النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ١١ / ح ١٢١٢ أبواب العمل في الصلاة بوقوع التقدُّم والتأخّر جميعاً في حديث جابر عند مسلم (٩٠٤/ ١٠) ولفظُه: ((لقد جيءَ بالنار، وذُلِكم حين رأيتُموني تأخّرتُ مخافةَ أن يُصيبَني من لَفْحِها)) وفيه: «ثمَّ جيءَ بالجنَّة، وذُلِكم حين رأيتموني تقدَّمتُ حتَّى قمتُ في مَقَامي)). وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في أبواب الكسوف (١٠٤٤). قوله: ((ورأيت فيها عَمْرو بن لُحَيّ)) باللَّام والمهمَلة مصغّر، وسيأتي شرح حاله في أخبار الجاهليَّة (٣٥٢٠). قوله: ((وهو الَّذِي سَيَّبَ السَّوائب)) جمع سائبةٍ، وسيأتي الكلامُ عليها في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى (٤٦٢٣). وفي هذا الحديث أنَّ المشيَ القليل لا يُبطِلُ الصلاة، وكذا العمل اليسير، وأنَّ النارَ والجنَّةَ مخلوقتان موجودتان، وغير ذلك من فوائده التي تقدَّمت مُستَقصاة في صلاة الکسوف (١٠٤٤). ووجه تعلُّق الحديث بالترجمة ظاهر من جهةٍ جواز التقدُّم والتأُّر اليسير، لأنَّ الذي تَنفَلِتُ دابَتْه يحتاجُ في حال إمساكها إلى التقدُّم أو التأخّرِ كما وقع لأبي بَرْزة، وقد أشرتُ إلى ذلك في آخرٍ حديثه. وأغرَبَ الكِرْمانيّ فقال: وجه تعلَّقِه بها أنَّ فيه مَذَمّة تَسْبيب الدَّوابّ مُطلَقاً سواء كان في الصلاة أم لا. ١٢ - باب ما يجوز من البُصَاق والنّفخ في الصلاة ويُذكرُ عن عبدِ الله بنِ عَمٍو: نَفَخَ النبيُّ أَآلټ في سجودِه في كُسوفٍ. ١٢١٣- حذَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي ٨٤/٣ الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َله رأى نُخامةً في قِبْلةِ المسجدِ، فَتَغَيَّظَ على أهلِ المسجدِ، وقال: ((إنَّ اللهَ قِبَلَ أحدِكم، فإذا كانَ في صلاِهِ فلا يَبْزُقَنَّ) أو قال: ((لا يَتَنَثَّمَنَّ)) ثمَّ نزلَ فحَتَّها بيدِه. وقال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: إذا بَزَقَ أحدُكم فلْيَزُق على يسارِهِ. ٤٦٢ باب ١٢ / ح ١٢١٣ -١٢١٤ فتح الباري بشرح البخاري ١٢١٤ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا غُندَرٌ، حذَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادة، عن أنسٍ ﴾﴾، عن النبيِّ ◌َ﴾ قال: «إذا كانَ في الصلاةِ فإنّه يُتاجي ربَّه، فلا ییزُقَنَّ بین یدیه ولا عن يمينه، ولكن عن شِماله تحتَ قَدَمِه اليُسرَى)). قوله: ((باب ما يجوز من البُصاق والنَّخ في الصلاة)) وجه التَّسویة بینھما أنَّه ربَّا ظَهَرَ من كلٌّ منهما حرفان، وهما أقلُّ ما يتألَّفُ منه الكلام، وأشار المصنّف إلى أنَّ بعضَ ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتملُ أنَّه يرى التفرقةَ بين ما إذا حَصَلَ من كلٌّ منهما كلامٌ مفهوم أم لا، أو الفرق ما إذا كان حصولُ ذلك مُقَّقاً ففعلُه يضرُّ وإلَّا فلا. قوله: ((ويُذكّر عن عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص («نَفَخَ التيُّ # في سجودِه في كُسوفٍ)) هذا طرف من حديث أخرجه أحمد (٦٤٨٣) وصحَّحه ابن خُزيمة (٩٠١) والطَّبَريّ وابن حِبَّان من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو قال: كَسَفَت الشمسُ على عَهْدِ رسول الله ﴿، فقامَ وقُّمْنا معه ... الحديث بطوله، وفيه: وجعل يَنفُخ في الأرض وبيكي وهو ساجد(١)، وذلك في الرَّكْعة الثانية، وإنَّما ذكره البخاريُّ بصيغة التمريض لأنَّ عطاء بن السائبٍ مُتَلَفٌ في الاحتجاج به وقد اختَلَطَ في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خُزيمة (١٣٩٣) من رواية سفيان الثَّوْريّ عنه، وهو ثَمَّن سَمِعَ منه قبل اختلاطه(٢)، وأبوه وثَّقه العِجْلِّ وابن حبَّان وليس هو من شرط البخاريّ. ثُمَّ أورَدّ البخاريُّ في الباب حديث ابن عمر وحديث أنس في النَّهي عن البُزاق في القِبْلة. (١) وهو عند ابن حبان برقم (٢٨٣٨)، لكن ليس فيه النفخ. وأما الطبري فالحديث ليس في القسم المطبوع من کتابه (اتهذیب الآثار)). وقد فات الحافظ رحمه الله أن نخرجه هنا من عند أبي داود والنسائي، فهو عند الأول برقم (١١٩٤) من طريق حماد بن سلمة، وعند الثاني برقم (١٤٩٦) من طريق شعبة، كلاهما عن عطاء بن السائب، وهما ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه. (٢) لکن الراوي في هذا الموضع عن سفيان هو مؤمّل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ، وكان الأولى أن يعزو لرواية أحمد، إذ هي من طريق شعبة عن عطاء، فهي أصحّ وأوثق، وشعبة ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه. ٤٦٣ باب ١٢ / ح ١٢١٣-١٢١٤ أبواب العمل في الصلاة فأمّا حديثُ ابن عمر فقوله فيه: ((إنَّ اللهَ قِبَل أحدِكم)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: مُواجِهه، وقد تقدَّم في ((باب حَكّ الُزاق باليد من المسجد)) من أبواب المساجد مع الكلام عليه (٤٠٦)، وزادَ في هذه الرّواية: ((فَتَغَيَّظَ على أهلِ المسجد)) ففيه جوازُ مُعاَبة المجموع على الأمرِ الذي يُنكّر وإن كان الفعل صَدَرَ من بعضهم لأجل التَّحذير من مُعاوَدَة ذلك. قوله: ((فلا يَيزُقَنَّ، أو قال: لا يَتَنَّمَنَّ) في رواية الإسماعيليّ: ((لا يَبْزُقَنَّ أحدكم بين یدیه». قوله فيه: «وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا بَزَقَ أحدكم فليَزُق علی یَسارِه» في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((عن يساره)) هكذا ذكره موقوفاً، ولم تتقدَّم هذه الزيادة من حديث ابن عمر، لكن وقع عند الإسماعيليٌّ من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن حمّاد بن زيد بلفظ: ((لا يَبْزُقَنَّ أحدكم بين يديه، ولكن لِيَبُق خلفَه أو عن شماله أو تحتَ قَدَمِه)» فساقه كلَّه معطوفاً بعضه على بعض، وقد بيَّنت رواية البخاري أنَّ المرفوعَ منه انتهى إلى قوله: ((فلا يَبْزُقَنَّ بين يديه)) والباقي موقوف. وقد اقتَصَرَ مسلم (٥٤٧) وأبو داود (٤٧٩) وغيرُهما على المرفوع منه، مع أنَّ هذا الموقوفَ عن ابن عمر قد ثَبَتَ مثلُه من حديث أنس مرفوعاً(١)، وقد تقدَّم الكلامُ على فوائد الحديث في الباب الذي أشرت إليه قبلُ وفيما بعدَه. قال ابن بَطَّال: رُوِيَ عن مالكِ كراهةُ النَّفخ في الصلاة، قال: ولا يقطعُها كما يقطعُها الكلامُ، وهو قول أبي يوسف وأشهَب وأحمد وإسحاق، وفي ((المدوَّنة)): النَّفُ بمنزلة الكلام يقطعُ الصلاة،/ وعن أبي حنيفة ومحمد: إن كان يُسمَعُ فهو بمنزلة الكلام وإلَّا فلا، ٨٥/٣ قال: والقول الأول أولى، وليس في النَّفخ من النُّطْقِ بالهمزة والفاء أكثر ممّاً في البُصاق من النُّطْقِ بالتاء والفاء، قال: وقد اتَّفَقوا على جواز البُصاق في الصلاة، فدَلَّ على جواز النَّفخ فيها إذ لا فرقَ بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة. انتهى كلامُه. ولم يَذْكُر قولَ الشافعيَّ في ذلك، والمصحَّحُ عندَهم أنَّه إن ظَهَرَ من النَّخ أو التنثُّم (١) وهو الحديث التالي له في الباب، وقد سلف حديث أنس هذا أيضاً عند البخاري برقم (٤٠٥) و(٤١٣). ٤٦٤ باب ١٢ / ح ١٢١٣-١٢١٤ فتح الباري بشرح البخاري أو البكاء أو الأَنين أو التأوُّه أو التنفّس أو الضَّحِك أو التَّنحنُح حرفان، بَطَلَت الصلاةُ وإلَّا فلا. قال ابن دَقِيق العيد: ولِقائلِ أن يقول: لا يَلزَمُ من كَوْن الحرفين يتألَّفُ منهما الكلامُ أن يكون كلُّ حرفين كلاماً، وإن لم يكن كذلك فالإبطال به لا يكون بالنصِّ بل بالقياس، فليُراعَ شرطُه في مساواة الفرع للأصل، قال: والأقرَبُ أن يُنظَرَ إلى مواقع الإجماع والخلاف حيثُ لا يُسمَّى الملفوظ به كلاماً، فما أُجمعَ على إلحاقه بالكلام أُلحِقَ به، وما لا فلا، قال: ومن ضعيف التعليل قولهم في إبطال الصلاة بالنَّخ بأنَّه يُشبِه الكلام، فإنَّه مردودٌ لُبوت السُّنّة الصحيحة: أنَّه وَ نَفَخَ في الكسوف. انتهى. وأُجيبَ بأنَّ نَفْخَه ◌َليهِ محمول على أنَّه لم يَظهَر منه شيء من الحروف، ورُدَّ بما ثَبَتَ في أبي داود (١١٩٤) من حديث عبد الله بن عَمْرو فإنَّ فيه: ((ثمَّ نَفَخَ في آخرِ سجودِه فقال: أُفْ أُفْ)) فصَرَّحَ بظهور الحرفين. وفي الحديث أيضاً أنَّه ◌ِوَ لَّ قال: ((وعُرِضَت عليَّ النارُ فجعلت أنفُخُ خَشْية أن يَغشاكم حَرُّها))(١)، والنَّفْخ لهذا الغَرَضِ لا يقعُ إلَّا بالقصدِ إليه، فانتفى قول مَن حمله على الغَلَبة، والزيادة المذكورة من رواية حَمَّد بن سَلَمةَ عن عطاءٍ (٢) وقد سَمِعَ منه قبلَ الاختلاط في قول يحيى بن مَعِينٍ وأبي داود والطَّحَاويّ وغيرهم. وأجاب الخطَّابي: أنَّ ((ُف)) لا تكون كلاماً حتَّى تُشدَّدَ الفاءُ، قال: والنافعُ فِي نَفخِه لا يُخْرِجُ الفاء صادقة من تَخَرَجِها. وتعقَّبه ابن الصلاح بأنَّه لا يستقيمُ على قول الشافعيّة أنَّ الحرفين كلام مُبطِل، أفهما أو لم يُفهِما، وأشار البيهقيُّ إلى أنَّ ذلك من خصائص النبيِّ وَ ◌ّهِ، ورُدَّ بأنَّ الخصائصَ لا تَثْبُتُ إلَّا بدلیل. تنبيهان: الأول: نقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ الضَّحِك يُبطِلُ الصلاةَ ولم يُقيِّده بحرفٍ ولا (١) وهي رواية شعبة عن عطاء عند أحمد (٦٤٨٣)، والنسائي (١٤٩٦). (٢) عند أبي داود (١١٩٤)، و أشار إليه قبل قليل. ٤٦٥ باب ١٣-١٤ / ح ١٢١٥ أبواب العمل في الصلاة حرفين، وكأنَّ الفَرْقَ بين الضحك والبكاء أنَّ الضحك يَهْتِكُ حُرْمة الصلاة بخلاف البكاء ونحوِه، ومن ثَمَّ قال الحنفيّة وغيرهم: إن كان البكاء من أجل الخوفِ من الله تعالى لا تَبطُلُ به الصلاةُ مُطلَقاً. الثاني: وَرَدَ في كراهةِ النَّفْخ في الصلاة حديث مرفوع أخرجه التِّرمِذيُّ من حديث أُمّ سَلَمَةَ قالت: رأى النبيُّ وَ غُلاماً لنا يقال له: أفلَح، إذا سَجَدَ نَفَخَ، فقال: ((يا أفلَحُ تَرِّبْ وجهَك)) رواه التِّرمِذيُّ (٣٨١) وقال: ضعيفُ الإسناد. قلت: ولو صَحَّ لم يكن فيه حُجَّةٌ على إبطالِ الصلاة بالنَّفخ، لأنَّه لم يأمرْه بإعادة الصلاة، إنَّما يُستَفادُ من قوله: ((تَرِّب وجهَك)) استحباب السجود على الأرض، فهو نحوُ النَّهي عن مَسْح الحصى. وفي الباب عن أبي هريرة في ((الأوسط)) للطَّبَرانيّ (٢٤٢)، وعن زيد بن ثابت عند البيهقيّ (٢/ ٢٥٢)، وعن أنس وبُرَيدة عند البَزّار (٥٤٧ ٥٤٨)، وأسانيد الجميع ضعيفة جدّاً، وثَبَتَ كراهةُ النَّفْخِ عن ابن عبّاس كما رواه ابن أبي شَيْبة (٦٧/٢)، والرُّخْصةُ فيه عن قُدَامة ابن عبد الله أخرجه البيهقيّ (٢/ ٢٥٣). ١٣ - باب من صفّق جاهلاً من الرجال في صلاته لم تفسد صلاتُه فيه سهلُ بنُ سعدٍ ﴾ عن النبيِّ ◌َچ. قوله: «باب مَن صَفَّقَ جاهلاً من الرِّجال في صلاته لم تفسد صلاتُه، فیه سهل بن سعد عن النبيِّ وَّ)) يشير بذلك إلى حديثه الآتي بعد بابين (١٢١٨)، لكنَّه بلفظ: ((ما لكم حين نابَكم شيءٌ في الصلاة أخذتُم بالتصفيح))، وسيأتي في آخر بابٍ من أبواب السهو (١٢٣٤) بلفظ: (التصفيق))، ومُناسَبتُه للترجمة من جهةِ أنَّه لم يأمرهم بالإعادة. ١٤ - بابٌ إذا قیل للمصلِّی: تقدَّم أو انتظر، فانتظر فلا بأس ٨٦/٣ ١٢١٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ﴾ قال: ٤٦٦ باب ١٤ / ح ١٢١٥ فتح الباري بشرح البخاري كانَ الناسُ يُصلُّونَ مع النبيُّ :﴿ وهم عاقدُو أَزْرِهم مِن الصُّغَرِ على رِقَابِم فقيلَ النِّساءِ: لا تَرفَعْنَ رُؤوسَكُنَّ حتَّى يَستوِيَ الرِّجالُ جلوساً. قوله: (باب إذا قيلَ للمُصلّي: تقدَّم أو انْتَظِرِ، فانتَظَرَ فلا بأسَ، قال الإسماعيليّ: كأنَّه ظَنَّ المخاطَبة للنِّساء وقعت بذلك وهُنَّ في الصلاة، وليس كما ظَنّ، بل هو شيءٌ قيل لهنَّ قبلَ أن يدخلنَ في الصلاة. انتھی. والجوابُ عن البخاريٍّ: أنَّه لم يُصرِّح بگونِ ذلك قیل هنَّ وهُنَّ داخلَ الصلاة، بل مقصوده تحصُل بقول ذلك لهنَّ داخلَ الصلاة أو خارجها. والذي يَظهَرُ أنَّ النبيّ ◌َهـ وَصَّاهُنَّ بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبلَ أن يدخلنَ في الصلاة، ليدخلنَ فيها على علمٍ، ويَحصُلُ المقصود من حيثُ انتظارُ هنَّ الذي أُمِرِنَ به، فإنَّ فيه انتظارَهُنَّ للرجال ومن لازمِه تقدُّمُ الرجال عليهنَّ. ومُحُصَّل مراد البخاري أنَّ الانتظار إن كان شرعياً جاز، وإلَّا فلا. قال ابن بَطَّال: قولُه: ((تقدَّمْ)) أي: قبلَ رَفيقِك وقوله: ((انْتَظِرْ)) أي: تأخّر عنه. واستنْبَطَ ذلك من قوله للنِّساء: ((لا تَرفَعنَ رُؤُوسَكُنَّ حتَّى يستويَ الرجالُ جلوساً»، فيقتضى امتثالُ ذلك تقدُّمَ الرجال علیهنَّ وتأخّرهنَّ عنهم. وفيه من الفقه جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام، وجوازُ سَبْق المأمومينَ بعضهم بعضاً في الأفعال، وجواز التربُّص في أثناء الصلاة لحقِّ الغير ولغير مقصود الصلاة. ويُستَفَادُ منه جواز انتظار الإمام في الركوع لمن يُدرِكُ الركعة، وفي التشهُّدِ لمن يُدرِكُ الجماعة. وفَرَّعَ ابن المنيِرِ على أنَّه قيل ذلك للنِّساء داخلَ الصلاة، فقال: فيه جواز إصغاء المصلي في الصلاة لمن يخاطبه المخاطَبةَ الخفيفة. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن كَثير)) هو العَبْدي البصريُّ، ولم يُرِّج البخاريُّ للکوفيّ ولا للشاميِّ ولا للصَّغَانيّ شيئاً. وسفيان: هو الثَّوريّ. وقد تقدَّم الكلام على المتن في أوائل كتاب الصلاة (٣٦٢). ٤٦٧ باب ١٥ / ح ١٢١٦ -١٢١٧ أبواب العمل في الصلاة ١٥ - باب لا يردُّ السلام في الصلاة ١٢١٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبة، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن الأعمش، عن إبراهیمَ، عن عَلْقمة، عن عبدِ الله قال: كنتُ أُسلِّمُ على النبيِِّ ﴿ وهو في الصلاةِ فَرُدُّ عليَّ، فلمَّا رجعْنا سَلَّمْتُ عليه فلم يَرُدَّ عليَّ وقال: ((إنَّ في الصلاةِ شُغْلاً)). ١٢١٧ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنَا كَثِيرُ بنُ شِنْظِيرٍ، عن عطاء بنِ أبي رَبَاحٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: بَعَثَنِي النبيُّ ◌َ في حاجةٍ له فانطَلَقْتُ ثمَّ رجعتُ وقد قَضَيتُها، فأتيتُ النبيَّ ◌ِ ﴿ فِسَلَّمْتُ عليه فلم يَرُدَّ عليَّ، فَوَقَعَ في قَلْبِي ما اللهُ أعلَمُ به، فقلتُ في نفسي: لعلَّ رسولَ الله ﴿ وَجَدَ عليَّ أنَّ أبطَأْتُ عليه، ثمَّ سَلَّمتُ عليه فلم يَرُدَّ عليَّ، فَوَقَعَ في قَلْبي أشدُّ مِن المرّةِ الأُولى، ثمَّ سَلَّمتُ عليهِ فَرَدَّ عليَّ فقال: ((إِنَّا مَتَعَني أن أرُدَّ عليكَ أنَّ كنتُ أُصلِّى)، وكانَ على راحلتِهِ مُتوجُّهاً إلى غيرِ القِبْلةِ. قوله: ((باب لا يردُّ السَّلام في الصلاة)) أي: باللفظ المتعارَف، لأنَّه خطابُ آدميٌّ. ٨٧/٣ واختُلِفَ فيما إذا رَدَّه بلفظ الدُّعاء كأن يقول: اللهمَّ اجعل على مّن سَلَّمَ عليَّ السلامَ. ثمّ أورد المصنُّ حدیثَ عبد الله - وهو ابن مسعود- في ذلك، وقد تقدَّم قريباً في باب ما يُنْهَى عنه من الكلام في الصلاة (١١٩٩). ثمَّ أورَدَ حديثَ جابر، وهو دالٌّ على أنَّ الممتَنِعَ الردُّباللفظ. قوله: ((شِنْظير)) بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة مكسورة: وهو عَلَمُ على والد كثير، وهو في اللُّغة: السيِّئُ الخُلُق. قوله: «بعثني النبيُّ آ﴾ في حاجة» بيَّن مسلم (٥٤٠/ ٣٧) من طريق أبي الزُّبیر عن جابر أنَّ ذلك كان في غزوة بني المصطَلِقِ. قوله: «فلم يَرُدَّ عليّ)) في رواية مسلم المذكورة: «فقال لي بيده هكذا))، وفي رواية له أُخرى (٣٦/٥٤٠): ((فأشار إليّ»، فيُحمَلُ قوله في حديث الباب: ((فلم يَرُدَّ عليّ) أي: باللفظ. وكأنَّ جابراً لم يَعرِف أولاً أنَّ المراد بالإشارة الردُّ عليه، فلذلك قال: ((فوقع في ٤٦٨ باب ١٦ / ح ١٢١٨ فتح الباري بشرح البخاري قلبي ما اللهُ أعلمُ به)) أي: من الحزن، وكأنَّه أبهَمَ ذلك إشعاراً بأنَّه لا يدخلُ من شِدَّتِهِ تحتَ العبارة. قوله: ((وَجَدَ» بفتح أوله والجيم، أي: غَضِب. قوله: ((أنّ أبطَاتُ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((أنْ أَبطَأْت)) بنونٍ خفيفةٍ. قوله: ((ثمَّ سَلَّمت عليه فَرَدَّ عليّ)) أي: بعد أن فَرَغَ من صلاته. قوله: ((وقال: ما مَنَعَني أن أرُدَّ عليك)) أي: السلامَ ((إلَّا أنّي كنت أُصلِّي))، ولمسلم (٣٨/٥٤٠): فرجعت وهو يُصلِّ على راحلته ووجهُه على غير القِبْلة. وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: كراهة ابتداء السلام على المصلِّ لگونِه ربّما شُغِلَ بذلك فِكرُه، واستَدعَى منه الردَّ وهو ممنوعٌ منه، وبذلك قال جابر راوي الحديث، وكرهه عطاء والشَّعبيّ ومالك في رواية ابن وَهْب، وقال في ((المدوَّنة)»: لا يُكرَه، وبه قال أحمد والجمهور وقالوا: يَرُدُّ إذا فَرَغَ من الصلاة، أو وهو فيها بالإشارة. وسيأتي اختلافُهم في الإشارة في أواخر أبواب سجود السهو (١٢٣٤). ١٦ - باب رفع الأيدي في الصلاة لأمرٍ ينزل به ١٢١٨ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، حذَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ﴾ قال: بَلَغَ رسولَ اللهِوَّهِ أَنَّ بني عَمرِو بنِ عَوْفٍ بقُباءٍ كانَ بينهم شيءٌ، فخرج يُصلِحُ بينهم في أُناس من أصحابِه، فحُبِسَ رسولُ الله ێ﴿ وحانتِ الصلاةُ، فجاء بلالٌ إلى أبي بكر رضي الله عنهما فقال: يا أبا بكرٍ، إنَّ رسول الله وَّه قد حُبِسَ وقد حانتِ الصلاةُ، فهل لكَ أن تَؤُمَّ الناسَ؟ قال: نعم إن شِئْتَ، فأقامَ بلالٌ الصلاةَ، وتقدَّمَ أبو بكرٍ ﴾ فَكَبَّرَ للناسِ، وجاء رسولُ الله ◌َِّ يَمْشي في الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقّاً حَتَّى قامَ من الصفِّ، فأخذَ الناسُ في التَّصفِيحِ - قال سهلٌ: التَّصِفِيحُ هو التَّصفِيقُ - قال: وكانَ أبو بكرٍ ﴾ لا يَلتَفِتُ في صلاتِه، فلمَّا أكثَرَ الناسُ التَّفَتَ فإذا رسولُ الله وَّ، فأشار إليه يأمرُه أن يُصلَِّّ، فَرَفَعَ أبو بكرٍ ﴾ يدَه فحَمِدَ اللهَ، ثمَّ رجعَ القَهْقَرَى وراءَه حتَّى قامَ في الصفِّ، وتقدَّمَ رسولُ اللهَوَّهِ فِصَلَّى للناسِ. ٤٦٩ باب ١٦-١٧ / ح ١٢١٨ - ١٢٢٠ أبواب العمل في الصلاة فلمَّا فَرَغَ أقبلَ على الناسِ فقال: ((يا أيُّها الناسُ، ما لكم حينَ نابَكم شيءٌ في الصلاةِ ٨٨/٣ أخذْتُم بالتَّصفِيحِ، إِنَّا التَّصِفِيحُ للِّساءِ، مَن نابَه شيءٌ في صلاِه فلْيَقُلْ: سبحانَ الله)) ثمَّ الْتَّفَتَ إلى أبي بكرٍ ﴾ فقال: ((يا أبا بكرٍ، ما مَنَعَكَ أن تُصلَِّ للناسِ حيثُ أشَرْتُ إليكَ؟)) قال أبو بكرٍ: ما كانَ يَنبَغي لابنِ أبي قُحافةَ أن يُصلِّيَّ بين يَدَي رسول الله وَّهِ. قوله: ((باب رَفْعِ الأيدي في الصلاةِ لأمرٍ ينزلُ به)) ذكر فيه حديث سهل بن سعد من رواية عبد العزيز عن أبي حازم، وعبد العزيز هذا: هو ابن أبي حازم. قوله: ((وحانتِ الصلاة)) الواو فيه حاليَّة، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: وقد حانت الصلاة. قوله: ((إن شِئْت)) في رواية الحَمُّوِيّ: إن شِئْتُم. قوله: ((من الصفّ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: في الصفّ. قوله: ((فَرَفَعَ أبو بكر يَدَه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((يديه)) بالَّثنية، وهذا موضع الترجمة. ويُؤْخَذُ منه أنَّ رفعَ اليدين للدُّعاء ونحوه في الصلاة لا يُبطِلُها ولو كان في غير موضع الرَّفع، لأنَّها هيئة استسلام وخضوع، وقد أقرَّ النبيُّ وَلِّ أبا بكر على ذلك. قوله: ((حيثُ أشَرْتُ عليك)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((حين أشرت إليك)). وقد تقدَّم الكلام على فوائده كما أشرت إليه قريباً (١٢٠١). ١٧ - باب الخَصْر في الصلاة ١٢١٩ - حدّثنا أبو التُّعْمان حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: نُمِيَ عن الخَصْرِ في الصلاةِ. وقال هشامٌ وأبو هلالٍ: عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َِّل. [طرفه في: ١٢٢٠] ١٢٢٠ - حدَّثْنا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا محمَّدٌ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: نُِّيَ أن يُصلَِّ الرجلُ مُختصِراً. ٤٧٠ باب ١٧ / ح ١٢١٩ - ١٢٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (باب الخَصْر في الصلاة)) بفتح المعجمة وسكون المهمَلة، أي: حُكْم الخَضر، والمراد وضعُ اليدين عليه في الصلاة. قوله: «حدّثنا حمّاد» هو ابن زید، ومحمد: هو ابنُ سیرین. قوله: (ُهيَ)) بضم النون على البناء للمجهول، وفاعل ذلك النبيُّ # كما في رواية هشام. قوله: ((وقال هشام)) يعني: ابن حَسَّان ((وأبو هلال)) يعني الرَّاسِيّ ((عن ابنِ سيرينَ ... )) إلى آخره، أمّا روایةُ هشام - وهو ابن حَسَّان - فوصلها المؤلِّفُ في الباب، لكن وقع في رواية أبي ذرِّ عن الْحَقٌّوِيّ والمُستَمْلي: ((نهى)) على البناء للفاعلِ ولم يُسمِّه، وسمّاه الگُشمهنيّ في روايتهِ، وقد رواه مسلم (٥٤٥) والتِّرمِذيّ (٣٨٣) من طريق أبي أسامة عن هشام بلفظ: تَهَى النبيُّ # أن يُصلَِّّ الرجلُ مُخْتَصِراً، وكذا رواه أبو داود (٩٤٧) من طريق محمد بن سَلَمَةَ عن هشام كذلك، وبلفظ: عن الخَصْرِ في الصلاة(١)، وأمَّا روايةٌ أبي هلال فوَصَلها الدارَقُطنيّ في ((الأفراد)) من طريق عَمْرو بن مرزوق عنه بلفظ: عن الاختصار في الصلاة. قوله: (نُهيَ) بالضَّمُّ على البناء للمفعول، وفي رواية الكُشْمِيهَنِيّ: نَهَى النِّيُّ ◌َ﴾. قوله: ((مُتْصِراً(٢)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: (مُخُصِّرا) بتشديد الصاد، وللنَّسائيّ: (متخصِّراً)(٣) بزيادة المثنَّة، وللإسماعيليٌّ من طريق سليمان بن حَرْب: حدَّثنا حماد بن زيد قال: قيل لأيوب: إنَّ هشاماً روى عن محمد عن أبي هريرة قال: ثُّهيَ عن الاختصار في ٨٩/٣ الصلاة، فقال: إنَّما قال: التخصُّر. وكأنَّ سببَ إنكار/ أيوب لفظ الاختصار لكّونِه يُفهِمُ معنى آخرَ غير التخصُّرِ كما سيأتي، وقد فسَّرَه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٧) عن أبي أسامة بالسَّند (١) الذي في نسخنا من ((سنن أبي داود)»: عن الاختصار في الصلاة! (٢) في (س): متخصراً، وهو خطأ، فإن رواية ((الصحيح)) كما في النسخة اليونينية: مختصراً، وهو كذلك في نسختينا الخطيتين من ((الفتح)): مختصراً. (٣) كذا قال الحافظ، وهو موافق لبعض النسخ الخطية من ((السنن الكبرى)) للنسائي (٩٦٦)، وفي بعضها: مختصراً. ٤٧١ باب ١٧ / ح ١٢١٩-١٢٢٠ أبواب العمل في الصلاة المذكور فقال فيه: قال ابنُ سيرينَ: هو أن يَضَعَ يدَه على خاصرَتِه وهو يُصلِّ. وبذلك جَزَمَ أبو داود (٩٤٧)، ونقله التِّرمِذيُّ (٣٨٣) عن بعض أهل العلم، وهذا هو المشهورُ من تفسيره. وحكى الهَرَويّ في ((الغريبين)): أنَّ المراد بالاختصار قراءة آيةٍ أو آيتينِ من آخر السورة، وقيل: أن يَحْذِفَ الطُّمأنينة. وهذان القولان، وإن كان أحدهما من الاختصار مُمكِناً، لكنَّ رواية التخصُّر والخضر تأباهما. وقيل: الاختصارُ أن تَحِذِفَ الآيةَ التي فيها السجدة إذا مَرَّ بها في قراءتِه حتَّى لا يَسجُدَ في الصلاة لتلاوتها، حكاه الغزاليّ. وحكى الخطّابي أنَّ معناه: أن يُمسِك بيده مِخصّرة، أي: عصاً يَتَوكَّأُ عليها في الصلاة، وأنكَرَ هذا ابن العربيِّ في ((شرح التِّرمِذيّ)) فأبلَغَ. ویؤيِّدُ الأول ما روی أبو داود (٩٠٣) والنَّسائيّ (٨٩١) من طريق سعید بن زياد [عن زياد بن صُبيح الحنفيّ](١) قال: صَلَّيت إلى جَنْب ابن عمر فوضعتُ يدي على خاصِرَتي، فلمَّا صگی قال: هذا الصَّلبُ في الصلاة، وكان رسول الله ټ ینھی عنه. واختلف في حکمة النُّهي عن ذلك فقیل: لأنَّ إیلیس أُهِطَ مُتخصّراً، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٧/٢) من طريق حُميد بن هلال موقوفاً. وقيل: لأنَّ اليهودَ تُكثِرُ من فعله فنُهيَ عنه كراهةً للتَّشَبُّه بهم، أخرجه المصنّفُ في ذِكْر بني إسرائيلَ عن عائشة (٣٤٥٨)، زاد ابن أبي شَيْبة فيه (٤٨/٢): ((في الصلاة»، وفي رواية (٤٨/٢): لا تَشَبَّهوا باليهود. وقيل: لأنَّه راحةُ أهل النار، أخرجه ابن أبي شَيْبة أيضاً (٤٧/٢) عن مجاهدٍ قال: وضعُ الید علی الحقو استراحة أهل النار. (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((السنن))، وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٥٨٣٦). ٤٧٢ باب ١٨ / ح ١٢٢١ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: لأنَّها صفة الراجز حين يُنشِدُ، رواه سعيد بن منصور من طريق قيس بن عُبَاد بإسناد حسنٍ. وقيل: لأنَّه فعلُ المتكبِرينَ، حكاه المهلَّب. وقيل: لأنَّه فعلُ أهل المصائب، حكاه الخطّابيّ. وقولُ عائشة أعلى ما وَرَدَ في ذلك ولا مُنافاةَ بين الجميع. تنبيه: وقع في نسخة الصَّغَانيّ في ((باب الخصر في الصلاة)): ورُوِيَ أنَّه استراحة أهل النار. وما أظنُّ أنَّ قوله: ((رُوِيَ ... )) إلى آخره، إلَّا من كلامه لا من كلام البخاريّ، وقد ذكرتُ مَن رواه ولله الحمد، والله أعلم. ١٨ - باب تفكّر الرجلِ الشيءَ في الصلاة وقال عمرُ﴾: إِنِّي لأَجَهِّزُ جيشي وأنا في الصلاةِ. ١٢٢١ - حذَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا رَوٌْ، حدَّثنا عمرُ - هو ابنُ سعيدٍ - قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكة، عن عُقْبَةَ بنِ الحارثِ﴾ قال: صَلَّيتُ مع النبيِّ وَيِ العصرَ، فلمَّا سَلَّمَ قامَ سريعاً دخلَ على بعض نسائِه، ثمَّ خرجَ ورأَى ما في وجوهِ القومِ من تعجّبِهم لسُرعتِه فقال: ((ذَكَرْتُ وأنا في الصلاةِ تِبْراً عندَنا، فكَرِهتُ أن يُمسِيَ - أو يَبِيتَ - عندَنا، فأمَرْتُ بقِسْمَتِهِ)). ٩٠/٣ قوله: ((باب تفكّر الرجلِ الشيءَ في الصلاة)) الشيءَ بالنصب على المفعوليَّة. والتقييدُ بالرجلِ لا مفهومَ له، لأنَّ بقيَّةَ المكلَّفينَ في حُكْم ذلك سواء. قال المهلَّب: التفكُّرُ أمر غالب لا يُمكِنُ الاحترازُ منه في الصلاة ولا في غيرها، لمَا جعل الله للشيطان من السبيلِ على الإنسان، ولكن يفترقُ الحالُ في ذلك، فإن كان في أمر الآخرةِ والدِّين كان أخفَّ ممَّا يكون في أمر الدنيا. قوله: ((وقال عُمَر: إنِّي لأَجهّز جيشي وأنا في الصلاة)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٤٢٤/٢) بإسناد صحيح عن أبي عثمان النَّهديّ عنه بهذا سواء. قال ابن التِّين: إنَّما هذا فيما يَقِلُّ فيه التفكِّرُ كأن يقول: أُجهُزُ فلاناً، أُقَدِّمُ فلاناً، أُخرِجُ ٤٧٣ باب ١٨ / ح ١٢٢١ أبواب العمل في الصلاة من العَدَدِ كذا وكذا، فيأتي على ما يريدُ في أقلِّ شيءٍ من الفِكرةِ، فأمَّا أن يُتابعَ التفكّرَ ويُكثِرَ حتَّى لا يدريَ كم صَلَّى، فهذا اللَّاهي في صلاته فيجبُ عليه الإعادة. انتهى، وليس هذا الإطلاق على وجهه، وقد جاء عن عمر ما يأباه، فروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٢٤) من طريق عُرْوة بن الزُّبَير قال: قال عمر: إنِّي لَأحسُبُ جِزْية البحرين وأنا في الصلاة. وروى صالح بن أحمد بن حَنبَل في كتاب ((المسائل)) عن أبيه من طريق همَّام بن الحارث: أنَّ عمر صلَّى المغرب فلم يقرأ، فلمَّ انصَرَفَ قالوا: يا أمير المؤمنين إنَّك لم تقرأ! فقال: إنِّ حَدَّثت نفسي وأنا في الصلاة بعِيرٍ جَهَّزتُها من المدينة حتَّى دَخَلَت الشام، ثمَّ أعاد وأعاد القراءة. ومن طريق عياض الأشعَريّ قال: صلَّى عمر المغربَ فلم يقرأ، فقال له أبو موسى: إنَّك لم تقرأ، فأقبلَ على عبد الرحمن بن عَوْف فقال: صَدَق، فأعاد، فلمَّا فَرَغَ قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنَّمَا شَغَلَني عِيرٌ جَهَّزتُها إلى الشام فجعلت أتفكّرُ فيها. وهذا يدلُّ على أنَّه إنَّما أعاد لترك القراءة لا لكَونِه كان مُستَغرِقاً في الفِكْرة، ويؤيِّدُه ما روى الطَّحَاويّ (٤٤١/١) من طريق ضَمضَم بن جَوْس عن عبد الرحمن بن حنظلة ابن الرّاهب: أنَّ عمرَ صلَّى المغرب فلم يقرأ في الركعة الأولى، فلمَّا كانت الثانية قرأَ بفاتحة الكتاب مرَّتين، فلمَّا فَرَغَ وسَلَّم سَجَدَ سجدتَي السهو(١). ورجال هذه الآثار ثقات، وهي محمولةٌ على أحوالٍ مختلفةٍ، والأخير كأنَّه مذهبٌ لعمر، ولهذه المسألة التِفاتُ إلى مسألة الخشوع في الصلاة، وقد تقدَّم البحثُ فيه في مكانه (٧٤١ و٧٤٢). قوله: ((حدَّثنا رَوٌْ)) هو ابنُ عُبادة، وعمر بن سعيد: هو ابن أبي حسين المكِّيّ، وقد تقدَّم هذا الحديث وشيء من فوائده في أواخر صفة الصلاة (٨٥١)، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، لأَنَّه ◌ِهِ تَفَكَّرَ في أمر التِّبْر المذكور ثمَّ لم يُعِد الصلاة. (١) وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١/ ٤٠٩ فقال: ضمضم بن جوس عن عبد الله بن حنظلة ابن الراهب، وهو الصواب، و((عبد الرحمن)) خطأ قديم في نسخ ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي، ونقله على هذا الخطأ الحافظُ أيضاً في («إتحاف المهرة)) ٣٠٣/١٢، وكنية عبد الله بن حنظلة أبو عبد الرحمن، فلعلّ لفظ ((أبي)) سقط من نسخ الطحاوي، فنُقل عنه على الخطأ، والله تعالى أعلم. ٤٧٤ باب ١٨ / ح ١٢٢٢ -١٢٢٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٢٢٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّثنا الليثُ، عن جعفرٍ، عن الأعرج قال: قال أبو هريرةً : قال رسول الله ﴿: (إذا أَذِّنَ بالصلاةِ أدبَرَ الشيطانُ له ضُرَاطٌ، حتَّى لا يَسْمِعَ التأذينَ، فإذا سَكّتَ المؤذِّنُ أقبلَ، فإذا تُوِّبَ أدبَرَ، فإذا سَكَتَ أقبلَ، فلا يزالُ بالمرءِ يقول له: اذكُرُ، ما لم یکن یَذكُرُ، حتّی لا یَذْرِيّ کم صَلَّى». قال أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن: ((إذا فعل أحدُكم ذلكَ فلْيَسجُد سَجْدتَينٍ وهو قاعدٌ)). وسَمِعَه أبو سَلَمةً من أبي هريرةَ ﴾. ١٢٢٣ - حدثنا محمَّدُ بنُ الشَّی، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرني ابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدٍ المقبُريُّ قال: قال أبو هريرةَ : يقول الناسُ: أكثَرَ أبو هريرةَ! فَلَقِيتُ رجلاً فقلتُ: بِمَ قرأَ رسولُ اللهِ ﴾ البارحةَ في العَتَمَةِ؟ فقال: لا أدري، فقلتُ: لم تَشْهَدْها؟ قال: بلى، قلتُ: لكن أنا أدري، قرأ سورةَ كذا وكذا. قوله: «عن جعفر» هو ابنُ ربيعة المصريُّ. وقد تقدَّم الكلام على المتن في أوائل أبواب الأذان مُستوفَّى (٦٠٨)، وشاهد الترجمة قوله: ((حتَّى لا يدريّ كم صَلَّى)) فإنّه يدلُّ على أنَّ التفكُّرَ لا يَقدَحُ في صِحَّة الصلاة ما لم يَتْرُك شيئاً من أركانها. ٩١/٣ قوله: ((قال أبو سَلّمةً بن عبد الرحمن: إذا فعل أحدُكم ذلكَ فلْيَسجُد سَجْدتَینِ وهو قاعد، وسَمِعَه أبو سَلَّمَةً من أبي هريرة)» هذا التعليق طرف من الحديث الذي قبله في رواية أبي سَلَمةً کما سيأتي في خامس ترجمةٍ من أبواب السهو، لكنّه من روایة یحی بن أبي کثیر عن أبي سَلَمةَ (١٢٣١)، وربَّما تَبادرَ إلى الذِّهنِ من سياق المصنّف أنَّ هذه الزيادةَ من رواية جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة، وليس كذلك، وسيأتي في سادس ترجمةٍ أيضاً من طريق الزُّهريّ عن أبي سلمةَ (١٢٣٢) لکن باختصار ذِكْر الأذان، وهو من طريق هذین عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة مرفوعاً بخلاف ما يُوهِمُه سياقه هنا، وسيأتي الكلامُ عليه إن شاء الله تعالى هناك. ٤٧٥ باب ١٨ / ح ١٢٢٢- ١٢٣٣ أبواب العمل في الصلاة قوله: ((قال: قال أبو هريرة)) في رواية الإسماعيليّ: عن أبي هريرة. قوله: (يقول الناس: أكثَرَ أبو هريرة)) أخرجه البيهقيُّ في ((المدخل)) من طريق أبي مُصعَب عن محمد بن إبراهيم بن دينار عن ابن أبي ذِئْب بلفظ: ((إنَّ الناسَ قالوا: قد أكثرَ أبو هريرة من الحديث عن رسول الله ﴿، وإنّي كنت ألزَمُه لشِبَع بطني، فلَقیتُ رجلاً فقلت له: بأيِّ سورة ... فذكر الحديث، وقال في آخره: أخرجه البخاري عن أبي مُصعَب(١). انتهى، ولم أرَ هذه الطَّريقَ في ((صحيح البخاري))، وكأنَّ البيهقيَّ تَبِعَ ((أطراف)) خَلَفٍ فإنَّه ذكرها، وقد قال ابن عساكر: لم أجدها ولا ذكرها أبو مسعود. انتهى، ثمَّ وجدتُ في مناقب جعفر صدرَ هذا الحديث (٣٧٠٨)، لكن قال بعد قوله: ((لشِبَعٍ بطني): حين لا آكلُ الْخَمِير ولا ألبَسُ الحرير، فذكر قصَّةَ جعفر بن أبي طالب، فلعلَّ البيهقيَّ أراد هذا، وكأنَّ المقبُريّ وغيره من رواته كان يُحدِّثُ به تاماً تارةً ومختصراً أُخرى. وقد وقع عند الإسماعيليِّ من طريق ابن أبي فُدَيكٍ عن ابن أبي ذِئب في أول هذا الحديث: حَفِظتُ من رسول الله: ﴿ وِعاءَين ... الحديث، وفيه: إنَّ الناسَ قالوا: أكثرَ أبو هريرة، فذكره، وقوله: ((حَفِظت ... )) إلى آخره، تقدَّم في العلم (١٢٠) مع الكلام عليه، وتقدَّم في العلم أيضاً (١١٨) من طريق الأعرج عن أبي هريرة: إنَّ الناسَ يقولون: أكثر أبو هريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حَدَّثت ... الحديث، وسيأتي في أوائل البيوع (٢٠٤٧) من طريق سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمةً عن أبي هريرة قال: إنَّكم تقولون: إنَّ أبا هريرة أكثرَ ... الحديث، وفيه الإشارةُ إلى سبب إكثاره وأنَّ المهاجرين والأنصار كانوا يَشْغَلُهم المعاشُ، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يقول هذه المقالةَ أمام ما يريدُ أن يُحدِّثَ به، مما يدلُّ على صِحَّة إكثاره وعلى السبب في ذلك وعلى سبب استمراره على التحديث. قوله: ((فَلَقِيتُ رجلاً، لم أقف على تسميته ولا على تسمية السورة، وقوله: ((بِمَ)) بكسر الموحّدة بغير ألفٍ لأبي ذرِّ وهو المعروفُ، وللأكثر بإثبات الألف وهو قليل، أي: بأيِّ شيءٍ. (١) لم نقف عليه في المطبوع من (المدخل)) من هذا الطريق وبهذا اللفظ، والذي فيه برقم (٥٧١) من طريق مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة كرواية البخاري السالفة برقم (١١٨). ٤٧٦ باب ١٨ / ح ١٢٢٢ - ١٢٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((البارِحةَ)) أي: أقربَ ليلةٍ مضت. وفي هذه القصَّة إشارة إلى سبب إكثار أبي هريرة وشِدّة إتقانه وضبطه، بخلاف غيره. وشاهد الترجمة دلالة الحديث على عَدَمِ ضبطِ ذلك الرجلِ، كأنَّه اشتَغَلَ بغير أمر الصلاة حتَّى نَسِيَ السورةَ التي قُرِئَت، أو دلالته على ضبطِ أبي هريرة كأنَّه شُغِلَ فِكرُه بأفعال الصلاة حتَّى ضَبَطَها وأتقَنَها، كذا ذكر الكِرْمانيّ هذين الاحتمالَين، وبالأول جَزَمَ غيره، والله أعلم. خاتمة: اشتملت أبواب العمل في الصلاة من الأحاديث المرفوعة على اثنين وثلاثينَ حديثاً، المعلَّق من ذلك ستّة والبقيَّة موصولة، المكرَّرُ منها فيها وفيما مضى ثلاثة وعشرون حديثاً والبقيّة خالصة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي بَرْزةَ في قصَّة انفلات دابَّته، وحديث عبد الله بن عَمْرو المعلَّق في النَّفخ في السجود، وحديث أبي هريرة في التخصُّر (١)، وحديثه في القراءة في العَتَمة. وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم سنَّة آثار، والله أعلم. (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فحديث أبي هريرة في التخصُّر أخرجه مسلم برقم (٥٤٥) من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، کرواية البخاري برقم (١٢٢٠). ٤٧٧ باب ١ / ح ١٢٢٤- ١٢٢٥ أبواب السهو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ أبواب السَّهُو ] ٩٢/٣ ١ - باب ما جاء في السَّهو إذا قام من ركعتي الفريضة ١٢٢٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرحمن الأعرج، عن عبدِ الله ابنِ بُحَينَ ﴾ أنَّه قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِ ◌ّ رَ كْعتَينٍ من بعض الصَّلَواتِ، ثمَّ قامَ فلم يَجلِسْ، فقامَ الناسُ معه، فلمَّا قَضَى صلاتَه ونَظَرْنا تَسلِيمَه كَبَّرَ قبلَ التَّسليمِ فسَجَدَ سَجْدتَينٍ وهو جالسٌ، ثمَّ سَلَّمَ. ١٢٢٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبدِ الله ابنِ بُحَينَ ﴾ أنَّه قال: إنَّ رسولَ الله وَ﴿ قَامَ مِن اثنتَيْنِ مِن الظّهرِ لم يَجْلِسْ بينَهما، فلمَّا قَضَى صلاتَه سَجَدَ سَجْدتَينِ ثمَّ سَلَّمَ بعدَ ذلكَ. قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم. باب ما جاء في السَّهْوِ إذا قامَ من رَكْعتَي الفريضة» وللكُشِمِيهَنيّ والأَصِيلِيّ وأبي الوَقْت: ((ركعتَي الفرض))، وسَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرِّ. والسهوُ: الغَفْلة عن الشيءٍ وذهابُ القلب إلى غيره، وفَرَّقَ بعضهم بين السهو والنِّسیان، وليس بشيء. واختُلِفَ في حُكْمِه، فقال الشافعيّة: مسنونٌ كلُّه، وعن المالكيَّة: السجود للنَّقْصِ واجب دونَ الزيادة، وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأرکان فيجبُ لترکِها سهواً، وبين السُّنَن القوليَّة فلا يجب، وكذا يجبُ إذا سَهَا بزيادة فعلِ أو قولٍ يُبطِلُها عمدُه، وعن الحنفيَّة: واجبٌ كلَّه، وحُجَّتهم قوله في حديث ابن مسعود الماضي في أبواب القِبْلة (٤٠١): (ثمَّ لَيَسجُد سجدتين))، ومثله لمسلم (٥٧١) من حديث أبي سعيد، والأمر ٤٧٨ باب ١ / ح ١٢٢٤ -١٢٢٥ فتح الباري بشرح البخاري للوجوب. وقد ثبت من فعله ټ، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجبٌ ولا سيَّما مع قوله: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلُِّ))(١). قوله: «عن عبد الرحمن الأعرج) کذا في روایة کریمة، ولم يُسمَّ في رواية الباقين. قوله: ((عن عبد الله ابن بُحَينة)) تقدَّم في التشهُّد (٨٣٠) أنَّ بُحَينة اسم أُمُّه أو أُمَّ أبيه، وعلى هذا فينبغي أن يُكتَبَ ابن بُحَينة بألفٍ. قوله: ((صَلَّى لنا)) أي: بنا أو لأجلنا، وقد تقدَّم في أبواب التشهُّدِ من رواية شعيب عن ابن شهاب (٨٢٩) بلفظ: صَلَّ بهم، ويأتي في الأيمان والتُّذورِ من رواية ابن أبي ذِئب عن ابن شهاب (٦٦٧٠) بلفظ: صَلَّی بنا. قوله: ((من بعض الصَّلَوات)) بيَّن في الرواية التي تليها أنَّها الظُّهر. قوله: (ثمَّ قامَ) زاد الضَّحّاك بن عثمان عن الأعرج: فسَبَّحوا به فمضى حتَّى فَرَغَ من صلاته، أخرجه ابن خُزيمة (١٠٣٠). وفي حديث معاوية عند النَّسائيّ (١٢٦٠) وعُقْبة بن عامر عند الحاكم (١/ ٣٢٥) جميعاً نحوُ هذه القصّة بهذه الزيادة. قوله: ((فلمَّا قَضَى صلاَه) أي: فَرَغَ منها. كذا رواه مالك عن شيخيه(٢)، وقد استدلَّ به لمن زَعَمَ أنَّ السلام ليس من الصلاة، حتَّى لو أحدَثَ بعد أن جَلَسَ وقبلَ أن يُسلِّمَ تَمَّت صلاتُه، وهو قولُ بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة، وتُعُقِّبَ بأنَّ السلام ٩٣/٣ لمَّا كان للتحليل من الصلاة، كان المصلِي إذا انتهى إليه كمَن فَرَغَ من صلاته،/ ويدلُّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجة (١٢٠٧) من طريق جماعة من الثُّقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: ((حتَّى إذا فَرَغَ من الصلاة إلَّا أن يُسلِّمَ))(٣)، فدَلَّ على أنَّ بعضَ الرُّواةِ حَذَفَ الاستثناءَ لوضوحه، والزيادةُ من الحافظ مقبولة. قوله: ((ونَظَرْنا تسليمَه)) أي: انتَظَرْنا، وتقدَّم في رواية شعيب (٨٢٩) بلفظ: ((وانتَظَرَ (١) سلف عند البخاري برقم (٦٣١)، وسيأتي برقم (٦٠٠٨) و(٧٢٤٦). (٢) ونحوه رواية الليث عن ابن شهاب، وستأتي عند البخاري برقم (١٢٣٠). (٣) وتابع يحيى بنَ سعيد على هذا اللفظ عن الأعرج الضحاكُ بن عثمان عند ابن خزيمة (١٠٣٠). ٤٧٩ باب ١ / ح ١٢٢٤ -١٢٢٥ أبواب السهو الناس تسليمه))، وفي هذه الجملة ردٌّ على مَن زَعَمَ أنَّه ◌ِاللهِ سَجَدَ في قصّة ابن بُحَینة قبلَ السلام سهواً، أو أنَّ المراد بالسجدتين سَجْدتا الصلاة، أو المراد بالتَّسليم التَّسليمة الثانية، ولا يخفى ضعفُ ذلك ويُعْدُه. قوله: ((كَبَّرَ قبلَ التَّسْليمِ فسَجَدَ سَجْدتَين)) فيه مشروعيَّ سجود السهو وأنَّه سجدتان، فلو اقتّصَرَ على سجدةٍ واحدةٍ ساهياً لم يَلْزَمْه شيء، أو عامداً بَطَلَت صلاتُه، لأَنَّه تَعَمَّدَ الإتيان بسجدةٍ زائدةٍ ليست مشروعة، وأنَّه يُكبِّر لهما كما يُكبِّر في غيرهما من السجود. وفي روایة اللیث عن ابن شهاب کما سيأتي بعد ثلاثة أبواب (١٢٣٠): «ُکېِّ في کلِّ سجدة)»، وفي رواية الأوزاعيّ: ((فِكِبَّرَ ثمَّ سَجَدَ ثمَّ كَبَّرَ فرفع رأسَه، ثمَّ کبَّرَ فسَجَدَ، ثمَّ کبَّرَ فرفع رأسه، ثمَّ سَلَّمَ)) أخرجه ابن ماجة(١)، ونحوه في رواية ابن جُرَیج کما سیأتي بیانُه عَقِب حدیث اللیث(٢). واستُدلَّ به على مشروعيّة التكبير فيهما والجهر به كما في الصلاة، وأنَّ بينهما جلسةً فاصلةً، واستدلَّ به بعض الشافعيَّة على الاكتفاء بالسجدتین للسهو في الصلاة، ولو تكرّر من جهةٍ أنَّ الذي فاتَ في هذه القصّة الجلوس والتشهُّد فيه، وكلّ منهما لو سَهَا المصلِّي عنه على انفراده سَجَدَ لأجله ولم يُنقَلِ أَنَّهِ لهِ سَجَدَ في هذه الحالةِ غير سجدتين، وتُعقّبَ بأنَّه ينبني على ثُبُوتِ مشروعيَّةُ السجود لتركِ ما ذُكِرٍ، ولم يَستَدِلّوا على مشروعيّة ذلك بغير هذا الحديث فيستلزمُ إثباتَ الشيءٍ بنفسه، وفيه ما فيه، وقد صَرَّحَ في بقيَّ الحديث بأنَّ السجود مکان ما نُسي من الجلوس کما سيأتي من روایة اللیث (١٢٣٠)، نعم حدیث ذي الیدین دالٌ لذلك کما سیأتي. قوله: (وهو جالس)) جملة حاليَّة مُتعلِّقة بقوله: ((سَجَدَ)) أي: أنشَأ السجود جالساً. (١) عزو هذا الطريق إلى ابن ماجه ذهول من الحافظ رحمه الله، فإنه ليس عنده وإنما هو عند البيهقي في (سنته)) ٢/ ٣٥٣ من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب. (٢) رواية الليث ستأتي برقم (١٢٣٠)، ورواية ابن جريج أخرجها أحمد في ((مسنده» (٢٢٩٣٠)، كما أشار إليها الحافظ في آخر باب من یکبر في سجدتي السهو. ٤٨٠ باب ١ / ح ١٢٢٤-١٢٢٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ سَلَّمَ)) زاد في رواية يحيى بن سعيد (١٢٢٥): ثمَّ سَلّمَ بعد ذلك، وزاد في رواية الليث الآتية (١٢٣٠): وسَجَدَهما الناسُ معه مكان ما نَسِيَ من الجلوس. واستُدلَّ به على أنَّ سجود السهو قبلَ السلام، ولا حُجّةَ فيه في كَونِ جميعه كذلك، نعم يَرُدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ جميعَه بعد السلام كالحنفيَّة، وسيأتي ذِكرُ مُستنَدهم في الباب الذي بعده. واستُدلَّ بزيادة الليث المذكورة على أنَّ السجود خاصٌّ بالسهو، فلو تَعَمَّدَ تركَ شيءٍ ممّا يُحِبَرَ بسجود السهو لا يَسجُدُ، وهو قولُ الجمهور، ورَجَّحَه الغَزاليّ وناس من الشافعيّة. واستدلَّ به أيضاً على أنَّ المأموم يَسجُد مع الإمام إذا سَهَا الإمامُ وإن لم يَسْه المأمومُ، ونقل ابن خَزْمِ فيه الإجماع، لكن استثنى غيرُه ما إذا ظَنَّ الإمامُ أنَّه سَهَا فسجد وتَحقَّقَ المأموم أنَّ الإمام لم يَسْه فيما سَجَدَ له، وفي تصويرها عُسْر، وما إذا تبيَّن أنَّ الإمام مُحدِث، ونقل أبو الطيِّب الطبريّ أنَّ ابن سِيرِين استثنى المسبوق أيضاً. وفي هذا الحديث أنَّ سجود السهو لا تَشَهُّدَ بعدَه إذا كان قبلَ السلام، وقد ترجم له المصنّف قريباً(١)، وأنَّ التشهُّدَ الأولَ غير واجبٍ، وقد تقدَّم في أواخر صفة الصلاة (٨٢٩). وأنَّ مَن سَهَا عن التشهُّد الأول حتَّى قام إلى الركعة ثمَّ ذكر لا يَرجِعُ، فقد سَبَّحوا به وَّ فلم يَرجِعْ، فلو تَعَمَّدَ المصلِّ الرُّجوعَ بعد تَلُبُّسِه بالرُّكنِ بَطَلَت صلاتُه عند الشافعيِّ خلافاً للجمهور، وأنَّ السهوَ والنِّسيانَ جائزان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما طريقه التّشريع، وأنَّ محلّ سجود السهو آخرُ الصلاة، فلو سَجَدَ للسهو قبلَ أن يتشهَّدَ ساهياً أعاد عند مَن يُوجِبُ التشهُّدَ الأخيرَ وهم الجمهور. ٢ - باب إذا صلَّى خمساً ١٢٢٦ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة، عن عبدِ الله ﴾: أنَّ رسولَ الله وَّهِ صلَّى الظُّهرَ خمساً فقيلَ له: أَزِيدَ في الصلاةِ؟ فقال: ((وما ذاكَ؟)) (١) وهو الباب الآتي برقم (٤).