النص المفهرس
صفحات 781-800
٧٨١ باب ٩٢ / ح ١٣٨٥ كتاب الجنائز وُلِدَ على الفِطْرة وكان له أبوانٍ على غير الإسلام نَقَلاه إلى دينهما، فتقدير الخبر على هذا: کُّ مولود یُولَد على الفِطْرة وأبواه يهودیّان مثلاً، فإنَّهما مُهوِّدانه ثمّ یصیر عند بلوغه إلى ما يُحكَم به عليه. ويكفي في الردّ عليهم رواية أبي صالح المتقدِّمة، وأصرح منها رواية جعفر ابن ربيعة بلفظ: ((كلّ بني آدم يُولَد على الفِطْرة». وقد اختَلَفَ السلف في المراد بالفِطْرة في هذا الحديث على أقوال كثيرة، وحكى أبو عُبيد: أنَّه سألَ محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة عن ذلك فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو عُبيد: كأنَّه عَنَى أنَّه لو كان يُولَد على الإسلام فمات قبل أن يُهُوِّده أبَوَاه مثلاً، لم يَرِثاه، والواقع في الحُكْم أنَّهما يَرِثانه، فدَلَّ على تغيُر الحُكْم. وقد تعقَّبه ابن عبد البَرِّ وغيره، وسبب الاشتباه أنَّه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادَّعَى فيه النَّسخ، والحقّ أنَّه إخبار من النبيّ وَّ بما وقع في نفس الأمر، ولم يُرِدْ به إثبات أحكام الدنيا. وأشهَرُ الأقوال: أنَّ المراد بالفِطْرة الإسلام، قال ابن عبد البَرّ (١٨/ ٧٢): وهو المعروف عند عامَّة السلف. وأجمع أهلُ العلم بالتأويل على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]: الإسلام، واحتجُّوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب: اقرؤوا إن شِئْتُم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبحديث عِيَاض بن حمار عن النبيِّ وَّ فيما يرويه عن ربِّه: ((إِنِّي خَلَقتُ عبادي حُنَفاءَ كلَّهم، فاجتالتهم الشَّياطين عن دينهم)) الحديث(١)، وقد رواه غيره فزاد فيه: ((حُنَفاء مسلمين))(٢)، ورَجَّحَه بعض المتأخِّرينَ بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، لأنَّها إضافة مدح، وقد أمَرَ نبيَّه بلُزومِها، فعُلِمَ أنَّها الإسلام، قال ابن جَرِير: قوله: ﴿ فَأَقِْ وَجْهَكَ لِلّينِ﴾ أي: سَدِّد لطاعتِه ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مستقيماً ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾ أي: (١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد في ((مسنده)) (١٧٤٨٤). (٢) أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٣٨٧٨)، والطبراني في (الكبير)) ١٧ / (٩٩٧). ٧٨٢ باب ٩٢ / ح ١٣٨٥ فتح الباري بشرح البخاري صِبْغة الله، وهو منصوب على المصدر الذي دَلَّ عليه الفعل الأول، أو منصوب بفعل مُقدَّر، أي: الزَمْ. وقد سَبَقَ قبل أبواب (١٣٥٨) قول الزُّهْريّ في الصلاة على المولود: من أجل أنَّه ◌ُلِدَ على فِطرة الإسلام، وسيأتي في تفسير سورة الروم (٤٧٧٥) جَزْمُ المصنّف بأنَّ الفِطْرة الإسلام، وقد قال أحمد: مَن مات أبواه وهما كافران حُكِمَ بإسلامه. واستدلَّ بحديث الباب، فدَلَّ على أنَّه فسَّرَ الفِطْرة بالإسلام. وتعقّبه بعضهم بأنَّ كان يَلزَم أن لا يَصِحَّ ٢٤٩/٣ استرقاقُه، / ولا يُحكَم بإسلامه إذا أسلمَ أحد أبويه، والحقّ أنَّ الحديث سِيقَ لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. وحكى محمد بن نصر أنَّ آخر قولي أحمد: أنَّ المراد بالفِطْرة الإسلام. قال ابن القيِّم: وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة يَتَجّ فيها بهذا الحديث على أنَّ الطّفل إنَّما يُحكَم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوَينِ كَافَرَينٍ فهو مسلم. وروى أبو داود (٤٧١٦) عن حمّاد بن سَلَمَ أنَّه قال: المراد أنَّ ذلك حيثُ أخذَ الله عليهم العهد حيثُ قال: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ونقله ابن عبد البَرِّ عن الأوزاعيّ وعن سَحْنون، ونقله أبو يعلى بن الفَرّاء عن إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ما حكاه الميمونيّ عنه وذكره ابن بَطّة، وقد سَبَقَ في ((باب إسلام الصبيّ)) في آخر حديث الباب من طريق يونس (١٣٥٩): ثمَّ يقول: ﴿فِطْرَتَ الَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ اَلْقَيِّمُ ﴾، وظاهره أنَّه من الحديث المرفوع، وليس كذلك بل هو من كلام أبي هريرة أُدْرِجَ في الخبر، بيَّنْه مسلم (٢٦٥٨/ ٢٢) من طريق الزُّبَيديّ عن الزّهْريّ ولفظه: ثمَّ يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شِئُم. قال الطِّيبيّ: ذِكْر هذه الآية عَقِبَ هذا الحديث يُقوِّي ما أوَّلَه حَّادُ بن سَلَمة من أوجُه: أحدها: أنَّ التعريف في قوله: ((على الفِطْرة)) إشارة إلى معهود وهو قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اٌللَّهِ﴾، ومعنى المأمور في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي: اثبُتْ على العهد القديم. ثانيها: وُرود الرواية بلفظ: ((الِلّة)) بدل الفِطْرة، والدِّين في قوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ هو ٧٨٣ باب ٩٢ / ح ١٣٨٥ كتاب الجنائز عين الِلّة، قال تعالى: ﴿دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، ويؤيِّده حديث عياض المتقدِّم. ثالثها: التَّشبيه بالمحسوس المعايَن ليُفيدَ أنَّ ظهوره يقع في البيان مَبلَغ هذا المحسوس، قال: والمراد تمكُّن الناس من الهُدَى في أصل الجِبِّة، والتهُّؤْ لقَبُول الدِّين، فلو تُرِك المرء عليها لاستمرَّ على لُزومها ولم يفارقها إلى غيرها، لأنَّ حُسْن هذا الدِّين ثابت في النُّفُوس، وإنَّما يُعدَل عنه لآفةٍ من الآفات البَشَرِيَّة كالتقلید. انتهى. وإلى هذا مالَ القُرطبيُّ في ((المفهِم)) فقال: المعنى أنَّ الله خَلَقَ قلوب بني آدم مُؤهَّلة لقَبُول الحقّ، كما خَلَقَ أعيُنَهم وأسماعهم قابلة للمَرئيّات والمسموعات، فما دامت باقيةً على ذلك القَبُول وعلى تلك الأهليَّة أدرَكَتِ الحقَّ، ودين الإسلام هو الدينُ الحقُّ، وقد دلَّ على هذا المعنى بقيَّة الحديث حيثُ قال: ((كما تُنَتَج البهيمة)) يعني: أنَّ البهيمة تَلِدُ الولد كامل الخِلقة، فلو تُرِك كذلك كان بريئاً من العَيب، لكنَّهم تَصَرَّفوا فيه بقطع أُذُنه مثلاً فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقعٌ، ووجهه واضح، والله أعلم. وقال ابن القيِّم: ليس المراد بقوله: ((يُولَد على الفِطْرة)) أنَّه خرج من بطن أُمّه يعلم الدّين، لأنَّ الله يقول: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ولكنَّ المراد أنَّ فِطَرَته مُقتَضية لمعرفةِ دين الإسلام ومَحَبَّته، فنفس الفِطْرة تَستَلِزِم الإقرار والمحبّة، وليس المراد مجرَّد قَبُول الفِطْرة لذلك، لأنَّه لا يتغيَّر بتهويد الأبوينِ مثلاً بحيثُ يُخْرِجان الفِطْرة عن القَبُول، وإنَّما المراد أنَّ كلّ مولود يُولَد على إقراره بالزُّبوبيَّة، فلو خُلِّيَّ وعَدَم المعارِض لم يَعدِل عن ذلك إلى غيره، كما أنَّه يُولَد على ◌َحَّة ما يُلائم بَدَنه من ارتِضاع اللَّبَنِ حتَّى يَصِرِفه عنه الصارف، ومن ثَمَّ شُبِّهَتِ الفِطْرة باللَّبَنِ، بل كانت إِيَّه في تأويل الرُّؤيا، والله أعلم. وفي المسألة أقوال أُخَر ذكرها ابن عبد البَرِّ وغيره: منها: قول ابن المبارك: أنَّ المراد أنَّه يُولَد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمَن عَلِمَ الله أنَّه يصير مسلماً وُلِدَ على ٧٨٤ باب ٩٢ / ح ١٣٨٥ فتح الباري بشرح البخاري الإسلام، ومَن عَلِمَ الله أنَّه يصير كافراً وُلِدَ على الكفر، فكأنَّه أولَ الفِطْرَةَ بالعلم. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان كذلك لم يكن لقوله: ((فأبواه يُهُوِّدانه ... )) إلى آخره، معنَى لأنَّهما فَعَلا به ما هو الفِطْرة التي وُلِدَ عليها، فيُنافي في التَّمثيل بحال البَهيمة. ومنها: أنَّ المراد أنَّ الله خَلَقَ فيهم المعرفة والإنكار، فلمَّا أخذَ الميثاق من الذُّرِّيَّة قالوا جميعاً: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ٧٢]، أمَّا أهل السعادة فقالوها طوعاً، وأمَّا أهل الشَّقاوة فقالوها كُرهاً، وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ويُرجِّحُه. ٢٥٠/٣ وتُعُقِّبَ بأنَّه يحتاج إلى نقل صحيح، / فإنَّه لا يُعرَف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلَّا عن السُّدِّيّ ولم يُسنِده، وكأنَّه أخذَه من الإسرائيليّات، حكاه ابن القيِّم عن شيخه. ومنها: أنَّ المراد بالفِطْرة: الخِلقة، أي: يُولَد سالماً لا يَعرِف كفراً ولا إيماناً، ثمَّ يعتقد إذا بَلَغَ التكليف، ورَجَّحَه ابن عبد البَرِّ وقال: إنَّه يطابق التَّمثيلَ بالبهيمةِ ولا يخالف حدیث عیاض لأنَّ المراد بقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: على استقامة. وتُعُقِّبَ بأَنَّه لو كان كذلك، لم يَقتِصِرْ في أحوال التَبديل على مِلَل الكفر دون مِّة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنّى. ومنها: قول بعضهم: إنَّ اللَّام في الفِطْرة للعهد، أي: فِطرة أبويه، وهو مُتعقَّب بما ذُكِرَ في الذي قبله. ويؤيِّد المذهب الصحيح أنَّ قوله: ((فأبَوَاه ◌ُهُوِّدانه ... )) إلى آخره، ليس فيه لوجود الفِطْرة شرط، بل ذكر ما يمنع مُوجِبَها كحصول اليهوديّة مثلاً مُتَوقّف على أشياء خارجة عن الفِطْرة، بخلاف الإسلام. وقال ابن القيِّم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفِطْرة في هذا الحديث أنَّ القَدَريَّة كانوا يحتجّونَ به على أنَّ الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل ممَّ ابتَدَأ الناس إحداثه، فحاوَلَ جماعة من العلماء مخالَفتَهم بتأويل الفِطْرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأنَّ الآثار المنقولة عن السلف تَدُلّ على أنَّهم لم يَفهَموا من لفظ الفِطْرة إلَّا الإسلام، ولا يَلزَم من حملِها على ذلك موافقة مذهب القَدَريَّة، لأنَّ قوله: ((فأبواه ◌ُهُوِّدانه ... )) إلى آخره، محمول على أنَّ ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثَمَّ احتجَّ عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: ((الله أعلم بما كانوا عاملينَ)). ٧٨٥ باب ٩٢ / ح ١٣٨٥ كتاب الجنائز قوله: ((فأبَوَاه)) أي: المولود، قال الطِّيبيّ: الفاء إمَّا للتعقيبِ أو للسبيَّة أو جزاء شرط مُقدَّر، أي: إذا تَقرَّرَ ذلك فمَن تَغَيَّرَ كان بسبب أبويه، إمَّا بتعليمِهما إِيَّه أو بترغيبهما فيه، وكَونُه تَبَعاً لهما في الدِّين يقتضي أن يكون حكمُه حُكمَهما. وخُصَّ الأبوانِ بالذِّكرِ للغالب، فلا حُجّة فيه لمن حَكَمَ بإسلام الطِّفل الذي يموت أبواه كافرَينِ كما هو قول أحمد، فقد استمرَّ عمل الصحابة ومَن بعدهم على عَدَم التعرُّض لأطفال أهل الذِّمّة. قوله: ((كمَثَلِ البَهِيمة تُنْتَجِ البَهيمةَ)) أي: تَلِدها، فالبهيمة الثانية بالنصب على المفعوليَّة، وقد تقدَّم بلفظ: ((كما تُنْتَجِ البَهيمةُ بَهيمةً))، قال الطِّييّ: قوله: ((كم)) حال من الضَّمير المنصوب في ((يُهوِّدانه)) أي: يُهوِّدان المولود بعد أن خُلِقَ على الفِطْرة تشبيهاً بالبهيمة التي جُدِعَت بعد أن خُلِقَت سليمة، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: يُغيِّرانه تغييراً مثل تغييرهم البهيمةَ السليمة، قال: وقد تَنازَعَت الأفعال الثلاثة في ((كما)) على التقديرَين. قوله: (تُنتَج)) بضم أوله وسكون النون وفتح المثنَّة بعدها جيم، قال أهل اللُّغة: يُتِجَت الناقةُ، على صيغة ما لم يُسمَّ فاعله، تُنتَج بفتح المثنَّة، وأَنتجَ الرجلُ ناقته ◌ُنتِجها إنتاجاً، زاد في الرواية المتقدِّمة (١٣٥٨): ((بهيمة جمعاء)) أي: لم يذهب من بَدَنها شيء، سُمّيَت بذلك لا جتماع أعضائها. قوله: ((هل تَرَى فيها جَدْعاءَ)) قال الطِّيّ: هو في موضع الحال، أي: سليمةً مَقُولاً في حقٌّها ذلك، وفيه نوع من التأكيد، أي: إنَّ كلّ مَن نَظَرَ إليها قال ذلك لظهورٍ سلامتها. والجَدْعاء: المقطوعة الأُذُن، ففيه إيماء إلى أنَّ تصميمهم على الكفر كان بسبب صَمَمهم عن الحقّ. ووقع في الرواية المتقدِّمة (١٣٥٨) بلفظ: ((هل تُحِسّونَ فيها من جَدْعاء)) وهو من الإحساس، والمراد به العلم بالشيء، يريد أنَّها تُولَد لا جَدْع فيها، وإنَّما يَجَدَعها أهلها بعد ذلك. وسيأتي بعدُ في تفسير سورة الرّوم (٤٧٧٥) أنَّ معنى قوله: ﴿لَا تَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ أي: لدین الله، وتوجيه ذلك. تنبيه: ذكر ابن هشام في ((المغني)) عن ابن هشام الخَضْراويّ أنَّه جعل هذا الحديث ٧٨٦ باب ٩٣ / ح ١٣٨٦ فتح الباري بشرح البخاري شاهداً لوُرود ((حتَّى)) للاستثناء، فذكره بلفظ: ((كلّ مولود يُولَد على الفِطْرة حتَّى يكون أبواه هما اللَّذان يُهُوِّدانه ويُنصِّرانه)) وقال: ولك أن تُخُرِّجه على أنَّ فيه حذفاً، أي: يُولَد على الفِطْرة ويَستَمِّرّ على ذلك حتَّى يكون؛ يعني: فتكون للغاية على بابها، انتهى. ٢٥١/٣ ومالَ صاحب ((المغني)) في موضع آخر إلى أنَّه ضَمَّنَ ((يُولَد)) معنى: يَنشَأ مثلاً، قد وجدت الحديث في ((تفسير ابن مردويه)) من طريق الأسود بن سريع بلفظ: (ليست نَسَمةٌ تُولَد إلَّا وُلِدَت على الفِطْرة، فما تزال عليها حتَّى يَبِينَ عنها لسانها)) الحديث، وهو يؤيِّد الاحتمال المذكور. واللفظ الذي ساقه الخضراويّ لم أرَه في ((الصحيحين)) ولا غيرهما، إلّا عند مسلم (٢٢/٢٦٥٨) كما تقدَّم في رواية: ((حتَّى يُعرِبَ(١) عنه لسانه))، ثمَّ وجدت أبا نُعَيم في ((مُستخرَجه)) على مسلم أورَدَ الحديث من طريق كثير بن عُبيد عن محمد بن حَرْب عن الُّبَيديّ عن الزُّهْريّ بلفظ: ((ما من مولود يُولَد في بني آدم إلَّا يُولَد على الفِطْرة، حتَّى يكون أبواه يُهُوِّدانه)) الحديث، وكذا أخرجه ابن مردويه من هذا الوجه، وهو عند مسلم (٢٢/٢٦٥٨) عن حاجب بن الوليد عن محمد بن حَرْب بلفظ: ((ما من مولود إلَّا يُولَد على الفِطْرة، أبواه ◌ُهُوِّدانه)) الحديث. ٩٣- بابٌ ١٣٨٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثْنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، حدَّثنا أبو رجاءٍ، عن سَمُرةَ ابنِ جُندُبٍ، قال: كانَ النبيُّ نَّهِ إذا صلَّى صلاةَ أقبلَ علينا بوَجْهِهِ، فقال: ((مَن رأى منكُمُ الليلةَ رُؤْيا؟)) قال: فإنْ رأى أحدٌ قَصَّها فيقولُ ما شاءَ الله، فسألَنا يوماً، فقال: ((هل رأَى أحدٌ منكم رُؤْيا؟» قلنا: لا، قال: ((لكنِّي رأيتُ الليلةَ رجلينِ أتَيَاني، فَأَخَذا بيَدِي فأخرَ جَاني إلى الأرضِ المقدَّسةِ، فإذا رجلٌ جالسٌ ورجلٌ قائمٌ بيدِه)) قال بعضُ أصحابنا عن موسى: ((كلُّوبٌ مِن حديدٍ، يُدخِلُه في شِدْقِهِ حتَّى يَبلُغَ قَفَاه، ثمَّ يفعلُ بشِدْقِهِ الآخَرِ مِثلَ ذلكَ، ويَلْتَئِمُ شِدْقُه (١) في المطبوع من مسلم: ((حتى يُعبِّ)). ٧٨٧ باب ٩٣ / ح ١٣٨٦ كتاب الجنائز هذا فيعودُ فِيَصْنَعُ مِثْلَه، قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطَلِقْ، فانطَلَقْنا، حتَّى أتَينا على رجلٍ مُضْطَجِعِ على قَفَاهُ، ورجلٌ قائمٌ على رأسِه بفِهْرٍ أو صَخْرةٍ فَيَشْدَخُ به رأسَه، فإذا ضَرَبَه تَدَهْدَهَ الحجرُ، فانطلقَ إليه ليأخذَه، فلا يَرجِعُ إلى هذا حتَّى يَلْتِمَ رأسُه، وعادَ رأسُه كما هو، فعادَ إليه فضَرَبَه، قلتُ: مَن هذا؟ قالا: انطَلِقْ، فانطَلَقْنا إلى ثَقْبٍ مِثلِ التَّنُّورِ، أعلاهُ ضَيِّقٌ وأسفَلُه واسِعٌ، يَتَوقَّدُ تحتَه ناراً، فإذا اقتَرَبَ ارتَفَعُوا حتَّى كادَ أن يَخِرُجوا، فإذا خَمَدَتِ رَجعُوا فيها، وفيها رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ، فقلتُ: مَن هذا؟ قالا: انطَلِقْ، فانطَلَقْنا، حتَّى أَتَينا على نَهَرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ على وَسَطِ النَّهرِ، رجلٌ بين يديهِ حِجارةٌ) قال يزيدُ ووَهبُ بن جَرِيرٍ عن جرير بن حازمٍ: ((وعلى شطِّ النَّهرِ رجلٌ، فأقبلَ الرجلُ الَّذي في النَّهرِ، فإذا أرادَ أن يخرجَ رَمَى الرجلُ بحَجَرٍ في فيه فَرَدَّه حيثُ كانَ، فَجَعَلَ كلَّما جاءَ ليخرجَ رَمَّى في فيه بحَجَرٍ، فَيَرجِعُ كما كانَ، فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطَلِقْ، فانطَلَقْنا، حتَّى انتَهَينا إلى رَوْضٍ خَضْراءَ فيها شجرةٌ عظيمةٌ، وفي أصلِها شيخٌ وصِبْيانٌ، وإذا رجلٌ قريبٌ مِن الشجرةِ بين يديهِ نارٌ يُوقِدُها، فصَعِدا بي في الشجرةِ وأدخَلَاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسنَ منها، فيها رجالٌ شيوخٌ وشبابٌ ونساءٌ وصِبْيانٌ، ثمَّ أخْرَجاني منها فصَعِدا بي الشجرةَ، فأدخَلَاني داراً هي أحسنُ وأفضَلُ، فيها شيوخٌ وشبابٌ. قلتُ: طَوَّفْتُما بي الليلةَ، فأخِراني عَّ رأيتُ. قالا: نَعَمْ، أمَّا الَّذِي رأيتَه يُشَقُّ شِدْقُه فكذَّابٌ يُحدِّثُ بالكِذْبةِ فتُحمَلُ عنه حتَّى تَبلُغَ الآفاقَ، فيُصنَعُ به ما رأيتَ إلى يومِ القيامةِ، والَّذي رأيْتَه يُشدَغُ/ رأسُه فرجلٌ عَلَّمَه اللهُ القرآنَ فنامَ عنه بالليل ولم يَعمَلْ فیه بالنَّهار، يُفعَلُ به إلى يومٍ ٢٥٢/٣ القيامةِ، والَّذي رأيتَه في الثَّقْبِ فهمُ الزُّناةُ، والَّذي رأيْتَه في النَّهرِ آكِلُو الرِّبا، والشيخُ في أصلٍ الشجرةِ إبراهيمُ عليه السلام، والصِّبْيانُ حولَه أولادُ الناسِ، والَّذي يُوقِدُ النارَ مالكٌ خازِنُ النار، والدّارُ الأُولى التي دخلتَ دارُ عامَّةِ المؤمنين، وأمَّا هذه الدّارُ فدارُ الشُّهَداءِ، وأنا جِبْرِيلُ وهذا مِيكائيلُ، فارفَعْ رأسَكَ، فَرَفَعتُ رأسي، فإذا فوقي مِثْلُ السَّحاب، قالا: ذاكَ منزلُكَ، قلتُ: دَعَاني أدخُلْ منزلي، قالا: إِنَّ بَقِيَ لكَ عُمُرٌ لم تَستَكمِلْه، فلو استكمَلْتَ أتيتَ منزِلَكَ)). قوله: ((بابٌ)) كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذر وهو كالفَصْل من الباب الذي قبله، وتعلُّق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور: ((والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، ٧٨٨ باب ٩٣ / ح ١٣٨٦ فتح الباري بشرح البخاري والصبيان حوله أولاد الناس))، وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في التعبير (٧٠٤٧) بزيادة: ((قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين))، وسيأتي الكلام على بقية الحديث مستوفى في كتاب التعبیر إن شاء الله تعالى. قوله في هذه الطريق: «فإذا رجلٌ جالس ورجل قائم بيده، قال بعض أصحابنا عن موسى: گلُّوب من حدید ◌ُدخله في شِذْقه» كذا في رواية أبي ذر، وهو سياق مستقيم، ووقع في رواية غيره بخلاف ذلك. والبعض المبهم لم أعرف المراد به، إلا أن الطبراني أخرجه في ((المعجم الكبير)) (٦٩٨٩) عن العباس بن الفضل الأسفاطي عن موسى بن إسماعيل، فذكر الحديث بطوله مثل حديثٍ قبله، وفیه: ((بیدە کُلَّاب من حدید». قوله فيه: ((حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر، قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شطُّ النهر رجل)) وهذا التعليق عن هذين ثَبَتَ في رواية أبي ذر أيضاً. فأما حدیث یزید: وهو ابن هارون، فوصله أحمد (٢٠١٦٥) عنه، فساق الحديث بطوله وفيه: ((فإذا نهر من دم فيه رجل، وعلى شط النهر رجل)). وأما حديث وهب بن جرير فوصله أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريقه، فساق الحديث بطوله، وفيه: ((حتى ينتهى إلى نهر من دم ورجل قائم في وسطه، ورجل قائم على شاطئ النهر)) الحديث، وأصل الحديث عند مسلم (٢٢٧٥) من طريق وهب لكن باختصار. وقوله فيه: ((إذا ارتفعوا)) كذا فيه بالفاء والعين المهملة، ووقع في ((جمع الحميدي)): ((ارتقَوْا)) بالقاف فقط من الارتقاء: وهو الصُّعود. ٩٤ - باب موت يوم الاثنين ١٣٨٧ - حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أَسدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: دخلتُ على أبي بكرٍ ﴾، فقال: في كم كَفَّتُم النبيَّ ◌َِّ؟ قالت: في ثلاثةِ أثوابٍ ٧٨٩ باب ٩٤ / ح ١٣٨٧ كتاب الجنائز بِيضٍ سَحُولَيَّةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ، وقال لها: في أيِّ يوم تُوقِّيَ رسولُ الله وََّ؟ قالت: يومَ الاثنَينِ، قال: فأيُّ يومٍ هذا؟ قالت: يومُ الاثنَينِ، قال: أرجُو فيما بيني وبينَ الليلِ، فَنَظَرَ إلى ثوبٍ عليه كانَ يُمَّضُ فيه به رَدْعٌ من زَعْفرانٍ، فقال: اغسِلُوا ثَوْبي هذا وزِيدُوا عليه ثوبَينِ فكَفِّنوني فيهما، قلتُ: إِنَّ هذا خَلَقٌّ، قال: إنَّ الحيَّ أحَقُّ بالجديدِ من الميّت، إنَّما هو للمُهْلِةِ، فلم يُتَوَفَّ حتَّى أمسَى من ليلةِ الثُّلاثاءِ، ودُفِنَ قبلَ أن يُصبِحَ. قوله: ((باب موت يوم الاثنين)) قال الّين بن المنیِر: تَعُّن وقت الموت لیس لأحدٍ فیه ٢٥٣/٣ اختيار، لكن في التَّسبُّب في حصوله مَدخَل، كالرَّغبة إلى الله لقصد التبرُّك، فمَن لم تَحصُل له الإجابة ◌ُثيبَ على اعتقاده، وكأنَّ الخبر الذي وَرَدَ في فضل الموت يوم الجمعة لم يَصِحَّ عند البخاري، فاقتَصَرَ على ما وافق شرطَه، وأشار إلى ترجيحه على غيره. والحديث الذي أشار إليه أخرجه التِّرمِذيّ (١٠٧٤) من حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((ما من مسلم يموت يومَ الجمعة أو ليلةَ الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر))، وفي إسناده ضعفٌ، وأخرجه أبو يعلى (٤١١٣) من حديث أنس نحوه، وإسناده أضعفُ. قوله: ((قالت عائشة: دخلتُ على أبي بكر)) تعني: أباها، زاد أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من هذا الوجه: فرأيتُ به الموت، فقلت: هِيجْ هِيجْ مَن لا يزالُ دَمعُهُ مُقنَّعاً فإنَّه في مَرَّةٍ مدفوقُ فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: ﴿ وَجَّمَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِلْقِّ ﴾ الآية [ق:١٩]، ثمّ قال: في أيِّ يوم ... الحديث(١). وهذه الزيادة أخرجها ابن سعد (١٩٧/٣) مُفرَدة عن أبي سامة عن هشام. وقولها: «هِیج» بالجیم حکایة بکائها. قوله: ((في كم كَفَّتُم النبيَّ ◌َ؟)) أي: كم ثوباً كَفَّْتُم النبيَّ ◌َّ فِيه؟ وقوله: ((في كم)) معمول مُقدَّم لكَفَّنتُم، قيل: ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الاستفهام تَوطِئة لها للصَّيرِ على فَقْده، واستنطاقاً لها بما يُعلَم أنَّ يَعظُم عليها ذِكْره، لمَا في بِداءَته لها بذلك من إدخال الغَمّ (١) وهذه الزيادة عند أبي يعلى أيضاً (٤٤٥١) عن العباس بن الوليد النَّرْسي عن وُهَيب. ٧٩٠ باب ٩٤ / ح ١٣٨٧ فتح الباري بشرح البخاري العظيم عليها، لأنَّه يَبعُد أن يكون أبو بكر نَسِيَ ما سألَ عنه مع قُرب العهد، ويحتمل أن يكون السُّؤال عن قَدْر الكَفَن على حقيقته، لأنَّه لم يَحَضُر ذلك لاشتغاله بأمر البَيعة. وأمَّا تعيين اليوم فنِسيانه أيضاً مُحْتمَل، لأَنَّه وَهِدُفِنَ ليلة الأربعاء، فيُمكِن أن يَحَصُل التردُّد هل مات يوم الاثنين أو الثَّلاثاء. وقد تقدَّم الكلام على الكَفَن في موضعه (١٢٦٤). قوله: ((قلت: يومَ الاثنين)) بالنصب، أي: في يوم الاثنين، وقولها بعد ذلك: ((قلت: يومُ الاثنين)) بالرَّفع، أي: هذا يوم الاثنين. قوله: ((أرجُو فيما بيني وبين الليل)) في رواية المُستَمْلي: ((الليلة))، ولابن سعد (٣/ ٢٠٢) من طريق الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة: أول بَدْء مرض أبي بكر أنَّه اغتَسَلَ يوم الاثنين لسبع خَلَونَ من جمادى الآخرة، وكان يوماً بارداً، فحُمَّ خمسة عشر يوماً، ومات مساء ليلة الثّلاثاء لثمانٍ بَقِينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرةَ. وأشار الزَّين بن المنيِر إلى أنَّ الِحِكْمة في تأخّر وفاته عن يوم الاثنين مع أنَّه كان يُحِبّ ذلك ويَرغَب فيه لكَونِه قام في الأمر بعد النبيّ وَّه، فناسَبَ أن تكون وفاته متأخِّرة عن الوقت الذي قُبِضَ فيه رسول الله وَلّ. قوله: ((به رَدْع)» بسكون المهمَلة بعدها عين مُهمَلة، أي: لَطْخ لم يَعُمَّه كلّه. قوله: ((وزِيدُوا عليه ثوبين)) زاد ابن سعد (٢٠١/٣) عن أبي معاوية عن هشام: جدیدین. قوله: ((فكَفِّنوني فيهما)) أي: المزيد والمزيد عليه، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «فيها)» أي: الثلاثة. قوله: ((خَلَقٌ)) بفتح المعجَمة واللَّام، أي: غير جديد، وفي رواية أبي معاوية عند ابن سعد (٢٠١/٣): ألا نَجعَلها جُدُداً كلّها؟ قال: لا. وظاهره أنَّ أبا بكر كان يرى عَدَم المغالاة في الأكفان، ویؤيِّده قوله بعد ذلك: «إنّما هو للمُهلة))، وروى أبو داود (٣١٥٤) من حديث عليّ مرفوعاً: ((لا تُغالوا في الكَفَن، فإنَّه يُسلَب سریعاً))، ولا يعارضه حديث جابر ٧٩١ باب ٩٤ / ح ١٣٨٧ كتاب الجنائز في الأمر بتحسين الكَفَن، أخرجه مسلم (٩٤٣)، فإنَّه يُجمَع بينهما بحمل التحسين على الصِّفة، وحمل المغالاة على الثَّمَن. وقيل: التحسين حقّ المِيِّت، فإذا أوصَى بتركِهِ اتَّبِعَ كما فعل الصِّدّیق. ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعَينِه لمعنَى فيه من التبرُّك به لكَونِه صار إليه من النبيّ وََّ، أو لِكَونِه كان جاهَدَ فيه أو تَعَبَّدَ فيه، ويؤيِّده ما رواه ابن سعد (٢٠٥/٣) من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: قال أبو بكر: كَفِّنوني في ثوبيَّ اللَّذَينِ كنت ◌ُصلِّی فیھما. قوله: ((إنَّما هو)) أي: الكَفَن. ٢٥٤/٣ قوله: ((لِلمُهْلة)) قال عياض: رُوِيَ بضم الميم وفتحها وكسرها. قلت: جَزَمَ به الخليل، وقال ابن حبيب: هو بالكسر: الصَّديد، وبالفتح: التَّمَهُّل، وبالضمِّ: عَكَر الزَّيت. والمراد هنا الصَّدید. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((إنَّما هو)) أي: الجديد، وأن يكون المراد ((بالمهلة)) على هذا: التَّمهُّل، أي: إنَّ الجديد لمن يريد البقاء، والأول أظهَر، ويؤيِّده قول القاسم بن محمد ابن أبي بكر قال: كُفِّنَ أبو بكر في رَيْطة بيضاء ورَيْطة مُصَّرة وقال: إنَّما هو لمَا يخرج من أنفه وفيه، أخرجه ابن سعد (٢٠٤/٣). وله عنه من وجه آخر: ((إنَّما هو للمَهْلِ والتُّراب)» وضَبَطَ الأصمَعيُّ هذه بالفتح. وفي هذا الحديث: استحباب التكفين في الثِياب البيض، وتثليث الكَفَن، وطَلَب الموافقة فیما وقع للأكابرِ تَبُّكاً بذلك(١). وفيه جواز التكفين في الثِّاب المغسولة، وإيثار الحيّ بالجديد، والدَّفن بالليل، وفضل أبي بكر وصِحَّة فِراسَته وثباته عند وفاته. وفيه أخذُ المرءِ العلمَ عمَّن دونه. (١) هذا فيه نظرٌ، والصواب أن ذلك غير مشروع إلا بالنسبة إلى النبي وَّة، لأن الله سبحانه شَرَع لنا التأسِّي به، وأما غيره فيخطئ ويصيب، وسبق في هذا المعنى حواشٍ، والله الموفّق. (س). ٧٩٢ باب ٩٥ / ح ١٣٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال أبو عمر: فيه أنَّ التكفين في الثوب الجديد والخَلَق سواء. وتُعقِّبَ بما تقدَّم من احتمال أن يكون أبو بكر اختاره لمعنّى فيه، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك، فلا دليل فيه على المساواة. ٩٥ - باب موت الفُجَاءة؛ البَغْتة ١٣٨٨ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ ◌ََّ: إِنَّ أُمّي افتُلِتَت نفسُها، وأظنُّها لو تَكلَّمَت تَصَدَّقَتْ، فهل لها أجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عنها؟ قال: (نَعَم)). [طرفه في: ٢٧٦٠] قوله: ((باب موت الفُجاءة؛ البَغْتة)) قال ابن رُشَيد: هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبر مُبْتَدَأ محذوف، أي: هي البَغْتَة، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: بَغْتة. والفُجاءة: بضم الفاء وبعد الجيم مَدّ ثمَّ همز، ويُروَى بفتحِ ثمَّ سكون بغير مَدّ، وهي الهجوم على مَن لم يَشعُر به. وموت الفُجَاءة: وقوعه بغير سبب من مرض وغيره. قال ابن رُشَيد: مقصود المصنِّ، والله أعلم، الإشارة إلى أنَّه ليس بمكروهٍ، لأنَّه لم يظهر منه كراهيته لمَّا أخبره الرجل بأنَّ أُمّه افتُلِتَت نفسُها، وأشار إلى ما رواه أبو داود (٣١١٠) بلفظ: ((موت الفجأة أخذة أسَف»، وفي إسناده مَقال، فجَرَى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يُومِئ إلى ذلك ولو من طرفٍ خفيّ. انتهى، والحديث المذكور أخرجه أبو داود من حديث عُبيد بن خالد السُّلَميّ ورجاله ثقات، إلَّا أنَّ راويه رَفَعَه مرَّة ووَقَفَه أُخرى. وقوله: ((أسَف)) أي: غَضَب، وزناً ومعنّى، ورُوِيَ بوزن فاعِل، أي: غَضْبان. ولأحمد (٨٦٦٦) من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيّ ◌َ ◌ِّ مَرَّ بجِدارٍ مائل فأسرَعَ وقال: ((أكره موت الفَوَات))(١)، قال ابن بَطَّال: وكان ذلك - والله أعلم - لمَا في موت الفَجْأة من (١) إسناده ضعيف جداً، فيه إبراهيم بن إسحاق ضعَّفه غير واحد من الأئمة، وقال البخاري: مُنكَر = ٧٩٣ باب ٩٥ / ح ١٣٨٨ كتاب الجنائز خوف حِرمان الوصيَّة، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وقد روی ابن أبي الدنيا في کتاب «الموت)) من حديث أنس نحو حدیث عُبید بن خالد، وزاد فیه: ((المحروم مَن ◌ُرِمَ وصيّته))(١). انتهى. وفي «مُصنَّف ابن أبي شَيْبة)) (٣/ ٣٧٠) عن عائشة وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسفٌ على الفاجر. وقال ابن المنيِّرِ: لعلَّ البخاري أراد بهذه الترجمة أنَّ مَن مات فجأة فليَستَدرِك ولدُه من ٢٥٥/٣ أعمال البِرّ ما أمكنه ممّا يُقبل منه النیابة، كما وقع في حديث الباب. وقد نُقِلَ عن أحمد وبعض الشافعيّة كراهة موت الفجأة، ونقل النَّوَويّ عن بعض القُدَماءِ: أنَّ جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النَّوَويّ: وهو مَبوب للمراقبين. قلت: وبذلك يجتمع القولان. قوله: «حدّثنا محمّد بن جعفر)» أي: ابن أبي کثیر المدنيّ. قوله: ((أنَّ رجلاً)) هو سعد بن عُبادة، واسم أُمّه عَمْرة، وسيأتي حديثه والكلام عليه في الوصايا (٢٧٦٠) إن شاء الله تعالى. قوله: ((افتُلِتَت)) بضم المثنَّة وكسر اللَّام، أي: سُلِبَت، على ما لم يُسمَّ فاعله، يقال: افتُلِتَ فلان، أي: مات فجأة، وافتُّلِتَت نفسُه كذلك، وضَبَطَه بعضهم بفتح السّين إمَّا على التَّمييز، وإمَّا على أنَّه مفعول ثانٍ. والفَلْتة والافتلات، ما وقع بغتةً عن غير رَويَّة، وذكره ابن قُتَيبة بالقاف وتقديم المثنَّاة وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحُبّ ولمن مات فجأة، والمشهور في الرواية بالفاء، والله أعلم. = الحديث، وقال الدار قطني: متروك. ولتمام الفائدة انظر تخريجه في ((مسند أحمد)). (١) حديث أنس بهذا اللفظ أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٢٧٠٠)، وإسناده ضعيف. ٧٩٤ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩ - ١٣٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ٩٦ - باب ما جاء في قبر النبيّ وَل ◌ّ وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]: أقبَرْتُ الرجلَ: إذا جعلتَ له قبراً، وقَبَرَتُه: دَفَنْتُه، ﴿كِفَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥]: يكونونَ فيها أحياءً، ويُدفَنونَ فيها أمواتاً. ١٣٨٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني سليمانُ، عن هشامٍ. وحدَّثني محمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا أبو مروانَ يحيى بنُ أبي زكريًّا، عن هشام، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: إن كانَ رسولُ الله ◌ِ﴾ لَيَتَعَذَّرُ في مرضِه: «أينَ أنا اليومَ؟ أينَ أنا غداً؟)) استبطاءً ليوم عائشةَ، فلمَّا كانَ يومي قَبَضَه اللهُ بین سَحْري ونَحْري، ودُفِنَ في بيتي. ١٣٩٠ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن هلالٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّه في مرضِه الَّذي لم يَقُم منه: (لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، اَّخُذُوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ))، لولا ذلكَ أُبِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خَشِيَ - أو خُشِيَ - أنْ يُتَّخَذَ مسجداً. ١٣٩٠/ ١ - وعن هلالٍ قال: كَنّاني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير ولم يُولَدْ لِي. ١٣٩٠/ ٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن سفيانَ التَّارِ، أَنَّه حدَّثه: أنَّه رأى قبرَ النبيِّوَِّ مُستَّاً. ٣/١٣٩٠- حدَّثْنا فَرْوةُ، حدَّثنا عليٌّ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه: لمَّا سَقَطَ عليهم الحائطُ في زمان الوليدِ بنِ عبدِ الملِك أخذُوا في بنائِهِ، فَبَدَت لهم قَدَمٌ ففَزِعُوا، وظَنُّوا أنَّهَا قَدَمُ النبيِّ وَّةِ، فما وَجَدُوا أحداً يَعلَمُ ذلكَ، حتَّى قال لهم عُرْوةُ: لا والله، ما هي قَدَمُ النبيُّ ◌َِّ، ما هي إلا قَدَمُ عمرَ ﴾. ١٣٩١ - وعن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها أوصَتْ عبدَ الله بنَ الزُّبَير رضي الله عنهما: لا تَدْفِّي معهم، وادِفِّي مع صَواحِبِي بالبقيع، لا أُزْكَّى به أبداً. [طرفه في: ٧٣٢٧] ٧٩٥ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩ - ١٣٩٢ كتاب الجنائز ١٣٩٢ - حدَّثْنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد، حدَّثنا حُصَينُ بنُ عبدِ الرحمن، عن ٢٥٦/٣ عَمِرٍو بنٍ ميمونٍ الأَوْديِّ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطَّب ﴿ه قال: يا عبدَ الله بنَ عمرَ، اذهبْ إلى أُمّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها، فقُلْ: يَقْرأُ عمرُ بنُ الخطّاب عليكِ السَّلامَ، ثمَّ سَلْها أن أُدفَنَ مع صاحبَيَّ، قالت: كنتُ أُرِيدُه لنفسي، فَلَأُوثِرَنَّه اليومَ على نفسي، فلمَّا أقبلَ قال له: ما لديكَ؟ قال: أذِنَتْ لكَ يا أميرَ المؤمنين، قال: ما كانَ شيءٌ أهَمَّ إليَّ من ذلكَ المَضْجَعِ، فإذا قُبِضتُ فاحِلُوني ثمَّ سَلِّمُوا، ثمَّ قُلْ: يَسْتأذِنُ عمرُ بنُ الخطّاب، فإنْ أذِنَت لي فادْفِنوني، وإلا فُرُدُّوني إلى مقابرِ المسلمينَ. إنِّي لا أعلَمُ أحداً أحقّ بهذا الأمرِ من هؤلاءِ النَّفَرِ الذينَ تُوقِّيَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ وهو عنهم راضٍ، فمَنِ استَخلَفُوا بعدي فهو الخليفةُ، فاسمَعُوا له وأطِيعُوا، فسَمَّى: عثمانَ، وعليّاً، وطَلْحَةَ، والزُّبِيرَ، وعبد الرحمن بنَ عَوْفٍ، وسعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ. ووَلَجَ عليه شابٌّ من الأنصارِ، فقال: أبشِرْ يا أميرَ المؤمنين بُيُشرَى الله! كانَ لكَ مِن القِدَمِ في الإسلام ما قد عَلِمتَ، ثمَّ استُخلِفتَ فعَدَلْتَ، ثمَّ الشَّهادةُ بعدَ هذا كلِّه، فقال: لَيْتَتَي يا ابنَ أَخي وذلكَ كَفافاً، لا عليّ ولا لي. أُوصي الخليفةَ من بعدي بالمهاجِرِينَ الأوَّلِينَ خيراً، أنْ يَعرِفَ لهم حَقَّهم، وأن يَحفَظَ لهم حُرْمتَهم، وأُوصِيه بالأنصارِ خيراً، الذينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمانَ، أن يُقبَلَ من مُحسِنِهِم ويُعفَى عن مُسِيئِهم، وأُوصِيه بذِمَّةِ الله وذِمَّةِ رسولِهِ مَّهِ، أَنْ يُوَ لهم بِعَهْدِهم، وأن يُقاتَلَ مِن وَرائِهم، وأن لا يُكلَّفُوا فوقَ طاقتهم. [أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧] قوله: ((باب ما جاء في قبر النبيّ وَّهِ وأبي بكر وعمر)) قال ابن رُشَيد: قال بعضهم مراده بقوله: ((قبر النبيّ وَّ) المصدر من: قَبَرته قبراً، والأظهَر عندي أنَّه أراد الاسم، ومقصوده بیان صفته من گونه مُسنّاً أو غیر مُستَّم وغير ذلك ممَّا يَتعلَّق بعضه ببعضٍ. قوله: ((قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَقْبَرَهُ ﴾)) يريد تفسير الآية ﴿ ◌ُثُمَّ أَمَانَهُ، فَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله عَمَّن يُقْبَرَ لا مَمَّن يُلقَى حَتَّى تأكلَه الكلاب مثلاً. وقال أبو عبيدة في ((المجاز)): أقبَرَه: أمرَ بأن يُقبَر. ٧٩٦ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩- ١٣٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أقبَرتُ الرجلَ: إذا جعلتَ له قبراً، وقَبَرَتُه: إذا دفنتَه)) قال يحيى الفَرّاء في ((المعاني)): يقال: أقبَرَه: جعله مقبوراً، وقَبَرَه: دَفَنَه. قوله: ﴿كِفَاتًا﴾ ... )) إلى آخره، روى عبد بن حميدٍ من طريق مجاهد قال: في قوله: ﴿أَلَرَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانَا أَحْيَُّ وَأَمْوَتًا﴾ قال: يكونونَ فيها ما أرادوا ثمَّ يُدفَنونَ فيها. ثمّ أورد المصنِّف في الباب أحاديث: أولها: حديث عائشة. قوله: ((إن كان رسول الله ﴿ لَيَتَعَذَّر في مرضه)) وقد ضُبِطَ في روايتنا بالعين المهمَلة والذّال المعجَمة، أي: يَتَمَنَّع، وحكى ابن التِّين: أنَّه في رواية القابِسيّ بالقاف والدال المهمَلة، أي: يسأل عن قَدْر ما بقيَ إلى يومها، لأنَّ المريض يَجِد عند بعض أهله من الأنس ما لا يَجِد عند بعض. وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث والذي بعده في ((باب الوفاة النَّبويَّة)) آخر المغازي (٤٤٣٨) إن شاء الله تعالى. والمقصود من إيرادهما هنا: بيان أنَّه وَهـ دُفِنَ في بيت عائشة. تقدَّم ثانيهما في ((باب ما يُكرَه من اتّخاذ القبور على المساجد)) (١٣٣٠) من طريق هلال المذكور، وفي ((باب بناء المسجد على القبر)) (١٣٤١) من وجه آخر، وفي أبواب المساجد أيضاً (٤٣٥ و ٤٣٦). قوله: ((وعن هلال)) يعني: بالإسناد المذكور إليه. ٢٥٧/٣ قوله: ((كَنّني عُرْوة بن الزُّبَيرِ)) أي: الذي روى عنه ذلك الحديث. واختُلِفَ في كُنية هلال: فالمشهور أنَّه أبو عَمْرو، وقيل: أبو أُميَّة، وقيل: أبو الجَهْم. قوله: ((عن سفيان التَّار)) هو ابن دينار على الصحيح، وقيل: ابن زياد، والصواب أنَّه غيره، وكلٌّ منهما عُصْفريٌّ كوفيّ، وهو من كِبار أتباع التابعين، وقد لَحِقَ عصر الصحابة، ولم أرَ له رواية عن صحابيّ. قوله: ((مُستَّ) أي: مُرتَفِعاً، زاد أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): وقبر أبي بكر وعمر كذلكَ. ٧٩٧ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩ - ١٣٩٢ كتاب الجنائز واستُدلَّ به على أنَّ المستَحَبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمُزَنِيّ وكثير من الشافعيَّة، واذَّعَى القاضي حسين اتّفاق الأصحاب عليه. وتُعُقِّبَ بأنَّ جماعة من قُدَماء الشافعيَّة استحبُّوا الَّسطيح كما نَصَّ عليه الشافعيُّ، وبه جَزَمَ الماورديّ وآخرون. وقول سفيان التَّار لا حُجّة فيه كما قال البيهقيُّ، لاحتمال أنَّ قبره وَلّه لم يكن في الأول مُسنَماً، فقد روى أبو داود (٣٢٢٠) والحاكم (٣٦٩/١) من طريق القاسم بن محمد ابن أبي بكر قال: دخلتُ على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ، اكشِفي لي عن قبر رسول الله وَّلـ وصاحبَيه، فكَشَفَت لي عن ثلاثة قبور لا مُشرِفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء، زاد الحاكم: فرأيت رسول الله وَلِّ مُقدَّماً، وأبا بكر رأسه بين كَتِفَي النبيّ وَّه وعمر رأسه عند رِجَلَي النبيِّ وَّر. وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنَّها كانت في الأول مُسطَّحة، ثمَّ لمَّا بُنيَ جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَل الوليد ابن عبد الملِك صَيَّروها مُرتَفِعة. وقد روى أبو بكر الآجُرِّيّ في كتاب ((صفة قبر النبيّ ◌َّ) من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غُنَيم بن بِسطام المَدِينيّ قال: رأيت قبر النبيِّ وَّ في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مُرتَفِعاً نحواً من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثمَّ الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، ورَجَّحَ المُزَنيّ التَّسنيم من حيثُ المعنى بأنَّ المسطَّحِ يُشبِهِ ما يُصنَع للجلوسِ بخلاف المسَنَّم، وَرَجَّحَه ابن قُدامةَ بأنَّه يُشبِه أبنية أهل الدنيا، وهو من شِعار أهل البِدَع فكان التَّسنيم أولى. ويُرجِّح التَّسطيح ما رواه مسلم (٩٦٨) من حديث فَضَالة بن عُبيد أنَّه أمَرَ بقيرٍ فسُوّي، ثمّ قال: سمعت رسول الله ﴾﴾ يأمر بتسويتها. قوله: ((حدَّثْنا فَرْوة)) هو ابن أبي المَغْراء، وعليٌّ: هو ابن مُسهِر، وثَبَتَ ذلك في رواية أبي ذرً. ٧٩٨ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩- ١٣٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لمَّا سَقَطَ عليهم الحائطُ)) أي: حائط حُجرة النبيّ وََّ، وفي رواية الحَمُّوِيّ: ((عنهم))، والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجُرّيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عُرْوة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يُصلُّونَ إلى القبر، فأمَرَ به عمر بن عبد العزيز فُرُفِعَ حتَّى لا يُصلِّ إليه أحد، فلمَّا هُدِمَ بَدَت قدمٌ بساقٍ ورُكبة، ففَزِعَ عمر بن عبد العزيز، فأتاه عُرْوة فقال: هذا ساقُ عمر ورُكبَتُه، فسُرِّيَ عن عمر بن عبد العزيز. وروى الآجُرِّيّ من طريق مالك بن مِغوَل عن رجاء بن حَيْوة قال: كَتَبَ الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز - وكان قد اشتَرَى حُجَر أزواج النبيّ وَّـــ أن اهدِمها ووَسِّع بها المسجد، فقَعَدَ عمر في ناحية، ثمَّ أمَرَ بَهَدمِها، فما رأيته باكياً أكثر من يومئذٍ، ثمَّ بناه كما أراد، فلمَّا أن بنى البيت على القبر وهَدَمَ البيت الأول ظَهَرَت القبور الثلاثة، وكان الرَّمل الذي عليها قد انهار، ففَزِعَ عمر بن عبد العزيز وأراد أن يقوم فيُسوِّيها بنفسه، فقلت له: أصلَحَك الله، إنَّك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرتَ رجلاً أن يُصلِحِها، ورَجَوتُ أنَّه يأمرني بذلك، فقال: يا مُزاحم - يعني مولاه - قُم فأصلِحها. قال رجاء: وكان قبر أبي بكر عند وَسَط النبيّ وَّهِ، وعمر خلف أبي بكر رأسه عند وَسَطه. وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكَّنَ الجمع وإلّا فحديث القاسم أصحّ، وأمَّا ما أخرجه أبو يعلى (٤٥٧١) من وجه آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه وعمر عن یَسَاره، فسنده ضعيف، ويُمكِن تأويله، والله أعلم. ٢٥٨/٣ قوله: ((وعن هشام)) هو بالإسناد المذكور، وقد أخرجه المصنّف في الاعتصام (٧٣٢٧) من وجه آخر عن هشام، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق عبدة عن هشام وزاد فيه: وكان في بيتها موضع قبر. قوله: ((لا أُزَّى)) بضم أوله وفتح الكاف على البناء للمجهول، أي: لا يُثْنَى عليَّ بسبِهِ ويُجُعَل لي بذلك مَزيَّة وفضل وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك، وهذا منها على سبيل التواضُع وهَضْم النَّفس بخلاف قولها لعمرَ: كنت أُريده لنفسي، فكأنَّ اجتهادها في ٧٩٩ باب ٩٦ / ح ١٣٨٩- ١٣٩٢ كتاب الجنائز ذلك تَغَيَّرَ، أو لمَّا قالت ذلك لعمرَ كان قبل أن يقع لها ما وقع في قصَّة الجَمَل، فاستَحيَت بعد ذلك أن تُدفَن هناك وقد قال عنها عمَّار بن ياسر، وهو أحد مَن حارَبَها يومئذٍ: إنَّها زوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة. وسيأتي ذلك مبسوطاً في كتاب الفتن (٧١٠١) إن شاء الله تعالى، وهو كما قال رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قوله: ((رأيت عمرَ بن الخطّاب قال: يا عبد الله بن عمر)) هذا طرف من حديث طويل سيأتي في مناقب عثمان (٣٧٠٠) وزاد فيه: وقُل: يقرأ عليكِ عمرُ السلام، ولا تَقُل: أمير المؤمنين، وفي أوله قدرُ ورقة في سياق مَقتله، وفي آخره قدر صفحة في قصَّة بيعة عثمان. قال ابن التِّين: قول عائشة في قصَّة عمر: ((كنت أُريده لنفسي)) يدلّ على أنَّه لم يَبقَ ما يَسَع إلَّا موضع قبر واحد، فهو يُغاير قولها عند وفاتها: لا تَدفِنِّي عندهم، فإنَّه يُشعِر بأنَّه بقيَ من البيت موضع للدَّفن. والجمع بينهما: أنَّها كانت أولاً تَظُنّ أنَّه لا يَسَع إلَّا قبراً واحداً، فلمَّا دُفِنَ ظَهَرَ لها أنَّ هناك وسعاً لقيٍ آخر. وسيأتي الكلام عليه مُستوفّ هناك إن شاء الله تعالى. قال ابن بَطَّال: إنَّما استأذَتَها عمر لأنَّ الموضع كان بيتها وكان لها فيه حَقٌّ، وكان لها أن تُؤثِرَ به على نفسها فأثَرَت عمر. وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طَمَعاً في إصابة الرَّحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء مَن يزورهم من أهل الخير. وفي قول عمر: ((قُل: يَستأذِن عمر، فإن أذِنَت)) أنَّ مَن وَعَدَ عِدَة جازَ له الرُّجوع فيها ولا يُلزَم بالوفاء. وفيه أنَّ مَن بَعَثَ رسولاً في حاجة مُهِمّة أنَّ له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه ولا يُعَدُّ ذلك من قِلّة الصَّبر، بل من الحرص على الخير، والله أعلم. ٩٧ - باب ما ینھی من سبِّ الأموات ١٣٩٣ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنا شُعْبةُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ وَّهِ: ((لا تَسُبُّوا الأمواتَ، فإنَهم قد أفضَوْا إلى ما قَدَّمُوا)). ٨٠٠ باب ٩٧ / ح ١٣٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ورواه عبدُ الله بنُ عبدِ القُدُّوسِ ومحمَّدُ بنُ أنسٍ عن الأعمَشِ. تَابَعَه عليٌّ بنُ الجَعْدِ وابنُ عَرْعَرَةَ وابنُ أبي عَدِيٍّ عن شُعْبةَ. [طرفه في: ٦٥١٦] قوله: ((باب ما يُنْهَى من سَبّ الأموات)) قال الزّين بن المنيِّر: لفظ الترجمة يُشعِر بانقسام السبّ إلى مَنهيٍّ وغير مَنهيٍّ، ولفظ الخبر مضمونه النَّهي عن السبّ مُطلَقاً. والجواب: أنَّ عمومه مخصوص بحديث أنس السابق (١٣٦٧) حيثُ قال ◌َّ عند ثنائهم بالخيرِ وبالشرّ: ((وَجَبَت، وأنتم شُهَداء الله في الأرض)) ولم يُنكِرِ عليهم. ويحتمل أنَّ تكون اللَّام في الأموات عهديَّة والمراد به: المسلمون، لأنَّ الكفّار ممَّا يُتَقَرَّب إلى الله بسَبِّهم. وقال القُرطبيّ في الكلام على حديث ((وَجَبَت)): يحتمل أجوبة: الأول: أنَّ الذي كان يُحدَّث عنه بالشرِّ كان مُستظهِراً به، فيكون من باب: لا غِيبةً الفاسقٍ، أو كان منافقاً. ثانيها: يُحِمَل النَّهي على ما بعد الدَّفن، والجواز على ما قبله ليتَّعِظ به مَن يسمعه. ثالثها: يكون النَّهي العامُّ متأخّراً فيكون ناسخاً، وهذا ضعيف. ٢٥٩/٣ وقال ابن رُشَيد ما مُحصَّله: أنَّ السبّ يَنقَسِم في حقّ الكفَّر وفي حقّ المسلمين، / أمَّا الكافر، فيُمنَع إذا تأذَّى به الحيُّ المسلم، وأمَّا المسلم فحيثُ تدعو الضَّرورة إلى ذلك كأن يصير من قَبِيل الشَّهادة عليه، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميِّت، كمَن عُلِمَ أنَّه أخذَ ماله بشهادةِ زور ومات الشاهد، فإنَّ ذِكْرَ ذلك ينفع المَيِّت إن عُلِمَ أنَّ ذلك المال یُرَدّ إلى صاحبه. قال: ولأجل الغَفْلة عن هذا التفصيل ظَنَّ بعضهم أنَّ البخاري سَهَا عن حديث الثَّناء بالخير والشّ، وإنَّما قَصَدَ البخاري أن يُبيِّن أنَّ ذلك الجائز كان على معنى الشَّهادة، وهذا الممنوع هو على معنى السبِّ، ولمَّا كان المتن قد يُشعِر بالعموم أتبَعَه بالترجمة التي بعده. وتأوَّلَ بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصَّة، والوجه عندي حمله على العموم