النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ٢ / ح ١٢٠٠
أبواب العمل في الصلاة
ما يشاءُ، وإنَّ اللهَ قد أحدَثَ أن لا تَكلَّموا في الصلاة))، وزاد في رواية كُلثوم الخُزاعيّ(١):
((إلَّا بذِكْر الله وما ينبغي لكم، فقوموا لله قانتين))، فأُمِرنا بالسُّكوت.
قوله: ((هُرَيم)) بهاءٍ وراءٍ مصغَّراً، والسَّلُوليّ بفتح المهمَلة ولامَينِ الأُولى خفيفة مضمومة،
ورجال الإسنادينِ من الطَّريقين كلّهم كوفيُّون، وسفيان: هو الثَّوريُّ، ورواية الأعمَشِ بهذا
الإسناد ما عُدَّ من أصحّ الأسانيد.
قوله: ((نحوه) ظاهر في أنَّ لفظَ رواية هُرَيم غير مُتَّحِدٍ مع لفظ رواية ابن فُضَيل وأنَّ معناهما
واحد، وكذا أخرج مسلم (٥٣٨) الحديثَ من الطَّريقين وقال في رواية هُرَيم أيضاً: «نحوه))، ولم
أقف على سياق لفظ هُرَيم إلَّا عند الجَوزَقيّ، فإنَّه ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزّهْريّ
عنه ولم أرَ بينهما مُغايرة، إلّا أنَّه قال: ((قَدِمْنا)) بَدَل: رَجَعنا، وزاد: ((فقيل له: يا رسول الله))
والباقي سواء، وسيأتي في الهجرة (٣٨٧٥) من طريق أبي عَوَانةَ عن الأعمش أوضَحَ من هذا.
وللحديث طرق أُخرى منها عند أبي داود (٩٢٤) والنَّسائيّ (١٢٢١) من طريق أبي
وائل(٢) عن ابن مسعود، وعند النَّسائيّ (١٢٢٠) من طريق كُلثوم الُراعيّ عنه، وعند ابن
ماجَة (١٠١٩) والطَّحَاويّ (١/ ٤٥٥) من طريق أبي الأحوَصِ عنه، وسيأتي التنبيه عليه في
((باب قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩])) من أواخر كتاب التوحيد(٣).
١٢٠٠ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عيسى - هو ابنُ يونسَ - عن إسماعيلَ، عن
الحارثِ بنِ شُبَيلٍ، عن أبي عَمرِو الشَّيبائيِّ قال: قال لي زيدُ بنُ أرقَم: إن كنّا لَتَتَكَلَّمُ في الصلاةِ
على عَهْدِ النبيِّ وَّه يُكلِّمُ أحدُنا صاحبَه بحاجَتِهِ، حتَّى نزلت ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾ الآيَةَ
[البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ.
[طرفه في: ٤٥٣٤]
(١) عند النسائي (١٢٢٠)، إلا أن قوله: ((فأمرنا بالسكوت)) ليس في حديث ابن مسعود عنده، وإنما هو في
حديث زيد بن أرقم كما عند البخاري في هذا الباب.
(٢) تحرَّف في (س) إلی: أبي ليلى.
(٣) رقم الباب (٤٢)، وأول رقم فيه (٧٥٢٢).

٤٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن إسماعيلَ)) هو ابن أبي خالد، والحارث بن شُبَيل ليس له في البخاريِّ غيرُ
هذا الحديث، وأبوه بمعجمةٍ وموحَّدة وآخره لام مصغّر، وليس لأبي عمرو سعد بن
إياس الشَّيبانيّ شيخِه عن زيد بن أرقمَ غيرُه.
قوله: ((إنْ كَّا لَتَكَلَّم) بتخفيف النون، وهذا حُكْمه الرَّفع، وكذا قوله: ((أُمِرنا)) لقوله فيه:
((على عهد النبيِّ وَّ))، حتَّى ولو لم يُقيَّد بذلك لكان ذِكْر نزول الآية كافياً في كَونِه مرفوعاً.
قوله: ((يُكلِّمُ أحدُنا صاحبَه بحاجتِهِ)) تفسير لقوله: (نَتكَلَّم))، والذي يَظهَرُ أنَّهم كانوا لا
يتكلَّمونَ فيها بكلِّ شيءٍ، وإنَّما يَقتِصِرونَ على الحاجة من ردِّ السلام ونحوِه.
٧٤/٣
قوله: ((حتَّى نزلَت)) ظاهر في أنَّ نَسْخَ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أنَّ
النَّسْخَ وقع بالمدينة، لأنَّ الآيةَ مدنيّةٌ باتِّفاقٍ، فيُشكِلُ ذلك على قول ابن مسعود: إنَّ ذلك
وقع لمَّ رجعوا من عند النَّجاشيّ، وكان رجوعهم من عندِه إلى مكَّة، وذلك أنَّ بعضَ
المسلمين هاجَرَ إلى الحبشةِ ثمَّ بَلَغَهم أنَّ المشركينَ أسلموا، فرجعوا إلى مكَّةَ فوجدوا الأمرَ
بخلاف ذلك واشتَدَّ الأذَى عليهم، فخرجوا إليها أيضاً فكانوا في المرّة الثانية أضعاف
الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختُلِفَ في مراده بقوله: ((فلمَّا رجعنا» هل أراد الرُّجوعَ الأولَ أو الثاني، فجَنَحَ
القاضي أبو الطيِّب الطبريّ وآخرون إلى الأول وقالوا: كان تحريم الكلام بمكَّة، وحملوا
حديث زيد على أنَّه وقومَه لم يَبلُغهم النَّسخ وقالوا: لا مانع أن يتقدَّم الحُكْم ثمَّ تنزلَ الآيةُ
بَوَفْقِهِ.
وجَنَحَ آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يَترجَّحُ حديث ابن مسعود بأنَّه حكى لفظَ النبيِّ
وَلَ﴾، بخلاف زيد بن أرقَمَ فلم یحکِهِ.
وقال آخرون: إنَّما أراد ابن مسعود رجوعَه الثاني، وقد وَرَدَ أنَّ قَدِمَ المدينةَ والنبيّ ◌ِلـ
يَتَجَهَّزُ إلى بدر، وفي ((مُستَدرَك الحاكم)) (١) من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن
(١) (المستدرك)) ٦٢٣/٢، وأخرج الحديث بطوله أبو جعفر المصيصي الملقَّب بلُوَيْن في ((جزئه)) برقم (٣)، =

٤٤٣
باب ٢ / ح ١٢٠٠
أبواب العمل في الصلاة
مسعود عن ابن مسعود، قال: بَعَثَنا رسول الله وَّه إلى النَّجاشيِّ ثمانينَ رجلاً ... فذكر
الحديث بطوله وفي آخره: فتَعَجَّلَ عبد الله بن مسعود فشَهِدَ بَدراً.
وفي (السِّيَرَ)) لابن إسحاق: أنَّ المسلمين بالحبشةِ لمَّا بَلَغَهم أنَّ النبيَّ نَّ هَاجَرَ إلى
المدينة رجعَ منهم إلى مكَّةَ ثلاثة وثلاثونَ رجلاً، فماتَ منهم رجلان بمكّة وحُبِسَ منهم
سبعة، وتَوجَّهَ إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً فشَهِدوا بدراً. فعلى هذا كان ابن مسعود من
هؤلاء، فظَهَرَ أنَّ اجتماعَه بالنبِّ ◌َّه بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نَحَا اخطَّابي،
ولم يَقِفْ مَن تعقَّب كلامه على مُستَنَدِه، ويُقوِّي هذا الجمعَ رواية كُلْئوم المتقدِّمة (١)، فإنّها
ظاهرةٌ في أنَّ كلَّا من ابن مسعود وزيد بن أرقَمَ حكى أنَّ الناسخَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَدْنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وأمَّا قولُ ابن حِبَّان(٢): كان نسخُ الكلام بمكَّة قبلَ الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى
قول زيد بن أرقمَ: ((كنَّا نَتَكَلَّم)) أي: كان قومي يتكلَّمونَ، لأنَّ قومَه كانوا يُصلُّونَ قبلَ
الهجرة مع مُصعَب بن عُمَير الذي كان يُعلِّمُهم القرآن، فلمَّا نُسِخَ تحريم الكلام بمكّة بَلَغَ
ذلك أهلَ المدينة فتركوه. فهو مُتَعقَّبٌ بأنَّ الآيةَ مدنيَّةٌ باتِّفاقِ، وبأنَّ إسلام الأنصار وتَوجُّهَ
مُصعَب بن عُمَير إليهم إنَّما كان قبلَ الهجرة بسنةٍ واحدةٍ، وبأنَّ في حديث زيد بن أرقمَ: كنّا
نَتَكَلَّمُ خَلفَ رسول الله وَلِّ، كذا أخرجه التِّرمِذيُّ (٤٠٥)، فانتفى أن يكون المراد الأنصار
الذين كانوا يُصلُّونَ بالمدينة قبلَ هجرة النبيِّ يَّ إليهم.
وأجاب ابن حِبَّان في موضع آخرَ: بأنَّ زيد بن أرقمَ أراد بقوله: ((كنّا نَتكَلَّم)) مَن كان
يُصلِّي خلفَ النبيِّ وَّه بمَّة من المسلمين. وهو مُتَعقَّبٌ أيضاً بأنَهم ما كانوا بمكَّة يجتمعونَ
إلَّا نادراً، وبما روى الطَّبَرانيّ (٧٨٥٠) من حديث أبي أمامةَ قال: كان الرجل إذا دخل
= وإسناده عندهما حسن.
(١) عند النسائي (١٢٢٠).
(٢) انظر ((صحيحه)) ٢٦/٦-٢٨.

٤٤٤
باب ٢ / ح ١٢٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
المسجد فوَجَدَهم يُصلُّونَ سألَ الذي إلى جَنِه، فيُخبِرُه بما فاتَه فيقضي ثمَّ يدخلُ معهم،
حتَّى جاء معاذ يوماً فدخل في الصلاة ... فذكر الحديث(١)، وهذا كان بالمدينة قطعاً، لأنَّ أبا
أُمامةَ ومعاذ بن جبل إنَّما أسلما بها.
قوله: ((﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ ﴾ الآية)) كذا في رواية گرِيمة، وساق في رواية أبي ذرِّ
وأبي الوَقْت الآية إلى آخرها، وانتهت روايةُ الأَصِيليّ إلى قوله: ﴿الْوُسْطَى﴾، وسيأتي الكلام
على المراد بالوُسطَى وبالقُنُوتِ في تفسير البقرة (٤٥٣٣)، وحديث زيد بن أرقمَ ظاهر في
أنَّ المراد بالقُنوتِ السُّكوتَ.
قوله: ((فأُمِرْنا بالسُّكُوت)) أي: عن الكلام المتقدِّم ذِكْره لا مُطلَقاً، فإنَّ الصلاةَ ليس فيها
حال سكوت حقيقيّة، قال ابن دَقِيق العيد: ويَترجَّحُ ذلك بما دَلَّ عليه لفظ ((حتَّى)) التي
للغاية، والفاء التي تُشعِرُ بتعليلِ ما سَبَقَ عليها لمَا يأتي بعدَها.
٧٥/٣
تنبيه: زاد مسلم في روايته (٥٣٩): ((وُّهينا عن الكلام)) ولم يقع في البخاريّ، وذكرها
صاحب ((العُمدة)) ولم يُنَبِّه أحد من شُرّاحها عليها، واستُدلَّ بهذه الزيادة على أنَّ الأمرَ
بالشيءٍ ليس نهياً عن ضِدِّه، إذلو كان كذلك لم يَحَتَجْ إلى قوله: وتُّهينا عن الكلام.
وأُجِيبَ بأنَّ دلالته على ضِدِّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلافُ، فلعلَّه ذُكِرَ لكَونِهِ
أصرحَ، والله أعلم.
قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظُ أحد ما يُستدَلُّ به على النَّسْخِ وهو تقدُّم أحد الحُكْمَينِ
على الآخر، وليس كقول الرّاوي: هذا منسوخ، لأنَّه يَطْرُقُه احتمال أن يكون قاله عن
اجتهاد، وقيل: ليس في هذه القصّة نسخ، لأنَّ إباحةَ الكلام في الصلاة كان بالبراءة
الأصليّة، والحُكْم المزيل لها ليس نسخاً.
وأُجيبَ بأنَّ الذي يقعُ في الصلاة ونحوها ممّا يُمنَعُ أو يُباحُ، إذا قَرَّرَه الشارعُ كان حُكماً
شرعيّاً، فإذا وَرَدَ ما يخالفُه كان ناسخاً، وهو كذلك هنا.
(١) وإسناده ضعيفٌ جداً، فلا يصلح للاحتجاج به، وغيره يُغْني عنه.

٤٤٥
باب ٣ / ح ١٢٠١
أبواب العمل في الصلاة
قال ابن دقيق العيد: وقولُه: ((وُّهينا عن الكلام)» يقتضي أنَّ كلَّ شيءٍ يُسمَّى كلاماً فهو
مَنهيٌّ عنه، حملاً للَّفظِ على عمومِه، ويحتملُ أن تكون اللَّام للعهد الراجع إلى قوله: ((يُكلِّمُ
الرجلُ منَّا صاحبَه بحاجته))، وقوله: ((فأُمِرنا بالسُّكوت)) أي: عمَّا كانوا يفعلونَه من ذلك.
تكميل: أجمعوا على أنَّ الكلام في الصلاة من عالم بالتحريمِ عامٍ لغير مَصلَحَتها أو
إنقاذِ مسلمٍ، مُبطِلٌ لها، واختلفوا في الساهي والجاهلِ فلا يُبطِلُها القليل منه عند الجمهور،
وأبطَلها الحنفيَّة مُطلَقاً كما سيأتي في الكلام على حديث ذي اليدين في السهو (١٢٢٧).
واختلفوا في أشياءَ أيضاً كمَن جَرَى على لسانه بغير قصدٍ أو تَعَمُّدِ إصلاح الصلاة
لسهوِ دخل على إمامه، أو لإنقاذِ مسلم لئلّا يقعَ في مَهلكةٍ، أو فتحَ على إمامه، أو سَبَّحَ لمن
مَّ به، أو رَدَّ السلام، أو أجاب دعوةَ أحدٍ والدَيه، أو أُكره على الكلام، أو تَقرَّبَ بقُريةٍ:
كأعتَقْتُ عبدي لله، ففي جميع ذلك خلافٌ محلٌّ بَسطِه كتبُ الفقه، وستأتي الإشارةُ إلى
بعضه حیثُ مُحتاجُ إليه.
قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): الفَرقُ بين قليل الفعل للعامدِ فلا يُبطِلُ، وبين قليل
الكلام: أنَّ الفعل لا تَخُلُو منه الصلاةُ غالباً لمصلحتها، وتَّخُلُو من الكلام الأجنبيِّ غالباً
مُطَّرِداً، والله أعلم.
٣- باب ما يجوز من التَّسبيح والحمد في الصلاة للرِّجال
١٢٠١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ
ے قال: خرج النبيُّ ◌ُ﴿ يُصلِحُ بین بني عَمرِو بنِ عَوْفٍ، وحانتِ الصلاةُ، فجاء بلالٌ أبا بكرٍ
رضي الله عنهما فقال: حُبِسَ النبيُّ ◌َِّ فَتَؤُمُّ الناسَ؟ قال: نعم إن شِئْتُم، فأقامَ بلالٌ الصلاةَ،
فتقدَّمَ أبو بكرٍ ﴾ فصَلَّى، فجاء النبيُّنَّهِ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقّاً، حتَّى قامَ في الصفِّ
الأوَّلِ، فأخذَ الناسُ بالتَّصفيح - قال سهلٌ: هل تَدْرُونَ ما التَّصفيحُ؟ هو التَّصِفِيقُ - وكانَ أبو
بكرٍ لا يَلتَفِتُ في صلاِهِ، فلمَّا أكثُرُوا الْتَفَتَ فإذا النبيُّوَِّ في الصفِّ، فأشار إليه: مكانَكَ،
فَرَفَعَ أبو بكرٍ يديه فحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ رجعَ القَهْقَرَى وراءَه، وتقدَّمَ النبيُّونَ﴿ فِصَلَّى.

٤٤٦
باب ٣ / ح ١٢٠١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما يجوز من التَّسبيح والحمد في الصلاة)) قال ابن رُشَيد: أراد إلحاق التسبيح
بالحمدِ بجامع الذِّكر، لأنَّ الذي في الحديث الذي ساقه ذِكْر التحميد دونَ التسبيح.
قلت: بل الحديث مُشتَمِل عليهما لكنَّه ساقه هنا مختصراً، وقد تقدَّم في ((باب مَن دخل
ليَؤُمّ الناس)) من أبواب الإمامة (٦٨٤) من طريق مالك عن أبي حازم وفيه: ((فَرَفَعَ أبو بكر
٧٦/٣ يديه فحَمِدَ اللهَ تعالى))،/ وفي آخره: ((مَن نابَه شيء في صلاته فليُسبِّح))، وسيأتي في أواخر
أبواب السهو عن قُتَيبةَ عن عبد العزيز بن أبي حازم وفيه هذا(١).
قوله: ((الرِّجال)) قال ابن رُشَيد: قَيَّدَه بالرجال لأنَّ ذلك عندَه لا يُشرَعُ للنِّساء، وقد
أشعَرَ بذلك تبويبُه بعدُ حيثُ قال: ((باب التصفيق للنِّساء))، ووجهُه أنَّ دلالةَ العموم لفظيّة
وضعيّة، ودلالةَ المفهوم من لوازم اللفظ عند الأكثرين، وقد قال في الحديث: ((التسبيحُ
للرجال والتصفيق للنِّساء))(٢) فكأنَّه قال: لا تسبيحَ إلَّا للرجال ولا تصفيقَ إلَّا للنِّساء،
وكأنَّه قَدَّمَ المفهومَ على العموم للعملِ بالدليلين، لأنَّ في إعمال العموم إيطالاً للمفهوم،
ولا يقالُ: إنَّ قوله: ((للرجال)) من باب اللَّقَب، لأنَّا نقول: بل هو من باب الصِّفة، لأنَّه في
معنى الذُّكور البالغينَ. انتھی.
وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في الباب المذكور (٦٨٤).
وفيه من الفوائد ممَّا تقدَّم بعضها مبسوطاً: جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت، وأنَّ
المبادَرةَ إليها أولى من انتظار الإمام الرَّاتب، وأنَّه لا ينبغي التقدُّمُ على الجماعة إلَّا برِضاً
منهم، يُؤخَذُ ذلك من قول أبي بكر: ((إن شِئْتُم)) مع علمِه بأنَّه أفضل الحاضرين.
وأنَّ الالتِفاتَ في الصلاة لا يقطعُها، وأنَّ مَن سَبَّحَ أو حَمِدَ لأمرٍ يَنُوبُه لا يقطعُ صلاتَه،
ولو قَصَدَ بذلك تنبيهَ غيره، خلافاً لمن قال بالبُطْلان.
(١) الذي سيأتي في أواخر السهو برقم (١٢٣٤) هو عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي
حازم، وأما قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم فسيأتي في هذه الأبواب - أبواب العمل في الصلاة - برقم
(١٢١٨).
(٢) سيأتي بعد قليل برقم (١٢٠٣) و(١٢٠٤).

٤٤٧
باب ٤ / ح ١٢٠٢
أبواب العمل في الصلاة
وقوله فيه: ((فقال سَهْل)) أي: ابن سعد راوي الحديث: «هل تَدْرونَ ما التصفيحُ؟ هو
التصفيق)) وهذه حُجّة لمن قال: إنَّهما بمعنّى واحدٍ، وبه صَرَّحَ الخطَّبي وأبو عليٍّ القالي
والجَوْهريّ وغيرُهم، وادَّعَى ابن حَزْم نفيَ الخلاف في ذلك، وتُعُقِّبَ بما حكاه عياض في
((الإكمال)): أنَّه بالحاء: الضربُ بظاهر إحدى اليدين على الأُخرى، وبالقاف بباطنِها على
باطن الأُخرى، وقيل: بالحاء: الضربُ بإصبعَينٍ للإنذار والتنبيه، وبالقاف: بجميعها
اللَّهِوِ واللَّعِب.
وأغرَبَ الداووديّ فَزَعَمَ أنَّ الصحابةَ ضَرَبوا بأكُفِّهم على أفخاذِهم، قال عياض: كأنَّه
أخذَه من حديث معاوية بن الحكم الذي أخرجه مسلم (٥٣٧) ففيه: فجعلوا يضربونَ
بأیدیهم على أفخاذِهم.
٤ - باب من سمَّى قوماً أو سلَّم في الصلاة على غيره
وهو لا يعلم
١٢٠٢- حدَّثْنا عَمرُو بنُ عيسى، حدَّثنا أبو عبد الصَّمَد عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَد،
حدَّثنا حُصَينُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﴾ قال: كنَّا نقول:
التَّحِيّةُ - في الصلاة - ونُسمِّي، ويُسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، فسَمِعَه رسول الله ◌َّار فقال: ((قولوا:
التَّحِيّاتُ لله والصَّلَواتُ والطيِّاتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا
وعلى عِبادِ الله الصّالحينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، فإِنَّكم إنْ
فَعَلْتُمْ ذلكَ فقد سَلَّمْتُم على كلِّ عبدٍ لله صالحٍ في السماءِ والأرضِ».
قوله: ((باب مَن سَمَّى قوماً أو سَلَّم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم)» كذا للأكثر، وزاد
في رواية كَرِيمة بعد «على غيره)): ((مواجَهةً))، وحكى ابن رُشَيد أنَّ في رواية أبي ذرٍّ عن
الحَمُّوِيِّ إسقاط الهاء من ((غيره)) وإضافة ((مواجهة))، قال: ويحتملُ أن يكون بتنوين ((غير))
وفتح الجيم من ((مواجهةً)) وبالنصب فيوافقُ المعنى الأول، ويحتملُ أن يكون بتاء التأنيث
فيكون المعنى: لا تَبطُل الصلاةُ إذا سَلَّمَ على غير مواجَهةٍ، ومفهومه أنَّه إذا كان مواجَهةً

٤٤٨
باب ٥ / ح ١٢٠٣ - ١٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
تَبطُل، قال: وكأنَّ مقصود البخاري بهذه الترجمة أنَّ شيئاً من ذلك لا يُبطِلُ الصلاة، لأنَّ
النبيَّ ◌َّه لم يأمرهم بالإعادة وإِنَّمَا عَلَّمَهم ما يستقبلون، لكن يَرُدُّ عليه أنَّه لا يستوي حالُ
٧٧/٣ الجاهلِ قبلَ وجود الحُكْم مع حاله بعد ثُبُوتِهِ، ويَبعُدُ أن يكون/ الذين صَدَرَ منهم الفعلُ
كان عن غير علم، بل الظاهر أنَّ ذلك كان عندَهم شرعاً مُفرَّراً، فوَرَدَ النَّسخ عليه، فيقعُ
الفرقُ. انتھی.
وليس في الترجمة تصريحٌ بجوازٍ ولا بُطْلان، وكأنَّه تَرَك ذلك لاشتباه الأمر فيه. وقد
تقدَّم الكلام على فوائد حديث الباب في أواخر صفة الصلاة (٨٣١ و ٨٣٥).
وقولُه في هذا السياق: ((وسمَّى ناساً بأعيانهم)) يُفسِّره قوله في السياق المتقدِّم (٨٣١):
((السلام على جبريلَ، السلام على ميكائيل ... )) إلى آخره، وقوله: ((يُسلِّمُ بعضنا على بعضٍ))
ظاهر فيما ترجم له، والله تعالى أعلم.
٥ - باب التَّصفيق للنّساء
١٢٠٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي
هريرةَ ﴾، عن النبيِّبَّه قال: ((التَّسْبِيحُ الرِّجال، والتَّصْفِيقُ للِّساء)).
١٢٠٤ - حدَّثنا يحيى، أخبرنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ ﴾
قال: قال النبيُّ وَّ: (التَّسْبِيحُ الرِّجال، والتَّصفيقُ للِّساءِ)).
قوله: ((باب التصفيق للنِّساء)) تقدَّم الكلام علیه قبلَ بابٍ.
وسفيان في الإسناد الأول: هو ابن عُيَينة، وفي الثاني: هو الثّوريُّ، ويحیی شیخ
البخاري: هو ابن جعفر.
وكأنَّ منعَ النِّساء من التسبيحِ لأنَّها مأمورة بخفضٍ صوتها في الصلاة مُطلَقاً لمَا يُحِشَى
من الافتتان، ومُنِعَ الرجال من التصفيق لأنَّه من شأن النِّساءِ، وعن مالك وغيره في قوله:
((التصفيق للنِّساء)) أي: هو من شأنِهِنَّ في غير الصلاة، وهو على جهة الذَّمِّ له، ولا ينبغي

٤٤٩
باب ٦ / ح ١٢٠٥
أبواب العمل في الصلاة
فعلُه في الصلاة لرجل ولا امرأة، وتُعُقِّبَ برواية حَمَّاد بن زيد عن أبي حازم في الأحكام
(٧١٩٠) بصيغة الأمر: ((فليُسبِّح الرجالُ، وليُصَفِّق النِّساءُ)»، فهذا نصِّ يَدفَعُ ما تأوَّله أهل
هذه المقالة.
قال القُرطُبيّ: القولُ بمشروعيَّة التصفيق للنِّساء هو الصحيحُ خبراً ونَظَراً.
٦- باب من رجع القَهْقَری في صلاته أو تقدَّم بأمرٍ ینزل به
رواه سَهْلُ بنُ سعدٍ عن النبيِّ ◌ِّ.
١٢٠٥ - حدَّثْنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، قال يونسُ: قال الزُّهْريُّ: أخبرني أنسُ بنُ
مالكٍ: أنَّ المسلمينَ بَيْنا هم في الفجرِ يومَ الاثنَينِ وأبو بكرٍ﴾ يُصلِّي بهم، ففَجَأَهمُ النبيُّ ◌َلِيل
قد كَشَفَ سِتْرَ حُجْرةٍ عائشةَ رضي الله عنها، فَتَظَرَ إليهم وهم صُفوفٌ فَسَّمَ يَضْحَكُ،
فنَكَصَ أبو بكرٍ ﴾ على عَقِبَيَه وظَنَّ أنَّ رسول الله وَهِ يُرِيدُ أن يَخْرُجَ إلى الصلاةِ، وهَمَّ
المسلمونَ أن يَفتَيِّئُوا في صلاتِهِم فَرَحاً بالنبيِّ وَِّ حِينَ رَأَوْهِ، فأشارَ بيدِه: أن أتِمُّوا، ثمَّ دخلَ
الحُجْرةَ وأرخَى السِّتْرَ، وتُوُفِِّ ذلكَ اليومَ.
قوله: ((باب مَن رجعَ القَهقَرَى في الصلاة أو تقدَّمَ بأمرٍ ينزلُ به، رواه سهل بن سعد عن
النبيِّ وَّ) يشير بذلك إلى حديثه الماضي قريباً (١٢٠١) ففيه: ((فَرَفَعَ أبو بكر يديه فحَمِدَ اللهَ
ثَّ رجعَ القَهقَرَى)). وأمَّا قولُه: ((أو تقدَّم)) فهو مأخوذٌ من الحديث أيضاً، وذلك أنَّ النبيَّ وَله
وَقَفَ في الصفّ الأول خلفَ أبي بكر على إرادة الائتمام به، فامتَنَعَ/ أبو بكر من ذلك، فتقدَّم ٧٨/٣
النبيُّ وَّهِ ورجعَ أبو بكر من مَوقِف الإمام إلى مَوقِف المأموم.
ويحتملُ أن يكون المراد بحديث سهلٍ ما تقدَّم في الجمعة (٩١٧) من صلاته وَله على
المنبر ونزوله القَهقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أصل المنبر ثمَّ تقدَّم حتَّى عاد إلى مَقامِه، والله أعلم.
واستُدلَّ به على جواز العمل في الصلاة إذا كان يسيراً ولم يَحصُل فيه التوالي.
قوله: ((حدَّثْنا بِشْر بن محمَّد)» هو المروَزيّ، وعبد الله: هو ابنُ المبارَك، ويونسُ: هو
ابن یزید.

٤٥٠
باب ٧ / ح ١٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال يونس: قال الزُّهْريّ)) أي: قال: قال يونس، وهي تُحذَفُ خَطّاً في الاصطلاح
لا نُطقاً.
قوله: ((فَفَجَأهم)) قال ابن التِّين: كذا وقع في الأصل بالألف وحَقُّه أن يُكتَبَ بالياء لأنَّ
عينه مكسورة کوطتهم(١). انتهى.
وبقيّة فوائد المتن تقدَّمت في ((باب أهل العلم والفضل أحَقّ بالإمامة)) من أبواب
الإمامة (٦٨٠)، ويأتي الكلامُ عليه مُستوفَّى في أواخر المغازي (٤٤٤٨) إن شاء الله تعالى.
٧- باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة
١٢٠٦ - وقال الليثُ: حدَّثني جعفرٌ، عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُّزَ قال: قال أبو هريرةَ
: قال رسول الله #: «نادَتِ امرأةٌ ابنها وهو في صومعتهِ، قالت: یا ◌ُرَیُ، قال: اللهمَّ
أُمَّي وصلاقي، قالت: يا جُرَيجُ، قال: اللهمَّ أُمّي وصلاتي، قالت: يا جُرَيجُ، قال: اللهمَّ أُمّي
وصلاقي، قالت: اللهمَّ لا يموتُ جُرَيجٌ حتَّى يَنظُرَ في وَجْه المَّيامِيسِ. وكانت تَأْوي إلى
صَومَعتِهِ راعيةٌ تَرْعَى الغنمَ، فَوَلَدَت، فقيلَ لها: ممَّن هذا الولدُ؟ قالت: من جُرَيجِ، نَزَّلَ من
صومَعَتِهِ، قال جُرَيجٌ: أينَ هذه التي تَزْعُمُ أنَّ وَلَدَها لي؟ قال: يا بأبُوسُ، مَن أبوكَ؟ قال:
راعي الغنم».
[أطرافه في: ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦]
قوله: ((باب إذا دَعَت الأَمّ ولدها في الصلاة)) أي: هل يجبُ إجابتها أم لا؟ وإذا وَجَبَت
هل تَبطُّلُ الصلاةُ أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حَذَفَ المصنّف جواب الشَّرط.
قوله: ((وقال الليث)) وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليّ أحد شيوخ البخاري
عن الليثِ مطوَّلاً(٢). وجعفر: هو ابنُ ربيعة المصريُّ، وجُرَيج بجيمَين مصغّر.
(١) يعني: فَچِئهم، کسمعَ، وهي اللغة الأفصح کما نصّ غيرُ واحدٍ من أهل العربية، وهي رواية أبي نِّ
الهروي فيما صحَّ عند اليُونيني وصوَّبه كما ذكر القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٣٥٣/٢، وأما ((فَجَأَ)
کمَنّعَ، فهي لغة كما ذكر غير واحدٍ من أصحاب المعاجم.
(٢) ووصله أيضاً أبو نعيم في ((مستخرجه)) كما في ((التغليق)) ٤٤٤/٢ من طريق يحيى بن بكير، والطحاوي =

٤٥١
باب ٧ / ح ١٢٠٦
أبواب العمل في الصلاة
وقوله: ((في وجهِ المَيامِيس)) في رواية أبي ذرُّ: ((وُجوه)) بصيغة الجمع، والمياميس: جمع
مُومِسة بكسر الميم: وهي الزَّانيةُ، قال ابن الجَوْزيّ: إثبات الياء فيه غلط والصواب
حذفها، وخُرِّج على إشباع الكسرة. وحکی غیره جوازَه.
قال ابن بَطَّال: سببُ دعاء أُمّ جُرَيج على ولدها أنَّ الكلام في الصلاة كان في شرعهم
مُباحاً، فلمَّا آتَرَ استمرارَه في صلاته ومُناجاته على إجابتها، دَعَت عليه لتأخيره حَقَّها.
انتهى، والذي يَظهَرُ من ترديده في قوله: ((أُمّي، وصلاني)) أنَّ الكلام عندَه يقطعُ الصلاةَ
فلذلك لم يُحِیها، وقد روی الحسن بن سفيان وغيره من طريق الليث عن يزيد بن حَوشَب
عن أبيه قال: سمعتُ رسول الله:﴿ يقول: ((لو كان جُرَيج عالماً لعَلِمَ أنَّ إجابتَه ◌ُمَّه أَولى
من عبادةِ ربِّه))، ويزيدُ هذا مجهول، وحَوشَب بمُهمَلٍ ثمَّ معجمة وزن جعفر، ووَهِمَ
الدِّمياطيِّ(١) فَزَعَمَ أنَّه ذو ظُلَيم، والصواب أنَّه غيرُه لأنَّ ذا ظُليمٍ لم يسمع من النبيِّ ◌ِلَّه
وهذا وقع التصریحُ بسماعه.
وقوله فيه: ((يا بأبُوسُ)) بموخَّدتَينِ بينهما ألف ساكنة والثانية مضمومة وآخرُهُ مُهمَلة،
قال القَزّاز: هو الصغير، وقال ابن بَطَّال: الرَّضيعُ، وهو بوزن جاسوس. واختُلِفَ هل هو
عربيٍّ أو مُعرَّب؟
وأغرَبَ الداووديُّ الشارح فقال: هو اسمُ ذلك الولد بعَينِهِ. وفيه نظر، وقد قال
الشاعر:
٧٩/٣
حَنَّتِ قَلُوصي إلى بأبُوسِها جَزَعاً
= في ((شرح مشكل الآثار) (١۵١٢) من طریق شعیب بن الليث، كلاهما عن الليث بن سعد پإسناد البخاري
وهتنه سواء.
(١) حيث كتب ذلك على حاشية نسخته من ((صحيح البخاري)) كما قال الحافظ نفسه في ترجمة حوشب من
(الإصابة)) (١٨٧٧). وهذا الخبر أخرجه أيضاً أبو نعيم في (معرفة الصحابة)) (٢٢٨٣) و(٦٦٧٢)،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٨٨٠)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣/١٣-٤، ومداره على الحكم بن
الريان عن الليث، والحكم هذا لم نقف له على ترجمة.

٤٥٢
باب ٨ / ح ١٢٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الکرمانيّ: إن صحّت الرواية بتنوین السِّین تکون گُنیةً له ویکون معناه: يا أبا
الشِّدّة. وسيأتي بقيَّةُ الكلام عليه في ذِكْر بني إسرائيلَ (٣٤٦٦).
٨- باب مسح الحصى في الصلاة
١٢٠٧ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، قال: حدَّثني مُعَيَقِيبٌ:
أَنَّ النبيَّ وَّه قال في الرجلِ يُسوِّي التُرابَ حيثُ يَسجُدُ قال: ((إن كنتَ فاعلاً، فواحدةً».
قوله: ((باب مَسْح الحصى في الصلاة)) قال ابن رُشَيد: ترجم بالحصى والمتنُ الذي أورَدَه
((في التُّراب)) لِيُنبِّهَ على إلحاق الحصى بالتُّراب في الاقتصار على التَّسوية مرَّةً، وأشار بذلك
أيضاً إلى ما وَرَدَ في بعض طرقِه بلفظ: ((الحصى)) كما أخرجه مسلم (٤٧/٥٤٦) من طريق
وكيعٍ عن هشام الدَّستُوائيّ عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: المسح في المسجد، يعني: الحصى.
قال ابن رُشَيد: لمَّا كان في الحديث: ((يعني)) ولا يُدرَى أهي قول الصحابيِّ أو غيره،
عَدَلَ عنها البخاري إلى ذِكْر الرواية التي فيها التُراب.
وقال الكِرْمانيّ: ترجم بالحصى، لأنَّ الغالبَ أنَّه يوجدُ في التُراب، فيَلزَمُ من تسويَتِهِ
مسحُ الحصى.
قلت: قد أخرجه أبو داود (٩٤٦) عن مسلم بن إبراهيم عن هشام بلفظ: ((فإن كنت
لا بدَّ فاعلاً فواحدةً، تسويةَ الحصى))، وأخرجه التِّرمِذيُّ (٣٨٠) من طريق الأوزاعيّ عن
يحيى بلفظ: ((سألتُ النبيَّ ◌َِّ عن مسح الحصى في الصلاة)) فلعلَّ البخاريَّ أشار إلى هذه
الرواية، أو إلى ما رواه أحمد (٢٣٢٧٥) من حديث حُذيفة قال: ((سألتُ النبيَّ ◌َّهِ عن كلِّ
شيءٍ حتَّى عن مسح الحصى فقال: واحدة أو دَع))، ورواه أصحابُ ((السُّنَن))(١) من حديث
أبي ذرِّ بلفظ: ((إذا قام أحدُكم إلى الصلاة فإنَّ الرَّحمةَ تواجهُه، فلا يَمسَح الحصى))، وقوله:
((إذا قام)) المراد به الدُّخول في الصلاة ليوافق حديث الباب، فلا يكون مَنهيّاً عن المسحِ قبلَ
(١) أبو داود (٩٤٥)، وابن ماجه (١٠٢٧)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (١١٩١)، وسنده محتمِل
للتحسين.

٤٥٣
باب ٨ / ح ١٢٠٧
أبواب العمل في الصلاة
الدُّخولِ فيها، بل الأَولى أن يفعلَ ذلك حتَّى لا يشتغلَ بالُه وهو في الصلاة به.
تنبيه: التقييد بالحصى وبالتّراب خرج للغالبِ لكَونِه كان الموجودَ في فَرْش المساجد
إذ ذاك، فلا يدلُّ تعليقُ الحُكْم به على نفيه عن غيره ممَّا يُصلَّى عليه من الرَّمل والقَذَى
وغير ذلك.
قوله: ((حذَّثنا شَيْبان)) هو ابن عبد الرحمن، ويحيى: هو ابن أبي كثير.
قوله: ((عن أبي سَلَمةَ)) هو ابن عبد الرحمن، وفي رواية التُّرمِذيّ (٣٨٠) من طريق
الأوزاعيّ عن يحيى: حدَّثني أبو سَلَمةَ.
ومُعَيَقِيب، بالمهمَلةِ وبالقاف وآخره موحّدة مصغّر: هو ابنُ أبي فاطمة الدَّوْسيّ حليف
بني عبد شمس، كان من السابقينَ الأولين، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث الواحد.
قوله: ((في الرجل)) أي: في حُكم الرجل، وذُكِرَ للغالبِ، وإلَّا فالْحُكْم جارٍ في جميع
المكلَّفين.
وحكى النَّوَويّ اتّفاق العلماء على كراهةِ مسح الحصى وغيره في الصلاة، وفيه نظرٌ،
فقد حكى الخطَّابي في ((المعالم)) عن مالكِ: أنَّه لم يَرَ به بأساً وكان يفعلُه، فكأنَّه لم يَبلُغه
الخبرُ، وأفرَطَ بعضُ أهل الظاهر فقال: إنَّه حرامٌ إذا زاد على واحدةٍ لظاهر النَّهي، ولم يُفرِّق
بين ما إذا توالى أو لا، مع أنَّه لم يقل بوجوب الخشوع، والذي يَظهَرُ أنَّ عِلَّة كراهيته
المحافظة على الخشوع، أو لئلّ يَكثُرَ العملُ في الصلاة، لكن حديث أبي ذرِّ المتقدِّم يدلُّ على
أنَّ العِلَّة فيه أن لا يجعلٌ بينه وبين الرَّحمة التي تواجهُه حائلاً. وروى ابن أبي شَيْبةٍ ٢/ ٤١١
عن أبي صالح السّان قال: إذا سَجَدتَ فلا تَمَسَح الحصى، فإنَّ كلَّ حَصاةٍ تُحِبُّ أن يُسجَدَ
عليها؛ فهذا تعليل آخر، والله أعلم.
قوله: ((حيثُ يَسجُد)) أي: مكان السجود، وهل يتناولُ العضوَ الساجد؟ لا يَبعُدُ ذلك.
وقد روى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤١١) عن أبي الدَّرداء قال: ما أحبُّ أنَّ لي حُمْر النَّعَم وإنّ
مسحتُ مكان جبيني من الحصى.

٤٥٤
باب ٩-١٠ / ح ١٢٠٨ - ١٢١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبلَ الانصراف.
٨٠/٣
قلت: وقد تقدَّم في أواخر صفة الصلاة (٨٣٦) حكاية استدلال الحميديّ لذلك
بحديث أبي سعيد في رُؤْيِه الماءَ والطِّين في جبهة النبيِّ :﴿ بعد أن انصَرَفَ من صلاة
الصبح.
قوله: ((فواحدةً) بالنصب على إضمار فعلٍ، أي: فامسَخ واحدةً، أو على النَّعتِ لمصدرٍ
محذوفٍ، ويجوز الرَّفعُ على إضمار الخبر، أي: فواحدةٌ تكفي، أو إضمار المبتدَأ، أي:
فالمشروع واحدةٌ. ووقع في رواية التِّرمِذيّ (٣٨٠): ((إن كنت فاعلاً فمرَّة واحدة)).
٩ - باب بسط الثوب في الصلاة للسجود
١٢٠٨ - حدَّثنا مُسلَّدٌ، قال: حدَّثْنَا بِشْر، حدَّثنا غالبٌ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله، عن أنسِ بنِ
مالكٍ ﴾ قال: كنَّا نُصلِّي مع النبيِّ ﴾ في شِئَّةِ الحُرِّ، فإذا لم يَستَطِعْ أحدُنا أن يُمكِّنَ وجهَه مِن
الأرضِ بَسَطَ ثوبَه فسَجَدَ عليه.
قوله: ((باب بَسْط الثوبِ في الصلاة للسُّجود)» هذه الترجمة من جملة العمل اليسيرِ في
الصلاة أيضاً، وهو أن يَتعمَّدَ إلقاء الثوبِ على الأرض ليَسجُدَ عليه، وقد تقدَّم الكلام
عليه في أوائل الصلاة (٣٨٥)، وتقدَّم الخلاف في ذلك وتَفرِقة من فَرَّقَ بين الثوب الذي
هو لابسُه أو غیر لابِه.
قوله: (حدّثنا بشْر) هو ابن المفضّل، وغالب: هو القَطّان کما وقع في رواية أبي ذرِّ.
١٠ - باب ما يجوز من العمل في الصلاة
١٢٠٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، حدَّثنا مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي سَلَمة، عن
عائشةَ رضي الله عنها قالت: كنتُ أَمّدُّ رِجْلِيٍّ في قِيْلةِ النِيِّ :﴿ وهو يُصلِّ، فإذا سَجَّدَ غَمَّزَني
فَرَفَعْتُها، فإذا قامَ مَدَدْتُها.
١٢١٠ - حدَّثنا محمودٌ، حدَّثْنَا شَبَابٌ، حدّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ زیادٍ، عن أبي هريرةَ ﴾

٤٥٥
باب ١٠ / ح ١٢٠٩- ١٢١٠
أبواب العمل في الصلاة
عن النبيَّ ﴾: أَنَّهِ صلَّى صلاةً قال: ((إنَّ الشيطانَ عَرَضَ لي فشَدَّ عليَّ ليقطعَ الصلاةَ عليَّ،
فأمكّنَني اللهُ منه فذَعَتُّه، ولقد هَمَمْتُ أن أُوثِقَه إلى ساريةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنظُرُوا إليه، فَذَكَّرْتُ
قولَ سليمانَ عليه السلام: ربِّ هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحدٍ من بعدِي، فَرَدَّه الله خاسئاً).
ثَّ قال النَّضْرُ بنُ ثُمَيلٍ: فَذَعَتُّه بالذّال، أي: خَتَقْتُه، وأما فدَقَُّّه فيِن قول الله: ﴿ یَوْمَ
يُدَقُّونَ﴾ [الطور: ١٣] أي: يُدفَعُونَ، والصَّوابُ الأولُ، إلا أنَّه - يعني شعبةَ - كذا قاله
بتشديد العینِ.
قوله: ((باب ما يجوز من العمل في الصلاة)) أي: غير ما تقدَّم. أورَدّ فيه حديث عائشة في
نومِها في قِبْلَة النبيّ وَ﴿ وَغَمْزه لها إذا سَجَد، وقد تقدَّم الكلام عليه في «باب الصلاة على
الفِراش)» في أوائل الصلاة (٣٨٢).
قوله: ((حدَّثْنا محمود)» هو ابنُ غَيْلان، وشَبَابة بمعجمةٍ وموحّدتين الأولى خفيفة.
قوله: ((إنَّ الشيطانَ عَرَضَ)) تقدَّم في ((باب رَبْطِ الغَريمِ في المسجد)) من أبواب المساجد
(٤٦١) من وجهٍ آخرَ عن شُعْبة بلفظ: ((إنَّ عِفريتاً من الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ»، وهو ظاهرٌ في أنَّ
المراد بالشيطان في هذه الرواية غير إبليس كبير الشَّياطين.
قوله: ((فشَدَّ عليّ) بالشِّين المعجمة، أي: حَمّل.
قوله: (ليقطعَ) في رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي بحذف اللَّام.
قوله: ((فَقَنُّه)) یأتي ضبطه بعدُ.
قوله: ((فَتَنظُرُوا)) في رواية الْحَقُّوِيّ والمُستَمْلي: (أو تَنظُرُوا إليه)) بالشَّكُّ. وقد تقدَّم ٨١/٣
بعض الكلام على هذا الحديث في الباب المذكور، ويأتي الكلام على بقيَّته في أول بَدْء الخلق
(٣٢٨٤) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال النَّضْرِ بن ثُمَيل: فَذَعَتُّه بالذّال)) يعني: المعجمة وتخفيف العين المهمَلة
(أي: خَيَقْته، وأمَّا فَدَقَّتُّه) بالمهمَلة وتشديد العين ((فمن قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَغُونَ﴾ أي:
يُدفَعونَ، والصواب الأول، إلّا أنَّه ۔ یعنی شُعْبة - كذا قاله بتشدید العَین)) انتهى، وهذا

٤٥٦
باب ١١ / ح ١٢١١
فتح الباري بشرح البخاري
الكلامُ وقع في رواية كَرِيمة عن الكُشمِيهَنيّ، وقد أخرجه مسلم (٣٩/٥٤١) من طريق
النَّضر بن شُمَيل بدون هذه الزيادة، وهي في كتاب ((غريب الحديث)) للنَّضر، وهو
في مرويَّاتنا من طريق أبي داود المَصَاحفيّ عن النَّضِرِ كما بيَّتُه في ((تغليق التعليق)»
(٤٤٥/٢).
١١ - بابٌ إذا انفَلَتت الدابَّة في الصلاة
وقال قَتَادةُ: إن أُخِذَ ثوبُه يَتَبَعُ السارقَ ويَدَعُ الصلاةَ.
١٢١١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الأزرَقُ بنُ قيسٍ قال: كنَّا بِالأَهْوازِ نُقاتِلُ
الحَرُورِيّة، فَبَيْنا أنا على ◌ُرُفٍ نهرٍ إذا رجلٌ يُصلِّ، وإذا لِجامُ دابَّتِهِ بيدِهِ، فجَعَلَتِ الدابَّةُ
تُنازِعُه، وجَعَلَ يَتَبَعُها - قال شُعْبةُ: هو أبو بَرْزةَ الأسلمِيُّ - فجَعَلَ رجلٌ مِن الخوارجِ يقول:
اللهمَّ افعَلْ بهذا الشيخ، فلمَّا انصَرَفَ الشيخُ قال: إنِّ سمعتُ قولَكم، وإنِّ غَزَوْتُ مع
رسول الله ◌َّه ستَّ غَزَواتٍ، أو سبعَ غَزَواتٍ أو ثمانياً، وشَهِدتُ تيسيرَه، وإنِّي إنْ كنتُ أنْ
أَرجِعَ مع داَبَّتِي، أحبُّ إليَّ من أن أدَعَها تَرجِعُ إلى مَأَلَفِها فيَشُقُّ عليَّ.
[طرفه في: ٦١٢٧]
قوله: ((باب إذا انفَلَتَت الدابَّة في الصلاة» أي: ماذا يصنع؟
قوله: ((وقال قَتَادَة ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرزاق (٣٢٩١) عن مَعمَر عنه بمعناه
وزاد: فيَرَى صبيّاً على بئرٍ فيتخوَّفُ أن يَسقُطَ فيها، قال: ينصرفُ له.
قوله: ((كنَّا بالأهواز)) بفتح الهمزة وسكون الهاء: هي بلدةٌ معروفةٌ بين البصرة
وفارسَ فُتِحَت في خلافةِ عمر، قال في ((المحكم)): ليس له واحد من لفظه، قال أبو عُبيد
البكريّ: هي بلدٌ يجمعُها سبعُ كُوَر، فذكرها. قال ابن خُرْداذِبُهُ(١): هي بلادٌ واسعةٌ
(١) هكذا ضبطه الحافظ نفسه في ترجمته من ((لسان الميزان)) فقال: عبيد الله بن أحمد بن خُرْداذبُه بضم المعجمة
وسكون الراء وآخره موحّدة مضمومة ثم هاء ليست للتأنيث. وضبطه الزبيدي في ((تاج العروس))
٢٩٥/٣٢ في مادة (روم): خُرْداذِية بضم الخاء وسكون الراء وفتح الدال بعدها ألف وكسر الذال =

٤٥٧
باب ١١ / ح ١٢١١
أبواب العمل في الصلاة
متَّصلٌ بالجبل وأصبهان.
قوله: ((الحَرُوريَّة)) بمُهمَلاتٍ، أي: الخوارج، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك المهلَّب بن أبي ٨٢/٣
صُفْرة كما في رواية عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة عند الإسماعيليّ، وذكر محمد بن قُدامة
الجَوْهريّ في كتابه ((أخبار الخوارج)): / أنَّ ذلك كان في سنة خمس وستّينَ من الهجرة، وكان
الخوارج قد حاصروا أهلَ البصرة مع نافع بن الأزرق حتَّى قُتِلَ، وقُتِلَ من أُمَراء البصرة
جماعة إلى أن ولَّى عبدُ الله بنُ الزُّبَير الحارثَ بنَ عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ على البصرة،
ووَلَّى المهلَّبَ بن أبي صُفْرة على قتال الخوارج، وكذا ذكر المبرِّدُ في ((الكامل)) نحوه. وهو
يُعكِّرُ على مَن أَرَّخَ وفاة أبي بَرْزة سنة أربع وستّينَ أو قبلها.
قوله: ((على جُرُفِ نهر) هو بضم الجيم والراء بعدَها فاء وقد تُسكّن الراء، وهو المكانُ
الذي أكله السيل، وللگُشمِيهنيّ بفتح المهملة وسكون الراء، أي: جانبِه، ووقع في رواية
حمّاد بن زيد عن الأزرق في الأدب (٦١٢٧): ((كنَّا على شاطئ نهرٍ قد نَضَبَ عنه الماء)) أي:
زالَ، وهو يُقوِّي رواية الگُشمهنيّ، وفي رواية مهدي بن میمون عن الأزرق عند محمد بن
قُدامة: ((كنت في ظِلِّ قصرٍ مِهْران بالأهواز على شاطئ دُجَيل))، وعُرِفَ بهذا تسمية النَّهر
المذكور، وهو بالجيم مصغّر.
قوله: ((إذا رجل)) في رواية الحمُّوِيّ والگُشمِیھنيّ: إذ جاء رجل.
قوله: ((قال شُعْبة: هو أبو بَرْزة الأسلميّ)) أي: الرجل المصلِّ، وظاهره أنَّ الأزرقَ لم
يُسمِّ لشُعْبة، ولكن رواه أبو داود الطَّيالسيّ في «مسنده)) (٩٦٩) عن شُعْبة فقال في آخره:
فإذا هو أبو بَرْزة الأسلميّ، وفي رواية عَمْرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فجاء أبو بَرْزة،
وفي رواية حمّاد في الأدب (٦١٢٧): فجاء أبو بَرْزة الأسلميّ على فرسٍ فصَلَّى وخَلّاها
فانطَلَقَت فاتَّبَعَها، ورواه عبد الرزاق (٣٢٨٩) عن مَعمَر عن الأزرق بن قيس: أنَّ أبا بَرْزة
الأسلميّ مشى إلى دابَّتِهِ وهو في الصلاة ... الحديث، وبيَّن مَهديّ بن ميمون في روايته أنَّ
= المعجمة وسكون الياء التحتية وآخره هاء.

٤٥٨
باب ١١ / ح ١٢١١
فتح الباري بشرح البخاري
تلك الصلاةً كانت صلاة العصر، وفي رواية عَمْرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فمضت
الدابَّة في قِلَتِهِ، فانطلق فأخذَها ثمَّ رجع القَهقَرَى.
قوله: ((فَجَعَلَ رجل من الخوارجِ يقول: اللهمَّ افعَلْ بهذا الشيخ)) في رواية الطَّيالسيّ: فإذا
بشيخِ يُصلِّ قد عَمَدَ إلى عنان دابته فجعله في يده، فنَگھّت الدابَّة فنگص معها، ومعنا
رجلٌ من الخوارج فجعل يَسُبُّه، وفي رواية مهديٍّ أنَّه قال: ألا تَرَى إلى هذا الحمار، وفي
رواية حَّادُ(١) فقال: انظُروا إلى هذا الشیخ تَرَك صلاته من أجلٍ فرس.
قوله: «أو ثانیاً) کذا للگُشمهني، وفي رواية غيره: ((أو ثماني)) بغير ألفٍ ولا تنوينٍ،
وقال ابن مالك في ((شرح التَّسهيل)): الأصلُ: أو ثماني غَزواتٍ، فحَذَفَ المضاف وأبقَى
المضاف إليه على حاله. وقد رواه عَمْرو بن مرزوق بلفظ: ((سبع غزوات)) بغير شكّ.
قوله: ((وشَهِذْت تيسيرَه)) كذا في جميع الأُصولِ وفي جميع الطُّرق، من التَّيسير، وحكى
ابن الِّينِ عن الداووديّ أنَّه وقع عندَه: ((وشَهِدتُ تُستَرَ) بضم المثنَّة وسكون المهمَلة
وفتح المثنَّة وقال: معنى ((شَهِدت تُستَ)) أي: فتحها، وكان في زمنٍ عمر. انتهى، ولم أرَ
ذلك في شيءٍ من الأُصول، ومُقتَضاه أن لا يبقى في القصّة شائبة رفع، بخلاف الرواية
المحفوظة فإنَّ فيها إشارةً إلى أنَّ ذلك كان من شأن النبيِّ ﴾ تجویزُ مثلِه، وزاد عَمْرو بن
مرزوق في آخره: قال: فقلت للرجل: ما أرى اللّهَ إلَّا مُخْزِيك، شَتَمتَ رجلاً من أصحاب
رسول الله {﴾﴾، وفي رواية مهدي بن ميمون: فقلت: اسگُت فعل اللهُ بك، هل تدري
مَن هذا؟ هو أبو بَرْزة صاحب رسول الله ﴾ .. ولم أقف في شيءٍ من الطّرقِ على تسمية
الرجل المذكور.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ حکایة الرجلِ مناقبه إذا احتاج إلى ذلك ولم یکن
في سياق الفَخْرِ، وأشار أبو بَرْزةَ بقوله: «ورأيت تيسيرَه)) إلى الردِّ على مَن شَدَّدَ عليه في أن
يَتْرُك دابته تذهبُ ولا يقطعُ صلاتَه.
(١) ستأتي عند البخاري برقم (٦١٢٧).

٤٥٩
باب ١١ / ح ١٢١١
أبواب العمل في الصلاة
وفيه حُجّةٌ للفقهاء في قولهم: إنَّ كلَّ شيءٍ يُحِشَى إتلافه من مَتاعِ وغيره مجوز قَطعُ
الصلاة لأجله.
وقولُه: ((مَألَفها)) يعني الموضع الذي ألِفَته واعتادته، وهذا بناءً على غالب أمرها، ومن
الجائز أن لا تَرجِعَ إلی مألفها، بل تتوجّه إلی حیثُ لا يُدری بمکانھا فیکون فیه تضییح المال
المنھيُّ عنه.
تنبيه: ظاهر سياق هذه القصَّة أنَّ أبا بَرْزةً لم يقطع صلاته، ويؤيِّدُه قولُه في رواية عَمْرو ٨٣/٣
ابن مرزوق: ((فأخذَها ثمَّ رجعَ القَهقَرَى» فإنَّه لو كان قَطَعَها ما بالی أن يرجع مستدبرَ
القِبْلة، وفي رجوعه القَهقَرَی ما یُشعِرُ بأنَّ مشیه إلی قَصدِها ما کان کثیراً، وهو مطابقٌ لثاني
حديثَي الباب، لأَنَّه يدلُّ على أنَّهِ﴿ تأخّرَ في صلاته وتقدَّم ولم يقطعها، فهو عملٌ يسير
ومشي قلیل فليس فيه استدبار القبلة فلا يضرُّ.
وفي ((مُصنَّ ابن أبي شَيْبة))(١): سُئِلَ الحسنُ عن رجلِ صلَّى فأشفَقَ أن تذهبَ دابته،
قال: ينصرف، قيل له: أفيُمُّ؟ قال: إذا ولَّى ظهرَه القِبلةَ استأَنَفَ.
وقد أجمع الفقهاء على أنَّ المشي الكثير في الصلاة المفروضة يُبطِلُها، فيُحمَلُ حديث أبي
بَرْزةً على القليل كما قَرَّرناه، وقد تقدَّم أنَّ في بعض طرقه أنَّ الصلاةَ المذكورةَ كانت العصر.
قوله: (وإنّ إن کنتُ أن ارجع مع داًبتي احبُّ إليّ من أن أدعها» قال السُّهَيليّ: «إنّي» وما
بعدَها اسم مُبتدَأ، و ((أن أَرجعَ)) اسم مُبدَل من الاسم الأوَّل، و((أحبُّ)) خبرٌ عن الثاني، وخبر
كان محذوف، أي: إنِّي إن كنت راجعاً أحبُّ إليَّ. وقال غيره: ((أن كنتُ)) بفتح الهمزة وحُذِفَت
اللّمُ وهي مع ((كنت)) بتقدير: كَوْني، وفي موضعِ البدلِ من الضَّميرِ في ((إنّي))، و((أنْ)) الثانية
بالفتح أيضاً مصدريَّة. ووَقَعَ في رواية حَّاد(٢): فقال: إنَّ منزلي مُتَراخ - أي: متباعد - فلو
صَلَّيْتُ وتركتُه - أي: الفرسَ ... لم آتِ أهلي إلى الليل؛ أي: لُبُعْد المكان.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة))، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٢٨٨).
(٢) ستأتي برقم (٦١٢٧).

٤٦٠
باب ١١ / ح ١٢١٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٢١٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتِل، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزّهْريِّ، عن عُرْوةَ
قال: قالت عائشةُ: خَسَفَتِ الشمسُ فقامَ رسولُ اللهِ وَّر فقراً سورةً طويلةً، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ،
ثَّ رَفَعَ رأسَه، ثمَّ استَفْتَحَ سورةً أُخرى، ثمَّ رَكَعَ حين قَضَاها وسَجَدَ، ثمَّ فعلَ ذلك في الثّانية،
ثمَّ قال: ((إِنَّهَا آيتانِ من آياتِ الله، فإذا رأيتُمُ ذلكَ فصَلُّوا حتَّى يُفرَجَ عنكم، لقد رأيتُ في
مَقَامي هذا كلَّ شيءٍ وُعِدْتُه، حتَّى لقد رأيتُ أريدُ أن آخذَ قِطْفاً مِن الجنَّةِ حينَ رأيتُمُوني جعلتُ
أتقدَّمُ، ولقد رأيتُ جهنَّمَ يَحَطِمُ بعضُها بعضاً حينَ رأيتُمُوني تأخّرتُ، ورأيتُ فيها عَمَرَو بنَ
لُحَيٍّ، وهو الَّذِي سَيَّبَ السَّوائبَ)).
قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابنُ المبارَك، ويونسُ: هو ابن يزيد، وقد تقدَّم ما يَتعلَّقُ
بالكسوفِ من هذا الحديث من طريق عُقيل وغيره عن الزُّهْريِّ مُستوقّى (١٠٤٦).
وقولُهُ: ((فلمَّا قَضَى)) أي: فَرَغَ، ولم يُرِدِ القضاءَ الذي هو ضِدُّ الأداء.
قوله: ((لقد رأيت في مَقامي هذا كلَّ شيءٍ وُعِدْتُه)) في رواية ابن وَهْب عن يونسَ عند
مسلم (٣/٩٠١): ((وُعِدتُم))، وله (٩/٩٠٤) في حديث جابر: ((عُرِضَ عليَّ كلَّ شيءٍ
تُولَجُونه)».
قوله: ((لقد رأيتُ)) كذا للأكثر، وللحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((لقد رأيته))، ولمسلم: ((حتَّى
لقد رأيتُني)) وهو أوجه.
قوله: ((أُريدُ أن آخذَ قِطْفاً) في حديث جابر: ((حتَّى تناولتُ منها قِطفاً فقَصُرَت يدي
عنه))، والقِطْف بكسر أولِهِ، وذكر ابن الأثيرِ أنَّ كثيراً يَروُونَه بالفتح، والكسرُ هو
الصواب.
قولُه: «قِطْفاً من الجنَّة)» یعنی ◌ُنقود عنب کما تقدَّم في الکسوف من حديث ابن عبّاس
(١٠٥٢).
قوله: ((حينَ رأيتُمُوني جعلت أتقدَّم)) قال الكِرْمانيّ: قال في جهنّمَ: ((حين رأيتُموني
تأخَّرتُ)) لأنَّ التقدُّمَ كاد أن يقع بخلاف التأخّرِ فإنَّه قد وقع. کذا قال، وقد وقع التصریحُ