النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٥ / ح ١١٢٨ - ١١٢٩
أبواب التهجد
من خَشْية الافتراض. وفيه نظر، لأنَّ قوله: ((لا يُبدَّل القول لديَّ)) خبرٌّ، والنَّسخ لا يدخله
على الراجح، وليس هو كقوله مثلاً لهم: صوموا الدَّهر أبداً، فإنَّه يجوز فيه النَّسخ.
وقد فَتَحَ الباري بثلاثة أجوبة أُخرى:
أحدها: يحتمل أن يكون المَخُوفُ افتراضَ قيام الليل، بمعنى جعل التهجّد في المسجد
جماعةً شرطاً في صِحَّة التنفّل بالليل، ويُومِئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت(١): ((حتَّى
خَشِیتُ أن يُکتب علیکم، ولو گُتِبَ علیکم ما قمتُم به، فصَلُّوا أيها الناس في بيوتكم))،
فمَنَعَهم من التَّجميع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه، وأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على
ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
ثانيها: يحتمل أن يكون المَخُوفُ افتراضَ قيام الليل على الكِفاية لا على الأعيان، فلا
يكون ذلك زائداً على الخمس، بل هو نَظِيرُ ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها.
ثالثها: يحتمل أن يكون المَخُوفُ افتراضَ قيام رمضان خاصَّة، فقد وقع في حديث
الباب أنَّ ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين(٢): ((خشيت أن يُفرَض عليكم
قيام هذا الشهر))، فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأنَّ قيام رمضان لا يتكرَّر كلَّ يوم في السنة،
فلا يكون ذلك قَدْراً زائداً على الخمس.
وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: نَذْب قيام الليل ولا سيّما في رمضان
جماعة، لأنَّ الحَشْية المذكورة أُمِنَت بعد النبيّ ◌َِّ، ولذلك جمعهم عمر بن الخَطَّب على أُبيِّ
ابن کعب كما سيأتي في الصيام (٢٠١٠) إن شاء الله تعالی.
وفيه جواز الفِرار من قَدَر الله تعالى إلى قَدَر الله، قاله المهلَّب. وفيه أنَّ الكبير إذا فعل
شيئاً خلافَ ما اعتاده أتباعه، أن يذكُر لهم عُذرَه وحُكمَه والحكمة فيه.
(١) سيأتي برقم (٧٢٩٠).
(٢) عند أحمد (٢٥٤٩٦).
.

٣٢٢
باب ٦ / ح ١١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه ما كان النبيُّ وَ ﴿ عليه من الزَّهادة في الدنيا والاكتِفاءِ بما قَلَّ منها، والشَّفَقة على
أُمَّته والرَّأفة بهم. وفيه ترك بعض المصالح لخوف المفسَدة وتقديم أهمِّ المصلحتين. وفيه
جواز الاقتداء بمَن لم يَنِ الإمامة كما تقدَّم (٦٩٩). وفيه نظر، لأنَّ نفي النيّة لم يُنقَل ولا
يُطَّلَع عليه بالظنّ. وفيه ترك الأذان والإقامة للنَّوافلِ إذا صُلّيَت جماعة.
٦ - باب قيام النبيِّ وَّ الليلَ
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: كان يقومُ حتَّى تَفَطَّرَ قَدَماه.
والفُطُور: الشُّقُوق، ﴿أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انشَقَّتْ.
١١٣٠ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا مِسعَرٌ، عن زيادٍ، قال: سمعتُ المغيرةَ﴾ یقول: إن
كانَ النبيُّ وَلَه لَيقومُ - أو لَيُصلِّي - حتَّى تَرِمُ (١) قَدَماه - أو ساقاه - فيقال له، فيقول: ((أفلا أكونُ
عبداً شَكُوراً؟)).
[طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]
قوله: ((باب قيام النبيِّ وَِّ الليلَ)) كذا للكُشمِيهَنيّ من طريقين عنه، وزاد في رواية
كَرِيمة: ((حتَّى تَرِم قَدَماه)» وللباقينَ: «قيام الليل للنبيِّ ◌ِّ)».
قوله: ((وقالت عائشة: كان يقومُ)) كذا للكُشمِيهَنيّ، ولغيره: قام رسول الله وَله.
قوله: (حتَّى تَقْطَّر)) بتاءٍ واحدة، وفي رواية الأَصِيليّ: (تَتَفَطَّر)) بِمُثَّاتين.
قوله: ((والفُطُور: الشُّقُوق)) كذا ذكره أبو عبيدة في ((المجاز)).
قوله: (﴿أَنْفَطَرَتْ﴾: انشَقَّت)) هذا التفسير رواه ابن أبي حاتم موصولاً عن الضَّحّاك،
١٥/٣ قال: / ورُوِيَ عن مجاهد والحسن وغيرهما ذلك، وكذا حكاه إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ
عن ابن عبّاس، وحديث عائشة وَصَله المصنِّف في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٧).
(١) كذا هو في النسخة اليونينية بالرفع، وجاء في حاشية الطبعة السلطانية: هو بالرفع في الأصول التي بيدنا
مصحّحاً عليه، وجوَّز القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٢/ ٤١٣ فيه الوجهین.

٣٢٣
باب ٦ / ح ١١٣٠
أبواب التهجد
قوله: ((عن زياد)) هو ابن عِلَاقة، وللمصنّف في الرِّقاق (٦٤٧١): عن خَلّاد بن يحيى
عن مِسعَر: حدَّثنا زياد بن عِلاقة.
تنبيه: هكذا رواه الحُفَّاظ من أصحاب مِسعَر عنه، وخالَفَهم محمد بن بشر وحده، فرواه
عن مِسعَر عن قَتَادة عن أنس، أخرجه البَزّار (٧٢٩٠) وقال: الصواب عن مِسعَر عن زياد.
وأخرجه الطَّبَرانيُّ في ((الكبير)) (٣٥٢/٢٢) من رواية أبي قَتَادة الحرَّانيّ عن مِسعَر عن عليّ بن
الأقمَر عن أبي جُحَيفة. وأخطأً فيه أيضاً، والصواب: مِسعَر عن زياد بن عِلاقة.
قوله: ((إن كانَ لَيقومُ أو ليُصلِّ)) ((إن)) مُخُفَّفة من الثَّقيلة و((لَيقوم)) بفتح اللَّام، وفي رواية
كَرِيمة: لَيقوم يُصلِّي، وفي حديث عائشة (٤٨٣٧): كان يقوم من الليل.
قوله: ((حتَّى تَرِمُ)) بفتح المثنَّاة وكسر الراء وتخفيف الميم بلفظ المضارع من الوَرَم، هكذا
سُمِعَ وهو نادر، وفي رواية خَلّاد بن يحيى (٦٤٧١): حتَّى تَرِم أو تَنْتَفِخ قَدَماه، وفي رواية
أبي عَوَانة عن زياد عند التِّرمِذيّ (٤١٢): حتَّى انْتَفَخَت قَدَماه.
قوله: ((قَدَماه أو ساقاه))، وفي رواية خَلّاد (٦٤٧١): «قَدَماه)» ولم يَشُكّ، وللمصنّف في
تفسير الفتح (٤٨٣٦): ((حتَّى تَوَرَّمَت))، وللنَّسائيّ (١٦٤٥) من حديث أبي هريرة: ((حتَّى
تَزلَعَ(١) قَدَماه)) بزايٍ وعين مُهمَلة، ولا اختلاف بين هذه الروايات، فإنَّه إذا حَصَلَ
الانتفاخ أو الوَرَم، حَصَلَ الزَّلَع والتشقُّق، والله أعلم.
قوله: ((فيقال له)) لم يَذكُر المقُول ولم يُسمِّ القائل، وفي تفسير الفتح (٤٨٣٦): فقيل له:
غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّرَ، وفي رواية أبي عَوَانة (٢): فقيل له: أتتكلَّفُ هذا؟!
وفي حديث عائشة (٤٨٣٧): فقالت له عائشة: لمَ تَصنَعُ هذا يا رسول الله وقد غَفَرَ الله
لك؟ وفي حديث أبي هريرة عند البَزّار (٨٠٠٢): فقيل له: تفعلُ هذا وقد جاءكَ من الله أن
قد غفر لك.
(١) أي: تتشفَّق.
(٢) عند الترمذي برقم (٤١٢).

٣٢٤
باب ٦ / ح ١١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أفلا أكونُ)) في حديث عائشة: ((أفلا أُحِبّ أن أكون عبداً شكوراً؟!)) وزادت
فيه: فلمَّا كَثُرَ لحمه صلَّى جالساً ... الحديث، والفاء في قوله: ((أفلا أكون)) للسبيّة، وهي
عن محذوف تقديره: أَآتُرُكُ تَهجُّدي فلا أكون عبداً شكوراً، والمعنى أنَّ المغفرة سبب لكَوْن
التهُّد شُكراً فکیف أتر که؟!
قال ابن بَطَّل: في هذا الحديث أخذُ الإنسانِ على نفسه بالشِّدّةِ في العبادة وإن أضَرَّ
ذلك ببَدَنِهِ، لأنَّهَ وَ ﴿ إذا فعل ذلك مع علمه بما سَبَقَ له، فكيف بمَن لم يعلم بذلك، فضلاً
عَمَّن لم يأمَن أنَّه استَحَقَّ النار! انتهى، ومحلُّ ذلك ما إذا لم يُفضِ إلى المَلاَل، لأنَّ حال
النبيّ ◌َّ كانت أكمَلَ الأحوال، فكان لا يَمَلُّ من عبادة ربِّه وإن أُضَرَّ ذلك ببَدَنِه، بل صَحّ
أنَّه قال: ((وجُعِلَت قُرّة عيني في الصلاة)) كما أخرجه النَّسائيُّ (٣٩٤٠) من حديث أنس،
فأمَّا غيره ◌َّهِ فإذا خَشِيَ المَلَ لا ينبغي له أن يُكرِه نفسه، وعليه يُحِمَل قوله وَلّهِ: ((خذوا من
الأعمال ما تُطِيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا))(١).
وفيه مشروعيّة الصلاة للشُّكر، وفيه أنَّ الشُّكر يكون بالعمل كما يكون باللِّسان كما
قال الله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣].
وقال القُرطبيّ: ظَنَّ مَن سأله عن سبب تَحمُّله المشَقّةَ في العبادة أَنَّه إنَّما يَعبد الله خوفاً من
الذُّنوب وطَلَباً للمَغِفِرةِ والرّحمة، فمَن تَحَقَّقَ أنَّه غُفِرَ له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أنَّ هناك
طريقاً آخر للعبادةِ: وهو الشُّكر على المغِفِرة وإيصالِ النِّعمة لمن لا يَستَحِقّ عليه فيها شيئاً،
فِيَتَعِيَّن كثرة الشُّكر على ذلك، والشُّكر: الاعتراف بالنِّعمةِ والقيام بالِخِدمة، فمَن كَثُرَ ذلك
منه سُمّيَ شَكوراً، ومن ثَمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وفيه ما كان النبيُّ ◌َلي عليه من الاجتهاد في العبادة والخَشْية من ربّه.
قال العلماء: إنَّما ألزَم الأنبياءُ أنفُسَهم بشِدّة الخوف لعلمِهم بعظيم نعمة الله تعالى
عليهم، وأنَّه ابتَدَأهم بها قبل استحقاقها، فبَذَلوا مجهودهم في عبادته ليُؤدُّوا بعض شكره،
مع أنَّ حقوق الله أعظمُ من أن يقوم بها العباد، والله أعلم.
(١) هو عند البخاري برقم (٤٣) و(١١٥١)، وعند مسلم برقم (٧٨٥).

٣٢٥
باب ٧ / ح ١١٣١
أبواب التهجد
تكملة: قيل: أخرج البخاري هذا الحديث ليُنبِّه على أنَّ قيام جميع الليل غير مكروه ولا ١٦/٣
تعارضُه الأحاديث الآتية بخلافه، لأنَّه يُجمَع بينها بأنَّه وَِّ لم يكن يُداوم على قيام جميع
الليل، بل كان يقوم وينام كما أخبر عن نفسه(١) وأخبرَت عنه عائشة أيضاً(٢)، وسيأتي نقل
الخلاف في إيجاب قيام الليل في ((باب عَقْد الشيطان)) (١١٤٢) إن شاء الله تعالى.
٧- باب من نام عند السّحَر
١١٣١- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ دِينارٍ، أَنَّ
عَمَرَو بنَ أوسٍ أخبَرَه، أنَّ عبدَ الله بنَ عَمٍو بنِ العاص رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ رسول الله
وَلّ قال له: «أحبُّ الصلاةِ إلى الله صلاةُ داود عليه السلام، وأحبُّ الصِّيامِ إلى الله صِيامُ داودَ،
وكانَ ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثُلثَه، وينامُ سُدسَه، ويصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً)).
[أطرافه في: ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩،
٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧]
قوله: ((باب مَن نامَ عند السَّحَر)) في رواية الأَصِيليِّ والكُشمِيهَنيّ: ((السُّحور)) ولِكلِّ
منهما وجه، والأول أوجَه. وأورَدَ المصنّف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: لعبد الله بن عَمْرو،
والآخران: لعائشة.
قوله في حديث عبد الله بن عمرو: ((أنَّ عَمْرو بن أوس أخبره)) أي: ابن أبي أوس الثّقَفيّ
الطائفيّ، وهو تابعيٌّ كبير، ووَهِمَ مَن ذكره في الصحابة وإنَّما الصُّحبة لأبيه.
قوله: ((أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود)) قال المهلَّب: كان داود عليه السلام يُحِمُّ نفسه
بنوعٍ أولَ الليل ثمَّ يقوم في الوقت الذي يُنادي الله فيه: ((هل من سائل فأُعطيَه سُؤله؟))(٣)
ثُمَّ يَستَدِرك بالنومِ ما يستريح به من نَصَب القيام في بقيّة الليل، وهذا هو النوم عند السَّحَر
(١) وهو من حديث أنس وسيأتي عند البخاري برقم (٥٠٦٣)، وأخرجه مسلم (١٤٠١).
(٢) وسيأتي عند البخاري برقم (١١٤٦).
(٣) على ما في حديث أبي هريرة عند مسلم (٧٥٨).

٣٢٦
باب ٧ / ح ١١٣١
فتح الباري بشرح البخاري
كما ترجم به المصنّف، وإنَّما صارت هذه الطَّريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرِّفْقِ للنَّفْس التي
يُحْشَى منها السآمة، وقد قال وَّهِ: ((إنَّ الله لا يَمَلّ حتَّى تَمَلّوا))(١)، والله أحبَّ أن يُديمَ
فضله ويوالي إحسانه، وإنَّما كان ذلك أرفقَ لأنَّ النوم بعد القيام يريح البَدَن، ويُذهِب
ضَرَر السهر وذُبُول الجسم، بخلاف السهر إلى الصَّباح.
وفيه من المصلحة أيضاً استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاطٍ وإقبال، وأنَّه
أقرَبُ إلى عَدَم الرِّياء، لأنَّ مَن نام السُّدس الأخير أصبح ظاهر اللَّون سليم القُوَى، فهو
١٧/٣ أقربُ إلى أن/ يُخْفيَ عمله الماضي على مَن يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وحُكيَ عن قوم أنَّ معنى قوله: ((أحبُّ الصلاة)) هو بالنّسبة إلى مَن حاله مثل حال
المخاطَب بذلك، وهو مَن يَشُقّ عليه قيام أكثر الليل، قال: وعُمدة هذا القائل اقتضاء
القاعدة: زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يعارضُه هنا اقتضاء العادة والجِبِّةِ التقصيرَ
في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير
معلوم لنا. فالأَولى أن يُجرَى الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تَعارَضَت المصلحة والمفسَدة
فمِقْدار تأثير كلّ واحد منهما في الحثّ أو المنع غير مُقَّق لنا، فالطَّريق أنَّنا نُفُوِّض الأمر إلى
صاحب الشَّرع، ونجري على ما دَلَّ عليه اللفظ مع ما ذكرناه من قوَّة الظاهر هنا، والله أعلم.
تنبيه: قال ابن التِّين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره فهو في حَقّ الأُمّة، وأمَّا النبيُّ وَلـ
فقد أمَرَه الله تعالى بقيام أكثر الليل فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ قُّ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١-٢]. انتهى،
وفيه نظرٌ، لأنَّ هذا الأمر قد نُسِخَ كما سيأتي (١١٤١)، وقد تقدَّم في حديث ابن عبّاس (١٨٣):
فلمَّا كان نصف الليل أو قبله بقليلٍ أو بعده بقليلٍ؛ وهو نحو المذكور هنا. نعم سيأتي بعد ثلاثة
أبواب أنَّه ◌َ له لم يكن يُجري الأمر في ذلك على وتيرة واحدة، والله أعلم.
قوله: ((وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود)) يأتي فيه ما تقدَّم في الصلاة، وستأتي بقيّة
مباحثه في كتاب الصيام (١٩٧٥) إن شاء الله تعالى.
(١) سلف عند البخاري برقم (٤٣)، وسيأتي برقم (١١٥١).

٣٢٧
باب ٧ / ح ١١٣٢ - ١١٣٣
أبواب التهجد
قوله: ((كانَ ینام نصف الليل ... )» إلى آخره، في رواية ابن ◌ُرَیج عن عَمْرو بن دینار عند
مسلم (١١٥٩/ ١٩٠): كان يَرقُّد شَطْر الليل، ثمَّ يقوم ثلث الليل بعد شَطْره. قال ابن جُرَيج:
قلت لعَمِرٍو بن دينار: عَمْرو بن أوس هو الذي يقول: يقوم ثلث الليل؟ قال: نَعَم. انتهى.
وظاهره أنَّ تقدير القيام بالثُّلثِ من تفسير الرّاوي فيكون في الرواية الأولى إدراج،
ويحتمل أن يكون قوله: ((عَمْرو بن أوس ذكره)) أي: بسنده، فلا يكون مُدرَجاً.
وفي رواية ابن ◌ُرَيج من الفائدة ترتيب ذلك بثُمّ، ففيه ردٌّ على مَن أجازَ في حديث
الباب أن تَحصُل السُّنّة بنوم السُّدس الأول مثلاً وقيام الثُّلث ونوم النِّصف الأخير،
والسبب في ذلك أنَّ الواو لا تُرِّب.
تنبيه: قال ابن رُشَيد: الظاهر من سياق حديث عبد الله بن عَمْرو مطابقة ما ترجم له، إلَّا
أَنَّه ليس نَصّاً فيه، فبيَّنْه بالحديث الثالث وهو قول عائشة: ما ألفاهُ السحَرَ عندي إلَّ نائماً.
١١٣٢ - حدَّثني عَبْدانُ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن أشعَثَ، قال: سمعتُ أَبي، قال:
سمعتُ مسروقاً قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: أيُّ العمل كانَ أحبَّ إلى النبيِّ وَّ؟
قالت: الدَّائمُ، قلتُ: متى كانَ يقومُ؟ قالت: يقومُ إذا سَمِعَ الصَّارِغَ.
حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: أخبرنا أبو الأحوَصِ، عن الأشعَثِ قال: إذا سَمِعَ الصَّارِخَ
قامَ فصَلَّى.
[طرفاه في: ٦٤٦١، ٦٤٦٢]
١١٣٣ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ سعدٍ قال: ذَكَرَ أَبي، عن أبي
سَلَمَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما ألْفَاهُ السَّحَرُ عندي إلا نائماً؛ تعني النبيَّ ◌َّه.
وأمَّا حديث عائشة الأوّل: فوالد عبدان اسمه عثمان بن جَبَلة، بفتح الجيم والموحّدة.
وقوله: ((عن أشعَث)) هو ابن أبي الشَّعثاء المُحارِبِيّ.
وقوله: ((الدائم)) أي: المواظَبة العُرفيّة.
وقوله: ((الصارخ)) أي: الدِّيك. ووقع في ((مسند الطَّيالسيِّ)) في هذا الحديث: ((الصارخ:

٣٢٨
باب ٧ / ح ١١٣٢ - ١١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
الدّيك))(١)، والصَّرخة: الصَّيحة الشَّديدة، وجَرَت العادة بأنَّ الدّيك يصيح عند نصف
الليل غالباً، قاله محمد بن ناصر. قال ابن التِّين: وهو موافق لقول ابن عبّاس(٢): نصف
الليل أو قبله بقليلٍ أو بعده بقليلٍ.
وقال ابن بَطَّل: الصارخ يَصرُخ عند ثلث الليل، وكان داودُ يَتَحرَّى الوقت الذي
يُنادي الله فيه: ((هل من سائلٍ)). كذا قال، والمراد بالدَّوام: قيامه كلَّ ليلة في ذلك الوقت لا
الدَّوامِ المُطلَق.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد)) زاد أبو ذرٍّ في رواية: ((ابن سَلَام)) وكذا نَسَبَه أبو عليّ بن السَّكَن،
وذكر الجَيَّانيّ أنَّه وقع في رواية أبي ذرِّ عن أبي محمد السَّرَخْسيّ: ((محمد بن سالم)) بتقديم
الألف على اللَّام، قال أبو الوليد الباجيّ: سألت أبا ذرِّ فقال لي: أُراه ابن سَلَام، وسَهَا فيه
أبو محمد. قلت: وليس في شيوخ البخاري أحد يقال له: محمد بن سالم.
قوله: ((عن الأشعَث)) يعني: بإسناده المذكور، وظَنَّ بعضهم أنَّه موقوف على أشعَث
فأخطأ، فقد أخرجه مسلم (٧٤١/ ١٣١) عن هَنّاد بن السَّرِيّ، وأبو داود (١٣١٧) عن إبراهيم
ابن موسى الرّازيُّ، كلاهما عن أبي الأحوص بهذا الإسناد بلفظ: ((سألت عائشة عن صلاة
رسول الله وَ﴿ فقلت لها: أيَّ حين كان يُصلِّ؟ قالت: إذا سمع الصارخ قام فصَلَّ)) هذا لفظ
١٨/٣ إبراهيم، وزاد مسلم في أوله: «كان يُحِبّ الدائم))، / وللإسماعيليِّ من رواية خَلَف بن هشام عن
أبي الأحوص بالإسناد: ((سألت عائشة: أيّ العمل كان أحبَّ إلى رسول الله وَّ؟ قالت:
أدوَمه))، قال الإسماعيليّ: لم يَذكُر البخاري في رواية أبي الأحوَص بعد الأشعَث أحداً. وأفادت
هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام وهو قوله: ((قام فصَلَّى))، بخلاف رواية شُعْبة فإنَّهَا مُجمَلة.
وفي هذا الحديث الحثُّ على المداوَمَة على العمل وإن قلَّ، وفيه الاقتصاد في العبادة
وتركُ التَّعَمُّق فيها، لأنَّ ذلك أنشَطُ والقلب به أشدّ انشِراحاً.
(١) برقم (١٥١٠) ولفظه: (( ... كان إذا سمع الصارخ قام)) قال أبو داود: يعني الديك. فلفظة ((الديك))
تفسير من أبي داود الطيالسي.
(٢) السالف في حديثه عند البخاري برقم (١٨٣).

٣٢٩
باب ٧ / ح ١١٣٢ - ١١٣٣
أبواب التهجد
وأمَّا حديث عائشة الثاني: فوالد إبراهيم بن سعد: هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عَوْف، وعَبَّرَ موسى عن إبراهيم بقوله: ((ذکر أَبي))، وقد رواه أبو داود (١٣١٨) عن أبي
توبة فقال: ((حدَّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه))، وأخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان،
عن جمعة بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عمِّه أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن، به.
قوله: ((ما ألْفاهُ) بالفاء، أي: وَجَدَه، والسَّحَرُ مرفوع بأنَّه فاعله. والمراد: نومه بعد القيام
الذي مَبدَؤُه عند سماع الصارخ جمعاً بينه وبين رواية مسروق التي قبلها.
قوله: (تعني النبيَّ ◌َّ)) في رواية محمد بن بشر عن سعد بن إبراهيم عند مسلم(١): ((ما
ألفَى رسول الله وَّر السحَر على فِراشي - أو عندي - إلَّا نائمًا))، وأخرجه الإسماعيليُّ عن
محمود الواسطيّ عن زكريًّا بن يحيى عن إبراهيم بن سعد بلفظ: ((ما ألفَى النبيّ ◌َّ عندي
بالأسحار إلَّا وهو نائم))، وفي هذا التصريحُ برفع الحديث.
تنبيه: قال ابن التِّين: قولها: ((إلَّا نائماً) تعني: مُضطَجِعاً على جَنْبه، لأنَّها قالت في
حديث آخر (٢): فإن كنتُ يقظانةً حدَّثني، وإلَّا اضطَجَعَ. انتهى.
وتعقَّبه ابن رُشَيد بأنَّه لا ضرورة تحمل على هذا(٣) التأويل، لأنَّ السياق ظاهر في النوم
حقيقة، وظاهر في المداوَمَة على ذلك، ولا يَلزَم من أنَّه كان ربَّما لم يَنَمْ وقتَ السَّحَر هذا
التأويلُ، فدارَ الأمر بين حمل النوم على مَجَاز التَّشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص،
والثاني أرجحُ وإليه مَيلُ البخاري لأنَّ ترجم بقوله: ((مَن نام عند السحَر)) ثمَّ ترجم عَقِبه
بقوله: ((مَن تَسخَّرَ فلم يَنَم)) فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأنَّ العادة جَرَت في
جميع السَّنة أنَّه كان ينام عند السحَر إلَّا في رمضان، فإنَّه كان يتشاغل بالسُّحورِ في آخر
الليل، ثمَّ يخرج إلى صلاة الصبح عَقِبَه.
(١) رواية مسلم عن محمد بن بشر، عن مِسعَر بن كِدَام، عن سعد بن إبراهيم، وهي فيه برقم (٧٤٢)
(١٣٢).
(٢) وهو عند مسلم برقم (٧٤٣).
(٣) في (س): لحمل هذا، وما أثبتناه من الأصلين، وهو أصحّ.

٣٣٠
باب ٨-٩ / ح ١١٣٤- ١١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن بَطَّال: النوم وقت السَّحَر كان يفعله النبيّ وَّ في الليالي الطِّوال وفي غير
شهر رمضان. كذا قال، ويحتاج في إخراج الليالي القِصَار إلى دليل.
٨- باب من تسخَّر فلم ينم حتَّى صلَّى الصبح
١١٣٤ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن
أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ نبيَّ الله وَّه وزيدَ بنَ ثابتٍ﴾ تَسخَّرا، فلمَّا فَرَغا من سَحُورِهما قامَ
نبيُّ الله وَّ إلى الصلاةِ فِصَلَّى.
قلنا لأنسٍ: كم كانَ بين فَراغِهما من سَحُورِ هما ودخولِهما في الصلاةِ؟ قال: كقَدْرِ ما يَقْرأُ
الرجلُ خمسينَ آيَةً.
قوله: ((باب مَن تَسخَّرَ فلم يَتَمْ حتَّى صلَّى الصُّبح)) كذا للأكثر، وللحَقُّوِيِّ والمُستَمْلي:
مَن تَسخَّرَ ثمَّ قام إلى الصلاة.
قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)) هو الدَّورَقيّ، ورَوْح: هو ابن عُبادة.
قوله: ((فلمَّا فَرَغا من سَحُورهما قامَ إلى الصلاة فصَلَّى)) هو ظاهر لمَا ترجم له. والمراد
بالصلاة صلاةُ الصبح، وقبلها صلاة الفجر، وقد تقدَّم توجيهه (٥٧٦)، ويأتي الكلام على
بقيّة فوائد الحديث في كتاب الصيام (١٩٢١) إن شاء الله تعالى.
١٩/٣
٩- باب طول القيام في صلاة الليل
١١٣٥ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن
عبدِ الله﴾ قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ ◌َثّل ليلةً، فلم يَزَلْ قائماً حتَّى هَمَمْتُ بأمرِ سَوْءٍ، قلنا: وما
هَمَمتَ؟ قال: هَمَمْتُ أن أقعُدَ وَأَذَرَ النبيَّ ◌َِّ.
١١٣٦- حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن حُصَينٍ، عن أبي
وائلٍ، عن حُذَيفةَ﴾: أنَّ النبيَّوَ﴿ كَانَ إذا قامَ للَّهجُّدِ مِن الليلِ، يَشُوصُ فَاهُ بالسِّواكِ.
قوله: ((باب طُول القيام في صلاة الليل)) كذا للأكثر، وللحَقُّوِيِّ والمُستَمْلي: ((طول

٣٣١
باب ٩ / ح ١١٣٥ - ١١٣٦
أبواب التهجد
سسـ
الصلاة في قيام الليل)) وحديث الباب موافق لهذا، لأنَّه دالٌّ على طول الصلاة لا على طول
القيام بخصوصِه، إلَّا أنَّ طول الصلاة يستلزم طولَ القيام، لأنَّ غير القيام كالركوعِ مثلاً
لا يكون أطولَ من القيام كما عُرِفَ بالاستقراء من صنيعه بَّهِ، ففي حديث الكسوف:
(( فَرَكَعَ نحواً من قيامه))(١)، وفي حديث حُذَيفة الذي سأذكرُه نحوُه، ومضى في حديث
عائشة قريباً (٩٩٤): أنَّ السجدة تكون قريباً من خمسين آية، ومن المعلوم في غير هذه
الرواية أنَّە کان یقرأ بما یزید علی ذلك.
قوله: «عن عبد الله)) هو ابن مسعود.
قوله: ((بأمرِ سَوٍ)) بإضافة ((أمر)) إلى ((سوء)).
وفي الحديث دليل على اختيار النبيّ يَّ تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قويّاً
مُحافظاً على الاقتداء بالنبيِّ نَّةِ، وما هَمَّ بالقُعودِ إلَّا بعد طولٍ كثيرٍ ما اعتاده. وأخرج
مسلم (٧٥٦) من حديث جابر: ((أفضل الصلاة طُولُ القُنوتِ)) فاستُدلَّ به على ذلك،
ويحتمل أن يُراد بالقُنوتِ في حديث جابر الخشوع.
وذهب كثير من الصحابة وغيرهم إلى أنَّ كثرة الركوع والسجود أفضل، ولمسلم
(٤٨٨) من حديث ثوبان: ((أفضل الأعمال كثرةُ السجود)»، والذي يَظهَر أنَّ ذلك يختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال.
وفي الحديث أنَّ مُخالَفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السِّئ.
وفيه تنبيهٌ على فائدة معرفة ما يُبهَم (٢) من الأحوال وغيرها، لأنَّ أصحاب ابن مسعود ما
عَرَفوا مُرادَه من قوله: ((هَمَمتُ بأمر سوء)) حتَّى استفهَموه عنه، ولم يُنكِرِ عليهم استفهامهم
عن ذلك.
وروى مسلم (٧٧٢) من حديث حُذَيفة: أنَّه صلَّى مع النبيّ وَِّ ليلةً فقرأ البقرة وآل
عِمران والنِّساء في ركعة، وكان إذا مَرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سَبَّحَ، أو سؤالٌ سألَ، أو تَعَوُّذ تَعَوَّذ،
(١) أخرجه أحمد (١٤٤١٧)، ومسلم (٩٠٤) (١٠) وغيرهما من حديث جابر.
(٢) تصحف في (س) إلى: ما بينهم.

٣٣٢
باب ٩ / ح ١١٣٥ - ١١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ رَكَعَ نحواً ممّا قام، ثمَّ قام نحواً ممَّا رَكَع، ثمَّ سَجَدَ نحواً مَّا قام. وهذا إنَّما يتأتَى في نحو
من ساعتين، فلعلَّه ◌َ ﴿ أحيا تلك الليلةَ كلّها. وأمَّا ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة، فإنَّ
في إخبار عائشة أنَّه كان يقوم قَدْر ثُلُث الليل، وفيها أنَّه كان لا يزيد على إحدى عشرة
ركعة، فيقتضي ذلك تطويلَ الصلاة، والله أعلم.
تنبيه: ذكر الدارَ قُطنيُّ أنَّ سليمان بن حَرْب تَفَرَّدَ برواية هذا الحديث عن شُعْبة، حكاه
عنه البَرْقانيُّ، وهو من الأفراد المقيَّدة، فإنَّ مسلماً (٧٧٣) أخرج هذا الحديث من طريق
أُخرى عن الأعمش.
قوله: ((عن خالد بن عبد الله)) هو الواسطيُّ، وحُصَين: هو ابن عبد الرحمن الواسطيُّ
أيضاً، وقد تقدَّم حديث حُذَيفة في الطَّهارة (٢٤٥).
واستَشكَلَ ابن بَطَّل دخولَه في هذا الباب فقال: لا مَدخَلَ له هنا، لأنَّ التَّسَوُّك في
صلاة الليل لا يدلّ على طول الصلاة. قال: ويُمكِن أن يكون ذلك من غلط الناسخ
فَكَتَبَه في غير موضعه، أو أنَّ البخاري أعجَلَته المنيَّة قبل تهذيب كتابه، فإنَّ له فيه مواضعَ
مثل هذا تَدُلّ على ذلك.
٢٠/٣ وقال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون أشار إلى أنَّ استعمال السِّواك يدلّ على ما يناسبه من
إكمال الهيئة والتأهُّب، وهو دليل طول القيام، إذ التخفيف لا يَتهيّأ له هذا التَّهَيُّؤ الكامل.
وقد قال ابن رُشَيد: الذي عندي أنَّ البخاري إنَّما أدخَله لقوله: ((إذا قام للتهجُّد)) أي:
إذا قام لعادتِه، وقد تَبيَّنتْ عادته في الحديث الآخر، ولفظ التهجُّد مع ذلك مُشعِر بالسهر،
ولا شكَّ أنَّ في التَّسَؤُّك عَوناً على دفع النوم، فهو مُشعِر بالاستعداد للإطالة.
وقال البَدْر بن جماعة: يَظهَرُ لي أنَّ البخاري أراد بهذا الحديث استحضار حديث
حُذَيفة الذي أخرجه مسلم (٧٧٢)، يعني: المشار إليه قريباً، قال: وإنَّما لم يُخْرِجه لكَونِه على
غير شرطه، فأمَّا أن يكون أشار إلى أنَّ الليلة واحدة، أو نَبَّه بأحد حديثَي حُذَيفة على
الآخر. وأقرَّ بها توجیه ابن رُشید.

٣٣٣
باب ١٠ / ح ١١٣٧ - ١١٤٠
أبواب التهجد
ويحتمل أن يكون بَيَّضَ الترجمة لحديث حُذَيفة، فضَمَّ الكاتبُ الحديث بعدَه إلى
الحديث الذي قبله وحَذَفَ البياض.
١٠ - باب کیف صلاة الليل، و کم کان النبيُّ ◌َێ یصلِّي بالليل؟
١١٣٧ - حدّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ
عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عُمر رضي الله عنهما قال: إنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، كيفَ صلاةٌ
الليلِ؟ قال: ((مَثْنى مَثْنى، فإذا خِفْتَ الصُّبحَ فَأَوِرْ بواحدٍ».
١١٣٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني أبو جَمْرةَ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانت صلاةُ النبيِّ ◌َّ ثلاثَ عشرةَ رَكْعةً؛ يعني: بالليلِ.
١١٣٩ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثْنَا عُبِيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي
حَصِينٍ، عن يحيى بنٍ وَثَّابٍ، عن مسروقٍ قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها عن صلاةٍ
رسولِ الله وَّ بِالليلِ؟ فقالت: سَبعٌ وتِسعٌ وإحدى عشرةَ، سوى رَكْعتَي الفجرِ.
١١٤٠ - حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا حَنْظَلَةُ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةً
رضي الله عنها قالت: كانَ النبيُّ ◌َّه يُصلِّ مِن الليلِ ثلاثَ عشرةَ رَكْعَةٌ، منها الوِتْرُ ورَكْعتا
الفجر.
قوله: ((باب كيف صلاة الليل، وكم كان النبي ◌َلّر يصلي بالليل؟)) أورد فيه أربعة
أحادیث:
أولها: حديث ابن عمر: ((صلاة الليل مَثْنِى مَثْنى)) الحديث، وقد تقدَّم الكلام عليه في
أول أبواب الوتر (٩٩٠)، وأنَّه الأفضل في حَقّ الأُمّة، لكَونِه أجاب به السائل، وأنَّه وَهـ
صَحَّ عنه فعلُ الفصل والوصل.
ثانيها: حديث أبي جَمْرة عن ابن عبّاس: كانت صلاة النبيّ وَّ ثلاث عشرة؛ يعني:
بالليل. وأخرجه مسلم (٧٦٤)، والتِّرمِذيّ (٤٤٢) بلفظ: كان رسول الله ◌َلا يُصلِّي من

٣٣٤
باب ١٠ / ح ١١٣٧ - ١١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
الليل ثلاث عشرة ركعة. وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في أول أبواب الوتر أيضاً (١)،
وتقدَّم أيضاً بيان الجَمْع بين مُتلَف الروايات في ذلك.
ثالثها: حديث عائشة من رواية مسروق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله وَله
فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر.
رابعها: حديثها من طريق القاسم عنها: ((كان يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة منها الوتر
وركعتا الفجر. وفي رواية مسلم (١٢٨/٧٣٨) من هذا الوجه: كانت صلاته عشر رَكَعات
ويُوتِر بسجدةٍ، ويركع ركعتَي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. فأمَّا ما أجابت به مسروقاً،
فمُرادُها أنَّ ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارةً كان يُصلِّ سبعاً، وتارةً تسعاً، وتارةً
إحدى عشرة.
٢١/٣
وأمَّا حديث القاسم عنها، فمحمول على أنَّ ذلك كان غالبَ حاله وَّةٍ، وسيأتي/ بعد
خمسة أبواب من رواية أبي سَلَمَةَ عنها (١١٤٧): أنَّ ذلك كان أكثر ما يُصلِيه في الليل،
ولفظه: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ... الحديث، وفيه ما يدلُّ
على أنَّ ركعتي الفجر من غيرها، فهو مطابق لرواية القاسم.
وأمَّا ما رواه الزُّهْريُّ عن عُرْوة عنها (٢) كما سيأتي في ((باب ما يقرأ في ركعتَي الفجر))
(١١٧٠) بلفظ: كان يُصلِّ بالليلِ ثلاث عشرة ركعة، ثمَّ يُصلِّ إذا سمع النِّداء بالصبحِ ركعتين
خفيفتين؛ فظاهره يخالف ما تقدَّم، فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سُنّة العِشاء
لكَونِه كان يُصلِّيها في بيته، أو ما كان يَفتَتِح به صلاة الليل، فقد ثَبَتَ عند مسلم (٧٦٧) من
طريق سعد بن هشام عنها: أنَّه كان يَفَتِحها بركعتين خفيفتين، وهذا أرجحُ في نظري، لأنَّ
رواية أبي سَلَمَةَ التي دَلَّت على الحَصْر في إحدى عشرة جاء في صِفَتها عند المصنّف(٣) وغيره:
(١) تحت شرح حديث رقم (٩٩٢).
(٢) بل هو من رواية هشام بن عروة عن أبيه، عنها.
(٣) برقم (١١٤٧)، وأخرجها مسلم (٧٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (١٣٤١)، والترمذي (٤٣٩)، =

٣٣٥
باب ١٠ / ح ١١٣٧ - ١١٤٠
أبواب التهجد
((يُصلِّي أربعاً ثمَّ أربعاً ثمَّ ثلاثاً))، فدَلَّ على أنَّها لم تَتَعرَّض للرَّكعتين الخفيفتين، وتَعرَّضَت لهما
في رواية الزُّهْريّ، والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يُجمَع بين الروايات.
وينبغي أن يُستَحضرَ هنا ما تقدَّم في أبواب الوتر من ذِكْر الركعتين بعد الوتر والاختلاف:
هل هما الركعتان بعد الفجر، أو صلاة مُفرَدة بعد الوتر، ويؤيِّده ما وقع عند أحمد (٢٥١٥٩)
وأبي داود (١٣٦٢) من رواية عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ: كان يُوتِر بأربع وثلاث،
وستّ وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يُوتِر بأكثر من ثلاث عشرة ولا
أنقَصَ من سبع. وهذا أصحّ ما وقفتُ عليه من ذلك، وبه يُجمَع بين ما اختُلِفَ عن عائشة
من ذلك، والله أعلم.
قال القُرطبيّ: أشكَلَت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتَّى نَسَبَ بعضهم
حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنَّما يَتِمّ لو كان الرّاوي عنها واحداً، أو أخبرَت عن وقت
واحد، والصواب أنَّ كلَّ شيء ذَكَرتْه من ذلك محمول على أوقات مُتعدِّدة وأحوال مختلفة
بِحَسَب النَّشاط، وبيانِ الجواز، والله أعلم.
وظَهَرَ لي أنَّ الحكمة في عَدَم الزيادة على إحدى عشرة أنَّ التهجُّد والوتر مُخْتَصّ بصلاة
الليل، وفرائض النهار: الظّهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث وِتْرُ
النهار، فناسَبَ أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملةً وتفصيلاً. وأمَّا مُناسَبة
ثلاث عشرة فبضمٌّ صلاة الصبح لكونها نهاريّةً إلى ما بعدها.
تنبيه: إسحاق المذكور في أول حديثَي عائشة: هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في
(المستخرج))، وعبيد الله المذکور في ثاني حدیثیها: هو ابن موسى، وقد روى البخاري عنه
في هذين الحديثين المتواليَينِ بواسطةٍ وبغير واسطة، وهو من كِبار شيوخه، وكأنَّ أولهما لم
يقع له سماعه منه، والله أعلم.
= والنسائي (١٦٩٧).

٣٣٦
باب ١١ / ح ١١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
١١ - باب قيام النبيِّ وَّ من الليل ونومه، وما نُسِخَ من قيام الليل
وقولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ قُرِ الَّلَ إِلَّا قَلِيلًا ) نَصِفَهُ: أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا آ أَوْ زِدْ
عَلَيْهِ وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِلًا: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُ وِطَاءً(١)
وَأَقْوَّمُ قِيلًا ) إِنَّ لَكَ فِ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾ [المزمل: ١ -٧].
وقولُه: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنْكُرُ
فَرَْىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقْرَءُوا
مَا تَسَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّاً وَمَا نُقَدِمُواْ لِأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ
تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرً﴾ [المزمل: ٢٠].
قال أبو عبد الله: قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: نَشَأ: قامَ بالحبشيَّةِ.
وِطاءً: قال: مُواطَاةً للقرآنِ، أشدُّ مُوافَقَةً لسَمْعِه وبَصَرِه وقَلْبِهِ.
﴿لَيُوَاِئُواْ﴾ [التوبة: ٣٧]: لِيُوافقُوا.
٢٢/٣
١١٤١ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفٍ، عن مُميدٍ، أنَّه سَمِعَ
أنساً ﴾ يقول: كانَ رسول الله وَّ يُفْطِرُ مِن الشهرِ حتَّى نَظُنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتَّى
نَظُنَّ أن لا يُفطِرَ منه شيئاً، وكانَ لا تشاءُ أن تراهُ مِن الليلِ مُصلِّياً إلا رأيتَه، ولا نائماً إلا رأيتَه.
تابَعَه سليمانُ وأبو خالدِ الأحمرُ عن مُمیدٍ.
[أطرافه في: ١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١]
قوله: ((باب قيام النبيِّ وَّ من الليل ونومه، وما نُسِخَ من قيام الليل، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
اَلْمُزَِّّلُ قُّ الَّيْلَ﴾)) كأنَّه يشير إلى ما أخرجه مسلم (١٣٩/٧٤٦) من طريق سعد بن هشام عن
عائشة قالت: إنَّ الله افتَرَضَ قيام الليل في أول هذه السورة - يعني ﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّيِلُ﴾ - فقام
نبيّ الله وَله وأصحابه حولاً، حتَّى أنزلَ الله في آخر هذه السورة التخفيفَ فصار قيام الليل
(١) بكسر الواو وألف ممدودة، وهي قراءة أبي عمرو البصري وابن عامر الدمشقي، وقرأ الباقون: ((وَطْئًا))
بفتح الواو وسكون الطاء. انظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص٦٥٨. وسيأتي قريباً شرح القراءتين.

٣٣٧
باب ١١ / ح ١١٤١
أبواب التهجد
تطوُّعاً بعد فرضيَّته. واستغنى البخاري عن إیراد هذا الحديث، لگونه على غير شرطه بما
أخرجه عن أنس، فإنَّ فيه: ((ولا تشاء أن تراه من الليل نائماً إلَّا رأيتَه)) فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان
ربَّما نام كلَّ الليل وهذا سبيل التطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب لمَا أخلَّ بالقيام، وبهذا تظهر
مطابقةُ الحديث للترجمة.
وقد روى محمد بن نَصْر في ((قيام الليل)) من طريق سِماك الحنفيّ عن ابن عبّاس شاهداً
لحديث عائشة في أنَّ بين الإيجاب والنَّسْخ سنة، وكذا أخرجه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمَيّ
والحسن وعِكْرمة وقَتَادة بأسانيد صحيحة عنهم، ومُقتَضى ذلك أنَّ النَّسخ وقع بمگَّة،
لأنَّ الإيجاب مُتقدِّم على فرض الخَمْس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة على
الصحیح.
وحكى الشافعيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ آخر السورة نَسَخَ افتراض قيام الليل إلَّا ما
تَيسَّرَ منه، لقوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثمَّ نُسِخَ فرض ذلك بالصلوات الخمس.
واستَشكَلَ محمد بن نصر ذلك كما تقدَّم ذِكْره والتعقّب عليه في أول كتاب الصلاة(١)،
وتَضمَّنَ كلامه أنَّ الآية التي نَسَخَت الوجوب مدنيّة، وهو مخالف لما عليه الأكثر من أنَّ
السورة كلَّها مكيَّة. نعم ذكر أبو جعفر النَّحّاس أنَّها مكيَّة إلَّا الآية الأخيرة، وقَوَّى محمد
ابن نَصْر هذا القول بما أخرجه من حديث جابر: أنَّ نسخ قيام الليل وقع لمَّا تَوجَّهوا مع
أبي عُبيدة في جيش الخَبَط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده عليّ بن زيد بن جُدْعان
وهو ضعيف.
وأمَّا ما رواه الطبريُّ (٢٩/ ١٢٥) من طريق محمد بن طَحْلاء عن أبي سَلَمةَ عن عائشة
قالت: احتَجَرَ رسول الله وَ له حصيراً ... فذكر الحديث الذي تقدَّمت الإشارة إليه قبل
خمسة أبواب(٢) وفيه: ((اكلَفُوا من العمل ما تُطِيقون، فإنَّ خير العمل أدوَمُه وإن قَلَّ)) ونزلت
(١) في آخر شرح الحديث رقم (٣٥٠).
(٢) تحت حديث رقم (١١٢٩).

٣٣٨
باب ١١ / ح ١١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
عليه: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾، فَكُتِبَ عليهم قيام الليل وأُنزِلَت منزلةَ الفريضة، حتَّى إِنْ كان
بعضهم لَيَرِبِط الحبل فيَتَعلَّق به، فلمَّا رأى الله تَكُّفُهم ابتغاءَ رِضاه، وَضَعَ ذلك عنهم
فَرَدَّهم إلى الفريضة، ووَضَعَ عنهم قيام الليل إلَّا ما تَطَوَّعوا به. فإنَّه يقتضي أنَّ السورة كلَّها
مدنيّة، لكن فيه موسى بن عُبيدة، وهو شديد الضَّعف فلا حُجّة فيما تَفَرَّدَ به، ولو صَحَّ ما
رواه لاقتَضَى ذلك وقوعَ ما خَشِيَ منه بَّهِ حيثُ تَرَك قيامَ الليل بهم خَشْية أن يُفْرَض
عليهم، والأحاديث الصحيحة دالّةٌ على أنَّ ذلك لم يقع، والله أعلم.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ أي: المتلفِّف في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم عن عِكْرمة عن ابن
عبَّاس قال: ﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾، أي: يا محمد قد زُمّلتَ القرآن. فكأنَّ الأصل: يا أيُّها المتزمِّل.
٢٣/٣
قوله: ﴿قُرِ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: منه. وروى ابن أبي حاتم من طريق وهب بن مُنبِّه قال:
القليل: ما دون المِعشار والسُّدُس. وفيه نظر لما سيأتي.
قوله: ﴿نِّصْفَهُ﴾ يحتمل أن يكون بَدَلاً من ﴿قَلِيلًا﴾، فكأنَّ في الآية تخييراً بين قيام
النِّصف بتمامه أو قيام أنقَص منه أو أزيَد، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿نَصْفَهُ﴾ بَدَلاً من
﴿الَّلَ﴾ و﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾ استثناء من النِّصف، حكاه الَّتَشَرِيّ، وبالأول جَزَمَ الطبريُّ، وأسنَدَ
ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخُّراسانيّ.
قوله: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه مُترسِّلاً بتبيين الحروف وإشباع الحركات، وروى
مسلم (٧٣٣) من حديث حفصة: أنَّ النبيّ وَِّ كان يُرتِّل السورة حتَّى تكون أطولَ من
أطولَ منها.
قوله: ﴿قَوْلًا فَقِيلًا﴾ أي: القرآن، وعن الحسن: العمل به. أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج
أيضاً من طريق أُخرى عنه قال: ثقيلاً في الميزان يوم القيامة. وتأوَّله غيره على ثِقَل الوحي
حين يَنْزِل كما تقدَّم في بَدْء الوحي.
قوله: (﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ﴾، قال ابن عبّاس: نَشَأَ: قامَ بالحبشيَّة)) يعني فيكون معنى قوله
تعالى: ﴿نَاشِئَةَ الََّلِ﴾ أي: قيام الليل، وهذا التعليق وَصَله عبد بن حُميدٍ بإسناد صحيح عن

٣٣٩
باب ١١ / ح ١١٤١
أبواب التهجد
سعيد بن جُبَير عنه قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ آلََّلِ﴾ هو كلام الحَبَشة، نَشَأ: قام. وأخرج عن أبي
مَيسَرة وأبي مالك نحوه، ووَصَله ابن أبي حاتم من طريق أبي مَيسَرة عن ابن مسعود أيضاً.
وذهب الجمهور إلى أنَّه ليس في القرآن شيء بغير العربيَّة وقالوا: ما وَرَدَ من ذلك فهو
من تَوافُق اللُّغْتَين، وعلى هذا فناشئة الليل مصدر بوزنٍ فاعلة، مِن نَشَأ: إذا قام، أو اسم
فاعل، أي: النَّفس الناشئة بالليل، أي: التي تَنشَأ من مَضجَعها إلى العبادة، أي: تَنْهَض،
وحكى أبو عُبيد في ((الغريبين)): أنَّ كلَّ ما حَدَثَ بالليلِ وبَدَأ فهو ناشىٌّ وقد نَشَأ. وفي
(المجاز)) لأبي عُبيدة: ﴿نَاشِئَةَ الَّلِ﴾ آناء الليل، ناشئة بعد ناشئة، قال ابن التِّين: والمعنى: أنَّ
الساعات الناشئة من الليل - أي: المقبلة بعضها في أثر بعض - هي أشدُّ.
قوله: ((وِطاءً قال: مُواطَاةً للقرآنِ، أشدُّ مُوافَقة لسَمْعِه وبَصَره وقَلْبه)) وهذا وَصَله عبد
ابن محُميدٍ من طريق مجاهد قال: ((أشدُّ وِطاءً)) أي: يوافق سمعَك وبصرَك وقلبك بعضه
بعضاً. قال الطبريُّ: هذه القراءة على أنَّه مصدر من قولك: واطَأً الِّسانُ القلبَ مواطَأَةً
ووِطاءً، قال: وقرأ الأكثر ﴿وَطْنَا﴾ بفتح الواو وسكون الطاء، ثمَّ حكى عن العرب: وَطِئِنا
الليلَ وَطْأَ، أي: سِرْنا فيه، وروى من طريق قَتَادة: ﴿ أَشَدُّ وَطًا﴾: أثبَتُ في الخير ﴿وَأَقْوَمُ
قِيلًا﴾ أبلَغُ في الحفظ. وقال الأخفَش: ﴿ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: قياماً، وأصل الوَطْء في اللُّغة:
الثّقَل، كما في الحديث: ((اشدُد وَطْأَتَك على مُضَرَ))(١).
قوله: ((﴿لِيُّوَاطِئُواْ﴾: ليُوافِقُوا)) هذه الكلمة من تفسير (براءة)) وإنَّما أورَدَها هنا تأييداً
للتفسير الأول، وقد وَصَلَه الطبريُّ (١٣٢/١٠) عن ابن عبّاس لكن بلفظ: ((ليُشاِهِوا)).
قوله: ﴿سَبْحَا طَوِيلًا﴾ أي: فراغاً، وَصَلَه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس وأبي العالية ومجاهد
وغيرهم، وعن السُّدِّيّ: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي: تطوُّعاً كثيراً، كأنَّه جعله من السُّبْحة: وهي النافلة.
قوله: ((حدَّثني محمّد بن جعفر)) أي: ابن أبي كثير المدنيّ، وحُميدٌ: هو الطّويل.
قوله: ((أن لا يصومَ منه)) زاد أبو ذرٍّ والأَصِيليّ: شيئاً.
(١) سلف برقم (١٠٠٦).

٣٤٠
باب ١٢ / ح ١١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكانَ لا تشاء أن تراه من الليل مُصلّياً ... )) إلى آخره، أي: إنَّ صلاته ونومه كان
يختلف بالليل ولا يُرتِّب وقتاً مُعيَّناً، بل بحَسَبِ ما تَيسَّرَ له القيام. ولا يعارضه قول
عائشة(١): ((كان إذا سمع الصارخَ قام)) فإنَّ عائشة تُخبِرِ عمَّ لها عليه الطِّلاع، وذلك أنَّ صلاة
الليل كانت تقع منه غالباً في البيت، فخبر أنس محمولٌ على ما وراء ذلك. وقد مضى في
حديثها في أبواب الوتر (٩٩٦): ((من كلّ الليل قد أوتَرَ))، فدَلَّ على أنَّه لم يكن يَخُصّ الوتر
بوقتٍ بعينه.
قوله: «تابَعَه سلیمان وأبو خالد الأحمر عن مُميدٍ» كذا ثبتت الواو في جميع الروايات التي
أَتَّصَلَت لنا، فعلى هذا يحتمل أن يكون سليمان هو ابنَ بلال كما جَزَمَ به خَلَف، ويحتمل أن
تکون الواو زائدة من الناسخ، فإنَّ أبا خالد الأحمر اسمه سليمان، وحديثه في هذا سيأتي
موصولاً في كتاب الصيام (١٩٧٣) إن شاء الله تعالى.
٢٤/٣
١٢ - باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلِّ بالليل
١١٤٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن
أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ
ثلاثَ عُقَدٍ، يَضِرِبُ على مكانٍ كلِّ عُقْدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإنِ استَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ
انحَلَّت عُقْدةٌ، فإن تَوضَّأ انحَلَّت عُقْدةٌ، فإن صلَّى انحَلَّت عُقْدةٌ، فأصبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ،
وإلا أصبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ)».
[طرفه في: ٣٢٦٩]
قوله: ((باب عَقْد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يُصلِّ بالليل)) قال ابن التِّين وغيره:
قوله: ((إذا لم يُصلِّ)) مخالف لظاهرٍ حديث الباب، لأنَّه دالٌّ على أنَّه يَعقِد على رأس مَن صلَّى
ومَن لم يُصلِّ، لكن مَن صلَّى بعد ذلك تَنحَلّ عُقَده بخلاف مَن لم يُصلِّ.
وأجاب ابن رُشَيد بأنَّ مُرادَ البخاري: باب بقاء عُقَد الشيطان ... إلخ، وعلى هذا
(١) سلف برقم (١١٣٢).