النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
باب ٥٢ / ح ١٣١٦
كتاب الجنائز
مَن وقع في الهَلَكة دعا بالوَيْل، ومعنى النِّداء: يا حُزْني. وأضافَ الوَيْل إلى ضمير الغائب
حملاً على المعنى كراهيةَ أن يُضِيف الويلَ إلى نفسه، أو كأنَّه لمَّا أبصَرَ نفسه غير صالحة نَفَرَ
عنها وجعلها كأنَّها غيره. ويؤيِّد الأول أنَّ في رواية أبي هريرة المذكورة: «قال: یا ویلَتاه،
أينَ تذهبونَ بي؟» فدَلَّ على أنَّ ذلك من تَصرُّف الرُّواة.
قوله: (لَصَعِقَ)) أي: لَغُشيَ عليه من شِدَّة ما يسمعه، وربَّما أُطلِقَ ذلك على الموت،
والضَّمير في ((يسمعه)) راجع إلى دعائه بالوَيْل، أي: يصيح بصوتٍ مُنكَر لو سمعه الإنسان
لَغُشيَ عليه، قال ابن بَزِيزةَ: هو مُتَصِّ بالميِّت الذي هو غير صالح، وأمَّا الصالح فمن شأنه
اللُّطف والرِّفق في كلامه فلا يناسب الصَّعْق من سماع كلامه. انتهى، ويحتمل أن يَحِصُل
الصَّعقُ من سماع كلام الصالح لكَونِه غير مألوف، وقد روى أبو القاسم بن مَندَه هذا
الحديث في كتاب ((الأهوال)) بلفظ: ((لو سمعه الإنسان لَصَعِقَ من المحسِن والمسيء)) فإن
كان المراد به المفعولَ، دَلَّ على وجود الصَّعْق عند سماع كلام الصالح أيضاً.
وقد استُشكِلَ هذا مع ما وَرَدَ في حديث السُّؤال في القبر: فيضربه ضربة فيَصعَق
صَعْقة يسمعه كلُّ شيء إلَّا الثَّقَلينِ (١)، والجامع بينهما الميت والصَّعق، والأول استُثنيَ فيه
الإنس فقط، والثاني استُثنيَ فيه الجنُّ والإنس.
والجواب: أنَّ كلام الميِّت بما ذُكِرَ لا يقتضي وجود الصَّعق - وهو الفَزَع - إلَّا من
الآدميّ لكونه لم يألَفْ سماع كلام الميّت، بخلاف الجِنّ في ذلك.
وأمَّا الصَّيحة التي يصيحها المضروب فإنَّها غير مألوفة للإنسِ والجنِّ جميعاً، لكونٍ سببها
عذابَ الله، ولا شيءَ أشدُّ منه على كلّ مُكلَّف، فاشتَرَك فيه الجنُّ والإنس، والله أعلم.
واستدلَّ به على أنَّ كلام الميِّت يسمعه كلُّ حيوان ناطق وغير ناطق، لكن قال ابن
بَطَّل: هو عامّ أُريدَ به الخصوص، وإنَّ المعنى: يسمعه مَن له عقلٌ كالملائكة والجنِّ
والإنس، لأنَّ المتكلِّم روحٌ وإنَّما يسمع الرُّوحِ مَن هو روح مثله. وتُعُقِّبَ بمنع الملازَمة إذ
(١) انظر ما سلف عند البخاري برقم (١٣٣٨).

٦٦٢
باب ٥٣-٥٤ / ح ١٣١٧ -١٣١٨
فتح الباري بشرح البخاري
لا ضرورة إلى التخصيص، بل لا يُستَثَنَى إلَّا الإنسان كما هو ظاهر الخبر، وإنَّما اختُصَّ
الإنسان بذلك إبقاءً عليه، وبأنَّه لا مانع من إنطاق الله الجسدَ بغير روح كما تقدَّم، والله
تعالى أعلم.
١٨٦/٣
٥٣- باب من صفَّ صفّين أو ثلاثةً على الجنازة خلف الإمام
١٣١٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن أبي عَوَانة، عن قَتَادة، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِصلَّى على النَّجَاشِيِّ، فكنتُ في الصفِّ الثاني أو الثالثِ.
[أطرافه في: ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩]
قوله: ((باب مَن صَفَّ صَفَّینٍ أو ثلاثة على الجنازة خَلْف الإمام)» أورَدَ فیه حديث جابر في
الصلاة على النَّجاشيّ، وفيه: ((كنت في الصفّ الثاني أو الثالث))، وقد اعتُرِضَ عليه بأنَّه لا
يَلْزَمُ من كونه في الصفّ الثاني أو الثالث أن يكون ذلك مُنتَهى الصُّفوف، وبأنَّه ليس في
السياق ما يدلُّ على كَونِ الصُّفوف خلف الإمام.
والجواب عن الأول: أنَّ الأصل عَدَم الزائد، وقد روى مسلم (٦٦/٩٥٢) من طريق
أيوب عن أبي الزُّبَير عن جابر قصَّة الصلاة على النَّجاشيّ فقال: ((فَقُمنا فصَفَّنا صَفَّين))
فَعُرِفَ بهذا أنَّ مَن روى عنه: ((كنت في الصفّ الثاني أو الثالث)) شكَّ هل كان هنالك
صفُّ ثالث أم لا، وبذلك تَصِحُّ الترجمة.
وعن الثاني بأنَّه أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه صريحاً كما سيأتي في هجرة الحبشة
(٣٨٧٨) من وجه آخر عن قَتَادة بهذا الإسناد بزيادة: «فصَفَّنا وراءَه))، ووقع في الباب
الذي يليه من حديث أبي هريرة بلفظ: ((فصَفُّوا خلفه))، وسنذكر بقيَّة فوائد الحديث فيه.
٥٤ - باب الصفوف على الجنازة
١٣١٨ - حدّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن
أبي هريرةَ ﴾، قال: نَعَى النبيُّ ◌َّةٍ إلى أصحابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثمَّ تَقدَّمَ فصَفُّوا خَلْفَهِ، فَكَبَّرَ أربعاً.

٦٦٣
باب ٥٤ / ح ١٣١٨
كتاب الجنائز
قوله: ((باب الصُّفوف على الجنازة)) قال الزَّين بن المنيِّر ما مُلخَّصه: أنَّه أعاد الترجمة لأنَّ
الأُولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفّين.
وقال ابن بَطَّال: أومأَ المصنّف إلى الردِّ على عطاء حيثُ ذهب إلى أنَّه لا يُشرَع فيها
تسوية الصُّفوف، يعني: كما رواه عبد الرزاق (٦٥٨٧) عن ابن جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ:
أحَقٌّ على الناس أن يُسوُّوا صفوفهم على الجنائز كما يُسوُّونَها في الصلاة؟ قال: لا، إنَّما
يُکبِرون ويستغفرون.
وأشار المصنِّف بصيغة الجمع إلى ما وَرَدَ في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو
داود (٣١٦٦) وغيره(١) من حديث مالك بن هُبَيرة مرفوعاً: ((مَن صلَّى عليه ثلاثة صفوف
فقد أوجَبَ)) / حسَّنه التِّرمِذيُّ وصحَّحه الحاكم (١/ ٣٦٢)، وفي رواية له: ((إلَّا غُفِرَ له)).
١٨٧/٣
قال الطبريُّ: ينبغي لأهل الميِّت إذا لم يَخْشَوْا عليه التغيُّر أن ينتظروا به اجتماعَ قوم يقوم
منهم ثلاثة صفوف هذا الحديث، انتھی.
وتعقَّب بعضهم الترجمة: بأنَّ أحاديث الباب ليس فيها صلاةٌ على جنازة، وإنَّما فيها
الصلاة على الغائب أو على مَن في القبر. وأُجيبَ بأنَّ الاصطِفاف إذا شُرعَ والجنازة غائبة
ففي الحاضرة أولى.
وأجاب الكِرْمانيّ بأنَّ المراد بالجنازةِ في الترجمة: المِيِّت، سواء كان مدفوناً أو غير
مدفون، فلا مُنافاةَ بین الترجمة والحديث.
قوله: ((عن سعيد)) هو ابن المسيِّب، كذا رواه أصحاب مَعمَر البصريُّونَ عنه، و کذا هو
في («مُصنَّ عبد الرزاق)) (٦٣٩٣) عن مَعمَر، وأخرجه النَّسائيّ (١٩٧٢) عن محمد بن
رافع عن عبد الرزاق فقال فيه: ((عن سعيد وأبي سَلَمةَ))(٢)، وكذا أخرجه ابن حِيَّان
(٣١٠١) من طريق يونس عن الزُّهْريّ عنهما، وكذا ذكره الدارَقُطنيُّ في ((غرائب مالك))
(١) أخرجه أيضاً أحمد (١٦٧٢٤)، وابن ماجه (١٤٩٠)، والترمذي (١٠٢٨).
(٢) وكذلك هو في ((المصنف)) (٦٣٩٣) روايةَ إسحاق الدَّبَري.

٦٦٤
باب ٥٤ / ح ١٣١٨ - ١٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق خالد بن ◌َلَد وغيره عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه ذِكْر أبي سَلَمةً
كذا هو في ((الموطَأ)) (٢٢٦/١)، وكذا أخرجه المصنّف كما تقدَّم في أوائل الجنائز (١٢٤٥)،
والمحفوظ عن الزُّهْريِّ: أنَّ نَعْي النَّجاشيّ والأمر بالاستغفار له عنده عن سعيد وأبي سَلَمةَ
جميعاً، وأمَّا قصَّة الصلاة عليه والتكبير فعنده عن سعيد وحده، كذا فصَّله عُقَيل عنه كما
سيأتي بعد خمسة أبواب (١٣٢٨)، وكذا يأتي في هجرة الحبشة (٣٨٨١) من طريق صالح بن
كَيْسانَ عنه، وذكر الدارَقُطْنيُّ في ((العِلَل)» الاختلاف فيه وقال: إنَّ الصواب ما ذكرناه.
قوله: (نَعَى النَّجَاشِيّ)) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثمَّ ياء ثقيلة
كياء النَّسَب، وقيل بالتخفيف، ورَجَّحَه الصَّغَانيّ، وهو لَقَبٌ مَن مَلَك الحبشة، وحكى
المطرِّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم وخَطَّه.
قوله: (ثُمَّ تقدَّمَ)) زاد ابن ماجَهْ (١٥٣٤) من طريق عبد الأعلى عن مَعمَر: فخرج
وأصحابُه إلى البقيع فصَفَّنا خلفه، وقد تقدَّم في أوائل الجنائز (١٢٤٥) من رواية مالك
بلفظ: فخرج بهم إلى المصلّى. والمراد بالبَقِيعِ: بقيع بَطْحان، أو يكون المراد بالمصلَّى موضعاً
مُعَدّاً للجنائز ببقيع الغَرقَد غير مُصلَّى العيدينِ، والأول أظهَر، وقد تقدَّم في العيدين
(٩٥٦) أنَّ المصلَّى كان بَبَطْحانَ، والله أعلم.
١٣١٩ - حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الشَّيبانُّ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: أخبرني مَن شَهِدَ
النبيَّ ◌َِّ: أنَّه أتى على قبرٍ منبوذٍ فصَفَّهم وكَبَّرَ أربعاً.
قلتُ: يا أبا عَمِرٍو، مَن حدَّثْكَ؟ قال: ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
١٣٢٠ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرَهم،
قال: أخبرني عطاءٌ، أَنَّه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: قال النبيُّ ◌َّ: «قد
تُوِّيَ اليومَ رجلٌ صالحٌ مِن الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فصَلُّوا عليه)) قال: فصَفَفْنا فصَلَّى النبيُّ نَّه عليه
ونحنُ صفوفٌ.
قال أبو الزُّبَير عن جابٍ: كنتُ في الصفِّ الثاني.

٦٦٥
باب ٥٤ / ح ١٣١٩ - ١٣٢٠
كتاب الجنائز
قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وحديث ابن عبّاس المذكور سيأتي الكلام عليه
بعد اثنَي عشرَ باباً (١٣٣٦).
قوله: ((قد تُوقَّ اليومَ رجل صالح من الحَبَش)) بفتح المهملة والموحَّدة بعدها معجمة،
في رواية مسلم (٦٥/٩٥٢) من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جُرَيج: («مات اليوم عبدٌ لله
صالح، أَصحَمةُ))، وللمصنِّف في هجرة الحبشة (٣٨٧٧) من طريق ابن عُيَينة عن ابن
جُرَيج: ((فقوموا فصَلُّوا على أخيكم أصحَمة))، وسيأتي ضبط هذا الاسم بعدُ في ((باب
التكبير على الجنازة)) (١٣٣٤).
قوله: ((فصَلَّى النبيّ ◌َّ) زاد المُستَمْلي في روايته: ((ونحنُ صفوف)) وبه يَصِحُّ مقصود
الترجمة. وقال الكِرْمانيُّ: يُؤْخَذ مقصودها من قوله: ((فصَفَفنا)) لأنَّ الغالب أنَّ الملازمينَ له
﴿ ﴿ كانوا كثيراً، ولا سيَّما مع أمره لهم بالخروج إلى المصلَّى.
قوله: ((قال أبو الزُّبَير عن جابر: كنت في الصفّ الثاني)) وَصَله النَّسائيُّ (١٩٧٤) من
طريق شُعْبة عن أبي الزُّبَير بلفظ: كنت في الصفّ الثاني يوم صلَّى النبيُّ ◌َله على النَّجاشيّ.
ووَهِمَ مَن نَسَبَ وصلَ هذا التعليق لرواية مسلم، فإنَّه أخرجه (٦٦/٩٥٢) من طريق
أيوب عن أبي الزُّبَير، وليس فيه مقصود التعليق.
وفي الحديث دلالة على أنَّ للصُّفوفِ على الجنازة تأثيراً ولو كان الجمع كثيراً، لأنَّ
الظاهر أنَّ الذين خرجوا معه وَّةِ إلى المصلَّى كانوا عدداً كثيراً، وكان المصلَّى فضاءً ولا
يَضِيق بهم لو صَفُّوا فيه صَفّاً واحداً، ومع ذلك فقد صَفَّهم، وهذا هو الذي فَهِمَه مالك بن
هُبَيرة الصحابيّ المقدَّم ذِكْره(١)، فكان يَصُفّ مَن يَحَضُر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف
سواءٌ قَلُّوا أو كَثُروا،/ ويبقى النَّظَر فيما إذا تَعدَّدَت الصُّفوف والعدد قليل، أو كان الصفّ ١٨٨/٣
واحداً والعدد کثیر، اُّهما أفضل؟
وفي قصَّة النَّجَاشِيّ عَلَمٌ من أعلام النُّبوّة، لأنَّ ◌َِّ أعلمَهم بموته في اليوم الذي مات
(١) في شرح ترجمة هذا الباب.

٦٦٦
باب ٥٤ / ح ١٣١٩ - ١٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
فيه، مع بُعْد ما بين أرض الحبشة والمدينة.
واستدلَّ به على منع الصلاة على الميّت في المسجد، وهو قول الحنفيَّة والمالكيَّة، لكن
قال أبو يوسف: إن أُعِدَّ مسجدٌ للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس. قال
النَّوَويّ: ولا حُجّة فيه، لأنَّ الممتَنِعِ عند الحنفيّة إدخال الميِّت المسجدَ لا مجرَّد الصلاة
عليه، حتَّى لو كان الميِّت خارج المسجد جازَت الصلاةُ علیه لمن هو داخله.
وقال ابن بَزِيزةَ وغيره: استدلَّ به بعض المالكيَّة، وهو باطل لأنَّه ليس فيه صيغة نهي،
ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلَّى لأمرٍ غير المعنى المذكور، وقد ثَبَتَ أنَّه وَِّ صلَّى
على سُهَيل ابن بيضاءَ في المسجد(١)، فكيف يُترَك هذا الصَّريح لأمرٍ مُتمَل؟ بل الظاهر أنَّه
إنَّما خرج بالمسلمين إلى المصلَى لقصدٍ تكثير الجمع الذين يُصلُّونَ عليه، ولإشاعة گونه مات
على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يَدْرِ كَوْنه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في
((التفسير)) من طريق ثابت، والدارَ قُطْنيُّ في ((الأفراد)) والبَزّار (٦٥٥٦) والنسائي في ((السنن))
(ك١١٠٢٢)(٢) من طريق حُميدٍ، كلاهما عن أنس: أنَّ النبيّ وَّهِ لمَّا صلَّى على النَّجاشِيّ قال
بعض أصحابه: صلَّى على عِلْج من الحبشة، فنزلت ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]. وله شاهد في ((معجم الطَّبَرانيّ الكبير)) (٣٦١/٢٢)
من حديث وَحْشِيّ بن حَرْب، وآخر عنده في ((الأوسط)) (٤٦٤٥) من حديث أبي سعيد
وزاد فيه: أنَّ الذي طَعَنَ بذلك فيه كان مُنافقاً.
واستدلَّ به على مشروعيَّة الصلاة على الميّت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعيُّ
وأحمد وجمهور السلف، حتَّى قال ابن حَزْم: لم يأتِ عن أحد من الصحابة منعُه.
قال الشافعيّ: الصلاة على الميّت دعاء له، وهو إذا كان مُلفَّفاً يُصلَّى عليه، فكيف لا
يُدعَى له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يُدعَى له به وهو مُلفَّف؟
(١) أخرجه مسلم برقم (٩٧٣).
(٢) تخريجه من النسائي سقط من (س) و(ع).

٦٦٧
باب ٥٤ / ح ١٣١٩ - ١٣٢٠
كتاب الجنائز
وعن الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يُشرَع ذلك، وعن بعض أهل العلم: إنَّما يجوز ذلك في اليوم
الذي يموت فيه الميِّت أو ما قَرُبَ منه، لا ما إذا طالت المدّة، حكاه ابن عبد البَرِّ.
وقال ابن حِبَّان: إنَّما يجوز ذلك لمن كان في جهة القِبْلة، فلو كان بلد المَيِّت مستدبرَ
القِبْلة مثلاً، لم يَجُزْ.
قال المحِبّ الطبريُّ: لم أرَ ذلك لغيره، وحُجَّته حُجّة الذي قبله: الجمودُ على قصَّة
النَّجاشيّ. وستأتي حكاية مُشارَكة الخطَّابي لهم في هذا الجمود.
وقد اعتَذَرَ مَن لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصَّة النَّجاشيّ بأمورٍ: منها: أنَّه كان
بأرضٍ لم يُصلِّ عليه بها أحد، فتَعَيَّنَت الصلاة عليه لذلك، ومن ثَمَّ قال الخطَّبيُّ: لا يُصلَّى
على الغائب إلَّا إذا وقع موته بأرضٍ ليس بها مَن يُصلِّ عليه. واستَحسَنَه الرُّويانيّ من
الشافعيَّة، وبه ترجم أبو داود في ((السُّنَن)): ((الصلاة على المسلم يَلِيه أهلُ الشِّرك ببلدٍ آخر)»،
وهذا مُحتمَل، إلَّا أَنَّني لم أقف في شيء من الأخبار على أنَّه لم يُصلِّ عليه في بلده أحد.
ومن ذلك قول بعضهم: كُشِفَ له وَلِّ عنه حتَّى رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة
الإمام على ميِّت رآه ولم يَرَه المأمومونَ، ولا خلاف في جوازها. قال ابن دقيق العيد: هذا
يحتاج إلى نقل، ولا يَثْبُت بالاحتمال. وتعقّبه بعض الحنفيَّة: بأنَّ الاحتمال كافٍ في مثل هذا
من جهة المانع، وكأنَّ مُستنَد قائل ذلك ما ذكره الواحديُّ (١) في ((أسبابه)) بغير إسناد عن ابن
عبَّاس قال: كُشِفَ للنبيِّ وَّهِ عن سرير النَّجاشِيّ حتَّى رآه وصَلَّى عليه، ولابن حِبَّان
(٣١٠٢) من حديث عِمْران بن حُصَين: فقام وصَفُّوا خلفه وهم لا يظنُّونَ إلَّا أنَّ جِنازتَه
بين يديه، أخرجه من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلَّب
عنه، ولأبي عَوَانة من طريق أبان وغيره عن يحيى: فصَلَّينا خلفه ونحنُ لا نرى إلَّا أنَّ
الجنازة قُدّامنا.
(١) تحرف في (س) إلى: الواقدي. وهذا الأثر مذكور عند الواحدي في ((أسباب النزول)) عند الآية (١٩٩)
من سورة آل عمران.

٦٦٨
باب ٥٤ / ح ١٣١٩ - ١٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ومن الاعتذارات أيضاً: أنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّجاشيِّ، لأنَّه لم يَتْبُت أنَّه ◌َلِّ صلَّى على مَيِّت
غائب غيره، قاله(١) المهلَّب، وكأنَّه لم يَثْبُت عنده قصَّة معاوية بن معاوية الليثيّ، وقد
ذكرت في ترجمته في الصحابة أنَّ خبره قويٌّ بالنَّظَر إلى مجموع طرقه (٢)، واستَنَدَ مَن قال
١٨٩/٣ بتخصيص النَّجاشيّ بذلك إلى ما تقدَّم من إرادة/ إشاعة أنَّه مات مسلماً، أو استئلاف
قلوب الملوك الذين أسلموا في حیاته.
قال النَّوَويّ: لو فُتِحَ باب هذا الخصوص لانسَدَّ كثير من ظواهر الشَّرع، مع أنَّه لو
كان شيء ممَّا ذكروه لتَوفَّرَت الدَّواعي على نقله.
وقال ابن العربيِّ المالكيُّ: قال المالكيَّة: ليس ذلك إلَّا لمحمدٍ، قلنا: وما عَمِلَ به محمد
تعملُ به أُمَّته، يعني: لأنَّ الأصل عَدَم الخصوصيَّة.
قالوا: طُويَت له الأرض وأُحضِرَت الجنازة بين يديه، قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لَقادرٌ، وإنَّ
نبيّنا لَأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلَّا ما رُوّيتُم، ولا تَخَتَرِعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا
تُحدِّثوا إلَّا بالثابتات ودَعُوا الضِّعاف، فإنَّهَا سبيل تَلافٍ، إلى ما ليس له تَلافٍ.
وقال الكِرْمانيُّ: قولهم: رُفِعَ الحِجاب عنه، ممنوع، ولَئِن سَلَّمنا فكان غائباً عن
الصحابة الذين صَلَّوا عليه مع النبيّ ◌ِ ﴾.
قلت: وسَبَقَ إلى ذلك الشيخ أبو حامد في ((تعليقه))، ويؤيِّده حديث مُجُمِّع بن جارية
- بالجيم والتحتائيَّة - في قصَّة الصلاة على النَّجاشيّ قال: فصَفَفنا خلفَه صَفَّنِ وما نَرَى
شيئاً، أخرجه الطََّرانيُّ (٥١٤٢)(٣)، وأصله في ابن ماجَهْ (١٥٣٦)، لكن أجاب بعض الحنفيَّة
(١) في (س): قال، بإسقاط الهاء، وهو خطأ.
(٢) كذا قال الحافظ هنا، مع أنه لم يقوِّ الخبر في ((الإصابة)) (٨٠٨٦)، وإنما نقل عن ابن عبد البر أنه قال:
أسانيد هذا الحديث ليست بالقوية. ذكر ذلك في ترجمة معاوية بن معاوية المزني، وخطًّاً من قال في نسبه:
الليثي، وقصَّته: أنه مات بالمدينة والنبيُّ وَ ه في سفر، فأخبره جبريل بموته فصلَّ عليه النبي وچ# في سفره
ذلك كأنه ينظر إليه.
(٣) لكن خرجه في ترجمة زيد بن خارجة، ووقع في الإسناد عنده: عن ابن خارجة، وهو وهمٌّ منه أو من =

٦٦٩
باب ٥٥-٥٦ / ح ١٣٢١
كتاب الجنائز
عن ذلك بما تقدَّم من أنَّه يصير كالميِّت الذي يُصلِّي عليه الإمام وهو يراه ولا يراه المأمومونَ،
فإنَّه جائز اتِّفاقاً.
فائدة: أجمع كلُّ مَن أجازَ الصلاة على الغائب أنَّ ذلك يُسقِطُ فرض الكفاية، إلَّا ما حُكيَ
عن ابن القَطَّان، أحد أصحاب الوجوه من الشافعيّة، أنَّه قال: يجوز ذلك ولا يُسقِط الفرض.
وسيأتي الكلام على الاختلاف في عدد التكبير على الجنازة في باب مُفرَد (١٣٣٣).
٥٥- باب صفوف الصِّبیان مع الرجال في الجنائز
١٣٢١ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ، عن عامٍ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ وََّ مَرَّ بقبرٍ قد دُفِنَ ليلاً، فقال: ((متى دُفِنَ هذا؟))
قالوا: البارحةَ، قال: ((أفلا آذَنْتُمُوني؟» قالوا: دَفَنَّه فِي ظُلْمةِ الليلِ فكَرِهْنا أن نُوقِظَكَ. فقامَ
فصَفَفْنا خَلْفَه، قال ابنُ عبَّاسٍ: وأنا فيهم، فصَلَّى عليه. [انظر: ٨٥٧]
قوله: ((باب صفوف الصِّبْيان مع الرِّجال في الجنائز)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((على
الجنائز)) أي: عند إرادة الصلاة عليها. وقد تقدَّم الجواب عن ترجمته على الجنازة وإرادة
الصلاة على القبر في الباب الذي قبله، وتقدَّم أنَّ الكلام على المتن يأتي مُستوفَّى بعد اثنَي
عشرَ باباً (١٣٣٦)، وسيأتي بعد ثلاث تراجم ((باب صلاة الصِّبيان مع الناس على الجنائز))
(١٣٢٦) وذكر فيه طرفاً من حديث ابن عبَّاس المذكور، وكان ابن عبّاس في زمن النبيّ
رَّ دون البلوغ، لأنَّ شَهِدَ حَجّة الوَدَاعِ وقد قارَبَ الاحتلام كما تقدَّم بيان ذلك في كتاب
الصلاة (٤٩٣).
٥٦- باب سُنّة الصلاة على الجنائز
وقال النبيُّ ◌َلَّ: «مَن صلَّى على الجنازة)).
= بعض الرواة في سند الحديث، وقد رواه عنه هكذا أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٩٩٠)، والصواب
أن راوي الحديث هو مجمِّع بن جارية كما ذكر الحافظ، وانظر ((مسند أحمد)) (١٦٦٠٦)، وقوله: ((وما
نرى شيئاً)) لا يوجد إلا في رواية الطبراني وأبي نعيم، وإسناده ضعيف.

٦٧٠
باب ٥٦ / ح ١٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال: (صَلُّوا علی صاحبِكُم)).
وقال: ((صَلُّوا على النَّجاشيّ)).
سَمّاها صلاةً، ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ ولا يُتكلّمُ فيها، وفيها تکبیرٌ وتسلیمٌ.
وكانَ ابنُ عمَ لا يُصلِّ إلا طاهراً، ولا يُصلِّ عند طُلُوعِ الشمسِ ولا غُرُوبها، ويَرفَعُ يديهِ.
وقال الحسنُ: أدركتُ الناسَ وأحَقُّهم على جنائزِهم مَن رَضُوه لفَرائضِهم، وإذا أَحدَثَ
يومَ العيدِ أو عند الجِنَازة يَطلُبُ الماءَ ولا يَتَيمَّمُ، وإذا انتَهَى إلى الجنازةِ وهم يُصلُّونَ يَدخُلُ
معهم بتكبيرةٍ.
وقال ابنُ المسيّب: يُكبِّ بالليل والنَّهار والسَّفَرِ والحَضَرِ أربعاً.
١٩٠/٣
وقال أنسِّ ﴾: التكبيرةُ الواحدةُ استِفْتَاحُ الصلاةِ.
وقال: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وفيه صفوفٌ وإمامٌ.
١٣٢٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الشَّيبانيِّ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: أخبرني مَن
مَرَّ مع نبيِّكُم ◌َِّ على قبرٍ منبوذٍ، فأمَّنا فصَفَفْنا خَلْفَه. فقلنا: يا أبا عَمرو، مَن حدَّثْكَ؟ قال:
ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما.
قوله: ((باب سُنَّة الصلاة على الجنازة)) قال الزّين بن المنيِر: المراد بالسُّنّة: ما شَرَعَه النبيُّ
وَالر فيها، يعني: فهو أعمُّ من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار
والأحاديث: أنَّ لها حُكم غيرها من الصلوات والشَّرائط والأركان وليست مجرَّد دعاء،
فلا تُجْزِئُ بغير طهارة مثلاً، وسيأتي بسطُ ذلك في أواخر الباب.
قوله: ((وقال النبيّ وَّ: مَن صلَّى على الجنازة)) هذا طرف من حديث سيأتي موصولاً بعد
باب (١٣٢٥)، وهذا اللفظ عند مسلم (٥٤/٩٤٥) من وجه آخر عن أبي هريرة، ومن
حديث ثوبان أيضاً (٩٤٦).
قوله: ((وقال: صَلُّوا على صاحبِكم)) هذا طرف من حديث لسَلَمَةَ بن الأكوع سيأتي

٦٧١
باب ٥٦ / ح ١٣٢٢
كتاب الجنائز
موصولاً في أوائل الحَوَالة (٢٢٨٩) أوله: كنّا جلوساً عند النبيّ وَلّهِ إِذ أُتيَ بجنازةٍ فقالوا:
صَلِّ عليها، فقال: ((هل عليه دَيْن؟)) الحديث.
قوله: ((وقال: صَلُّوا على النَّجاشيّ)) تقدَّم الكلام عليه قريباً (١٣١٨).
قوله: ((سمّاها صلاة)) أي: يُشتَرط فيها ما يُشتَرط في الصلاة وإن لم يكن فيها ركوع ولا
سجود، فإنَّه لا يُتكلّم فيها ويُكبَّر فيها ويُسلَّم منها بالاتِّفاق، وإن اختُلِفَ في عدد التكبير
والتَّسلیم.
قوله: ((وكانَ ابن عمر لا يُصلِّيّ إلَّا طاهراً)) وَصَله مالك في ((الموطَّأ)) (٢٣٠/١) عن نافع
بلفظ: إنَّ ابن عمر كان يقول: لا يُصلِّ الرجل على الجنازة إلَّا وهو طاهر.
قوله: ((ولا يُصلِّ عند طُلُوع الشمس ولا غُرُوبها)) وَصَله سعيد بن منصور من طريق
أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سُئِلَ عن الجنازة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة
العصر يقول: ما صُلِّيتا لوقتِهما.
تنبيه: ((ما)) في قوله: ((ما صُلِّيَتَا)) ظرفيَّة، يدلُّ عليه رواية مالك (٢٢٩/١) عن نافع
قال: كان ابن عمر يُصلِّي على الجنازة بعد الصبح والعصر إذا صُلّيتا لوقتِهما؛ ومُقتَضاه
أنَّهما إذا أُخِرَتا إلى وقت الكراهة عنده لا يُصلَّى عليها حينئذٍ، ويُبيِّن ذلك ما رواه مالك
أيضاً عن محمد بن أبي حَرمَلة: أنَّ ابن عمر قال وقد أُتيَ بجنازةٍ بعد صلاة الصبح بغَلَسٍ:
إمَّا أن تُصلُّوا عليها وإمَّا أن تتركوها حتَّى تَرتَفِع الشمس؛ فكأنَّ ابن عمر كان يرى
اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غُروبها، لا مُطلَق ما بين الصلاة وطلوع
الشمس أو غُروبها.
وروى ابن أبي شَيْبة (٣/ ٢٨٧) من طريق ميمون بن مهرانَ قال: كان ابن عمر یکره
الصلاة على الجنازة إذا طَلَعَت الشمس وحين تَغُب. وقد تقدَّم ذلك عنه واضحاً في ((باب
الصلاة في مسجد قُباء)) (١١٩٢). وإلى قول ابن عمر في ذلك ذهب مالك والأوزاعيُّ
والكوفيُّونَ وأحمد وإسحاق.

٦٧٢
باب ٥٦ / ح ١٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويَرفَعُ يديه)) وَصَلَه البخاري في كتاب ((رفع اليدين)) المفرَد(١) (١١٠) من طريق
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان يَرفَع يديه في كلّ تكبيرة على الجنازة، وقد
رُوِيَ مرفوعاً أخرجه الطَّبَرانيُّ في ((الأوسط)) (٨٤١٧) من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر
بإسناد ضعيف(٢).
قوله: ((وقال الحسن ... )) إلى آخره، لم أرَه موصولاً.
وقوله: ((مَن رَضُوه)) في رواية الْحَقُّوِيّ والمُستَمْلي: ((مَن رَضُوهم)) بصيغة الجمع.
١٩١/٣
وفائدة أثر الحسن هذا بيان أنَّه نُقِلَ عن الذين أدرَكَهم، وهم جمهور الصحابة: أنَّهم
كانوا يُلحِقونَ صلاة الجنازة بالصلوات التي يُجمَع فيها، وقد جاء عن الحسن: أنَّ أحقّ
الناس بالصلاة على الجنازة الأب ثمَّ الابن، أخرجه عبد الرزاق(٣)، وهي مسألة اختلاف
بين أهل العلم، فروى ابن أبي شَيْبة عن جماعة منهم سالم والقاسم وطاووس: أنَّ إمام الحيِّ
أحَقُ، وقال عَلْقمة والأسود وآخرون: الوالي أحقُّ من الوليّ(٤)، وهو قول مالك وأبي
حنيفة والأوزاعيِّ وأحمد وإسحاق، وقال أبو يوسف والشافعيّ: الوليُّ أحقُّ من الوالي.
قوله: ((وإذا أحدَثَ يوم العيد أو عند الجِنازة يَطلُب الماءَ ولا يَتَيَمَّم)) يحتمل أن يكون هذا
الكلام معطوفاً على أصل الترجمة، ويحتمل أن يكون بقيَّةً كلام الحسن، وقد وجدتُ عن
(١) في (س): والأدب المفرد، بزيادة ((والأدب))، وهو خطأ، فالبخاري لم يصله إلا في ((رفع اليدين)).
(٢) ورواه مرفوعاً أيضاً الدار قطني في ((العلل)) ٢٢/١٣ رقم السؤال (٢٩٠٨) من طريق عمر بن شبَّة، عن
يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن نافع به، قال الدارقطني: وخالف عمرَ بنَ شبَّةٌ جماعةٌ رووه عن
يزيد بن هارون موقوفاً، وكذلك رواه عبد الرحمن بن اليمان - شيخ يروي عنه الأوزاعي - وأبو شهاب
الحَّاط وغيرهما عن نافع عن ابن عمر موقوفاً، وهو الصواب. قلنا: ورواه غير يزيد بن هارون عن يحيى
ابن سعيد موقوفاً، منهم محمد بن فضيل عند ابن أبي شيبة في «المصنف)» ٢٩٧/٣، وزهير بن معاوية عند
البخاري في ((رفع اليدين)) (١١١)، وبذلك يتّضح أن رواية عمر بن شبة عن يزيد بن هارون بالرفع
شاذَّة، والمحفوظ رواية من وقفه على ابن عمر، والله تعالى أعلم.
(٣) في ((مصنفه) برقم (٦٣٧٠)، ولفظه: أولى الناس بالصلاة على المرأة الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ.
(٤) انظر ابن أبي شيبة ٣٦٣/٣ -٣٦٤.

٦٧٣
باب ٥٦ / ح ١٣٢٢
كتاب الجنائز
الحسن في هذه المسألة اختلافاً، فروى سعيد بن منصور عن حمّاد بن زيد عن كثير بن
شِنظير قال: سُئِلَ الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء، فإن ذهب يتوضَّأ
تَفُوتُه، قال: يَتَيَمَّم ويُصلِّ، وعن هُشَيم عن يونس عن الحسن مثله، وروى ابن أبي شَيْبة
(٣٠٥/٣) عن حفص عن أشعَثَ عن الحسن قال: لا يَتَمَّم ولا يُصلِّ إلَّا على طُهْر. وقد
ذهب جمع من السلف إلى أنَّه يُجزئ لها التيمُّم لمن خافَ فواتَها لو تَشاغَلَ بالوضوء، وحكاه
ابن المنذر عن عطاء وسالم والزّهْريّ والنَّخَعيّ وربيعة والليث والكوفيِّين، وهي رواية عن
أحمد، وفيه حديث مرفوع عن ابن عبّاس، رواه ابن عَديّ (٧/ ٢٦٤٠) وإسناده ضعيف(١).
قوله: ((وإذا انتَهَى إلى الجِنازة يَدخُل معهم بتكبيرةٍ)) وجدتُ هذا الأثر عن الحسن، وهو
يُقوِّي الاحتمال الثاني، قال ابن أبي شَيْبة (٣٠٧/٣): حدَّثنا معاذ عن أشعَث عن الحسن في
الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يُصلَّونَ عليها، قال: يدخل معهم بتكبيرةٍ. والمخالف في هذا
بعض المالكيَّة، وفي ((مختصر)) ابن الحاجب: وفي دخول المسبوق بين التكبيرتَينِ أو انتظار
التکبیر قولان. انتهى.
قوله: ((وقال ابن المسيِّب ... )) إلى آخره، لم أرَه موصولاً عنه، ووجدتُ معناه بإسناد قويٌّ
عن عُقْبة بن عامر الصحابيّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣/ ٣٤٦) عنه موقوفاً.
قوله: ((وقال أنس: التَّكْبيرة الواحدة استِفْتاح الصلاة)) وَصَلَه سعيد بن منصور عن
إسماعيل ابن عُليَّة عن يحيى بن أبي إسحاق قال: قال رُزَيق بن كَريم لأنس بن مالك:
رجل صلَّى فكَبَّرَ ثلاثاً، قال أنس: أوَليس التكبير ثلاثاً؟ قال: يا أبا حمزة، التكبير أربع،
قال: أجل، غيرَ أنَّ واحدةً هي استفتاح الصلاة.
قوله: ((وقال)) أي: الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، وهذا
معطوف على أصل الترجمة.
(١) الأرجح قول من قال: يصليها بالتيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْمَآءُ فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية، وفي الحديث: ((وجُعلت
تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء))، والواجب الأخذُ بعموم النصوص حتى يوجد المخصِّص، وليس هنا
مخصِّص يُعتَمد عليه، والله أعلم. (س).

٦٧٤
باب ٥٦ / ح ١٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((وفيه صفوفٌ وإمامٌ)) معطوف على قوله: ((وفيها تكبير وتسليم)) قرأت بخَطِّ
مُغَلْطاي: كأنَّ البخاري أراد الردّ على مالك، فإنَّ ابن العربيِّ نقل عنه: أنَّه استَحَبَّ أن
يكون المصلُّونَ على الجنازة سطراً واحداً، قال: ولا أعلم لذلك وجهاً. وقد تقدَّم حديث
مالك بن هُبَيرة في استحباب الصُّفوف(١).
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث ابن عبّاس في الصلاة على القبر، وسيأتي الكلام عليه قريباً
(١٣٣٦)، وموضع الترجمة منه قوله: فأمَّنَا فصَفَفنا خلفَه.
قال ابن رُشَيد نقلاً عن ابن المُرابِط وغيره ما مُحصَّله: مراد هذا الباب الردُّ على مَن
يقول: إنَّ الصلاة على الجنازة إنَّما هي دعاء لها واستغفار، فتجوز على غير طهارة، فأوَّلَ
المصنِّ الردَّ عليه من جهة التَّسمية التي سَّاها رسول الله وَ له صلاةً، ولو كان الغَرَض
الدُّعاء وحده لما أخرجهم إلى البقيع، ولَدَعا في المسجد وأمَرَهم بالدُّعاء معه أو التأمين
على دعائه، ولمَا صفَّهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في
الصلاة وتكبيره في افتتاحها وتسليمه في التَّحَلُّل منها، كلُّ ذلك دالٌّ على أنَّها على الأبدان
١٩٢/٣ لا على اللَّسان وحده،/ وكذا امتناع الكلام فيها، وإنَّما لم يكن فيها ركوع ولا سجود لئلّاً
يَتَوهَّم بعض الجھَلة أنَّها عبادة للميِّت فیضِلَّ بذلك، انتھی.
ونقل ابن عبد البَرِّ الاتِّفاق على اشتراط الطَّهارة لها إلَّا عن الشَّعبيّ، قال: ووافقه
إبراهيم ابن عُليَّة وهو ثمَّن يُرغَب عن كثيرٍ من قوله. ونقل غيره أنَّ ابن جَرِير الطبريّ
وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاٌ.
قال ابن رُشَيد: وفي استدلال البخاري بالأحاديث التي صَدَّرَ بها الباب من تسميتها
صلاةً لمطلوبه من إثبات شرط الطَّهارة إشكالٌ، لأَنَّه إن تَسَّك بالعُرف الشَّرعيّ عارَضَه
عَدَمُ الركوع والسجود، وإن تَسَّك بالحقيقة اللُّغَوِيَّة عارَضَتْه الشَّرائط المذكورة، ولم يَستَوِ
(١) تقدم حديث مالك بن هبيرة قريباً تحت (باب الصفوف على الجنازة))، وحديثه أخرجه أحمد (١٦٧٢٤)،
وأبو داود (٣١٦٦)، وابن ماجه (١٤٩٠)، والترمذي (١٠٢٨).

٦٧٥
باب ٥٧
كتاب الجنائز
التَّبَادُر في الإطلاق فيَدَّعي الاشتراك لتَوقُّف الإطلاق على القَيْد عند إرادة الجنازة،
بخلاف ذات الركوع والسجود، فتَعيَّنَ الحملُ على المجاز، انتھی.
ولم يَستَدِلَّ البخاري على مطلوبه بمجرَّدٍ تسميتها صلاةً، بل بذلك وبما انضَمَّ إليه من
وجود جميع الشَّرائط إلَّا الركوع والسجود، وقد تقدَّم ذِكْر الحِكْمة في حذفهما منها فبقيَ ما
عداهما على الأصل.
وقال الكِرْمانيّ: غَرَضُ البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة و گونها
مشروعةً وإن لم يكن فيها ركوع وسجود، فاستدلَّ تارةً بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها،
وتارةً بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عَدَم التكلَّم فيها، وكونها مُفتتَحةً بالتكبير
مُتَتَمَةً بالتَّسليم، وعَدَم صِحَّتها بدون الطَّهارة، وعَدَم أدائها عند الوقت المكروه، وبرفع
اليد وإثبات الأحَقّيَّة بالإمامة، وبوجوب طلب الماء لها، وبكونها ذاتَ صفوف وإمام.
قال: وحاصله أنَّ الصلاة لفظ مُشتَرَك بين ذات الأركان المخصوصة وبين صلاة
الجنازة، وهو حقیقةٌ شرعيَّة فیهما. انتهى كلامه، وقد قال بذلك غيره.
ولا يخفى أنَّ بحث ابن رُشَيد أقوى، ومطلوب المصنّف حاصل كما قَدَّمته بدون
الدَّعوَى المذكورة، بل بإثبات ما مَرَّ من خصائصها كما تقدَّم، والله أعلم.
٥٧- باب فضل اتباع الجنائز
وقال زيدُ بنُّ ثابتٍ ﴾: إذا صَلَّبِتَ فقد قَضَيتَ الَّذِي عليكَ.
وقال حميدُ بنُّ هلالٍ: ما عَلِمْنا على الجنازةِ إِذْناً، ولكن مَن صلَّى ثمَّ رجعَ فله قيراطٌ.
قوله: ((باب فضل اتِّباع الجنائز)) قال ابن رُشَيد ما مُحصَّله: مقصود الباب بيان القَدْر الذي
يَحَصُل به مُسمَّى الاتِّباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورَدَه إجمال، ولذلك
صَدَّرَه بقول زيد بن ثابت، وآَثَرَ الحديثَ المذكور على الذي بعده وإن كان أوضَحَ منه في
مقصوده، كعادتِه المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكِل ليُبيِّ مُجُمَله، وقد تقدَّم طرفٍ من

٦٧٦
باب ٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
بيان ما يَحَصُل به مُسمَّى الاتِّباع في ((باب السُّرعة بالجنازة))، وله تعلُّق بهذا الباب، وكأنَّه
قَصَدَ هناك كيفيَّة المشي وأمكِنْتَه، وقَصَدَ هنا ما الذي يَحصُل به الاتِّباعُ، وهو أعمُّ من ذلك.
١٩٣/٣ قال: ويُمكِن أن يكون قَصَدَ هنا ما الذي يَحصُل به المقصِدُ، إذ الاتِّباع إنَّما هو وسيلة إلى
تحصيل الصلاة مُنْفَرِدةً أو الدَّفن مُنفَرِداً أو المجموع. قال: وهذا كلَّه يدلُّ على بَرَاعة
المصنِّف ودِقَّة فهمه وسَعَة علمه.
وقال الزّين بن المنيِّر ما مُحصَّله: مراد الترجمة إثبات الأجر والترغيب فيه لا تعيين
الحُكْم، لأنَّ الاتِّباع من الواجبات على الكِفاية، فالمراد بالفضل ما ذكرناه لا قَسِيمُ
الواجب، وأجمَلَ لفظَ الاتِّباع تَبَعاً للفظ الحديث الذي أورَدَه، لأنَّ القيراط لا يَحصُل إلَّا
لمن اتَّبَعَ وصَلَّى، أو اتَّبَعَ وشَيَّعَ وحَضَرَ الذَّفن، لا لمن اتَّبَعَ مثلاً وشَيَّعَ ثمَّ انصَرَفَ بغير صلاة
كما سيأتي بيان الحُجّة لذلك في الباب الذي يليه، وذلك لأنَّ الاتِّباع إنَّما هو وسيلة لأحدٍ
مقصودَين: إمَّا الصلاة، وإمَّا الدَّفن، فإذا تَجَرَّدَت الوسيلةُ عن المقصِد، لم يَحَصُل المرتَّب
على المقصود، وإن كان يُرجَى أن يَحصُل لفاعلِ ذلك فضلٌ ما بحَسَب نيَّته.
وروى سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: اتِّباع الجنازة أفضل النَّوافل، وفي رواية
عبد الرزاق (٦٢٧٤) عنه: اتِّباع الجنازة أفضل من صلاة التطوُّع.
قوله: ((وقال زيد بن ثابت: إذا صَلَّيتَ فقد قَضَيتَ الَّذي عليك)) وَصَلَه سعيد بن منصور
من طريق عُرْوة عنه بلفظ: إذا صَلَّيْتُم على الجنازة فقد قضيتُم ما عليكم فخَلُّوا بينها وبين
أهلها، وكذا أخرجه عبد الرزاق (٦٥٢٦)، لكن بلفظ: إذا صَلَّيتَ على جنازة فقد قضيتَ
ما عليك، وَ صَله ابن أبي شَيْبة (٣١٠/٣) من هذا الوجه بلفظ الإفراد، ومعناه: فقد
قَضَيت حقّ الميّت، فإن أردت الاتِّباع فلك زيادة أجر.
قوله: ((وقال حميدُ بن هلال: ما عَلِمْنا على الجِنازة إذْناً، ولكن مَن صلَّى ثمَّ رجعَ فلَه
قيراط)» لم أرَه موصولاً عنه، قال الزَّين بن المنيِّر: مُناسَبتُه للترجمة إشعارُه(١) بأنَّ الاتِّبَاعِ إِنَّما
(١) تحرَّف في (س) إلى: استعارة.

٦٧٧
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣-١٣٢٤
كتاب الجنائز
هو لمَحْض ابتغاء الفضل، وأنَّه لا يجري مَجَرَى قضاء حقٍّ أولياء الميِّت، فلا يكون لهم فيه
حقٌّ لِيَتَوقَّف الانصراف قبله على الإذن منهم.
قلت: وكأنَّ البخاري أراد الردّ على ما أخرجه عبد الرزاق (٦٥٢٣) من طريق عَمْرو
ابن شعيب عن أبي هريرة قال: أميران وليسا بأميرَين: الرجل يكون مع الجنازة يُصلِّي
عليها، فليس له أن يَرجِعَ حتَّى يَستأذِن وليّها ... الحديث، وهذا مُنقطع موقوف، وروى
عبد الرزاق (٦٥٢٣) مثله من قول إبراهيم، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٣١٠/٣) عن المِسوَر
من فعله أيضاً، وقد وَرَدَ مثله مرفوعاً من حديث جابر أخرجه البَزّار(١) بإسناد فيه مَقال،
وأخرجه العُقَيليّ في ((الضُّعَفاء)) (٢٨٧/٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد ضعيف،
وروى أحمد (٨٢٦٥) من طريق عبد الله بن هُرمُز عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن تَبِعَ جنازة
فحمل من عُلْوها وحَثَا في قبرها وقعدَ حتَّى يُؤذَن له، رجعَ بِقِيراطَين)) وإسناده ضعيف.
والذي عليه مُعظَم أئمّة الفتوى قول حُميدٍ بن هلال، وحُكيَ عن مالك: أنَّه لا ينصرف
حتَّی یستأذن.
١٣٢٣ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، قال: سمعتُ نافعاً يقول: حُدِّثَ
ابنُ عمرَ: أنَّ أبا هريرةَ رضي الله عنهم يقول: مَن تَبعَ جِنازةً فله قيراطٌ. فقال: أكثرَ أبو
هريرةً علینا.
١٣٢٤ - فصَدَّقَت - يعني - عائشةُ أبا هريرةَ، وقالت: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقولُه، فقال
ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: لقد فَّطْنا في قَرارِيطَ كثيرةٍ.
﴿فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦]: ضَيَّعتُ من أمرِ الله.
قوله: ((حُدِّثَ ابن عمر) كذا في جميع الطُّرق: ((حُدِّثَ)) بضم المهمَلة على البناء
للمجهول، ولم أقف في شيء من الطّرق عن نافع على تسمية من حدَّث ابن عمر عن أبي
هريرة بذلك، وقد أورَدَه أصحاب ((الأطراف)) والحُميدي في ((جَمعِه)) في ترجمة نافع عن أبي
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١١٤٤).

٦٧٨
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣ - ١٣٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
هريرة، وليس في شيء من طرقه ما يدلّ على أنَّه سمع منه وإن كان ذلك مُحتَملاً، ووقفتُ
على تسمية مَن حدَّث ابن عمر بذلك صريحاً في موضعَين:
أحدهما: في ((صحيح مسلم)) (٥٦/٩٤٥) وهو خَبّاب بمعجمةٍ وموخَّدتَين الأولى
مُشدَّدة، وهو أبو السائب المدنيّ صاحب المقصورة، قيل: إنَّ له صُحْبة، ولفظه من طريق
داود بن عامر بن سعد عن أبيه: أنَّه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ طَلَعَ خَبّاب
صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمعُ ما يقول أبو هريرة؟ فذكر الحديث.
والثاني: في ((جامع التُّرمِذيّ)) (١٠٤٠) من طريق محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي
هريرة، فذكر الحديث، قال أبو سَلَمةَ: فذكرتُ ذلك لابن عمر فأرسَلَ إلى عائشة.
١٩٤/٣
قوله: ((أنَّ أبا هريرة يقول: مَن تَبعَ)) كذا في جميع الطّرق لم يَذكُر فيه النبيَّ ◌ََّ، وكذا
أخرجه الإسماعيليّ من طريق إبراهيم بن راشد عن أبي النُّعمان شيخ البخاري فيه، لكن
أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) عن مهديّ بن الحارث عن موسى بن إسماعيل، وعن أبي
أُميَّة عن أبي النُّعمان، وعن التُّستَريّ عن شَيْبانَ، ثلاثتهم عن جَرِير بن حازم، عن نافع
قال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((مَن تَبِعَ جنازةً فله
قيراط من الأجر)) فذكره ولم يُبيِّن لمن السياق، وقد أخرجه مسلم (٥٥/٩٤٥) عن شَيْبانَ
ابن فُرُّوخَ كذلك، فالظاهر أنَّ السیاق له.
قوله: ((مَن تَبَعَ جِنازة فله قيراط)) زاد مسلم في روايته: ((من الأجر)). والقيراط بكسر
القاف، قال الجَوْهريّ: أصلُه: قِرّاط بالتشديد لأنَّ جمعَه قَرَاريط، فأُبدِلَ من أحد حرفَي
تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دائِقٍ. وقال قبل ذلك: الدانق سُدُس الدِّرهَم. فعلى هذا
يكون القيراط جُزءاً من اثني عشرَ جُزءاً من الدِّرهَم.
وأمَّا صاحب ((النِّهاية)) فقال: القيراط جُزء من أجزاء الدِّينار، وهو نصف عُشره في
أكثر البلاد، وفي الشام جُزء من أربعة وعشرين جُزءاً.
ونقل ابن الجَوْزيّ عن ابن عَقِيل أنَّه كان يقول: القيراط نصف سُدُس درهم أو

٦٧٩
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣ - ١٣٢٤
كتاب الجنائز
نصف عُشر دينار، والإشارة بهذا المِقدار إلى الأجر المتعلَّق بالميِّت في تجهيزه وغسله وجميع
ما يَتعلَّق به، فللمُصلِّ عليه قيراط من ذلك، ولمن شَهِدَ الدَّفن قيراط، وذِكْر القيراط تقريباً
للفَهْم لمَّا كان الإنسان يَعرِف القيراطَ ويعمل العمل في مُقابَلَته، وُعِدَ من جنس ما يَعرِف
وضُرِبَ له المثَل بما يعلم، انتهى.
وليس الذي قال ببعيدٍ، وقد روى البَزّار (٨٣٨٧) من طريق عَجْلانَ عن أبي هريرةَ
مرفوعاً: ((مَن أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإن تَبِعَها فله قيراط، فإن صلَّى عليها فله
قيراط، فإن انتَظَرَها حتَّى تُدفَنَ فله قيراط))(١)، فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عمل من أعمال
الجنازة قيراطاً وإن اختَلَفَت مقادير القراريط، ولا سيّما بالنِّسبة إلى مَشَقّة ذلك العمل
وسُهولَته، وعلى هذا فيقال: إنَّما خَصَّ قِيراطَي الصلاة والدَّفن بالذِّكرِ لكونهما المقصودین،
بخلاف باقي أحوال المِيِّت فإنّها وسائل، ولكنَّ هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي في
((الصحيح)) المتقدِّم في كتاب الإيمان (٤٧) فإنَّ فيه: ((إنَّ لمن تَبِعَها حتَّى يُصلَّى عليها ويُفرَغ
من دفنها قِيراطَين)) فقط.
ويُجاب عن هذا بأنَّ القيراطَين المذكورَينِ لمن شَهِد، والذي ذكره ابن عَقِيل لمن باشَرَ
الأعمال التي يحتاج إليها الميّت فافتَرَقا، وقد وَرَدَ لفظ القيراط في عِدَّة أحاديث، فمنها ما
يُحمَل على القيراط المتعارَف، ومنها ما يُحمَل على الجزء في الجملة وإن لم تُعرَف النِّسبة.
فمن الأول حديث كعب بن مالك مرفوعاً: ((إنَّكم ستفتحونَ بلداً يُذكَر فيها
القيراط))(٢)، وحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((كنت أرعَى غَنَماً لأهل مكَّة بالقراريط))(٣) قال
ابن ماجَهْ (٢١٤٩) عن بعض شيوخه: يعني: كلّ شاة بقيراطٍ. وقال غيره: قَرَاريطُ جبلٌ
(١) وإسناده ضعيف، فيه مَعْدي بن سليمان وهو ضعيف، وقال أبو زرعة الرازي: يحدث عن ابن عجلان
بمناكير. قلنا: وهذا الحديث من روايته عن ابن عجلان عن أبيه عجلان عن أبي هريرة، وعليه فلا حجَّة
فيه للتفصيل المذكور، والمحفوظ عن أبي هريرة ما سلف برقم (٤٧) وما سيأتي برقم (١٣٢٥)، وعند
شرح حديث البخاري هذا ضعَّف الحافظُ حدیثَ البزار.
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي ذر برقم (٢٥٤٣).
(٣) سيأتي برقم (٢٢٦٢).

٦٨٠
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣ - ١٣٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بمكّة (١). ومن المحتَمَل حديث ابن عمر في الذين أوتوا التوراة: ((أُعطوا قيراطاً قيراطاً)(٢)،
وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: ((مَن اقتَنَى كلباً نَفَصَ من عمله كلَّ يوم قيراط))(٣).
وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنّه مثل أُحُد كما سيأتي الكلام عليه في
الباب الذي يليه، وفي رواية عند أحمد (٦٣٠٥) والطََّرانيّ في ((الأوسط)) (٨٤٨٧) من
حديث ابن عمر: قالوا: يا رسولَ الله، مثل قراريطِنا هذه؟ قال: ((لا بل مثل أُحُد)).
قال النَّوَويّ وغيره: لا يَلزَم من ذِكْر القيراط في الحديثين تساويهما، لأنَّ عادة الشارع
تعظيم الحسنات وتخفيف مُقابلها، والله أعلم.
وقال ابن العربيّ القاضي: الذَّرَّة جزءٌ من ألف وأربعة وعشرين جزءاً من حَبّة، والحَبّة
ثُلُث القيراط، فإذا كانت الذَّرّة تُخرِج من النار، فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قَدْر قيراط
الحسنات، فأمَّا قيراط السيِّئَات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء
عمل المقتَنَى له في ذلك اليوم.
١٩٥/٣
وذهب الأكثر إلى أنَّ المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله،
وقد قَرَّبَها النبيُّ ◌َّللفَهمِ بتمثيلِه القيراط بأُحُدٍ.
قال الطِّيبيّ: قوله: ((مثل أُحُد)) تفسير للمقصودِ من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد
منه أنَّه يَرجِعُ بنصيبٍ كبير من الأجر، وذلك لأنَّ لفظ القيراط مُبهَم من وجهين، فبيَّن
الموزون بقوله: ((من الأجر)) وبيَّن المقدار المراد منه بقوله: ((مثل أُحُد)).
وقال الزَّين بن المنيِر: أراد تعظيم الثَّواب فمَثَّله للعِيَان بأعظم الجبال خلقاً، وأكثرها إلى
النُّفُوس المؤمنة حُبّاً، لأنَّه الذي قال في حقِّه: ((إنَّه جبل يُحِبّنا ونُحِبّه)). انتهى، ولأنَّه أيضاً
قريب من المخاطَبين يَشتَرِك أكثرهم في معرفته، وخُصَّ القيراط بالذِّكرِ لأنَّه كان أقلَّ ما تقع
(١) قائل هذا هو إبراهيم الحَرْبي، وصوَّبه ابنُ الجوزي تبعاً لابن ناصر، لكن الأول أرجح كما قال الحافظ
نفسه فيما سيأتي عند شرح الحديث (٢٢٦٢)، لأن أهل مكة لا يعرفون بها مكاناً يقال له: قراريط.
(٢) سلف برقم (٥٥٧).
(٣) سيأتي برقم (٢٣٢٢).