النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ باب ١٥ / ح ١١١١ أبواب التقصير عن نافع، ولا تَعارُضَ بينه وبين ما سَبَقَ، لأنَّه كان في واقعة أُخرى(١). قوله: ((ثُمَّ قَلَّما يَلْبَثُ حتَّى يقيم العِشاء)) فيه إثباتٌ لِلُبُثِ قليل، وذلك نحو ما وقع في الجمع بمُزدَلِفة من إناخة الرَّواحل(٢)، ويدلّ عليه ما تقدَّم من الطّرق التي فيها: جَمَع بينهما وصلَّهما جميعاً، وفيه حُجَّة على مَن ◌َلَ أحاديث الجمع على الجمع الصُّورِي، قال إمام الحرمين: ثَبَتَ / في الجمع أحاديث نصوصٌ لا يَتَطَرَّق إليها تأويل، ودليله من حيثُ المعنى الاستنباطُ من الجمع بعَرَفة(٣) ومُزْ دَلِفة، فإنَّ سببه احتياج الحاجِ إليه لاشتغالهم بمَناسكِهم، وهذا المعنى موجود في كلّ الأسفار، ولم تَتَقِيَّد الرُّخَص كالقصرِ والفِطْر بالنُّسُك، إلى أن قال: ولا يخفى على مُنصِفٍ أنَّ الجمع أرفَقُ من القَصْر، فإنَّ القائم إلى الصلاة لا يَشُقّ عليه ركعتان يَضُمّهما إلى ركعتَه، ورِفْق الجمع واضح لمشقّة النُّزول على المسافر. ٥٨٢/٢ واحتجَّ به مَن قال باختصاص الجمع لمن جَدَّبه السَّيرُ، وسيأتي ذلك في الباب الذي بعده. قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج)، ومالَ أبو عليٍّ الجَيّانيّ إلى أنَّه إسحاق بن منصور، وقد تقدَّم الكلام على حديث أنس في الباب الذي قبله. ١٥ - بابٌ يؤخّر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تَزِيغَ الشمسُ فيه ابنُ عبَّاسٍ عن النبيِّ ◌ِّ. ١١١١- حدَّثنا حسَّان الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا المفضَّلُ بنُ فَضَالةَ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: كان النبيُّ ◌ََّ إِذا ارَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشمسُ، أَخَّرَ الظُّهرَ (١) بل هي الواقعة نفسها، وهي قصة استصراخ ابن عمر على زوجه صفية بنت أبي عبيد، بيَّن ذلك النسائي في «سننه» (٥٩٥) من طريق ابن جابر عن نافع، ورواية من روى عن ابن عمر: أنه صلى المغرب في آخر الشفق ثم صلى العشاء بعد غيوبه، شاذَّة، لأنها مخالفة لرواية جمهور الحفاظ من أصحاب نافع ومن أصحاب ابن عمر: أنه جمع بينهما بعد غيوب الشفق، وانظر ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٦٢١٦ - ٦٢٢٠). (٢) انظر ما سلف برقم (١٣٩). (٣) للجمع بعرفة انظر ما سيأتي برقم (١٦٦٢). ٢٨٢ باب ١٥ / ح ١١١١ فتح الباري بشرح البخاري إلى وقتِ العصرِ، ثمَّ يجمعُ بينهما، وإذا زاغَتْ صلَّى الظُّهرَ ثمَّ رَكِبَ. [طرفه في: ١١١٢] قوله: ((باب يُؤخِّر الظَّهر إلى العصر إذا ارتَحَلَ قبل أن تَزِيغ الشمس)) في هذا إشارة إلى أنَّ جمع التأخير عند المصنِّ يَخْتَصّ بمَن ارشَحَلَ قبل أن يدخل وقت الظُّهر. قوله: ((فيه ابن عبّاس عن النبيِّ ◌َّ)) يشير إلى حديثه الماضي قبل بابٍ (١١٠٧)، فإنَّه قَيَّدَ الجمعَ فيه بما إذا كان على ظَهْر سيٍ، ولا قائلَ بأنَّه يُصلّهما وهو راكب، فتَعيَّنَ أنَّ المراد به جمعُ التأخير، ويؤيِّده رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمَّني في ((مُسنَده)) من طريق مِقسَم عن ابن عبّاس، ففيها التصريح بذلك وإن كان في إسناده مَقَال، لكنَّه يَصلُح للمُتابَعة. قوله: ((حدَّثْنا حسَّان الواسِطيّ)) هو ابن عبد الله بن سهْل الكِنْديّ المصري، كان أبوه واسطيّاً فقَدِمَ مِصرَ فُوُلِد له بها حسَّان المذكور، واستمرَّ بها إلى أن ماتَ. قوله: ((حدَّثنا المفضَّل بن فَضَالة)) بفتح الفاء بعدها مُعجَمة خفيفة، من ثقات المصريّينَ. وفي الرُّواة حسَّان الواسطيُّ آخرُ، لكنَّه حسَّان بن حسَّان يروي عن شُعْبة وغيره، ضَعَّفَه الدّارَقُطنيُّ، ووَهِمَ بعض الناس فَزَعَمَ أنَّه شيخ البخاري هنا، وليس كذلك، فإنَّه ليست له رواية عن المصريِّين. قوله: (تَزِيغ)) بزايٍ ومُعجَمة، أي: تَمِيل، وزاغَتْ: مالَتْ، وذلك إذا قامَ الفَيء. قوله: (ثمَّ يجمع بينهما)) أي: في وقت العصر، وفي رواية قُتَيبة عن المفضَّل في الباب الذي بعده: ثمَّ نزل فجمع بينهما، ولمسلم (٧٠٤/ ٤٨) من رواية جابر بن إسماعيل عن عُقَيل: يؤخّر الظُّهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخِّر المغرب حتَّى يجمع بينها وبين العِشاء حين يغيب الشَّفَق، وله (٧٠٤/ ٤٧) من رواية شَبَابة عن اللَّيثِ(١) عن عُقَيل: حتَّى يدخل أوَّلَ وقت العصر، ثمَّ يجمع بينهما. قوله: ((إذا زاغَتْ)) أي: قبل أن يَرتحِلَ كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده. (١) قوله: ((عن الليث)) سقط من (س) والأصلين، واستدركناه من ((صحيح مسلم)). ٢٨٣ باب ١٦ / ح ١١١٢ أبواب التقصير ١٦ - باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صَلَى الظُّهرَ ثمَّ رَكِبَ ١١١٢- حدَّثَنَا قُتَيبةُ، قال: حدَّثْنا المفضَّلُ بنُ فضالة، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ٥٨٣/٢ أنسِ بنِ مالكٍ قال: كان رسول الله وَّهِ إِذا ارَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشمسُ أخّرَ الظَّهرَ إلى وقتٍ العصرِ، ثُمَّ نزل فجمع بينهما، فإذا زاغَتِ الشمسُ قبلَ أن يَرْتَحِلَ صلَّى الظُّهرَ ثمَّ رَكِبَ. قوله: ((باب إذا ارتَحَلَ بعدما زاغَت الشمس صلَّى الظُّھر ثمَّ رَكِبَ)) أوردَ فیه حديث أنس المذكور قبله، وفيه: ((فإذا زاغت الشمس قبل أن يَرتِحِلَ صلَّى الظَّهر ثمَّ رَكِبَ)) كذا فيه الظُّهرُ فقط، وهو المحفوظ عن عُقَيل في الكتب المشهورة، ومُقتَضاه أنَّه كان لا يجمع بينَ الصَّلاتینِ إلَّا في وقت الثانية منهما، وبه احتجَّ مَن أَبی جمعَ التقدیم کما تقدَّم، ولکن روی إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شَبَابة، فقال: كان إذا كان في سفر فزالَتِ الشمسُ صلَّى الظُّهر والعصر جميعاً ثمَّ ارتحَلَ، أخرجه الإسماعيلي(١)، وأُعِلَّ بتفرُّدِ إسحاق بذلك عن شَبابة ثمَّ تفرُّدِ جعفر الفِرْيابيِّ به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح فإنَّهما إمامان حافظان. وقد وقع نَظِيرُه في ((الأربعين)) للحاكم قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب، هو الأصَمُّ، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، هو أحد شيوخ مسلم، قال: حدَّثنا حسَّان(٢) بن عبد الله الواسطيّ ... فذكر الحديث، وفيه: فإن زاغت الشمس قبل أن يَرتِحِلَ صلَّى الظُّهر والعصر ثمَّ رَكِبَ. قال الحافظ صلاح الدِّين العَلائيّ: هكذا وجدته بعد التَّتُّع في نُسَخ كثيرة من (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي في (سننه)) ١٦٢/٣، ورواية إسحاق بن راهويه هذه بذكر جمع التقديم شاذّة، وأنكرها عليه أبو داود فيما قاله الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) ٤٩/٢، والعيني في «عمدة القاري)) ١٥٦/٧، وقد خالفه ستة من الثقات فَرَوَوْه عن شبابة بإسناده عن أنس قال: كان النبي وَّ﴿ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما. أخرجه مسلم (٧٠٤) (٤٧)، ومحمد بن عاصم الأصبهاني في ((جزئه)) (٤٣)، وأبو يعلى (٣٦١٩)، وأبو عوانة (٢٣٩٢)، وابن حبان (١٤٥٦)، والدارقطني (١٤٥٤)، والبيهقي ١٦١/٣. ومع ذلك فقد ذهب إلى تقوية رواية إسحاق هذه النوويُّ في ((المجموع)) ٣٧٢/٤، وابن القَيِّم في «زاد المعاد)) ١ /٤٧٩. (٢) تحرف في (س) إلى: محمد. ٢٨٤ باب ١٦ / ح ١١١٢ فتح الباري بشرح البخاري ((الأربعين)) بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيّد، انتهى. قلت: وهي مُتَابَعة قويّة لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة، لكن في تُبُوتها نظرٌ، لأنَّ البيهقيَّ (١٦١/٣) أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقروناً برواية أبي داود (١٢١٨) عن قُتَيبة وقال: إنَّ لفظهما سواء، إلّا أنَّ في رواية قُتَيبة: ((كان رسول الله (وَ) وفي رواية حسَّان: ((أنَّ رسول الله وَ ﴿ِكان))(١). والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود (١٢٢٠) والتِّرمِذيّ (٥٥٣ ٥٥٤٫) وأحمد (٢٢٠٩٤) وابن حِبَّان (١٤٥٨ و١٥٩٣) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطُّفَيل عن معاذ بن جَبَل، وقد أعَلَّه جماعة من أئمّة الحديث بتفُرُّدِ قُتَيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أنَّ بعض الضُّعَفاء أدخَلَه على قُتَيبة، حَكَاه الحاكم في ((علوم الحديث))، وله طريق أُخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود (١٢٠٨) من رواية هشام بن سعد عن أبي الزُّبَير عن أبي الطُّفَيَل، وهشام مُخْتَلَف فيه وقد خالَفَه الحُفَّاظ من أصحاب أبي الزُّبَير كمالك والثَّورِيِّ وَقُرَّة بن خالد وغيرهم فلم يَذكروا في روايتهم جمعَ التقديم(٢). ووَرَدَ في جمع التقديم حديث آخر عن ابن عبّاس أخرجه أحمد (٣٤٨٠) وذكره أبو داود تعليقاً (١٢٠٨) والقِّرمِذيّ في بعض الروايات عنه(٣)، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشميّ، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حمّاد عن أيوب عن أبي قلابةً عن ابن (١) ثم إن ثبتت هذه الرواية عند الحاكم في ((الأربعين)) ففيها شذوذٌ أيضاً، فقد روى البخاري الحديث قريباً برقم (١١١١) عن حسان بن عبد الله الواسطي ولم يذكر فيه العصر مع الظهر، والبخاري أوثق وأعلى كعباً في الرواية من محمد بن إسحاق الصغاني، فرواية الثاني شاذَّة، والله تعالى أعلم. وانظر تعليقنا على ((مسند أحمد)) برقم (١٣٥٨٤). (٢) رواية مالك عنده في ((الموطأ)) ١٤٣/١-١٤٤، ومن طريقه أخرجه أحمد (٢٢٠٧٠)، ومسلم (٢٢٨١) (١٠)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي (٥٨٧)، ورواية الثوري عند أحمد (٢٢٠١٢) و(٢٢٠٦٢)، وابن ماجه (١٠٧٠)، ورواية قرة بن خالد عند أحمد (٢١٩٩٧)، ومسلم (٧٠٦) (٥٣)، وعند مسلم أيضاً (٧٠٦) (٥٢) من رواية زهير بن معاوية عن أبي الزبير. (٣) وهي رواية أبي حامد أحمد بن عبد الله التاجر المروزي عنه كما في ((تحفة الأشراف)) (٦٠٢١) للمزي. ٢٨٥ باب ١٦ / ح ١١١٢ أبواب التقصير عبَّاس لا أعلمه إلَّا مرفوعاً: أنَّه كان إذا نزل منزلاً في السَّفَر فأعجَبَه أقامَ فيه حتَّى يجمع بين الظُّهر والعصر ثمَّ يَرتِل، فإذا لم يَتهيَّا له المنزل مَدَّ في السَّير فسارَ حتَّى يَنْزِلَ فيجمع بين الظُّهر والعصر، أخرجه البيهقيُّ (١٦٤/٣) ورجاله ثقات، إلَّا أنَّه مشكوكٌ في رفعه، والمحفوظ أنَّه موقوف (١)، وقد أخرجه البيهقيُّ (١٦٤/٣) من وجه آخر مجزوماً وَقِفِه على ابن عبّاس ولفظه: إذا كنتُم سائرينَ ... فذكر نحوه. وفي حديث أنس استحباب التَّرِقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائراً أو نازلاً، وقد استُدلَّ به على اختصاص الجمع بمَن جَدَّ به السّیرُ، لکن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في ((الموطَّأ)) (١٤٣/١-١٤٤) ولفظه: أنَّ النبيّ وَِّ أَخَرَ الصلاة في غزوة تبوكَ، ثمَّ خرج فصلّى الظُّهر والعصر جميعاً، ثمَّ دَخَل، ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جمعاً. قال الشافعيُّ في ((الأُمّ)): قوله: ((دخل ثمَّ خرج)) لا يكون إلَّا وهو نازل، فللمسافرِ أن يجمع نازلاً ومسافراً. وقال ابن عبد البَرّ: في هذا أوضح دليل على الردّ على مَن قال: لا يجمعُ إِلَّ مَن جَدَّ به السَّير، وهو قاطعٌ للالتِباس. انتهى، وحكى عياض: أنَّ بعضهم أوَّلَ قوله: (ثُمَّ دَخَلَ)) أي: في الطريق مسافراً(ثمَّ خرج)) أي: عن الطريق للصلاة، ثمَّ اسْتَبَعَدَه، ولا شَكَّ في بُعْده،/ وكأنّه وَّ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دَلَّ عليه حديث ٥٨٤/٢ أنس، والله أعلم، ومن ثَمَّ قال الشافعيَّة: تَركُ الجمع أفضلُ، وعن مالك روايةٌ أنَّه مكروه. وفي هذه الأحاديث تخصيصٌ لحديث الأوقات التي بيَّنها جِبريلُ للنبيِّ وَّةِ، وبيَّنَها النبيُّ ◌َّهِ للأعرابيِّ حيثُ قال في آخرها: ((الوقتُ ما بين هذين))، وقد تقدَّمت الإشارة إليها في المواقيت(٢). تنبيه: تقدَّم الكلام على الجمع بين الصلاتَينِ بعُذْرِ المطر أو المرض أو الحاجة في الخَضَر في المواقيت في (باب وقت الظَّهر)) (٥٤٣) وفي ((باب وقت المغرب)) (٥٦٢). (١) كما أن فيه عنعنة أبي قلابة، وهو موصوف بالتدليس، وقد قيل: إنه يرسل عن ابن عباس، والله أعلم. (٢) انظر شرح الحديث السالف برقم (٥٢١). ٢٨٦ باب ١٧ / ح ١١١٣-١١١٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٧ - باب صلاة القاعد ١١١٣- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها أنَّها قالت: صلَّى رسولُ الله ◌َّهِ في بيتِه وهو شاكٍ، فصَلَّى جالساً وصَلَّى وراءَه قومٌ قياماً، فأشار إليهم: أنِ اجْلِسُوا، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رَفَعَ فارفَعُوا)). ١١١٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدّثنا ابنُ عُبَينة، عن الزُّهْريِّ، عن أنسٍ ﴾ قال: سَقَطَ رسولُ الله ◌ٍَّ من فرسٍ، فخُدِشَ - أو فجُحِشَ - شِقُهُ الأيمَنُ، فدَخَلْنا عليه نَعُودُه، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فصَلَّى قاعداً فصَلَّينا قُعُوداً، وقال: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا كَبَّرَ فَكَبِّروا، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رَفَعَ فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه، فقولوا: رَبَّنا ولكَ الحمدُ)). ١١١٥- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادة، أخبرنا حسينٌ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ ﴾، أنَّه سألَ نبيَّ الله ◌َلاَ. وأخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: سمعتُ أَبِي، قال: حدّثنا الحسينُ، عن ابنِ بُرَيدة، قال: حدَّثني عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ - وكان مَبسُوراً - قال: سألتُ رسولَ الله وَلّ عن صلاةِ الرجلِ قاعداً، فقال: ((إن صلَّى قائماً فهو أفضَلُ، ومَن صلَّى قاعداً فله نصفُ أجْرِ القائمِ، ومَن صلَّى نائماً فله نصفُ أجْرِ القاعدِ)). [طرفاه في: ١١١٧،١١١٦] قوله: ((باب صلاة القاعد)) قال ابن رُشَيْد: أطلقَ الترجمة، فيحتمل أن يريد صلاة القاعد للعُذْر إماماً كان أو مأموماً أو مُنفرِداً، ويؤيِّده أنَّ أحاديث الباب دالَّة على التقييد بالعُذْرِ، ويحتمل أن يريد مُطلَقاً لعُذرٍ ولغير عُذر، ليُبيِّ أنَّ ذلك جائز، إلَّا ما دَلَّ الإجماعُ على منعه، وهو صلاة الفريضة للصحیح قاعداً. انتهى. قوله: ((وهو شاكٍ)) بالتنوينِ مُفَّفاً من الشِّكاية، وقد تقدَّم الكلام عليه مُوضَحاً في أبواب الإمامة (٦٨٨)، وكذا على حديث أنس (٦٨٩)، وفيه بيان سبب الشِّكاية، وهما في ٢٨٧ باب ١٧ / ح ١١١٣-١١١٥ أبواب التقصير صلاة الفرض بلا خلاف، وأمَّا حدیث عمران ففيه احتمالٌ سنذكره. قوله: ((أخبرنا حسين)) هو المعلِّم كما صَرَّحَ به في الباب الذي بعده. قوله: ((عن عِمْران بن حُصَين)) في رواية عَفّانَ عن عبد الوارث: حدّثنا عمران، أخرجه الإسماعيلي، وفيه غُنْية عن تكلّف ابن حِبَّن إقامة الدليل على أنَّ ابن بُرَيدةَ عاصَرَ عِمرانَ. قوله: ((وأخبرنا إسحاق)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((وزاد إسحاق))، والمراد به على الحالين ٥٨٥/٢ إسحاق بن منصور شيخُه في الإسناد الذي قبله. قوله: ((سمعت أَبي)) هو عبد الوارث سعيد الشَّتُّوري، وهذه الطريق أنزلُ من التي قبلها، وكذا من التي بعدها بدرجة، لكن استُفيدَ منها تصريح ابن بُرَيدةَ بقوله: حدَّثني عِمران. قوله: ((وكان مَبْسُوراً)) بسكون الموحّدة بعدها مُهمَلة أي: كانت به بواسيرُ كما ضَرَّحَ به بعد بابٍ (١١١٧)، والبواسير: جمع باسُورٍ، يقال: بالموخَّدة وبالنُّون، أو الذي بالموخَّدة: وَرَمٌ في باطن المَفْعَدة، والذي بالُّون: قَرْحة فاسدة لا تَقبَل البُرْء ما دامَ فيها ذلك الفساد. قوله: ((عن صلاة الرجل قاعداً) قال الخطَّبيُّ: كنت تأوَّلتُ هذا الحديث على أنَّ المراد به صلاة التطوُّع - يعني للقادر - لكن قوله: ((مَن صلَّى نائمًا)) يُفسِده، لأنَّ المضطجِعَ لا يُصلِّي التطوُّع كما يفعل القاعد، لأنّي لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّه رَأَخَّصَ في ذلك، قال: فإن صَحَّت هذه اللَّفظة، ولم يكن بعض الزُّواة أدرَجَها قياساً منه للمُضطجع على القاعد كما يتطوَّع المسافر على راحلته، فالتطوُّع للقادر على القعود مُضطجِعاً جائزٌ بهذا الحديث. قال: وفي القياس المتقدِّم نظرٌ، لأنَّ القعود شكلٌ من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع. قال: وقد رأيتُ الآن أنَّ المراد بحديث عمران المريضُ المفتَّرِض الذي يُمكِنِه أن يَتَحامَل فيقومَ مع مَشقّة، فجعلَ أجرَ القاعد على النِّصف من أجر القائم، ترغيباً له في القیام مع جواز قعوده. انتهى. وهو حملٌ مُتَّجه، ويؤيِّده صنيع البخاري حيثُ أدخَلَ في الباب حديث عائشة وأنس وهما في صلاة المفتَرِض قطعاً، وكأنّه أراد أن تكون الترجمةُ شاملة لأحكام المصلِي قاعداً، ٢٨٨ باب ١٧ / ح ١١١٣- ١١١٥ فتح الباري بشرح البخاري ويُتلقَّى ذلك من الأحاديث التي أورَدَها في الباب، فمَن صلَّى فرضاً قاعداً وكان يَشُقّ عليه القيامُ، أجزأه، وكان هو ومَن صلَّى قائماً سواءً، كما دَلَّ عليه حديث أنس وعائشة، فلو تَحَامَلَ هذا المعذور وتَكلَّفَ القيامَ ولو شَقَّ عليه، كان أفضلَ لمَزِيدِ أجر تكلَّف القیام، فلا يَمتنِعُ أن يكون أجره على ذلك نَظِيرَ أجره على أصل الصلاة، فيَصِحُّ أنَّ أجر القاعد على النّصف من أجر القائم، ومَن صلَّى النَّفل قاعداً مع القُدرة على القيام أجزأه، وكان أجره على النِّصف من أجر القائم بغير إشكال. وأمَّا قول الباجيّ: إنَّ الحديث في المفتَرِض والمتنفِّل معاً؛ فإن أراد بالمفتَرِضِ ما قَرَّرناه فذاك، وإلَّ فقد أبى ذلك أكثرُ العلماء. وحكى ابن التِّين وغيره عن أبي عُبيد وابن الماحِشُونِ وإسماعيل القاضي وابن شَعْبان والإسماعيليّ والدَّاووديّ وغيرهم: أنَّهم حملوا حديث عِمران على المتنفِّل، وكذا نَقَلَه التِّرمِذيّ (٣٧٢) عن الثَّوريّ قال: وأمَّا المعذور إذا صلَّى جالساً فله مثلُ أجر القائم. ثمَّ قال: وفي هذا الحديث ما يَشْهَد له؛ يشير إلى ما أخرجه البخاري في الجهاد (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى رَفَعَه: ((إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ، كُتِبَ له صالحُ ما کان یعمل وهو صحیحٌ مُقیم»، ولهذا الحدیث شواهد كثيرة سيأتي ذكرها في الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ويؤيِّد ذلك قاعدةُ تغليب فضل الله تعالى وقَبُول عُذْر مَن له عُذر، والله أعلم. ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة أن لا تَرِدَ الصورة التي ذكرها الخطَّبيُّ، وقد وَرَدَ في الحديث ما يشهد لها، فعند أحمد (١٢٣٩٥) من طريق ابن جُرَيج عن ابن شهاب عن أنس قال: قَدِمَ النبيُّ نَّهِالمدينةَ وهي مُحِمَّة، فحُمَّ الناس، فدخل النبيُّ وَِّ المسجد والناس يُصلُّون من قعود، فقال: ((صلاةُ القاعد نصفُ صلاة القائم)) رجاله ثقات، وعند النَّسائيِّ متابع له من وجه آخر(١)، وهو وارد في المعذور، (١) هو عند النسائي في ((الكبرى)) (١٣٦٨)، ورجاله ثقات، وأخرجه أيضاً من الطريق ذاته أحمد (١٣٢٣٦)، وابن ماجه (١٢٣٠)، وقد وقع فيه خلافٌ على بعض رواته، انظر تعليقنا عليه في ((سنن ابن ماجه)». ٢٨٩ باب ١٧ / ح ١١١٣-١١١٥ أبواب التقصير فيُحمَلِ على مَن تَكلَّفَ القيام مع مَشقّته عليه كما بَحَثَه الخطَّابي. وأمَّا نفي الخطَّابي جوازَ التنقُّل مُضطجِعاً، فقد تَبِعَه ابن بَطَّل على ذلك وزاد: لكن الخلاف ثابت، فقد نَقَلَه التِّرمِذيّ بإسناده إلى الحسن البصريّ قال: إن شاءَ / الرجل صلَّى ٥٨٦/٢ صلاة التطوُّع قائماً وجالساً ومُضطجِعاً. وقال به جماعة من أهل العلم، وهو أحد الوجهَينِ للشافعيَّة، وصحَّحه المتأخّرون، وحَكَاه عياض وجهاً عند المالكيَّة أيضاً، وهو اختيار الأبهَريّ منهم واحتجَّ بهذا الحديث. تنبيه: سؤال عِمْران عن الرجل خرج مَخَرَجَ الغالب فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواءٌ. قوله: ((ومَن صلَّى قاعداً) يُستَئنى من عُمومه النبيُّ وَّهِ، فإنَّ صلاته قاعداً لا يَنقُص أجرها عن صلاته قائماً، لحديث عبد الله بن عَمْرو قال: بَلَغَني أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((صلاةُ الرجل قاعداً على نصف الصلاة)) فأتيتُه فوَجَدتُه يُصلِّي جالساً فَوَضَعْتُ يدي على رأسي، فقال: ((ما لك يا عبدَ الله؟)) فأخبرته، فقال: ((أجل، ولكنّي لستُ كأحدٍ منكم)) أخرجه مسلم (٧٣٥) وأبو داود (٩٥٠) والنَّسائيُّ (١٦٥٩)، وهذا يَنبَني على أنَّ المتكلِّم داخل في عموم خطابه، وهو الصحيح، وقد عَدَّ الشافعيّة في خصائصه وَلّ هذه المسألة. وقال عياض في الكلام على تَنفَّله وَلِّ قاعداً: قد عَلَّلَه في حديث عبد الله بن عَمْرو بقوله: ((لست كأحدٍ منكم)) فيكون هذا ممَّا خُصَّ به. قال: ولعلَّه أشار بذلك إلى مَن لا عُذْرَ له، فكأنَّه قال: إنِّي ذو عُذر. وقد رَدَّ النَّوَويّ هذا الاحتمال وقال: وهو ضعيف أو باطل. فائدة: لم يُبيَّن كيفيَّة القعود، فيُؤخَذ من إطلاقه جوازه على أيّ صفة شاءَ المصلِ، وهو قضيّة كلام الشافعيّ في البُوَيطي، وقد اختُلِفَ في الأفضل، فعن الأئمَّة الثلاثة: يُصلِّي مُتربِّعاً، وقيل: يجلس مُفتَرِشاً، وهو موافق لقول الشافعيّ في ((مختصر المُزَنِيِّ))، وصحَّحه الرافعيُّ ومَن تَبِعَه، وقيل: مُتورِّكاً، وفي كلٍّ منها أحاديث. وسيأتي الكلام على قوله: ((نائماً)) في الباب الذي يليه. ٢٩٠ باب ١٨ / ح ١١١٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٨ - باب صلاة القاعد بالإيماء ١١١٦- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا حسينٌ المعلِّمُ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةً: أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَينٍ، وكان رجلاً مَبسُوراً - وقال أبو مَعمَرٍ مَرّةً: عن عِمْرانَ - قال: سألتُ النبيَّ ◌َِّ عن صلاةِ الرجلِ وهو قاعدٌ، فقال: ((مَن صَلَى قائماً فهو أفضَلُ، ومَن صلَّى قاعداً فله نصفُ أجْرِ القائمِ، ومَن صلَّى نائماً فله نصفُ أجْرِ القاعدِ». قوله: ((باب صلاة القاعد بالإيماء)) أورَدَ فيه حديث عمران بن حُصَين أيضاً، وليس فيه ذِكْر الإيماء، وإنَّما فيه مثل ما في الذي قبله: ((ومَن صلَّى نائماً فله نصف أجر القاعد))، قال ابن رُشَيْد: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنَّ مَن صلَّى على جَنْب فقد احتاجَ إلى الإيماء. انتهى، وليس ذلك بلازم، نعم يُمكِن أن يكون البخاري يختار جوازَ ذلك، ومُستنَده تركُ التفصيل فيه من الشَّارع، وهو أحد الوجهَينِ للشافعيّة، وعليه شرح الكرمانيّ، والأصحّ عند المتأخّرين أنَّه لا يجوز للقادر الإيماءُ للرُّكوع والسجود، وإن جاز التنفَّل مُضطجِعاً، بل لا بدَّ من الإتيان بالركوع والسجود حقيقة، وقد اعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: تَرجَمَ بالإيماءِ ولم يقع في الحديث إلَّا ذِكْرُ النوم، فكأنَّه صَخَّفَ قولَه: ((نائمًا)) يعني: بنونٍ على اسم الفاعل من النوم، فظَنَّه: بإيماءٍ، يعني بمُوحَّدةٍ مصدر: أوماً، فلهذا تَرجَمَ بذلك. انتهى. ولم يُصِب في ظنِّه أنَّ البخاري صَحَّفَه، فقد وقع في رواية كَرِيمة وغيرها عَقِبَ حديث الباب: قال أبو عبد الله - يعني: البخاري : - قوله: ((نائم)) عندي أي: مُضطجِعاً؛ فكأنَّ البخاري كُوشِفَ بذلك، وهذا التفسير قد وقع مثله في رواية عَفّانَ عن عبد الوارث في هذا الحديث، قال عبد الوارث: النائم: المضطَجع، أخرجه الإسماعيلي، قال الإسماعيلي: معنی قوله: نائماً، أي: على جَنْب. انتهى. ٥٨٧/٢ وقد وقع في رواية الأَصِيلِيِّ على التصحيف أيضاً، حَكَاه ابن رُشَيْد، ووَجَّهَه بأنَّ معناه: مَن صلَّى قاعداً أومأ بالركوع والسجود، وهذا موافق للمشهور عند المالكيَّة: أنَّه يجوز له الإيماء إذا صلَّى نفلاً قاعداً مع القُدْرة على الركوع والسجود، وهو الذي يَتَبيَّن من اختيار ٢٩١ باب ١٩ / ح ١١١٧ أبواب التقصير البخاريّ. وعلى رواية الأَصِيلِيِّ شرح ابن بَطَّال وأنكرَ على النَّسائيِّ ترجمتَه على هذا الحديث (٢٢٣/٣-٢٢٤): فضل صلاة القاعد على النائم، واذَّعَى أنَّ النَّسائيَّ صَحَّفَه، قال: وغلطُه فيه ظاهر، لأنَّ ثَبَتَ الأمر للمصلِّ إذا وقع عليه النوم أن يَقطَع الصلاة، وعَلَّلَ ذلك بأنَّه لعلَّه يَسْتَغْفِر فيَسُبّ نفسه، قال: فكيف يأمره بقَطع الصلاة، ثمَّ يَثبُت أنَّ له عليها نصف أجر القاعد. انتهى، وما تقدَّم من التعقُّب على الإسماعيليّ يَرُدّ عليه. قال شيخنا في ((شرح التُّرمِذيّ)) بعد أن حكى كلام ابن بَطَّل: لعلَّه هو الذي صَحَّف، وإنَّما ألجأه إلى ذلك حملُ قوله: ((نائماً)) على النوم الحقيقي الذي أُمِرَ المصلِي إذا وَجَدَه بقَطْع الصلاة، وليس ذلك المراد هنا، إنَّما المراد الاضطجاع كما تقدَّم تقريره، وقد تَرجَمَ النَّسائيُّ ((فضل صلاة القاعد على النائم))، والصواب من الرواية ((نائماً)) بالنُّون على اسم الفاعل من النوم، والمراد به الاضطجاع كما تقدَّم، ومَن قال غير ذلك فهو الذي صَحَّف، والذي غَرَّهم ترجمةُ البخاري وعُسر توجيهها عليهم، ولله الحمد على ما وَهَبَ. ١٩ - باب إذا لم يُطِقْ قاعداً صلَّى علی جَنْب وقال عطاءٌ: إذا لم يَقدِرْ أن يَتحَوَّلَ إلى القِبلة، صلَّى حيثُ كان وجهُه. ١١١٧- حدَّثْنَا عَبْدانُ، عن عبدِ الله، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمان، قال: حدَّثني الحسينُ المُكْتِبُ، عن ابنِ بُرَيدةَ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَين﴾، قال: كانت بي بَواسِيرُ فسألتُ النبيَّ ◌ِله عن الصلاة، فقال: ((صَلِّ قائماً، فإن لم تَستطِعْ فقاعداً، فإن لم تَستطِعْ فعلى جَنْبٍ)). قوله: ((باب إذا لم يُطِقْ)) أي: الإنسانُ الصلاةَ في حال القعود صلَّى على جنبه. قوله: ((وقال عطاء: إذا لم يَقدِرْ)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((إن لم يَقدِر ... )) إلى أخره، وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرزاق (٤١٣٢) عن ابن جُرَيج عن عطاء بمعناه، ومُطابَقَته للترجمة من جهة أنَّ الجامع بينهما أنَّ العاجز عن أداء فرضٍ ينتقل إلى فرضٍ دونَه ولا يَترُك، وهو حُجَّة على مَن زَعَمَ أنَّ العاجز عن القعود في الصلاة تَسقُط عنه الصلاة، وقد حَكَاه الغَزاليّ عن ٢٩٢ باب ١٩ / ح ١١١٧ فتح الباري بشرح البخاري أبي حنيفة، وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يُوجَد في كتب الحنفيّة(١). قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن المبارَك، وسَقَطَ ذِكْره من رواية أبي زيد المروَزيِّ، ولا بدَّ منه، فإنَّ عَبْدان لم يسمع من إبراهيم بن طَهْمان. والحسين المُكتِب: هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم الذي سَبَقَ في الباب قبله، قال التِّرمِذيّ: لا نَعلَم أحداً روى هذا عن حسين إلَّا إبراهيم، وروى أبو أُسامة وعيسى بن يونس وغيرهما عن حسين على اللَّفظ السابق(٢). انتهى، ولا يُؤْخَذ من ذلك تضعيفُ رواية إبراهيم كما فَهِمَه ابن العربيّ تَبَعاً لابنِ بَطَّل، ورُدَّ على التِّرمِذيّ بأنَّ رواية إبراهيم توافق الأُصول، ورواية غيرهما تخالفها، فتكون رواية إبراهيم أرجحَ، لأنَّ ذلك راجع إلى الترجيح من حيثُ المعنى لا من حيثُ الإسناد، وإلَّا فاتّفاق الأكثر على شيء يقتضي أنَّ رواية مَن خالَفَهم تكون شاذَّة، والحقُّ أنَّ الروايتين صحيحتان كما صَنَعَ البخاري، وكلَّ منهما مُشتمِلة على حُكم غير الحُكْم الذي اشتملت عليه الأُخرى، والله أعلم. ٥٨٨/٢ قوله: ((عن الصلاة)) المراد: عن صلاة المريض، بدليل قوله في أوَّله: ((كانت بي بواسير)»، وفي رواية وكيع عن إبراهيم بن طَهْمانَ: ((سألت عن صلاة المريض)) أخرجه التِّرمِذيّ وغيره(٣). تنبيه: قال الخطَّابيُّ: لعلَّ هذا الكلام كان جواب فُتْيا استفتاها عمران، وإلَّ فليست عِلَّة البواسير بمانعةٍ من القيام في الصلاة على ما فيها من الأذى. انتهى، ولا مانع من أن يسأل عن حُكم ما لم يعلمه لاحتمال أن يحتاج إليه فيما بعدُ. قوله: ((فإن لم تَستَطِعْ)) استَدلَّ به مَن قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلَّا بعد عَدَم (١) قال العيني الحنفي في ((عمدة القاري)) ٧/ ١٦٠ تعقيباً على نقل الغزالي: هذا لم يصحَّ ولم ينقل هذا أحدٌ من أصحابنا عن أبي حنيفة، ولهذا قال الرافعي: لكن هذا النقل لا يكاد يُلفَى في كتبهم ولا في کتب أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس. (٢) أخرجه أحمد (١٩٨٨٧)، وأبو داود (٩٥١)، وابن ماجه (١٢٣١)، والترمذي (٣٧١)، والنسائي (١٦٦٠) من طرق عن حسين المعلم، بلفظ البخاري في الرواية السابقة. (٣) أخرجه أحمد (١٩٨١٩)، وأبو داود (٩٥٢)، وابن ماجه (١٢٢٣)، والترمذي (٣٧٢). ٢٩٣ باب ١٩ / ح ١١١٧ أبواب التقصير القُدْرة على القيام، وقد حَكَاه عِيَاض عن الشافعي، وعن مالك وأحمد وإسحاق: لا يُشتَرط العَدَم، بل وجودُ المشَقَّة، والمعروف عند الشافعيَّ أنَّ المراد بنفي الاستطاعة وجودُ المشَقَّة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يُكتفَى بأدنى مَشقّة، ومن المشَقَّة الشديدة دَوَرانُ الرأس في حَقّ راكب السفينة وخوف الغَرَق لو صلَّى قائماً فيها. وهل يُعَدُّ في عَدَم الاستطاعة مَن كان كامناً في الجهاد ولو صلَّى قائماً لَرآه العدوُّ فتجوز له الصلاة قاعداً أو لا؟ فيه وجهان للشافعيَّة، الأصحُّ الجواز، لكن يقضي لكَونِهِ عُذْراً نادراً(١). واستُدلَّ به على تساوي عَدَم الاستطاعة في القيام والقعود في الانتقال، خلافاً لمن فرَّقَ بينهما كإمام الحرمين، ويدلّ للجمهور أيضاً حديث ابن عبّاس عند الطَّرانيّ(٢) بلفظ: (يُصلِّي قائماً، فإن نالَتْه مَشقّة فجالساً، فإن نالَتْه مَشقّة صلَّى نائماً» الحديث، فاعتَبَرَ في الحالين وجود المشقّة ولم يُفرِّق. قوله: ((فعلى جَنْب)) في حديث عليٍّ عند الدّارَ قُطنيٍّ (١٧٠٦): على جنبه الأيمن مُستَقْبِلَ القِبْلة بوجهِه (٣)، وهو حُجَّة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجَنْب، وعن الحنفيَّة وبعض الشافعيّة: يستلقي على ظهره ويجعل رِجِلَيه إلى القِبلة. ووقع في حديث عليّ ره أنَّ حالة الاستلقاء تكون عند العَجْز عن حالة الاضطجاع، واستدلَّ بهِ مَن قال: لا ينتقل المريض بعد عَجْزه عن الاستلقاء إلى حالة أُخرى كالإشارة بالرأس، ثمَّ الإيماء بالطَّرْف، ثمَّ إجراء القرآن والذِّكر على اللِّسان، ثمَّ على القلب، لكونِ جميع ذلك لم يُذكَر في الحديث، وهو قول الحنفيّة والمالكيَّة وبعض الشافعيّة، وقال معظم(٤) الشافعيَّة بالترتيب المذكور، وجعلوا مَناطَ الصلاة حصولُ العقل، فحيثُ كان حاضرَ (١) والصواب من حيث الدليل عدم القضاء، لأن عذره أولى من عذر المريض، والله أعلم. (س). (٢) في ((المعجم الأوسط)) (٣٩٩٧)، وسنده ضعيف جداً، فيه حَلْبس بن محمد وهو متروك الحديث. وحديث الباب يغني عن الاستشهاد به. (٣) وفي إسناده راويان ضعيفان. (٤) في (س): بعض. ٢٩٤ باب ٢٠ / ح ١١١٨ -١١١٩ فتح الباري بشرح البخاري العقل لا يَسقُط عند التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه بدليل قوله وَّةِ: ((إذا أمَرتُّكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم))(١)، هكذا استَدلَّ به الغَزالي، وتَعقَّبَه الرَّافعيّ بأنَّ الخبر أمرٌ بالإتيان بما يَشتَمِل عليه المأمور، والقعود لا يَشتمِل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذُكِر، وأجاب عنه ابن الصَّلاح بأنّا لا نقول: إنَّ الآتي بالقعود آتٍ بما استطاعه من القيام مثلاً، ولكنّا نقول: يكون آتياً بما استطاعه من الصلاة، لأنَّ المذكورات أنواع لجنسِ الصلاة، بعضُها أدنى من بعض، فإذا عَجَزَ عن الأعلى وأتى بالأدنى، كان آتياً بما استطاع من الصلاة. وتُعُقِّبَ بأنَّ كَوْن هذه المذكورات من الصلاة، فرعٌ لمشروعيّة الصلاة بها، وهو مَحَلُّ النِّزاع. فائدة: قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): اتَّفَقَ لبعض شيوخنا فرع غريب في النَّقل، کثیر في الوقوع، وهو أن يَعجِزَ المريض عن التذكُّر ويَقدِرَ على الفعل، فأهَمَه الله أن يَتَّخِذ مَن يُلقِّنُه، فكان يقول: أَحْرِمْ بالصلاة، قل: الله أكبر، اقرأ الفاتحة، قل: الله أكبر، للرُّكوعِ إلى آخر الصلاة، يُلقِّنه ذلك تلقيناً، وهو يفعل جميع ما يقول له بالنُّطْق أو بالإيماءِ، رحمه الله تعالى. ٢٠ - باب إذا صلَّى قاعداً ثم صحَّ أو وجد خِفّةً تمَّم ما بقي وقال الحسنُ: إن شاءَ المريضُ صلَّى رَكْعَتَينِ قائماً، ورَكْعتَينِ قاعداً. ٥٨٩/٢ ١١١٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها أُمّ المؤمنين، أنَّها أخبَرَتْه: أنَّها لم تَرَ رسولَ الله ◌َ يُصلِّيّ صلاةَ الليلِ قاعداً قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فكان يَقْرأُ قاعداً حتَّى إذا أرادَ أن يركعَ قامَ فقراً نحواً من ثلاثينَ آيَةٌ أو أربعينَ آيَةً، ثمَّ رَكَعَ. [أطرافه في: ١١١٩، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧] ١١١٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ وأبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيد الله، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ أمّ المؤمنين رضي الله عنها: (١) سيأتي عند البخاري برقم (٧٢٨٨) من حديث أبي هريرة. ٢٩٥ باب ٢٠ / ح ١١١٨ - ١١١٩ أبواب التقصير أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ كان يُصلِّ جالساً فيَقْرأُ وهو جالسٌ، فإذا بَقِيَ من قراءتِه نحوٌ من ثلاثينَ أو أربعينَ آيَةً، قامَ فقَرَأَها وهو قائمٌ ثمَّ رَكَعَ، ثمَّ سَجَدَ، يفعلُ في الرَّكْعةِ الثّانيةِ مثلَ ذلك، فإذا قَضَى صلاتَه نَظَرَ، فإن كنتُ يَقْظَى تحدَّث معي، وإن كنتُ نائمةً اضطَجَعَ. قوله: ((باب إذا صلَّى قاعداً ثمَّ صَحَّ أو وَجَدَ خِفَّةٍ تَمَّمَ ما بقيَ)) في رواية الكُشمِیھَنِيِّ: ((أتمَّ ما بقيَ)) أي: لا يَستأنِف بل يبْني عليه، إتياناً بالوجه الأتمّ من القيام ونحوه. وفي هذه الترجمة إشارة إلى الردّ على من قال: مَن افتتح الفريضة قاعداً لعَجْزه عن القيام ثمَّ أطاقَ القيام، وَجَبَ عليه الاستئناف، وهو تحكيٍّ عن محمد بن الحسن، وخفيَ ذلك على ابن المنِّر حتَّى قال: أراد البخاري بهذه الترجمة رفعَ خيال مَن تَخَيَّلَ: أنَّ الصلاة لا تتبعَّض فيجب الاستئنافُ على مَن صلَّى قاعداً ثمَّ استطاع القيام. قوله: ((وقال الحسن: إن شاءَ المريض)) أي: في الفريضة (صلَّى رَكعتَينِ قائماً وركعتين قاعداً)) وهذا الأثر وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٧٣/١) بمعناه، ووَصَلَه التِّرمِذيّ أيضاً (٣٧٢°م) بلفظٍ آخر، وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّه لا وجه للمَشيئة هنا، لأنَّ القيام لا يَسقُط عمَّن قَدَرَ عليه، إلَّا إن كان يريد بقوله: ((إن شاءَ)) أي: بكُلفةٍ كثيرة. انتهى، ويَظهَر أنَّ مُرادَه: أنَّ مَن افتتح الصلاة قاعداً ثمَّ استطاع القيامَ، كان له إتمامُها قائماً إن شاءَ بأن يبنيَ على ما صلَّى، وإن شاءً استأنفَها، فاقتَضَی ذلك جوازَ البناء وهو قول الجمهور. ثُمَّ أورَدَ المصنّف حديث عائشة من رواية مالك بإسنادينٍ له: أنَّه ◌ِ لّ كان يُصلِّي قاعداً، فإذا أراد أن يركع قامَ فقرأ ثلاثين أو أربعينَ آية قائماً ثمَّ رَكَعَ. وزاد في الطريق الثانية منهما أنَّه كان يفعل ذلك في الرَّكعة الثانية، وفي الأولى منهما تقييد ذلك بأنَّه بَّهِ لم يُصلِّ صلاة الليل قاعداً إلَّا بعد أن أسَنَّ، وسيأتي في أثناء صلاة الليل (١١٤٨) من هذا الوجه بلفظ: حتَّى إذا كَبِرَ، وفي رواية عثمان بن أبي سليمان عن أبي سَلَمةَ عن عائشة: لم يَمُت حتَّى كان أكثر صلاته جالساً، وفي حديث حفصة: ما رأيتُ رسول الله ◌َلّ يُصلِّي في سُبْحته جالساً حتَّى إذا كان قبل موته بعامٍ كان يُصلِّي في سُبحته جالساً ... الحديث، أخرجهما مسلم (١١٦/٧٣٢ و ٧٣٣). ٢٩٦ باب ٢٠ / ح ١١١٨ -١١١٩ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن التِّين: قَيَّدَت عائشةُ ذلك بصلاة الليل لتُخرِج الفريضة، وبقولها: ((حتَّى أسَنَّ) ليُعلَم أنَّه إنَّما فعل ذلك إبقاءً على نفسه ليَستديمَ الصلاةَ، وأفادت أنَّه كان يُدِيم القيام وأنَّه کان لا يجلس عَّا يُطِیقه من ذلك. وقال ابن بَطَّال: هذه الترجمة تتعلَّق بالفريضة، وحديث عائشة يتعلَّق بالنافلة. ووجه استنباطه: أنَّه لمَّا جاز في النافلة القعودُ لغير عِلَّة مانعة من القيام، وكان عليه الصلاة والسلام يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلَّا بعَدَم القُدْرة على القيام أُولى، انتھی. والذي يَظهَر لي أنّ الترجمة ليست مُختصَّة بالفريضة، بل قوله: ((ثمَّ صَحَّ)) يتعلَّق بالفريضة، وقوله: ((أو وَجَدَ خِفَّةٍ)) يتعلَّق بالنافلة، وهذا الشِّقّ مطابق للحديث، ويُؤخَذ ما ٥٩٠/٣ يتعلَّق بالشَّقِّ الآخر بالقياس عليه، والجامع بينهما جوازُ إيقاع بعض / الصلاة قاعداً وبعضها قائماً، ودَلَّ حديث عائشة على جواز القعود في أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائماً، كما يُباح له أن يَفتِحَها قاعداً ثمَّ يقوم، إذ لا فرقَ بين الحالتين، ولا سيّما مع وقوع ذلك منه وَّه في الرَّكعة الثانية، خلافاً لمن أبى ذلك، واستُدلَّ به على أنَّ مَن افتتح صلاته مُضطجِعاً ثُمَّ استطاع الجلوس أو القيامَ، أتمَّها على ما أدّت إليه حاله. قوله: ((فإذا بقيَ من قراءته)) فيه إشارة إلى أنَّ الذي كان يقرؤُه قبل أن يقوم أكثرُ، لأنَّ البقيَّة تُطلَق في الغالب على الأقلّ. وفي هذا الحديث: أنَّه لا يُشتَرط لمن افتتح النافلة قاعداً أن يركع قاعداً، أو قائماً أن يركع قائماً، وسيأتي البحث في ذلك في ((باب قيام النبيّ وَّه بالليل)) من أبواب التهجُّد (١١٤٨). قوله: «فإذا قَضَى صلاته نَظَرَ ... )) إلى آخره، يأتي الكلام عليه في أبواب التطوُّع في الكلام على ركعتي الفجر (١١٦١) إن شاء الله تعالى. ٢٩٧ أبواب التقصير خاتمة: اشتملت أبوابُ التقصير وما معه من الأحاديث المرفوعة على اثنَينٍ وخمسينَ حديثاً، المعلَّق منها ستَّة عشر حديثاً والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنان وثلاثون والبقيّة موصولة، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عبّاس في قَدْر الإقامة بمكّة، وحديث جابر في التطوُّع راكباً إلى غير القِبْلة، وحديث أنس في الجمع بين المغرب والعشاء، وحديث عِمْران في صلاة القاعد. وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة فمَن بعدهم ستّة آثار، والله الهادي إلى الصواب. ٢٩٩ باب ١ / ح ١١٢٠ أبواب التهجد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [أبواب التَّهُّد] ٣/٣ ١ - باب التهجُّد بالليل وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. ١١٢٠ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ أبي مسلمٍ، عن طاووسٍ، سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانَ النبيُّ نَّهِ إذا قامَ مِن الليلِ يَتَهَجَّدُ قال: «اللهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ قَيِّمُ السَّماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ نُورُ السَّماواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ أنتَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحقُّ، ولِقَاؤُكَ حقٍّ، وقولُكَ حقٍّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والنبيُّونَ حقٍّ، أنت مَلِكُ السَّماواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ، ومحمَّدٌ وَِّ حِقٌّ، والسَّاعةُ حقٌّ. اللهمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنْتُ، وعليكَ تَوَكَّلتُ، وإليكَ أَنَبْتُ، وبكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أَخَّرتُ، وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ، لا إلهَ إلا أنتَ)) أو ((لا إلهَ غيرُكَ)). قال سفيانُ: وزادَ عبدُ الكريم أبو أُميَّةُ: ((ولا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلا بالله)). قال سفيانُ: قال سليمانُ بنُ أبي مسلم: سَمِعَه من طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ مَلّ. [أطرافه في: ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩] قوله: ((باب التهجّد بالليل)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((من الليل)) وهو أوفقُ للفظ الآية، وسَقَطَت البسملة من رواية أبي ذرٍّ. وقَصَدَ البخاري إثباتَ مشروعيَّة قيام الليل مع عَدَم ٣٠٠ باب ١ / ح ١١٢٠ فتح الباري بشرح البخاري التعرُّض لِحُكْمه، وقد أجمعوا إلَّا شذوذاً من القُدَماء على أنَّ صلاة الليل ليست مفروضة على الأُمّة، واختلفوا في كَوْنها من خصائص النبيّ وَّهِ، وسيأتي تصريح المصنِّف بعَدَمِ وجوبه على الأُمّة قريباً (١١٢٦). قوله: ((وقولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ،﴾)) زاد أبو ذرٍّ في روايته: ((اسهَرْ به))، وحكاه الطبريُّ أيضاً (١٤١/١٥)، وفي ((المجاز) لأبي عبيدة: قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: اسهَرْ بصلاةٍ. وتفسير التهجُّد بالسهر معروف في اللُّغة، وهو من الأضداد، يقال: تَهجَّد. إذا سهِر، وتَهجَّد: إذا نام، حكاه الجوهريّ وغيره. ومنهم مَن فَرَّق بينهما فقال: هَجَدتُ: نِمتُ، وتَهجَّدت: سَهِرت، حكاه أبو عُبيدة وصاحب ((العين))، فعلى هذا أصل المُجود: النوم، ومعنى ((تَهجَّدت)): طرحتُ عنِّي النوم، وقال الطبريُّ: التهجّد: السهر بعد نومة، ثمَّ ساقه عن جماعة من السلف، وقال ابن فارس: المتهجِّد: المصلِي ليلاً، وقال كُرَاعٍ: التهجُّد: صلاة الليل خاصَّة. قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ النافلة في اللُّغة: الزيادة، فقيل: معناه: عبادة زائدة في فرائضك. وروى الطبريُّ (١٤٢/١٥) عن ابن عبّاس: أنَّ النافلة للنبيِّ وَِّ خاصَّة، لأنَّه أُمِرَ بقيام الليل وكُتِبَ عليه دون أُمَّته، وإسناده ضعيف. وقيل: معناه: زيادة لك خالصة، لأنَّ تطوُّع غيره يُكفِّر ما على صاحبه من ذنب، وتَطوُّعه هو وَّه يقع خالصاً له لكَونِه لا ذنبَ عليه، وروی معنى ذلك الطبريُّ (١٤٢/١٥ -١٤٣) وابن أبي حاتم عن مجاهدٍ بإسناد حسن، وعن قَتَادة كذلك، ورَجَّحَ الطبريُّ الأولَ، وليس الثاني ببعيدٍ من الصواب. ٤/٣ قوله: ((إذا قامَ من الليل يَتَهجَّد)) في رواية مالك (٢١٥/١-٢١٦) عن أبي الزُّبَير عن طاووس: ((إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل))، وظاهر السياق أنَّه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة، وتَرجَمَ عليه ابن خُزيمةَ: الدليل على أنَّ النبيّ وَّ كان يقول هذا التحميد بعد أن يُكبِِّ، ثمَّ ساقه (١١٥٢) من طريق قيس بن سعد عن طاووس عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا قام للتهجُّدٍ قال بعدما يُكبِِّ: ((اللهمَّ لك الحمد))، وسيأتي هذا في