النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٣ / ح ١٤٠٢ كتاب الزكاة وقوله في هذه الرواية: ((لها يُعَار)) بتحتانيَّةٍ مضمومة ثمَّ مُهمَلة: صوت المَعْزِ، وفي رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ هنا: ((ثُغَاء)) بضم المثلَّثة ثمَّ معجمة بغير راء، ورَجَّحَه ابن التِّين، وهو صياح الغنم. وحكى ابن التِّين عن القَزّاز أنَّه رواه: ((تُعار)) بمُثَّاةٍ ومُهمَلة، وليس بشيءٍ. وقوله: ((رُغَاء)) بضم الراء ومعجمة: صوتُ الإبل. وفي الحديث: أنَّ الله يُحيي البهائم ليُعاقِبَ بها مانع الزكاة، وفي ذلك مُعاملة له بنَقِيضِ قَصْده، لأنَّه قَصَدَ منعَ حقّ الله منها وهو الارتفاق والانتفاع بها يمنعه منها، فكان ما قَصَدَ الانتفاعَ به أضَرَّ الأشياء عليه. والحكمة في كَونِها تُعاد كلُّها مع أنَّ حقَّ الله فيها إنَّما هو في بعضها، لأنَّ الحقَّ في جميع المال غير مُتَميِّز، ولأنَّ المال لمّا لم تُخرَجْ زكاتُه غير مُطهّر. وفيه أنَّ في المال حَقّاً سوى الزكاة، وأجاب العلماء عنه بجوابينِ: أحدهما: أنَّ هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة، ويؤيِّده ما سيأتي من حديث ابن عمر في الكَنْزِ (١٤٠٤)، لكن يُعكِّر عليه أنَّ فرض الزكاة مُتُقدِّم على إسلام أبي هريرة كما تقدَّم تقريره. ثاني الأجوبة: أنَّ المراد بالحقّ: القَدْر الزائد على الواجب ولا عقاب بتَركِهِ، وإنَّما ذُكِرَ استطراداً، لمَّا ذَكَر حَقَّها بيَّن الكمالَ فيه، وإن كان له أصل يزول الذَّمُّ بفعلِه، وهو الزكاة، ويحتمل أن يُراد ما إذا كان هناك مُضطَرُّ إلى شُرْب لبنها، فيُحمَل الحديث على هذه الصّورة. وقال ابن بَطَّال: في المال حَقّان: فرضُ عَيْن وغيرُه، فالحَلَبُ من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. تنبيه: زاد النَّسائيُّ (٢٤٤٨) في آخر هذا الحديث قال: ((ويكون كَنُ أحدِكم يوم القيامة شُجاعاً أقرَعَ يَفِرُّ منه صاحبُهُ ويَطلُبه: أنا كَنُزُك، فلا يزال حتَّى يُلِقِمَه إصبعَه)). وهذه الزيادة قد أفرَدَ البخاري (٤٦٥٩) بعضها كما قَدَّمنا إلى قوله: ((أقرَع)) ولم يَذْكُر بَقِيَّتْه، وكأنَّه استغنى عنه بطريق أبي صالح عن أبي هريرة، وهو ثاني حديثَي الباب (١٤٠٣). ٢٢ باب ٣ / ح ١٤٠٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٤٠٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله ابنِ دينارٍ، عن أبيه، عن أبي صالح السَّان، عن أبي هريرةَ ، قال: قال رسولُ اللهِوَلَةِ: ((مَن آتاه الله مالاً فلم يُؤدِّزكاتَه مُثِّلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ له زَبِبَتَان، يُطوَّقُه يومَ القِيامةِ، ثُمَّ يأْخُذُ بِلِهْزِ مَتَيْهِ - يعني: شِدْقَيِهِ - ثمَّ يقول: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ) ثمَّ تلا: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٨٠]. [أطرافه في: ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧] قوله: ((عن أبي صالح)) كذا رواه عبد الرحمن، وتابَعَه زيد بن أسلم عن أبي صالح عند مسلم (٩٨٧/ ٢٤) وساقه مطوَّلاً، وكذا رواه مالك (١ /٢٥٦ -٢٥٧) عن عبد الله بن دينار، ورواه ابن حِبَّان (٣٢٥٨) من طريق ابن عَجلان عن القعقاع بن حكيم(١) عن أبي صالح، ولكنَّه وَقَفَه على أبي هريرة (٢)، وخالَفَهم عبد العزيز بن أبي سَلَمَةَ، فرواه عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر، أخرجه النَّسائيُّ (٢٤٨١) ورَجَّحَه، لكن قال ابن عبد البَرِّ: رواية عبد العزيز خطأ بيِّن، لأنَّه لو كان عند عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ما رواه عن أبي صالح أصلاً. انتهى. وفي هذا التعليل نظرٌ، وما المانعُ أن يكون له فيه شيخان؟ نعم، الذي يجري على طريقة ٢٧٠/٣ أهل الحديث أنَّ رواية عبد العزيز / شاذّة لأنَّه سَلَك الجادّة، ومَن عَدَلَ عنها دَلَّ على مزيد حِفْظه. قوله: ((مُثِّلَ له)) أي: صُوِّر، أو ضُمِّنَ ((مُثِّل)) معنى التَّصيير، أي: صُيِّر مالُه على صورة شُجاع، والمراد بالمالِ الناُّ كما أشرتُ إليه في تفسير ((براءة))، ووقع في رواية زيد بن أسلَمَ: ((ما من صاحب ذهب ولا فضَّة لا يُؤدّي منها حَقَّها، إلَّا إذا كان يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نار فأُحميَ عليها في نار جَهَنَّم، فيُكوَى بها جَنِبُهُ وجَبِينُه وظَهْرُه)). (١) تحرف ((حكيم)) في (أ) و(س) إلى: حلية. (٢) بل رواه مرفوعاً. ٢٣ باب ٣ / ح ١٤٠٣ كتاب الزكاة ولا تَنافيَ بين الروايتين لاحتمال اجتماع الأمرینِ معاً، فروایةُ ابن دینار توافق الآية التي ذكرها وهي ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾، ورواية زيد بن أسلَمَ توافق قولَه تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]. قال البيضاويّ: خَصَّ الجَنْب والجبين والظَّهر لأنَّه جمعَ المال ولم يَصِرِفْه في حَقِّه، لتحصيل الجاه والتنعُّم بالمطاعمِ والملابس، أو لأنَّ أعرَضَ عن الفقير ووَلّاه ظَهْره، أو لأنَّها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرَّئيسة. وقيل: المراد بها الجِهات الأربع التي هي مُقدَّم البَدَن ومُؤَخَّرُه وجَنْباه، نسأل الله السلامة. والمراد بالشُّجاع - وهو بضم المعجَمة ثمَّ جيم - الحيَّة الذَّكَر، وقيل: الذي يقوم على ذَنَبِه ويُواثِب الفارسَ، والأقرَع: الذي تَقرَّع رأسُه، أي: تَعَّطَ لكَثْرة سُمِّه. وفي كتاب أبي عُبيد: سُمّيَ أقرَعَ لأنَّ شعر رأسه يَتَمَعَّط لجمعِه السُّمَّ فيه. وتعقَّبه القَزّاز بأنَّ الحَيَّة لا شعر برأسِها، فلعلَّه يُذهِبُ جلْدَ رأسِه. وفي (تهذيب الأزهَرِيّ)): سُمّيَ أقرَعَ لأنَّ يَقْري السُّمَّ ويجمعُه في رأسه حتَّى تَتَمعَّط فَرْوة رأسِه، قال ذو الرُّمّة: قَرَى السّمَّ حتَّى انمازَ(١) فروةٌ رأسِهِ عن العظم صِلٌّ فَاتِكُ(٢) اللَّسعِ مَارِدُهُ وقال القُرطُبيّ: الأقرَعُ من الحيّات: الذي ابيَضَّ رأسه من السُّمّ، ومن الناس: الذي لا شعر برأسِه. (١) تصحف في (ع) و(س) إلى: انمار، بالراء، وما أثبتناه من (أ) وهو الصحيح الذي يقتضيه سياق البيت والموافق لما في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ١٢٣/١، و((اللسان)) (ميز) وغيرهما. وقوله: ((قَرى السمَّ حتی انماز ... )) أي: جمعه في رأسه حتى تفرَّق شعره وانفصل عن رأسه. (٢) في (أ) و(س): قاتل، وما أثبتناه من (ع)، وهو المشهور الموافق لما ورد في المصادر المذكورة. وقوله: ((صِلُّ)) أي: مُنتِن. ٢٤ باب ٣ / ح ١٤٠٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (له زَبِيبَتَان)) تثنية زَبيبة بفتح الزّاي وموَخَّدتَين، وهما الزَّبَدَتان اللَّتان في الشِّدقَيْنِ، يقال: تكلّم حتَّى زَبَدَ شِدْقاه، أي: خرج النَّبَدُ منهما، وقيل: هما النُّكتَتَان السوداوان فوق عَينَيَه، وقيل: نُقْطَتان تَكتَنِفانِ فاهُ، وقيل: هما في حَلْقه بمنزلة زَنَمَتَي العَنْزِ، وقيل: هما لحمتان على رأسه مثل القَرنین، وقيل: نابانِ يخرجان من فيه. قوله: (يُطوَّقه) بضم أوله وفتح الواو الثَّقيلة، أي: يصير له ذلك الثُّعبان طَوقاً. قوله: ((ثُمَّ يأْخُذ بلِهْزِمَتَه)) فاعل ((يأخُذ)) هو الشُّجاع، والمأخوذ: يدُ صاحب المال، كما وقع مُبَيَّنَاً في رواية همَّام عن أبي هريرة الآتية في ترك الحِيل (٦٩٥٧ و٦٩٥٨) بلفظ: ((لا يزال يَطلُبِه حتَّى يَبْسُط يدَه فيُلقِمَها فاهُ)). قوله: ((بلِهْزِمَتَيه)) بكسر اللَّام وسكون الهاء بعدها زاي مكسورة، وقد فُسِّرَ في الحديث بالشِّدقَين، وفي ((الصِّحاح): هما العَظْمان الناتتان في اللَّحَيَينِ تحت الأُذُنين. وفي ((الجامع)): هما لحم الحَدَّين الذي يَتَحرَّك إذا أكَلَ الإنسان. قوله: ((ثُمَّ يقول: أنا مالُكَ، أنا كَنْزك)) وفائدة هذا القول الحسرة والزيادة في التعذيب حيثُ لا يَنفَعه النَّدَم، وفيه نوع من التَّهَكُّم. وزاد في ترك الحِيَل (٦٩٥٧) من طريق همَّام عن أبي هريرة: ((يَفِرّ منه صاحبه ويَطلُبه))، وفي حديث ثوبان عند ابن حِبَّان (٣٢٥٧): (يَتْبَعه فيقول: أنا كَنُزُك الذي تَرَكتَه بعدك، فلا يزال يَتْبَعه حتَّى يُلِقِمَه يده فيَمضَغَها ثمَّ يُتِبِعَه سائرَ جَسَدِه)). ولمسلم في حديث جابر (٢٨/٩٨٨): ((يَتَبَع صاحبَه حيثُ ذهب وهو يَفِرّ منه، فإذا رأى أنَّه لا بُدَّ منه أدخَلَ يَدَه في فِيهِ، فجعل يَقضَمُها كما يَقضَم الفَحلُ))، وللطَّبَرانيّ (٠٩١٢٢-٩١٢٥) في حديث ابن مسعود: ((يَنقُر رأسَه)). وظاهر الحديث: أنَّ الله يُصَيِّرِ نفسَ المال بهذه الصِّفة. وفي حديث جابر عند مسلم (٩٨٨): ((إلَّا مُثِّل له)) كما هنا، قال القُرطُبيّ: أي: صُوِّرَ أو نُصِبَ وأُقيم، من قولهم: مَثُلَ قائماً، أي: مُنْتَصِباً. ٢٥ باب ٤ / ح ١٤٠٤ كتاب الزكاة قوله: ((ثُمَّ تلا: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠])» في حديث ابن مسعود عند الشافعيّ (٣/٢) والحُميدي (٩٣): ((ثمَّ قرأ رسول الله وَ لا) فذكر الآية، ونحوه في رواية التِّرمِذيّ (٣٠١٢): «قرأْ مِصداقَه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخْلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾)). وفي هذين الحديثَينِ تقويةٌ لقول من قال: المراد بالتطويق في الآية:/ الحقيقة، خلافاً لمن ٢٧١/٣ قال: إنَّ معناه سيُطوَّقونَ الإثمَ. وفي تلاوة النبيّ وَلُّ الآيَةَ دلالةٌ على أنَّها نزلت في مانِعِي الزكاةِ، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير، وقيل: إنَّها نزلت في اليهود الذينَ كَتَموا صفة النبيّ بَّه؛ وقيل: نزلت فیمن له قَرَابٌ لا يَصِلُهم، قاله مسروق. ٤- باب ما أُتي زكاته فليس بكنزٍ لقول النبيِّ يَّ: (ليس فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ)). ١٤٠٤ - وقال أحمدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سعيدٍ: حدَّثنا أبي، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خالد بن أسلَمَ، قال: خَرَجْنا مع عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، فقال أعرابٌّ: أخبِرْني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [براءة٣٤٠]، قال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: مَن كَتَزَها فلم يُؤْدِّ زكاتَها فويلٌ له، إنَّما كان هذا قبلَ أن تُنْزَّلَ الزكاةُ، فلمَّا أُنزِلَت جَعَلها الله طُهْراً للأموال. [طرفه في: ٤٦٦١] قوله: ((باب ما أُدّيَ زكاته فليس بكَنْزِ، لقول النبيّ وَّهِ: ليس فيما دُونَ خمس أواقٍ صدقة» ٢٧٢/٣ قال ابن بَطَّال وغيره: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة أنَّ الكَنْز المنفيَّ هو المُتَوَعَّد عليه الموجِب لصاحبِه النارَ، لا مُطلَقُ الكَنزِ الذي هو أعمُّ من ذلك، وإذا تَقرَّرَ ذلك فحديث: ((لا صدقة فيما دون خمس أواقٍ)) مفهومُه: أنَّ ما زاد على الخمس ففيه الصَّدَقة، ومُقتَضاه أنَّ كلّ مال أُخرِجَت منه الصَّدَقَةُ فلا وعيدَ على صاحبه، فلا يُسمَّى ما يَفضُل بعدَ إخراجِه الصَّدَقةَ كَنزاً. ٢٦ باب ٤ / ح ١٤٠٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن رُشَيد: وجه التمسُّك به أنَّ ما دونَ الخمس، وهو الذي لا تجب فيه الزكاةُ، قد عُفِيَ عن الحقِّ فيه، فليس بكنزٍ قطعاً، والله قد أثنَى على فاعل الزكاة، ومَن أُثنيَ عليه في واجب حقّ المال لم يَلحَقْه ذٌَّ من جهة ما أُثني عليه فيه، وهو المال. انتهى. ويَتَلَخَّص أن يقال: ما لم تجبْ فيه الصَّدَقة لا يُسمَّى كَنزاً لأنَّه مَعفوٌ عنه، فليكن ما أُخرجت منه الزكاة كذلك، لأنَّه عُفيَ عنه بإخراج ما وَجبَ عنه فلا يُسمَّى كَنزاً. ثمّ إنَّ لفظ الترجمة لفظُ حديثٍ رُويَ مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عمر، أخرجه مالك (٢٥٦/١) عن عبد الله بن دينار عنه موقوفاً، وكذا أخرجه الشافعيّ عنه (٢/ ٦٢). ووَصَلَه البيهقيُّ (٤/ ٨٣) والطبرانيُّ من طريق الثَّوريّ عن عبد الله بن دينار، وقال(١): إِنَّه ليس بمحفوظٍ. وأخرجه البيهقيُّ أيضاً (٨٢/٤) من رواية عبد الله بن نُمَير، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: ((كلُّ ما أدّيت زكاته وإن كان تحت سبع أرَضِينَ فليس بكَنْز، وكلُّ ما لا تُؤَدَّى زكاته فهو كَنْز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض))، أورَدَه مرفوعاً ثُمَّ قال: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفُه. وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنَّ المراد بالكَنزِ معناه الشَّرْعيّ. وفي الباب عن جابر أخرجه الحاكم (١/ ٩٣٠) بلفظ: ((إذا أدَّتَ زكاةَ مالِكَ فقد أذهَبتَ عنك شَرَّه))، ورَجَّحَ أبو زُرْعة والبيهقيُّ (٨٤/٤) وغيرُهما وَقفَه كما عند عبد الرَّزاق(٢). وعن أبي هريرة أخرجه التِّرمِذيّ (٦١٨) بلفظ: ((إذا أدَّيت زكاة مالك فقد قَضَيتَ ما عليك)) وقال: حسن غريب، وصَحَّحَه الحاكم (١/ ٣٩٠)، وهو على شرط ابن حِبَّان(٣). وعن أُمّ سَلَمةَ عند الحاكم (٣٩٠/١)، وصَخَّحَه ابن القَطّان (٢٥٣٥) أيضاً، وأخرجه أبو (١) القائل هو البيهقي. (٢) تحرف في (س) إلى: ((كما عند البزار))، ووقع على الصواب في الأصلين، فقد أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه)) (٧١٤٥). (٣) هو عنده في «صحيحه)) (٣٢١٦)، وإسناده حسن. ٢٧ باب ٤ / ح ١٤٠٤ كتاب الزكاة داود (١٥٦٤)، وقال ابن عبد البَرِّ: في سنده مقال. وذكر شيخنا(١) في ((شرح التِّرمِذيّ)) أنَّ سنده جيِّد/. وعن ابن عبّاس أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣/ ١٩٠) موقوفاً بلفظ الترجمة، ٢٧٣/٣ وأخرجه أبو داود مرفوعاً (١٦٦٤) بلفظ: ((إنَّ الله لم يَفرِض الزكاة إلَّا ليُطيِّب ما بَقيَ من أموالكم) وفيه قصَّة. قال ابن عبد البَرِّ: والجمهور على أنَّ الكنز المذموم ما لم تُؤَدَّ زكاتُه. ويَشهَد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أدَّيت زكاة مالك فقد قَضَيت ما عليك))، فذكر بعض ما تقدَّم من الطّرق، ثمَّ قال: ولم يُخالف في ذلك إلَّا طائفة من أهل الزُّهد كأبي ذرٍّ، وسيأتي شرح ما ذهب إليه من ذلك في هذا الباب. قوله: ((وقال أحمد بن شَبيب)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا أحمد)) وقد وَصَلَه أبو داود في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) عن محمد بن يحيى، وهو الذَّهليّ، عن أحمد بن شَبيب بإسناده. ووقع لنا بعُلوِّ في ((جُزء الذَّهلِيِّ)) وسياقه أتمّ ممّ في البخاري وزاد فيه سؤال الأعرابيّ: أترِتُ العَمّةُ؟ قال ابن عمر: لا أدري. فلمَّا أدَبَرَ قَبَّلَ ابنُ عمَرَ يَدَيه ثمَّ قال: نِعمَ ما قال أبو عبد الرحمن - يعني نفسَه - سُئِلَ عَّا لا يَدري فقال: لا أدري. وزاد في آخره بعد قوله: ((طُهرة للأموال)): ثمَّ التَّفَتَ إليَّ فقال: ما أُبالي لو كان لي مثلُ أُحدٍ ذهباً أعلمُ عدده، أُزَكّيه وأعمَلُ فيه بطاعة الله تعالى. وهو عند ابن ماجَهْ (١٧٨٧) من طريق عُقَيل عن الزُّهْريّ. قوله: ((مَن كَنَزَها فلم يُؤدِّ زكاتَها)) أفرَدَ الضَّمير إمّا على سبيل تأويل الأموال، أو عَوداً إلى الفضَّة، لأنَّ الانتفاع بها أكثرُ، أو كان وجودُها في زَمَنهم أكثرَ من الذَّهب، أو على الاكتِفاء ببيان حالها عن بيان حال الذَّهب، والحامل على ذلك رِعاية لفظ القرآن حيثُ قال: ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾. (١) هو الحافظ العراقي. ولفظه عند أبي داود عن أم سلمة: «أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤذَّى زكاته فزُكِّي، فليس بكنز))، وسنده جيد كما قال العراقي. وهو حجة ظاهرة على أن الكنز المتوغَّد عليه بالعذاب هو المال الذي لا تؤدى زكاته، والله أعلم. (س). ٢٨ باب ٤ / ح ١٤٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قال صاحب ((الكَشّاف)): أفرَدَ ذَهاباً إلى المعنى دون اللفظ، لأنَّ كلّ واحد منهما جملة وافية. وقيل: المعنى: ولا يُنفِقونَها، والذَّهب كذلك، وهو كقول الشاعر: وإنّي وقَيّارٌ بها لَغَرِيبُ(١) أي: وقيّار كذلك. قوله: ((إنَّما كان هذا قبل أن تُنْزَل الزكاة)) هذا مُشعِر بأنَّ الوعيد على الاكتناز - وهو حَبس ما فضَلَ عن الحاجة عن المواساة به - كان في أول الإسلام، ثمَّ نُسِخَ ذلك بفَرض الزكاة لمَّا فَتَحَ الله الفُتوح وقُدِّرَت نُصُب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة: بيان نُصُِها ومَقاديرِها لا إنزالُ أصلِها، والله أعلم. وقول ابن عمر: ((لا أُبالي لو كان لي مثل أُحد ذهباً)، كأنَّه يشير إلى قول أبي ذرِّ الآتي آخِرَ الباب. والجمع بين كلام ابن عمر وحديث أبي ذرُّ: أن يُحمَل حديث أبي ذرٍّ على مالٍ تحت يد الشَّخص لغيره فلا يجب أن تَحِسَه عنه، أو يكون له لكنَّه ممَّن يُرجَى فَضلُه وتُطلَب عائدته، كالإمام الأعظَم فلا يجب أن يَدَّخِرَ عن المحتاجينَ من رَعيَّته شيئاً، ويُحُمَّل حديث ابن عمر علی مالٍ يَملِکه قد أدَّى زكاته، فهو مُحِبّ أن یکون عنده ليَصِلَ به قرابته ویستغني به عن مسألة الناس، وكان أبو ذرً تحمِل الحدیث على إطلاقه فلا یری بادخار شيء أصلاً. قال ابن عبد البَرِّ: وَرَدَت عن أبي ذرِّ آثار كثيرة تَدُلّ على أنَّه كان يذهب إلى أنَّ كلَّ مال مجموع يَفضُل عن القُوت وسَداد العيش، فهو كَنْزٌ يُذَمُّ فاعلُه، وأنَّ آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالَفَه في ذلك جمهور الصحابة ومَن بعدَهم، وحَلوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصحّ ما تمسَّكوا به حديثَ طلحة وغيره في قصَّة الأعرابيّ حيثُ قال: ((هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلَّا أن تَطَّوَّع»(٢)، انتهى. (١) هذا عجز بيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وصدره: ((فمن بك أمسى بالمدينة رحلُه)). انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٣٢٣/٤، و ((لسان العرب)» (غير). (٢) سلف برقم (٤٦)، وأخرجه مسلم (١١). ٢٩ باب ٤ / ح ١٤٠٥ كتاب الزكاة والظاهر أنَّ ذلك كان في أول الأمر كما تقدَّم عن ابن عمر، وقد استَدَلَّ له ابن بَطَّل بقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: ما فضَلَ عن الكِفاية، فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثمَّ نُسِخَ، والله أعلم. وفي «المسند» (١٧١٣٧) من طريق يَعْلى بن شَدَّاد بن أوس عن أبيه قال: كان أبو ذرِّ يسمع الحديثَ من رسول الله وَ له فيه الشِّدّةُ ثمَّ يخرج إلى قومه، ثمَّ يُرخِّص فيه النبيُّ وَّ فلا يسمع الرُّخصةَ ويَتعلَّق بالأمر الأول. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي سعيد في تقدير نُصُب زكاة الوَرِق وغيره. ١٤٠٥ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ يزيدَ، أخبرنا شعيبُ بنُ إسحاقَ، قال الأوزاعيُّ: أخبرني يحيى ٢٧٤/٣ ابنُ أبي كَثير، أنَّ عَمَرَو بنَ يحيى بنِ عُمارةَ أخبَرَه، عن أبيه يحيى بنِ عُمارةَ بنِ أبي الحسن، أنَّه سمعَ أبا سعيدٍ﴾، يقول: قال النبيُّ وَّيِ: ((ليس فيما دُونَ خمسٍ أواقٍ صدقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسٍ ذَوْدٍ صدقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسٍ أوسُقٍ صدقةٌ». [أطرافه في: ١٤٤٧، ١٤٨٤،١٤٥٩] قوله: ((أخبَرَني يحيى بن أبي كثير)) تعقَّبه الدارَ قُطنيُّ وأبو مسعود (١) بأنَّ عبد الوهّاب بن نَجْدة خالَفَ إسحاقَ بن يزيد شيخ البخاري فيه فقال: ((عن شعيب، عن الأوزاعيّ، حدَّثني يحيى بن سعيد وحَمَّاد))، ورواه داود بن رُشَيد وهشام بن خالد جميعاً عن شعيب ابن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى غير منسوب، وقال: الوليد بن مسلم رواه عن الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن اليَمَان، عن يحيى بن سعيد. وقال الإسماعيليّ: هذا الحديث مشهور عن يحيى بن سعيد رواه عنه الخلق، وقد رواه داود بن رُشيد عن شعيب فقال: عن الأوزاعيِّ عن يحيى بن سعيد. انتهى، وقد تابَعَ - (١) هو إبراهيم بن محمد بن عبيد، أبو مسعود الدمشقي الحافظ، مصنف كتاب ((الأطراف على الصحيح)) توفي سنة ٤٠٠ هـ، وقيل: (٤٠١)، انظر ((سير أعلام النبلاء)» ٢٢٧/١٧ وما بعدها. ٣٠ باب ٤ / ح ١٤٠٦ فتح الباري بشرح البخاري إسحاقَ بنَ يزيد سليمانُ بن عبد الرحمن الدمشقيّ عن شعيب بن إسحاق، أخرجه أبو عَوَانة والإسماعيليّ من طريقه، وذلك دالٌّ على أنَّه عند شعيب عن الأوزاعيِّ على الوجهَين، لكن دَلَّت رواية الوليد بن مسلم على أنَّ رواية الأوزاعيِّ عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مُدَلَّسة، ولذلك عَدَلَ عنها البخاري واقتَصَرَ على طريق يحيى بن أبي کثیر، والله أعلم. قوله: ((عن أبيه يحيى بن عُمارة)) في رواية يحيى بن سعيد عن عَمْرو: أنَّه سمع أباه، وسيأتي الكلام عليه مُستوفّى بعد بضعة وعشرينَ باباً (١٤٤٧). ثانيها: حديث أبي ذرٍ مع معاوية. ١٤٠٦ - حدَّثْنا عليٌّ، سمعَ هُشَيماً، أخبرنا محُصَيْنٌ، عن زيد بنِ وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذْةِ فإذا أنا بأبي ذرِّ ه، فقلتُ له: ما أَنزَلَكَ مَنزِلَكَ هذا؟ قال: كنتُ بالشَّامِ فاختَلَفْتُ أنا ومُعاوِيةُ في: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال مُعاوِيةُ: نَزلَت في أهلِ الكتاب، فقلتُ: نَزِلَت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاكَ، وكَتَبَ إلى عثمانَ ﴾ يَشْكُوني، فكَتَبَ إليَّ عثمانُ: أنِ اقْدَمِ المدينةَ، فَقَدِمْتُها فكَثُرَ عليَّ الناسُ حتَّى كأنَّهم لم يَرَوْني قبلَ ذلك، فَذَكَرْتُ ذاكَ لِعثمانَ، فقال لي: إن شِئْتَ تَنَخَّيتَ فكنتَ قريباً، فذاكَ الَّذِي أَنزَلَني هذا المنزلَ، ولو أمَّرُوا عليَّ حَبَشِيّاً لَسمِعْتُ وأَطَعْتُ. [طرفه في: ٤٦٦٠] قوله: ((حدَّثنا عليٌّ سمعَ هُشَيماً)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرِّ عن مشايخه: ((حدَّثنا عليُّ ابن أبي هاشم)) وهو المعروف بابنِ طِبْراخ - بكسر المهمَلة وسكون الموحَّدة وآخره معجمة - ووقع في ((أطراف المِزِّيّ)): عن عليّ بن عبد الله المَدِينيّ، وهو خطأ. قوله: ((عن زيد بن وَهْب)) هو التابعيّ الكبير الكوفيّ أحد المخَضرَ مين. قوله: ((بالرَّبَذَة)) بفتح الراء والموخَّدة والمعجَمة: مكان معروف بين مكَّة والمدينة، نزل به أبو ذرِّ في عَهْد عثمان ومات به، وقد ذُكِرَ في هذا الحديث سببُ نُزوله، وإنّما سأله زيد بن ٣١ باب ٤ / ح ١٤٠٦ كتاب الزكاة وهب عن ذلك، لأنَّ مُبغِضي عثمان كانوا يُشَنِّعونَ عليه أنَّه نَفَى أبا ذرٍّ، وقد بيَّن أبو ذرٍّ أنَّ نُزولَه في ذلك المكان كان باختياره. نعم، أمَرَه عثمان بالتَّنْحّي عن المدينة لدفع المَفسَدة التي خافَها على غيره من مذهبه المذكور، فاختارَ الرَّبَذة، وقد كان يَغدُو إليها في زَمَن النبيّ وَلّه كما رواه أصحاب السُّنَن من وجه آخر عنه، وفيه قصَّة له في التيمُم(١). ورُوِّينا في ((فوائد)) أبي الحسن بن حَذْلم(٢) بإسناده إلى عبد الله بن الصامت قال: دخلتُ مع أبي ذرٍّ على عثمان، فحَسَرَ عن رأسه فقال: والله ما أنا منهم - يعني: الخوارجَ - فقال: إنَّا أرسَلْنا إليك لتُجاوِرَنا بالمدينة، فقال: لا حاجةَ لي في ذلك، ائذَنْ لي بالرَّبَذة، قال: نعم. ورواه أبو داود الطَّيالسيّ (٤٥٢) من هذا الوجه دون آخره وقال بعد قوله: ((ما أنا منهم)): ولا أُدرِكهم، سِيماهُم التَّحليقُ، يَمرُقونَ من الدِّين كما يَمُرُق السهم من الرَّمِيَّة، والله لو أمَرتَني أن أقوم ما قَعَدتُ. وفي ((طبقات ابن سعد)) من وجه آخر (٢٢٧/٤): أنَّ ناساً من أهل الكوفة قالوا لأبي ذرِّ وهو بالرَّبَذة: إنَّ هذا الرجل فَعَل بك وفَعَل، هل أنت ناصبٌ لنا راية - يعني فتُقاتله_؟ فقال: لا، لو أنَّ عثمان سَيَّرَني من المشرِق إلى المغرِب لسمعتُ وأطَعتُ. قوله: ((كنتُ بالشّام)) يعني: بدمشق، ومعاوية إذ ذاك عاملُ عثمان عليها. وقد بيَّن السبب في سُكْناه الشام ما أخرجه أبو يَعْلى(٣) من طريق أُخرى عن زيد بن وهب: حدّني أبو ذرِّ قال: قال لي رسول الله وَّهِ: (إذا بَلَغَ البِناءُ - أي: بالمدينة - سَلْعاً، فارتَحِلْ إلى الشام)» فلمَّا بَلَغَ البناءُ سَلعاً قَدِمتُ الشام فسَكَنت بها ... فذكر الحديث نحوه. وعنده(٤) أيضاً بإسناد فيه ضعفٌ عن ابن عبّاس قال: استأذَنَ أبو ذرٍّ على عثمان فقال: (١) أخرجه أبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢)، وهو عند الترمذي والنسائي مختصر. (٢) تصحف في (س) إلى: جذلم، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الصواب، وابن حذلم: هو الإمام العلامة مفتي دمشق، القاضي أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حَذْلٍ، توفي سنة سبع وأربعين وثلاث مئة، انظر ((سير أعلام النبلاء)) ١٥/ ٥١٤. (٣) وأخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات؛ ٢٢٦/٤ من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين مرسلاً. (٤) وأخرجه أيضاً ابن شبّة في ((تاريخ المدينة)) ١٠٣٩/٣. ٣٢ باب ٤ / ح ١٤٠٦ فتح الباري بشرح البخاري إنَّه يُؤذينا، فلمَّا دخل قال له عثمان: أنت الذي تَزعُم أنَّك خير من أبي بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إنَّ أحَبَّكم إليَّ وأقربكم منِّي مَن بَقيَ على العهد الذي عاهَدتُه عليه)) وأنا باقٍ على عَهده، قال: فأمَرَ أن يَلحَق بالشام. وكان يُحدِّثهم ويقول: لا يَبيتَنَّ عند أحدِكم دينارٌ ولا درهمٌ إلَّا ما يُنفِقُه في سبيل الله أو يُعِدُّه لغَريم، فَكَتَبَ ٢٧٥/٣ معاوية إلى عثمان: / إن كان لك بالشام حاجة فابعَثْ إلى أبي ذَرّ. فكَتَبَ إليه عثمان: أن اقدم عليَّ، فقَدِمَ. قوله: ((في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾)) سيأتي في تفسير ((براءة)) (٤٦٦٠) من طريق جَرِير عن حُصَين بلفظ: فقرأت ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ إلى آخر الآية. قوله: («نَزلَت في أهل الکتاب» في روایة جَرِیر: ما هذه فينا. قوله: ((فكَثُرَ عليَّ الناس حتَّى كأنَّهم لم يَرَوْني)) في رواية الطبريّ (١٢١/١٠ -١٢٢): أنَّهم كَثُروا عليه يَسألونه عن سبب خروجه من الشام، قال: فخشيَ عثمانُ على أهل المدينة ما خشية معاوية على أهل الشام. قوله: ((إن شِئْتَ تَنَخَّتَ)) في رواية الطبريّ: فقال له: تَنَعَّ قريباً، وقال: والله لن أدَعَ ما كنت أقوله، وكذا لابنٍ مَرْدويه من طريق وَرْقاء عن حُصَين بلفظ: والله لا أدَعُ ما قلبُ. قوله: ((حَبَشيّا)) في رواية وَرْقاء: ((عبداً حَبَشيّا))، ولأحمد (٢١٣٨٢) وأبي يَعْلى من طريق أبي حَرْب بن أبي الأسود عن عمِّه عن أبي ذرٍّ: أنَّ النبيَّ وََّ قال له: ((كيف تَصنَع إذا أُخرجت منه؟)) أي: المسجد النَّبويّ، قال: آتي الشام. قال: ((كيف تَصنَع إذا أُخرِجت منها؟)) قال: أعود إليه، أي: المسجد. قال: ((كيف تَصنَع إذا أُخرِجت منه؟)) قال: أضرِبُ بسَيفي. قال: ((ألا أدلَّك على ما هو خيرٌ لك من ذلك وأقرب رُشداً؟ قال: تسمعُ وتطيعُ وتَنساقُ لهم حيثُ ساقُوكَ)). ٣٣ باب ٤ / ح ١٤٠٧ كتاب الزكاة وعند أحمد أيضاً (٢٧٥٨٨) من طريق شهر بن حَوشَب، عن أسماء بنت يزيد، عن أبي ذرِّ، نحوُه. والصحيح أنَّ إنكار أبي ذرِّ كان على السلاطين الذينَ يأخُذونَ المال لأنفُسِهم ولا يُنفِقونه في وجهِه. وتعقَّبه النَّوَويّ بالإبطال؛ لأنَّ السلاطين حينئذٍ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان، وهؤلاء لم يخونوا. قلت: لقوله مَحْمَل، وهو أنَّه أراد مَن يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذٍ مَن يَفعلُه. وفي الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: أنَّ الكفَّار ◌ُخَاطَبونَ بفروع الشَّريعة، لاتِّفاق أبي ذرِّ ومعاوية على أنَّ الآية نزلت في أهل الكتاب. وفيه مُلاطَفة الأئمّة للعلماء، فإنَّ معاوية لم يَجِسُر على الإنكار عليه حتَّى كاتَبَ مَن هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يَنَقْ على أبي ذرٍّ مع كَونِه كان مخالفاً له في تأويله. وفيه التحذير من الشِّقاق والخروج على الأئمّة، والترغيب في الطاعة لأُولي الأمر، وأمرُ الأفضلِ بطاعة المفضول خَشْيَةَ المَفسَدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذُ بالشِّدّة في الأمر بالمعروفِ وإن أدَّى ذلك إلى فِراق الوَطَن، وتقديمُ دَفع المفسَدة على جَلْب المصلحة، لأنَّ في بقاء أبي ذرِّ بالمدينة مَصلَحة كبيرة من بَثُّ عِلْمِه في طالِبِي (١) العلم، ومع ذلك فَرَجَحَ عند عثمانَ دَفعُ ما يُتَوقَّع من المفسَدة من الأخذ بمَذْهبِهِ الشَّديد في هذه المسألة، ولم يأمرْه بعد ذلك بالرُّجوع عنه لأنَّ كلَّ منهما كان مجتهداً. الحديث الثالث: ١٤٠٧ - حدَّثنا عيَّاشٌ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا الجُرَيرِيُّ، عن أبي العلاءِ، عن الأحْنَفِ ابنِ قیسٍ، قال: جلستُ. وحذَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: حدَّثْني أَبي، حدَّنا الجُرَيرِيُّ، حدّثنا أبو العلاء بنُ الشِّخِّيرِ، أنَّ الأحنَفَ بنَ قيسٍ حدَّثهم، قال: جلستُ إلى مَلإٍ من قُرَيشٍ، (١) في (س): طالب، على الإفراد. ٣٤ باب ٤ / ح ١٤٠٧ - ١٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري فجاء رجلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ والثِّابِ والهَيئةِ حتَّى قامَ عليهم فسَلَّمَ، ثمَّ قال: بَشِّرِ الكانزِينَ برَضْفٍ لُحمَى عليه في نارٍ جَهَنَّمَ، ثمَّ يُوضَعُ على حَلَمةِ ثَدْىِ أحدِهم حتَّى يَخْرُجَ من نُغْضِ كَتِفِه، ويُوضَعُ على نُغْضِ كَتِفِه حتَّى يَخْرُجَ من حَلَمَةِ ثَدْبِهِ، يَتَزَلْزَلُ. ثمَّ وَلَّ فجَلَسَ إلى ساريةٍ، وتَبِعتُهُ وجلستُ إليه وأنا لا أدري مَن هو، فقلتُ له: لا أُرَى القومَ إلا قد كَرِهُوا الَّذي قلتَ، قال: إنَهم لا يَعْقِلُونَ شيئاً. ١٤٠٨ - قال لي خليلي - قال: قلتُ: ومَن خَليلُكَ؟ قال: النبيُّ وَلَه -: (يا أبا ذرٍّ، أتُبِصِرُ أُحداً؟)) قال: فتَظَرتُ إلى الشَّمسِ ما بَقِيَ من النَّهار، وأنا أُرَى أَنَّ رسولَ اللهِ وَ يُرسِلُني في حاجةٍ له، قلتُ: نعم، قال: ((ما أُحِبُّ أنَّ لِي مِثلَ أُحدٍ ذهباً أُنفِقُه كلَّه، إلا ثلاثةَ دنانيرَ))، وإنَّ هؤلاءٍ لا يَعْقِلُونَ، إِنَّما يجمعونَ الدُّنْيا، لا والله لا أسألُهم دُنْيًا، ولا أستَفْتِيهم عن دِينٍ حتَّى ألقَى اللهَ. قوله: ((حدَّثنا عيَّاش)) هو ابن الوليد الرَّام، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى، والجُرَيريّ بضم الجيم: هو سعيد، وأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير. وأردَفَ المصنِّف هذا الإسناد بالإسناد الذي بعده وإن كان أنزَلَ منه لتصريح عبد الصَّمَد - وهو ابن عبد الوارث - فيه بتحديث أبي العلاء للجُرَيريّ، والأحنَف لأبي العلاء. وقد روى الأسود بن شَيْبانَ عن أبي العلاء يزيدَ المذكورِ عن أخيه مُطرِّف عن أبي ذرِّ طرفاً من آخر هذا الحديث أيضاً، وأخرجه أحمد (٢١٥٣٠)، وليس ذلك بعِّةٍ لحديث الأحنَف، لأنَّ حديث الأحتَف أتمُّ سياقاً وأكثرُ فوائدَ، ولا مانع أن یکون لیزیدَ فيه شیخان. قوله: ((جلستُ إلى مَلٍ)) في رواية مسلم (٣٤/٩٩٢) والإسماعيليّ من طريق إسماعيل ابن عُليَّة عن الجُرَيريّ: قَدِمت المدينة، فبينما أنا في حَلْقة من قُرَيش. قوله: ((خَشِن الشَّعر ... )) إلى آخره، كذا للأكثر بمعجمتَينِ من الخُشونة، وللقابسيّ بمُهمَلتَينِ من الحُسْن، والأول أصحُ. ووقع في رواية مسلم: ((أخشَن الثّياب، أخشَن الجَسَد، أخشَن الوجه، فقام عليهم))، وليعقوب بن سفيان(١) من طريق حُميد بن هلال عن (١) في ((المعرفة والتاريخ)) ١١٥/٢. ٣٥ باب ٤ / ح ١٤٠٧ - ١٤٠٨ كتاب الزكاة الأحنَف: قَدِمت/ المدينة فدخلت مسجدها، إذ دخل رجل آدَمُ طُوالٌ، أبيَضُ الرَّأس ٢٧٦/٣ واللّحية، يُشبِه بعضه بعضاً فقالوا: هذا أبو ذرّ. قوله: ((بَشِّر الكانزِينَ)) في رواية الإسماعيليّ: بَشِّر الكَنّازِينَ. قوله: ((برَضْفٍ)) بفتح الراء وسكون المعجَمة بعدها فاء: هي الحِجارة المُحْماة، واحدها: رَضْفة. قوله: ((تُغْض)) بضم النون وسكون المعجَمة بعدها ضاد معجمة: العَظْم الدَّقيق الذي على طرف الكَتِفِ أو على أعلى الكَتِفِ، قال الخطَّبيُّ: هو الشاخِصُ منه، وأصل النُّغْض الحَرَكة، فسُمّيَ ذلك الموضع نُغْضاً لأنَّه يَتَحرَّك بحَرَكة الإنسان. قوله: (يَتَزَلْزَل)) أي: يَضطَرِب ويَتَحرَّك، في رواية الإسماعيليّ: ((فِيَتَجَلجَل)) بجيمَين، وزاد إسماعيل في هذه الرواية: فَوَضَعَ القوم رُؤوسَهم، فما رأيت أحداً منهم رَجَعَ إليه شيئاً. قال: فأدبَرَ، فاتَّبَعتُهُ حتَّى جَلَسَ إلى ساريةٍ. قوله: ((وأنا لا أدري مَن هو)) زاد مسلم (٣٥/٩٩٢) من طريق خُلَيد العَصَريّ عن الأحنَف: فقلت: مَن هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرٍّ، فقُمت إليه فقلت: ما شيء سمعتُك تقوله؟ قال: ما قلتُ إلَّا شيئاً سمعتُه من نبيّهِم ◌َّهِ. وفي هذه الزيادة ردّ لقول مَن قال: إنَّه موقوف على أبي ذرٍّ، فلا يكون حُجَّة على غيره. ولأحمد (٢١٤٥١) من طريق [عبد الله بن](١) يزيد الباهليّ عن الأحنَف: كنت بالمدينة، فإذا أنا برجلٍ يَفِرُّ منه الناسُ حين يرونَه، قلت: مَن أنت؟ قال: أبو ذرٍّ، قلت: ما نَفَّرَ الناسَ عنك؟ قال: إنّ أَنهاهُم عن الكُنوز التي كان ینهاهم عنها رسول الله ێ﴾. قوله: ((إنَّهِم لا يَعْقِلُونَ شيئاً) بيَّن وَجهَ ذلك في آخر الحديث حيثُ قال: إنَّما يجمعونَ الدنيا. (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((مسند أحمد)). ٣٦ باب ٥ / ح ١٤٠٩ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((لا أسأَلهُم دُنْيا)) في رواية إسماعيل(١) المذكورة: فقلت: ما لك ولإخوانك من قُرَيش، لا تَعتَرِيهِم ولا تُصيبُ منهم؟ قال: وربِّك لا أسألهم دُنيا ... إلى آخره. قوله: ((وإنَّ هؤلاءِ لا يَعْقِلُونَ)) هو من كلام أبي ذرٍّ، كَرَّرَه تأكيداً لكلامه ولِرَبطِ ما بعده عليه(٢). قوله: «قلت: ومَن خليلُك؟ قال: النبيُّ ◌َّ) فاعل ((قال)) هو أبو ذرٍّ، والنبيُّ ◌َّهُ خبرُ المبتَدَأ، كأنَّه قال: خليلي النبيُّ ◌َّهِ. وَسَقَطَ بعد ذلك ((قال: النبيّ ◌َِّ))، أو ((قال)) فقط، وكأنَّ بعض الزُّواة ظنَّها مُكَّرة فحَذَفَها ولا بُدَّ من إثباتها. قوله: ((يا أبا ذرٍّ، أَتُبصِرُ أُحداً؟)) وهو حديثٌ مُستَقِلّ سيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٤)، وعلى ما وقع في هذه الرواية من قوله: ((إلَّا ثلاثة دنانير)) إن شاء الله تعالى. وإنَّما أورَدَه أبو ذرِّ للأحنَفِ لتقوية ما ذهب إليه من ذَمِّ اكتناز المال، وهو ظاهر في ذلك، إلّا أنَّه ليس على الوجوب، ومن ثَمَّ عَقَّبَه المصنِّ بالترجمة التي تَلِيه فقال: ٥- باب إنفاق المال في حقّه ١٤٠٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيس، عن ابنِ مسعودٍ ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ وَّةِ، يقول: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتَينِ: رجلٍ آتاه اللهُ مالاً فسَلَّطَه على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٍ آتاه اللهُ حِكْمةً فهو يَقْضى بها ويُعلِّمُها)). وأورَدَ فيه الحديث الدالَّ على الترغيب في ذلك، وهو من أدلِّ دليل على أنَّ أحاديث الوعيد محمولة على مَن لا يُؤدّي الزكاة، وأمَّا حديث: ((ما أُحِبّ أنَّ لي أُحداً ذهباً) (٣) فمَحمول على الأولَويَّة، لأنَّ جمع المال وإن كان مُباحاً لكنَّ الجامع مسؤولٌ عنه، وفي المحاسبة خَطَرٌ وإن كان التركُ أسلمَ، وما وَرَدَ من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حَقّه، (١) أي: عند مسلم (٩٩٢) (٣٤). (٢) هذه الفقرة تأخرت في (س) إلى آخر شرح الحديث (١٤٠٩). (٣) سلف برقم (١٤٠٨). ٣٧ باب ٦ كتاب الزكاة فمَحمولٌ على مَن وَثِقَ بأَنَّه يَجمعُه من الحلال الذي يأمَن خَطَر المحاسبة عليه، فإنَّه إذا أَنفَقَه حَصَلَ له ثوابُ ذلك النَّفْعِ المتَعَدّي، ولا يَتَأَتَّى ذلك لمن لم يُحُصِّل شيئاً كما تقدَّم شاهده في حديث (٨٤٣): ((ذهب أهل الدُّثور بالأُجور))، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على حديث الباب مُستوفَّى في أوائل كتاب العلم (٧٣). قال الزّين بن المنيِّر: في هذا الحديث حُجَّة على جواز إنفاق جميع المال وبَذْلِه في الصِّحّة ٢٧٧/٣ والخروج عنه بالكلّيّة في وجوه البِرّ، ما لم يُؤَدِّ إلى حِرمان الوارث ونحو ذلك ممَّ مَنَعَ منه الشَّرعُ. ٦ - باب الرِّياء في الصدقة لقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]: ليس عليه شيءٌ. وقال عِكْرمةُ: ﴿وَاِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤]: مطرٌ شديدٌ، والطَّلُّ: النَّدَى. قوله: ((باب الرياء في الصَّدَقة)) قال الَّين بن المنيِر: يحتمل أن يكون مراده إبطالَ الرّياء للصَّدَقة، فيُحمَل على ما تَخَّضَ منها حُبّ المَحمَدة والثَّاء من الخَلْق بحيثُ لولا ذلك لم یتصدَّق بها. قوله: ((لقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ﴾)) قال: الزَّين بن المنِر: وجه الاستدلال من الآية أنَّ الله تعالى شَبَّهَ مُقارَنة المنّ والأذَى للصَّدَقة أو اتِّباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يَجِدُ بين يديه شيئاً منه، ومُقارَنة الرّياء من المسلم لصَدَقِتِهِ أقبَحُ من مُقارَنة الإيذاء، وأَولِ أن يُشَبَّه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه. انتهى. وقال ابن رُشَيد: اقتَصَرَ البخاريُّ في هذه الترجمة على الآية، ومراده أنَّ المشَبَّه بالشيءٍ يكون أخفى من المشَبَّه به، لأنَّ الخفيّ ربَّما شُبِّهَ بالظاهرِ ليخرج من خَيِّزْ الخَفَاء إلى الظُّهور. ولمَّا كان الإنفاق رياءً من غير المؤمن ظاهراً في إبطال الصَّدَقة شُبِّهَ به الإبطال ٣٨ باب ٧-٨ فتح الباري بشرح البخاري بالمنِّ والأذَى، أي: حالة هؤلاءِ في الإبطال كحالة هؤلاء، هذا من حيثُ الجملةُ، ولا يَبْعُد أن يُراعَى حالُ التفضيل أيضاً، لأنَّ حال المانِّ شبيهٌ بحال المرائي، لأنَّه لمَّا مَنَّ، ظَهَرَ أنَّه لم يَقصِدْ وَجهَ الله، وحالَ المؤذي يُشبِهِ حالَ الفاقد للإيمان من المنافقينَ، لأنَّ مَن يَعلم أنَّ للمُؤذي ناصراً يَنصُرِه لم يُؤْذِهِ، فعُلِمَ بهذا أنَّ حالة المرائي أشدُّ من حالة المانِّ والمؤذي. انتهى. ويَتَلَخَّص أن يقال: لمَّا كان المشَبَّه به أقوَى من المشَبَّه، وإبطال الصَّدَقة بالمنِّ والأذَى قد شُبِّهَ بإبطالها بالرِّياء فيها كان أمرُ الرّياء أشدَّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿صَلْدًا﴾: ليس عليه شيء)) وَصَلَه ابن جَرِير (٦٨/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس هكذا في قوله: ﴿فَتَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: ليس عليه شيء. وروى الطبريُّ (٦٦/٣) من طريق سعيد عن قَتَادة في هذه الآية قال: هذا مَثَل ضَرَبَه الله لأعمال الكفّار يوم القيامة يقول: لا يَقدِرونَ على شيء ممَّا كَسَبوا يومئذٍ، كما تَرَك هذا المطرُ الصَّفَا نَقيّاً ليس عليه شيء، ومن طريق أسباط عن السُّدِّيّ نحوه. قوله: ((وقال عِكْرمةُ: ﴿وَائِلٌ﴾: مطرٌ شديدٌ، والطَّلُّ: النَّدَى)) وصله عبد بن حميد عن رَوْح بن عُبادة عن عثمان بن غِيَات: سمعت عكرمةً قال في قوله: ﴿ وَابِلٌ﴾ قال: شديدٌ، والطَّلُّ: النَّدى. ٧- بابٌ لا تُقبَل صدقةٌ من غُلُول ولا يُقبَل إلا من کسب طيِّبٍ لقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] ٨- باب الصَّدقة من كسب طيِّب لقولِه تعالى: ﴿وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦ -٢٧٧]. ٣٩ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ كتاب الزكاة ١٤١٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ أبا النَّضْرِ، حدَّثنا عبدُ الرحمن - هو ابنُ عبدِ الله ٢٧٨/٣ ابنِ دينارٍ - عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ ه قال: قال رسولُ اللهِوَّةَ: «مَن تَصدَّقَ بعَدْلِ تَمْرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ - ولا يقبلُ الله إلا الطيِّبَ - فإنَّ اللهَ يَتَقبَّلُها بيمينِهِ ثمَّ يُرَبِيها لِصاحبِهِ كما يُرَبِّ أحدُكم فَلُوَّه، حتَّى تكونَ مِثلَ الجبلِ)). تابَعَه سلیمانُ، عن ابنِ دینارٍ. وقال وَرْقاءُ: عن ابنِ دينارٍ، عن سعيد بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَّة. ورواه مُسلِمُ بنُ أبي مريمَ وزيدُ بنُ أسلَمَ وسُهَيلٌ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َّ. [طرفه في: ٧٤٣٠] قوله: ((باب لا تُقبَلُ صدقةٌ من غُلُول)) كذا للأكثر على البناء للمجهول، وفي رواية المُستَمْلِي: ((لا يَقبَلُ الله)). وهذا طرف من حديثٍ أخرجه مسلم (٢٢٤) باللفظ الأول، وقد سَبَقَ باقيه في ترجمته في كتاب الطَّهارة (١٣٥). وأخرجه الحسن بن سفيان في ((مسنده)) عن أبي كامل - أحد مشايخ مسلمٍ فيه - بلفظ: ((لا يقبلُ الله صلاةً إلَّا بطُهور، ولا صدقةً من غُلُول))، ولأبي داود (٥٩) من حديث أبي المَلِيح عن أبيه مرفوعاً: ((لا يَقبَلُ اللهُ صدقةً من غُلول، ولا صلاةً بغیر طُهورٍ»، وإسناده صحيح. قوله: ((ولا يقبلُ إلّا من كَسْبٍ طيِّبٍ)» هذا للمُستَمْلِي وحدَه، وهو طرفٌ من حديث أبي هريرة الآتي بعده (١٤١٠). قوله: ((لقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَّى﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾)) قال ابن المنيِّر: جَرَى المصنِّف على عادتِه في إيثار الخفيّ على الجَليّ، وذلك أنَّ في الآية أنَّ الصَّدَقَةَ لمَّا تَبِعَتها سَيَِّةُ الأَذَى بَطَلَت، والغُلول أَذّى، إن قارَنَ الصَّدَقة أبطَلها بطريق ٤٠ باب ٧-٨ / ح ١٤١٠ فتح الباري بشرح البخاري الأَّوْلى، أو لأنَّه جعل المعصيةَ اللَّحقةَ للطّاعة بعدَ تَقرُّرها تُبطِلُ الطاعةَ، فكيف إذا كانت الصَّدَقة بعَين المعصية؛ لأنَّ الغالَّ في دَفعِه المالَ إلى الفقير غاصبٌ مُتَصَرِّف في مِلك الغیر، فكيف تَقَعُ المعصيةُ طاعةً مُعتبَرَة وقد أبطَلَت المعصيةُ الطاعةَ المحقَّقَةَ من أولِ أمرها؟ وتعقَّبه ابن رُشَيد بأنَّه ينْبني على أنَّ الأذَى أعمُّ من أن يكون من جهة المتصدِّق للمتصدَّق عليه، أو إيذائه لغيره كما في الغُلولِ فيكون من باب الأَولى، وقد لا يُسَلَّمُ هذا في معنى الآية لبُعدِهِ، فإنَّ الظاهرَ أنَّ المراد بالأذَى إِنَّما هو ما يكون من جهة المسؤولِ للسائل، فإنَّه ◌ُطِفَ على المنِّ و ◌ُمعَ معه بالواو. والذي يظهرُ أنَّ البخاريَّ قَصَدَ أنَّ المتصدَّقَ عليه إذا عَلِمَ أنَّ المتصدَّقَ به غُلُول أو غَصْب أو نحوُه، تأذَّى بذلك ولم يَرضَ به، كما قاءَ أبو بكر اللَّبَن لمَّا عَلِمَ أنَّه من وجهٍ غير طيِّب(١)، وقد صَدَقَ على المتصدِّق أنَّه مُؤْذٍ له بتَعْرِيضِه لِأَكْلِ (٢) ما لو عَلِمَه لم يقبله، والله أعلم. قولُه: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ فسَّرَه بالردّ الجميل، وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عَفوٌ عن السائلِ إذا وُجِدَ منه ما يُثْقِلُ على المسؤول. وقيل: المرادُ عفوٌ من الله بسبب الردِّ الجميل، وقيل: عفوٌ من جهة السائل، أي: مَعذِرة منه للمسؤول لكَونِهِ ردَّه ردّاً جميلاً. والثاني أظهَرُ. وظاهرُ الآية أنَّ الصَّدَقَةَ تَحَبَطُ بالمنِّ والأَذَى بعدَ أن تَقَعَ سالمة، لكن يُمكِنُ أن يقال: لعلَّ قَبُولَها موقوفٌ على سلامتها من المنِّ والأذَى، فإن وقع ذلك عُدِمَ الشَّرط فعُدِمَ المشروط، فعَبَّرَ عن ذلك بالإبطال، والله أعلم. تنبيهان: الأول: دَلَّ قولُه: ((لا تُقبَلُ صدقة من غُلول)) على أنَّ الغالَّ لا تَبرَأُ ذِمَّتُهُ إلَّا بَرَدِّ ٢٧٩/٣ (١) يشير إلى حديث عائشة الذي فيه قول أبي بكر: كنت تكَهَّنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكهانة ... إلخ، وسيأتي برقم (٣٨٤٢). (٢) تحرفت في (س) إلى: لكل.