النص المفهرس

صفحات 761-780

٧٦١
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
كتاب الجنائز
من حديث عائشة: ((ويقال له: على اليقين كنتَ وعليه مِتّ وعليه تُبعَث إن شاء الله)).
قوله: ((فيقال له: انظر إلى مَفعَدِك من النار)) في رواية أبي داود (٤٧٥١): «فيقال له: هذا
بيتك كان في النار، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ عَصَمَك ورَحِمَك فأبدَلك به بيتاً في الجنَّة. فيقول:
دَعُوني حتَّى أذهب فأُبشِّرَ أهلي، فيقال له: اسكُت))، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد
(١١٠٠٠): ((كان هذا منزلك لو كَفَرتَ بربِّك))، ولابن ماجَهْ (٤٢٦٨) من حديث أبي
هريرة بإسناد صحيح: ((فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يرى الله،
فتُفرَج له فُرجة قِبَلَ النار فيَنظُر إليها يَحَطِمُ بعضها بعضاً فيقال له: انظُر إلى ما وقاكَ الله))،
وسيأتي في أواخر الرِّقاق (٦٥٦٩) من وجه آخر عن أبي هريرة: ((لا يدخل أحد الجنَّة إلَّا
أُري مقعده من النار لو أساءَ لیزدادَ شُكراً)) وذكر عكسَه.
قوله: «قال قَتَادةُ: وذُكِر لنا أنَّه يُفسَح له في قبره)» زاد مسلم (٢٨٧٠/ ٧٠) من طريق
شَيْبَانَ عن قَتَادة: ((سبعون ذراعاً، ويُملَأ خَضِراً إلى يوم يُبعثونَ))، ولم أقف على هذه الزيادة
موصولة من حديث قَتَادة. وفي حديث أبي سعيد من وجه آخر عند أحمد (١١٠٠٠):
((ويُفْسَح له في قبره))، وللِّرمِذيّ (١٠٧١) وابن حِبَّن (٣١١٧) من حديث أبي هريرة:
((فَيُفْسَح له في قبره سبعينَ ذِراعاً) زاد ابن حِبَّان: ((في سبعينَ ذِراعاً))، وله (٣١١٣) من وجه
آخر عن أبي هريرة: ((ويُرحَب له في قبره سبعونَ ذِراعاً، ويُنَوَّر له كالقمر ليلة البدر)»، وفي
حديث البراء الطّويل(١): ((فينادي مُناد من السماء: أن صَدَقَ عبدي فأَفرشوه من الجنَّة
وافتحوا له باباً في الجنَّة وألبسوه من الجنَّة. قال: فيأتيه من رَوحِها وطِيبها، ويُفسَح له فيها
مَدَّ بَصَره))، زاد ابن حِبَّان (٣١١٣) من وجه آخر عن أبي هريرة: «فيزداد غِبطةً وسُروراً،
فيُعاد الجسدُ(٢) إلى ما بَدَأ منه وتُجُعَل روحه في نَسَم طائر يَعلُق في شجر الجنَّة)).
قوله: ((وأمَّا المنافق والكافر)) كذا في هذه الطَّريق بواو العطف، وتقدَّم في ((باب خَفْق
النِّعال)) (١٣٣٨): ((وأمَّا الكافر، أو المنافق)) بالشَّكّ، وفي رواية أبي داود (٤٧٥١): «وأنَّ
(١) الذي أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣).
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: الجلد، والتصويب من (ع) و((صحيح ابن حبان)).

٧٦٢
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
الكافر إذا وُضِعَ)) وكذا لابن حِبّانَ (٣١١٣) من حديث أبي هريرة، وكذا في حديث البراء
الطّويل، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٠٠٠): ((وإن كان كافراً أو منافقاً) بالشَّكّ،
وله (٢٦٩٧٦) في حديث أسماء: ((فإن كان فاجراً أو كافراً))، وفي ((الصحيحين)(١) من
حديثها: ((وأمَّا المنافق أو المرتاب))، وفي حديث جابر عند عبد الرزاق (٦٧٤٤) وحديث
أبي هريرة عند التِّرمِذيّ (١٠٧١): ((وأمَّا المنافق))، وفي حديث عائشة عند أحمد (٢٥٠٩٠)
وأبي هريرة عند ابن ماجَهْ (٤٢٦٨): ((وأمَّا الرجل السوء»، وللطَّبَرانيّ(٢) من حديث أبي
هريرة: ((وإن كان من أهل الشَّكّ)).
فاختَلَفَت هذه الروايات لفظاً وهي مُجُتَمِعة على أنَّ كلَّ من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه
تَعَقُّب على مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤال إنَّما يقع على مَن يَدَّعي الإيمان إن مُحقّاً وإن مُبطِلاً،
٢٣٩/٣ ومُستنَدهم في ذلك ما رواه/ عبد الرزاق من طريق عُبيد بن عُمَير أحد كبار التابعينَ قال:
إنَّما يُفتَن رجلان: مؤمن ومنافق، وأمَّا الكافر فلا يُسأل عن محمد ولا يَعرِفه(٣)، وهذا
موقوف. والأحاديث الناصّة على أنَّ الكافر يُسأل مرفوعة مع كَثْرة طرقها الصحيحة فهي
أَولى بالقَبُول، وجَزَمَ التِّرمِذيّ الحكيم بأنَّ الكافر يُسأل.
واختُلِفَ في الطِّفل غير المميِّز، فجَزَمَ القُرطبيّ في النَّذكِرة بأنَّه يُسأل، وهو منقول عن
الحنفيَّة، وجَزَمَ غير واحد من الشافعيَّة بأنَّه لا يُسأل، ومن ثَمَّ قالوا: لا يُستَحبّ أن يُلقَّن.
واختُلِفَ أيضاً في النبيِّ هل يُسأل، وأمَّا الملَك فلا أعرِفُ أحداً ذكره، والذي يظهر أنَّه لا
يُسأل لأنَّ السُّؤال يختصُّ بمَن شأنه أن يُفْتَن.
وقد مالَ ابن عبد البَرِّ إلى الأول، وقال: الآثار تَدُلّ على أنَّ الفتنة لمن كان منسوباً إلى
أهل القِبْلة، وأمَّ الكافر الجاحد فلا يُسأل عن دينه. وتعقّبه ابن القيِّم في كتاب ((الرُّوح))
(١) البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) (١١).
(٢) في («الأوسط)) (٤٦٢٩).
(٣) هو عند عبد الرزاق برقم (٦٧٥٧) عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن عمر، فذكره، ثم روی بعده
(٦٧٥٨) عن ابن جريج عن عبيد بن عمير في سؤال القبر لفظاً آخر.

٧٦٣
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
كتاب الجنائز
وقال: في الكتاب والسُّنّة دليل على أنَّ السُّؤال للكافرِ والمسلم، قال الله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّانِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾
[إبراهيم: ٢٧]، وفي حديث أنس في البخاري: ((وأمَّا المنافق والكافر)) بواو العطف، وفي
حديث أبي سعيد(١): ((فإن كان مُؤمِناً)) فذكره وفيه: ((وإن كان كافراً))، وفي حديث البراء:
((وإنَّ الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا)) فذكره وفيه: ((فيأتيه مُنكَر ونَكِير)) الحديث،
أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) هكذا(٢)، قال: وأمَّا قول أبي عمر: فأمَّا الكافر الجاحد فليس ممَّن
يُسأل عن دينه، فجوابه أنَّه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدّلالة على أنَّ الكافر يُسأل
عن دينه، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]،
وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] لكن للنافي أن يقول: إنَّ هذا السُّؤال
يكون يوم القيامة.
قوله: ((فيقول: لا أدري)) في رواية أبي داود (٤٧٥١) المذكورة: ((وإنَّ الكافر إذا وُضِعَ
في قبره أتاه ملك فينتهِره فیقول له: ما كنت تعبد»، وفي أکثر الأحاديث: «فيقولان له: ما
كنت تقول في هذا الرجل))، وفي حديث البراء: «فيقولان له: مَن رَبّك؟ فيقول: هاه هاه لا
أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي
بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري)) وهو أتمّ الأحاديث سياقاً.
قوله: ((كنت أقول ما يقول الناس)) في حديث أسماء: «سمعت الناس يقولونَ شيئاً
فقلته))(٣) وكذا في أكثر الأحاديث.
قوله: ((لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ)) كذا في أكثر الروايات بمُثنَّةٍ مفتوحة بعدها لام مفتوحة
وتحتائيَّة ساكنة، قال ثَعلَب: قوله: ((تَلَيت)) أصلُه: تَلَوت، أي: لا فهمتَ ولا قرأتَ القرآن،
والمعنى: لا دَرَيت ولا اتَّبَعتَ مَن يدري، وإنَّما قاله بالياء لمؤاخاةٍ دَرَيتَ. وقال ابن
(١) عند أحمد (١١٠٠٠).
(٢) لكن لم يسمِّ الملكين، بل فيه: ((فیأتیه ملكان فيجلسانه)).
(٣) سلف عند البخاري برقم (٨٦).

٧٦٤
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
السِّكّيت: قوله: ((تَلَيت)) إتباعٌ ولا معنى لها، وقيل: صوابه: ولا ائتَلَیت، بزيادة همزتَينِ قبل
المثنَّاة بوزن: افتَعَلْت، من قولهم: ما أَلَوْتُ، أي: ما استطعت، حُكيَ ذلك عن الأصمَعِيّ،
وبه جَزَمَ الخطَّبِيّ، وقال الفَرّاء: أي: قَضَّرت، كأنَّه قيل له: لا دَرَيتَ ولا قَصَّرتَ في طلب
الدِّراية ثمَّ أنت لا تدري. وقال الأزهَريّ: الأَلْوُ يكون بمعنى الجهد وبمعنى التقصير
وبمعنى الاستطاعة.
وحكى ابن قُتَيبة عن يونس بن حبيب: أنَّ صواب الرواية: ((لا دَرَيت ولا أتْلَيتَ))
بزيادة ألف وتسكين المثنَّة، كأنَّه يدعو عليه بأن لا يكون له مَن يتَّبعه، وهو من الإثْلاء،
يقال: ما أَتْلَتْ إبلُه، أي: لم تَلِدْ أولاداً يَتَبَعونها. وقال: قول الأصمَعيّ أشبه بالمعنى، أي: لا
دَرَيتَ ولا استَطَعت أن تدري. ووقع عند أحمد (١١٠٠٠) من حديث أبي سعيد: ((لا
دَرَيتَ ولا اهتَدَيتَ))، وفي مُرسَل عُبيد بن عُمَير عند عبد الرزاق (٦٧٥٨): ((لا دَرَيت ولا
أفلحت)).
قوله: ((بمَطارِقَ من حديد ضَرْبة)) تقدَّم في ((باب خفق النِّعال)) (١٣٣٨) بلفظ:
(بمِطَرَقةٍ)) على الإفراد، وكذا هو في مُعظَم الأحاديث، قال الكِرْمانيّ: الجمع مُؤذِن بأنَّ كلّ
جزء من أجزاء تلك المِطِرَقة مِطَرَقة برأسِها مُبالَغة. انتهى، وفي حديث البراء(١): ((لو ضُرِبَ
٢٤٠/٣ بها جبل لصارَ تراباً))، وفي حديث أسماء(٢):/ ((ويُسلَّط عليه دابَّة في قبره معها سَوط ثَمَرَته
جَمْرة مثل غَرْب البعير تضربه ما شاءَ الله، صَمّاءُ لا تسمع صوتَه فترحمه))، وزاد في
أحاديث أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة (٣) التي أشرنا إليها: ((ثمَّ يُفتح له باب إلى الجنَّة فيقال
له: هذا منزلك لو آمنت بربِّك، فأمَّا إذ كَفَرت فإنَّ الله أبدَلك هذا، ويُفتَح له باب إلى
النار))، زاد في حديث أبي هريرة: «فيزداد حسرةً وتُبُوراً، ويَضِيق عليه قبره حتَّى تختلفَ
(١) عند أبي داود (٤٧٥٣).
(٢) عند أحمد في «مسنده» (٢٦٩٧٦).
(٣) حديث أبي سعيد عن أحمد (١١٠٠٠)، وحديث أبي هريرة عند ابن حبان (٣١١٣)، وحديث عائشة عند
أحمد (٢٥٠٩٠).

٧٦٥
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
كتاب الجنائز
أضلاعه))، في حديث البراء (١): ((فينادي منادٍ من السماء: أفرِشُوه من النار، وألبسوه من
النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها».
قوله: ((مَن يليه)) قال المهلَّب: المراد الملائكة الذين يَلُونَ فتنته. كذا قال، ولا وجه
لتخصيصِه بالملائكة، فقد ثَبَتَ أنَّ البهائم تسمعه، وفي حديث البراء: (يسمعه مَن بين
المشرق والمغرب))، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٠٠٠): ((يسمعه خلقُ الله كلّهم غير
الثَّقَلَين))، وهذا يدخل فيه الحيوان والجماد، لكن يُمكِن أن يُخَصَّ منه الجماد، ويؤيِّده أنَّ في
حديث أبي هريرة عند البَزّار (٩٧٦٠): ((يسمعه كلّ دابَّة إلَّ الثَّقْلَين)) والمراد بالثَّقَلَين:
الإنس والجِنّ، قيل لهم ذلك لأنََّم كالتَّقَلِ على وجه الأرض، قال المهلَّب: الحِكْمة في أنَّ
الله يُسمِعِ الجنَّ قول الميّت: قَدِّموني، ولا يُسمِعهم صوته إذا عُذِّبَ، أنَّ كلامه قبل الدَّفن
مُتعلِّق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عُذِّبَ في القبر مُتعلِّق بأحكام الآخرة، وقد أخفَى الله على
المكلَّفينَ أحوال الآخرة إلَّا مَن شاءَ الله إبقاءً عليهم كما تقدَّم.
وقد جاء في عذاب القبر غير هذه الأحاديث: منها عن أبي هريرة وابن عبّاس وأبي
أيوب وسعد وزيد بن أرقم وأُمّ خالد في ((الصحيحين)) أو أحدهما (٢)، وعن جابر عند ابن
ماجَه(٣)، وأبي سعيد عند ابن مَرْدويه، وعمر وعبد الرحمن بن حَسَنة وعبد الله بن عَمْرو
عند أبي داود (١٥٣٩ و ٢٢)، وابن مسعود عند الطّحاويّ، وأبي بكرة وأسماء بنت يزيد عند
النَّسائيّ(٤)، وأُمّ مُبشّر عند ابن أبي شَيْبة (٣٧٤/٣ -٣٧٥)، وعن غيرهم.
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣).
(٢) أحاديث أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وأم خالد ستأتي في البابين التاليين، وأما حديث سعد - وهو
ابن أبي وقاص - فسيأتي برقم (٢٨٢٢)، وأما حديث زيد بن أرقم فهو مخرَّج عند مسلم برقم (٢٧٢٢).
(٣) بل عند مسلم (٣٠١٢)، وابن حبان (٦٥٢٤).
(٤) حديث أبي بكرة عند النسائي في ((المجتبى)) (١٣٤٧) و((الكبرى)) (١٢٧١)، وأما أسماء بنت يزيد فليس
لها عند النسائي حديث في هذه الأبواب، وإنما عنده حديث أسماء بنت أبي بكر في ((الكبرى)) برقم
(٢٢٠٠)، وهو الحديث الذي عند البخاري برقم (١٣٧٣).

٧٦٦
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وفي أحاديث الباب من الفوائد: إثبات عذاب القبر، وأنَّه واقع على الكفَّار ومَن شاءَ الله
من الموحِّدين، والمساءَلة، وهل هي واقعة على كلّ واحد؟ تقدَّم تقرير ذلك، وهل تَخْتَصّ
بهذه الأُمّة أم وقعت على الأُمَم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول، وبه جَزَمَ الحكيم الثِّرمِذيّ
وقال: كانت الأُمَم قبل هذه الأُمّة تأتيهم الرّسُل فإن أطاعوا فذاك، وإن أبَوْا اعتَزَلوهم
وُوجِلوا بالعذاب، فلمَّا أرسَلَ الله محمداً رحمة للعالمينَ أمسَك عنهم العذاب، وقَبِلَ
الإسلام ممَّن أظهَرَه، سواء أسَرَّ الكفر أو لا، فلمَّا ماتوا قَيَّضَ الله لهم فتّانَي القبر ليَستَخرِج
سِرَّهم بالسُّؤال، وليَميزَ اللهُ الخبيث من الطيِّب، ويُئِّت الله الذين آمنوا ويُضِلَّ الله الظالمينَ.
انتهى، ويؤيِّده حديث زيد بن ثابت مرفوعاً: ((إنَّ هذه الأُمّة تُبتَلى في قبورها)) الحديث،
أخرجه مسلم (٢٨٦٧)، ومثله عند أحمد (١١٠٠٠) عن أبي سعيد في أثناء حديث، ويؤيِّده
أيضاً قول الملكين: ((ما تقول في هذا الرجل محمد))، وحديث عائشة عند أحمد (٢٥٠٩٠)
أيضاً بلفظ: ((وأمَّا فتنة القبر فبي تُفتَنُونَ وعنِّي تُسألُونَ)).
وجَنَحَ ابن القيِّم إلى الثاني وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمَّن تقدَّم من
الأُمَم، وإنَّما أخبر النبيّ وَلّهِ أُمَّته بكيفيَّة امتحانهم في القبور، لا أنَّه نَفَى ذلك عن غيرهم،
قال: والذي يظهر أنَّ كلّ نبيٍّ مع أُمَّته كذلك، فتُعذَّب كُفّارهم في قبورهم بعد سؤالهم
وإقامة الحُجّة عليهم كما يُعذَّبونَ في الآخرة بعد السُّؤال وإقامة الحُجّة. وحكى في مسألة
الأطفال احتمالاً، والظاهر أنَّ ذلك لا يمتنع في حقّ المميِّز دون غيره.
وفيه ذُّ التقليد في الاعتقادات لمعاقبة مَن قال: كنت أسمع الناس يقولونَ شيئاً فقلته،
وفيه أنَّ الميّت يحيا في قبره للمسألة خلافاً لمن رَدَّه واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ
وَأَحْيَكْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ الآية [غافر: ١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره لَلَزِمَ أن يحيا ثلاث مرَّات
ويموت ثلاثاً، وهو خلاف النصِّ، والجواب بأنَّ المراد بالحياةِ في القبر للمسألة ليست
٢٤١/٣ الحياةَ المستقرَّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الرُّوح بالبَدَن وتدبيره وتصرُّفه/ وتحتاج إلى
ما يحتاج إليه الأحياءُ، بل هي مجرَّد إعادةٍ لفائدة الامتحان الذي وَرَدَت به الأحاديث

٧٦٧
باب ٨٧ / ح ١٣٧٥ -١٣٧٧
كتاب الجنائز
الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حَيِيَ خلق لكثيرٍ من الأنبياء لمساءلتِهم لهم عن أشياءَ
ثمّ عادوا موتی.
وفي حديث عائشة جوازُ التحديث عن أهل الكتاب بما وافق الحقَّ.
٨٧ - باب التعوُّذ من عذاب القبر
١٣٧٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حذَّثنا شُعْبَةُ، قال: حدَّثَنِي عَوْنُ بنُ أبي
جُحَيفَةَ، عن أبيه، عن البراء بنِ عازِبٍ، عن أبي أيوبَ رضي الله عنهم قال: خرج النبيُّ وَيه
وقد وَجَبَتِ الشمسُ فسَمِعَ صوتاً، فقال: ((يهودُ تُعذّبُ في قبورِها».
وقال النَّصْرُ: أخبرنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عَوْنٌ، سمعتُ أبي، سمعتُ البَراءَ، عن أبي أيوبَ رضي الله
عنهما، عن النبيِّ ێ.
١٣٧٦- حدَّثنا مُعلّى، حذَّثنا وُهَيبٌ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، قال: حذَّثتني ابنةُ خالِدِ بنِ
سعيدِ بنِ العاص: أنَّها سمعت النبيَّ ◌َِّ وهو يَتعوَّذُ من عذابِ القيرِ.
[طرفه في: ٦٣٦٤]
١٣٧٧ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي
هريرةَ ﴾، قال: كانَ رسول اللهِ لهِ يَدْعُو: ((اللهمَّ إِنِّ أعُوذُ بكَ من عذابِ القيرِ، ومِن عذابِ
النارِ، ومِن فِتْنِةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِن فِتْنِةِ المسيحِ الدَّجَّال)).
قوله: ((باب التعوُّذ من عذاب القبر)) قال الزَّين بن المنيِّر: أحاديث هذا الباب تَدخُل في
الباب الذي قبله، وإنَّما أفرَدَها عنها، لأنَّ الباب الأول معقود لُبُوتِهِ رَدّاً على مَن أنكَرَه.
والثاني لبيان ما ينبغي اعتماده في مُدّة الحياة من التوسُّل إلى الله بالنَّجاةِ منه والابتهال إليه في
الصّرف عنه.
قوله: ((أخبَرنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطَّان.
قوله: ((عن أبي أيوب)) هو الأنصاريّ. وفي هذا الإسناد ثلاثة من الصحابة في نَسَق،
أولهم أبو جُحَيفة.

٧٦٨
باب ٨٧ / ح ١٣٧٥ - ١٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وَجَبَت الشمس)) أي: سَقَطَت، والمراد: غُروبها.
قوله: ((فسَمِعَ صوتا)) قيل: يحتمل أن يكون سمع صوت ملائكة العذاب، أو صوت
اليهود المعذَّبين، أو صوت وقع العذاب. قلت: وقد وقع عند الطَّبَرانيّ (٣٨٥٧) من طريق
عبد الجبّار بن العبّاس عن عَوْن بهذا السَّند مُفسَّراً ولفظه: خرجتُ مع النبيّ وَّ حين
غَرَبَت الشمس ومعي كوز من ماء، فانطلق لحاجته حتَّى جاء فوَضَّأته فقال: ((أتسمعُ ما
أسمع؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((أسمَعُ أصوات اليهود يُعذَّبونَ في قبورهم)).
قوله: ((يهودُ تُعَذَّبُ في قبورها)) هو خبر مُبتَدَأ، أي: هذه يهود، أو هو مُبتَدَأ خبره محذوف.
قال الجَوْهريّ: اليهود قبيلة والأصل: اليهوديّونَ، فخُذِفَت ياء الإضافة مثل: زَنْج
وزَنجيّ، ثمَّ عُرِّفَ على هذا الحدِّ فجُمعَ على قياس شَعير وشَعيرة، ثمَّ عُرِّفَ الجمع بالألف
واللَّام ولولا ذلك لم يَجُزُ دخول الألف واللَّام لأنَّه معرفة مؤنَّث فجَرَى مَجَرَى القبيلة.
وهو غير مُنصَرِف للعَلَميَّةِ والتأنيث، وهو موافق لقوله فيما تقدَّم من حديث عائشة: ((إنّما
تُعَذَّب اليهود))، وإذا ثَبَتَ أنَّ اليهود تُعذَّب بيهوديَّتهم، ثَبَتَ تعذيب غيرهم من المشركينَ
لأنَّ كفرهم بالشّركِ أشدّ من كفر اليهود.
قوله: (وقال النَّضْر ... )» إلى آخره، ساق هذه الطّريق لتصريح عَوْن فيها بسماعه له من
أبيه وسماع أبيه له من البَراء، وقد وَصَلَها الإسماعيليّ من طريق أحمد بن منصور عن النّصر
ولم يَسُق المتن، وساقه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن النَّضر بلفظ: فقال: «هذه يهود
تُعذَّب في قبورها)).
٢٤٢/٣
قال ابن رُشَيد: لم يَجِرِ للتعوُّذِ من عذاب القبر في هذا الحديث ذِكْر، فلهذا قال بعض
الشارحين: إنَّه من بقيّة الباب الذي قبله، وإنَّما أدخلَه في هذا الباب بعض مَن نَسَخَ
الكتاب ولم يُميِّز، قال: ويحتمل أن يكون المصنّف أراد أن يُعلِم بأنَّ حديث أمّ خالد ثاني
أحاديث هذا الباب محمول على أنَّه ◌ِ ◌ّ تَعوَّذَ من عذاب القبر حين سمع أصوات يهود، لمَا
عُلِمَ من حاله أنَّه کان یتعوَّذ ویأمر بالتعوُّذِ مع عدم سماع العذاب فکیف مع سماعه. قال:

٧٦٩
باب ٨٨ / ح ١٣٧٨
كتاب الجنائز
وهذا جارٍ على ما عُرِفَ من عادة المصنّف في الإغماض.
وقال الكِرْمانيُّ: العادة قاضية بأنَّ كلَّ مَن سمع مثل ذلك الصَّوت يَتعوَّذ من مثله.
قوله: ((حدَّثْنا مُعلَّى)) هو ابن أسَد، وبنت خالد: اسمها أَمَةُ وتُكنَى أَمَّ خالد، وقد أورَدَه
المصنِّف في الدَّعَوات (٦٣٦٤) من وجه آخر عن موسى بن عُقْبة: سمعت أمّ خالد بنت
خالد ولم أسمَع أحداً سمع من النبيّ بَّ غيرها؛ فذكره. ووقع في الطَّرانيّ (٢٤٣/٢٥) من
وجه آخر عن موسى بلفظ: ((استَجِيروا بالله من عذاب القبر، فإنَّ عذاب القبر حقٌّ)).
قوله: ((كانَ رسول الله وَّ يدعو)) زاد الكُشْمِيهنيّ: ((ويقول)). وقد تقدَّم الكلام على
فوائد هذا الحديث في آخر صفة الصلاة قُبَيل كتاب الجمعة (٨٣٢).
٨٨- باب عذاب القبر من الغِيبة والبول
١٣٧٨ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، قال ابنُ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَرَّ النبيُّ وََّ على قبرَينِ، فقال: ((إنَّمَا لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ)) ثمّ
قال: ((بَلَى، أمَّا أحدُهما فكانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمةِ، وأمَّا أحدُهما فكانَ لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِه)) قال: ثمَّ
أخذَ عُوداً رَطْباً فَكَسَرَه باثنتَيْنِ، ثمَّ غَرَزَ كلَّ واحدٍ منهما على قبرِ، ثمّ قال: ((لَعَلَّه ◌ُنَّفُ عنهما ما
لم يَيبَسا)).
قوله: ((باب عذاب القبر من الغيبة والبَوْل)) قال الزّين بن المنيِر: المراد بتخصيص هذين
الأمرين بالذِّكر تعظيمُ أمرهما، لا نفي الحُكْم عمَّا عَدَاهما، فعلى هذا لا يَلزَم من ذِكْرهما حصر
عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذِكْرهما أنَّهما أمكنُ في ذلك من غيرهما،
وقد روى أصحاب ((السُّنَن)) من حديث أبي هريرة: ((استَنِزِهوا من البول، فإنَّ عامَّة عذاب
القبر منه))(١).
ثُمَّ أورد المصنِّف حديثَ ابن عبّاس في قصَّة القبرَين، وليس فيه للغيبة ذِكْر، وإنَّما وَرَدَ
(١) أخرجه بهذا اللفظ الدار قطني (٤٦٤)، وأخرجه بمعناه ابن ماجه (٣٤٨)، ولم يشاركه أحد من أصحاب
((السنن))، وانظر تتمة تخريجه في ((المسند) (٨٣٣١).

٧٧٠
باب ٨٩ / ح ١٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
بلفظ النَّميمة، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوقَى في الطَّهارة (٢١٦).
وقيل: مراد المصنّف أنَّ الغيبة تُلازم النَّميمة، لأنَّ النَّميمة مُشتَمِلة على ضربين: نقل
کلام المغتاب إلى الذي اغتابه، والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده.
قال ابن رُشَيد: لكن لا يَلزَم من الوعيد على النَّميمة ثبوتُه على الغِيبة وحدها، لأنَّ
مَفسَدة النَّميمة أعظم، وإذا لم تُساوِها لم يَصِحّ الإلحاق، إذ لا يَلزَم من التعذيب على الأشدّ
التعذيبُ على الأخفّ، لكن يجوز أن يكون وَرَدَ على معنى التوقَّع والحَذَر، فیکون قصد
التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب. انتهى، وقد وقع في بعض طرق هذا
الحديث بلفظ الغيبة كما بيَّنّاه في الطَّهارة، فالظاهر أنَّ البخاري جَرَى على عادته في الإشارة
إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث، والله أعلم.
٨٩ - باب الميِّت يعرض عليه مقعده بالغَدَاة والعَشِيّ
٢٤٣/٣
١٣٧٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((إنَّ أحدكم إذا ماتَ عُرِضَ عليه مَفْعَدُه بالغَداةِ والعَشِّ، إن
كانَ من أهلِ الجنَّةِ، فمِن أهلِ الجنَّةِ، وإن كانَ من أهلِ النَّارِ، فمن أهلِ النَّارِ، فيقال: هذا
مَفْعَدُكَ حتَّى يبعثَكَ الله يومَ القيامة)).
[طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥]
قوله: ((باب الميّت يُعرَض عليه مَقعَدُه بالغَداةِ والعَشِيّ)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر: ((إنَّ
أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقعَده بالغَداةِ والعَشِيّ))، قال ابن التِّين: يحتمل أن يريد بالغَداةِ
والعَشِيّ غداةً واحدة وعَشيَّةً واحدة يكون العرض فيها، ومعنى قوله: ((حتَّى يَبعَثك الله)»
أي: لا تَصِلُ إليه إلى يوم البعث، ويحتمل أن يريد كلّ غداة وكلّ عَشِيّ، وهو محمول على أنَّه
يحيا منه جزء ليُدرِك ذلك، فغير مُمتنِعِ أن تُعاد الحياة إلى جزء من الميِّت أو أجزاء وتَصِحُ
مُخاطَبته والعَرْض عليه. انتهى، والأول موافق للأحاديث المتقدِّمة قبل بابينٍ في سياق
المساءَلة وعرض المقعَدَينِ على كلِّ أحد.

٧٧١
باب ٨٩ / ح ١٣٧٩
كتاب الجنائز
وقال القُرطبيّ: يجوز أن يكون هذا العرض على الرُّوح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع
جزء من البَدَن. قال: والمراد بالغَداةِ والعَشِيّ وقتُهما، وإلَّا فالموتى لا صباحَ عندهم ولا
مساءً. قال: وهذا في حقِّ المؤمن والكافر واضح، فأمَّا المؤمن المخلِّط فمُحتَمل في حقّه
أيضاً، لأنَّه يدخل الجنَّة في الجملة، ثمَّ هو مخصوص بغير الشُّهَداء لأنَّهم أحياء وأرواحهم
تَسرَح في الجنَّة، ويحتمل أن يقال: إنَّ فائدة العرض في حقِّهم تبشير أرواحهم باستقرارها
في الجنَّة مُقتِنة بأجسادها، فإنَّ فيه قَدْراً زائداً على ما هي فيه الآن.
قوله: ((إن كانَ من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة)) اَّحَدَ فيه الشَّرط والجزاء لفظاً ولا بدَّ فيه
من تقدير، قال التُّورِبِشْتيُّ: التقدير: إن كان من أهل الجنَّة فمَقعَده من مقاعد أهل الجنَّة
يُعرَض عليه. وقال الطِّييُّ: الشَّرط والجزاء إذا اتَّحَدا لفظاً دلَّ على الفخامة، والمراد أنَّه
يرى بعد البعث من كرامة الله ما يُنسِيه هذا المقعد. انتهى، ووقع عند مسلم (٦٦/٢٨٦٦)
بلفظ: ((إن كان من أهل الجنَّة فالجنَّة)) أي: فالمعروض الجنَّة.
وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر، وأنَّ الرّوح لا تفنى بفناء الجسد، لأنَّ العَرْض لا
يقع إلّا على حيّ. وقال ابن عبد البَرّ: استُدلَّ به على أنَّ الأرواح على أفنية القبور، قال:
والمعنى عندي أنَّها قد تكون على أفنية قبورها لا أنَّها لا تُفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك:
إِنَّه بَلَغَه أنَّ الأرواح تَسرَحُ حيثُ شاءَت(١).
قوله: «حتّی یبعثك الله يوم القيامة)) في رواية مسلم (٦٥/٢٨٦٦) عن یحیی بن یحیی عن
(١) ما قاله ابن عبد البر ومالك في الأرواح ضعيفٌ مخالفٌ لظاهر القرآن الكريم، وقد دلّ ظاهر القرآن على
أن الأرواح ممسكة عند الله سبحانه، وينالها من العذاب والنعيم ما شاء الله من ذلك، ولا مانع من عرض
العذاب والنعيم عليها وإحساس البدن أو ما بقي منه بما شاء الله من ذلك كما هو قول أهل السنة،
والدليل المشار إليه قوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾. وقد دلّت الأحاديث على إعادتها إلى الجسد بعد الدفن عند
السؤال، ولا مانع من إعادتها إليه فيما يشاء الله من الأوقات كوقت السلام عليه. وثبت في الحديث
الصحيح أن أرواح المؤمنين في شكل طيور تعلق من شجر الجنة، وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر
تسرح في الجنة حيث شاءت ... الحديث، والله أعلم. (س).

٧٧٢
باب ٩٠-٩١ / ح ١٣٨٠ -١٣٨١
فتح الباري بشرح البخاري
مالك: ((حتَّى يَبعَثك الله إليه يوم القيامة))، وحكى ابن عبد البَرِّ فيه الاختلاف بين
أصحاب مالك، وأنَّ الأكثر رَوَوه كرواية البخاري وأنَّ ابن القاسم رواه کرواية مسلم،
قال: والمعنى حتَّى يَبعَثك الله إلى ذلك المقعَد، ويحتمل أن يعود الضَّمير إلى الله، فإلى الله
٢٤٤/٣ تُرجَع الأُمور، والأول أظهَر. انتهى، / ويؤيِّده رواية الزُّهْريّ عن سالم عن أبيه بلفظ: «ثمَّ
يقال: هذا مَقعَدك الذي تُبعَث إليه يوم القيامة)) أخرجه مسلم (٦٦/٢٨٦٦)، وقد أخرج
النَّسائيُّ (٢٠٧٢) رواية ابن القاسم لكن لفظه كلفظ البخاريّ.
٩٠ - باب كلام الميِّت على الجنازة
١٣٨٠ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبيه، أنَّه سَمِعَ أبا سعيدٍ
الخُذْريَّ ﴾ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا وُضِعَتِ الجِنازةُ فاحتَمَلها الرِّجالُ على أعناقهم،
فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُونِي قَدِّمُوني، وإن كانت غيرَ صالحةٍ قالت: يا ويلها! أينَ يذهبونَ
بها! يَسمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصَعِقَ)).
قوله: ((باب کلام الميّت على الجنازة)) أي: بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد
تقدَّم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثينَ باباً (١٣١٤)، وترجم له: ((قول الميِّت وهو على
الجنازة: قَدِّموني)). قال ابن رُشَيد: الحِكْمة في هذا التكرير أنَّ الترجمة الأولى مناسبة للترجمة
التي قبلها وهي ((باب السُّرعة بالجنازة)) لاشتمال الحديث على بيان مُوجِب الإسراع،
وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها، كأنَّه أراد أن يُبيِّن أنَّ ابتداء العرض إنَّما يكون عند
حمل الجنازة، لأنَّها حينئذٍ يظهر لها ما تؤول إليه فتقول ما تقول.
٩١ - باب ما قيل في أولاد المسلمين
وقال أبو هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َّهَ: «مَن ماتَ له ثلاثةٌ مِن الولدِ لم يَبلُغُوا الِحِنْثَ، كانَ له
حِجاباً مِن النارِ)) أو ((دخل الجنَّةَ)).
١٣٨١ - حدَّثْنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صهيبٍ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: «ما مِن الناسِ مسلمٌ يموتُ له ثلاثةٌ مِن الولدِ لم

٧٧٣
باب ٩١ / ح ١٣٨١ - ١٣٨٢
كتاب الجنائز
يَبلُغُوا الِحِنْثَ، إلا أدخَلَه الله الجنَّةَ بِفَضْلٍ رحمته إِيَّاهم)).
١٣٨٢ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ، أَنَّ سَمِعَ البَراءَ رضي الله
عنه، قال: لمَّا تُوفِّيَ إبراهيمُ عليه السلام قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّة)).
[طرفاه في: ٣٢٥٥، ٦١٩٥]
قوله: ((باب ما قيلَ في أولاد المسلمينَ)) أي: غير البالغين.
قال الزَّين بن المنيِر: تقدَّم في أوائل الجنائز ترجمة ((مَن مات له ولد فاحتَسَبَ)) وفيها
الحديث المصَدَّر به (١٢٥٠)، وإنَّما ترجم بهذه لمعرفة مَآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أنَّ
مَن يكون سبباً في حَجْب النار عن أبويه أولى بأن يُحِجَب هو، لأنَّه أصل الرَّحمة وسببها.
وقال النَّوَويّ: أجمع مَن يُعتَدّ به من علماء المسلمين على أنَّ مَن مات من أطفال
المسلمين فهو من أهل الجنَّة، وتوقّف فيه بعضهم لحديث عائشة؛ يعني الذي أخرجه مسلم
(٢٦٦٢/ ٣١) بلفظ: تُوقِّيَ صبيّ من الأنصار فقلت: طُوبَى له لم يعمل سوءاً ولم يُدرِكه،
فقال النبيّ وَّهِ: ((أوغير ذلك يا عائشة، إنَّ الله خَلَقَ للجَنَّة أهلاً)) الحديث، قال: والجواب
عنه: أنَّه لعلَّه نَهاها عن المسارعة إلى القَطْع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أنَّ
أطفال المسلمين في الجنَّة. انتهى، وقال القُرطبيّ: نَفَى بعضهم / الخلاف في ذلك. وكأنَّه ٢٤٥/٣
عَنَى ابن أبي زيد فإنَّه أطلقَ الإجماع في ذلك، ولعلَّه أراد إجماع مَن يُعتَدّ به، وقال المازَرِيّ:
الخلاف في غير أولاد الأنبياء. انتهى.
ولعلَّ البخاري أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرق حديث أبي هريرة الذي بَدَأ به كما
سيأتي، فإنَّ فيه التصريح بإدخال الأولاد الجنَّة مع آبائهم، وروى عبد الله بن أحمد في زيادات
((المسند)) (١١٣١) عن عليّ مرفوعاً: ((إنَّ المسلمين وأولادهم في الجنَّة، وإنَّ المشركينَ
وأولادهم في النار)) ثمَّ قرأ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَنْهُمْ ذُرِّيَّفُهُم﴾ الآية [الطور: ٢١](١)، وهذا أصحُّ
ما وَرَدَ في تفسير هذه الآية، وبه جَزَمَ ابن عبّاس.
(١) وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته، واستنكره الذهبي في ترجمة محمد بن عثمان من ((ميزان الاعتدال))
٣/ ٦٤٢.

٧٧٤
باب ٩١ / ح ١٣٨١ - ١٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال أبو هريرة ... )) إلى آخره، لم أرَه موصولاً من حديثه على هذا الوجه، نعم
عند أحمد (١٠٦٢٢) من طريق عَوْف(١). عن محمد بن سِيرِينَ عن أبي هريرة بلفظ: ((ما من
مسلمَينٍ يموت لهما ثلاثة من الولد لم يَبلُغوا الحِنثَ، إلَّا أدخلهما الله وإِيَّهم بفَضلِ رحمته
الجنَّة))، ولمسلم (٢٦٣٢/ ١٥١) من طريق سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يموت
لإحداكُنَّ ثلاثة من الولد فتحتَسِب إلَّا دَخَلَت الجنَّة)) الحديث، وله (٢٦٣٦) من طريق أبي
زُرْعة عن أبي هريرة: أنَّ النبيّ وَّهِ قال لامرأةٍ: ((دَفَنتِ ثلاثة؟)) قالت: نعم، قال: ((لقد
احتَظَرتِ بحِظارٍ شديد من النار))، وفي ((صحيح أبي عَوَانة)) من طريق عاصم عن أنس:
مات ابن للزُّبَير فجَزِعَ عليه، فقال النبيُّ ◌َّ: ((مَن مات له ثلاثة من الولد لم يَبلُغوا الحِنثَ،
كانوا له حجاباً من النار))(٢).
قوله: ((كانَ له)) كذا للأكثر، أي: كان موتهم له حِجاباً، وللكُشْمِيهني: ((كانوا» أي:
الأولاد.
قوله: ((ثلاثة من الولد)) سَقَطَ قوله: ((من الولد)) من رواية أبي ذرٍّ، وكذا سَبَقَ (١٢٤٨)
من رواية عبد الوارث عن عبد العزيز في ((باب فضل مَن مات له ولد فاحتَسَبَ))، وتقدَّم
الكلام عليه مُستوفَّى هناك.
قوله: ((لمَّا تُوفَّ إبراهيم)) زاد الإسماعيليّ من طريق عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة بسنده:
ابنُ رسول الله وَ﴿، وله من طريق معاذ عن شُعْبة بسنده عن النبيِّ وَّهَ: تُوفِّيَ ابنه
إبراهيم.
قوله: ((إنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّة)). قال ابن التِّين: يقال: امرأة مُرضِع، بلا هاء مثل: حائض،
وقد أرضَعَت فهي مُرضِعة، إذا بُنيَ من الفعل، قال الله تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَنَّآ
أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] قال: ورُوِيَ ((مَرضَعاً)) بفتح الميم، أي: إرضاعاً. انتهى، وقد سَبَقَ إلى
حكاية هذا الوجه الخطّبيُّ، والأول رواية الجمهور، وفي رواية عَمْرو المذكورة: ((مُرضِعاً
(١) تحرف في (س) إلى: عون، بالنون. وعوف هذا: هو ابن أبي جميلة الأعرابي.
(٢) أخرجه أبو عوانة في البر والصلة من ((صحيحه)) كما في («إتحاف المهرة)) ٢/ ٦٤.

٧٧٥
باب ٩٢
كتاب الجنائز
تُرضِعه في الجنَّة)) وقد تقدَّم الكلام على قصَّة موت إبراهيم مُستوفَّى (١٣٠٣) في ((باب قول
النبيّ وَلّ: إنَّا بك لمحزونون))، وإيراد البخاري له في هذا الباب يُشعِر باختيار القول الصائر
إلى أنَّهم في الجنَّةَ، فكأنَّه توقَّف فيه أولاً ثمَّ جَزَمَ به.
٩٢ - باب ما قيل في أولاد المشركين
قوله: ((باب ما قيلَ في أولاد المشركينَ)) هذه الترجمة تُشعِر أيضاً بأنَّه كان مُتوقّفاً في ذلك، ٢٤٦/٣
وقد جَزَمَ بعد هذا في تفسير سورة الرّوم (٤٧٧٥) بما يدلّ على اختيار القول الصائر إلى
أَّهم في الجنَّة كما سيأتي تحريره، وقد رَتَّبَ أيضاً أحاديث هذا الباب ترتيباً يشير إلى المذهب
المختار، فإنَّه صَدَّرَه بالحديث الدالّ على التوقُّف، ثمَّ ثَنَّى بالحديث المرجِّح لكونهم في
الجنَّة، ثمَّ ثَلَّثَ بالحديث المصرِّح بذلك، فإنَّ قوله في سياقه: ((وأمَّا الصِّبيان حوله فأولاد
الناس)) قد أخرجه في التعبير (٧٠٤٧) بلفظ: ((وأمَّا الولدان الذين حوله فكلُّ مولود مات
على الفِطْرة)) فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: ((وأولاد المشركينَ)). ويؤيِّده
ما رواه أبو يعلى (٣٥٧٠) من حديث أنس مرفوعاً: «سألت رَبِّي اللَّهينَ من ذُرِّيَّة البَشَر
أن لا يُعذِّبهم فأعطانيهم)) إسناده حسن(١)، ووَرَدَ تفسير اللَّاهينَ بأَّهم الأطفال من حديث
ابن عبّاس مرفوعاً أخرجه البَزّار(٢)، وروى أحمد (٢٠٥٨٣) من طريق خنساء بنت معاوية
ابن صُريم عن عمَّتها قالت: قلت: يا رسولَ الله، مَن في الجنَّة؟ قال: ((النبيُّ في الجنَّة،
والشَّهيد في الجنَّة، والمولود في الجنَّة))، إسناده حسن(٣).
واختَلَفَ العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة على أقوال:
(١) في تحسين إسناده تساهلٌ فيما نُرَى، ففيه فضيل بن سليمان وقد تفرد به، وفُضَيل هذا الراجح من أقوال
أهل العلم فيه أنه ضعيف يُكتب حديثه للاعتبار، فإذا تفرَّد بخبر ضُعِّف.
(٢) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢١٧٣).
(٣) وأخرجه أبو داود أيضاً (٢٥٢١)، وکل من خرَّج الحدیث جعله من رواية خنساءَ - ويقال: حسناء - عن
عمِّها، وليس عن عمتها، فما وقع عند الحافظ هنا خطأ. وخنساء هذه تفرد بالرواية عنها عوف بن أبي
جميلة.

٧٧٦
باب ٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
أحدها: أنَّهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحَّادَينِ وابن المبارَك وإسحاق، ونقله
البيهقيُّ في ((الاعتقاد))(١) عن الشافعيّ في حقّ أولاد الكفّار خاصَّة، قال ابن عبد البَرّ: وهو
مُقتَضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلّا أنَّ أصحابه صَرَّحوا
بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة وأطفال الكفَّار خاصَّة في المشيئة، والحُجّة فيه حديث: ((الله
أعلمُ بما كانوا عاملينَ)).
ثانيها: أنَّهم تَبَع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنَّة وأولاد الكفّار في النار، وحكاه ابن
خَزْم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿رَِّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ
دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقّبه بأنَّ المراد قوم نوح خاصَّة، وإنَّما دَعا بذلك لمَّا أوحى الله إليه
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأمَّا حديث: ((هم من آبائهم أو
منهم))(٢) فذاك وَرَدَ في حُكم الحَرْبِيّ، وروى أحمد من حديث عائشة: سألت رسولَ الله
وَّ عن ولدان المسلمين، قال: ((في الجنَّةَ)) وعن أولاد المشركين، قال: ((في النار)) فقلت:
يا رسولَ الله، لم يُدرِكوا الأعمال، قال: ((ربُّكِ أعلمُ بما كانوا عاملين، لو شِئتُ أسمَعتُكِ
تَضاغِيهم في النار))(٣)، وهو حديث ضعيف جدّاً، لأنَّ في إسناده أبا عَقِيل مولى بُهِيَّة،
وهو متروك.
ثالثها: أنَّهم يكونونَ في بَرزَخ بين الجنَّة والنار، لأنَّهم لم يعملوا حسناتٍ يدخلونَ بها
الجنَّة، ولا سيِّئات يدخلون بها النار.
رابعها: خَدَم أهل الجنَّة، وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه أبو داود الطَّيالسيّ
(٢١١١) وأبو يعلى (٤٠٩٠)، وللطَّبَرانيّ (٦٩٩٣) والبَزّار (٢١٧٢) من حديث سَمُرة
مرفوعاً: ((أولاد المشركينَ خَدَم أهل الجنَّة)) وإسناده ضعيف.
(١) ينظر ص ١٦٤ - ١٧٠، وفيه البحث مستوفّى.
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (٣٠١٢ -٣٠١٣) من حديث الصعب بن جثَّامة.
(٣) وقع في هذا الحديث خلطٌ من الحافظ رحمه الله بين حديثين لعائشة: الأول إلى قوله: ((الله أعلم بما كانوا
عاملين))، وهو مخرَّج عند أحمد برقم (٢٤٥٤٥) وأبي داود (٤٧١٢)، وهو صحيح، أما الشطر الثاني فهو
عند أحمد برقم (٢٥٧٤٣) من طريق أبي عَقِيل.

٧٧٧
باب ٩٢
كتاب الجنائز
خامسها: أنَّهم يصيرونَ تراباً، رُوِيَ عن ثُمامة بن أشرَس.
سادسها: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغَلَّطَه ابن تَيميَّة بأنَّه قول لبعض
أصحابه ولا يُحفَظ عن الإمام أصلاً.
سابعها: أنَّهم يُمْتَحَنونَ في الآخرة بأن تُرفَع لهم نار، فمَن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً،
ومَن أَبَى عُذِّب، أخرجه البَزّار (١) من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطََّرانيُّ (١٥٨/٢٠)
من حديث معاذ بن جَبَل. وقد صَحَّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون ومَن مات في الفَتْرة
من طرق صحيحة، وحكى البيهقيُّ في ((كتاب الاعتقاد)) أنَّه المذهب الصحيح، وتُعُقِّبَ بأنَّ
الآخرة ليست دارَ تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأُجيبَ بأنَّ ذلك بعد أن يقع الاستقرار
في الجنَّة أو النار، وأمَّا في عَرَصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿یَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وفي ((الصحيحين)): / ((أنَّ الناس يُؤْمَرونَ
بالسجود، فيصير ظهرُ المنافق طَبَقاً، فلا يستطيع أن يَسجُد))(٢).
٢٤٧/٣
ثامنها: أنَّهم في الجنَّة، وقد تقدَّم القول فيه في ((باب فضل مَن مات له ولد))(٣)، قال
النَّوَويّ: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحقُّقون، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّاً
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يُعذَّب العاقل لكَونِه لم تَبلُغه الدَّعوة،
فلأن لا يُعذَّب غير العاقل من باب الأَولى، ولحديث سَمُرة المذكور في هذا الباب (٤)،
ولحديث عمَّة خَنْساء المتقدِّم(٥)، ولحديث عائشة الآتي قريباً.
تاسعها: الوقف.
عاشرها: الإمساك. وفي الفرق بينهما دِقّة.
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢١٧٦) و(٢١٧٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٩١٩)، وأخرجه مسلم ضمن حديث طويل برقم (١٨٣).
(٣) وهو الباب رقم (٦) من كتاب الجنائز.
(٤) عند القول الرابع.
(٥) في شرح ترجمة الباب.

٧٧٨
باب ٩٢ / ح ١٣٨٣ - ١٣٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٨٣ - حدَّثنا حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْر، عن سعيدِ بنِ جُبير،
عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهم، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَِّ عن أولادِ المشركينَ، فقال: «اللهُ إذ
خَلَقَهم أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ)).
[طرفه في: ٦٥٩٧]
١٣٨٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عطاءُ بنُ يزيدَ
الليثيُّ، أَنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ ﴾، يقول: سُئِلَ النبيُّ ◌َّهُ عِن ذَراريِّ المشركين، فقال: «الله أعلَمُ
بما كانوا عاملِینَ».
[طرفاه في: ٦٥٩٨، ٦٦٠٠]
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عبّاس وأبي هريرة: ((سُئِلَ عن أولاد المشركين))، وفي رواية ابن
عبَّاس: ((ذَراريّ المشركينَ))، ولم أقف في شيء من الطّرق على تسمية هذا السائل، لكن عند
أحمد (٢٤٥٤٥) وأبي داود (٤٧١٢) عن عائشة ما يحتمل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من
طريق عبد الله بن أبي قيس عنها قالت: قلت: يا رسولَ الله، ذَراريّ المشركين؟ قال: ((مع
آبائهم)) قلت: يا رسولَ الله، بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملينَ)) الحديث. وروى
ابن عبد البرِّ(١) من طريق أبي معاذ عن الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة قالت: سألَت خديجةُ
النبيَّ ◌َّ عن أولاد المشركين، فقال: ((هم مع آبائهم)) ثمَّ سألته بعد ذلك فقال: ((الله أعلمُ
بما كانوا عاملين)» ثمَّ سألتُه بعدَما استَحكَمَ الإسلام فنزل: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقال:
((هم على الفِطْرة)) أو قال: «في الجنّة)»، وأبو معاذ: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو
صَحَّ هذا لكان قاطعا للنِّراع رافعاً لكثيرٍ من الإشكال المتقدِّم.
قوله: ((الله أعلَمُ)) قال ابن قُتَيبة: معنى قوله: ((بما كانوا عاملينَ)) أي: لو أبقاهم، فلا
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: عبد الرزاق، والمثبت من (أ) وهو الصواب، فقد أخرج ابن عبد البر الحديث
من هذا الطريق في كتابه ((التمهيد)» ١٨ /١١٧.

٧٧٩
باب ٩٢ / ح ١٣٨٣ - ١٣٨٤
كتاب الجنائز
تَحكُموا عليهم بشيءٍ. وقال غيره: أي: عَلِمَ أنَّهم لا يعملونَ شيئاً ولا يَرجِعونَ فيعملونَ،
أو أخبر بعلم شيء لو وُجِدَ كيف يكون، مثل قوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولكن
لم يَرِدْ أَّهم يُجازَونَ بذلك في الآخرة، لأنَّ العبد لا يُجازَى بما لم يعمل.
تنبيه: لم يسمع ابن عباس هذا الحديث من النبي وَلّة، بيَّن ذلك أحمد (٢٠٦٩٧ و٢٣٤٨٤)
من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم،
حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي وَّةٍ، فلقيتُه فحدَّثني عن النبي ◌َّ أنه
قال: ((ربهم أعلمُ بهم، هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين)) فأمسكتُ عن قولي. انتهى،
وهذا أيضاً يدفع القول الأول الذي حكيناه.
وأمَّا حديث أبي هريرة فهو طرف من ثاني أحاديث الباب كما سيأتي في القَدَر (٦٥٩٩)
من طريق همَّام عن أبي هريرة، ففي آخره: قالوا: يا رسولَ الله، أفَرأيت مَن يموت وهو
صغير؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملينَ))، وكذا أخرجه مسلم (٢٦٥٨/ ٢٣) من طريق أبي
صالح عن أبي هريرة بلفظ: فقال رجل: يا رسولَ الله، أرأيت لو مات قبل ذلكَ؟ ولأبي
داود (٤٧١٤) من طريق مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة نحو رواية همَّام،
وأخرج أبو داود عَقِبَه (٤٧١٥) عن ابن وَهْب: سمعت مالكاً وقيل له: إنَّ أهل الأهواء
يحتجُّونَ علينا بهذا الحديث؛ يعني قوله: ((فأبوَاه ◌ُهُوِّدانه أو يُنصِّرانه)، فقال مالك: احتجَّ
عليهم بآخره: ((اللهُ أعلم بما كانوا عاملينَ)). ووجه ذلك أنَّ أهل القَدَر استَدُّوا على أنَّ الله
فَطَر العباد على الإسلام، وأنَّه لا يُضِلّ أحداً وإنَّما يُضِلّ الكافرَ أبَوَاه، فأشار مالك إلى الردِّ
عليهم بقوله: ((الله أعلم))، فهو دالٌّ على أنَّه يعلم بما يصيرونَ إليه بعد إيجادهم على الفِطْرة،
فهو دليل على تقدُّم العلم الذي يُنكِرِهِ غُلاتُهم، ومن ثَمَّ قال الشافعيّ: أهل القَدَر إن أثبتوا
العلم خُصِموا.
١٣٨٥ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن
أبي هريرةَ ﴾، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبَوَاه يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو

٧٨٠
باب ٩٢ / ح ١٣٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
يُمجِّسانِهِ، كمَثَلِ البَهِيمِةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هل تَرَى فيها جَدْعاءَ؟)).
قوله: ((عن أبي سَلَمَ)) هکذا رواه ابن أبي ذِئب عن الزُّهْريّ، وتابعَه یونس کما تقدَّم قبل
أبواب (١٣٥٩) من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وأخرجه مسلم (٢٢/٢٦٥٨) من
٢٤٨/٣ طريق ابن وَهْب عن يونس،/ وخالَفَهما الزُّبَيديّ ومَعمَر، فَرَوَياه عن الزّهْريّ عن سعيد بن
المسيّب بدل أبي سَلَمة، وأخرجه الذُّهليّ في ((الزُّهْريّات)) من طريق الأوزاعيّ عن الزُّهْريّ
عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد تقدَّم أيضاً (١٣٥٨) من طريق شعيب عن
الزُّهْريّ عن أبي هريرة من غير ذِكْر واسطة. وصنيع البخاري يقتضي ترجيحَ طريق أبي
سَلَمة، وصنيع مسلم يقتضي تصحيحَ القولينِ عن الزُّهْريّ، وبذلك جَزَمَ الذُّهليّ.
قوله: ((كلُّ مولود)) أي: من بني آدم، وصَرَّحَ به جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي
هريرة بلفظ: ((كلّ بني آدم يُولَد على الفِطْرة))، وكذا رواه خالد الواسطيّ عن عبد الرحمن
ابن إسحاق عن أبي الزِّناد عن الأعرج، ذكرهما ابن عبد البَرِّ(١)، واستُشكِلَ هذا التركيب
بأنَّه يقتضى أنَّ كلَّ مولود يقع له التَّهويد وغيره ممَّا ذُكِرٍ، والفرض أنَّ بعضهم يَستَمِرّ مسلماً
ولا يقع له شيء، والجواب: أنَّ المراد من التركيب أنَّ الكفر ليس من ذات المولود ومُقْتَضى
طَبِعِه، بل إِنَّمَا حَصَلَ بسببٍ خارجيّ، فإن سَلِمَ من ذلك السبب استمرَّ على الحقّ. وهذا
يُقوِّي المذهب الصحيح في تأويل الفِطْرة كما سيأتي.
قوله: «يُولَد على الفِطْرة)» ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، وأصرح منه
رواية يونس (٢) المتقدِّمة بلفظ: ((ما من مولود إلَّا يُولَد على الفِطْرة»، ولمسلم (٢٣/٢٦٥٨)
من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((ليس من مولود يُولَد إلَّا على هذه الفِطْرة حتّى
يُعبِّ عنه لسانه))، وفي رواية له من هذا الوجه: «ما من مولود إلَّا وهو على المِلّة)).
وحكى ابن عبد البَرّ (١٨/ ٦١) عن قوم أنَّه لا يقتضى العموم، وإنَّما المراد أنَّ كلّ مَن
(١) في ((التمهيد)) ٦٤/١٨.
(٢) عند مسلم برقم (٢٦٥٨) (٢٢).