النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ١ / ح ١١٢٠ أبواب التهجد الدَّعَوات (٦٣١٦) من طريق کُریب عن ابن عبّاس في حديث مَبِيته عند النبيِّ ◌ُێ في بيت ميمونة وفي آخره: ((وكان في دعائه: اللهمَّ اجعَلْ في قلبي نوراً)) الحديث، وهذا قاله لمَّا أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح كما بيَّنْه مسلم (٧٦٣/ ١٩١) من رواية عليّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه. قوله: ((قَيِّم السَّماوات)) في رواية أبي الزُّبَير المذكورة(١): ((قَيّام السماوات))، وسيأتي الكلام عليه في التوحيد (٧٤٤٢)، قال قَتَادة: القَيّام: القائم بنفسه بتدبير خلقه، المُقِيم لغيره. قوله: ((أنتَ نورُ السَّماوات والأرض)) أي: مُنوِّرهما وبك يهتدي مَن فيهما، وقيل: المعنى: أنت المنَّه عن كلّ عَيبٍ، يقال: فلان مُنوَّر، أي: مُبرَّأ من كلّ عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نور البلد، أي: مُزيِّنه. قوله: ((أنتَ مَلِك السَّماوات)) كذا للأكثر، وللكُشمِيهَنيّ: ((لك مُلْك السماوات)»، والأول أشبه بالسياق. قوله: ((أنتَ الحقُّ)) أي: المتحقّقُ الوجودِ الثابتِ بلا شكِّ فيه، قال القُرطبيّ: هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاصٌّ به لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه فلم يَسبِقه عَدَمٌ ولا يَلحَقه عَدَم بخلاف غيره. وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحقُّ بالنّسبة إلى مَن يُدَّعَی فیه أنَّه إله، أو بمعنى: أنَّ مَن سّاك إلهاً فقد قال الحقَّ. قوله: ((ووَعْدُكُ الحقّ)) أي: الثابت، وعَرَّفَه ونَكَّرَ ما بعده، لأنَّ وعدَه مُخْتَصّ بالإنجاز دون وعدٍ غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم، قاله الطِّيبيّ. واللِّقاء وما ذُكِرَ بعده داخلٌ تحت الوَعْد، لكن الوَعْد مصدر وما ذُكِرَ بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاصِّ بعد العام كما أنَّ ذِكْر القول بعد الوعد من العامِّ بعد اخاصّ، قاله الکِرْمانيّ. (١) يعني رواية مالك في ((موطئه)) التي ذكرت قبل قليل. ٣٠٢ باب ١ / ح ١١٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولِقاؤُك حَقٌّ)) فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة عن مَآل الخلق في الدار الآخرة بالنّسبة إلى الجزاء على الأعمال. وقيل: معنى ((لِقاؤُك حَقّ)) أي: الموت، وأبطَلَه النَّوَويّ. قوله: «وقولك حَقٌّ)) تقدَّم ما فيه. قوله: ((والجنَّة حقٌّ، والنار حقٌ)) فیه إشارة إلى أنَّهما موجودتان، وسيأتي البحث فيه في بَدْء الخلق(١). قوله: ((ومحمَّد حَقٌّ)) خَصَّه بالذِّكر تعظيماً له، وعَطَفَه على النبيّينَ إيذاناً بالتَّغايُر بأنَّه فائقٌ عليهم بأوصافٍ مُتَصَّة وجَرَّدَه عن ذاته كأنَّه غيره، ووَجَبَ عليه الإيمانُ به وتصديقه مُبالَغة في إثبات نُبَوَّته كما في التشهُّد. قوله: ((والسَّاعَةُ حَقّ)) أي: يومُ القيامة، وأصل الساعة: القِطْعة من الزمان. وإطلاق اسم الحقّ على ما ذُكِرَ من الأُمور معناه أنَّه لا بدَّ من كَوْنها، وأنَّها ممّا يجب أن يُصدَّق بها، وتكرار لفظ ((حَقّ)) للمُبالَغة في التأكید. قوله: ((اللهمَّ لك أسلمتُ)) أي: انقَدتُ وخضعتُ ((وبكَ آمَنْت)) أي: صَدَّقت ((وعليكَ تَوَكَّلْت)) أي: فَوَّضتُ الأمر إليك تاركاً للنَّظَر في الأسباب العاديّةِ(٢) ((وإليكَ أنَبْتُ)) أي: رجعتُ إليك في تدبير أمري. قوله: ((وبكَ خاصَمْت)) أي: بما أعطيتني من البرهان، وبما لَقَّنتني من الحُجّة. قوله: ((وإليك حاكَمْت)) أي: كلُّ مَن جَحَدَ الحقَّ حاكمتُه إليك وجعلتُك الحَكَم بيننا، (١) تحت باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، بإثر الحديث (٣٢٣٩). (٢) ليس هذا التفسير بجيِّد، والصواب في تفسير التوكل عند أهل التحقيق أنه الاعتماد على الله والثقة به، والإيمان بأنه مقدِّر الأشياء ومدبِّر الأمور كلها، مع النظر في الأسباب العاديّة من العبد وقيامه بها، فالتوكل مركَّب من شيئين: أحدهما: الاعتماد على الله، والثقة به، والتفويض إليه لكونه قد علم الأشياء وقدَّرها، وله القدرة الشاملة والمشيئة النافذة، والثاني: النظر من العبد في الأسباب الدينية والدنيوية وقيامه بها، والله أعلم. (س). ٣٠٣ باب ١ / ح ١١٢٠ أبواب التهجد لا مَن كانت الجاهليَّة تتحاكم إليه من كاهن ونحوه. وقَدَّمَ مجموع صِلَات/ هذه الأفعال ٥/٣ عليها إشعاراً بالتخصيص وإفادةً للحصر، وكذا قوله: ((ولك الحمد)). وقوله: ((فاغفِرْ لي)) قال ذلك مع كَوْنه مغفوراً له، إمَّا على سبيل التواضُع والهَضْم لنفسه، وإجلالاً وتعظيماً لربِّه، أو على سبيل التعليم لأُمَّتِه لتَقْتَديَ به، كذا قيل، والأَولى أنَّه المجموع ذلك، وإلّا لو كان للتعليمِ فقط لكَفَى فيه أمرُهم بأن يقولوا. قوله: ((وما قَدَّمتُ)) أي: قبلَ هذا الوقت ((وما أخَّرتُ)) عنه. قوله: ((وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ)) أي: أخفيتُ وأظهرتُ، أو ما حَدَّثت به نفسي وما تَحَرَّك به لساني. زاد في التوحيد (٧٤٤٢) من طريق ابن جُرَيج عن سليمان: ((وما أنتَ أعلمُ به منِّي)» وهو من العامّ بعد الخاصّ أيضاً. قوله: ((أنتَ المقدِّم وأنتَ المؤخِّر)) قال المهلَّب: أشار بذلك إلى نفسه لأنَّه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخّر في البعث في الدنيا. زاد في رواية ابن جُرَيج أيضاً في الدَّعَوات(١). ((أنت إلهي لا إله لي غيرُك)). قال الكِرْمانيُّ: هذا الحديث من جوامع الكَلِم، لأنَّ لفظ القَيِّم إشارة إلى أنَّ وجود الجواهر وقِوامَها منه، والنُّور إلى أنَّ الأعراض أيضاً منه، والمُلْك إلى أنَّه حاكم عليها إيجاداً وإعداماً يفعل ما يشاء، وكلُّ ذلك من نِعَم الله على عباده، فلهذا قَرَنَ كلَّ منها بالحمد وخَصَّصَ الحمدَ به. ثمَّ قوله: ((أنت الحقُّ)) إشارة إلى المبدأ، والقولُ ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النُّبّة وإلى الجزاء ثواباً وعقاباً، ووجوبِ الإيمان والإسلام والتوگُّل والإنابة والتضُّع إلى الله والخضوع له. انتهى. وفيه زيادة معرفة النبيِّ وَّهِ بعَظَمة ربِّه وعظيم قُدْرته، ومُواظَبته على الذِّكر والدُّعاء والثَّناء على ربِّه والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصِدق وَعْده ووَعِيده، وفيه استحباب تقديم الثَّناء على المسألة عند كلِّ مطلوب اقتداءً به ◌َّهِ. (١) بل في التوحيد برقم (٧٣٨٥). ٣٠٤ باب ١ / ح ١١٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال سفيان: وزادَ عبد الكريم أبو أَميَّة)» هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق، وقد بيَّن ذلك الحميدي في «مسنده)) (٤٩٥) عن سفيان قال: حدَّثنا سليمان الأحوَل خالُ ابن أبي نَجِيح، سمعت طاووساً ... فذكر الحديث وقال في آخره: قال سفيان: وزاد فيه عبد الكريم: ((ولا حولَ ولا قوَّة إلَّا بك)) ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق إسماعيل القاضي عن عليّ بن عبد الله بن المَدِينيّ شيخ البخاريِّ فيه فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم آخر حدیث سلیمان: ((ولا إله غيرك)) قال: (ولا حول ولا قوّة إلّا بالله))، قال سفيان: وليس هو في حديث سليمان. انتهى، ومُقتَضى ذلك أنَّ عبد الكريم لم يَذكُر إسناده في هذه الزيادة، لكنّه على الاحتمال. ولا يلزمُ من عدم سماع سفیان لها من سلیمان أن لا یکون سلیمان حدَّث بها. وقد وَهِمَ بعضُ أصحاب سفيان فأدرَجَها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمد بن عبد الله بن نُمَير عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل، وليس لعبد الكريم أبي أُميَّة - وهو ابن أبي المُخارِق - في ((صحيح البخاري)) إلَّا هذا الموضع، ولم يَقصِد البخاريُّ التخريج له، فلأجلِ ذلك لا يَعُدّونَه في رجاله، وإنَّما وقعت عنه زيادة في الخبر غير مقصودة لذاتها، كما تقدَّم مثله للمسعوديِّ في الاستسقاء (١٠٢٧)، وسيأتي نحوه للحسنِ بن عُمارة في البيوع (٣٦٤٢)، وعَلَّمَ المِزِّيُّ على هؤلاء علامة التعليق، وليس بجيِّد، لأنَّ الرواية عنهم موصولة، إلَّا أنَّ البخاري لم يَقصِد التخريج عنهم، ومن هنا يُعلَم أنَّ قول المنذريّ: قد استشهد البخاريُّ بعبد الكريم أبي أُميَّ في كتاب التهجُّد، ليس بجيِّد، لأنّه لم يستشهد به إلَّا إن أراد بالاستشهاد مُقابلَ الاحتجاج، فله وجه. وأمَّا قول ابن طاهر: إنَّ البخاريَّ ومسلماً أخرجا لعبد الكريم هذا في الحج حديثاً واحداً عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن عليّ في القيام على البُدْن من رواية ابن عُيَينةَ عن عبد الكريم، فهو غلط منه، فإنَّ عبد الكريم المذكور هو الجَزَريُّ(١)، والله المستعان. (١) وروايته عند البخاري برقم (١٧١٦ م)، وعند مسلم برقم (١٣١٧) (٣٤٨). ٣٠٥ باب ٢ / ح ١١٢١ - ١١٢٢ أبواب التهجد قوله: ((قال سفيان)) هو موصول أيضاً، وإنَّما أراد سفيان بذلك بیانَ سماع سليمان له من طاووس لإيراده له أولاً بالعنعنة./ ووقع في رواية الحميدي (٤٩٥) التصريح بالسماع كما ٦/٣ تقدَّم. ولأبي ذرٍّ وحدَه هنا: ((قال عليّ بن خَشرَم: قال سفيان ... )) إلى آخره، ولعلَّ هذه الزيادة عن الفِرَبريِّ، فإنَّ عليّ بن خَشْرَم لم يذكروه في شيوخ البخاري، وأمَّا الْفِرَبريّ فقد سمع من عليّ بن خَشرَم كما سيأتي في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٢) في قصَّة موسى والخَضِر، فكأنَّ هذا الحديث أيضاً كان عنده عالياً عن عليّ بن خَشْرم عن سفيان، فذكره لأجل العُلوّ، والله أعلم. ٢- باب فضل قيام الليل ١١٢١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرنا مَعمَرٌ (ح) وحدَّثني محمودٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه ﴾ قال: كانَ الرجلُ في حياةِ النبيِّ وََّ إذا رأى رُؤْيا قَصَّها على رسول الله وَّةِ، فَتَمنَّيتُ أن أَرَى رُؤْيا فَأَقُصَّها على رسول الله ◌َّهِ، وكنتُ غُلاماً شابّاً، وكنتُ أنامُ في المسجدِ على عَهْدِ رسول الله وَّ﴾، فرأيتُ في النومِ كأنَّ مَلَكَينِ أخذاني فَذَهَبا بي إلى النارِ، فإذا هي مَطْوِيّةٌ كطَيِّ الِثْر، وإذا لها قَرْناٍ، وإذا فيها أُناسٌ قد عَرَفْتُهم، فجعلتُ أقولُ: أعوذُ بالله مِن النارِ، قال: فَلَفِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فقال لي: لم تُرَغْ. ١١٢٢ - فقَصَصتُها على حَفْصةَ، فقَصَّتْها حَفْصةُ على رسول الله وَّةِ، فقال: ((نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كانَ يُصلِّ مِن الليلِ)). فكانَ بعدُ لا ينامُ مِن الليلِ إلا قليلاً. [أطرافه في: ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١] قوله: ((باب فضل قيام الليل)) أورَدَ فيه حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في رُؤياه، وفيه: ((فقال: نِعمَ الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّ من الليل، فكان بعدُ لا ينام من الليل إِلَّا قليلاً))، وظاهره أنَّ قوله: ((فكان بعدُ لا ينام ... )) إلى آخره، من كلام سالم، لكن وقع في التعبير (٧٠٣٠ -٧٠٣١) من رواية البخاري عن عبد الله بن محمد شيخه هنا ٣٠٦ باب ٢ / ح ١١٢١ - ١١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري بإسناده هذا: قال الزُّهْريُّ: فكان عبد الله بعد ذلك يُكثِرِ الصلاة من الليل، ومُقتَضاه أنَّ في السياق الأول إدراجاً، لكن أورَدَه في المناقب (٣٧٣٨ -٣٧٣٩) من رواية عبد الرزاق وفي آخره: «قال سالم: وكان عبد الله لا ينام من الليل إلَّا قليلاً))، فظَهَرَ أن لا إدراجَ فيه، وأيضاً فكلام سالم في ذلك مُغايِرٌ لكلام الزُّهْريِّ، فانتفى الإدراجُ عنه أصلاً ورأساً. وشاهد الترجمة قوله: ((نِعمَ الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّ من الليل)) فمُقتَضاه: أنَّ مَن كان يُصلِّي من الليل يُوصَف بكَونِهِ نِعمَ الرجل، وفي رواية نافع عن ابن عمر في التعبير: ((إنَّ عبد الله رجل صالح لو كان يُصلِّ من الليل))(١)، وهو أبيَنُ في المقصود، وكأنَّ المصنّف لم یصِحّ عنده حديث صريح في هذا الباب فاکتفی بحديث ابن عمر، وقد أخرج فیه مسلم (١١٦٣) حديث أبي هريرة: ((أفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل))، وكأنَّ البخاري توقّف فیه للاختلاف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ، وهشام: هو ابن يوسف الصنعانيُّ، ومحمود: هو ابن غَيْلان. قوله: ((كانَ الرجل)) اللَّام للجنسِ ولا مفهوم له، وإنَّما ذُكِرَ للغالب. قوله: ((فَتَمنَّيت أن أرَى)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((أنّي أرى))، وزاد في التعبير (٧٠٢٨ - ٧٠٢٩) من وجه آخر: فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيتَ مثل ما يرى هؤلاء؛ ويُؤخَذ منه أنَّ الرُّؤيا الصالحة تَدُلّ على خير رائيها. قوله: ((كأنَّ مَلَكَين)) لم أقف على تسميتهما. قوله: «فذَهَبا بي إلى النار فإذا هي مَطْويَّة)» في رواية أيوب عن نافع الآتية قريباً (١١٥٦ - ١١٥٧): ((كأنَّ اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتَلَقّاهما مَلَك فقال: لن تُراعَ، خَلِّيًا عنه)) وظاهر هذا أنَّها لم يذهبا به، ويُجمَع بينهما بحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير: أن ٧/٣ (١) اللفظ الذي ذكره الحافظ هو بنحوه في رواية سالم عن ابن عمر، وهي الآتية برقم (٧٠٣١)، وأما رواية نافع عن ابن عمر وهي الآتية برقم (٧٠٢٩) فلفظها: ((إن عبد الله رجل صالح)) فقط. ٣٠٧ باب ٢ / ح ١١٢١ - ١١٢٢ أبواب التهجد يذهبا بي إلى النار فيُدخِلاني فيها، فلمَّا نَظَرتُها فإذا هي مَطْويّة، ورأيت مَن فيها واستَعَذْتُ، فلَقِیَنا مَلَكٌ آخر. قوله: ((فإذا هي مَطْويَّة)) أي: مبنيَّة، والبئر قبل أن تُبنَى تُسمَّى قَلِيباً. قوله: ((وإذا لها قَرْنان)» هكذا للجمهور، وحكى الكِرْ مانيُّ أنَّ في نسخة «قرنين»، فأعرَبها بالجرِّ أو بالنصب على أنَّ فيه شيئاً مضافاً حُذِفَ وتُرِك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره: فإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة مَن قرأ: ((تُريدون عَرَضَ الدُّنيا والله يريد الآخرةِ) بالجرِّ(١) أي: يريد عَرَضَ الآخرةِ، أو ضَمَّنَ ((إذا)) المفاجأة معنى الوِجْدان، أي: فإذا بي وَجَدتُ لها قَرِنَین. انتهى. والمراد بالقَرنَينِ هنا: خَشَبَتَان أو بناءان تُمَدّ عليهما الخشبة العارضة التي تُعلَّق فيها الحديدة التي فيها البَكْرة، فإن كانا من بناء فهما القَرْنان، وإن كانا من خَشَب فهما الَّرُنُوقان بزايٍ مفتوحة(٢) قبل المهمَلة ثمَّ نون ثمَّ قاف، وقد يُطلَق على الخشبة أيضاً القَرْنان. وسيأتي مزيد لذلك في شرح حديث أبي أيوب في غُسل المحرِم في ((باب الاغتسال للمُحرِم)) من كتاب الحج (١٨٤٠). قوله: ((وإذا فيها أُناس قد عَرَفْتُهم)) لم أقف على تسمية أحد منهم. قوله: (لم تُرَعْ)) بضم أوله وفتح الراء بعدها مُهمَلة ساكنة، أي: لم تَخَف، والمعنى: لا خوفَ عليك بعد هذا، وفي رواية الكُشمِيهَنيِّ في التعبير: ((لن تُراعَ)) وهي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابِسيّ: ((لن تُرَعْ)) بحذف الألف، قال ابن التِّين: وهي لغة قليلة - أي: الجزم بلَنْ - حتَّى قال القَزّاز: لا أعلم له شاهداً. وتُعُقِّبَ بقول الشاعر: لَن يَخِبِ الآنَ مِن رجائكَ مَن حَرَّك مِن دون بابِكَ الْحَلَقَةْ (١) وهي قراءة شاذَّة قرأ بها سليمان بن جمَّاز، انظر: ((المحتسب)) لابن جنّي ١/ ٢٨١، و((البحر المحيط)) لأبي حيان ٤/ ٥١٨. وسليمان بن جماز ممن قرأ على أبي جعفر المدني يزيد بن القعقاع أحد القراء العشرة، انظر ترجمته في «غاية النهاية)) لابن الجزري ١/ ٣١٥. (٢) في (س): منقوطة. ٣٠٨ باب ٣ / ح ١١٢٣ فتح الباري بشرح البخاري ويقول الآخر: ولن يَحْلَ للعَينَينِ بعدَكِ مَنْظَرُ(١) وزاد فيه: ((إنَّك رجل صالح)) وسيأتي بعد بضعة عشر باباً (١١٥٦- ١١٥٧) بزيادةٍ فيه ونقصان. قال القُرطبيّ: إِنَّمَا فَسَّرَ الشارع من رُؤيا عبد الله ما هو ممدوح، لأَنَّه عُرِضَ على النار ثمَّ عُوفي منها، وقيل له: لا رَوْعَ عليك، وذلك لصلاحه، غير أنَّه لم يكن يقوم من الليل، فحَصَلَ لعبد الله من ذلك تنبيه على أنَّ قيام الليل ممّا يَتَّقَي به النار والدُّنوّ منها، فلذلك لم يَتْرُك قيام الليل بعد ذلك. وأشار المهلَّب إلى أنَّ السّرّ في ذلك كونُ عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حَقّ المسجد أن يُتعَبَّد فيه، فنُبِّه على ذلك بالتخويف بالنار. قوله: (لو كانَ)) (لو)) للتمنِّي لا للشَّرطِ، ولذلك لم يَذكُر الجواب. وفي هذا الحديث: أنَّ قيام الليل يَدفَع العذاب، وفيه تَنِّي الخير والعلم، وسيأتي باقي الكلام عليه مُستوفَى في كتاب التعبير (٧٠١٥-٧٠١٦ و ٧٠٢٨ -٧٠٢٩) إن شاء الله تعالی. تنبيه: سياق هذا المتن على لفظ محمود، وأمَّا سياق عبد الله بن محمد فسيأتي في التعبير (٧٠٣٠ و٧٠٣١)، وأغفلَ المِزِّيّ في ((الأطراف)» طريق محمود هذه، وهي واردة عليه. ٣- باب طول السجود في قيام الليل ١١٢٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّ رسول الله وَِّ كانَ يُصلِّ إحدى عشرةَ رَكْعةً، كانت تلكَ صلاتَه، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ من ذلكَ قَدْرَ ما يَقْرَأُ أحدُكم خمسينَ آيَةً قبلَ أن يَرفَعَ رأسَه، ویرکمُ رَكْعتَينِ قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثمَّ يَضطَجِعُ على شِقُّه الأيمَنِ حَتَّى يأتيَه المنادي للصلاةِ. قوله: ((باب طُول السُّجود في قيام الليل)) أورَدَ فيه حديث عائشة وفيه: ((كان يَسجُد السجدة من ذلك قَدْر ما يقرأُ أحدُكم خمسينَ آية)» وهو دالٌّ على ما ترجم له، وقد تقدَّم من ٨/٣ (١) هذا الشعر لكثيِرِ عزّة، واستشهد به وبما قبله ابن هشام في ((مغني اللبيب)) ١ /٢٨٥. ٣٠٩ باب ٤ / ح ١١٢٤-١١٢٥ أبواب التهجد حديثها في أبواب صفة الصلاة (٧٩٤): أنَّه وَ لِّ كان يُكثِرِ أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهمَّ رَبَّنَا وبحَمِدِك، اللهمَّ اغفِرْ لي))، وفي ((مسند أحمد)) من طريق محمد بن عبَّاد عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل و يقول في صلاة الليل في سجوده: ((سبحانك لا إله إلَّا أنت))(١)، رجاله ثقات. قوله: ((ويركعُ ركعتين قبلَ صلاة الفجر ثمَّ يَضطَجِع)) سيأتي الكلام عليه في آخر أبواب التهجُّد إن شاء الله تعالى. ٤ - باب ترك القيام للمريض ١١٢٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأسوَدِ، قال: سمعتُ جُنْدُباً يقول: اشتكى النبيُّ وَّ فلم يَقُمْ ليلةً أو لَيلتَينِ. [أطرافه في: ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣] ١١٢٥ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن الأسوَدِ بنِ قیسٍ، عن ◌ُنْلُبِ بنِ عبدِ الله قال: احتَبَسَ جِبْرِيلُ نَّه على النبيِّ وَّه فقالت امرأةٌ من قُرَيشِ: أبطاً عليه شيطانُه، فنزلَتْ: ﴿وَالضُّحَىِ ) وَالَتْلِ إِذَا سَجَى ٥ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قوله: ((باب تَرْك القيام)) أي: قيام المريض. قوله: ((عن الأسوَد)) هو ابن قيس، وجُندُب: هو ابن عبد الله البَجَليُّ كما في الإسناد الذي بعده، وسفيان: هو الثَّوريّ فيهما، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه ابن عُيَينة. ووقع التصريح بسماع الأسود له من جُندُب في طريق زهير عنه في التفسير (٤٩٥٠). قوله: ((اشتكى النبيُّ ◌َِّ)) أي: مَرِض، ووقع في رواية قيس بن الربيع التي سيأتي التنبيه عليها بلفظ: ((مَرِضَ))، ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشِّكاية، لكن وقع في التِّرمِذيّ (٣٣٤٥) من طريق ابن عُيَينةَ عن الأسود في أول هذا الحديث عن (١) هو في ((مسند أحمد)) برقم (٢٤٩٩٦)، لكن ذكر فيه الركوع بدل السجود، أما بلفظ السجود فهو عند إسحاق بن راهويه في «مسنده)) (١٣٧٣). ٣١٠ باب ٤ / ح ١١٢٤ - ١١٢٥ فتح الباري بشرح البخاري جُندُب قال: كنت مع النبيّ ◌َّ في غار، فلَمِيَت إصبعه فقال: ((هل أنتِ إلَّ إصبعٌ دَمِيتِ وفي سبيلِ الله ما لَقيتٍ)) قال: وأبطَأ عليه جبريلُ فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمدٌ، فأنزلَ الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. انتهى، فظَنَّ بعض الشُّرّاح أنَّ هذا بيان للشِّكاية المجمَلة في ((الصحيح))، وليس كما ظَنَّ، فإنَّ في طريق عبد الله بن شَدَّاد التي يأتي التنبيه عليها أنَّ نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة، وجُندُب لم يَصحَب النبيَّ ◌َّةٍ إلَّا متأخّراً، كما حكاه البَغَويُّ في ((معجم الصحابة)) عن الإمام أحمد، فعلى هذا هما قضيَّتَان حكاهما جُندُب، إحداهما مُرسَلة والأُخرى موصولة، لأنَّ الأولى لم يَحَضُرها، فروايته لها مُرسَلة من مراسيل الصحابة، والثانية شَهِدَها كما ذكر أنَّه كان مع النبيّ وَّه، ولا يَلزَم من عطفٍ إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتّحادُهما، والله أعلم. قوله: ((فلم يَقُم ليلةً أو ليلتَينِ)» هكذا اختصره المصنِّف، وقد ساقه في فضائل القرآن تامّاً (٤٩٨٣)، أخرجه عن أبي نُعَيم شيخه فيه هنا بإسناده المذكور فزاد: فأتَتْه امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلَّا قد تَرَكَك، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾، ثمَّ أخرجه المصنِّف هنا عن محمد بن كثير عن سفيان بلفظٍ آخر وهو: احتَبَسَ جبريلُ عن ٩/٣ النبيِّ وَّة فقالت امرأة من قريش ... الحديث، وقد وافق / أبا نُعَيم أبو أسامة عند أبي عَوَانة (٦٩٠٥)، ووافق محمد بن كثير وكيعٌ عند الإسماعيليّ، ورواية زهير التي أشرنا إليها في التفسير (٤٩٥٠) كرواية أبي نُعَيم، لكن قال فيها: «فلم يَقُم ليلة أو ليلتين أو ثلاثاً»، ورواية ابن عُيَينةَ عن الأسود عند مسلم (١٧٩٧) كرواية محمد بن كثير، فالظاهر أنَّ الأسود حدَّث به على كلا الوجهين، فحَمَلَ عنه كلَّ واحد ما لم يَحمِله الآخر، وحمل عنه سفيان الثَّوريّ كلا الأمرينِ فحدَّث به مرَّةً هكذا ومرَّةً هكذا. وقد رواه شُعْبة عن الأسود على لفظ آخر أخرجه المصنّف في التفسير (٤٩٥١) قال: قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلَّا أبطأ عنك، وزاد النَّسائيُّ (ك١١٦١٧) في ٣١١ باب ٤ / ح ١١٢٤-١١٢٥ أبواب التهجد أوله: أبطأْ جبريل على النبيِّ وَّه فقالت امرأة ... الحديث، وهذه المرأة فيما يظهرُ لي غيرُ المرأة المذكورة في حديث سفيان، لأنَّ هذه المرأة عَبَّرَت بقولها: ((صاحبك))، وتلك عَبَّرت بقولها: ((شيطانك))، وهذه عَبَّرت بقولها: ((يا رسول الله))، وتلك عَبَّرَت بقولها: ((یا محمد))، وسياق الأُولى يُشعِر بأنَّها قالته تأسُّفاً وتَوجُّعاً، وسياق الثانية يُشعِر بأنّها قالته تَهكُّماً وشَماتَةً. وقد حكى ابن بَطَّل عن تفسير بَقيِّ بن مَخَلَد قال: قالت خديجة للنبيِّ نَّه حين أبطأ عنه الوحي: إنَّ رَبّك قد قَلَاكَ، فنزلت ﴿وَالضُّحَى﴾. وقد تعقّبه ابن المنيِّرِ ومَن تَبِعَه بالإنكار، لأنَّ خديجة رضي الله عنها قويّة الإیمان لا يليق نسبةُ هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ، أخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكامه)) والطبريّ في («تفسيره)) (٢٣١/٣٠) وأبو داود في ((أعلام النَّبَّة)) له، كلَّهم من طريق عبد الله بن شَدَّاد بن الهاد وهو من صغار الصحابة، والإسناد إليه صحيح، وأخرجه أبو داود أيضاً من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنَّها عَبَّرَت بقولها: ((شيطانك))، وهذه هي اللفظة المستنكرة في الخبر، وفي رواية إسماعيل وغيره: ((ما أرى صاحبك)) بَدَل: ((رَبّك))، والظاهر أنَّهَا عَنَت بذلك جبريلَ. وأغرَبَ سُنَيد بن داود فيما حكاه ابن بَشكُوال، فروى في ((تفسيره)) عن وكيع عن هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ عائشة قالت للنبيِّ وَِّ ذلك، وغَلِطَ سُنَيد في ذلك، فقد رواه الطبريُّ (٢٣٢/٣٠) عن أبي كُرَيب عن وكيع فقال فيه: ((قالت خديجة))، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية عن هشام. وأمَّا المرأة المذكورة في حديث سفيان التي عَبَّرَت بقولها: ((شيطانك)) فهي أُمّ جميل العوراء بنت حرب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، وهي أُخت أبي سفيان بن حَرْب وامرأة أبي لهب كما روى الحاكم (٥٢٦/٢-٥٢٧) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقَم قال: قالت امرأة أبي لهب لمَّ مَكَثَ النبيّ ◌َلآل أياماً لم يَنزِل عليه الوحي: یا محمد، ما أرى شيطانك إلَّ قد قَلَاك، فنزلت ﴿وَالضُّحَى﴾، رجاله ثقات. ٣١٢ باب ٥ / ح ١١٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وفي ((تفسير الطبريّ)) (٢٣١/٣٠) من طريق المفضَّل بن صالح عن الأسود في حديث الباب: ((فقالت امرأةٌ من أهلِه ومن قومِه)) ولا شكَّ أنَّ أُمّ جميل من قومه، لأنَّها من بني عبد منافٍ. وعند ابن عساكر أنَّها إحدى عمَّته، وقد وقفتُ على مُستنَده في ذلك، وهو ما أخرجه قيس بن الربيع في ((مسنده)) عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الفِریابيُّ شیخ البخاري في ((تفسيره)) عنه ولفظه: فأتته إحدى عمَّته أو بنات عمِّه فقالت: إنِّي لَأرجو أن يكون شيطانُك قد وَدَّعَك. تنبيه: استَشكَلَ أبو القاسم بن الوَرْد مطابقة حديث جُندُب للترجمة، وتَبِعَه ابن التِّين فقال: احتباس جبريل ليس ذِكْره في هذا الباب في موضعه. انتهى، وقد ظَهَرَ بسياق تكمِلة المتن وجه المطابقة، وذلك أنَّه أراد أن يُنبِّه على أنَّ الحديث واحد لاتِّحاد مَخَرَجه وإن كان السبب مُخْتلِفاً لكنَّه في قصّة واحدة كما أوضَحْناه. وسيأتي بقيَّة الكلام على حديث جُندُب في التفسير (٤٩٥٠) إن شاء الله تعالى. وقد وقع في رواية قيس بن الربيع التي ذكرتها: فلم يُطِقِ القيامَ وكان يُحِبُّ التهُّد. ٥- باب تحريض النبيِّ وَّة على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب وطَرَقَ النبيُّ وَّ فاطمةَ وعليّاً عليهما السَّلام ليلةً للصلاةِ. ١٠/٣ ١١٢٦ - حدَّثنا ابنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن هِنْدٍ بنتِ الحارثِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ استَيقَظَ ليلةً فقال: ((سبحانَ الله، ماذا أُنزِلَ الليلةَ مِن الفِتْنِةِ؟! ماذا أُنزِلَ مِن الخزائنِ؟! مَن يُوقِظُ صَواحِبَ الحُجُراتِ؟ يا رُبَّ كاسِيةٍ في الدُّنْيا عاريةٍ في الآخرةِ». قوله: ((باب تحريض النبيِّ وَّ) يعني: أُمَّتَه والمؤمنين ((على قيام الليل)) في رواية الأَصِيليِّ وكَرِيمة: صلاة الليل والنَّوافل من غير إيجاب. قال ابن المنيِّر: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض، ونفي الإيجاب، فحديث أُمّ ٣١٣ باب ٥ / ح ١١٢٦ أبواب التهجد سَلَمَةَ وعليٍّ للأول، وحديثا(١) عائشةَ للثاني. قلت: بل يُؤْخَذ من الأحاديث الأربعة نفيُ الإيجاب، ويُؤْخَذ التحريض من حديثَي عائشة من قولها: ((كان يَدَع العمل وهو يُحِبّه)) لأنَّ كلّ شيء أحبَّه استَلزَمَ التحريض عليه، لولا ما عارَضَه من خَشْية الافتراض كما سيأتي تقريره، وقد تقدَّم حديث أُمّ سلمةَ والكلام علیه في كتاب العلم (١١٥). قال ابن رُشَيد: كأنَّ البخاري فَهِمَ أنَّ المراد بالإيقاظُ الإيقاظ للصلاة لا لمجرَّد الإخبار بما أُنزِل، لأَنَّه لو كان لمجرَّد الإخبار لكان يُمكِن تأخيره إلى النهار لأنَّه لا يَفُوت. قال: ويحتمل أن يقال: إنَّ لمشاهَدَة حال المخبِرِ حينئذٍ أثراً لا يكون عند التأخير، فيكون الإيقاظ في الحال أبلغَ لوَعيِهِنَّ ما يُخْبِرُهنَّ به وليُسمِعْهُنَّ (٢) ما يَعِظُهُنَّ به. ويحتمل أن يكون مرادُ البخاري بقوله: ((قيام الليل)» ما هو أعمُّ من الصلاة والقراءة والذِّكر وسماع الموعظة والتفكّر في الملكوت وغير ذلك، ويكون قوله: ((والنَّوافل)) من عَطْف الخاصِّ على العامّ. قلت: وهذا على رواية الأكثر كما بَيَّنْتُه، لا على رواية الأَصِيلِيِّ وكَرِيمة، وما نَسَبه إلى ١١/٣ فَهْم البخاري أولاً هو المعتمَد، فإِنَّه وقع في رواية شعيب عن الزُّهْريِّ عند المصنّف في الأدب (٦٢١٨) وغيره في هذا الحديث: ((مَن يُوقِظُ صواحبَ الحُجَر - يريد أزواجه- حتَّى يُصلِّين))، فظَهَرَت مطابقة الحديث للترجمة، وأنَّ فيه التحريض على صلاة الليل، وعَدَم الإيجاب يُؤخَذ من ترك إلزامهنَّ بذلك. وجَرَى البخاري على عادته في الحَوَالة على ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي يُورِده. وستأتي بقيَّ فوائد حديث أُمّ سَلَمةَ في الفتن (٧٠٦٩). وعبدُ الله المذكور في إسناده: هو ابن المبارك. (١) في (أ) و(س): وحديث، وما أثبتناه من (ع) وهو الذي يقتضيه السياق. (٢) في (س): ولسمعهن، وهو خطأ. ٣١٤ باب ٥ / ح ١١٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ١١٢٧ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عليٌّ بنُ حسينٍ، أنَّ حسينَ بنَ عليٍّ أخبَرَه، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أخبره: أنَّ رسول الله وَلّ طَرَقَه وفاطمةَ بنتَ النبيِّ عليه السلام ليلةً فقال: ((أَلَا تُصلِّيان)) فقلتُ: يا رسولَ الله، أنفُسُنا بيدِ الله، فإذا شاءَ أن يَبْعَثَنَا بَعَثَنا، فانصَرَفَ حينَ قلنا ذلكَ ولم يَرجِعْ إليَّ شيئاً، ثمَّ سمعتُه وهو مُوَلَّ يَضرِبُ فَخِذَه وهو يقول: ﴿ وَكَانَ آلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. [أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥] وأمَّا حديث عليٍّ، فعليُّ بن الحسين المذكور في إسناده: هو زينُ العابدين، وهذا من أصحّ الأسانيد ومن أشرف التراجم الواردة فيمَن روى عن أبيه عن جَدّه. وحكى الدارَ قُطنيُّ أنَّ كاتب الليث رواه عن الليث عن عُقَيل عن الزُّهْريِّ فقال: ((عن عليّ بن الحسين عن الحَسَن بن عليّ)، وكذا وقع في رواية حَجّاج بن أبي مَنِيع عن جَدّه عن الزُّهْريِّ في ((تفسير ابن مردويه))، وهو وهمٌّ والصواب: ((عن الحسين))، ويؤيِّده رواية حَكِيم بن حكيم عن الزُّهْريِّ عن عليّ بن الحسين عن أبيه، أخرجها النَّسائيُّ (١٦١٢) والطبريّ(١). قوله: ((طَرَقَه وفاطمةَ)) بالنصب عَطفاً على الضَّمير، والطُّروق: الإتيان بالليل، وعلى هذا فقوله: ((ليلةً)) للتأكيد، وحكى ابن فارس أنَّ معنى ((طَرَقَ)): أتَى، فعلى هذا يكون قوله: ((ليلةً)) لبيان وقت المجيء. ويحتمل أن يكون المراد بقوله ((ليلة)) أي: مرَّةً واحدةً. قوله: ((ألا تُصلِّيان)) قال ابن بَطَّال: فيه فضيلة صلاة الليل وإيقاظ النائمينَ من الأهل والقرابة لذلك. ووقع في رواية حكيم بن حكيم المذكورة: ودَخَلَ النبيّ ◌ٍَّ على عليٍّ وفاطمة من الليل فأيقَظَنا للصلاة، ثمَّ رَجَعَ إلى بيته فصَلَّى هَوِيّاً من الليل فلم يسمع لنا حِسّاً، فَرَجَعَ إلينا فأيقَظَنا ... الحديث. قال الطبريُّ: لولا ما عَلِمَ النبيُّ ◌َّهِ مِن عِظَم فضل الصلاة في الليل، ما كان يُزعِج ابنته وابن عمِّه في وقت جعله الله لخلقِه سَكَناً، لكنَّه وَهُ اختار لهما إحرازَ تلك الفضيلة على الدَّعَة والسُّكون امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]. (١) وهو من هذا الطريق في ((مسند أحمد)) أيضاً برقم (٧٠٥). ٣١٥ باب ٥ / ح ١١٢٧ أبواب التهجد قوله: ((أنفسنا بيدِ الله)) اقتَبَسَ عليٌّ ذلك من قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. ووقع في رواية حكيم المذكورة: ((قال عليّ: فجلست وأنا أعرُك عيني وأنا أقول: والله ما نُصلّي إلَّا ما كَتَبَ الله لنا، إنَّما أنفسنا بيد الله))، وفيه إثبات المشيئة لله، وأنَّ العبد لا يفعل شيئاً إِلَّا بإرادة الله. قوله: ((بَعَثَنا)) بالمثلَّثة، أي: أيقَظَنا، وأصله: إثارة الشيء من موضعه. قوله: ((حين قلتُ)) في رواية كَرِيمة: حين قلنا. قوله: ((ولم يَرجِعْ)) بفتح أوله، أي: لم يُحِني، وفيه أنَّ السُّكوت يكون جواباً، والإعراضُ عن القول الذي لا يطابق المراد وإن كان حَقّاً في نفسه. قوله: ((يضرب فَخِذَه)) فيه جواز ضَرْب الفَخِذ عند التأسُّف، وقال ابن التِّين: گَرِهَ احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن يَنسُب التقصير إلى نفسه. وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول مَن قال: إنَّ اللَّام في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾ للعُموم لا لخصوص الكفّار. وفيه مَنِقِبة لعليٍّ حيثُ لم يَكتُم ما فيه (١) عليه أدنى غَضَاضة، فقَدَّمَ مصلحة نَشْر العلم وتبليغه على کَثْمه. ونقل ابن بَطَّل عن المهلَّب قال: فيه أنَّه ليس للإمام أن يُشدِّد في النَّوافل حيثُ قَنَعَ النبيُّ ◌َّه بقول عليّ ﴾: ((أنفسنا بيد الله)) لأنَّه كلام صحيح في العُذر عن التنفُّل، ولو كان فرضاً ما عَذَرَه. قال: وأمَّا ضربُه فخذَه وقراءته الآية فدالٌّ على أنَّه ظَنَّ أنَّه أحرَجَهم فنَدِمَ على إنباههم. كذا قال، وأقرَّه ابن بَطَّال، وليس بواضح، وما تقدَّم أَولى. وقال النَّوَويّ: المختار أنَّ ضَرَبَ فَخِذَه تعجّباً من سُرعة جوابه وعَدَم موافقته له على الاعتذار بما اعتَذَرَ به، والله أعلم. ١١٢٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: إن كانَ رسولُ الله ◌ََّ لَيَدَعُ العملَ وهو يُحِبُّ أن يَعمَلَ به خَشْيَةَ (١) في (أ) و(ع): ((حيث نقل ما فيه))، والمثبت من (س)، وكلاهما بمعنَى. ٣١٦ باب ٥ / ح ١١٢٨ -١١٢٩ فتح الباري بشرح البخاري أن يَعمَلَ به الناسُ، فيُفرَضَ عليهم، وما سَبَّحَ رسولُ اللهِ وَّرَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وإِنِّي لأسبِّحُها. [طرفه في: ١١٧٧] ١١٢٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ أُمّ المؤمنين رضي الله عنها: أنَّ رسول الله وَلَه صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجدِ فصَلَّى بصلاتِهِ ناسٌّ، ثمَّ صَلَى مِن القابلةِ فكَثُرَ الناسُ، ثمَّ اجتَمَعُوا مِن الليلةِ الثّالثةِ أو الرابعةِ، فلم يَخْرُجْ إليهم رسول الله بَّةِ، فلمَّا أصبَحَ قال: ((قد رأيتُ الَّذي صَنَعتُم، ولم يَمنَعْني مِن الخروجِ إليكُم إلا أنّ خَشِيتُ أن تُفرَضَ عليكم)) وذلك في رمضانَ. وأمَّا حديث عائشة الأول فيَشتَمِل على حديثين: أحدهما: ترك العمل خَشْية افتراضه. ثانيهما: ذِكْر صلاة الضُّحَى. وهذا الثاني سيأتي الكلام عليه في ((باب مَن لم يُصلّ الضُّحَى)) (١١٧٧). وقوله في الأول: ((إنْ)) بكسر الهمزة وهي المخفَّفة من الثَّقيلة، وفيها ضمير الشَّأن. قوله: (لَيَدَعُ» بفتح اللَّام، أي: يَترُك. ١٢/٣ وقوله: ((خَشْبةَ)) النصب مُتعلِّق بقوله: لَيَدَع. وقوله: ((فِيُفْرَضَ)) بالنصب عَطفاً على ((يعمل))، وسيأتي الكلام على فوائده في الحديث الذي بعده. وزاد فيه مالك في ((الموطَّأ)): قالت: وكان يُحِبُّ ما خَفَّ على الناس(١). وأمَّا حديث عائشة الثاني فهو بإسناد الذي قبله. وقوله: ((صَلَّى ذات ليلة في المسجد)) تقدَّم قُبيلَ صفة الصلاة من رواية عَمْرة عن عائشة (٧٢٩): ((أنَّه ◌ِوَّهِ صلَّى في حُجْرته)) وليس المراد بها بيته، وإنَّما المراد الحصير التي كان (١) هذه الزيادة لم تقع لنا في روايات ((الموطأ)) التي بين أيدينا كرواية يحيى الليثي ١/ ١٥٢، ورواية أبي مصعب الزهري (٤٠٤)، كما لم يذكرها الحافظ ابن عبد البر في ((تمهيده))، والله تعالى أعلم. وقد وقعت هذه الزيادة في حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عند أحمد (٢٤٥٥٩)، وحديث معمر عن الزهري عنده أيضاً (٢٥٣٥٠)، وفي حديث يونس الأيلي عن الزهري عند ابن خزيمة (٢١٠٤). ٣١٧ باب ٥ / ح ١١٢٨ -١١٢٩ أبواب التهجد يَحِتَجِرها بالليل في المسجد فيجعلها على باب بيت عائشة فيُصلِّ فيه ويجلس عليها بالنهار، وقد وَرَدَ ذلك مُبَيَّنَاً من طريق سعيد المقبريِّ عن أبي سَلَمةَ عن عائشة، وهو عند المصنّف في كتاب اللباس (٥٨٦١) ولفظه: کان تحتچِر حصیراً بالليل فيُصلِّی علیه ويَسُطه بالنهار فيجلس عليه، ولأحمد (٢٦٣٠٧) من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمةَ عن عائشة: فأمَرَني أن أنصِبَ له حصيراً على باب حُجرتي، ففعلت، فخَرَجَ ... فذكر الحديث. قال النَّوَويّ: معنى ((يَحَتَجِر)): يُحوِّط موضعاً من المسجد بحصیرٍ يَستُره ليُصلَِّ فيه ولا يَمُرّ بين يديه مارٍّ، لِيَتَوفَّر خشوعه ويتفرَّغ قلبه. وتعقَّبه الكِرْمانيُّ بأنَّ لفظ الحديث لا يدلّ على أنَّ احتجاره كان في المسجد، قال: ولو كان كذلك لَلَزِمَ منه أن يكون تاركاً للأفضل الذي أُمِرَ الناس به حيثُ قال: «فصَلُّوا في بيوتكم، فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلَّ المكتوبة))(١)، ثمَّ أجاب بأنَّه إن صَحَّ أنَّه كان في المسجد فهو إذا احتُجرَ صار كأنَّه بيت بخصوصيَّتِه، أو أنَّ السبب في كون صلاة التطوُّع في البيت أفضل عَدَم شَوْبه بالرّياء غالباً، والنبيّ وَّلِ مُنَزَّه عن الرِّياء في بيته وفي غير بيته. قوله: ((ثمَّ صلَّى من القابلة)) أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ مَعمَر عن ابنِ شهاب عند أحمد(٢)، وفي رواية المُستَمْلي: ((ثمَّ صلَّى من القابل)) أي: الوقت. قوله: ((ثُمَّ اجتَمَعُوا من الليلة الثالثة أو الرابعة)) كذا رواه مالك (١١٣/١) بالشَّكّ، وفي رواية عُقَيل عن ابنِ شِهاب كما تقدَّم في الجمعة (٩٢٤): فصَلَّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتَحَدَّثوا، ولمسلم (١٧٨/٧٦١) من رواية يونس عن ابن شهاب: يَتَحَدَّثونَ بذلكَ، ونحوه في رواية عَمْرة عن عائشة الماضية قبل صفة الصلاة (٧٢٩)، ولأحمد (٢٥٣٦٢) من رواية ابن جُرَيج عن ابن شِهاب: فلمَّا أصبح تَحَدَّثوا أنَّ النبيَّ وَّ صلَّى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم، زاد يونس: فخَرَجَ النبيُّ ◌َلقه في الليلة الثانية فصَلَّوا معه، (١) وهو عند المصنف ضمن حديث برقم (٧٣١) و(٦١١٣) و(٧٢٩٠)، وعند مسلم برقم (٧٨١). (٢) هو عنده في («مسنده)) (٢٥٣٦٢) لكن من رواية ابن جريج عن ابن شهاب، وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٤٧٢٣) بهذا اللفظ وقرن بابن جُريج معمراً. ٣١٨ باب ٥ / ح ١١٢٨ -١١٢٩ فتح الباري بشرح البخاري فأصبح الناس يذكرونَ ذلك، فكَثُرَ أهل المسجد من الليلة الثالثة فخَرَجَ فصَلَّوا بصلاته، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عَجَزَ المسجد عن أهله، ولابن جُرَيج: حتَّى كان المسجد يَعجِز عن أهله، ولأحمد (٢٥٩٥٤) من رواية مَعمَر عن ابن شِهاب: امتلأ المسجد حتَّى اغتَصَّ بأهلِه، وله (٢٥٣٩٦) من رواية سفيان بن حسين عنه: فلمَّا كانت الليلة الرابعة غَصَّ المسجد بأهلِه. قوله: ((فلم يَخْرُج)) زاد أحمد (٢٥٣٦٢) في رواية ابن جُرَيج: ((حتَّى سمعت ناساً منهم يقولون: الصلاةَ))، وفي رواية سفيان بن حسين: ((فقالوا: ما شأنُه))، وفي حديث زيد بن ثابت كما سيأتي في الاعتصام (٧٢٩٠): «ففَقَدوا صوته وظَنُّوا أنَّه قد نام، فجعل بعضُهم يتنحنحُ ليخرج إليهم))، وفي حديثه في الأدب (٦١١٣): ((فَرَفَعوا أصواتهم وحَصَبُوا الباب)). قوله: ((فلمَّا أصبَحَ قال: قد رأيت الَّذِي صَنَعتُم)) في رواية عُقَيل (٩٢٤): فلمَّا قَضَى صلاة الفجر أقبلَ على الناس فتَشَهَّدَ ثمّ قال: ((أمَّا بعد، فإنّه لم يخفَ عليّ مکانُكم))، وفي رواية يونس وابن جُرَيج: (لم يَخْفَ عليَّ شأنُكم))، وزاد في رواية أبي سَلَمة(١): ((اكلَفُوا من العمل ما تُطيقونَ))، وفي رواية مَعمَر: أنَّ الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمرُ بن الخَطَّاب، ولم أرَ في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن روى ابن خُزَيمةَ (١٠٧٠) وابن حِبّان (٢٤٠٩) من حديث جابر قال: صَلَّى بنا رسول الله وَّ في رمضان ثمان رَكَعات ثمَّ أوتَر، فلمَّا كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد ورَجَونا أن يخرج إلينا حتَّى أصبَحْنا، ثمَّ دَخَلنا فقلنا: يا رسول الله ... الحديث، فإن كانت القصَّة واحدة، احتُمِلَ أن يكون جابر ممَّن جاء ١٣/٣ في/ الليلة الثالثة فلذلك اقتَصَرَ على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند مسلم (٥٩/١١٠٤) من حديث أنس: كان رسول الله ٹےُصلِّي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل فقام حتَّى كنَّا رَهْطاً، فلمَّا أحَسَّ بنا تجوَّزَ ثمَّ دَخَلَ رَحْله ... الحديث، والظاهر أنَّ هذا كان في قصّة أُخرى. (١) عند البخاري (٦٤٦٥)، وعند أحمد (٢٥٤٣١). ٣١٩ باب ٥ / ح ١١٢٨ -١١٢٩ أبواب التهجد قوله: ((إلَّا أنّ خَشِيتُ أن تُفرَض عليكم)) ظاهر في أنَّ عَدَم خروجه إليهم كان لهذه الخَشْية، لا لكَوْن المسجد امتلأ وضاق عن المصلِّين. قوله: ((أن تُفرَض عليكم)) في رواية عُقَيل وابن جُرَيج (١): ((فَتَعجِزوا عنها))، وفي رواية يونس(٢): ((ولكنِّي خشيتُ أن تُفرَض عليكم صلاة الليل فتَعجِزوا عنها)»، وكذا في رواية أبي سَلَمةَ المذكورة قُبَيل صفة الصلاة(٣): ((خَشِيت أن تُكتَب عليكم صلاة الليل)). وقوله: ((فتَعجِزوا عنها)) أي: تَشُقّ عليكم فتتركوها مع القُدْرة عليها، وليس المراد العجز الكلِيّ، لأنَّه يُسقِط التكليفَ من أصله. ثمَّ إنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّه وَّهِ تَوقَّعَ تَرتُّبَ افتراض الصلاة بالليل جماعةً على وجود المواظَبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بَنَاه بعض المالكيَّة على قاعدتهم في أنَّ الشُّروع مُلزِم، وفيه نظر. وأجاب المحِبّ الطبريُّ بأنَّه يحتمل أن يكون الله عزَّ وجلَّ أوحَى إليه: أنَّك إن واظَبتَ على هذه الصلاة معهم افتَرَضتُها عليهم، فأحبَّ التخفيف عنهم فتَرَك المواظَبة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتَّفَقَ في بعض القُرَب التي داوَمَ عليها فافتُرِضَت، وقيل: خَشِيَ أن يَظُنّ أحد من الأُمّة من مُداوَمَته عليها الوجوبَ. وإلى هذا الأخير نَحَا القُرطبيّ فقال: قوله: ((فتُفرَض عليكم)) أي: تَظُنّونَه فرضاً فيجب على مَن ظَنَّ ذلك، كما إذا ظَنَّ المجتهد حِلَّ شيء أو تحريمه فإنَّه يجب عليه العمل به. قال وقيل: كان حُكم النبيّ وَّ أنَّه إذا واظَبَ على شيء من أعمال البِرّ واقتَدَى الناس به فيه أنَّه يُفرَض عليهم. انتهى، ولا يخفى بُعْد هذا الأخير، فقد واظَبَ النبيُّ وََّ على رواتب الفرائض وتابَعَه أصحابه ولم تُفرَض. وقال ابن بَطَّال: يحتمل أن يكون هذا القول صَدَرَ منه بَّهِ لمَّا كان قيام الليل فرضاً (١) رواية عقيل عند البخاري برقم (٩٢٤)، ورواية ابن جريج عند أحمد في «مسنده)) (٢٥٣٦٢). (٢) رواية يونس عند مسلم برقم (٧٦١) (١٧٨). (٣) بل من رواية عمرة عن عائشة، وقد سلفت برقم (٧٢٩). ٣٢٠ باب ٥ / ح ١١٢٨-١١٢٩ فتح الباري بشرح البخاري عليه دون أُمَّته، فخَشِيَ إِن خَرَجَ إليهم والتّزَموا معه قيام الليل أن يُسوِّيَ الله بينه وبينهم في حُكْمه، لأنَّ الأصل في الشَّرع المساواة بين النبيّ ◌َّهِ وبين أُمَّته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خَشِيَ من مواظَبَتهم عليها أن يَضعُفوا عنها فيعصي مَن تَرَكَها بترك اتِّبَاعِهِ وَه. وقد استَشكَلَ الخطَّبيُّ أصل هذه الخَشْية مع ما ثَبَتَ في حديث الإسراء من أنَّ الله تعالى قال: ((هُنَّ خمس وهُنَّ خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ))(١)، فإذا أُمِنَ التَّبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صُدور الأجوبة التي تقدَّمت. وقد أجاب عنه الخطَّبيُّ بأنَّ صلاة الليل كانت واجبةً عليه وَّةِ، وأفعاله الشَّرعيّة يجب على الأُمّة الاقتداء به فيها - يعني عند المواظَبة - فَتَرَك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يُوجِب المرءُ على نفسه صلاة نَذْر فتجب عليه، ولا يَلزَمُ من ذلك زيادة فرض في أصل الشَّرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أنَّ الله فرض الصلاة خمسين ثمَّ حَطَّ مُعظَمها بشَفاعة نبّه وَ لَّ، فإذا عادت الأُمّة فيما استُوْهِبَ لها، والتَزَمَت ما استَعفَى لهم نبيُّهم ◌َل منه، لم يُستَنكَرِ أن يَثْبُت ذلك فرضاً عليهم، كما التَزَمَ ناس الرَّهبانيَّةَ من قِبَل أنفُسهم ثمّ عابَ الله عليهم التقصير فيها فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فخَشِيَ نَّ أن يكون سبيلُهم سبيلَ أولئك، فقَطَعَ العمل شفقةً عليهم من ذلك. وقد تَلَقَّى هذين الجوابَينِ من الخطَّبي جماعة من الشُّرّاح كابن الجَوْزيّ، وهو مبنيٌّ على أنَّ قيام الليل كان واجباً على النبي ◌َّ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلٍّ من الأمرينِ نزاع. وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّ حديث الإسراء يدلّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ((لا يُبدَّل القول لديَّ)) الأمنُ من نقص شيء من الخَمس، ولم يَتَعرَّض للزيادة. انتهى، لكن في ذِكْر ١٤/٣ التَّضعيف بقوله: ((هُنَّ خمس وهُنَّ خمسون)) إشارة إلى عَدَم الزيادة أيضاً،/ لأنَّ التَّضعيف لا يَنقُص عن العشر. ودَفَعَ بعضهم في أصل السُّؤال بأنَّ الزمان کان قابلاً للنَّسخ، فلا مانع (١) سيأتي برقم (٧٢٩٠).