النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ٢٤ / ح ١١٦١
أبواب التهجد
وقال النَّوَويّ: المختار أنَّه سُنّة لظاهرٍ حديث أبي هريرة، وقد قال أبو هريرة راوي
الحديث: إنَّ الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي، وأفرَطَ ابن حَزْم فقال: يجب على كلّ
أحد، وجعله شرطاً لصِحَّة صلاة الصبح، ورَدَّ عليه العلماء بعده حتَّى طَعَنَ ابن تَيميَّة
ومَن تَبِعَه في صِحَّة الحديث لتفرُّدِ عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مَقالٌ، والحقُّ أنَّه
تقوم به الحُجّة.
ومَن ذهب إلى أنَّ المراد به الفصل لا يَتَفَيَّد بالأيمَن، ومَن أطلقَ قال: تَخْتَصّ ذلك
بالقادر، وأمَّا غيره فهل يَسقُط الطََّب أو يُومِىُّ بالاضطِجاع، أو يَضطَجِع على الأيسَر؟ لم
أقف فيه على نقل، إلَّا أنَّ ابن حَزْم قال: يُومِئ ولا يَضطَجِع على الأيسَر أصلاً، ويُحمَل
الأمر به على النَّدب كما سيأتي في الباب الذي بعده.
وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محکيُّ عن ابن عمر،
وقوَّاه بعض شيوخنا بأنَّه لم يُنقَل عن النبيِّ وَّ أَنَّه فَعَله في المسجد، وصَحَّ عن ابن عمر:
أنَّه كان يَحَصِبُ مَن يفعله في المسجد، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٤٨/٢ -٢٤٩).
قوله: ((كانَ إذا صلَّى رَكْعتَي الفجر)) وسنذكر مُستنَد ذلك في الباب الذي بعده.
قوله: ((حدَّثني وإلّا اضطَجَعَ)) ظاهره أنَّه كان يَضطَجِع إذا لم يُحدِّثها، وإذا حدَّثها لم
يَضطَجِع، وإلى هذا جَنَحَ المصنِّف في الترجمة، وكذا ترجم له ابن خُزَيمةَ (١١٢٢):
الرُّخصة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
ويُعكِّر على ذلك ما وقع عند أحمد (٢٤٠٧٢) عن عبد الرحمن بن مَهديّ عن مالك عن
أبي النَّضر في هذا الحديث: كان يُصلِّ من الليل، فإذا فَرَغَ من صلاته اضطَجَع، فإن كنت
يَقْظَى تَحدَّث معي، وإن كنت نائمة نام حتَّى يأتيه المؤذِّن. فقد يقال: إنَّه كان يَضطَجِع على
كلّ حال، فإمَّا أن يُحدِّثها وإمّا أن ينام، لكن المراد بقولها: ((نام)) أي: اضطَجَع، وبيَّنه ما
أخرجه المصنّف قبل أبواب التهجُّد (١١١٩) من رواية مالك عن أبي النَّضر وعبد الله بن
يزيد جميعاً عن أبي سَلَمَةَ بلفظ: فإن كنتُ يَقِظَى تَحَدَّث معي، وإن كنت نائمة اضطَجَعَ.

٣٨٢
باب ٢٦ / ح ١١٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حتَّى يُؤذَّن)) بضم أوله وفتح المعجَمة الثَّقيلة، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((حتَّى
نُوديَ))، واستدلَّ به على عَدَم استحباب الضِّجعة، ورُدَّ بأنَّه لا يَلَزَم من كونه ربَّمَا تَرَكَها
عدمُ الاستحباب، بل يدلّ تركه لها أحياناً على عَدَم الوجوب كما تقدَّم أول الباب.
تنبيه: تقدَّم في أول أبواب الوتر في حديث ابن عبّاس (٩٩٢): أنَّ اضطِجاعَه ◌َّ﴾ وقع
بعد الوتر قبل صلاة الفجر، ولا يعارض ذلك حديث عائشة، لأنَّ المراد به نومه وَلِّ بين
صلاة الليل وصلاة الفجر، وغايته أنَّه تلك الليلة لم يَضطَجِع بين ركعتَي الفجر وصلاة
الصبح، فيُستَفاد منه عدمُ الوجوب أيضاً، وأمَّا ما رواه مسلم (١٢١/١٣٦) من طريق
مالك عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة: أنَّه ◌َلِّ اضطَجَعَ بعد الوتر، فقد خالَفَه أصحاب
الزّهْرِيِّ عن عُرْوة فذكروا الاضطِجاع بعد الفجر، وهو المحفوظ، ولم يُصِبْ مَن احتجَّ به
على تَرْك استحباب الاضطجاع، والله أعلم.
٢٦ (١) - باب الحديث بعد ركعتي الفجر
١١٦٨ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ قال: أبو النَّضْرِ حدَّثني، عن أبي سَلَمةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َّهَ كَانَ يُصلِّ رَكْعتَينِ، فإن كنتُ مُستَقِظَةً حَدَّثَنِي، وإلَّ اضْطَجَعَ.
قلتُ لسفيان: فإنَّ بعضَهم يَروِيه: رَكْعتَيِ الفجرِ. قال سفيانُ: هو ذاكَ.
٤٥/٣
قوله: ((باب الحديث بعد رَكْعتي الفجر)) أعاد فيه الحديث المذكور ولفظه: كان يُصلِّي
ركعتين، وفي آخره: قلت لسفيان: فإنَّ بعضهم يرويه: ((ركعتَي الفجر)) قال سفيان: هو ذاك.
والقائل: ((قلت لسفيان)): هو عليّ بن المَدِينيّ شيخ البخاري فيه، ومرادُه بقوله: ((بعضهم)):
مالك، كذا أخرجه الدارَ قُطنيُّ من طريق بشر بن عمر عن مالك: أنَّه سأله عن الرجل يتكلّم
بعد طلوع الفجر، فحدَّثني عن سالم؛ فذكره، وقد أخرجه ابن خُزيمةَ (١١٢٢) عن سعيد بن
عبد الرحمن المخزوميّ عن ابن عُيَينةَ بلفظ: كان يُصلِّ ركعتي الفجر.
(١) كذا في الأصول بتأخير الباب (٢٥) المشتمل على الأحاديث (١١٦٢-١١٦٧) إلى ما بعد نهاية شرح
الحديث (١١٧١)، حيث سينِّه الحافظ إلى ذلك.

٣٨٣
باب ٢٧ / ح ١١٦٩
أبواب التهجد
واستُدلَّ به على جواز الكلام بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح خلافاً لمن كره ذلك،
وقد نقله(١) ابن أبي شَيْبة (٢٤٩/٢) عن ابن مسعود، ولا يَثبُت عنه(٢)، وأخرجه صحيحاً
عن إبراهيم وأبي الشَّعثاء وغيرهما.
تنبيه: وقع هنا في بعض النُّسَخ عن سفيان: ((قال سالم أبو النَّضر: حدَّثني أبي)) وقوله:
((أبي)) زيادة لا أصل لها، بل هي غلط محضٌّ حَلَ عليها تقديمُ الاسم على الصِّفة، فظَنَّ
بعض مَن لا خِبرة له أنَّ فاعل ((حدَّثني)) راوٍ غير سالم فزاد في السَّند لفظ: ((أبي))، وقد تقدَّم
الحديث بهذا السَّند قريباً (١١٦١) عن بشر بن الحكم عن سفيان عن أبي النَّضر عن أبي
سَلَمَةَ، ليس بينهما أحد، وكذا في الذي قبله (١١١٩) من رواية مالك عن أبي النَّضر عن
أبي سَلَمة، وقد أخرجه الحميديُ في («مسنده)) (١٧٥) عن سفيان: حدَّثنا أبو النَّضر عن أبي
سَلَمة، وليس لوالِدِ أبي النَّضر مع ذلك روايةٌ أصلاً، لا في ((الصحيح)) ولا في غيره، فمَن
زادها فقد أخطأ، وبالله التوفيق.
٢٧ - باب تعاهُد ركعتي الفجر ومن سمَّاهما تطوُّعاً
١١٦٩ - حدَّثْنا بَيَانُ بنُ عَمرِو، حدّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ جُرَيجِ، عن عطاءٍ، عن
عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لم يكنِ النبيُّ ◌ََّ على شيءٍ مِن النَّوافلِ أشدَّ تَعاهُداً
منهعلى رَکْعتي الفجرِ.
قوله: ((باب تَعاهُد رَكْعتَي الفجر ومَن سَّهما)» في رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((ومَن
سمّاها)) أي: سُنّة الفجر.
قوله: («تَطُوُّعاً)) أوردَه في الباب بلفظ النَّوافل، وأشار بلفظ التطوُّع إلى ما وَرَدَ في بعض
طرقه، ففي رواية أبي عاصم عن ابن جُرَيج عند البيهقيّ (٢/ ٤٧٠): قلت لعطاءٍ: أواجبةٌ
(١) أي: نقل الكراهةَ في ذلك.
(٢) يشير إلى طريق ليث عن مجاهد عن ابن مسعود، وليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيف، ومجاهد عن ابن
مسعود منقطع. لكن رُوِيَت الكراهة عنه أيضاً من طريق ابنه أبي عبيدة بن عبد الله عند ابن أبي شيبة
٢٤٤/٢، وعبد الرزاق (٤٧٩٧) وهذا تقوية لما قبله.

٣٨٤
باب ٢٨ / ح ١١٧٠ - ١١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
ركعتا الفجر، أو هي من التطوُّع؟ فقال: حدَّثني عُبيد بن عُمَير ... فذكر الحديث. وجاء
عن عائشة أيضاً تسميتها تطوُّعاً من وجه آخر، فعند مسلم (٧٣٠/ ١٠٥) من طريق
عبد الله بن شَقِيق: سألت عائشة عن تطوُّع النبيّ وَالّ ... فذكر الحديث وفيه: وكان إذا
طَلَعَ الفجر صلَّى ركعتين.
قوله: ((بيان)) بفتح الموحّدة والتحتانيَّة الخفيفة. ويحيى بن سعيد: هو القَطّان.
قوله: ((عن عطاء)) في رواية مسلم (٧٢٤ /٩٤) عن زهير بن حَرْب عن يحيى عن ابن
جُرَيج: حذَّثني عطاء.
قوله: ((عن عُبيد بن عُمَير)) في رواية ابن خُزَيمةَ (١١٠٩) عن يحيى بن حكيم عن يحيى
ابن سعيد بسنده: أخبرني عبيد بن عُمَیر.
قوله: ((أشدَّ تَعاهُداً) في رواية ابن خُزيمة: ((أشدّ مُعاهَدة))(١)، ولمسلم (٧٢٤/ ٩٥) من
طريق حفص عن ابن جُرَيج: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرَعَ منه إلى الركعتين قبل
الفجر(٢)، زاد ابن خُزَيمةَ (١١٠٨) من هذا الوجه: ولا إلى غَنِيمة.
٢٨ - باب ما يُقرَأ في ركعتي الفجر
١١٧٠ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
٤٦/٣ عائشةَ رضي الله عنها/ قالت: كانَ رسولُ اللهِوَّهِ يُصلِّ بالليلِ ثلاثَ عشرةَ رَكْعَةً، ثمَّ يُصلِّي
إذا سَمِعَ النِّدَاءَ بالصُّبحِ رَكْعتَينِ خفيفتَينِ.
١١٧١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ بنِ
عبد الرحمن، عن عَمَّتِهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ النبيُّ نَّو (ح)
وحدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا يحيى - هو ابنُ سعيدٍ - عن محمَّدٍ بِنِ
عبد الرحمن، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ النبيُّ ◌َّهِ يُحُفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ
(١) وهو كذلك في رواية مسلم (٧٢٤) (٩٤) عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد.
(٢) ليس في رواية مسلم قوله: ((إلى شيء من الخير))، وإنما هي عند ابن خزيمة برقم (١١٠٨).

٣٨٥
باب ٢٨ / ح ١١٧٠ - ١١٧١
أبواب التهجد
اللَّتَيْنِ قبلَ صلاةِ الصُّبح، حتَّى إِنِّي لأقولُ: هل قرأَ بأمّ الكتابِ؟!
قوله: ((باب ما يُقْرأ في رَكْعَتَي الفجر)) هو بضم ((يُقرأ)» على البناء للمجهول.
قوله: ((ثلاثَ عشرةَ ركعةً)) مخالف لما مضى قريباً (١١٦٨) من طريق أبي سَلَمةً عن
عائشة: (لم یکن یزید على إحدى عشرة)) وقد تقدَّم طريق الجمع بينهما هناك.
قوله: ((خفيفتين)) قال الإسماعيليّ: كان حقُّ هذه الترجمة أن تكون: ((تخفيف ركعتَي
الفجر)).
قلت: ولمَا ترجم به المصنّف وجهٌ وجيهٌ وهو أنَّه أشار إلى خلاف مَن زَعَمَ أنَّه لا يُقرَأُ
في ركعتَي الفجر أصلاً، وهو قول تحكيُّ عن أبي بكر الأصَمّ وإبراهيم ابن عُليَّة، فنَبَّه على
أنَّه لا بدَّ من القراءة، ولو وُصِفَت الصلاة بكونها خفيفة، فكأنَّها أرادت قراءة الفاتحة فقط
مُسرِعاً، أو قرأها مع شيء يسير غيرها، واقتَصَرَ على ذلك لأنَّه لم يَثْبُت عنده على شرطه
تعیینُ ما یقرأ به فيهما، وسنذكر ما وَرَدَ من ذلك بعدُ.
واختُلِفَ في حكْمة تخفيفهما فقيل: ليُبادرَ إلى صلاة الصبح في أول الوقت، وبه جَزَمَ
القُرطبيّ، وقيل: ليَستفتِحَ صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل
ليدخل في الفرض أو ما شابهَه في الفضل بنَشاطٍ واستعداد تامٍّ، والله أعلم.
قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن)) أي: ابن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة،
ويقال: اسم جدِّه عبد الله.
وقوله: ((عن عَمَّته عَمْرة)) هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وعلى هذا فهي عمّة
أبيه. وزَعَمَ أبو مسعود وتَبِعَه الحميديُ أنَّه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النُّعمان
الأنصاريّ أبو الرِّجال، ووَلَّمَه الخطيب في ذلك وقال: إنَّ شُعْبة لم يَروِ عن أبي الرجال
شيئاً، ويؤيِّد ذلك أنَّ عَمْرة أُمُّ أبي الرجال لا عَمَّتُه، وقد رواه أبو داود الطَّيالسُّ عن شُعْبة
فقال: عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن خَزْم عن عَمْرةٍ(١)، ووَهَّموه فيه أيضاً. ويحتمل إن
(١) هكذا ذكره الدار قطني في ((العلل)) ١٤ / ٤٠١ عن أبي داود الطيالسي، والذي في ((مسنده)) برواية يونس =

٣٨٦
باب ٢٨ / ح ١١٧٠ -١١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
کان حفظه أن یکون لشُعْبة فيه شیخان.
قوله: ((وحدَّثنا أحمد بن يونس)) في رواية أبي ذرٍّ: ((قال: وحدَّثنا)) وفاعل ((قال)) هو
المصنّف أبو عبد الله البخاريّ، وزهير: هو ابن معاوية الجُعْفيّ.
قوله: ((حدَّثنا يحيى، هو ابن سعيد)) كذا في الأصل: وهو الأنصاريّ.
قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن)) كذا في الأصل غير منسوب، والظاهر أنَّه هو الذي
قبله، وهو ابن أخي عَمْرة. وبذلك جَزَمَ أبو الأحوَص عن يحيى بن سعيد عند الإسماعيليّ،
وتابَعَه آخرون عن يحيى. وذكر الدارَقُطْنيُّ في ((العِلَل)) أنَّ سليمان بن بلال رواه عن يحيى
ابن سعيد قال: حدَّثني أبو الرِّجال، وكذا رواه عبد العزيز بن مسلم ومعاوية بن صالح
عن يحيى بن محمد بن عَمْرة وهو أبو الرجال، وقد تقدَّم أنَّه محمد بن عبد الرحمن أيضاً،
فيحتمل أن يكون ليحيى فيه شيخان، لكن رَجَّحَ الدارَقُطنيُّ الأول، وحكى فيه اختلافات
أُخرى عن يحيى مُوهِمة، وقد رواه مالك (١٢٧/١) عن يحيى بن سعيد عن عائشة، فَأَسقَطَ
من الإسناد اثنین.
٤٧/٣
قوله: «هل قرأ بأُمّ الكتاب)» في رواية الحَقُّوِيّ: ((بأُمّ القرآن)» زاد مالك في الرواية
المذكورة: ((أم لا؟)).
تنبيه: ساق البخاري المتن على لفظ يحيى بن سعيد، وأمَّا لفظ شُعْبة فأخرجه أحمد
(٢٤٦٨٧) عن محمد بن جعفر شيخ البخاري فيه بلفظ: ((إذا طَلَعَ الفجرُ صلَّى ركعتين - أو
لم يُصلِّ إلَّا ركعتين - أقول: لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب))، وكذا رواه مسلم (٩٣/٧٢٤) من
طريق معاذ عن شُعْبة لكن لم يقل: ((أو لم يُصلِّ إلَّا ركعتين))، ورواه أحمد أيضاً (٢٤٢٢٥)
عن يحيى القَطّان عن شُعْبة بلفظ: ((كان إذا طَلَعَ الفجر لم يُصلِّ إلَّا ركعتين فأقول: هل قرأَ
فيهما بفاتحة الكتاب))، وقد تَسَّك به مَن زَعَمَ أنَّه لا قراءة في ركعتَي الفجر أصلاً، وتُعُقِّبَ
بما ثَبَتَ في الأحاديث الآتية.
= ابن حبيب عنه (١٦٨٦): عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن عن عَمْرة، على الصواب.

٣٨٧
باب ٢٨ / ح ١١٧٠ - ١١٧١
أبواب التهجد
قال القُرطبيّ: ليس معنى هذا أنَّها شكَّت في قراءته وَّ الفاتحةَ، وإنَّما معناه أنَّه كان
يُطِيل في النَّوافل، فلمَّا خَفَّفَ في قراءة ركعتي الفجر صار كأنَّه لم يقرأ بالنِّسبة إلى غيرها من
الصلوات.
قلت: وفي تخصيصها أُمَّ القرآن بالذِّكرِ إشارة إلى مُواظَبته لقراءتها في غيرها من صلاته.
وقد روى ابن ماجه (١١٥٠) بإسناد قويّ عن عبد الله بن شَقِيق عن عائشة قالت: كان
رسول الله وَل﴿ يُصلِّيّ ركعتين قبل الفجر وكان يقول: ((نِعمَ السورَتان يُقرأ بهما في ركعتَي
الفجر: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾))، ولابن أبي شَيْبة (٢٤٢/٢)
من طريق محمد بن سِيرينَ عن عائشة: كان يقرأ فيهما بهما، ولمسلم (٧٢٦) من حديث أبي
هريرة: أنَّه وَله قرأ فيهما بهما، وللتِّرمِذيّ (٤١٧) والنَّسائيِّ (٩٩٢) من حديث ابن عمر:
رَمَقْتُ النبيّ ◌َليل شهراً فكان يقرأ فيهما بهما، وللِّرمِذيّ (٤٣١) من حديث ابن مسعود مثله
بغير تقييد، وكذا للبَزّار (٧٢٤٦) عن أنس، ولابن حِبّان (٢٤٦٠) عن جابر ما يدلُّ على
الترغيب في قراءتهما فيهما.
واستدلَّ بحديث الباب على أنَّه لا يزيد فيهما على أُمّ القرآن وهو قول مالك، وفي
(البُوَيطيّ)) عن الشافعيّ: استحباب قراءة السورتين المذكورتين فيهما مع الفاتحة عملاً
بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور، وقالوا: معنى قول عائشة: ((هل قرأ فيهما بأُمّ
القرآن)) أي: مُقْتَصِراً عليها أو ضَمَّ إليها غيرها، وذلك الإسراعه بقراءتها، وكان من عادته
أن يُرتِّل السورة حتَّى تكون أطولَ من أطولَ منها كما تقدَّمت الإشارة إليه(١).
وذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما وهو قول أكثر الحنفيَّة، ونُقِلَ عن النَّخَعَيّ، وأورَدَ
البيهقيُّ (٣٨/٣) فيه حديثاً مرفوعاً من مُرسَل سعيد بن جُبير، وفي سنده راوٍ لم يُسمَّ، وخَصَّ
بعضهم ذلك بمَن فاتَّهُ شيء من قراءته في صلاة الليل فيَستَدرِكها في ركعتَي الفجر، ونُقِلَ
ذلك عن أبي حنيفة، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٢٤٤) بسندٍ صحيح عن الحسن البصريّ.
(١) يشير إلى حديث حفصة الذي أخرجه مسلم (٧٣٣)، والذي استشهد به ابن حجر تحت الباب السالف
برقم (١١): قيام النبي ◌ُّژ من الليل ونومه، وما نسخ من قيام الليل.

٣٨٨
باب ٢٨ / ح ١١٧٠ - ١١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ به على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حُجّة فيه لاحتمال أن يكون ذلك
عُرِفَ بقراءتِه بعضَ السورة كما تقدَّم في صفة الصلاة (٧٥٩) من حديث أبي قَتَادة في
صلاة الظُّهر: ((يُسمِعنا الآية أحياناً))، ويدلُّ على ذلك أنَّ في رواية ابن سِيرِينَ المذكورة(١):
(ُيُسِرُّ فيهما القراءة)) وقد صحَّحه ابن عبد البَرِّ.
واستُدلَّ بالأحاديث المذكورة على أنَّه لا يَتَعيَّن قراءةُ الفاتحة في الصلاة، لأنَّه لم يذكرها
مع سورتَ الإخلاص. وروى مسلم (٧٢٧) من حديث ابن عبّاس: أنَّه وَّ كان يقرأ في
ركعتَي الفجر ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ التي في البقرة (١٣٦]، وفي الأخرى التي في آل عمران
[٨٤].
وأُجِيبَ بأنَّه تَرَكَ ذِكْر الفاتحة لوضوح الأمر فيها، ويؤيِّده قول عائشة: ((لا أدري أقرأ
الفاتحة أم لا))، فدَلَّ على أنَّ الفاتحة كان مُقرَّراً عندهم أنَّه لا بدَّ من قراءتها، والله أعلم.
تنبيه: هذه الأبواب السِّة المتعلِّقة بركعتي الفجر وقع في أكثر الأُصول الفصلُ بينها
بالباب الآتي بعدُ وهو (باب ما جاء في التطوُّع مَثْنى مَثْنى))، والصواب ما وقع في بعض
الأُصول من تأخيره عنها وإيرادها يَتْلُو بعضُها بعضاً.
٤٨/٣
قال ابن رُشَيد: الظاهر أنَّ ذلك وقع من بعض الرُّواة عند ضمِّ الأبواب إلى بعض،
ويدلّ على ذلك أنَّه أتبَعَ هذا الباب بقوله: ((باب الحديث بعد ركعتي الفجر)) (١١٦٨)
كالمبيِّنِ للحديث الذي أُدخِلَ تحت قوله: ((باب مَن تَحدَّث بعد الركعتين)) (١١٦١) إذ المراد
بهما ركعتا الفجر، وبهذا تتَبيَّن فائدةُ إعادة الحدیث، انتھی.
وإنَّما ضَمَّ المصنِّف ركعتَي الفجر إلى التهجُّد لقُرِهِما منه، كما وَرَدَ: أنَّ المغربَ وِترُ
النهار (٢)، وإنَّما المغربُ في التحقيق من صلاة الليل كما أنَّ الفجر في الشَّرع من صلاة النهار،
والله أعلم.
(١) وهي عند ابن أبي شيبة ٢/ ٢٤٢، وقد ذكرها قبل قليل.
(٢) ورد ذلك في خبر مرفوع من حديث ابن عمر عن النبي ◌َّي، أخرجه أحمد (٤٨٤٧)، والنسائي في
((الكبرى)) (١٣٨٦) وغيرهما، ورجاله ثقات.

٣٨٩
باب ٢٥ / ح ١١٦٢ - ١١٦٧
أبواب التهجد
٢٥- باب ما جاء في التطوُّع مَثْنی مَثْنی
قال محمَّدٌ: ويُذكَرُ ذلكَ عن عَّارٍ، وأبي ذرٍّ، وأنسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وعِكْرمةً، والزُّهريِّ،
رضي الله عنهم.
وقال يحيى بنُ سعيدِ الأنصاريُّ: ما أدرَكْتُ فُقَهَاءَ أرضِنا إلا يُسلِّمُونَ في كلِّ اثنتَيْنِ مِن
النّهار.
١١٦٢ - حدّثنا قُتَيَبةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي المَوَالي، عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، عن
جابرٍ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كانَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهَ يُعلِّمُنا الاستخارةَ في الأُمورِ كلِّها
كما يُعلِّمُنا السُّورةَ مِن القرآنِ، يقول: ((إذا هَمَّ أحدُكم بالأمرِ فَلْتَركَعْ رَكْعتَينِ من غيرِ
الفريضةِ، ثمَّ لِيَقُل: اللهمَّ إنِّ أستَخِيرُكَ بعِلْمِكَ، وأستَقدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسألُكَ من فَضلِكَ
العظيم، فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أَقِدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ، وأنتَ عَلّمُ الغُيوبِ، اللهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّ
هذا الأمرَ خيرٌ لي في دِيني ومَعَاشي وعاقبةٍ أَمْري - أو قال: عاجلِ أمري وآجِلِهِ - فاقدُرْه لي
ويَسِّرْه لي، ثمَّ ارِكْ لي فيه، وإن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرّلي في دِيني ومَعَاشي وعاقبة أمري -
أو قال: في عاجلِ أمري وآجِلِهِ - فاضْرِفْه عنِّي واضْرِفْني عنه واقدُرْ ليَ الخيرَ حيثُ كانَ، ثمَّ
أَرْضِني به)) قال: ((ويُسمِّي حاجته)).
[طرفاه في: ٦٣٨٢، ٧٣٩٠]
١١٦٣ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ الله بنِ سعيدٍ، عن عامرِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبَيِ،
عن عَمرِو بنِ سُلَيمِ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أبا قَتَادَةَ بنَ رِبْعيِّ الأنصاريَّ قال: قال النبيُّ ◌َلّ: «إذا
دَخَلَ أحدُكمُ المسجدَ فلا يَجلِسْ حتَّى يُصلِّيَّ رَكْعَتَين)».
١١٦٤ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحَةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِوَّهِرَ كْعَتَيْنِ ثمَّ انصَرَفَ.
١١٦٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
سالمٌ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما قال: صَلَّيْتُ مع رسول الله وَّ رَكْعَتَينِ قبلَ

٣٩٠
باب ٢٥ / ح ١١٦٢ - ١١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الظُّهرِ، ورَكْعتَيْنِ بعدَ الظُّهرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعدَ الجمعةِ، ورَكْعتَينِ بعدَ المغربِ، وَرَكْعتَينِ بعدَ
العِشاءِ.
٤٩/٣
١١٦٦ - حذَّثنا آدمُ، قال: حدثنا شُعْبَةُ، حدثنا عَمرُو بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ
عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَ له وهو يَخْطُب: ((إذا جاء أحدُكم والإمامُ
يَخْطُبُ، أو قد خَرَجَ، فَلْيُصلِّ رَكْعتَين)).
١١٦٧ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدّثنا سيفُ بنُ سُليمانَ المكِّيُّ، سمعتُ مُجاهداً يقول: أُتِيَ
ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما في منزلِه فقيلَ له: هذا رسول الله وَله قد دَخَلَ الكعبةَ، قال: فأقبَلْتُ
فأجِدُ رسولَ اللهِوَلَ قد خَرَجَ وأجِدُ بلالاً على الباب قائماً فقلتُ: يا بلالُ، صلَّى رسولُ اللهِوَله
في الكعبةِ؟ قال: نعم، قلتُ: فأينَ؟ قال: بين هاتَينِ الأُسْطُوانتَينِ، ثمَّ خَرَجَ فصَلَّى رَكْعتَينِ في
وجهِ الكعبةِ.
قال أبو هريرةَ﴾: أوصاني النبيُّ ◌َ لَه بَرَ كْعتَ الضُّحَى.
وقال عِثْبانُ بنُ مالكٍ: غَدَا عليَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكرِ ﴾ بعدَما امتَدَّ النَّهَارُ، وصَفَفْنا
وراءه فرَ کَعَ رَكْعتين.
قوله: «باب ما جاء في التطوُّع مثنی مَثْنی)) أي: في صلاة الليل والنهار.
قال ابن رُشَيد: مقصوده أن يُبيِّن بالأحاديثِ والآثار التي أورَدَها أنَّ المراد بقوله في
الحديث: ((مَثْنِى مَثْنِى)) أن يُسلِّم من كلِّ ئِنتَين.
قوله: ((قال محمَّد)) هو المصنّف.
قوله: ((ويُذكَر ذلكَ عن عمَّر وأبي ذرٍّ وأنس وجابر بن زيد وعِكْرمة والزُّهْريّ)) أمَّا عَّار
فكأنَّه أشار إلى ما رواه ابن أبي شَيْبة (١ / ٣٤٠) من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
عن عمَّار بن ياسر(١): أنَّه دَخَلَ المسجد فصَلَّى ركعتين خفيفتين، إسناده حسن.
(١) وروي عنه مرفوعاً عند الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) ٢٦٤/٢ قال: قال لي رسول الله وَ له
((أوتر قبل أن تنام، وصلاة الليل مثنى مثنى))، قال الهيثمي: وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف.

٣٩١
باب ٢٥ / ح ١١٦٢ -١١٦٧
أبواب التهجد
وأمَّا أبو ذرِّ فكأنَّه أشار إلى ما رواه ابن أبي شَيْبة أيضاً (١/ ٣٤٠) من طريق مالك بن
أوس عن أبي ذرٍّ: أنَّه دَخَلَ المسجد فأتى ساريةً وصَلَّى عندها ركعتين.
وأمَّا أنس فكأنَّه أشار إلى حديثه المشهور في صلاة النبيّ ◌َّقار بهم في بيتهم ركعتين، وقد
تقدَّم في الصُّفوف (٧٢٧و ٨٦٠)، وذكره في هذا الباب مختصراً.
وأمَّا جابر بن زيد - وهو أبو الشَّعثاء البصريّ - فلم أقف عليه بعدُ.
وأمَّا عِكْرمة فروى ابن أبي شَيْبة (١/ ٣٤٠) عن حَرَميِّ بن عُمارة عن أبي خَلْدة قال:
رأيت عِكْرمة دخل المسجد فصَلَّى فيه ركعتين.
وأمَّا الزُّهْريُّ فلم أقف على ذلك عنه موصولاً.
قوله: ((وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ ... )) إلى آخره، لم أقف عليه موصولاً أيضاً.
قوله: ((فُقَهاء أرضنا)) أي: المدينة، وقد أدرَك كِبارَ التابعينَ بها كسعيد بن المسيّب، ولَحِقَ
قليلاً من صغار الصحابة كأنس بن مالك.
ثَّ أورَدَ المصنّف في الباب ثمانية أحاديث مرفوعة، ستَّة منها موصولة واثنان مُعلَّقان:
أوَّلها: حديث جابر في صلاة الاستخارة، سيأتي الكلام عليه في الدَّعَوات (٦٣٨٢).
ثانيها: حديث أبي قَتَادة في تحيَّة المسجد، وقد تقدَّم الكلام عليه في أوائل الصلاة
(٤٤٤).
ثالثها: حديث أنس في صلاة النبيِّ وَّهِ في بيتِ أُمَّ سُلَيم، وقد تقدَّم في الصُّفوف
(٧٢٧).
رابعها: حديث ابن عمر في رواتب الفرائض، وسيأتي الكلامُ عليه في الباب الذي يليه
(١١٧٢).
خامسها: حديث جابر في صلاة التَّحيَّة والإمامُ يَخْطُب، وسَبَقَ الكلامُ عليه في كتاب
الجمعة (٩٣٠).
سادسها: حديث ابن عمر عن بلال في صلاة النبيِّ وَّة في الكعبة، وقد تقدَّم في أبواب

٣٩٢
باب ٢٥ / ح ١١٦٢ -١١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
القِبْلة (٣٩٧) وسيأتي الكلامُ عليه في الحج (١٥٩٨).
سابعها: قوله: ((وقال أبو هريرة: أوصاني النبيّ وَ﴿ بركعتَ الضُّحَى)) هذا طرف من
حديثٍ سيأتي في كتاب الصيام بتمامه (١٩٨١).
ثامنها: قوله: ((وقال عِتْبان بن مالك)) هو طرفٌ من حديثٍ تقدَّم في مواضعَ مطوَّلاً
ومختصراً، منها في ((باب المساجد في البيوت)) (٤٢٥)، وسيأتي قريباً في ((باب صلاة النَّوافلِ
جماعة)) (١١٨٦).
ومرادُ المصنِّف بهذه الأحاديث الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ التطوُّعَ في النهار يكون أربعاً
موصولة، واختار الجمهورُ التَّسلیم من كلِّ رکعتين في صلاة الليل والنهار.
٥٠/٣ وقال أبو حنيفة وصاحباه: يُخْيَّرُ في صلاة النهار بين الثِّتَينِ والأربع وكَرِهوا الزيادة
على ذلك، وقد تقدَّم في أوائل أبواب الوتر (٩٩٠) حكاية استدلال مَن استدلَّ بقوله ولت.
((صلاةُ الليلِ مَثْنى)) على أنَّ صلاةَ النهار بخلاف ذلك.
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): إنَّما خَصَّ الليلَ بذلك لأنَّ فيه الوترَ، فلا يُقاسُ على الوتر
غيرُه، فيَتَنَفَّلُ المصلِّ بالليل أوتاراً، فبيَّن أنَّ الوترَ لا يُعادُ وأنَّ بقيَّةَ صلاة الليل مَثْنى، وإذا
ظَهَرَت فائدة تخصيص الليل صار حاصلُ الكلام: صلاة النافلةِ سوى الوتر مَثْنِى، فَيَعُمُّ
الليل والنهار، والله أعلم.
خاتمة: اشتملت أبواب التهجُّدِ وما انضَمَّ إليها على سنَّة وستّينَ حديثاً، المعلَّق منها اثنا
عشرَ حديثاً، والبقيَّةُ موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وأربعون حديثاً، والخالص
ثلاثة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة في صلاة الليل سبع وتسع
وإحدى عشرة، وحديث أنس: ((كان يُفطِرُ حتَّى نَظُنَّ أن لا يصومَ))، وحديث سَمُرة في
الرُّؤيا، وحديث سلمان وأبي الدَّرداء، وحديث عُبادة: ((مَن تَعارَّ من الليل))، وحديث أبي
هريرة في شِعر ابن رَوَاحة، وحديث جابر في الاستخارة.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتّابعينَ عشرة آثار، والله أعلم.

٣٩٣
باب ١/ ح ١١٧٢- ١١٧٣
أبواب التطوع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ أبواب التَّطوُّع]
١ - باب التطوُّع بعد المكتوبة
١١٧٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيد الله، قال: أخبرنا نافعٌ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ وَّهُ سَجْدتَيْنِ قبلَ الظّهرِ، وسَجْدتَينِ بعدَ
الظّهرِ، وسَجْدتَينِ بعدَ المغربِ، وسَجْدتَينِ بعدَ العِشاءِ، وسَجْدتَينِ بعدَ الجمعةِ، فأمَّا المغربُ
والعِشاءُ ففي بيته.
١١٧٣ - وحدَّثتني أُختي حَفْصةُ: أنَّ النبيَّ ◌َ كانَ يُصلِي سَجْدتَينِ خَفِيفتَينِ بعدَ ما يَطلُعُ
الفجرُ، وكانت ساعةً لا أدخُلُ على النبيِّ وٍَّ فيها.
وقال ابنُ أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن نافعٍ: بعدَ العِشاء في أهلِه.
تابَعَه كَثیرُ بنُ فَرْقَدٍ وأيوبُ عن نافعٍ.
((أبواب التطوُّع)) لم يُفرِد المصنّف هذه التَّرجمة فيما وقفتُ عليه من الأصول.
قوله: ((باب التطوُّع بعد المكتوبة)) ترجم أولاً بما بعد المكتوبة ثمَّ ترجم بعد ذلك بما قبلَ
المكتوبة.
قوله: ((صَلَّيت مع النبيِّ ◌َ ◌ّ سَجْدتَين)) أي: ركعتين، والمراد بقوله: ((مع)) التَّبعيّةُ، أي:
أَّهما اشتَرَكا في كَونِ كلِّ منهما صلَّاها لا التَّجميع(١)، فلا حُجّةَ فيه لمن قال: يُجمَعُ في
رواتب الفرائض، وسيأتي بعد أربعة أبوابٍ (١١٨٠) من رواية أيوب عن نافعٍ عن ابن
عمر قال: حَفِظتُ من النبيِّ وََّ عشرَ رَكَعات؛ فذكرها.
(١) في (س): كل منهما صلاة إلا التجميع، وهو خطأ.

٣٩٤
باب ١/ ح ١١٧٢ - ١١٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قبلَ الظَّهر)) سيأتي الكلامُ عليه بعد أربعة أبواب.
قوله: ((فأمَّا المغربُ والعِشاءُ ففي بيتِه)) استُدلَّ به على أنَّ فعل النَّوافل الليليَّة في البيوتِ
أفضلُ من المسجد بخلاف رواتب النهار، وحُكيَ ذلك عن مالك والثَّوريّ، وفي
الاستدلال به لذلك نظرٌ، والظاهر أنَّ ذلك لم يقع عن عمدٍ، وإنَّما كان ◌َّهِ يتشاغلُ بالناس
في النهار غالباً وبالليل يكون في بيته غالباً، وتقدَّم في الجمعة (٩٣٧) من طريق مالك عن
نافعٍ بلفظ: ((وكان لا يُصلِّ بعد الجمعة حتَّى ينصرفَ))، والحِكْمةُ في ذلك أنَّه كان يُبادِرُ إلى
الجمعة ثمَّ ينصرفُ إلى القائلة، بخلاف الظُّهر فإنَّه كان يُبِدُ بها وكان يَقِيلُ قبلها.
٥١/٣ وأغرَبَ ابن أبي ليلى فقال: لا تُجْزِئُ سُنَّةُ المغربِ في المسجد، حكاه عبد الله بن أحمد
عنه عَقِبَ روايته لحديث محمود بن لَبِيد (١) رَفَعَه: أنَّ الركعتين بعد المغربِ من صلاة
البيوت، وقال: إنَّه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى فاستَحسَنَه.
قوله: «وحدثتني أُختي حفصة» أي: بنت عمر، وقائل ذلك هو عبد الله بن عمر.
قوله: ((سجدتین» في رواية الگُشمِیھنيّ: ركعتين.
قوله: ((وكانت ساعةً)) قائل ذلك هو ابن عمر، وسيأتي من رواية أيوب (١١٨٠
و١١٨١) بلفظ: ركعتين قبلَ صلاة الصبح، وكانت ساعة لا أدخُلُ على النبيِّ وَّ فيها،
وحذَّئتني حفصة: أنَّه كان إذا أذَّنَ المؤَذِّنُ وطَلَعَ الفجرُ صلَّى ركعتين. وهذا يدلُّ على أنَّه
إنَّما أخذَ عن حفصة وقتَ إيقاع الركعتين قبلَ الصبح، لا أصلَ مشروعيَّتهما، وقد تقدَّم في
أواخر الجمعة (٩٣٧) من رواية مالك عن نافع، وليس فيه ذِكْر الركعتين اللَّتَينِ قبلَ
الصبح أصلاً.
قوله: ((وقال ابن أبي الزِّناد عن موسى بن عُقْبة عن نافع)) أي: عن ابن عمر: ((بعدَ العِشاء
في أهله)» أي: بدلَ قوله: «في بيته)).
قوله: ((تابَعَه كَثير بن فَرْقَد وأيوب عن نافع)) أمَّا رواية كثير فلم تقع لي موصولة، وأمَّا
(١) في ((مسند أحمد)) برقم (٢٣٦٢٨).

٣٩٥
باب ٢-٣/ ح ١١٧٤ - ١١٧٦
أبواب التطوع
روايةُ أيوب فتقدَّمت الإشارة إليها قريباً، وفيه حُجّةٌ لمن ذهب إلى أنَّ للفرائضِ رواتبَ
تُستَحَبُّ المواظَبةُ عليها، وهو قولُ الجمهور، وذهب مالك في المشهورِ عنه إلى أنَّه لا
توقيتَ في ذلك حِمايةً للفرائض، لكن لا يُمنَعُ من تطوُّع بما شاءَ إذا أُمِنَ ذلك، وذهب
العراقیُّون من أصحابه إلى موافقة الجمهور.
٢ - باب من لم يتطوَّع بعد المكتوبة
١١٧٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، قال: سمعتُ أبا الشَّعْثاء
جابراً، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: صَلَّيتُ مع رسول الله ◌َّ ثمانیاً جميعاً،
وسَبْعاً جميعاً. قلتُ: يا أبا الشَّعْثاء، أظُنُّه أخَّرَ الظُّهرَ وعَجَّلَ العصرَ، وعَجَّلَ العِشاءَ وأَخَّرَ
المغربَ. قال: وأنا أظُنُّه.
قوله: ((باب مَن لم يَتَطَوَّع بعد المكتوبة)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عبّاس في الجمع بين
الصلاتَين، وقد تقدَّم الكلام عليه في المواقيت (٥٤٣)، ومُطابَقَته للترجمة أنَّ الجمعَ يقتضي
عَدَمَ التخلَّلِ بين الصلاتَينِ بصلاةٍ راتبةٍ أو غيرها، فيدلُّ على تَرْك التطوُّع بعد الأولى، وهو
المرادُ، وأمَّا التطوُّعُ بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوُّع قبلَ الأولى مُحْتَمَل.
٣- باب صلاة الضُّحى في السفر
١١٧٥ - حدَّثْنَا مُسَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن تَوْبةَ، عن مُوَرِّقٍ قال: قلتُ لابنِ
عمرَ رضي الله عنهما: أتُصلِّى الضُّحَى؟ قال: لا، قلتُ: فعمرُ؟ قال: لا، قلتُ: فأبو بكرٍ؟ قال:
لا، قلتُ: فالنبيُّ وَلَ؟ قال: لا إِخَالُه.
١١٧٦ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا عَمرُو بنُ مُرّةَ، قال: سمعتُ عبد الرحمن بنَ أبي
ليلى يقول: ما حدَّثْنا أحدٌ أَنَّه رأى النبيَّ ◌َّ يُصلِّ الضُّحَى غيرُ أُمِّ هاني، فإنَّهَا قالت: إنَّ النبيَّ
وَِّ دخل بيتَها يومَ فَتْحِ مَكَّةً، فاغتَسَلَ وصَلَّى ثمانِ رَكَعاتٍ، فلم أرَ صلاةً قَطُّ أخفَّ منها، غيرَ
أنَّه يُتِمُّ الرُّكوعَ والسُّجودَ.

٣٩٦
باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
٥٢/٣
قوله: ((باب صلاة الضُّحَى فِي السَّفَر)) ذَكَرَ فيه حديث مورِّق: قلت لابن عمر: أتُصلِّي
الضُّحَى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبيُّ وَلّ؟
قال: لا إخاله. وحديث أُمّ هانئ في صلاة الضُّحَى يومَ فتح مگَّة.
وقد أشكَلَ دخولُ هذا الحديث في هذه الترجمة، وقال ابن بَطَّال: ليس هو من هذا
الباب وإنَّما يَصلُحُ في ((باب مَن لم يُصلِّ الضُّحَى))(١) وأظنُّه من غلط الناسخ.
وقال ابن المنيِر: الذي يَظهَرُ لي أنَّ البخاريَّ لمَّا تَعارَضَت عندَه الأحاديثُ نفياً
كحديث ابن عمر هذا، وإثباتاً كحديث أبي هريرة (١١٧٨) في الوصيّةِ له أنَّه يُصلِّي
الضُّحَى، نَزَّل حديثَ النَّفي على السفر، وحديثَ الإثبات على الحَضَر، ويؤيِّدُ ذلك أنَّه
ترجم لحديث أبي هريرة: ((صلاةُ الضُّحَى في الحَضَر))، وتقدَّم عن ابن عمر أنَّه كان يقول:
لو كنت مُسبِّحاً لَأتممتُ في السفر (٢).
وأمَّا حديث أُمّ هانئ ففيه إشارةٌ إلى أنَّها تُصلِّي في السفرِ بحَسَبَ السُّهولة لفعلها.
وقال ابن رُشَيد: ليس في حديث أبي هريرة التصريح بالحَضَر، لكن استَنَدَ ابن المنيِّر إلى
قوله فيه: ((ونَمْ على وِتْر)) فإنَّه يُفهَمُ منه كونُ ذلك في الحَضَرِ، لأنَّ المسافر غالبُ حاله
الاستيفازُ وسَهَرُ الليل، فلا يَفْتَقِرُ لإيصاءٍ أن لا ينام إلَّا على وِتْر، وكذا الترغيب في صيام
ثلاثة أيام.
قال ابن رُشَيد: والذي يَظهَرُ لي أنَّ المراد: باب صلاة الضُّحَى في السفرِ نفياً وإثباتاً،
وحديث ابن عمر ظاهرُه نفيُ ذلك حَضَراً وسفراً، وأقلُّ ما يُحِمَلُ عليه نفيُ ذلك في السفرِ
لمَا تقدَّم (١١٠٢) في ((باب مَن لم يتطوَّع في السفر)) عن ابن عمر قال: صَحِبتُ النبيَّ وَل
فكان لا يزيدُ على ركعتين. قال: ويحتملُ أن يقال: لمَّا نَفَى صلاتَها مُطلَقاً من غير تقييدٍ
بحَضَرٍ ولا سفرٍ - وأقلُّ ما يَتَحقَّقُ حملُ اللفظ عليه السفرُ ويَبعُدُ حملُه على الحَضَرِ دونَ
(١) هو الباب الذي بعد هذا.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٦٨٩)، وذكره الحافظ فيما سلف عند شرح الحديث (١١٠١).

٣٩٧
باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦
أبواب التطوع
السفرِ - فحُمِلَ على السفرِ لأنَّه المناسبُ للتخفيف، لمَا عُرِفَ من عادة ابن عمر أنَّه كان لا
يَتَقَّلُ في السفرِ نهاراً.
قال: وأورَدَ حديث أُمِّ هانئْ لِيُبيِّنَ أنَّا إذا كانت في السفر حالُ طُمأنينةٍ تُشِهِ حالةً
الحَضَرِ كالْحُلولِ بالبلد، شُرِعَت الضُّحَى، وإلَّ فلا.
قلت: ويَظهَرُ لي أيضاً أنَّ البخاريَّ أشار بالترجمة المذكورة إلى ما رواه أحمد (١٢٤٨٦)
من طريق الضَّحّاك بن عبد الله القُرَشِيّ عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله وَ لاَ صلَّ
في السفر سُبْحَةَ الضُّحَى ثمان رَكَعات، فأراد أنَّ تَردُّدَ ابن عمر في كَونِهِ صلَّاها أو لا، لا
يقتضي رَدَّ ما جَزَمَ به أنس، بل يؤيِّدُ حديث أُمّ هانئ في ذلك، وحديث أنسٍ المذكورُ
صحَّحه ابن خُزيمة (١٢٢٨) والحاكم (١/ ٣١٤).
قوله: ((عن تَوْبةَ)) بمُثَّةٍ مفتوحة وواو ساكنة ثمَّ موحّدة مفتوحة: هو ابن كَيْسانَ العنبريّ
البصريّ، تابعيٌّ صغير، ما له عند البخاريِّ سوى هذا الحديث وحديث آخر (٧٣٦٧).
قوله: ((عن مُوَرِّق) بفتح الواو وكسر الراء الثَّقيلة، وفي رواية غُندَر عن شُعْبة عند
الإسماعيليِّ: ((سمعتُ مورِّقاً العِجليّ)) وهو بصريٌّ ثقة، وكذا مَن دونَه في الإسناد، وليس
لمورِّقٍ في البخاريِّ عن ابن عمر سوى هذا الحديث.
قوله: ((لا إخالُه)) بكسر الهمزة وتُفتَحُ أيضاً والخاءُ معجمة، أي: لا أظنُّه. وكأنَّ سببَ
تَوقُّف ابن عمر في ذلك أنَّه بَلَغَه عن غيره أنَّه صلَّها ولم يَثِقْ بذلك عمَّن ذكره، وقد جاء
عنه الجزمُ بكونها مُحُدَثَةً، فروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهدٍ عن ابن عمر
أنَّه قال: إنَّهَا مُحُدَثَةٌ وإنَّهَا لَمِن أحسنِ ما أحدَثُوا، وسيأتي في أول أبواب العُمرة (١٧٧٥)
من وجهٍ آخرَ عن مجاهدٍ قال: دخلت أنا وعُرْوة بن الزُّبَير المسجدَ، فإذا عبد الله بن عمر
جالسٌ إلى حُجرةٍ عائشة، وإذا ناس يُصلُّونَ الضُّحَى، فسألناه عن صلاتهم فقال: بِدْعة.
وروى ابن أبي شَيْبة (٤٠٥/٢ و٤٠٦) بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج(١) قال: سألتُ
(١) زاد في (س) بعده: عن الأعرج، وهو خطأ.

٣٩٨
باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عمر عن صلاة الضُّحَى فقال: بِدعةٌ ونِعمَت البدعةُ.
وروى عبد الرزاق (٤٨٦٨) بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قُتِلَ عثمان وما
أحدٌ يُسبِّحُها، وما أحدَثَ الناس شيئاً أحبَّ إليَّ منها. وروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٠٥) بإسناد
٥٣/٣ صحيحٍ عن الشَّعبيِّ عن ابن عمر قال:/ ما صَلَّيت الضُّحَى منذُ أسلمتُ، إلَّا أن أطوفَ
بالبيت؛ أي: فأُصلِّي في ذلك الوقتِ لا على نيَّة صلاة الضُّحَى، بل على نِيَّةِ الطَّواف. ويحتملُ
أنَّہ کان ینویهما معاً، وقد جاء عن ابن عمر أنَّه كان يفعلُ ذلك في وقتٍ خاصٍّ كما سيأتي
(١١٩١) بعد سبعة أبوابٍ من طريق نافع: أنَّ ابن عمر كان لا يُصلِّ الضُّحَى إلَّا يوم يَقْدَمُ
مَكَّة، فإِنَّه كان يَقدَمُها ضُحَى فيطوفُ بالبيتِ ثمَّ يُصلِّ ركعتين، ويوم يأتي مسجد قُباءٍ.
وروى ابن خُزيمة (١٢٢٩) من وجهٍ آخرَ عن نافع عن ابن عمر: كان النبيُّ ◌ٍَّ لا
يُصلِّي الضُّحَى إِلَّا أن يَقْدَمَ من غَيْبة.
فأمَّا مسجد قُباء، فقال سعيد بن منصور: حدَّثنا ابن عُيَينةَ عن عبد الله بن دينار: أنَّ ابن
عمر كان لا يُصلِّ الضُّحَى إِلَّا أن يأتيَ قُباءً. وهذا يحتملُ أيضاً أن يريدَ به صلاة تحيَّة المسجد
في وقت الضُّحَى لا صلاةَ الضُّحَى، ويحتملُ أن يكون ينويهما معاً كما قلناه في الطَّواف.
وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يَدفَعُ مشروعيَّة صلاة الضُّحَى، لأنَّ نفيَه
محمول على عَدَمِ رُؤْيَتِه لا على عَدَم الوقوعِ في نفس الأمر، أو الذي نَفَاه صفةٌ مخصوصة كما
سيأتي نحوُه في الكلام على حديث عائشة (١١٧٧).
قال عياض وغيره: إنَّما أنكَرَ ابن عمر مُلازَمتَها وإظهارها في المساجد وصلاتها جماعة،
لا أَّها مخالفةٌ للسُّنّة. ويؤيِّدُه ما رواه ابن أبي شَيْبة (٤٠٥/٢-٤٠٦) عن ابن مسعود: أنَّه
رأى قوماً يُصلُّونَها فأنكَرَ عليهم وقال: إن كان ولا بدَّ ففي بيوتكم.
قوله: ((ما حدَّثْنا أحدٌ)) في رواية ابن أبي شَيْبة (٤٠٩/٢) من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي ليلى:
أدرَكتُ الناس وهم مُتَوافرونَ فلم يُحْبِرْني أحد أنَّ النبيَّ وََّ صلَّى الضُّحَى إِلَّا أُمَّ هانئ،
ولمسلم (٧١٩/ ٨١) من طريق عبد الله بن الحارث الهاشميِّ قال: سألتُ وحَرَصتُ على أن

٣٩٩
باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦
أبواب التطوع
أجِدَ أحداً من الناس يُحْبِرُني أنَّ النبيَّ وَّهِ سَبَّحَ سُبْحَة الضُّحَى فلم أجِدْ غير أُمّ هانئ بنت
أبي طالب حدَّثتني ... فذكر الحديث.
وعبد الله بن الحارث هذا: هو ابن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب مذكورٌ في
الصحابة لكَونِهِ وُلِدَ على عهد النبيِّ وَّهِ. وبيَّن ابن ماجَهْ (١٣٧٩) في روايته وقتَ سؤال
عبد الله بن الحارث عن ذلك ولفظه: سألتُ في زمنٍ عثمان والناسُ مُتَوافرونَ.
قوله: ((غيرُ)) بالرَّفع لأنَّه بَدَلِّ من قوله: ((أحدٌ)).
قوله: ((أُمّ هانئ)) هي بنت أبي طالب أُختُ عليٍّ شقيقته، وليس لها في البخاريِّ سوى
هذا وحديثٍ آخر تقدَّم في الطَّهارة (٢٨٠).
قوله: ((دخل بيتها يومَ فَتْح مكَّةَ فاغتَسَلَ وصَلَى)) ظاهره أنَّ الاغتسالَ وقع في بيتها،
ووقع في ((الموطَّ)) (١/ ١٥٢) ومسلم (٧١/٣٣٦) من طريق أبي مُرّةَ عن أُمّ هانئ: ((أَنَّهَا
ذهبت إلى النبيِّي ◌َّهِ وهو بأعلى مكَّةَ فوَجَدَته يَغْتَسِلُ))، وجُمعَ بينهما بأنَّ ذلك تكرَّر منه،
ويؤيِّدُه ما رواه ابن خُزَيمة من طريق مجاهد عن أُمّ هانئ وفيه: أنَّ أبا ذَرِّ سَتَرَه لمَّا
اغتَسَلَ (١)، وفي رواية أبي مُرّةَ عنها: أنَّ فاطمة بنتَه هي التي سَتَرَته(٢). ويحتملُ أن يكون
نزل في بيتها بأعلى مكَّةَ وكانت هي في بيتٍ آخرَ بمكَّة، فجاءت إليه فوَجَدَته يَغْتَسِلُ،
فيَصِحُّ القولان. وأمَّا السَّتْرُ فيحتملُ أن يكون أحدهما سَتَرَه في ابتداء الغُسل والآخر في
أثنائه، والله أعلم.
قوله: ((ثمان رَكَعات)) زاد كُرَيب عن أُمّ هانئّ: ((فسَلَّمَ من کلِّ رکیتین))، أخرجه ابن
(١) بل هو عنده برقم (٢٣٧) من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أم هانىء، وهي عند أحمد أيضاً
في («مسنده)) برقم (٢٦٨٨٧)، وسنده ضعيف لانقطاعه، فإن المطّلب بن عبد الله كثير الإرسال
والتدليس، وهو لم يلقَ أم هانئ، وعليه فالقصة واحدة، والذي ستره في غسله هي بنته فاطمة رضي الله
عنها، أما رواية مجاهد عن أم هانئ فهي عنده برقم (٢٤٠)، ولفظها: رأيت رسول الله وم طيل اغتسل هو
وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين.
(٢) سلفت عند البخاري برقم (٢٨٠).

٤٠٠
باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
خُزيمة (١٢٣٤). وفيه رَدٌّ على مَن تَسَّك به في صلاتها موصولةً سواء صلَّى ثمان ركعات أو
أقلّ. وفي الطَّبَرانيّ(١) من حديث ابن أبي أوفَى: أنَّه صلَّى الضُّحَى ركعتين، فسألَتْه امرأتُه
فقال: إنَّ النبيَّ وَلَ صلَّى يومَ الفتح ركعتين، وهو محمولٌ على أنَّه رأى من صلاة النبيِّ وَّلـ
ركعتين، ورأت أُمّ هانئ بقيَّة الثَّان، وهذا يُقوِّي أنَّه صلَّاها مفصولة، والله أعلم.
قوله: ((فلم أرَ صلاةً قَطَّ أخفَّ منها)) يعني: من صلاة النبيِّ وَّهِ. وقد تقدَّم في أواخرٍ
أبواب التقصير (١١٠٣) بلفظ: فما رأيته صلَّى صلاةً قَطُّ أخفَّ منها. وفي رواية عبد الله بن
الحارث المذكورة(٢): لا أدري أقيامُه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده، كلّ ذلك مُتقارِب.
واستدلَّ به على استحباب تخفيفٍ صلاة الضُّحَى، وفيه نَظَرِّ لاحتمال أن يكون السبب
٥٤/٣ فيه التفرُّغ لمُهِمّات الفتح لكَثْرة شُغلِه به، وقد ثَبَتَ من فعله ◌َِّ أَنَّه/ صلَّى الضُّحَى فِطَوَّلَ
فيها، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤١٠) من حديث حُذَيفة.
واستدلَّ بهذا الحديث على إثبات سُنّة الضُّحَى، وحكى عياض عن قومٍ: أنَّه ليس في
حديث أُمّ هانئ دلالة على ذلك، قالوا: وإنَّما هي سُنّةُ الفتح، وقد صلَّاها خالد بن الوليد
في بعض فُتوحِه كذلك.
وقال عياض أيضاً: ليس حديث أُمّ هانئ بظاهرٍ في أنَّه قَصَدَ وَِّ بها سُنّة الضُّحَى،
وإنَّما فيه أنَّهَا أخبرَت عن وقتٍ صلاته فقط، وقد قيل: إنَّها كانت قَضاءً عمَّا شُغِلَ عنه تلك
الليلةَ من حِزْبِه فيها.
وتعقَّبه النَّوَويُّ بأنَّ الصواب صِحَّة الاستدلال به لمَا رواه أبو داود (١٢٩٠) وغيرُه(٣)
من طريق كُرَيب عن أُمّ هانئ: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى سُبْحة الضُّحَى، ولمسلم في كتاب
(١) لم نقف عليه في المطبوع من الطبراني، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٨/٢، وعزاه إلى البزار والطبراني
في ((الكبير)). قلنا: وهو في ((مسند البزار)) برقم (٣٣٦٨)، لكن وقع في المطبوع منه: صلى الصبح، وهو
خطأ، والصواب كما في ((زوائد البزار)) لابن حجر (٤٨٥) و((المجمع)): صلى الضحى. وسنده ضعيف.
(٢) قبل قليل، وهي عند مسلم (٧١٩) (٨١).
(٣) كابن ماجه (١٣٢٣)، وابن خزيمة (١٢٣٤).