابن رُشَيد: أنَّه قرأه بخَطِّ أبي القاسم بن الوَرْد، ولم أقف إلى الآنَ على رواية ابن عُيَينةَ هذه، لكن روى يونس بن بُكَيرٍ في ((زيادات المغازي))، والبيهقيّ في ((الدَّلائل)) (٣٧٤/٦) بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة عن الشَعْبِيّ التصريح بأنَّ ذلك لزينب، لكن قَصَّرَ زكريًّا في إسناده فلم يَذكُر مسروقاً ولا عائشة، ولفظه: قُلنَ النِّسوةُ لرسول الله وَّ: أيّنا أسرَع بك لحوقاً؟ قال: ((أطوَلُكُنَّ يداً) فَأَخَذْنَ يَتَذَارَ عْنَ أيَتُهُنَّ أطوَلُ يداً، فلمَّا تُوفِّيَت زينب عَلِمِنَ أنَّها كانت أطولهنَّ يداً في الخير والصَّدَقة. (١) هو في ((التاريخ الأوسط)) ١/ ٧٤. (٢) يعني ((تاريخ الإسلام)) ٢/ ١٦٠، طبعة دار الغرب الإسلامي. ٥٩ باب / ح ١٤٢٠ كتاب الزكاة ويؤيِّدُه أيضاً ما روى الحاكمُ في المناقبِ من ((مُستدرَكِه)) (٢٥/٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّه الأزواجه: ((أسرَعُكُنَّ لحوقاً بي أطوَلُكُنَّ يداً)) قالت عائشة: فكنًّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعدَ وفاة رسول الله وَ لٍ نَمُدُّ أيديَنا في الجِدار نَتَطاوَل، فلم نَزِلْ نفعلُ ذلك حِتَّى تُوفِّيَت زينبُ بنتُ جَحْش - وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطوَلَنا - فَعَرَفْنا حينئذٍ أنَّ النبيَّ وَّهِ إِنَّما أراد بطول اليد الصَّدَقَةَ، وكانت زينب امرأة صَنَاعاً (١) باليد، وكانت تَدبُغُ وتَخُرُزُ وتَصَّدَّقُ في سبيل الله. قال الحاكمُ: على شرط مسلم. انتهى، وهي روايةٌ مُفسِّرةٌ مُبيّةٌ مُرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب. قال ابن رُشَيد: والدليلُ على أنَّ عائشة لا تعني سَوْدة قولها: ((فعَلِمنا بعدُ» إذ قد أخبَرَت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ ولم تذكُر سببَ الرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموتَ، فإذا طلبَ السامعُ سبب العُدولِ لم يَجِدْ إلَّ الإضمار، مع أنَّه يَصلُحُ أن يكون المعنى: فعَلِمنا بعدُ أنَّ المخبَرَ عنها إنَّما هي الموصوفةُ بالصَّدَقة لموتها قبلَ الباقيات، فَيَنظُرُ السامع ويَبحَثُ فلا يَجِدُ إلَّا زينب، فيَتَعيَّنُ الْحَملُ عليه، وهو من باب إضمار ما لا يَصلُحُ غيرُه كقوله تعالى: ﴿حَّ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]. قال الزّين بن المنيِّرِ: وجه الجمع أنَّ قولها: ((فعَلِمنا بعدُ» يُشعِرُ إشعاراً قويّاً أنَّهنَّ حَمَلْنَ طولَ اليدِ على ظاهره، ثمَّ عَلِمِنَ بعدَ ذلك خلافَه وأنَّه كِنايةٌ عن كَثْرة الصَّدَقة، والذي عَلِمِنَه آخراً خلافُ ما اعتَقَدنَه أولاً، وقد انحَصَرَ الثاني في زينب للاتِّفاق على أنَّها أولُهُنَّ/ موتاً، فَتَعيَّن أن تكون هي المرادةَ. وكذلك بقيَّة الضَّمائرِ بعدَ قوله: ((فكانت)) ٢٨٨/٣ واستغنى عن تسميتها لشُھرَتها بذلك، انتھی. وقال الكِرْمانيّ: يحتملُ أن يقال: إنَّ في الحديث اختصاراً أو اكتِفاء بشُهرة القصّة لزينب، ويُؤَوَّلُ الكلام بأنَّ الضَّميرَ رَجَعَ إلى المرأة التي عَلِمَ رسول الله وَّ أنَّها أولُ مَن يَلحَقُ به، وكانت كثيرةَ الصَّدَقة. (١) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: صناعة، بزيادة التاء في آخرها، وصوِّبت على هامش (أ)، يقال: امرأة صَنَاع: إذا كان لها صنعة حاذقة بها. انظر ((اللسان)) (صنع). ٦٠ باب / ح ١٤٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: الأولُ هو المعتمَد، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في كَون البخاري حَذَفَ لفظ سَوْدة من سياق الحديث لمَّا أخرجه في ((الصحيح)) لعلمِه بالوَهْمِ فيه، وأنَّه لمَّا ساقه في ((التاريخ)) بإثبات ذِكْرها ذكر ما يَرُدُّ عليه من طريق الشَّعْبيّ أيضاً عن عبد الرحمن بن أبْزَى قال: صَلَّيْتُ مع عمرَ على أُمّ المؤمنين زينب بنت جَحْش، وكانت أولَ نساء النبيِّي وَّ لحوقاً به(١)، وقد تقدَّم الكلام على تاريخ وفاتها في كتاب الجنائز(٢)، وأنَّه سنة عشرين. وروى ابن سعد (١٠٩/٨ -١١٠) من طريق بَرْزة بنت رافع قالت: لمَّ خرج العطاءُ أرسَلَ عمر إلى زينب بنت جَحْش بالذي لها، فتَعَجَّبَتِ وسَتَرَته بثوبٍ وأمَرَت بتفرِقَتِه، إلى أن كُشِفَ الثَّوبُ فَوَجَدَت تحتَه خمسةً وثمانينَ درهماً ثمَّ قالت: اللهمَّ لا يُدرِكُني عطاءٌ لعمرَ بعدَ عامي هذا، فماتت فكانت أولَ أزواج النبيِّ وَلّ لحوقاً به. وروى ابن أبي خَيثَمَةَ من طريق القاسم بن مَعْن قال: كانت زينب أولَ نساء النبيِّ وَّ حوقاً به. فهذه روايات يُعضِّدُ بعضها بعضاً ويَحصُلُ من مجموعِها: أنَّ في رواية أبي عَوَانة وَهْماً. وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه مختصراً ولفظه: فأخذنَ قَصَبَةً يَتَذَارَ عنَها، فماتت سَوْدةٌ بنت زَمعة وكانت كثيرةَ الصَّدَقة، فعَلِمنا أنَّه قال: أطوَلكُنَّ يداً بالصَّدَقة. هذا لفظه عندَ ابن حِبَّان (٣٣١٥) من طريق الحسن بن مُدرِك عنه، ولفظه عندَ النَّسائيّ (٢٥٤١) عن أبي داود - وهو الحَرَّانيّ - عنه: فأخذْنَ قَصَبةً فجعلْنَ يَذْرَعْنَها، فكانت سَوْدة أسرَ عَهُنَّ به لحوقاً، وكانت أطوَلَنَّ يداً، وكأنَّ ذلك من كَثْرة الصَّدَقة. وهذا السياقُ لا يحتملُ التأويلَ إلَّا أنَّه محمولٌ على ما تقدَّم ذِكرُه من دخول الوَهْمِ على الراوي في التَّسمية خاصَّة، والله أعلم. وفي الحديث عَلَم من أعلام النُّبُوّة ظاهر، وفيه جوازُ إطلاق اللفظ المشتَرَكِ بين الحقيقة والمجاز بغير قَرِينةٍ إذا لم يكن هناك محذور، وهو لفظ: ((أطولُكُنَّ)). (١) أخرجه البخاري في ((التاريخ الأوسط)) ٧٣/١ -٧٤. (٢) تحت شرح حديث رقم (١٢٨٢).