النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ باب ٣٧ / ح ١٢٩٦ كتاب الجنائز المدينة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتَرَكوها مع حُبِّهم لها الله تعالى، فمن ثَمَّ خَشِيَ سعد بن أبي وَقَّاص أن يموت بها، وتَوجَّعَ رسول الله وَِّ لسعدِ ابن خولة لكَونِه مات بها، وأفاد أبو داود الطَّيالسيّ في روايته (١٩٤) لهذا الحديث عن إبراهيم ابن سعد عن الزُّهْريّ أنَّ القائل: ((يَرْئي له ... )) إلى آخره، هو الزُّهْريّ(١)، ويؤيِّده أنَّ هاشم ابن هاشم وسعد بن إبراهیم رَوَیا هذا الحدیث (٣) عن عامر بن سعد فلم یذکُرا ذلك فيه، وكذا في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها كما سيأتي في كتاب الوصايا (٣) مع بقيّة الكلام عليه وذِكْر الاختلاف في تسمية البنت المذكورة إن شاء الله تعالى. ٣٧- باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة ١٢٩٦ - وقال الحَكَمُ بنُ موسى: حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن عبد الرحمن بنِ جابٍ: أنَّ القاسمَ بنَ مُخيمِرةَ حدَّثه، قال: حدَّثني أبو بُرْدَةَ بنُ أبي موسى ﴾، قال: وَجِعَ أبو موسى وَجَعاً فغُشِيَ عليه، ورأسُه في حَجْرِ امرأةٍ من أهلِهِ، فلم يَسْتَطِعِ أن يَرُدَّ عليها شيئاً، فلمَّا أفاقَ قال: إنِّي بريءٌ ثَمَّنْ بَرِئَ منه رسول اللهَوَ ◌ّه إنَّ رسولَ اللهَوَ لَبَرِئَّ مِن الصَّالقةِ والحالقةِ والشَّاقَّةِ. قوله: ((باب ما يُنهَى عن الحَلْق عند المصيبة)) تقدَّم الكلام على هذا التركيب في ((باب (٣٣) ما يُكرَه من النِّياحة على الميِّت))، وعلى الحِكْمة في اقتصاره على الحلق دون ما ذُكِرَ معه في الباب الذي قبله، وقوله: ((عند المصيبة)) قصرٌ للحُكْم على تلك الحالة، وهو واضح. قوله: ((وقال الحَكَم بن موسى)) هو القَنطَريّ بقافٍ مفتوحة ونون ساكنة، ووقع في رواية أبي الوَقْت: ((حدَّثنا الْحَكَم)) وهو وهمٌّ، فإنَّ الذين جمعوا رجال البخاري في ((صحیحه)) أطبَقُوا على تَرْك ذِكْره في شيوخه، فدَلَّ على أنَّ الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق. وقد وَصَلَه مسلم في («صحيحه)) (١٦٧/١٠٤) فقال: حدَّثنا الحَكَم بن موسى، وكذا ابن حِبَّان (٣١٥٢) فقال: أخبرنا أبو يعلى، حدَّثنا الحكم. (١) كذا قال الحافظ، وليس في رواية الطيالسي ما يشير إلى ذلك! (٢) ستأتي رواية هاشم برقم (٢٧٤٤)، ورواية سعد بن إبراهيم ستأتي برقم (٢٧٤٢) و(٥٣٥٤). (٣) ليس في كتاب الوصايا وإنما في كتاب المرضى برقم (٥٦٥٩). ٦٢٢ باب ٣٧ / ح ١٢٩٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عبد الرحمن بن جابر)) هو ابن يزيد بن جابر، نُسِبَ إلى جَدّه في هذه الرواية، وصَرَّحَ به في رواية مسلم، ومُخيمِرة بمعجمةٍ وراء مصغّر. قوله: ((وَجِعَ)) بكسر الجيم. قوله: «في حَجْر امرأة من أهله)» زاد مسلم: فصاحت، وله من وجه آخر من طريق أبي صَخْرة عن أبي بُردة وغيره: قالوا: أُغميَ على أبي موسى، فأقبلَت امرأته أمُّ عبد الله تَصِيح برَنّةٍ ... الحديث، وللنَّسائيّ (١٨٦٦) من طريق يزيد بن أوس، عن أمّ عبد الله امرأة أبي موسى، عن أبي موسى، فذكر الحديث دون القصَّة، ولأبي نُعَيم في ((المستخرَج على مسلم)) من طريق رِبْعيّ قال: أُغميَ على أبي موسى فصاحَت امرأته بنت أبي دَوْمة(١)؛ فحَصَلنا على أنَّهَا أمّ عبد الله بنت أبي دَوْمة، وأفاد عمر بن شَبّة في ((تاريخ البصرة)) أنَّ اسمها صفيَّة بنت دمونَ (٢)، وأنَّهَا والدة أبي بُردة بن أبي موسى، وأنَّ ذلك وقع حيثُ كان أبو موسى أميراً على البصرة من قِبَل عمر بن الخطّاب ﴾. قوله: ((إنِّي بريء)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أنا بريء))، وكذا لمسلم (١٠٤/ ١٦٧). قوله: ((الصَّالِقة)) بالصاد المهمَلة والقاف، أي: التي تَرفَع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسِّين المهمَلة بدل الصاد، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْبِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ١٦٦/٣ وعن ابن الأعرابيّ:/ الصَّلْق: ضرب الوجه، حكاه صاحب ((المحكم))، والأول أشهَر، والحالقة: التي تَحِلِقِ رأسها عند المصيبة، والشاقّة: التي تَشُقّ ثوبها، ولفظ أبي صَخْرة عند مسلم: ((أنا بريء ثَمَّن حَلَقَ وسَلَقَ وخَرَقَ)) أي: حَلَقَ شعره، وسَلَقَ صوته - أي: رَفَعَه - وخَرَقَ ثوبه، وقد تقدَّم الكلام على المراد بهذه البراءة قبل بابٍ (١٢٩٤). ٣٨- باب ليس منَّا مَن ضرب الخدود ١٢٩٧ - حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن (١) وأخرجه أيضاً الطبراني في «الأوسط)) (١٣١٠). (٢) كذا وقع للحافظ هنا، وسَّاها ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ٣/ ١٠: طنية، والصفدي في ((الوافي)) ٣٣٨/١٦ في ترجمة أبي بردة عامر بن أبي موسى: طفية. ٦٢٣ باب ٣٨-٤٠ / ح ١٢٩٧ - ١٢٩٩ كتاب الجنائز عبدِ الله بن مُرَّة، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ ﴾، عن النبيِ نَِّ قال: ((ليس منّا مَن ضربَ الخدودَ، وشَقَّ الجيوبَ، ودَعا بدَعْوى الجاهليّة)). قوله: ((باب ليس منَّا مَن ضَرَبَ الخدود)) وتقدَّم الكلام عليه قبل بابين (١٢٩٤). وعبد الرحمن المذكور في هذا الإسناد: هو ابن مهديّ. ٣٩- باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهليّة عند المصيبة ١٢٩٨ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن عبدِ الله بنِ مُّة، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: (ليس مَّا مَن ضَرَبَ الخدود وشَقَّ الجيوبَ، ودَعَا بدَعْوى الجاهليّة)). قوله: ((باب ما يُنْهَى من الوَيْلِ ودَعْوَى الجاهليّة عند المصيبة)) تقدَّم توجيه هذا التركيب(١)، وهذه الترجمة مع حديثها سَقَطَت للكُشْمِيهنيّ وثبتت للباقين. ثم أوردَ المصنفُ حديث ابن مسعود من وجه آخر وليس فيه ذِكْر الويل المترجم به، وكأنَّه أشار بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، ففي حديث أبي أمامةَ عند ابن ماجَهْ (١٥٨٥) وصحَّحه ابن حِبَّان (٣١٥٦): أنَّ رسولَ الله وَ لَعَنَ الخامشة وجهَها، والشاقّة جيبَها، والداعية بالوَيلِ والثُّبور. والظاهر أنَّ ذِكْر دعوى الجاهليَّة بعد ذِكْر الوَيْل من العامِّ بعد الخاصِّ. ٤٠ - باب من جلس عند المصيبة ◌ُعرَف فيه الحزن ١٢٩٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: سمعتُ يحيى، قال: أخبر تْني عَمْرةُ، قالت: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا جاء النبيَّ ◌َّ قتلُ ابنِ حارثةَ وجعفرٍ وابنِ رَوَاحةَ جَلَسَ يُعرَفُ فيه الحُزْنُ، وأنا أنظُرُ من صائرِ الباب - شَقِّ الباب - فأتاه رجلٌ فقال: إنَّ نساءَ جعفرٍ، وذَكَرَ بكاءَهُنَّ! فأمَرَه أن يَنْهاهُنَّ، فذهب ثمَّ أتاه الثانيةَ لم يُطِعْنَه، فقال: (١) تقدم عند ((باب ما يكره من النياحة على الميت)) وهو برقم (٣٣). ٦٢٤ باب ٤٠ / ح ١٢٩٩ فتح الباري بشرح البخاري (انهَهُنَّ)) فأتاه الثالثةَ قال: والله غَلَبتَنا يا رسولَ اللهِ، فَزَعَمَت أنَّه قال: «فاحْثُ في أفواهِهنَّ التُّرابَ)) فقلتُ: أرغَمَ اللهُ أنفَكَ! لم تفعلْ ما أمَرَكَ رسولُ الله وََّ! ولم تَترُكُ رسولَ الله ◌َُّمِن العَناءِ. [طرفاه في: ١٣٠٥، ٤٢٦٣] ١٦٧/٣ قوله: ((باب مَن جَلَسَ عند المصيبة يُعرَف فيه الحُزْن)) ((يُعرَف)» مبنيٌّ للمجهول و ((مَن)» موصولة والضَّمير لها، ويحتمل أن يكون لمصدرٍ جَلَسَ، أي: جلوساً يُعرَف، ولم يُفصِح المصنِّف بحُكْم هذه المسألة ولا التي بعدها حيثُ ترجم ((مَن لم يُظهِر حزنه عند المصيبة)) لأنَّ كلَّ منهما قابل للتَّرجيح. أمَّا الأول فِلِكَونِه من فِعْل النبيِّ وَ ◌ّ والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجحُ غالباً. وأمَّا الثاني فلأنَّه فعلٌ أبلغُ في الصَّبر وأزجَرُ للنَّفْسِ فِيَرَجَحُ، ويُحمَل فعله ◌َّ المذكور على بيان الجواز ويكون فعله في حقِّه في تلك الحالة أولى. وقال الزَّين بن المنيِر ما مُلخَّصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أنَّ الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوَم، فمَن أُصيبَ بمصيبةٍ عظيمة لا يُفرِطُ في الحزن حتَّى يقع في المحذور من اللَّطم والشَّقّ والنَّوح وغيرها، ولا يُفرِط في الشَّجَلُّد حتَّى يُفضيَ إلى القَسْوة والاستخفاف بقَدْر المصاب، فيُقْتَدَى به وَله في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسةً خفيفة بوَقَارٍ وسَكِينة، تظهر عليه مَحَائِلُ الحزن ويُؤذِن بأنَّ المصيبة عظيمة. قوله: ((حدَّثنا عبد الوهَّابِ)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ، ويحيى: هو ابن سعيد الأنصاريّ. قوله: (لمَّا جاء النبيَّ ◌َّ)) هو بالنصب على المفعوليَّة، والفاعل قوله: ((قتلُ ابن حارثة))، وهو زيد، وأبوه بالمهمَلةِ والمثلَّثة، وجعفر: هو ابن أبي طالب، وابن رواحة: هو عبد الله، وكان قتلُهم في غزوة مُؤْتة كما تقدَّم ذِكْره في رابع باب من كتاب الجنائز (١٢٤٦)، ووقع تسمية الثلاثة في رواية النَّسائيّ (١٨٤٧) من طريق معاوية بن صالح عن يحيى بن سعد، وساق مسلم (٩٣٥/ ٣٠) إسناده دون المتن. ٦٢٥ باب ٤٠ / ح ١٢٩٩ كتاب الجنائز قوله: ((جَلَسَ)) زاد أبو داود (٣١٢٢) من طريق سليمان بن كثير عن يحيى: في المسجد. قوله: ((يُعرَف فيه الحُزْن)) قال الطِّييُّ: كأنَّه كَظَمَ الحزن كَظماً، فظَهَرَ منه ما لا بدَّ للجِبِلّة البَشَريَّة منه. قوله: ((صائر الباب)) بالمهمَلةِ والتحتانيَّة وقع تفسيره في نفس الحديث: شَقّ الباب، وهو بفتح الشّين المعجَمة، أي: الموضع الذي يُنظَر منه، ولم يَرِد بكسر المعجَمة، أي: الناحية، إذ ليست مرادة هنا. قاله ابن التِّين، وهذا التفسير الظاهر أنَّه من قول عائشة، ويحتمل أن یکون ممَّن بعدها. قال المازَرِيّ: كذا وقع في ((الصحيحين)) هنا: ((صائر)) والصواب: صِيْر، أي: بكسر أوله وسكون التحتائيَّة، وهو الشَّقّ. قال أبو عُبيد في ((غريب الحديث)) (٤٢/٢) في الكلام على حديث: ((مَن نظُرَ من صِير الباب ففُقِئَت عَينُه فهي هَدْر)) الصِّير: الشَّ، ولم نَسمَعه إلَّا في هذا الحديث. وقال ابن الجَوْزيّ: صائر وصِير بمعنَى واحد، وفي كلام الخطّابي نحوه. قوله: ((فأتاه رجل)) لم أقف على اسمه وكأنَّه أُبهمَ عمداً لما وقع في حقِّه من غَضِّ عائشة منه. قوله: ((إنَّ نساء جعفر)) أي: امرأته وهي أسماء بنت عُمَيس الخَتْعَمِيَّة ومَن حَضَرَ عندها من أقاربها وأقارب جعفر ومَن في معناهُنّ، ولم يَذكُر أهل العلم بالأخبار لجعفرِ امرأة غير أسماء. قوله: ((وذَكَرَ بكاءَهُنَّ) كذا في ((الصحيحين))(١)، قال الطِّييُّ: هو حال عن المستِّرِ في قوله: ((فقال)) وحذف خبر ((إنَّ) من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى: قال الرجل: إنَّ نساء جعفر فعَلنَ كذا ممّا لا ينبغي من البكاء المشتَمِل مثلاً على النَّوح. انتهى، وقد وقع عند أبي عَوَانة من طريق سليمان بن بلال عن يحيى: ((قد كَثُرَ بُكاؤُهُنَّ) فإن لم يكن تصحيفاً فلا حذف ولا تقدير، ويؤيِّده ما عند ابن حِبَّان (٣١٤٧) من طريق عبيد الله ابن عَمْرو عن يحيى بلفظ: قد أكثرنَ بکاءَهُنَّ. (١) وأخرجه مسلم برقم (٩٣٥). ٦٢٦ باب ٤٠ / ح ١٢٩٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَذَهَبَ)) أي: فنَهاهُنَّ فلم يُطِعِنَه. قوله: (ثُمَّ أتاه الثانية لم يُطِعْنَه)) أي: أتى النبيَّ وَّ المرّةَ الثانية فقال: إنهنَّ لم يُطِعنَه، ووقع في رواية أبي عَوَانة المذكورة: فذكر أنَّهُنَّ لم يُطِعِنَه. قوله: ((قال: والله غَلَبْنَنَا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: لقد غَلَبنَنَا. قوله: ((فَزَعَمَت)) أي: عائشة، وهو مَقُول عَمْرة، والزَّعْم قد يُطلَق على القول المحقَّق وهو المراد هنا. ١٦٨/٣ قوله: ((أنَّه قال)) في الرواية الآتية بعد أربعة أبواب (١٣٠٥): أنَّ النبيّ ◌َّ قال. قوله: «فاحثُ)) بضم المثلّثة وبکسرها یقال: حَثًا تَجثو وتَثي. قوله: ((التُراب)) في الرواية الآتية: ((من التُّراب)). قال القُرطبيّ: هذا يدلُّ على أنهنَّ رَفَعنَ أصواتهنَّ بالبكاء، فلمَّا لم ينتهينَ أمَرَه أن يَسُدّ أفواههنَّ بذلك، وخَصَّ الأفواه بذلك لأنَّها محلّ النَّوح بخلاف الأعيُن مثلاً. انتهى، ويحتمل أن يكون كناية عن المبالَغة في الزَّجر، أو المعنى: أعلِمُهُنَّ أنهنَّ خائباتٌ من الأجر المترتّب على الصَّبر لمَا أظهرنَ من الجَزَع، كما يقال للخائب: لم يُحُصِّل في يده إلَّ التُّراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ عائشة الآتي. وقيل: لم يُرَدْ بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز، أي: أنهنَّ لا يَسكُتنَ إلَّا بسَدِّ أفواههنّ، ولا يَسُدّها إلَّا أن تُمُلأَ بالتُّراب، فإن أمكَنَك فافعل. وقال القُرطبيّ: يحتمل أنهنَّ لم يُطِعِنَ الناهي لكَونِه لم يُصرِّح لهنَّ بأنَّ النبيّ وَّ نَهَا هُنّ، فحُمِلَ ذلك على أنَّه مُرشِد للمصلحة من قِبَل نفسه، أو عَلِمِنَ ذلك لكن غَلَبَ عليهنَّ شِدَّة الحزن لحرارة المصيبة. ثمَّ الظاهر أنَّه كان في بُكائِهِنَّ زيادة على القَدْر المباح، فيكون النَّهي للتحريم بدليلٍ أنَّه كَرَّرَه وبالَغَ فيه وأمرَ بعقوبتِهِنَّ إن لم يَسكُتن. ويحتمل أن يكون بكاءً مجرَّداً والنَّهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لَأرسَلَ غير الرجل المذكور لمنعِهِنَّ لأَنَّه لا يُقِرُّ على باطل. ويَبعُد تمادي الصحابيّات بعد تَكْرار النَّهي على فعل الأمر المحرَّم، وفائدة ٦٢٧ باب ٤٠ / ح ١٢٩٩ كتاب الجنائز نهيهنَّ عن الأمر المباح خَشْية أن يَستَرسِلنَ فيه، فيُفضي بهنَّ إلى الأمر المحرَّم لضعفٍ صبرهنّ، فيُستَفاد منه جواز النَّهي عن المباح عند خَشْية إفضائه إلى ما يَحِرُم. قوله: ((فقلتُ)) هو مَقُول عائشة. قوله: ((أرغَمَ الله أنفك)) بالراء والمعجَمة، أي: ألصَقَه بالرَّغام بفتح الراء والمعجَمة: وهو التُراب، إهانةً وإذلالاً، ودَعَت عليه من جنس ما أمَرَ أن يفعله بالنِّسوةِ لفَهمِها من قرائن الحال أنَّه أحرَجَ النبيّ وَلَه بكثرة تردُّده إليه في ذلك. قوله: ((لم تَفْعَل)) قال الكِرْمانيُّ: أي: لم تُبِّغ النَّهي، ونَفَتْه وإن كان قد نَهى ولم يُطِعِنَه، لأَنَّ نهيَه لم يَتَرتَّب عليه الامتثال فكأنَّه لم يفعل، ويحتمل أن تكون أرادت: لم تفعل، أي: الحَثْو بالتُّراب. قلت: لفظة ((لم)) يُعبَّر بها عن الماضي، وقولها ذلك وقع قبل أن يَتَوجَّه، فمن أينَ عَلِمَت أنَّه لم يفعل؟ فالظاهر أنَّها قامت عندها قَرِينة بأنَّه لا يفعل، فعَبَّرَت عنه بلفظ الماضي مُبالَغة في نفي ذلك عنه، وهو مُشعِر بأنَّ الرجل المذكور كان مِن ألزام (١) النِّسوة المذكورات، وقد وقع في الرواية الآتية بعد أربعة أبواب (١٣٠٥): ((فوالله ما أنت بفاعلٍ ذلكَ))، وكذا لمسلم (٩٣٥/ ٣٠) وغيره(٢)، فظَهَرَ أنَّه من تَصَرُّف الرُّواة. قوله: ((من العَناء)) بفتح المهمَلة والنون والمدّ، أي: المشَقّة والتَّعَب، وفي رواية لمسلم: ((من العِيّ)) بكسر المهمَلة وتشديد التحتانيَّة، ووقع في رواية العُذْريّ(٣): ((الغَيّ)) بفتح المعجَمة بلفظ ضِدِّ الرُّشد، قال عِيَاض: ولا وجه له هنا. وتُعُقِّبَ بأنَّ له وجهاً، ولكنَّ (١) كذا في (أ) و(س)، ولعله أراد من يلازم النسوةَ المذكورات ويدخل عليهنَّ كمَحرَم أو عبدٍ، ويؤيد هذا المعنى ما وقع في (ع)، ففيها: من أرحام، والله تعالى أعلم. (٢) كأحمد (٢٤٣١٣)، والنسائي (١٨٤٧). (٣) هو الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر العُذْري الأندلسي المعروف بابن دِلْهاث، ولد سنة ٣٩٣هـ، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ، قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٥٦٧/١٨: أخذ ((صحيح مسلم)) عن أبي العباس بن بُندار الرازي، ولازم أبا ذر الهروي وسمع منه ((صحيح البخاري)) سبع مرات. ٦٢٨ باب ٤٠ / ح ١٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري الأول أليَقُ لموافقتِه لمعنى العَناء التي هي رواية الأكثر. قال النَّوَويّ: مرادها أنَّ الرجل قاصر عن القيام بما أُمِرَ به من الإنكار والتأديب، ومع ذلك لم يُفصِحِ بعَجِزِه عن ذلك ليُرسِل غيره فيستريح من الثَّعَب. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الجلوس للعَزاء بسكينةٍ ووقار، وجواز نظر النِّساء المحتَجِبات إلى الرجال الأجانب، وتأديب مَن ◌ُهيَ عمَّا لا ينبغي له فعله إذا لم ينته، وجواز اليمين لتأكيد الخبر. تنبيه: هذا الحديث لم يَرْوه عن عَمْرة إلَّا يحيى بن سعيد، وقد رواه عن عائشة أيضاً القاسم بن محمد، أخرجه ابن إسحاق في ((المغازي)) قال: حدَّثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه؛ فذكر نحوه، وفيه من الزيادة في أوله: قالت عائشة: وقد نَهانا خيرُ الناس عن التكلّف. ١٣٠٠ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، حذَّثنا عاصمٌ الأحوَلُ، عن أنس ﴾، قال: قَنَتَ رسول الله ◌َ شهراً حينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فما رأيتُ رسولَ الله وَّهَ حَزِنَ حُزْناً قَطُّ أشدّ منه. قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عليّ)) هو الفَلّاس، والكلام على المتن تقدَّم في آخر أبواب الوتر ١٦٩/٣ (١٠٠٢)، وشاهد الترجمة منه قوله: ((ما حَزِنَ حُزناً قَطُّ أشدَّ منه))، فإنَّ ذلك يَشمَل حالة جلوسه وغيرها. ٤١ - باب من لم يُظهِر حزنَه عند المصيبة وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ: الجَزَعُ: القولُ السِّئُ والظنُّ السيُِّ. وقال يعقوبُ عليه السلام: ﴿ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. ١٣٠١ - حذَّثنا بِشرُ بنُ الحَكَم، حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبَينة، أخبرنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة: أنَّه سمع أنسَ بنَ مالكٍ ﴾، يقول: اشتَكَى ابنٌّ لأبي طَلْحة، قال: فماتَ وأبو طَلْحةَ خارجٌ، فلمَّا رَأْتِ امرأتُه أنَّه قد ماتَ هَيَّأْت شيئاً، ونَخَّتْه في جانبِ البيتِ، فلمَّا جاءَ أبو طَلْحَةً ٦٢٩ باب ٤١ / ح ١٣٠١ كتاب الجنائز قال: كيفَ الغلامُ؟ قالت: قد هَدَأَت نفسُه، وأرجو أن يكونَ قد استَراحَ، وظَنَّ أبو طَلْحةَ أنَّها صادقةٌ، قال: فباتَ، فلمَّ أصبَحَ اغتَسَلَ، فلمَّا أرادَ أن يَخْرُجَ أعلَمَتْه أنَّه قد ماتَ، فصَلَّى مع النبيِّ وََّ ثَمَّ أخبَرَ النبيَّلَه بما كانَ منهما، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لَعلَّ اللهَ أن يُبارِكَ لكما في لیلِكُم)». قال سفيانُ: فقال رجلٌ من الأنصارِ: فرأيتُ لهما تسعةً أولادٍ، كلُّهم قد قرأ القرآنَ. [طرفه في: ٥٤٧٠] قوله: ((باب مَن لم يُظهِر حُزنَه عند المصيبة)) تقدَّم الكلام على ذلك في الترجمة التي قبلها، و((يُظهِر)) بضم أوله من الرُّباعيّ، و((حُزنَه)) منصوب على المفعولِيَّة. قوله: ((وقال محمَّد بن كعب)) يعني: القُرَظيّ، بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مُشالَة. قوله: ((السَّيِّئ)) بفتح المهملة وتشديد التحتانيَّة بعدها أُخرى مهموزة، والمراد به: ما يَبعَثُ الحزن غالباً، وبالظنّ السيِّئ: اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت، أو الاستبعاد لحصولٍ ما ◌ُعِدَ به من الثَّواب على الصَّبر. وقد روى ابن أبي حاتم في تفسير سورة ((سألَ)) من طريق أيوب بن موسى عن القاسم بن محمد كقول محمد ابن کعب هذا. قوله: ((وقال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ ﴾)) قال الَّين بن المنيِّرِ: مُناسَبة هذه الآية للترجمة أنَّ قول يعقوب لمَّا تضمَّنَ أنَّه لا يَشكُو - بتصريحٍ ولا تعريض - إلَّا لله، وافق مقصود الترجمة، وكان خطابه بذلك لبَنِيه بعد قوله: ﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. والبَثُّ بفتح الموحّدة بعدها مُثَلَّثة ثقيلة: شِدَّة الحزن. قوله: ((حدَّثْنا بِشْر بن الحَكَم)) هو النَّيسابوريّ، قال أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): يقال: إنَّ هذا الحديث ممَّا تَفَرَّدَ به البخاري عن بشر بن الحكم. انتهى، يعني: من هذا الوجه من حديث سفيان بن عُيَينةَ، ولم يُرِّجه أبو نُعيم ولا الإسماعيليّ من طريق إسحاق إلَّا من جهة البخاريّ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو ٦٣٠ باب ٤١ / ح ١٣٠١ فتح الباري بشرح البخاري إسحاق المذكور عن أنس، وأخرجه البخاري (٥٤٧٠) ومسلم (٢٣/٢١٤٤) من طريق أنس بن سِيرِين، ومحمدُ بن سعد (٤٣١/٨-٤٣٢) من طريق حُميدِ الطَّويل، كلاهما عن أنس، وأخرجه مسلم وابن سعد أيضاً وابن حِبَّان (٧١٨٧) والطَّيالسيّ (٢١٦٨) من طرق عن ثابت عن أنس أيضاً، وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية بعض، وسأذكرُ ما في كلٍّ من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. ١٧٠/٣ قوله: ((اشتكى ابنٌ لأبي طَلْحة)) أي: مرض، وليس المراد أنَّه صَدَرَت منه شكوى، لكن لمَّا كان الأصل أنَّ المريض يَحَصُل منه ذلك، استُعمِلَ في كلِّ مرض لكلِّ مريض. والابن المذكور: هو أبو عُمَير الذي كان النبيّ وَّه يُمازحه ويقول له: ((يا أبا عُمَير، ما فعل النُّغيرِ)) كما سيأتي في كتاب الأدب (٦١٢٩)، بيَّن ذلك ابن حِبَّان في روايته (٧١٨٨) من طريق عُمارة بن زاذانَ عن ثابت، وزاد (٧١٨٧) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت في أوله قصَّة تزويج أمّ سُلَيم بأبي طلحة بشرطِ أن يُسلِم وقال فيه: فحَمَلت فَوَلَدَت غُلاماً صَبِيحاً، فكان أبو طلحة ◌ُحِبّه حُبّاً شديداً، فعاشَ حتَّى تَحَرَّك فمرض، فحَزِنَ أبو طلحة عليه حُزناً شديداً حتَّى تَضَعضَع، وأبو طلحة يَغدُو ويَرُوح على رسول الله ◌ََّ، فراحَ رَوْحةً فمات الصبيُّ؛ فأفادت هذه الرواية تسمية امرأة أبي طلحة. ومعنى قوله: ((وأبو طلحة خارجٌ)) أي: خارج البيت عند النبيّ ◌َّ في أواخر النهار، وفي رواية الإسماعيليّ: كان لأبي طلحة ولد فتُولِّ، فأرسَلَت أمّ سُلَيم أنساً يدعو أبا طلحة، وأمَرَته أن لا يُخْبِرِه بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائماً. قوله: (هَيَّأَت شيئاً)) قال الكِرْمانيُّ: أي: أعَدَّت طعاماً لأبي طلحة وأصلحته، وقيل: هَيَّأْت حالها وتَزَيَّنَت. قلت: بل الصواب أنَّ المراد أنَّهَا هَيَّت أمرَ الصبيّ بأن غَسَّلَته وكَفَّنَتَه كما وَرَدَ في بعض طرقه صريحاً، ففي رواية أبو داود الطَّيالسيّ (٢١٦٨) عن مشايخه عن ثابت: فهَيَّت الصبيّ، وفي رواية حُميدٍ عند ابن سعد (٨/ ٤٣١-٤٣٢): فتُوفِّيَ الغُلامِ فَهَيَّأت أمّ سُلَيم أمره، وفي ٦٣١ باب ٤١ / ح ١٣٠١ كتاب الجنائز رواية عمارة بن زاذانَ عن ثابت(١): فهَلَك الصبيّ، فقامت أمّ سُلَيم فغَسَّلَتَه وكَفَّتَتَه وحَنَّطَته، وسَجَّت عليه ثوباً. قوله: ((ونَخَّتْه في جانب البيت)) أي: جعلته في جانب البيت، وفي رواية جعفر عن ثابت(٢): فجعلته في مَدَعها. قوله: ((هَدَأَت)) بالهمز، أي: سَكَنَت و(«نَفْسه)) بسكون الفاء كذا للأكثر، والمعنى: أنَّ النَّفْس كانت قَلِقة مُنزَعِجة بعارض المرض فسَكَنَت بالموت، وظَنَّ أبو طلحة أنَّ مرادها أنَّهَا سَكَنَت بالنوم لوجود العافية، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((هَدَأْ نَفَسه)) بفتح الفاء أي: سَكَن، لأنَّ المریض یکون نَفَسُه عالياً، فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات. ووقع في رواية أنس ابن سِيرِينَ(٣): ((هو أسكَنُ ما كان))، ونحوه في رواية جعفر عن ثابت، وفي رواية مَعمَر عن ثابت (٤): ((أمسَى هادئاً))، وفي رواية حُميدٍ: ((بخيرٍ ما كان))، ومعانيها مُتْقارِبة. قوله: ((وأرجو أن يكون قد استَراحَ)) لم تَجِزِمْ بذلك على سبيل الأدب، ويحتمل أنَّها لم تكن عَلِمَت أنَّ الطِّفل لا عذاب عليه، ففَوَّضَت الأمر إلى الله تعالى، مع وجود رجائها بأنَّه استراحَ من نَگَد الدنیا. قوله: ((وظَنَّ أبو طَلْحة أنَّها صادقة)) أي: بالنّسبة إلى ما فَهِمَه من كلامها، وإلَّا فهي صادقة بالنّسبة إلى ما أرادت. قوله: ((فباتَ)) أي: معها (فلمَّا أصبَحَ اغتَسَلَ)) فيه كناية عن الجِماع، لأنَّ الغُسل إنَّما يكون في الغالب منه، وقد وقع التصريح بذلك في غير هذه الرواية، ففي رواية أنس بن سِيرِين: فَقَرَّبَت إليه العَشاء فتَعَشَّى، ثمَّ أصاب منها، وفي رواية عبد الله (٥): ثمَّ تَعرَّضَت له (١) عند ابن حبان برقم (٧١٨٨). (٢) عند ابن حبان برقم (٧١٨٧). (٣) ستأتي عند البخاري برقم (٥٤٧٠)، وهي عند مسلم (٢١٤٤) (٢٣). (٤) أخرجها عبد بن حميد برقم (١٢٤٠). (٥) أي: عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وروايته عند الإسماعيلي في ((مستخرجه)) كما سلف في أول الشرح. ٦٣٢ باب ٤١ / ح ١٣٠١ فتح الباري بشرح البخاري فأصاب منها، وفي رواية حَمَّاد عن ثابت(١): ثمَّ تَطَيَّت، زاد جعفر عن ثابت: فَتَعرَّضَت له حَتَّى وقع بها، وفي رواية سليمان عن ثابت(٢): ثمَّ تَصَنَّعَت له أحسنَ ما كانت تَصَنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها. قوله: ((فلمَّا أرادَ أن يَخْرُج أعلَمَتْه أنَّه قد ماتَ)) زاد سليمان بن المغيرة عن ثابت عند مسلم (١٠٧/٢١٤٤): فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أنَّ قوماً أعاروا أهل بيت عاريَّة فطَلَبوا عاريَّتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتَسِب ابنك، قال: فَغَضِبَ وقال: تَرَكِنِي حتَّى تَلَطَّختُ، ثمَّ أخبرتني بابني؟! وفي رواية عبد الله: فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوماً أعاروا متاعاً ثمَّ بَدَا لهم فيه فأخذوه، فكأنَّهم وَجَدوا في أنفُسهم، زاد حَمَّاد في روايته عن ثابت: فأَبَوا أن يَرُدّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إنَّ العاريَّة مُؤَدّاة إلى أهلها؛ ثمَّ اتَّفَقا: فقالت: إنَّ الله أعارَنا فلاناً ثمَّ أخذَه منّا، زاد حَمَّاد: فاسترجَعَ. ١٧١/٣ قوله: ((لَعَلَّ الله أن يُبارِك لكما في ليلتكُم)» في رواية الأَصِيليّ: ((لهما في ليلتهما))، ووقع في رواية أنس بن سِيرِين(٣): ((اللهمَّ بارك لهما))، ولا تَعارُض بينهما، فيُجمَع بأنَّه دعا بذلك وَرَجًا إجابة دعائه، ولم تختلف الرُّواة عن ثابت وكذا عن حُميدٍ في أنَّه قال: ((بارك الله لكما في ليلتكما))، وعُرِفَ من رواية أنس بن سِيرِين أنَّ المراد الدُّعاء وإن كان لفظه لفظ الخبر. وفي رواية أنس بن سِيرِينَ من الزيادة: فَوَلَدَت غُلاماً، وفي رواية عبد الله بن عبد الله: فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة. وسيأتي الكلام على قصَّة تحنيكه وغير ذلك حيثُ ذكره المصنّف في العقيقة (٥٤٧٠). قوله: ((قال سفيان)) هو ابن عُيَينةَ بالإسناد المذكور. قوله: ((فقال رجل من الأنصار ... )) إلى آخره، هو عَبَاية بن رِفاعة، لما أخرجه سعيد بن 93 منصور ومُسدَّد وابن سعد (٤٣٤/٨) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (١٩٨/٦-١٩٩) كلّهم من (١) عند أحمد في ((مسنده)) (١٤٠٦٥). (٢) عند مسلم برقم (٢١٤٤) (١٠٧). (٣) ستأتي برقم (٥٤٧٠)، وهي عند مسلم برقم (٢١٤٤) (٢٣). ٦٣٣ باب ٤١ / ح ١٣٠١ كتاب الجنائز طريق سعيد بن مسروق عن عَبَاية بن رِفاعة قال: كانت أمُّ أنس تحت أبي طلحة؛ فذكر القصَّة شبيهةً بسياق ثابت عن أنس، وقال في آخره: فوَلَدَت له غُلاماً، قال عَباية: فلقد رأيت لذلك الغُلام سبع بنينَ كلّهم قد خَتَمَ القرآن. وأفادت هذه الرواية أنَّ في رواية سفيان تَجوُّزاً في قوله: ((لهم))، لأنَّ ظاهره أنَّه من ولدهما بغير واسطة، وإنَّما المراد من أولاد ولدهما المدعوِّ له بالبَرَكة، وهو عبد الله بن أبي طلحة. ووقع في رواية سفيان: ((تسعة))، وفي هذه: ((سبعة)) فلعلَّ في أحدهما تصحيفاً، أو المراد بالسبعة مَن خَتَمَ القرآن كلَّه، وبالتِّسعة: مَن قرأ مُعظَمه، وله من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعُمارة وإبراهيم وعُمَير وزيد ومحمد، وأربع من البنات. وفي قصَّة أمّ سُلَيم هذه من الفوائد أيضاً: جواز الأخذ بالشِّدّةِ وترك الرُّخصة مع القُدْرة عليها، والتَّسلية عن المصائب، وتزيُّن المرأة لزوجِها، وتَعرُّضها لطَلَب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعيَّة المعاريض الموهِمة إذا دَعَت الضَّرورة إليها، وشرط جوازها أن لا تُبطِلَ حَقّاً لمسلم، وكان الحامل لأُمَّ سُلَيم على ذلك المبالَغة في الصَّبر والتَّسليم لأمر الله تعالى ورجاء إخلافه عليها ما فاتَ منها، إذ لو أعلمَت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تَنكَّدَ عليه وقته ولم تَبلُغ الغَرَضَ الذي أرادته، فلمَّا عَلِمَ الله صدق نيَّتَها بَلَّغَها مُناها وأصلَحَ لها ذُرِّيَّتها. وفيه إجابة دعوة النبيّ وَّهِ، وأنَّ مَن تَرَك شيئاً عَوَّضَه الله خيراً منه، وبيان حال أمّ سُلَيم من التَّجَلُّد وجَوْدة الرَّأي وقوَّة العَزْم، وسيأتي في الجهاد (٢٨٨٠) والمغازي (٤٠٦٤) أنَّها كانت تَشهَد القتال وتقوم بخدمة المجاهدينَ إلى غير ذلك ممّا انفردت به عن مُعظَم النِّسوة، وسيأتي شرح حديث أبي عُمَير ما فعل النُّغير مُستوفَّى في أواخر كتاب الأدب (٦٢٠٣)، وفيه بيان ما كان سُمّيَ به غيرَ الكُنية التي اشتَهَر بها. ٤٢ - باب الصبر عند الصَّدمة الأولى وقال عمرُ ﴾: نِعِمَ العِدْلانِ ونِعمَ العِلاوةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ ٦٣٤ باب ٤٢ / ح ١٣٠٢ فتح الباري بشرح البخاري ﴿ أُوْلَبْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: إِلَيْهِ رَجِعُونَ ١٥٦ - ١٥٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. ١٣٠٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن ثابتٍ، قال: سمعتُ أنساً ، عن النبيِّ ◌ِّم قال: «الصَّبْرُ عند الصَّدْمَةِ الأُولى». قوله: ((باب الصَّبْر عند الصَّدْمة الأُولى)) أي: هو المطلوب المبَشَّر عليه بالصلاة والرّحمة، ١٧٢/٣ ومن هنا تظهر مُناسَبة إيراد أثر عمر في هذا الباب، وقد تقدَّم الكلام على المتن المرفوع مُستوقّ في باب زيارة القبور (١٢٨٣). قوله: ((وقال عُمَر)) أي: ابن الخطّاب. قوله: ((العِذْلان)) بكسر المهملة، أي: المثلان. قوله: ((العِلاوة)) بكسرها أيضاً، أي: ما يُعلَّق على البعير بعد تمام الحِمْل. وهذا الأثر وَصَلَه الحاكم في ((المستدرَك)) (٢/ ٢٧٠) من طريق جَرِير عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيّب عن عمر كما ساقه المصنّف، وزاد: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتُ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعِمَ العِدْلان ﴿وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ نِعمَ العِلاوة. وهكذا أخرجه البيهقيُّ (٦٥/٤) عن الحاكم، وأخرجه عبدُ بن حُميدٍ في ((تفسيره)) من وجه آخر عن منصور من طريق نُعَيم بن أبي هند عن عمر نحوه، وظَهَرَ بهذا مرادُ عمر بالعِدلَينِ وبالعِلاوة، وأنَّ العِدلَين: الصلاة والرَّحمة، والعِلاوة: الاهتداء. ويؤيِّده وقوعهما بعد ((على)) المشعِرة بالفوقيَّة المشعِرة بالحَمل، قاله الزّين بن المنیِر. وقد رُوِيَ نحو قول عمر مرفوعاً أخرجه الطَّرانيُّ في ((الکبیر)) (١٢٤١١) من حديث ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَّةِ: ((أُعطيَت أُمَّتي شيئاً لم يُعطَه أحد من الأُمَم عند المصيبة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْمُهْتَدُونَ﴾))(١)، قال: فأخبر أنَّ المؤمن إذا سَلَّمَ لأمر (١) وأخرجه الطبراني أيضاً في ((الدعاء)) (١٢٢٨) بالإسناد ذاته، وهو ضعيف جداً. ٦٣٥ باب ٤٢ / ح ١٣٠٢ كتاب الجنائز الله واسترجَعَ، كُتِبَ له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرَّحمة، وتحقيق سُبُل الهُدَى، فأغنَى هذا عن التكلُّف في ذلك كقول المهلَّب: العِدْلان: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، والعِلاوة: الثَّواب عليهما، وعن قول الكِرْمانيّ: الظاهر أنَّ المراد بالعِدلَين: القول وجزاؤُه، أي: قول الكلمتين ونَوْعا الثَّواب لأنَّهما مُتلازِمان. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ الآية)) هو بالجرِّ عَطفاً على أول الترجمة، والتقدير: وبابُ قولِه تعالى، أي: تفسيره أو نحو ذلك. وقوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ قيل: أفرَدَ الصلاة لأنَّ المراد بالصَّبر: الصوم، وهو من التُّروك، أو الصَّبر عن الميِّت تركُ الجَزَع، والصلاة أفعال وأقوال، فلذلك ثَقُلَت على غير الخاشعين، ومن أسرارها أنَّها تُعِين على الصَّبر لمَا فيها من الذِّكر والدُّعاء والخضوع، وكلُّها تُضادُّ حُبَّ الرِّياسة وعَدَم الانقياد للأوامر والنَّواهي، وكأنَّ المصنّف أراد بإيراد هذه الآية ما جاء عن ابن عبّاس: أنَّه نُعيَ إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجَعَ ثمَّ تَنَخَّى عن الطَّريق، فأناخَ فصَلَّى ركعتين أطالَ فيهما الجلوس ثمَّ قام وهو يقول: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ الآية، أخرجه الطبريُّ في ((تفسيره)) (٢٦٠/١) بإسناد حسن، وعن حُذيفة قال: كان رسول الله وَلَه إذا حَزَبَه أمر صَلَّى، أخرجه أبو داود (١٣١٩) بإسناد حسن أيضاً. قال الطبريُّ: الصَّبر منعُ النَّفْس مَحَابَّهَا وكَفُّها عن هواها، ولذلك قيل لمن لم يجزَع: صابر، لكَفِّه نفسه، وقيل لرمضان: شهر الصَّبر لكَفّ الصائم نفسه عن المطعَم والمشرَب. ٤٣ - باب قول النبيّ وَلّ: ((إنَّا بك لمحزونون)) قال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ: «تَدمَعُ العينُ ويَحَزَنُ القلب)). ١٣٠٣ - حدَّثني الحسنُ بنُ عبدِ العزيز، حدَّثْني يحيى بنُ حسَّانَ، حدَّثنا قُرَيشٌ - هو ابنُ حَيّانَ - عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: دَخَلْنا مع رسولِ اللهِوََّ على أبي سَيفِ القَيْن، وكانَ ظِئْراً لإبراهيمَ عليه السلام، فأخذَ رسولُ الله ◌َّهِ إِبراهيمَ فقَبَّلَه وشَمَّه، ثمَّ دَخَلْنا عليه بعدَ ذلكَ وإبراهيمُ يَجُودُ بنفسِهِ، فجَعَلَت عَيْنا رسولِ اللهِ وَلَ تَذْرِفانٍ، فقال له عبدُ الرحمن ٦٣٦ باب ٤٣ / ح ١٣٠٣ فتح الباري بشرح البخاري ابنُ عَوْفٍ ﴾: وأنتَ يا رسولَ الله؟ فقال: ((يا ابنَ عَوْفٍ، إنَّهَا رحمةٌ)) ثمَّ أتْبَعَها بأُخرى فقال وَلَه: ((إنَّ العينَ تَدمَعُ والقلبَ يَجِزَنُ، ولا نقولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنا، وإِنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لمَحْزونونَ». رواه موسى، عن سليمانَ بنِ المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾، عن النبيِّ وَل. ١٧٣/٣ قوله: ((باب قول النبيّ وَ لّ: إنَّا بك لمَحْزونونَ. قال ابن عمر عن النبيِّ ◌َّ: تَدمَع العين، ويَحْزَن القلب)) سَقَطَت هذه الترجمة والأثر في رواية الحَمُّوِيّ وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كأنَّ المراد به ما أورَدَه المصنّف في الباب الذي بعد هذا (١٣٠٤) إلَّا أنَّ لفظه: ((إنَّ الله لا يُعذِّب بدَمْع العين ولا بحُزْن القلب)) فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى، لأنَّ ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، وأمَّا لفظه فثبَتَ في قصَّة موت إبراهيم من حديث أنس عند مسلم (٢٣١٥)، وأصله عند المصنّف كما في هذا الباب، وعن عبد الرحمن بن عَوْف عند ابن سعد (١٣٨/١) والطَّبَرانيّ(١)، وأبي هريرة عند ابن حِبَّان (٣١٦٠) والحاكم (٣٨٢/١)، وأسماء بنت يزيد عند ابن ماجَهْ (١٥٨٩)، ومحمود بن لَبيدٍ عند ابن سعد (١/ ١٤٢)، والسائب بن يزيد وأبي أُمامةَ عند الطَّبَرانيّ (٦٦٦٧ و٧٨٩٩). قوله: ((حدَّثني الحسن بن عبد العزيز)) هو الجَرَويّ بفتح الجيم والراء، منسوب إلى جَرْوة بفتح الجيم وسكون الراء: قرية من قُرَى تِنّيس، وكان أبوه أميرها، فتَزهَّدَ الحسن ولم يأخذ من تَرِكة أبيه شيئاً، وكان يقال: إنَّه نَظِير قارون في المال، والحسن المذكور من طبقة البخاري، ومات بعده بسنةٍ وليس له عنده سوى هذا الحديث وحديثين آخرينٍ في التفسير(٢). قوله: ((حدَّثني يحيى بن حسَّان)) هو التُّنِّيسِيُّ، أدرَكَه البخاري ولم يَلقَه، لأنَّه مات قبل أن يدخل مصر، وقد روى عنه الشافعيُّ مع جَلالَته ومات قبله بمُّدّةٍ، فوقع للحسن نَظِير (١) أصل قصة موت إبراهيم لم يورده الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأورده الهيثمي في (المجمع)) ١٧/٣ ونسبه إلى أبي يعلى - وهو في ((مسنده)) الكبير برواية ابن المقرئ - وإلى البزار (١٠٠١). (٢) في سورة الأنفال برقم (٤٦٥٠)، وفي سورة الفتح برقم (٤٨٣٧). ٦٣٧ باب ٤٣ / ح ١٣٠٣ كتاب الجنائز ما وقع لشيخِه من رواية إمام عظيم الشَّأن عنه ثمَّ يموت قبله. قوله: ((حدَّثنا قُرَيش، هو ابن حَيّان)) هو بالقاف والمعجَمة، وأبوه بالمهمَلةِ والتحتانيَّة، بصريّ يُگنی أبا بكر. قوله: ((على أبي سَيفٍ)) قال عياض: هو البَرَاء بن أوس، وأُمّ سيف زوجته: هي أمّ بُرْدة واسمها خولة بنت المنذر. قلت: جمعَ بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصحيح وبين قول الواقديّ فيما رواه ابن سعد في «الطَّقات)) (١٣٦/١) عنه عن يعقوب بن أبي صَعصَعة عن عبد الله بن أبي صَعِصَعة قال: لمَّا وُلِدَ له إبراهيم تَنافَسَت فيه نساء الأنصار أيَّتُهنَّ تُرضِعه، فدَفَعَه رسول الله وَّه إلى أمّ بُرْدة بنت المنذر بن زيد بن لَبيدٍ من بني عَديّ بن النَّجّار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجَعْد من بني عَديّ بن النَّجّار أيضاً، فكانت تُرضِعه، وكان رسول الله ﴿ يأتيه في بني النَّجّار. انتهى، وما جمعَ به غير مُستَبعَد، إلّا أنَّه لم يأتِ عن أحد من الأئمّة التصريح بأنَّ البراء بن أوس يُكْنى أبا سيف، ولا أنَّ أبا سيف يُسمَّی البراء بن أوس. قوله: ((القَيْن)) بفتح القاف وسكون التحتانيَّة بعدها نون: هو الحَدّاد، ويُطلَق على كلِّ صانع، يقال: قانَ الشيءَ: إذا أصلَحَه. قوله: ((ظِئْراً)) بكسر المعجَمة وسكون التحتائيَّة المهموزة بعدها راء، أي: مُرضِعاً، وأُطلِقَ عليه ذلك لأنَّه كان زوج المرضِعة، وأصل الظُّر من: ظَأَرَت الناقةُ: إذا عَطَفَت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي تُرضِع غير ولدها، وأُطلِقَ ذلك على زوجها لأنَّه يشاركها في تربيته غالباً. قوله: (لإبراهيم)) أي: ابن رسول الله وَل﴾، ووقع التصريح بذلك في رواية سليمان بن المغيرة المعلّقة بعد هذا، ولفظه عند مسلم (٢٣١٥) في أوله: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ فسمَّيته باسمِ أبي إبراهيم)» ثمَّ دَفَعَه إلى أمّ سيف امرأة فَينٍ بالمدينة يقال له: أبو سيف، فانطلق ٦٣٨ باب ٤٣ / ح ١٣٠٣ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله وَ﴾ فاتَّبَعتُه، فانتهى إلى أبي سيف وهو يَنفُخ بكِيرِه وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعتُ المشي بين يَدَي رسول الله وَ له فقلت: يا أبا سيف، أمسِك جاء رسول الله ◌َّ. ١٧٤/٣ ولمسلم أيضاً (٢٣١٦) من طريق عَمْرو بن سعيد عن أنس: ما رأيت أحداً / كان أرحَمَ بالعيال من رسول الله وَيرٍ، كان إبراهيم مُستَرضَعاً في عَوَالي المدينة، وكان يَنطَلِقِ ونحنُ معه فيدخل البيت، وإِنَّه ليُدَّخَنُ، وكان ظِتْرُه قَيناً. قوله: ((وإبراهيم يجُود بنفسِه)) أي: يُخِرِجها ويَدفَعها كما يدفع الإنسان ماله، وفي رواية سليمان: ((يَكِيد)). قال صاحب ((العين)) أي: يَسُوق بها، وقيل معناه: يُقَارِب بها الموت، وقال أبو مروان بن ◌ِرَاج: قد يكون من الكَيد: وهو القيء، يقال منه: كاد يَكِيد، شَبَّهَ تَقلُّعَ نفسه عند الموت بذلك. قوله: (تَذْرِفان)) بذالٍ معجمة وفاء، أي: يجري دمعهما. قوله: ((وأنتَ يا رسولَ الله؟)) قال الطِّيّ: فيه معنى التعجُّب، والواو تستدعي معطوفاً عليه، أي: الناس لا يَصِرونَ على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنَّه تَعَجَّبَ لذلك منه مع عهده منه أنَّه يُحُثّ على الصَّبر وينهى عن الجَزَع، فأجابه بقوله: ((إنَّها رحمة)) أي: الحالة التي شاهدتها منِّي هي رِقّة القلب على الولد لا ما تَوَهَّمتَ من الجَزَع. انتهى، ووقع في حديث عبد الرحمن بن عَوْف نفسه(١): فقلت: يا رسولَ الله تبكي، أوَلم تَنهَ عن البكاء! وزاد فيه ((إَّمَا نَهَيَتُ عن صوتَينِ أحمقين فاجرَين: صوت عند نَغْمة لهو ولَعِب ومَزاميرِ الشيطان، وصوت عند مصيبة: خَمْش وجوه، وشَقِّ جيوب، ورَنّة شيطان، قال: إنَّما هذا رحمة، ومَن لا يرحم لا يُرحَم))، وفي رواية محمود بن لَبيدٍ (٢): فقال: ((إنَّما أنا بَشَر))، وعند عبد الرزاق (٦٦٧٢) من مُرسَل مكحول: ((إنَّما أنّهَى الناسَ عن النِّياحة أن يُندَب الرجل بما ليس فيه)). قوله: (ثُمَّ أَتْبَعَها بأُخرى)) في رواية الإسماعيليّ: ((ثُمَّ أتْبَعَها والله بأُخرى)) بزيادة القَسَم، (١) عند ابن سعد ١/ ١٣٨، وعند البزار (١٠٠١). (٢) عند ابن سعد ١/ ١٤٢. ٦٣٩ باب ٤٣ / ح ١٣٠٣ كتاب الجنائز قيل: أراد به أنَّه أتبَعَ الدَّمعةَ الأولى بدمعةٍ أُخرى، وقيل: أتْبَعَ الكلمةَ الأولى المجمَلة وهي قوله: ((إنَّها رحمة)) بكلمةٍ أُخرى مُفصَّلة وهي قوله: ((إنَّ العين تدمع))، ويؤيِّد الثاني ما تقدَّم من طريق عبد الرحمن ومُرسَل مكحول. قوله: ((إنَّ العين تَدمَع ... )) إلى آخره، في حديث عبد الرحمن بن عَوْف ومحمود بن لَبيدٍ: ((ولا نقول ما يُسخِطِ الرَّبّ))، وزاد في حديث عبد الرحمن في آخره: ((لولا أنَّه أمرٌ حقٌّ ووعد صِدْق وسبيلٌ نَأتيه، وأنَّ آخرنا سيَلحَقُ بأولِنا، لخَزِنَّا عليك حُزْناً هو أشدُّ من هذا))، ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد(١)، ومُرسَل مكحول، وزاد في آخره: ((وفَضْلُ رضاعه في الجنَّة))، وفي آخر حديث محمود بن لَبيدٍ: وقال: ((إنَّ له مُرضِعاً في الجنَّة)) ومات وهو ابن ثمانيةَ عشرَ شهراً. وذِكْر الرَّضاع وقع في آخر حديث أنس عند مسلم (٢٣١٦) من طريق عَمْرو بن سعيد عنه، إلّا أنَّ ظاهر سياقه الإرسال، فلفظه: قال عَمْرو: فلمَّا تُوقِّيَ إبراهيم قال رسول الله وَّ: ((إنَّ إبراهيم ابني، وإنَّه مات في الثَّدي، وإنَّ له لظِئِرَينِ يُكمِلان رَضاعَه في الجنَّة))، وسيأتي في أواخر الجنائز (١٣٨٢) حديث البراء: ((إنَّ لإبراهيم لَمُرضِعاً في الجنَّة)». فائدة في وقت وفاة إبراهيم عليه السلام: جَزَمَ الواقديّ بأنَّه مات يوم الثَّلاثاء لعشِرِ لَيَالٍ خَلَونَ من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حَزْم: مات قبل النبيّ وَّر بثلاثة أشهر، واتَّفَقوا على أنَّه وُلِدَ في ذي الحِجّة سنة ثمانٍ. قال ابن بَطَّال وغيره: هذا الحديث يُفسِّر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين ورِقّة القلب من غير سُخْط لأمر الله، وهو أبيَنُ شيء وقع في هذا المعنى. وفيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشَمّه، ومشروعيَّة الرَّضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتَضَر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكِتِمان أَولى. وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكلٌّ منهما مأخوذ من مُخاطَبة النبيِّ وَّ (١) عند ابن ماجه (١٥٨٩). ٦٤٠ باب ٤٤ / ح ١٣٠٤ فتح الباري بشرح البخاري ولدَه مع أنَّه في تلك الحالة لم يكن ممَّن يَفهَم الخطاب لوجهين: أحدهما: صِغَره، والثاني: نزاعه، وإنَّما أراد بالخطاب غيرَه من الحاضرين إشارةً إلى أنَّ ذلك لم يدخل في نهيه السابق. وفيه جواز الاعتراض على مَن خالَفَ فعلُه ظاهرَ قوله ليظهر الفرق. وحكى ابن التِّين قول من قال: إنَّ فيه دليلاً على تقبيل الميِّت وشَمّه، ورَدَّه بأنَّ القصّة إنّما وقعت قبل الموت، وهو كما قال. ١٧٥/٣ قوله: ((رواه موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكيُّ، وطريقه هذه وَصَلَها البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (١/ ١٤٧) من طريق تمتام - وهو بمُثنَّاتَينِ لَقَب محمد بن غالب البغداديّ الحافظ - عنه، وفي سياقه ما ليس في سياق قريش بن حيّان، وإنَّما أراد البخاري أصل الحديث. ٤٤ - باب البكاء عند المريض ١٣٠٤ - حدَّثنا أصبَغُ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو، عن سعيدِ بنِ الحارثِ الأنصاريِّ، عن عبدِ الله بنِ عمَ رضي الله عنهما، قال: اشتکی سعدُ بنُ عُبادةَ شْوَی له، فأتاه النبيُّ وَّ يعودُه مع عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ وسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ وعبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنهم، فلمَّا دخل عليه فوَجَدَه في غاشيةِ أهلِهِ فقال: ((قد قَضَى؟)) قالوا: لا يا رسولَ الله، فبگی النبيُّ ◌َّةِ، فلمَّا رأى القومُ بكاءَ النبيِّ ◌َ بَكَوْا، فقال: ((ألا تَسْمَعُون، إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ بدَمْعِ العينِ ولا بحُزْنِ القلبِ، ولكن يُعذّبُ بهذا - وأشار إلى لسانِه - أو يَرحَمُ، وإِنَّ المِيِّتَ يُعذّبُ بیکاءِ أهلِە علیە». وكانَ عمرُ يضربُ فيه بالعصا، ويَرْمي بالحجارة، ويَحْئي بالتّراب. قوله: ((باب البكاء عند المريض)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ. قال الزَّين بن المنيِر: ذِكْر المريض أعمُّ من أن يكون أشرفَ على الموت، أو هو في مبادئ المرض، لكنَّ البكاء عادة إنَّما يقع عند ظهور العلامات المَخُوفة كما في قصَّة سعد بن عُبادةً في حديث هذا الباب.