النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
باب ١٧ / ح ١٢٦٣
كتاب الجنائز
١٧ - باب يلقى شعر المرأة خلفها
١٢٦٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشام بنِ حسَّانَ قال: حدَّثتنا حَفْصةُ،
عن أُمّ عطيّةَ رضي الله عنها قالت: تُوقِّيَت إحدى بناتِ النبيِّ وَّه فأتانا النبيُّ ◌َّ فقال:
(غِلْنَها بالسِّدْرِ وِتْراً ثلاثاً أو خمساً، أو أكثرَ من ذلكِ إن رأيتُنَّ ذلكَ، واجعَلْنَ في الآخرةِ
كافُوراً - أو شيئاً من كافُورٍ - فإذا فَرَغتُنَّ فَآَذِنَني)) فلمَّا فَرَغْنا آذنَّاه، فَأَلْقَى إلينا حَقْوَه، فضَفَرْنا
شعرَها ثلاثةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيناها خَلْفَها.
قوله: ((باب يُلْقَى شعر المرأة خَلْفها)» في رواية الأَصِيلِيّ وأبي الوَقْت: يُجِعَل، وزاد
الحَمُّوِيّ: ثلاثة قُرون.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أمّ عطيّة من رواية هشام بن حسَّان عن حفصة وفيه:
((فضَفَرْنا شعرها ثلاثة قُرون فألقَيناها خلفها» أخرجه مُسدَّد عن يحيى بن سعيد، وقد
أخرجه النَّسائيُّ (١٨٨٥) عن عَمْرو بن عليّ عن يحيى بلفظ: ((ومَشَطناها))، وقد تقدَّم ذلك
من رواية الثَّوريّ عن هشام أيضاً (١٢٦٢)، وعند عبد الرزاق (٦٠٩٣) من طريق أيوب
عن حفصة: ضَفَرنا رأسها ثلاثة قُرون ناصيتها وقَرنَيها، وألقَيناه إلى خلفها.
قال ابن دَقِيق العيد: فيه استحباب تسريح المرأة وتضفيرها، وزاد بعض الشافعيّة أن
تُجعَل الثلاث خلف ظهرها، وأورَدَ فيه حديثاً غريباً. كذا قال، وهو ممّا يُتْعَجَّب منه مع
گون الزيادة في «صحيح البخاريّ))، وقد توبعَ راویها عليها كما تراه.
وفي حديث أُمّ عطيّة من الفوائد غير ما تقدَّم في هذه التراجم العشر: تعليم الإمام
مَن لا علم له بالأمر الذي يقع فيه، وتفويضه إليه إذا كان أهلاً لذلك بعد أن يُنبِّهه على
عِلَّة الحُكْم.
واستُدلَّ به على أنَّ الغُسل من غَسْل الميّت ليس بواجبٍ، لأنَّه موضع تعليم ولم يُؤمَر ١٣٥/٣
به، وفيه نظر لاحتمال أن يكون شُرِعَ بعد هذه الواقعة.
وقال الخطَّبيُّ: لا أعلم أحداً قال بوجوبه. وكأنَّه ما دَرَى أنَّ الشافعيّ عَلَّقَ القول به

٥٦٢
باب ١٨ / ح ١٢٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
على صِحّة الحديث، والخلاف فيه ثابت عند المالكيَّة وصار إليه بعض الشافعيّة أيضاً.
وقال ابن بَزِيزَة: الظاهر أنَّه مُستحَبّ، والحِكْمة فيه تَتَعلَّق بالميِّت، لأنَّ الغاسل إذا عَلِمَ
أنَّه سيَغْتَسِلُ لم يَتَحَفَّظ من شيء يصيبه من أثر الغسل، فيبالغ في تنظيف المِيِّت وهو مطمئنٌّ،
ويحتمل أن يَتعلَّق بالغاسلِ ليكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده مَّا لعلَّه أن يكون
أصابه من رشاش ونحوه. انتهى.
واستدلَّ به بعض الحنفيّة على أنَّ الزَّوج لا يَتَوَّ غسلَ زوجته، لأنَّ زوج ابنة النبيِّ وَلـ
كان حاضراً وأمَرَ النبيُّ وَ ◌ّهُ النِّسوة بغَسْل ابنته دون الزَّوج، وتُعُقِّبَ بأنَّه يتوقَّف على صِحَّة
دعوى أنَّه كان حاضراً، وعلى تقدير تسليمه، فيحتاج إلى تُبوت أنَّه لم يكن به مانع من ذلك
ولا آثَرَ النِّسوة على نفسه وعلى تسليمه، فغايةُ ما فيه أن يُستدَلَّ به على أنَّ النِّسوة أَولى منه،
لا على منعه من ذلك لو أراده، والله أعلم بالصواب.
١٨ - باب الثِّاب البِيضِ للكفن
١٢٦٤ - حدَّثْنا محمّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوة، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله ◌ِوََّ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ(١) من
كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ.
[أطرافه في: ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧]
قوله: ((باب الثّياب البيض للكَفَن)) أورَدَ فيه حديث عائشة: كُفِّنَ النبيّ ◌َِّ في ثلاثة
أثواب بيض ... الحديث، وتقرير الاستدلال به أنَّ الله لم يكن ليختارَ لنبيِّه إلَّا الأفضل،
وكأنَّ المصنّف لم يَتْبُتْ على شرطه الحديثُ الصَّريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السُّنَن
من حديث ابن عبّاس بلفظ: ((البَسُوا ثياب البياض فإنَّهَا أطهَر وأطيَب، وكَفِّنوا فيها
موتاكم)) صحَّحه التِّرمِذيّ والحاكم (٢)، وله شاهد من حديث سَمُرة بن جُندُب أخرجوه،
(١) سيأتي الكلام في ضبطها ومعناها عند الحديث رقم (١٢٧٢).
(٢) الترمذي في ((جامعه) (٩٩٤)، والحاكم في ((مستدركه)) ٣٥٤/١، وهو عند أبي داود برقم (٣٨٧٨)، =

٥٦٣
باب ١٩ / ح ١٢٦٥
كتاب الجنائز
وإسناده صحيح أيضاً(١).
وحكى بعض مَن صَنَّفَ في الخلاف عن الحنفيَّة: أنَّ المستَحَبَّ عندهم أن يكون في
أحدها ثوب حِبَة، وكأنَهم أخذوا بما رويَ: أنَّه عليه الصلاة والسلام كُفِّنَ في ثوبينِ وبُرْد
حِبَرة، أخرجه أبو داود من حديث جابر وإسناده حسن(٢)، لكن روى مسلم (٤٥/٩٤١-
٤٦) والتِّرمِذيّ (٩٩٦) من حديث عائشة: أَّهم نَزَعوها عنه، قال التُّرمِذيّ: وتكفينه في
ثلاثة أثواب بيض أصحُّ ما وَرَدَ في كَفَنه. وقال عبد الرزاق (٦١٧٣) عن مَعمَر عن هشام
ابن عُرْوة: لُفَّ في بُرد حِبَرَة جُفِّفَ فيه ثمَّ نُزِعَ عنه. ويُمكِن أن يُستدَلّ لهم بعموم حديث
أنس: كان أحبّ اللباس إلى رسول الله وَّهِ الحِبَرَة. أخرجه الشيخان، وسيأتي في اللباس(٣).
والحِبَرَة بكسر الحاء المهمَلة وفتح الموحَّدة: ما كان من البُرود مُخُطَّطاً.
١٩ - باب الكفن في ثوبين
١٢٦٥ - حدَّثنا أبو الثُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عبّاس
رضي الله عنهم قال: بينما رجلٌ واقفٌ بعَرَفَةَ إذ وَقَعَ عن راحلتِهِ فَوَقَصَتْه - أو قال: فأوقَصَتْه -
قال النبيُّ ◌َّهِ: ((اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوه في تَوْبينٍ، ولا تُحِّطُوه، ولا تُحِّروا رأسَه، فإنَّه
يُبعَثُ يومَ القيامةِ مُلبِّاً)).
[أطرافه في: ١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١]
= وابن ماجه برقم (١٤٧٢).
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٦٧)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦) و(٥٣٢٢)، والحاكم ٣٥٤/١-٣٥٥.
(٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فإن أبا داود لم يُخرج لجابر في هذا الباب إلا حديثه عن النبي وَّ قال:
(إذا توفي أحدكم فوجد شيئاً فليكفَّن في ثوب حبرة))، وهو فيه برقم (٣١٥٠)، ثم أخرج حديث عائشة:
أن النبيِ وَّ﴿ كُفِّن في ثلاثة أثواب، قال عروة: فذُكر لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أُتي
بالبُرد ولكنهم ردُّوه ولم يكفِّنوه فيه. وأما ما رواه أحمد في («مسنده)) (٢٣٥٧) عن ابن عباس: أنه ◌ِله
أُدرج في ثوبين أبيضين وبرد حبرة، فسنده ضعيف، وسيأتي عند البخاري برقم (٥٨١٤) عن عائشة: أن
رسول الله ◌َ﴿ حين توفي سُجِّي ببرد حبرة. أي: مُدَّ عليه وغُطي به.
(٣) برقم (٥٨١٢) و(٥٨١٣)، وهو عند مسلم برقم (٢٠٧٩).

٥٦٤
باب ٢٠ / ح ١٢٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٦/٣ قوله: ((باب الكَفَن في ثوبين)) كأنَّه أشار إلى أنَّ الثلاث في حديث عائشة (١٢٦٤) ليست
شرطاً في الصِّحّة، وإنَّما هو مُستحَبٌّ وهو قول الجمهور. واختُلِفَ فيما إذا شَخَّ بعض
الوَرَثة بالثاني أو الثالث، والمرجَّح أنَّه لا يُلتَفَت إليه، وأمَّا الواحد الساتر لجميع البَدَن فلا
بدَّ منه بالاتّفاق.
قوله: «حدّثنا حماد» في روایة الأَصِیليّ: ابن زید.
قوله: ((بينما رجلٌ)) لم أقف على تسميته.
قوله: ((واقفٌ)) استُدلَّ به على إطلاق لفظ الواقف على الرّاكب.
قوله: ((بعَرَفَ)) سيأتي بعد باب من وجه آخر: ونحنُ مع النبيّ ◌َِلّ.
قوله: ((فَوَقَصَتْه، أو قال: فأوقَصَتْه)) شٌّ من الرّاوي، والمعروف عند أهل اللُّغة الأول
والذي بالهمزِ شاذٍّ، والوَقْص: كسر العُنُق، ويحتمل أن يكون فاعل ((وَقَصَته)) الوَقْعة أو
الرَّاحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع، والأول أظهَر، وقال الكِرْمانيُّ: ((فوَقَصَته)) أي:
راحلته، فإن كان الكسر حَصَلَ بسبب الوقوع فهو مَجَاز، وإن حَصَلَ من الرَّاحلة بعد
الوقوع فحقيقةٌ.
قوله: ((وكَفِّنُوه في ثوبين)) استُدلَّ به على إبدال ثياب المحرِم وليس بشيءٍ، لأنَّه سيأتي في
الحج (١٨٤٩) بلفظ: ((في ثوبَيه))، وللنَّسائيّ (١٩٠٤) من طريق يونس بن نافع عن عَمْرو
ابن دينار: ((في ثوبَيه اللَّذَينِ أحرَمَ فيهما)»، وقال المحِبّ الطبريّ: إنَّما لم يَزِده ثوباً ثالثاً تَكرِمةُ
له كما في الشَّهيد حيثُ قال: ((زَمِّلوهم بدمائهم)»(١).
واستدلَّ به على أنَّ الإحرام لا ينقطع بالموتِ كما سيأتي بعد باب، وعلى تَرْك النِيابة في
الحج، لأنَّه وَلّه لم يأمر أحداً أن يُكمِل عن هذا المحرم أفعال الحج، وفيه نظرٌ لا يخفى.
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٣٦٦٠) من حديث جابر بن عبد الله، وهو بنحوه عند البخاري فيما سيأتي
برقم (١٣٤٣).

٥٦٥
باب ٢٠ / ح ١٢٦٦
كتاب الجنائز
قال ابن بَطَّال: وفيه أنَّ مَن شَرَعَ في عمل طاعة ثمَّ حالَ بينه وبين إتمامه الموت، رُجيَ
له أنَّ الله يَكتُبه في الآخرة من أهل ذلك العمل.
٢٠ - باب الحَنُوط للميِّت
١٢٦٦ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا خَّادٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله
عنهما قال: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسولِ الله ◌ِهِ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ من راحلتِهِ فأقصَعَتْه - أو قال:
فأقعَصَتْه - فقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوه في ثوبينٍ، ولا تُنِّطُوه، ولا
تُخُمِّروا رأسَه، فإنَّ اللهَ يبعثُه يومَ القيامةِ مُلِّياً)).
قوله: ((باب الحَنُوط للميِّت)) أي: غير المحرِم.
أوردَ فيه حديث ابن عبّاس المذكور عن شيخ آخر، وشاهد الترجمة قوله: ((ولا
تُنِّطوه) ثمَّ عُلِّل ذلك بأنَّه يُبعَث مُلِّياً، فدَلَّ على أنَّ سبب النَّهي أنَّه كان مُحرِماً، فإذا انتَفَت
العِلَّة انتفى النَّهي، وكأنَّ الحَنُوط للميِّتِ كان مُقرَّراً عندهم. وكذا قوله: ((لا تُحُمِّروا
رأسه)) أي: لا تُغَطُّوه.
قال البيهقيُّ: فيه دليل على أنَّ غير المحرِمِ يُحُنَّط كما يُحمَّر رأسه، وأنَّ النَّهي إنّما وقع
لأجل الإحرام. خلافاً لمن قال من المالكيَّة وغيرهم: إنَّ الإحرام ينقطع بالموتِ فيُصنَع
بالميِّت ما يُصنَع بالحيّ.
قال ابن دَقِيق العيد: وهو مُقتَضى القياس، لكنَّ الحديث بعد أن ثَبَتَ يُقدَّم على
القياس، وقد قال بعض المالكيَّة: إثبات الحَنُوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من مَنْع
الخَنُوط للمُحرِم، ولكنَّها واقعة حال يَتَطَرَّق الاحتمال إلى منطوقها فلا يُستدَلّ بمفهومها.
وقال بعض الحنفيَّة: هذا الحديث ليس عامّاً بلفظه لأنَّه في شخص مُعيَّن، ولا بمعناه ١٣٧/٣
لأنَّه لم يقل: يُبعَث مُلبّياً لأنَّه مُحرِم، فلا يَتَعدَّى حكمُه إلى غيره إلَّا بدليلٍ مُنْفَصِل.
وقال ابن بَزِيزَة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأنَّ هذا مخصوص بذلك

٥٦٦
باب ٢١ / ح ١٢٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الرجل، لأنَّ إخباره وَّ بأنَّه يُبعَث مُلبّاً شهادة بأنَّ حَجّه قُبِل، وذلك غير مُحقَّق لغيره.
وتعقّبه ابن دَقِيق العيد بأنَّ هذه العِلَّة إنَّما ثبتت لأجل الإحرام فتَعُمّ كلَّ مُحُرِم، وأمَّا القَبُول
وعَدَمه فأمر مُغيَّب.
واعتَلَّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿ وَأَن ◌َّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وبقوله ◌َّ: ((إذا
مات الإنسان انقَطَعَ عمله إلّا من ثلاث))(١)، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت.
وأُجيبَ بأنَّ تكفينَه في ثوبي إحرامه وتَبقيَته على هيئة إحرامه من عمل الحيِّ بعده
كغَسلِه والصلاة عليه، فلا معنى لمَا ذَكَروه.
وقال ابن المنيِّرِ في ((الحاشية)): وقد قال بَّله في الشُّهَداء: ((زَمِّلوهم بدِمائهم))(٢) مع قوله:
((والله أعلم بمَن يُكلَم في سبيله)(٣) فعَمَّمَ الْحُكْم في الظاهر بناءً على ظاهر السبب، فينبغي أن
يُعمَّم الحُكْم في كلّ مُحِرِم، وبين المجاهد والمحرِم جامعٌ لأنَّ كلّ منهما في سبيل الله.
وقد اعتَذَرَ الداووديّ عن مالك فقال: لم يَبلُغه هذا الحديث، وأورَدَ بعضهم أنَّه لو كان
إحرامه باقياً لوَجَبَ أن يُكمَل به المناسك، ولا قائل به. وأُجيب بأنَّ ذلك وَرَدَ على خلاف
الأصل فيُقْتَصَر به على مَورِد النصّ، ولا سيَّما وقد وَضَحَ أنَّ الِحِكْمة في ذلك استبقاء شِعار
الإحرام كاستبقاء دم الشَّهید.
٢١ - باب كيف يكفّن المحرم
١٢٦٧ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، أخبرنا أبو عَوَانة، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهم: أنَّ رجلاً وَقَصَه بعيرُه ونحنُ مع النبيِّ ◌َّه وهو مُحرِمٌ، فقال النبيُّ ◌َلِّ:
((اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّئُوه في ثوبينٍ، ولا تُمِسُّوه طِيباً، ولا تُحُمِّروا رأسَه، فإنَّ اللهَ يبعثُهُ يومَ
القيامةِ مُلبِّياً)).
(١) أخرجه مسلم (١٦٣١) (١٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) سلف تخريجه في آخر الباب السابق.
(٣) سيأتي عند البخاري برقم (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة.

٥٦٧
باب ٢١ / ح ١٢٦٧ -١٢٦٨
كتاب الجنائز
١٢٦٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَّاهُ بنُ زيدٍ، عن عَمرٍو وأيوبَ، عن سعيدِ بنِ جُبَير،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم قال: كانَ رجلٌ واقِفاً مع النبيِّ وَّ بِعَرَفة، فوَقَعَ عن راحلِتِه،
قال أيوبُ: فَوَقَصَتْه - وقال عَمْرٌو: فأقصَعَتْه - فماتَ فقال: ((اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوه في
ثوبينٍ، ولا تُحتِّطُوه، ولا تُحِمِّروا رأسَه، فإنَّه يُبعَثُ يومَ القيامةِ - قال أيوبُ: يُلِّي، وقال عَمْرٌو:
مُلِّيا)).
قوله: ((باب كيف يُكفَّن المحرِمِ)) سَقَطَت هذه الترجمة للأَصِيليِّ وثبتت لغيره وهو أوجه.
وأورَدَ المصنّف فيها حديث ابن عبّاس المذكور من طريقَين، ففي الأول: ((فإنَّه يُبعَث
يوم القيامة مُلبِّياً)) كذا للمُستَمْلِي، وللباقينَ: ((مُلِّدًا)) بدالٍ بدل التحتانيَّة، والتَّلبيد: جمع
الشَّعر بصَمغ أو غيره ليَخِفَّ شَعَتُه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك. وقد
أنكَرَ عياض هذه الرواية وقال: ليس للتَّلبيدِ معنَى. وسيأتي في الحج (١٨٣٩) بلفظ: (يُهِلّ))
ورواه النَّسائيُّ (١٩٠٤) بلفظ: ((فإِنَّه يُبعَث يوم القيامة مُحُرِماً))، لكن ليس قوله: ((مُلِّداً))
فاسد المعنى، بل توجيهه ظاهر.
قوله في الرواية الأُخرى: ((كانَ رجل واقفاً) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقينَ: ((واقف)) على أنَّه
صفة لرجلٍ، و((كان)) تامَّة، أي: حَصَلَ رجلٌ واقف.
قوله: ((ولا تُمِسُّوه)) بضم أوله وكسر الميم من: أمَسَّ.
قوله: ((فأقصَعَتْه)) أي: هَشَّمَته، يقال: قَصَعَ القَمْلة: إذا هَشَّمها، وقيل: هو خاصّ
بكسر العَظْم، ولو سُلِّمَ فلا مانع أن يُستَعار لكسر الرَّقَبة. وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بتقديم
العين على الصاد، والقَعْص: القتل في الحال، ومنه: قُعَاص الغنم، وهو موتها.
قال الزَّين بن المنيِر: تضمّنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفيَّة مع أنَّهَا مُبيّنة، لكنَّها ١٣٨/٣
لمَّا كانت تَحَتَمِل أن تكون خاصَّة بذلك الرجل، وأن تكون عامَّة لكلِّ مُحِم، آثَرَ المصنّف
الاستفهام.
قلت: والذي يظهر أنَّ المراد بقوله: ((كيف يُكفَّن)) أي: كيفيَّة التكفين، ولم يُرِد الاستفهام،

٥٦٨
باب ٢١ / ح ١٢٦٧ -١٢٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وكيف يُظَنُّ به أنَّه مُتَردِّد فيه وقد جَزَمَ قبل ذلك بأنَّه عامٌّ في حقِّ كلّ أحد، حيثُ ترجم
بجواز التکفین في ثوبین.
قوله: ((ولا تُمِسُّوه)) بضمٍّ أوَّله وكسر الميم من: أَمسَّ.
قال ابن المنذر: في حديث ابن عبّاس إباحة غَسْل المحرِم الحيّ بالسِّدرِ خلافاً لمن كرهه
له، وأنَّ الوتر في الكَفَن ليس بشرطٍ في الصِّحّة، وأنَّ الكَفَن من رأس المال لأمره وَّ
بتكفينِه في ثوبَيه ولم يَستفصِلْ هل عليه دينٌ يستغرقُ أم لا.
وفيه استحباب تكفين المحرِم في ثياب إحرامه، وأنَّ إحرامه باقٍ، وأنَّه لا يُكفَّن في
المخيط.
وفيه التعليل بالفاء لقوله: ((فإنَّه))، وفيه التكفين في الثِّياب الملبوسة.
وفيه استحباب دوام التَّلبية إلى أن ينتهي الإحرام، وأنَّ الإحرام يَتعلَّق بالرأسِ لا
بالوجه، وسيأتي الكلام على ما وقع في مسلم (١٢٠٦) بلفظ: ((ولا تُحُمِّروا وجهه)» في
كتاب الحج (١٨٣٩) إن شاء الله تعالى. وأغرَبَ القُرطبيّ فحكى عن الشافعيّ أنَّ المحرم لا
◌ُصلَّی علیه، وليس ذلك بمعروفٍ عنه.
فائدة: يحتمل اقتصارُه له على التكفين في ثوبَيه لكَونِه مات فيهما وهو مُتلِّس بتلك
العبادة الفاضلة، ويحتمل أنَّه لم يَجِدْ له غيرهما.
٢٢ - باب الكفن في القميص الذي يُكفُّ أو لا يُكفُّ
١٢٦٩ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبیدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عبد الله بنَ أُبيِّ لمَّا تُونَِّ، جاء ابنُه إلى النبيِّ ◌َلّ فقال: يا
رسولَ الله، أعطِنِي قميصَكَ أُكَفِّنْه فيه وصَلِّ عليه، واسْتَغْفِرْ له، فأعطاه النبيُّ وَّ قميصَه
فقال: ((آذِّي أُصلِّى عليه)) فأذَنَه، فلمَّا أرادَ أن يُصلِّيَ عليه جَذَبَه عمرُ﴾ فقال: أليس اللهُ نَهَاكَ أن
تُصلِّيَّ على المنافقينَ؟ فقال: «أنا بين خِيَرَتَينٍ، قال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرُ

٥٦٩
باب ٢٢ / ح ١٢٦٩ - ١٢٧٠
كتاب الجنائز
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ [التوبة: ٨٠]))، فصَلَّى عليه فَنَزِلَتْ: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم
مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤].
[أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦]
١٢٧٠ - حدَّثْنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ابنُ عُبَينة، عن عَمرٍو، سَمِعَ جابراً ﴾ قال: أَتی
النبيُّ ◌َِّ عبدَ الله بنَ أَيِّ بعدَما دُفِنَ، فأخرَجَه فَتَفَثَ فيه من رِيقِه وأُلْبَسَه قميصَه.
[أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]
قوله: ((باب الكَفَن في القميص الَّذي يُكفُّ أو لا يُكفُّ)) قال ابن التِّين: ضَبَطَ بعضهم
(يُكَفّ)) بضم أوله وفتح الكاف وبعضهم بالعكس، والفاء مشدودة فيهما، وضَبَطَه
بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وتخفيف الفاء وكسرها، والأول أشبه بالمعنى.
وتعقَّبه ابن رُشَيد بأنَّ الثاني هو الصواب، قال: وكذا وقع في نسخة حاتم الطَّرابُلُسيّ،
وكذا رأيته في أصل أبي القاسم بن الوَرْد، قال: والذي يظهر لي أنَّ البخاري لَحَظَ قولَه
تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: أنَّ النبيَّ ◌َِّ البَسَ عبدَ الله بن أُبيّ قميصه
سواء كان يَكُفّ عنه العذاب أو لا يَكفّ، استصلاحاً للقلوب المؤلَّفة، / فكأنَّه يقول: يُؤخَذ ١٣٩/٣
من هذا التبرُّك بآثار الصالحين سواء عَلِمْنا أنَّه مُؤثِّر في حال الميِّت أو لا(١). قال: ولا يَصِحّ
أن يُرادَ به سواء كان الثوب مكفوفَ الأطراف أو غير مكفوف، لأنَّ ذلك وصف لا أثر له،
قال: وأمَّا الضَّبط الثالث فهو لحنٌّ، إذ لا مُوجِبَ لحذف الياء الثانیة فیه. انتهى.
وقد جَزَمَ المهلَّب بأنَّه الصواب، وأنَّ الياء سَقَطَت من الكاتب غلطاً.
قال ابن بَطَّال: والمراد: طويلاً كان القميص سابغاً أو قصيراً فإنَّه يجوز أن يُكفَّن فيه.
كذا قال، ووَجَّهَه بعضهم بأنَّ عبد الله كان مُفرِط الطُّول كما سيأتي في ذِكْر السبب في إعطاء
النبيّ وَّ له قميصه (٣٠٠٨)، وكان النبيّ وَلّ مُعتدِلَ الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه
ليُكفَّن فيه ولم يَلتَفِتْ إلى كَونِه ساتراً لجميع بَدَنه أو لا. وتُعُقِّبَ بأنَّ حديث جابر دالٌّ على
أنَّه كُفِّنَ في غيره فلا تَنْتَهِضُ الحُجّة بذلك.
(١) انظر الحاشية التي سلفت في آخر الباب رقم (٨).

٥٧٠
باب ٢٢ / ح ١٢٦٩ - ١٢٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قول ابن رُشَيد: إنَّ المكفوف الأطرافِ لا أثر له، فغير مُسلَّم، بل المتبادر إلى
الذِّهن أنَّه مراد البخاري كما فَهِمَه ابن التِّين، والمعنى: أنَّ التكفين في القميص ليس مُمتِعاً
سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف، أو المراد بالكَفِّ تزريره دفعاً لقول مَن
يَدَّعي أنَّ القميص لا يَسُوغ إلَّا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة، أو كان غير مُزَّر ليُشبِهِ
الرِّداء، وأشار بذلك إلى الردّ على مَن خالَفَ في ذلك، وإلى أنَّ التكفين في غير قميص
مُستحَبّ، ولا يُكرَه التكفين في القميص. وفي ((الخلافيَّات)) للبيهقيّ من طريق ابن عَوْن
قال: كان محمد بن سِيرِينَ يستحبُّ أن يكون قميص الميّت كقميص الحيّ مُكفَّفاً مُزرَّراً.
وسيأتي الكلام على حديث عبد الله بن عمر في قصَّة عبد الله بن أبيّ في تفسير براءة
(٤٦٧٠) إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه جواب الإشكال الواقع في قول عمر: أليس الله قد
تَهاكَ أن تُصلِّيَّ على المنافقينَ؟ مع أنَّ نزول قوله تعالى: ﴿وَلَ تُصَلّ عَلَىْ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾
كان بعد ذلك كما سيأتي في سياق حديث الباب حيثُ قال: فنزلت ﴿ وَلَا تُّصَلِّ﴾.
ومُحُصَّل الجواب أنَّ عمر فَهِمَ من قوله: ﴿فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ منعَ الصلاة عليهم،
فأخبرَه النبيّ وَّ أن لا منعَ، وأنَّ الرَّجاء لم ينقطع بعد.
ثمّ إنَّ ظاهر قوله في حديث جابر: أتى النبيُّ ◌َِّ عبدَ الله بن أُبيِّ بعدَما دُفِنَ فأخرجه
فَنَفَثَ فيه من ريقه وألبَسَه قميصه، مخالفٌ لقوله في حديث ابن عمر: لمَّا مات عبد الله بن
أُبيّ جاء ابنُه فقال: يا رسولَ الله، أعطِني قميصك أُكفِّنه فيه، فأعطاه قميصه وقال: ((آذِنّي
أُصلِّي عليه)) فآذَنه، فلمَّا أراد أن يُصلِّيَ عليه جَذَبَه عمر ... الحديث.
وقد ◌ُعَ بينهما بأنَّ معنى قوله في حديث ابن عمر: ((فأعطاه)) أي: أنعَمَ له بذلك،
فَأُطلِقَ على العِدَة اسم العطيّة مجازاً لتحقيقِ وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر: ((بعدَما
دُفِنَ عبد الله بن أُبيّ) أي: دُلَّ في حُفرَته، وكأنَّ أهل عبد الله بن أُبيّ خَشَوْا على النبيِّ وَلـ
المشقَّةَ في حضوره فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبيّ ◌َِّ، فلمَّا وَصَلَ وَجَدَهم قد دَلَّوه
في حُفرَته، فأمَرَ بإخراجه إنجازاً لوَعدِه في تكفينه في القميص والصلاة عليه، والله أعلم.

٥٧١
باب ٢٣ / ح ١٢٧١ - ١٢٧٢
كتاب الجنائز
وقيل: أعطاه وَ ◌ِّ أحدَ قميصَيهِ أولاً، ثمَّ لمَّا حَضَرَ أعطاه الثاني بسؤال ولده. وفي
(الإكليل)) للحاكم ما يؤيِّد ذلك.
وقيل: ليس في حديث جابر دلالة على أنَّه ألبَسَه قميصه بعد إخراجه من القبر، لأنَّ
لفظه: ((فَوَضَعَه على رُكبتَه وألبَسَه قميصه)) والواو لا تُرتِّب، فلعلَّه أراد أن يَذكُر ما وقع في
الجملة من إكرامه له من غير إرادة ترتيب، وسيأتي في الجهاد (٣٠٠٨) ذِكْر السبب في
إعطاء النبيّ ◌َّ قميصه لعبد الله بن أُبيّ، وبقيَّة القصَّة في التفسير (٤٦٧٠-٤٦٧٢) وأنَّ
اسم ابنه المذكور عبد الله کاسمٍ أبيه، إن شاء الله تعالی.
واستنْبَطَ منه الإسماعيليّ جواز طَلَب آثار أهل الخير منهم للتبرُّكِ بها وإن كان السائل
غَنّاً.
١٤٠/٣
٢٣- باب الکفن بغیر قمیصٍ
١٢٧١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن عُرْوة، عن عائشةَ رضي الله عنها
قالت: كُفِّنَ النبيُّ ◌َّ في ثلاثة أثوابٍ سُحُولٍ كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ.
١٢٧٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحبى، عن هشام، حدَّثني أَبي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ
رسولَ اللهَوَّلَ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ.
قوله: ((باب الكَفَن بغير قميص)» ثبتت هذه الترجمة للأكثر وسَقَطَت للمُستَمْلِي، ولكنَّه
ضَمَّنَها الترجمة التي قبلها فقال بعد قوله: أو لا يُكفّ: ((ومَن كُفِّنَ بغير قميص)).
والخلاف في هذه المسألة بين الحنفيّة وغيرهم في الاستحباب وعَدَمه، والثاني عن
الجمهور، وعن بعض الحنفيَّة: يُستَحَبّ القميص دون العِمامة. وأجاب بعض مَن خالَفَ
بأنَّ قولها: ((ليس فيها قميص ولا عِمامة)) يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون
المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن القميص والعِمامة، والأول أظهر، وقال بعض
الحنفيّة: معناه: ليس فيها قميص، أي: جديد، وقيل: ليس فيها القميص الذي غُسِّلَ فيه،
أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف.

٥٧٢
باب ٢٤-٢٥ / ح ١٢٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوْريّ.
قوله: ((سُحُول)) بضم المهمَلتينِ وآخره لامٌ، أي: بيض، وهو جمع سَحْل، وهو الثوب
الأبيض النَّقيّ، ولا يكون إلَّا من قطن، وقد تقدَّم (١٢٦٤) في ((باب الثّياب البيض
للكَفَن)) بلفظ: ((يَانيَة بيض سحوليَّةَ منْ كُرُسُف))، وعن ابن وَهْب: السُّحول: القُطن،
وفيه نظر.
وهو بضم أوله ويُروَى بفتحِه نسبة إلى سَحُول: قرية باليمن(١)، وقال الأزهَريّ:
بالفتح: المدينة، وبالضمِّ: الثُّياب. وقيل: النَّسَب إلى القرية بالضمّ، وأمَّا بالفتح فنسبة إلى
القَصّار، لأنَّه يَسحَلُ الثِّياب، أي: يُنقِّيها.
والكُرسُف بضم الكاف والمهمَلة بينهما راء ساكنة: هو القُطن، ووقع في رواية للبيهقيّ
(٣٩٩/٣): سحوليّة جُدُد.
٢٤ - باب الکفن بلا عمامة
١٢٧٣ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةَ رضي
الله عنها: أنَّ رسولَ اللهِوَلَ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيّةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ.
قوله: ((باب الكَفَن بلا عِمامة)» كذا للأكثر، وللمُستَمْلي: «الكَفَن في النِّیاب البيض»، والأول
أولى لئلا تتكرّر الترجمة بغير فائدة، وقد تقدَّم ما في هذا النَّفي في الباب الذي قبله.
قوله: ((ثلاثة أثواب)) في ((طبقات ابن سعد)) (٢٨٥/٢) عن الشَّعبيّ: إزار ورِداء ولِفافة.
٢٥ - باب الكفن من جميع المال
وبه قال عطاءٌ والزُّهْرِيُّ وعَمُرُو بنُ دِينارٍ وقَتَادة.
(١) السّحول حقل شاسع في جنوب اليمن، يبدأ من سفوح مدينة إب الشمالية ويمتدُّ شمالاً إلى رحاب، وهو
من أخصب حقول اليمن وأكثرها خيراً وعطاءً، كان أحد مخاليف اليمن (والمِخْلاف: كالمديرية أو
المحافظة في التقسيمات الإدارية الحديثة) وفيه قرى كثيرة. انظر ((البلدان اليمانية)) ص ١٤٥ للقاضي
إسماعيل الأكوع.

٥٧٣
باب ٢٥ / ح ١٢٧٤
كتاب الجنائز
وقال عَمُرُو بنُّ دِينارٍ: الحَنُوطُ من جميع المال.
وقال إبراهيمُ: يُبدَأُ بالكَفَنِ، ثمَّ بالدَّينِ، ثمَّ بالوصيَّةِ.
وقال سفيانُ: أجرُ القيِرِ والغَسْل هو مِن الكَفَن.
١٢٧٤ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ المكِّيُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن سعدٍ، عن أبيه قال: أُتيَ ١٤١/٣
عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ ﴾ يوماً بطعامِه فقال: قُتِلَ مصعبُ بنُ عُمَيرٍ، وكانَ خيراً منِّي، فلم
يُوجَدْ له ما يُكفَّنُ فيه إلا بُرْدَةٌ، وقُتِلَ حمزةُ أو رجلٌ آخرُ خيرٌ مِنِّي، فلم يُوجَدْ له ما يُكفَّنُ فيه
إلا بُرْدةٌ، لقد خَشِيتُ أن يكون قد عُجِّلَت لنا طَيِّاتُنا في حياتِنا الدُّنْيا، ثمَّ جَعَلَ يَبْكي.
[طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥]
قوله: ((باب الكَفَن من جميع المال)) أي: من رأس المال، وكأنَّ المصنِّف راعَى لفظ حديث
مرفوع وَرَدَ بهذا اللفظ، أخرجه الطََّرانيُّ في ((الأوسط)) (٧٤٠١) من حديث عليّ، وإسناده
ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في «العِلَل)» (١/ ٣٧٠) من حديث جابر، وحكى عن أبيه أنَّه
مُنكَر، قال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم إلَّا رواية شاذَّة عن خِلَاس بن عَمْرو
قال: الكَفَن من الثُّلث. وعن طاووس قال: من الثُّلث إن كان قليلاً.
قلت: أخرجهما عبد الرزاق (٦٢٢٥ و٦٢٢٦)، وقد يَرِدُ على هذا الإطلاق ما استَئناه
الشافعيَّة وغيرهم من الزَّكاة وسائر ما يَتعلَّق بعين المال، فإنَّه يُقدَّم على الكَفَن وغيره من
مُؤْنة التجهيز كما لو كانت التَّرِكة شيئاً مرهوناً أو عبداً جانياً.
قوله: ((وبه قال عطاء والزُّهْريّ وعَمْرو بن دينار وقَتَادة، وقال عَمْرو بن دينار: الحَنُوط
من جميع المال)) أمَّا قول عطاء فوَصَلَه الدارميُّ (٣٢٤١) من طريق ابن المبارك عن ابن
جُرَيج عنه قال: الحَنُوط والكَفَن من رأس المال، وأمَّا قول الزّهْرِيِّ وقَتَادة فقال
عبد الرزاق (٦٢٢١): أخبرنا مَعمَر عن الزّهْريِّ وَقَتَادة قالا: الكَفّن من جميع المال، وأمَّا
قول عَمْرو بن دينار فقال عبد الرزاق: عن ابن جُرَيج عن عطاء: الكَفّن والحَنُوط من
رأس المال قال: وقاله عمرو بن دينار(١).
(١) هو عند عبد الرزاق برقم (٦٢٢٢) ولفظه: الكفن والحنوط دین، وقالہ عمرو بن دينار.

٥٧٤
باب ٢٥ / ح ١٢٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال إبراهيم)) يعني: النَّخَعِيَّ ((يُبدَأ بالكَفَنِ ثمَّ بالدَّينِ ثمَّ بالوصيّة)) (١).
قوله: ((وقال سفيان)) أي: الثَّوريّ ... إلخ، وَصَلَه الدارميُّ (٣٢٣٩) من قول النَّخَعيِّ
كذلك دون قول سفيان، ومن طريق أُخرى عن النَّخَعَيّ (٣٢٣٧) بلفظ: الكَفَن من جميع
المال. ووَصَلَه عبد الرزاق (٦٢٢٤) عن سفيان - أي: الثَّوريّ - عن عُبيدة بن مُعتِّب عن
إبراهيم قال: فقلت لسفيان: فأجرُ القبر والغُسل؟ قال: هو من الكَفَن؛ أي: أجر حَفْر
القبر وأجر الغاسل من حُكم الكَفَن في أنَّه من رأس المال.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن محمَّد المكِّيّ)) هو الأزرقيّ على الصحيح.
قوله: ((عن سعد)) أي: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، فإبراهيم بن سعد في
هذا الإسناد راوٍ عن أبيه عن جَدِّه عن جَدِّ أبيه، وسيأتي سياقه في الباب الذي يليه
أصرح اتِّصالاً من هذا. ويأتي الكلام على فوائده مُستوفَّى في ((باب غزوة أُحُد)) من كتاب
المغازي (٤٠٤٥).
وشاهد الترجمة منه قوله في الحديث: ((فلم يُوجَدْ له)) لأنَّ ظاهره أنَّه لم يُوجَد ما يَملِكه
إلَّا البُرد المذكور، ووقع في رواية الأكثر: ((إلَّا بُرده)) بالضَّمير العائد عليه، وفي رواية
الكُشْمِيهنيّ: ((إلَّا بُردة)) بلفظ واحدة البُرود، وسيأتي في حديث خَبّاب في الباب الذي بعده
بلفظ: ((ولم يَترُك إلَّا نَمِرةً))، واختُلِفَ فيما إذا كان عليه دين مُستَغرِق هل يكون كفنهُ ساتراً
لجميع بَدَنه أو للعَورةِ فقط؟ المرجّح الأول، ونقل ابن عبد البَرِّ الإجماع على أنَّه لا يُجْزِئ
ثوب واحد يَصِفُ ما تحته من البَدَن.
قوله: ((أو رجل آخَر)) لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الروايات إلَّا بذِكْر حمزة
ومُصعَب فقط، وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((مُستخرَجه)) من طريق منصور بن أبي مُزاحم
عن إبراهيم بن سعد.
قال الزّين بن المنيِر: يُستَفاد من قصَّة عبد الرحمن إيثار الفقر على الغنى، وإيثار التخلِّ
(١) هو عند عبد الرزاق أيضاً برقم (٦٢٢٤).

٥٧٥
باب ٢٦-٢٧ / ح ١٢٧٥ - ١٢٧٦
كتاب الجنائز
للعبادةِ على تَعَاطي الاكتِساب(١)، فلذلك امتَنَعَ من تَناوُل ذلك الطَّعام مع أنَّه كان صائماً.
١٤٢/٣
٢٦ - باب إذا لم يوجد إلَّ ثوبٌ واحدٌ
١٢٧٥ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبٌ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن
أبيه إبراهيمَ: أَنَّ عبد الرحمن بنَ عَوْفٍ ﴾ أُتَيَ بطعام وكانَ صائماً فقال: قُتِلَ مُصعَبُ بنُ عُمَير
وهو خيرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُرْدةٍ، إن غُطِّيَ رأسُه بَدَتْ رِجْلاه، وإن غُطِّيَ رِجْلاه بَدَا رأسُه، وأُراه
قال: وَقُتِلَ حمزةُ وهو خيرٌ مِنِّي، ثمَّ بُسِطَ لنا مِن الدُّنْيا ما بُسِطَ - أو قال: أُعْطِينا مِن الدُّنْيا ما
أُعْطِينا - وقد خَشِينا أن تكونَ حسناتُنا عُجِّلَت لنا، ثمَّ جَعَلَ يبكي حتَّى تَرَكَ الطَّعامَ.
قوله: ((باب إذا لم يُوجَد إلَّا ثوب واحد)) أي: اقتُصِرَ عليه، ولا يُنتَظَر بدَفِه ارتِقابُ
شيء آخر.
وفي قول عبد الرحمن بن عَوْف: ((وهو خير منِّي)) دلالة على تواضعه. وفيه إشارة إلى
تعظيم فضل مَن قُتِلَ في المشاهد الفاضلة مع النبيّ ◌َّ.
وزاد في هذا الطَّريق: ((إن غُطِّيَ رأسه بَدَت رِجلاه)) وهو موافق لمَا في الرواية التي في
الباب الذي يليه، وروى الحاكم في ((المستدرَك)) (٣٦٥/١) من حديث أنس: أنَّ حمزة أيضاً
کُفِّنَ كذلك.
٢٧ - باب إذا لم يجد كفناً إلَّا ما يُوَاري رأسه أو قدميه غطّى رأسَه
١٢٧٦ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا شَقِيقٌ،
حدَّثَنا خَبَّابٌ ﴾ قال: هاجَرْنا مع النبيِّ وَّ نَلْتَمِسُ وجهَ الله فوَقَعَ أجرُنا على الله، فمِنَّا مَن
ماتَ لم يَأْكُلْ من أجرِه شيئاً، منهم مصعبُ بنُ عُمَير، ومِنَّا مَن أينَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهدِبُها، قُتِلَ
يومَ أُحُدٍ فلم نَجِدْ ما نُكفِّنُهُ به إلا بُرْدَةً، إذا غَطَّينا بها رأسَه خرجَتْ رِجْلاه، وإذا غَطَِّنا رِجْلَيه
(١) ليس في الحديث ما يشير إلى ما ذكره ابن المنيِر، بل المنهج الحقُّ على غير هذا من طلب الرزق والسَّعي
للاكتساب.

٥٧٦
باب ٢٧ / ح ١٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
خرجَ رأسُه، فأمَرَنا النبيُّ وَّهِ أَن نُغطَّ رأسَه، وأن نجعلَ على رِ جَلَيهِ مِن الإذْخِرِ.
[أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨]
قوله: (باب إذا لم يَجِدٍ كَفَناً إلَّا ما يُواري رأسه أو قَدَمَيه)) أي: رأسه مع بقيّة جسده إلَّا
قَدَمَيه أو العكس، كأنَّه قال: ما يواري جسده إلَّ رأسه، أو جسده إلَّا قدمَيهِ، وذلك بيِّن
من حديث الباب حيثُ قال: ((خرجتْ رِجلاه))، ولو كان المراد أنَّه يُغطِّي رأسه فقط دون
سائر جسده لكان تغطيةُ العورة أولى.
ويُستَفاد منه أنَّه إذا لم يُوجَد ساتر البَّة أنَّه يُغطّى جميعه بإذخِرٍ، فإن لم يُوجَد فبما تَيسَّرَ
من نبات الأرض، وسيأتي في كتاب الحج(١) قول العبّاس: ((إلَّا الإذخِر فإنَّه لبيوتِنا
وقبورنا))، فكأنَّها كانت عادةٌ لهم استعمالَه في القبور، قال المهلَّب: وإنَّما استَحَبَّ لهم النبيّ
وَّه التكفين في تلك الثِّياب التي ليست سابغة لأنَّهم قُتِلوا فيها. انتهى، وفي هذا الجزم
نظرٌ، بل الظاهر أنَّه لم يَجِدْ لهم غيرها كما هو مُقتَضى الترجمة.
قوله: ((حدَّثنا شَقِيق)) هو ابن سَلَمةَ أبو وائل، وخبَّاب بمعجمةٍ وموخَّدتين الأولى
مُثقَّلة: هو ابن الأرَتّ، والإسناد كلّه کوفُّون.
قوله: ((لم يَأْكُل من أجره شيئاً)) كناية عن الغنائم التي تناولها مَن أدرَك زمن الفُتوح،
وكأنَّ المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصوراً على أجر الآخرة.
قوله: ((أينَعَت)) بفتح الهمزة وسكون التحتانيَّة وفتح النون، أي: نَضِجَت.
قوله: ((فهو يَهدِبها)) بفتح أوله وكسر المهمَلة، أي: يَجتَنيها، وضَبَطَه النَّوَويّ بضم الدال،
وحكى ابن التِّين تثليثها.
قوله: ((ما نُكفِّنه به)) سَقَطَ لفظ ((به)) من رواية غير أبي ذرٍّ، وسيأتي بقيَّة الكلام على
فوائده في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٨) إن شاء الله تعالى.
(١) في موضعين: برقم (١٨٣٣) ولفظه: (( ... إلا الإذخر لصاغتنا وقبورن))، وبرقم (١٨٣٤) ولفظه: (( ... إلا
الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم)».

٥٧٧
باب ٢٨ / ح ١٢٧٧
كتاب الجنائز
١٤٣/٣
٢٨ - باب من استعدّ الكفن في زمن النبيّ ◌َّ فلم يُنكَر عليه
١٢٧٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، حدَّثنا ابنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سهلٍ ﴾: أنَّ امرأةً
جاءتِ النبيَّ وَّ بِيُرْدةٍ منسوجةٍ فيها حاشيتُها - أتدرُونَ ما البُرْدةُ؟ قالوا: الشَّمْلةُ، قال: نعم -
قالت: نَسَجْتُها بيدي فجئتُ لأكسُوَكَها. فأخذَها النبيُّ ◌َّهِ مُحتاجاً إليها، فخرجَ إلينا وإِنَّا
إزارُه، فَحَسَّنَها فلانٌ فقال: اكسُنِيها ما أحسَنَها! قال القومُ: ما أحسنتَ، لَبِسَها النبيُّ ◌َّه
مُحتاجاً إليها، ثمَّ سألتَه وعَلِمِتَ أنَّه لا يَرُدُّ؟ قال: إنِّي والله ما سألتُه لألبَسَها، إنَّما سألتُهُ لِتكونَ
كَفَني. قال سهلٌ: فكانت كفنه.
[أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦]
قوله: (باب مَن استَعدَّ الكَفَن في زمن النبيّ ◌َّ فلم يُنكَر عليه)) ضُبِطَ في روايتنا بفتح الكاف
على البناء للمجهول، وحُكيَ الكسر على أنَّ فاعل الإنكار النبيُّ وَّهِ، وحكى الزّين ابن المنيِر
عن بعض الروايات: ((فلم يُنكِرِه)) بهاء بدل ((عليه)) وهو بمعنى الرواية التي بالكسر، وإنَّما قَيِّدَ
الترجمة بذلك ليشيرَ إلى أنَّ الإنكار الذي وقع من الصحابة كان على الصحابيّ في طَلَب البُردة،
فلمَّا أخبرَهم بعُذره لم يُنكِروا ذلك عليه، فيُستَفاد منه جواز تحصيل ما لا بدَّ للميِّت منه من
كفنٍ ونحوه في حال حياته، وهل يَلتَحِقِ بذلك حفرُ القبر؟ فيه بحث سيأتي.
قولُهُ: ((أنَّ امرأة)» لم أقف على اسمها.
قوله: ((فيها حاشيتُها)) قال الداووديّ: يعني أنَّها لم تُقطَع من ثوب فتكون بلا حاشية،
وقال غيره: حاشية الثوب: هُدْبه، فكأنَّه قال: إنَّها جديدة لم يُقطَع هُدبها ولم تُلبَس بعدُ،
وقال القَزّاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللَّتان في طرفهما الهُدْب.
قوله: ((أتدرونَ)) هو مَقُول سهل بن سعد، بيَّنه أبو غسان عن أبي حازم كما أخرجه
المصنّف في الأدب (٦٠٣٦) ولفظه: فقال سهل للقوم: أتدرونَ ما البُردة؟ قالوا: الشَّملة.
انتهى، وفي تفسير البُردة بالشَّملةِ تَجُّز، لأنَّ البُردة كِساء، والشَّملة ما يُشْتَمَل به فهي أعمُّ،
لكن لمَّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.

٥٧٨
باب ٢٨ / ح ١٢٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأخذَها النبيُّ وَِّ مُحتاجاً إليها)) كأنَّهم عَرَفُوا ذلك بقرينة حالٍ أو تقدُّم قولٍ
صريح.
قوله: ((فخرج إلينا وإنَّها إزاره)) في رواية ابن ماجَهْ (٣٥٥٥) عن هشام بن عَّار عن
عبد العزيز: فخرج إلينا فيها، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطَّبَرانيّ
(٥٧٥١): فاتَّزَرَ بها ثمَّ خرج.
قوله: ((فحَسَّنَها فلان فقال: اكسُنيها ما أحسنَها!)) كذا في جميع الروايات هنا بالمهمَلتينِ
من التحسين، وللمصنِّف في اللباس (٥٨١٠) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي
حازم: ((فجَسَّها)) بالجيم بغير نون، وكذا للطََّرانيّ (٥٩٩٧) والإسماعيليّ من طريق أُخرى
عن أبي حازم، وقوله: ((فلان)) أفاد المحِبُّ الطبريّ في ((الأحكام)) له أنَّه عبد الرحمن بن
عَوْف، وعزاه للطَّبَرانيّ، ولم أرَه في ((المعجم الكبير)) لا في مسند سهل ولا عبد الرحمن،
ونقله شيخنا ابن الملقِّن عن المحِبّ في ((شرح العُمدة))، وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو
الحسن الهيثميّ: إنَّه وَقَفَ عليه، لكن لم يَستحضِرْ مكانه، ووقع لشيخنا ابن الملقِّن في ((شرح
التنبيه)): أنَّه سهل بن سعد، وهو غلط، فكأنَّه التَبَسَ على شيخنا اسم القائل باسم
الرَّاوي، نعم أخرج الطَّبَرانيّ (٥٩٩٧) الحديث المذكور عن أحمد بن عبد الرحمن بن يَسَار،
١٤٤/٣ عن قُتَيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن،/ عن أبي حازم، عن سهل وقال في آخره:
قال ◌ُتيبة: هو سعد بن أبي وقاص. انتهى.
وقد أخرجه البخاري في اللباس (٥٨١٠) والنَّسائيُّ في الزينة (٥٣٢١) عن قُتَيبة، ولم
یذگرا عنه ذلك، وقد رواه ابن ماجه (٣٥٥٥) بسنده المتقدِّم وقال فيه: «فجاء فلان، رجل
سمَّه يومئذٍ)) وهو دالٌّ على أنَّ الرَّاوي كان ربَّما سمّاه. ووقع في رواية أُخرى للطَّبَرانيّ
(٥٩٢٠) من طريق زَمْعة بن صالح عن أبي حازم: أنَّ السائل المذكور أعرابيٌّ، فلو لم يكن
زَمْعة ضعيفاً لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عَوْف أو سعد بن أبي وَقَّاص، أو يقال:
تَعدَّدَت القصَّة على ما فيه من بُعدٍ، والله أعلم.

٥٧٩
باب ٢٨ / ح ١٢٧٧
كتاب الجنائز
قوله: ((ما أحسَنَها!)) بنصب النون و((ما)) للتعجُّب، وفي رواية ابن ماجَهْ (٣٥٥٥)
والطَّبَرَانيّ (٥٩٩٧) من هذا الوجه: قال: ((نَعَم)) فلمَّا دخل طَوَاها وأرسَلَ بها إليه، وهو
للمصنَّف في اللباس (٥٨١٠) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن بلفظ: فقال: ((نعم))
فجَلَسَ ما شاءَ الله في المجلس ثمَّ رجعَ فطواها ثمَّ أرسَلَ بها إليه.
قوله: ((قال القوم: ما أحسنتَ)) ((ما)) نافية، وقد وقعت تسمية المعاتِب له من الصحابة
في طريق هشام بن سعد(١) المذكورة ولفظه: قال سهل: فقلت للرجل: لِمَ سألته وقد
رأيت حاجتَه إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتُم، ولكن أردت أن أَخبَأَها حتَّى أُكفَّن فيها.
قوله: ((أنَّه لا يَرُدّ) كذا وقع هنا بحذف المفعول، وثَبَتَ في رواية ابن ماجَهْ (٣٥٥٥)
بلفظ: لا يَرُدّ سائلاً، ونحوه في رواية يعقوب في البيوع (٢٠٩٣)، وفي رواية أبي غسّان في
الأدب (٦٠٣٦): لا يُسأل شيئاً فيمنعه.
قوله: ((ما سألته لألبسها)) في رواية أبي غسان (٦٠٣٦): فقال: رَجَوتُ بَرَكَتها حين
◌َبِسَها النبيّ ◌َّهَ، وأفاد الطََّرانيُّ (٥٩٢٠) في رواية زَمْعة بن صالح: أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَمَرَ أن
يُصنَع له غيرها، فمات قبل أن تَفرُغ.
وفي هذا الحديث من الفوائد: حسنُ خُلُق النبيّ وَّهِ وسَعَة جوده وقَبُوله الهديّة.
واستَنْبَطَ منه المهلَّب جوازَ ترك مُكافَأة الفقير على هديَّته، وليس ذلك بظاهرٍ منه، فإنَّ
المكافَأَة كانت عادةَ النبيِّ وَِّ مستمرَّةً، فلا يَلزَم من السُّكوت عنها هنا أن لا يكون فعلها،
بل ليس في سياق هذا الحديث الجزم بكَونِ ذلك كان هديّة، فيحتمل أن تكون عَرَضَتْها
عليه ليَشتريها منها.
قال: وفيه جواز الاعتماد على القرائن ولو تَجرَّدَت لقولهم: فأخذَها محتاجاً إليها. وفيه
نظرٌ لاحتمال أن يكون سَبَقَ لهم منه قول يدلُّ على ذلك كما تقدَّم.
قال: وفيه الترغيب في المصنوع بالنِّسبة إلى صانعه إذا كان ماهراً، ويحتمل أن تكون
(١) عند الطبراني في ((الكبير)) (٥٧٥١).

٥٨٠
باب ٢٩ / ح ١٢٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
أرادت بنسبتها إليها إزالة ما يُخشَى من التَّدليس.
وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس ونَحوِها، إمَّا ليُعرِّفه
قَدْرها، وإمَّا لِيُعرِّضَ له بطَلَبِهِ منه حيثُ يَسُوغ له ذلك.
وفيه مشروعيَّة الإنكار عند مُخالَفة الأدب ظاهراً وإن لم يَبلُغ المنكّر درجة التحريم.
وفيه التبرُّك بآثار الصالحينَ(١).
وقال ابن بَطَّال: فيه جواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه، قال: وقد حَفَرَ جماعة
من الصالحين قبورهم قبل الموت. وتعقَّبه الزّين بن المنيِر بأنَّ ذلك لم يقع من أحد من
الصحابة، قال: ولو كان مُستحَبّاً لكَثُرَ فيهم.
وقال بعض الشافعيّة: ينبغي لمن استَعدَّ شيئاً من ذلك أن يَجتَهِد في تحصيله من جهة یثِقُ
بحِلُّها، أو من أثر مَن يعتقد فيه الصلاح والبَرَكة.
٢٩ - باب اتِباع النساءِ الجنازةَ
١٢٧٨ - حدَّثْنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبة، حدَّثنا سفيانُ، عن خالدٍ، عن أُمّ الهُذَيل، عن أُمّ عطيّةً
رضي الله عنها قالت: تُمِينا عن أتِباع الجنائزِ ولم يُعزَم علينا.
١٤٥/٣
قوله: ((باب اتّباع النِّساء الجِنازةَ)) قال الزّين بن المنيِّرِ: فَصَلَ المصنّف بين هذه الترجمة وبين
ترجمة ((فضل اتِباع الجنائز) بتراجمَ كثيرة ليُشعِرَ بالتفرقة بين النِّساء والرجال، وأنَّ الفضل
الثابت في ذلك يَخْتَصّ بالرجال دون النِّساء، لأنَّ النَّهي يقتضى التحريم أو الكراهة، والفضل
يدلُّ على الاستحباب، ولا يجتمعان. وأُطلِقَ الْحُكْم هنا لمَا يَتَطَرَّق إليه من الاحتمال، ومن
ثَمَّ اختَلَفَ العلماء في ذلك، ولا يخفى أنَّ محلّ النِّزاع إنَّما هو حيثُ تُؤمَن المفسدة.
(١) هذا خطأ، والصواب المنع من ذلك لوجهين: أحدهما: أن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع غير النبي آر، ولو
كان خيراً لسبقونا إليه، والنبي ﴿ لا يُقاس عليه غيره لما بينه وبين غيره من الفروق الكثيرة. الوجه
الثاني: سدُّ ذريعة الشرك، لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يُفضي إلى الغلوِّ فیهم وعبادتهم من دون الله،
فوجبَ المنعُ من ذلك. وقد سبق بيان ذلك مراراً. (س).