النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب ٥ / ح ١٠٨٩ - ١٠٩٠ أبواب التقصير والقصرُ عندها إنَّما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان باطلان لا سيَّما الثاني، ولعلَّ قول عائشة هذا هو السبب في حديث حارثة بن وَهْب الماضي قبلُ ببابَينِ (١٠٨٣). والمنقول أنَّ سبب إتمام عثمان أنَّه كان يرى القصر مُختصّاً بمَن كان شاخصاً سائراً(١)، وأمَّا مَن أقام في مكان في أثناء سفره فله حُكْم المقيم فيُثُمُّ. والحُجَّة فيه ما رواه أحمد (١٦٨٥٧) بإسنادٍ حسن عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَير قال: لمَّا قَدِمَ علينا معاوية حاجّاً صلَّى بنا الظُّهرَ ركعتين بمكَّة، ثمَّ انصَرَفَ إلى دار النَّذوة، فدخل عليه مروان وعَمْرو بن عثمان، فقالا: لقد عِبتَ أمرَ ابن عمِّك، لأنَّه كان قد أتمَّ الصلاةَ، قال: وكان عثمان حيثُ أتمَّ الصلاة إذا قَدِمَ مكَّة صلَّى بها الظُّهر والعصر والعِشاء أربعاً أربعاً، ثمَّ إذا خرج إلى مِنَّى وعَرَفة قَصَرَ الصلاة، فإذا فَرَغَ من الحج وأقامَ بمِنَى أتمَّ الصلاة. وقال ابن بَطَّال: الوجه الصحيح في ذلك: أنَّ عثمان وعائشة كانا يَرَيان أنَّ النبيّ وَيه إنَّمَا قَصَرَ، لأَنَّه أخذَ بالأيسَرِ من ذلك على أُمَّته، فأخذا لأنفُسِهِما بالشِّدَّة. انتهى، وهذا رَجَّحَه جماعة من آخرهم القُرْطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب. وأمَّا ما رواه عبد الرزاق (٤٢٦٨)، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ: أنَّ عثمان إنَّما أتمَّ الصلاة لأَنَّه نَوَى الإقامة بعد الحج؛ فهو مُرسَل، وفيه نظر، لأنَّ الإقامة بمگّة على المهاجرين حرام كما سيأتي في الكلام على حديث العلاء بن الحَضْرميّ في المغازي (٣٩٣٣)، وصَحَّ عن عثمان: أنَّه كان لا يُودِّع النِّساء إلَّ على ظَهْر راحلته، ويُسرع الخروج خَشْية أن يَرجِعَ في هجرته. وثَبَتَ عن عثمان: أَنَّه قال لمَّا حاصَرُوه - وقال له المغيرة: اركَبْ رَواحِلَك إلى مكَّة - قال: لن ◌ُفارقَ دار هجرتي(٢). ومع هذا النَّظَر في رواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ فقد روى أيوب عن الزُّهْريِّ ما يخالفه، (١) أخرجه عنه عبد الرزاق (٤٢٨٥)، وابن أبي شيبة ٤٤٦/٢، وابن المنذر في («الأوسط» ٣٤٥/٤، والطحاوي في «شرح المعاني» ٤٢٦/١، وسنده قوي. (٢) أخرجه أحمد في ((المسند) (٤٨١)، ورجاله ثقات إلا أن في سنده انقطاعاً. ٢٦٢ باب ٥ / ح ١٠٨٩ - ١٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري فروى الطَّحَاويُّ (٤٢٥/١) وغيره من هذا الوجه عن الزُّهْريِّ قال: إنَّما صلَّى عثمان بِمِنِّى أربعاً، لأنَّ الأعراب كانوا كَثُروا في ذلك العام، فأحبَّ أن يُعلِمهم أنَّ الصلاة أربع، وروى البيهقيُّ (١٤٤/٣) من طريق عبد الرحمن بن حُميدٍ بن عبد الرحمن بن عَوْف عن أبيه عن عثمان: أنَّه أتمَّ بمِنَّى ثمَّ خَطَبَ، فقال: إنَّ القَصْر سُنَّةَ رسول الله وَّهِ وصاحبَيه، ولكنَّه حَدَثَ طَغَام - يعني: بفتح الطاء والمعجَمة - فخِفتُ أن يَستنُّوا. وعن ابن جُرَيج: أنَّ أعرابيّاً ناداه في مِنَّى: يا أمير المؤمَنينَ، ما زِلتُ أُصلِيها منذُ رأيتُك عامَ أوَّل ركعتين. وهذه طرق يُقوِّي بعضها بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمُعارضٍ للوجه الذي اخترتُه بل يُقوِّيه، من حيثُ إنَّ حالة الإقامة في أثناء السَّفَر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة علیها بخلاف السائر، وهذا ما أدَّى إليه اجتهاد عثمان. وأمَّا عائشة فقد جاء عنها سببُ الإتمام صريحاً، وهو فيما أخرجه البيهقيُّ (٣/ ١٤٣) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّها كانت تُصلِّ في السَّفَر أربعاً، فقلت لها: لو صَلَّيتِ ركعتين، فقالت: يا ابن أُختي إنَّه لا يَشُقّ عليَّ. إسناده صحيح، وهو دالٌّ على أنَّهَا تأوَّلَت أنَّ القصر رُخْصة، وأنَّ الإتمام لمن لا يَشُقّ عليه أفضل. ويدلّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يَعْلى (٥٨٦٢) والطَّبرانيُّ(١) بإسنادٍ جيّد عن أبي هريرة: أنَّه سافرَ مع النبيّ وَّهِ ومع أبي بكر وعمر فكلُّهم كان يُصلِّ ركعتين من حين يَخْرُج من المدينة إلى مكَّة حتَّى يَرجِعَ إلى المدينة في المسير وفي المُقَام بمكّة. قال الكِرْمانيُّ ما مُلخَّصه: تمسَّكَ الحنفيّة بحديث عائشة في أنَّ الفرض في السَّفَر أن يُصلِّيّ الرُّباعيَّة ركعتين(٢)، وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان على ظاهره لمَا أتَمَّت عائشة، وعندهم العِبْرة ٥٧٢/٢ بما رأى الراوي إذا عارَضَ ما رَوَى. / ثمَّ ظاهر الحديث مخالف لظاهرِ القرآن، لأنَّه يدلّ على أنَّهَا فُرِضَت في الأصل ركعتين واستمرَّت في السَّفَر، وظاهر القرآن أنَّها كانت أربعاً فنَقَصَت، ثمَّ إِنَّ قولها: ((الصلاة) يَعُمّ الخمس، وهو مخصوص بخروج المغرب مُطلَقاً، (١) في ((المعجم الأوسط)) برقم (٤٥٦٢). (٢) سلف برقم (٣٥٠). ٢٦٣ باب ٦ / ح ١٠٩١ -١٠٩٢ أبواب التقصير والصبح بعَدَمِ الزّيادة فيها في الحَضَر، قال: والعامّ إذا خُصَّ ضَعُفَت دلالته، حتَّى اختُلِفَ في بقاء الاحتجاج به. ٦- بابٌ يصلّي المغرب ثلاثاً في السفر ١٠٩١- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمٌ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: رأيتُ رسول الله وَّةٍ إذا أعجَلَه السَّيرُ في السَّفَرِ، يُؤخّرُ المغربَ حتَّى يَجمَعَ بينها وبين العِشاءِ. قال سالمٌ: وكان عبدُ الله يَفْعِلُه إذا أعجَلَه السَّيرُ. [أطرافه في: ١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ٣٠٠٠،١٨٠٥] ١٠٩٢- وزاد اللَّيثُ، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال سالمٌ: كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يجمعُ بين المغربِ والعِشاءِ بالمُزْدَلِفَة. قال سالمٌ: وأخَّرَ ابنُ عمرَ المغربَ، وكان استُصْرِخَ على امرأتِهِ صَفِيّةَ بنتِ أبي عُبيدٍ، فقلتُ له: الصلاةَ! فقال: سِرْ، فقلتُ: الصلاةَ! فقال: سِرْ، حتَّى سارَ مِيلَينِ أو ثلاثةً، ثمَّ نزلَ فصَلَّى، ثمَّ قال: هكذا رأيتُ النبيَّ وَلاَ يُصلِّي إذا أعجَلَه السَّيرُ. وقال عبدُ الله: رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ إذا أعجَلَه السَّيرُ يُقِيمُ المغربَ فيُصلِّيها ثلاثاً، ثمَّ يُسلِّمُ، ثمَّ قَلَّما يَلْبَثُ حتَّى يُقِيمَ العِشاءَ، فيُصلِّيها رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يُسلِّمُ ولا يُسبِّحُ بعدَ العِشاءِ حتَّى يقومَ من جَوْفِ اللیلِ. قوله: ((بابٌ يُصلِّ المغرب ثلاثاً في السَّفَر)) أي: ولا يدخل القصر فيها، ونقل ابن المنذر وغيره فيه الإجماع، وأراد المصنّف أنَّ الأحاديث المطلَقة في قول الراوي: ((كان يُصلِّي في السَّفَر ركعتين)) محمولة على المقيَّدة بأنَّ المغرب بخلاف ذلك، وروى أحمد (٥٥٥٢) من طريق ثُمامة بن شَرَاحيلَ قال: خرجتُ إلى ابن عمر فقلت: ما صلاةُ المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين، إلَّا صلاة المغرب ثلاثاً. قوله: ((إذا أعجَلَه السَّيرُ في السَّفَر)) يَخْرُج ما إذا أعجَلَه السّير في الحَضَر، كأن يكون ٢٦٤ باب ٦ / ح ١٠٩١ - ١٠٩٢ فتح الباري بشرح البخاري خارج البلد في بُستانٍ مثلاً. قوله: ((وزاد اللَّيث: حدَّثني يونس)) وَصَلَه الإسماعيليّ بطوله عن القاسم بن زكريًّا عن ابن زَنْجويه، وعن(١) إبراهيم بن هانئ عن الرَّمَاديّ، كلاهما عن أبي صالح عن اللیث به. قوله: ((وأخَّرَ ابن عمر المغرب وكان استُصِرِغَ على صَفيَّةً بنت أبي عُبيد)» هي أُخت المختار الثَّقَفي، وقوله: استُصرِخَ، بالضَّمِّ، أي: استُغيثَ بصوتٍ مُرتَفِع، وهو من الصُّراخ بالخاءِ المعجَمة، والمُصرِخ: المُغِيث، قال الله تعالى: ﴿مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. قوله: ((فقلت له: الصلاةَ)) بالنصب على الإغراء. ٥٧٣/٢ قوله: ((حتَّى سارَ مِيلين أو ثلاثة)) أخرجه المصنّف في ((باب السُّرعة في السَّير)) من كتاب الجهاد (٣٠٠٠) من رواية أسلمَ مولى عمر قال: كنت مع عبد الله بن عمر بطريق مكَّة فَبَلَغَه عن صَفيَّة بنت أبي عُبيد شِدَّة وجعٍ، فأسرَعَ السَّير حتَّى إذا كان بعد غُروب الشَّفَقِ نزل فصلَّى المغربَ والعَتَمة جمع بينهما. فأفادت هذه الرواية تعيين السَّفَر المذكور ووقت انتهاء السَّير والتصريح بالجمع بين الصلاتين، وأفاد النَّسائيُّ في روايةٍ (٥٩٧): أنَّهَا كَتَبَت إليه تُعلِمه بذلك، ولمسلم (٧٠٣) نحوه من رواية نافع عن ابن عمر، وفي رواية لأبي داود (١٢١٣) من هذا الوجه: فسارَ حتَّى غابَ الشَّفَق وتَصَوَّبَت النُّجومُ نزل فصلَى الصلاتَينِ جميعاً، وللنَّسائيِّ (٥٩٥) من هذا الوجه: حتَّى إذا كان في آخر الشَّفَق نزل فصلّى المغرب ثمَّ أقامَ العِشاء وقد تَوَارَى الشَّفَقِ فصلَّى بنا؛ فهذا محمول على أنَّها قصَّة أُخرى، ويدلّ عليه أنَّ في أوَّله: خرجت مع ابن عمر في سفر يريد أرضاً له، وفي الأوَّل: أنَّ ذلك كان بعد رجوعه من مكَّة، فدَلَّ على التعدُّد. قوله: ((وقال عبد الله)) أي: ابن عمر ((رأيتُ رسول الله وَ﴿ إذا أعجَلَه السَّير)) يُؤخَذ منه تقييدُ جواز التأخير بمَن كان على ظَهْر مسيرٍ، وسيأتي الكلام عليه بعد سنَّة أبواب (١١٠٦). (١) في (س): ((عن)) بإسقاط الواو، وهو خطأ. ٢٦٥ باب ٧ / ح ١٠٩٣ أبواب التقصير قوله: ((يُقِيم المغرب)) كذا للحَمُّوِيّ والأكثر بالقاف، وهي موافقة للرواية الآتية، وللمُستَمْلِي والكُشمِيهَنيّ: ((يُعتِم)) بعَينٍ مُهمَلة ساكنة بعدها مُثنَّاة فَوقائيّة مكسورة، أي: يدخل في العَتَمة، ولگریمة: ((یؤخّر)). وفي الباب عن عمران بن حُصَين قال: ما سافرَ رسول الله وَ لَه إلَّ صلَّى ركعتين إلَّا المغرب))، صحَّحه التِّرمِذيّ(١)، وعن عليّ: صَلَّيت مع رسول الله وَّل صلاة السَّفَر ركعتين إلّا المغرب ثلاثاً، أخرجه البَزّار (٨٤٥)، وفيه أيضاً عن خُزيمةَ بن ثابت وجابر وغيرهما، وعن عائشة كما تقدَّم في أوَّل الصلاة (٣٥٠). قوله: ((فقلت له: الصلاة)) فيه ما كانوا عليه من مراعاة أوقات العبادة. وفي قوله: ((سِرْ)) جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. تنبيه: ظاهر سياق المؤلِّف أنَّ جميع ما بعد قوله: ((زاد الليث)) ليس داخلاً في رواية شُعَيب، وليس كذلك، فإنَّه أخرج رواية شُعَيب بعد ثمانية أبواب (١١٠٩) وفيها أكثر من ذلك، وإنَّما الزّيادة في قصَّة صَفيَّة وصنيع ابن عمر خاصَّة، وفي التصريح بقوله: ((قال عبد الله: رأيت رسول الله وَ ال﴾) فقط(٢). ٧- باب صلاة التطوُّع على الدائَّة وحیثما توجّهت به ١٠٩٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى، قال: حدَّثْنَا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه قال: رأيتُ النبيَّ وَّهِ يُصلِّي على راحلتِهِ حيثُ تَوجّهَت به. [طرفاه في: ١٠٩٧، ١١٠٤] (١) هذا لفظ رواية أحمد (١٩٨٦٦)، وهو بنحوه عند أبي داود (١٢٢٩)، والترمذي (٥٤٥)، وليس فيه عندهما: إلا المغرب. : (٢) من قوله: ((فقلت له: الصلاة)) إلى هنا، تقدم في (س) وحدها إلى ما قبل شرح قوله: ((حتى سار ميلين أو ثلاثة)). ٢٦٦ باب ٧ / ح ١٠٩٣ - ١٠٩٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٠٩٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله أخبَرَه: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يُصلِّ التطوُّعَ وهو راكبٌ في غيرِ القِبْلةِ. ١٠٩٥ - حدّثنا عبدُ الأعلَى بنُ حَمَّدٍ، قال: حدَّثْنَا وُهَيبٌ، قال: حدَّثْنا موسى بنُ عُقْبة، عن نافعِ قال: كان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يُصلِّ على راحلتِهِ، ويُوِرُ عليها، ويُخْبِرُ أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَفْعَلُه. قوله: ((باب صلاة التطوُّع على الدابَّة)) في رواية كَرِيمة وأبي الوَقْت: ((على الدَّوابّ)) بصيغة الجمع، قال ابن رُشَيد: أورَدَ فيه الصلاة على الرَّاحلة، فيُمكِن أن يكون تَرجَمَ بأعمَّ ليُلحِقَ الحِكْمَ بالقياس، ويُمكِن أن يُستَفاد ذلك من إطلاق حديث جابر المذكور في الباب. انتهى، وقد تقدَّم في أبواب الوتر(١) قولُ الزَّين بن المنيِّر: إنَّه تَرجَمَ بالدابَّة تنبيهاً على أن لا فَرْقَ بينها وبين البعير في الحُكْم ... إلى آخر كلامه، وأشرنا هناك إلى ما وَرَدَ هنا بعد بابٍ (١٠٩٨) بلفظ: الدابّة. قوله: ((حدَّثنا عبد الأعلى)) هو ابن عبد الأعلى. قوله: ((عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه)) هو العَنَريّ بفتح المهمَلة والنون بعدها زاي، حَلِيف آل الخَطَّاب، كان من المهاجرين الأوَّلين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الجنائز (١٣٠٧)، وآخر عَلَّقَه في الصّيامِ(٢). وفي رواية عُقَيل عن ابن شهاب الآتية بعد بابٍ (١٠٩٧): أنَّ عامر بن ربيعة أخبره. قوله: ((يُصلِّ على راحلته)) بيَّن في رواية عُقَيل أنَّ ذلك في غير المكتوبة، وسيأتي بعد باب، وكذا لمسلم (٧٠١) من رواية يونس عن ابن شهاب بلفظ: ((السُّبْحة)). ٥٧٤/٢ قوله: ((حيثُ تَوجَّهَت به)) هو أعمُّ من قول جابر: ((في غيرِ القِبْلة))، قال ابن التِّين: قوله: ((حيثُ تَوجَّهَت به)) مفهومه: أنَّه يجلس عليها على هيئته التي يَركَبُها عليها ويَستَقْبِل بوجهِه ما استَقبَلَته الرَّاحلة، فتقديره: يُصلِّ على راحلته إلى (٣) حيثُ تَوجَّهَت به، فعلى هذا يتعلَّق (١) في باب الوتر على الدابة، عند الحديث رقم (٩٩٩). (٢) بين يدي الحديث رقم (١٩٣٤). (٣) قوله: ((إلى)) تحرف في (س) إلى: التي له. ٢٦٧ باب ٧ / ح ١٠٩٣ -١٠٩٥ أبواب التقصير قوله: (تَوجَّهَت به)) بقوله: ((يُصلّي))، ويحتمل أن يتعلَّق بقوله: ((على راحلته))، لكن يؤيِّد الأوَّل الرواية الآتية (١٠٩٧) يعني: رواية عُقَيل عن ابن شهاب، بلفظ: وهو على الرَّاحلة يُسبِّح، قِبَلَ أيِّ وجه تَوجَّهَت. قوله: «حدّثنا شَيْیان)» هو النَّخوي، ویحیی: هو ابن أبي کثیر، ومحمد بن عبد الرحمن: هو ابن ثوبان کما سنبیّته بعد باب. قوله: ((وهو راكبٌ)) في الرواية الآتية: ((على راحلته نحوَ المشرق))، وزاد: ((وإذا أراد أن يُصلِّي المكتوبة نزل فاستَقبَلَ القِبْلة))، وبيَّن في المغازي (٤١٤٠) من طريق عثمان بن عبد الله ابن سُراقة عن جابر: أنَّ ذلك كان في غزوة أَنْمار، وكانت أرضهم قِبَل المشرق لمن يَخْرُج من المدينة، فتكون القِبْلة على يسار القاصد إليهم، وزاد التِّرمِذيّ (٣٥١) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر بلفظ: فجئتُ وهو يُصلِّ على راحلته نحوَ المشرق السجودُ أخفَضُ من الركوع. قوله: ((كان ابن عمر يُصلِّ على راحلته)) يعني: في السَّفَر، وصرَّحَ به في حديث الباب الذي بعده. قوله: ((ويُوتِر عليها)» هذا الحديث لا يُعارِض ما رواه أحمد (٤٤٧٦) بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير: أنَّ ابن عمر كان يُصلِّ على الرَّاحدة تَطوُّعاً، فإذا أراد أن يُوتِرَ نزل فأوتَرَ على الأرض؛ لأنَّه محمول على أنَّه فعل كلّ من الأمرَين، ويؤيِّد رواية الباب ما تقدَّم في أبواب الوتر (٩٩٩): أنَّه أنكَرَ على سعيد بن يَسَار نزولَه إلى الأرض ليُوتِر، وإنَّما أنكَرَ عليه - مع كَوْنه كان يفعله - لأنَّه أراد أن يُبيِّن له أنَّ التُّزول ليس بحَتْم، ويحتمل أن يَتَنَزَّل فعلُ ابن عمر على حالين: فحيثُ أوتَرَ على الرَّاحلة، كان مُجدّاً في السَّير، وحيثُ نزل فأوتَرَ على الأرض، کان بخلاف ذلك. ٨- باب الإيماء على الدابَّة ١٠٩٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُّ دِينارٍ قال: كان عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما يُصلِّ في السَّفَرِ على راحلتِهِ أينما ٢٦٨ باب ٨-٩ / ح ١٠٩٦ - ١٠٩٩ فتح الباري بشرح البخاري تَوجَّهَت يُومِئُ، وذَكَرَ عبدُ الله أنَّ النبيَّ وَِّ کان یَفعَلُه. قوله: ((باب الإيماء على الدابَّة)) أي: للمُّكوع والسجود لمن لم يَتمكَّن من ذلك، وبهذا قال الجمهور، وروى أشهَبُ عن مالك: أنَّ الذي يُصلِّي على الدابَّة لا يَسجُد بل يُومِئ. قوله: ((حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبد العزيز)) تقدَّم هذا الحديث في أبواب الوتر (١٠٠٠) في ((باب الوتر في السَّفَر)) عن موسى هذا عن جُوَيرِيَة بن أسماء، فكأنَّ لموسى فيه شيخين، فإنَّ الراوي عن ابن عمر في ذلك مُغايرٌ لهذا، وزاد في رواية جُوَيرِيَة: ((يُومِئ إيماء إلَّا الفرائض)). قال ابن دقيق العيد: الحديث يدلّ على الإيماء مُطلَقاً في الركوع والسجود معاً، والفقهاء قالوا: يكون الإيماءُ في السجود أخفضَ من الركوع، ليكون البدلُ على وَفْقِ الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يُشِته ولا ينفيه. قلت: إلَّا أنَّه وقع في حديث جابر عند التِّرمِذيّ (٣٥١) كما تقدَّم (١). ٩- بابٌ ينزل للمكتوبة ٥٧٥/٢ ١٠٩٧ - حدّثنا يحيى بن بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابِ، عن عبدِ الله ابنِ عامرِ بنِ رَبِيعة، أنَّ عامَرَ بنَ رَبِيعةَ أخبَرَه، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّلِ وهو على الرَّاحلِ يُسْبِحُ يُومِىُ برأسِه قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ تَوجَّهَ، ولم يكن رسولُ الله ◌ِ لهيَصنَعُ ذلك في الصلاةِ المكتوبةِ. ١٠٩٨- وقال اللَّیثُ: حدثني يونس، عن ابنِ شِھابٍ قال: قال سالمٌ: کان عبدُ الله يُصلِّي علی داًبَتِهِ مِن اللیلِ وهو مسافرٌ، ما يُباِي حیثُ کان وجهُه. قال ابنُ عمرَ: وكان رسول الله وَّه يُسبِّحُ على الرَّاحلةِ قِبَلَ أيِّ وجهٍ تَوجَّه، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصلِّ عليها المكتوبةَ. ١٠٩٩ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الرحمن (١) أي: بلفظ: السجودُ أخفضُ من الركوع. ٢٦٩ باب ٩ / ح ١٠٩٧ - ١٠٩٩ أبواب التقصير ابنِ ثَوْبانَ، قال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يُصلِّ على راحلتِه نحوَ المشرِقِ، فإذا أراد أن يُصلِّيَّ المكتوبةَ نزلَ فاستَقبَلَ القِبْلةَ. قوله: ((باب ينزل للمكتوبة)) أي: لأجلها، قال ابن بَطَّال: أجمع العلماءُ على اشتراط ذلك، وأنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يُصلَِّّ الفريضة على الدابَّة من غير عُذْر، حاشا ما ذُكِرَ في صلاة شِدَّة الخوف. وذكر فيه حديث عامر بن ربيعة، وقد تقدَّم قريباً (١٠٩٣). قوله: (ُسبِّع)) أي: يُصلِّي النافلة، وقد تكرّرَ في الحدیث کثیراً، وسيأتي قريباً في حديث عائشة (١١٢٨): ((سُبْحة الضُّحَى))، والتَّسبيح حقيقةٌ في قول: سبحان الله، فإذا أُطلِقَ على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكُلِّ، أو لأنَّ المصلِّي مُنزِّه لله سبحانه وتعالى بإخلاص العبادة، والتَّسبيح: التَّنزيه، فيكون من باب الملازَمة، وأمَّا اختصاص ذلك بالنافلة فھو عُرف شرعي، والله أعلم. قوله: (وقال اللَّيْث)) وَصَلَه الإسماعيليّ بالإسنادين المذكورين قبل بابَينِ. قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائي، ويحيى: هو ابن أبي كثير. قال المهلَّب: هذه الأحاديث تَخُصّ قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وتُبِيِّنُ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] في النافلة، وقد أخذَ بمضمونٍ هذه الأحاديث فقهاءُ الأمصار، إلّا أنَّ أحمد وأبا ثَوْر كانا يَستَحِبّان أن يَستَقبِل القِبْلة بالتكبيرِ حال ابتداء الصلاة، والحُجَّة لذلك حديث الجارود بن أبي سَبْرة عن أنس: أنَّ النبيّ ◌َ كان إذا أراد أن يتطوَّع في السفر استَقبَلَ بناقتِهِ القِبْلةَ ثمَّ صلَّى حيثُ تَوجَّهَت رِكابُه، أخرجه أبو داود (١٢٢٥) وأحمد (١٣١٠٩) والدَّراقُطنيّ (١٤٧٧). واختَلَفوا في الصلاة على الدَّوابّ في السفر الذي لا تُقصَر فيه الصلاة، فذهب الجمهورُ إلى جواز ذلك في كلّ سفر، غير مالك فخَصَّه بالسَّفَر الذي تُقصَر فيه الصلاة، قال الطَّبَرَيُّ: لا أعلم أحداً وافَقَه على ذلك. ٢٧٠ باب ١٠ / ح ١١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ولم يُتَّفَقْ على ذلك عنه، وحُجَّته أنَّ هذه الأحاديث إِنَّمَا وَرَدَت في أسفاره نََّ، ولم يُنقَل عنه أَنَّه سافرَ سفراً قصيراً فصَنَعَ ذلك، وحُجَّة الجمهور مُطلَق الأخبار في ذلك، واحتجَّ الطَّبَرُّ للجمهور من طريق النَّظَرِ: أنَّ الله تعالى جعل التيمُّمَ رخصةً للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أنَّ مَن كان خارج المِصْر على ميلٍ أو أقلّ، ونيَّتَه العَوْدُ إلى منزله لا إلى سفر آخر، ولم يَجِدْ ماء أنَّه يجوز له التيقُّم، وقال: فكما جاز له التيمُّم في هذا القَدْر، جاز له التنفّلُ على الدابَّة لاشتراكهما في الرُّخصة. انتهى، وكأنَّ السَّ فيما ذُكِرَ تيسيرُ تحصيل النَّوافل على العباد وتكثيرها تعظيماً لأُجورهم، رحمةً من الله بهم. وقد طَرَدَ أبو يوسف ومَن وافَقَه التَّوسِعةَ في ذلك فجَوَّزَه في الحَضَر أيضاً، وقال به من الشافعيّة أبو سعيد الإصطَخريُّ. ٥٧٦/٢ واستُدلَّ بقوله: ((حيثُ كان وجهُه)) على أنَّ جهة الطريق تكون بَدَلاً عن القِبْلة، حتَّى لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصداً لغير حاجة المسير، إلّا إن كان سائراً في غير جهة القِبْلة فانحَرَفَ إلى جهة القِبْلة فإنَّ ذلك لا يَضُرّه على الصحيح، واستدلَّ به على أنَّ الوتر غير واجب عليه وَلي، لإيقاعه إيّاه على الرَّاحلة كما تقدَّم البحث فيه في ((باب الوتر في السَّفَرَ)) من أبواب الوتر (١٠٠٠)، واستُنِطَ من دليل التنفُّل للرّاكبِ جوازُ التنفّل للماشي، ومَنَعَه مالك مع أنَّه أجازه لراكب السفينة. ١٠ - باب صلاة التطوّع على الحمار ١١٠٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا حَبّانُ، قال: حدَّثنا همَّامٌّ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ سِيرِينَ، قال: استَقبَلْنا أنساً حينَ قَدِمَ مِن الشَّامِ فَلَقِيناه بعَينِ التَّمْرِ، فرأيتُه يُصلِّي على حمارٍ ووَجْهُهُ مِن ذا الجانبِ - يعني: عن يسار القِبْلة - فقلتُ: رأيتُكَ تُصلِّي لِغَيرِ القِبْلةِ! فقال: لَوْلا أنّي رأيتُ رسولَ الله ◌ِّ فَعَلَه لم أفعَلْه. ورواه ابنُ طَهْمان، عن حَجّاجٍ، عن أنسِ بنِ سِيرِين، عن أنسٍ ﴾، عن النبيِّ وَّه. قوله: ((باب صلاة التطوّع على الحمار)) قال ابن رُشَيْد: مقصوده أنَّه لا يُشتَرط في التطوُّع ٢٧١ باب ١٠ / ح ١١٠٠ أبواب التقصير على الدابَّة أن تكون الدابَّة طاهرة الفَضَلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرطِ أن لا يُمَاسَّ النَّجاسةَ. وقال ابن دقيق العيد: يُؤخَذ من هذا الحديث طهارة عَرَق الحمار، لأنَّ مُلابَسَته مع التَّحَرُّز منه مُتَعَذِّر، لا سيّما إذا طالَ الزمان في ركوبِه واحتمل العَرَق. قوله: ((حدّثنا حَبّان)) بفتح المهملة وبالموحّدة: هو ابن هِلال. قوله: ((استَقبَلْنا أنس بن مالك)) بسكون اللّام. قوله: ((حين قَدِمَ من الشّام)) كان أنس قد تَوجَّهَ إلى الشَّام يَشكُو من الحَجّاج، وقد ذكرتُ طرفاً من ذلك في أوائل كتاب الصلاة (٥٣٠)، ووقع في رواية مسلم (٧٠٢): ((حين قَدِمَ الشَّامَ)) وغَلَّطوه، لأنَّ أنس بن سيرين إِنَّا تَلَقّه لمَّا رَجَعَ من الشَّام، فخرج ابن سيرين من البصرة ليَتَلَقّه، ويُمكِن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: ((حين قَدِمَ الشَّام)» مُرَّد ذِكْر الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلتُ كذا لمَّا حَجَجتُ، قال النَّوَويّ: رواية مسلم صحيحة، ومعناه: تَلَقَّيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشَّام. قوله: ((فَلَقِيناه بعَينِ الَّمْر)) هو موضع بطريق العراق ممَّا يَلي الشَّامَ، وكانت به وقعة شَهِيرة في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووَجَدَ بها غِلماناً من العرب كانوا رَهْناً تحت يد كِسرَى منهم جَدُّ الكَلْبيّ المفسِّر وحُمْران مولى عثمان وسِيرِين مولى أنس. قوله: ((رأيتُك تُصلِّ لغير القِبْلة)) فيه إشعار بأنَّه لم يُنكِرِ الصلاة على الحمار ولا غيرَ ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنَّما أنكَرَ عَدَمَ استقبال القِبْلة فقط، وفي قول أنس: ((لولا أنّ رأيت النبيَّ ◌َّ يفعله)) يعني: تركَ استقبال القِبْلة للمُتنفِّلِ على الدابَّة، وهل يُؤْخَذ منه أنَّ النبيّ وَّ صلَّى على حمار؟ فيه احتمال، وقد نازَعَ في ذلك الإسماعيليُّ، فقال: خبر أنس إنَّما هو في صلاة النبيّ وَلَه راكباً تَطوُّعاً لغير القِبْلة، فإفراد الترجمة في الحمار من جهة السُّنَّة لا وجه له عندي، انتھی. ٢٧٢ باب ١٠ / ح ١١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد روى السَّرّاج (١) من طريق يحيى بن سعيد عن أنس: أنَّه رأى النبيَّ وَلّ يُصلِّي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر، إسناده حسن، وله شاهد عند مسلم (٧٠٠/ ٣٥) من طريق عَمْرو بن يحيى المازنيّ عن سعيد بن يَسَار عن ابن عمر: رأيت النبيَّ وَل ◌َه يُصلِّي على حمار وهو مُتوجِّه إلى خيبر؛ فهذا يُرجِّح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ. فائدة: لم يُبيِّن في هذه الرواية كيفيَّة صلاة أنس، وذكره في ((الموطّأ)) (١/ ١٥١) عن يحيى ابن سعيد قال: رأيت أنساً وهو يُصلِّ على حمار وهو مُتوجِّه إلى غير القِبْلة يركعُ ويَسجُد إيماءً من غير أن يَضَعَ جبهته على شيء. ٥٧٧/٢ قوله: ((ورواه إبراهيم بن طَهْمانَ عن حَجّاج)) يعني: ابن حَجّاج الباهلي، ولم يَسُق المصنِّف المتنَ ولا وقفنا عليه موصولاً من طريق إبراهيم، نعم وقع عند السَّرّاج من طريق عمر (٢) بن عامر عن الحجّاج بن الحجّاج بلفظ: أنَّ رسول الله وَّه كان يُصلِّي على ناقته حيثُ تَوجَّهَت به؛ فعلى هذا كأنَّ أنساً قاسَ الصلاة على الرَّاحلة بالصلاة على الحمار. وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما مضى: أنَّ مَن صلَّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرُها بشيءٍ منه أنَّ صلاته صحيحة، لأنَّ الدابَّة لا تَخُلُو من نجاسة ولو على مَنفَذها. وفيه الرجوع إلى أفعاله كالرجوع إلى أقواله من غير عُرْضة للاعتراض عليه. وفيه نَلَقّي المسافر، وسؤالُ التِّلميذ شيخَه عن مُستَنَد فعله والجواب بالدليل. وفيه التَّلطُّف في السُّؤال، والعمل بالإشارة لقوله: ((مِن ذا الجانب)). ١١ - باب من لم يتطوَّع في السفر دُبُر الصلاة ١١٠١ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني عمرُ بنُ محمَّدٍ، أنَّ (١) هو في ((حديث السراج)) بتخريج الشحامي (٢٠٧٩)، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يعزوه للنسائي، فإنه في «سننه)) برقم (٧٤١). (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمرو، والصواب كما في (ع): عُمَر، وهو عمر بن عامر السُّلمي أبو حفص البصري القاضي، له ترجمة في (تهذيب الكمال)) وفروعه. وهذا الطريق عند السراج في ((حديثه)) بتخريج الشحامي (٢٠٧٨). ٢٧٣ باب ١١ / ح ١١٠١- ١١٠٢ أبواب التقصير خَفْصَ بنَ عاصمٍ قال: سافَرَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما فقال: صَحِبتُ النبيَّ ◌ٍَّ فلم أرَهُ يُسبِّحُ في السَّفَرِ، وقال الله جَلَّ ذِكرُه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [طرفه في: ١١٠٢] ١١٠٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عيسى بنِ حَفْصِ بنِ عاصمٍ، قال: حدَّثني أَبِي، أنَّه سَمِعَ ابنَ عمرَ يقول: صَحِبتُ رسولَ اللهِ وَِّ فكان لا يزيدُ في السَّفَرِ على رَكْعتَينِ، وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كذلكَ رضي الله عنهم. قوله: ((باب مَن لم يَتَطَوَّع في السَّفَر دُبُرَ الصلاة)) زاد الحَمُِّيّ في روايته: ((وقبلها))، والأرجحُ رواية الأكثر لمَا سيأتي في الباب الذي بعده، وقد تقدَّم شيء من مباحث هذا الباب في أبواب الوتر (٩٩٩)، والمقصود هنا بيان أنَّ مُطلَق قول ابن عمر: ((صَحِبتُ النبيَّ وَّه فلم أرَه يُسبِّح في السَّفَرَ)) أي: يَتَنفَّل الرَّواتبَ التي قبل الفريضة وبعدها، وذلك مُستَفاد من قوله في الرواية الثانية: ((وكان لا يزيد في السَّفَر على ركعتين))، قال ابن دَقِيق العيد: وهذا اللَّفْظ يحتمل أن يريد: لا يزيد في عدد رَكَعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداوَمَة على القصر، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نَفلاً، ويحتمل أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك. قلت: ويدلّ على هذا الثاني روايةٌ مسلم (٦٨٩) من الوجه الثاني الذي أخرجه المصنّف ولفظه: صَحِبتُ ابنَ عمر في طريق مكَّةٍ فصلَّى لنا الظُّهر ركعتين، ثمَّ أقبلَ وأقبَلْنا معه حتَّى جاء رَحْلَه وجَلَسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاءِ؟ قلت: يُسبِّحون، قال: لو كنت مُسبِّحاً لَأتممتُ، فذكر المرفوع كما ساقه المصنّف. قال النَّوَويّ: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأنَّ الفريضة مُتَّمة، فلو شُرِعَت تامَّة لَتَحَتَّمَ إتمامُها، وأمَّ النافلة فهي إلى خِيَرةِ المصلِي، فطريق الرِّفق به أن تكون مشروعة ومُيَّر فيها. انتهى، وتُعُقِّبَ بأنَّ مُرادَ ابن عمر بقوله: ((لو كنت مُسبِّحاً لَأتممت)) يعني: أنَّه لو كان مُحَيَّراً بين الإتمام وصلاة الرّاتبة، لكان الإتمام أحبَّ إليه، لكنَّه فَهِمَ من القصر التخفيف، ٢٧٤ باب ١٢ / ح ١١٠٣ - ١١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري فلذلك كان لا يُصلِّي الرّاتبة ولا يُتِمّ. قوله: ((حدَّثْني عمر بن محمَّد)) هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر، وحفص: هو ابن عاصم، أي: ابن عمر بن الخَطَّاب، ويحيى شيخ مُسدَّد: هو القَطّان. قوله: ((وأبا بكر)) معطوف على قوله: صَحِبتُ رسولَ اللهِلَ. ٥٧٨/٢ قوله: ((وعمرَ وعثمانَ كذلكَ)) أي: أنَّه صَحِبَهم، وكانوا لا يزيدون في السَّفَر على ركعتين، وفي ذِكْر عثمان إشكال، لأنَّه كان في آخر أمره يُتِمّ الصلاةَ كما تقدَّم تقريباً (١٠٩٠)، فيُحمَل على الغالب. أو المراد به: أنَّه كان لا يَتَنفَّل في أوَّل أمره ولا في آخره، وأنَّه إنَّما كان يُتِمُّ إذا كان نازلاً، وأمَّا إذا كان سائراً فيَقصُر، فلذلك قَيَّدَه في هذه الرواية بالسَّفَر، وهذا أولى لمَا تقدَّم تقريره في الكلام على تأويل عثمان. ١٢ - باب من تطوَّع في السفر في غير دُبُر الصلوات وقبلها وَرَكَعَ النبيُّ ◌ََّ رَ كْعتَيِ الفجرِ فِي السَّفَرِ. ١١٠٣- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو، عن ابن أبي ليلى قال: ما أَخْبَرَنا أحدٌ أَنَّه رَأَى النبيَّ ◌َّهِ صلَّى الضُّحَى غيرُ أُمِّ هاني، ذَكَرَت أنَّ النبيَّ وَلِ يومَ فَتح مكَّةَ اغتَسَلَ في بيتِها فصَلَّى ثمانَ رَكَعاتٍ، فما رأيتُهُ صلَّى صلاةَ أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه يُتِمُّ الرُّكوعَ والسُّجودَ. [طرفاه في: ٤٢٩٢،١١٧٦] ١١٠٤ - وقال اللَّيْثُ: حدَّثْني يونسُ، عن ابنِ شِهَاب، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عامٍ، أنَّ أباه أخبره: أنَّه رَأَى النبيَّ نَّهِ صلَّى السُّبْحَةَ بالليلِ في السَّفِرِ على ظَهْرِ راحلتِهِ حيثُ تَوجَّهَت به. ١١٠٥- حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله ◌َِّ كان يُسبِّحُ على ظَهْرِ راحلتِهِ حيثُ کان وجهُه، يُومِئُ برأسِه، وكان ابنُ عمرَ يَفعَلُه. ٢٧٥ باب ١٢ / ح ١١٠٣ - ١١٠٥ أبواب التقصير قوله: ((باب مَن تَطوَّعَ في السفر في غير دُبُر الصلاة)) هذا مُشعِرٌ بأنَّ نفي التطوُّع في السَّفَر محمول على ما بعد الصلاة خاصَّةً، فلا يتناول ما قبلها ولا ما لا تعلُّق له بها من النَّوافل المطلَقة كالتهجُّد والوتر والضُّحى وغير ذلك، والفَرْق بين ما قبلها وما بعدها: أنَّ التطوُّع قبلها لا يُظَنُّ أنَّه منها، لأنَّه يَنفَصِل عنها بالإقامة وانتظار الإمام غالباً ونحو ذلك، بخلاف ما بعدها فإنَّه في الغالب يَتَّصِل بها فقد يُظَنّ أنَّه منها. فائدة: نقل النَّوَويّ تَبَعاً لغيره أنَّ العلماء اختلفوا في التنفُّل في السَّفَر على ثلاثة أقوال: المنعِ مُطلَقاً، والجواز مُطلَقاً، والفَرْق بين الرَّواتب والمطلَقة، وهو مذهب ابن عمر كما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ٣٨٢ -٣٨٣) بإسنادٍ صحيح عن مجاهد قال: صَحِبت ابنَ عمر من المدينة إلى مكَّة، وكان يُصلِّ تَطُوُّعاً على دابَّته حيثُما تَوجَّهَت به، فإذا كانت الفريضةُ نزل فصلّى. وأغفلوا قولاً رابعاً: وهو الفَرْق بين الليل والنهار في المطلَقة، وخامساً: وهو ما فَرَغْنا من تقريره. قوله: ((وَرَكَعَ النبيُّ ◌َّهِ فِي السَّفَرَ رَكْعتَي الفجر)» قلت: وَرَدَ ذلك في حديث أبي قَتَادة عند مسلم (٦٨١) في قصَّة النوم عن صلاة الصبح ففيه: ثمَّ صلَّى ركعتين قبل الصبح ثمّ صلَّى الصبح كما كان يُصلّي، وله (٦٨٠/ ٣١٠) من حديث أبي هريرة في هذه القصّة أيضاً: ثُمَّ دعا بماءٍ فَتَوضَّأ ثمَّ صلَّى سجدتين - أي: ركعتين - ثمَّ أُقيمَت الصلاة فصلّى صلاة الغَدَاة ... الحديث. ولابنِ خُزَيمةَ (٩٩٨) والدّارَقُطنيّ (١٤٣١) من طريق سعيد بن المسيّب عن بلال في هذه القصَّة: / فأمر بلالاً فأذَّن، ثمَّ تَوضَّأ فصَلَّوا ركعتين، ثمَّ صَلَّوا ٥٧٩/٢ الغَدَاةَ، ونحوه للدّارَ قُطْنيّ (١٤٣٧ و١٤٣٨) من طريق الحسن عن عمران بن حُصَين، قال صاحب ((الهَدْي)): لم يُحِفَظ عن النبيِّ وَّةٍ أَنَّه صلَّى سُنَّة الصلاة قبلها ولا بعدها في السَّفَر، إلَّا ما كان من سُنَّة الفجر. قلت: ويَرِدُ على إطلاقه ما رواه أبو داود (١٢٢٢) والتِّرمِذيّ (٥٥٠) من حديث البَراء ابن عازب قال: سافرت مع النبيّ وَّ ثمانية عشر سفراً فلم أرَه تركَ ركعتين إذا زاغت ٢٧٦ باب ١٢ / ح ١١٠٣ - ١١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري الشمس قبل الظّهر. وكأنَّه لم يَثبُت عنده، لكن التِّرمِذيّ اسْتَغرَبَه، ونَقَلَ عن البخاري أنَّه رآه حسناً(١)، وقد حَمَلَه بعضُ العلماء على سُنَّة الزّوال لا على الرّاتبة قبل الظّهر، والله أعلم. قوله: ((ما أخبرنا أحد أنَّه رأى النبيَّ ◌َِّ صلَّى الضُّحَى غيرُ أُمّ هانى)) هذا لا يدلّ على نفي الوقوع، لأنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى إنَّما نَفَى ذلك عن نفسه، وأمَّا قول ابن بَطَّال: لا حُجَّة في قول ابن أبي ليلى، وتَرِدُ عليه الأحاديث الواردة في أنَّه صلَّى الضُّحَى وأمر بها؛ ثمَّ ذكر منها جملةً، فلا يَرِدُ على ابن أبي ليلى شيء منها، وسيأتي الكلام على صلاة الضُّحَى في باب مُفرد في أبواب التطوُّع (١١٧٧ - ١١٧٩)، والمقصود هنا أنَّه ◌َِّ صلَّاها يوم فتح مكَّة، وقد تقدَّم في حديث ابن عبّاس أنَّه كان حينئذٍ يَقصر الصلاة المكتوبة، وكان حكمُه حُكمَ المسافر. قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) قد تقدَّم قبلُ ببابَينِ (١٠٩٧) موصولاً من رواية الليث عن عُقَيل، ولكن لفظ الروايتين مُخْتلِف، ورواية يونس هذه وصلها الذُّهْلِيُّ في (الزُّهْريّات)) عن أبي صالح عنه. قوله: ((يُومِئ برأسِه)) هو تفسير لقوله: ((يُسبِّح) أي: يُصلِّي إيماءً، وقد تقدَّم (١٠٩٦) في ((باب الإيماء على الدابَّة)) من وجه آخر عن ابن عمر، لكن هناك ذكره موقوفاً ثمَّ عَقَّبَه بالمرفوع، وهذا ذُكِرَ مرفوعاً ثمَّ عَقَّبَه بالموقوف، وفائدة ذلك - مع أنَّ الحُجَّة قائمة بالمرفوع - أن يُبيِّن أنَّ العمل استمرَّ على ذلك ولم يَتَطَرَّق إليه نَسخٌ ولا مُعارِض ولا راجح. وقد اشتملت أحاديث الباب على أنواع ما يُتَطوَّع به سوى الرّاتبة التي بعد المكتوبة، فالأوَّل لمَا قبل المكتوبة، والثاني لمَا له وقتٌ مخصوص من النَّوافل كالضُّحَى، والثالث لصلاة الليل، والرابع لمُطلَق النَّوافل. وقد جمع ابن بَطَّال بين ما اختُلِفَ عن ابن عمر في ذلك بأنَّه كان يَمنَع التنفُّلَ على الأرض، ويقول به على الدابَّة. (١) مع أن في سنده أبا بُسْرة الغفاري - وهو راويه عن البراء - تفرد بالرواية عنه صفوان بن سليم، لكن وثقه العجلي وذكره ابن حبان في كتابه ((الثقات))، إلا أن الذهبي قال في ((الميزان)): لا يُعرَف. وانظر ((مسند أحمد)» (١٨٥٨٣) و(١٨٦٠٥). ٢٧٧ باب ١٣ / ح ١١٠٦- ١١٠٨ أبواب التقصير وقال النَّوَويّ تَبَعاً لغيره: لعلَّ النبيّ وَّه كان يُصلِّ الرَّواتب في رَحْله ولا يراه ابن عمر، أو لعلَّه تَركَها في بعض الأوقات لبيان الجواز. انتهى، وما جمعْنا به تبعاً للبخاريِّ فيما يَظْهَر أظهرُ، والله أعلم. ١٣ - باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء ١١٠٦ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، عن سالم، عن أبيه قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يجمعُ بين المغربِ والعِشاءِ إِذا جَدَّ به السَّيرُ. ١١٠٧ - وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن الحسينِ المعلِّمِ، عن يحيى بنِ أبي كَثِير، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ اللهِ وَّه يجمعُ بين صلاةِ الظَّهرِ والعصرِ إذا كان على ظَهْرِ سَيٍ، ويجمعُ بين المغربِ والعِشاءِ. ١١٠٨ - وعن حسينٍ، عن يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن حَفْصِ بنِ عُبيد الله بنِ أنسٍ، عن أنسٍ ابنِ مالكِ ﴾ قال: كان النبيُّ بَّه يجمعُ بين صلاةِ المغربِ والعِشاءِ فِي السَّفَرِ. وتابَعَه عليٌّ بنُ المبارَكِ وحَرْبٌ عن يحيى، عن خَفْصٍ، عن أنسٍ: جَمَعَ النبيُّ ◌َِّ. [طرفه في: ١١١٠] قوله: ((باب الجمع في السَّفَر بين المغرب والعِشاء)) أو رَدَ فيه ثلاثة أحاديث: حديث ابن ٥٨٠/٢ عمر: وهو مُقيَّد بما إذا جَدَّ السَّير، وحديث ابن عبّاس: وهو مُقيّد بما إذا كان سائراً، وحديث أنس: وهو مُطلَق. واستَعمَلَ المصنّف الترجمة مُطلَقة إشارةً إلى العمل بالمطلَق، لأَنَّ المقيّد فردٌ من أفراده، وكأنَّه رأى جواز الجمع بالسَّفَرِ سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيرُه ◌ُجِدّاً أم لا، وهذا ممّا وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم، فقال بالإطلاق كثيرٌ من الصحابة والتابعينَ، ومن الفقهاء: الثَّوريُّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأشهَبُ، وقال قوم: لا يجوز الجمع مُطلَقاً إلَّا بعَرَفة ومُزدَلِفة، وهو قول الحسن والنَّخَعيِّ وأبي حنيفة وصاحبَيه، ووقع عند النَّوَويّ أنَّ الصّاحبَينِ خالفا شيخهما، ورَدَّ عليه السّروجيّ في ((شرح ٢٧٨ باب ١٣ / ح ١١٠٦-١١٠٨ فتح الباري بشرح البخاري الهداية)) وهو أعرَفُ بمذهبه، وسيأتي الكلام على الجمع بعَرَفة في كتاب الحج (١٦٦٢) إن شاء الله تعالى. وأجابوا عمَّا وَرَدَ من الأخبار في ذلك بأنَّ الذي وقع جمعٌ صُورِيّ، وهو أنَّه أخَّرَ المغرب مثلاً إلى آخر وقتها، وعَجَّلَ العِشاء في أوَّل وقتها. وتَعقَّبَه الخطّابِيُّ وغيره بأنَّ الجمعِ رُخْصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظمَ ضِيقاً من الإتيان بكلِّ صلاة في وقتها، لأنَّ أوائل الأوقات وأواخرها ممّا لا يُدرِكُه أكثر الخاصَّة فضلاً عن العامَّة. ومن الدليل على أنَّ الجمع رخصةٌ قولُ ابن عبّاس: ((أراد أن لا يُحُرِجَ أُمَّته)) أخرجه مسلم (٧٠٥)، وأيضاً فإنَّ الأخبار جاءت صريحةً بالجمع في وقت إحدى الصلاتَينِ كما سيأتي في الباب الذي يليه، وذلك هو المتبادَر إلى الفَهْم من لفظ الجمع، ومَّا يَرُدّ الحملَ على الجمع الصُّوريّ جمعُ التقديم الآتي ذِكْره بعد بابٍ (١١١١)، وقيل: يَخْتَصّ الجمعُ بمَن يَجِدّ في السَّير، قاله الليث، وهو القول المشهور عن مالك، وقيل: يَخْتَصُّ بالمسافر دون النازل، وهو قول ابن حبيب، وقيل: يَخْتَصّ بمَن له عذرٌ، حُكيَ عن الأوزاعي، وقيل: يجوز جمعُ التأخير دون التقديم، وهو مَرويٌّ عن مالك وأحمد، واختاره ابن حَزْم. تنبيه: أورَدَ المصنّف في أبواب التقصير أبوابَ الجمع، لأنَّه تقصير بالنِّسبة إلى الزمان، ثمَّ أبوابَ صلاة المعذور قاعداً، لأنَّه تقصير بالنّسبة إلى بعض صور الأفعال، ويجمع الجميعَ الرُّخصةُ للمعذور. قوله في حديث ابن عمر: ((جَدَّ به السَّيرُ)) أي: اشتَدَّ. قاله صاحب ((المحكم))، وقال عياض: جَدَّ به السَّيرُ: أسرَعَ. كذا قال، وكأنَّه نَسَبَ الإسراع إلى السَّير تَوسُّعاً. قوله: ((وقال إبراهيم بن طَهْمَانَ)) وَصَلَه البيهقيُّ (١٦٤/٣) من طريق محمد بن عَبدُوسٍ، عن أحمد بن حفص النَّيسَابُوريّ، عن أبيه، عن إبراهيم المذكور، بسنده المذكور إلى ابن عبَّاس بلفظه. قوله: ((على ظَهْرِ سَيْر)) كذا للأكثر بالإضافة، وفي رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((على ظَهرٍ)) بالتنوينِ ٢٧٩ باب ١٤ / ح ١١٠٩ - ١١١٠ أبواب التقصير ((يسيرُ)) بلفظ المضارع بتحتانيَّةِ مفتوحة في أوَّله، قال الطِّييُّ: الظَّهر في قوله: ((ظَهْر سير)) للتأكيد كقوله: الصَّدَقة عن ظَهْر غِنَّى، ولفظ الظَّهر يقع في مثل هذا اتِّساعاً للكلام، كأنَّ السَّير كان مُستَئِداً إلى ظَهرٍ قويّ من المَطِيِّ مثلاً. وقال غيره: جُعِلَ للسَّيرِ ظهرٌ، لأنَّ الرّاكب ما دامَ سائراً فكأنَّه راكب ظهرٍ. قلت: وفيه جِناسُ التَّحريف بين الظُّهر والظّهر، واستدلَّ به على جواز جمع التأخير، وأمَّا جمع التقدیم فسیأتي الكلام علیه بعد بابٍ. قوله: ((وعن حُسَين)) هو معطوف على الذي قبله، والتقدير: وقال إبراهيم بن طَهْمانَ: عن حسين عن يحيى عن حفص، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، ويحتمل أن يكون عَلَّقَه عن حسين لا بقَيدِ كونِه من رواية إبراهيم بن طهمانَ عنه. قوله: ((تابَعَه عليٌّ بن المبارَك وحَرْب)) أي: ابن شَدّاد ((عن يحيى)) هو ابن أبي كثير ((عن حفص)) أي: تابَعا حسيناً، فأمَّا مُتَابَعة عليّ بن المبارَك، فوَصَلها أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق عثمان بن عمر بن فارس عنه، وأمَّا مُتَابَعة حرب، فوَصَلها المصنِّف في آخر الباب الذي بعده، وقد تابَعَهم مَعمَر عند أحمد (١٢٤٠٨)، وأبانُ بن يزيد عند الطَّحَاويِّ (١/ ١٦٢)، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. ٥٨١/٢ ١٤ - باب هل يؤذِّن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء؟ ١١٠٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمٌ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّ إذا أعجَلَه السَّيرُ في السَّفَرِ، يُؤْخِّرُ صلاةَ المغربِ حتَّى يجمعَ بينها وبين العِشاءِ. قال سالمٌ: وكان عبدُ الله يفعلُه إذا أعجَلَه السَّيرُ، ويُقِيمُ المغربَ فيُصلِّيها ثلاثاً، ثمَّ يُسلِّمُ، ثمَّ قَلَّما يَلْبَثُ حتَّى يُقِيمَ العِشاءَ فيُصلِّها رَكْعَتَينِ، ثمَّ يُسلِّمُ ولا يُسبِّحُ بينَهما بَرَكْعَةٍ، ولا بعدَ العِشاءِ بِسَجْدةٍ حتَّى يقومَ من جَوْفِ الليلِ. ١١١٠ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَدِ، حدَّثنا حَرْبٌ، حدّثنا يحيى، قال: حدَّثني ٢٨٠ باب ١٤ / ح ١١٠٩ - ١١١٠ فتح الباري بشرح البخاري حفصُ بنُ عُبيد الله بنِ أنسٍ، أنَّ أنساً ﴾ حدَّثه: أنَّ رسول الله وَِّ كان يجمعُ بين هاتَينِ الصلاتَينِ في السَّفَرِ؛ يعني: المغربَ والعِشاءَ. قوله: ((باب هل يُؤذِّن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء؟)) قال ابن رُشَيْد: ليس في حديثَي الباب تنصيصٌ على الأذان، لكنْ في حديث ابن عمر منهما: ((يقيم المغربَ فُيُصلّيها)) ولم يُرِدْ بالإقامة نفسَ الأذان، وإنَّما أراد: يقيم للمغرب، فعلى هذا فكأنَّ مُرادَه بالترجمة: هل يُؤذِّن أو يَقتصِر على الإقامة، وجعلَ حديثَ أنس مُفسَّراً بحديث ابن عمر، لأنَّ في حديث ابن عمر حُكماً زائداً. انتهى. ولعلَّ المصنّف أشار بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرق حديث ابن عمر، ففي الدّارَ قُطنيِّ (١٤٥٧) من طريق عمر بن محمد بن زيد عن نافع عن ابن عمر في قصَّة جمعِه المغربَ والعِشاءَ، فنزل فأقامَ الصلاة، وكان لا يُنادي بشيءٍ من الصلاة في السَّفَرِ، فقامَ فجمع بين المغرب والعشاء، ثمَّ رَفَعَ الحديث. وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ الراوي لمَّا أطلقَ لفظ الصلاة، استُفيدَ منه أنَّ المراد بها التّامَّة بأركانها وشرائطها وسُنَتها، ومن جُملَتها الأذان والإقامة، وسَبقَه ابن بَطَّل إلى نحو ذلك. قوله: ((يُؤْخِّر صلاةَ المغرب)) لم يُعِّن غاية التأخير، وبيَّنْه مسلم (٤٣/٧٠٣) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنَّه بعد أن يغيب الشَّفَق، وفي رواية عبد الرزاق (٤٤٠٢) عن مَعمَر عن أيوب وموسى بن عُقْبة عن نافع: فأخّرَ المغرب بعد ذهاب الشَّفَقِ حتَّى ذهب هَوِيٌّ من الليل، وللمصنّف في الجهاد (٣٠٠٠) من طريق أسلمَ مولى عمر عن ابن عمر في هذه القصَّة: حتَّى كان بعد غُروب الشَّفَق نزل فصلّى المغرب والعشاء جمع بينهما، ولأبي داود (١٢١٧) من طريق ربيعة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذه القصَّة: فسارَ حتَّى غابَ الشَّفَقِ وتَصَوَّبَت النُّجومُ نزل فصلّى الصلاتَينِ جميعاً. وجاءت عن ابن عمر روايات أُخرى: أنَّه صلَّى المغرب في آخر الشَّفَق، ثمَّ أقامَ الصلاة وقد تَوارَى الشَّفَق، فصلَّى العِشاء، أخرجه أبو داود (١٢١٣) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر