النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ باب ١ / خ ١٠٦٧ أبواب سجود القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أبواب سُجُود القُرْآن ٥٥١/٢ ١ - باب ما جاء في سجود القرآن وسُنّتها ١٠٦٧ - حدَّثْنَا مُحمَّدُ بنُ بَشّارِ، قال: حدَّثنَا غُندَرٌّ، قال: حدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ الأسوَد، عن عبدِ الله به، قال: قَرأَ النبيُّ وَِّ((النَّجْمَ)) بمَّةٌ فَسَجَدَ فيها وسَجَدَ من معه، غيرَ شيخ أخَذَّ كَفّاً من حَصَّى أو ترابٍ فَرَفَعَه إلى جَبْهِتِهِ، وقال: يَكْفِيني هذا، فرأيتُه بعد ذلك قُتِلَ كافراً. [أطرافه في: ٣٨٥٣٠١٠٧٠، ٣٩٧٢، ٤٨٦٣] قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم، أبواب سجود القرآن)) كذا للمُستَمْلي، ولغيره: ((باب ما جاء في سجود القرآن وسُنَّتها)) أي: سُنَّةُ سجود التِّلاوة، وللأَصِیليّ: «وسُنَّته)»، وسيأتي ذِكْر مَن قال بوجوبها في آخر الأبواب، وسَقَطَت البسملة لأبي ذرٍّ. وقد أجمعَ العلماء على أنَّه يَسجُد في عشرة مواضع، وهي مُتَوالية إلَّا ثانية ((الحجّ)) و((ص))، وأضافَ مالك: ((ص)) فقط، والشافعيّ في القديم: ثانية ((الحجّ)) فقط، وفي الجديد: هي وما في المفصَّل، وهو قول عطاء، وعن أحمد مثله في رواية، وفي أُخرى مشهورة زيادة ((ص))، وهو قول الليث وإسحاق، وابن وَهْب وابن حبيب من المالكيَّة، وابن المنذر وابن مُریج من الشافعية، وعن أبي حنيفة مثله، لگن نُّغَی ثانیة (الحج)) وهو قول داود. ووراء ذلك أقوال أُخرى: منها عن عطاء الخُراسانيّ: الجميع إلَّا ثانية ((الحج)) و((الانشقاق))، وقيل: بإسقاطهما وإسقاط ((ص)) أيضاً، وقيل: الجميع مشروع ولكن العَزائم ((الأعراف)) و((سبحان)) وثلاث المفضَّل، رُوِيَ عن ابن مسعود، وعن ابن عبَّاس: ((الم تنزيل)) و((حمّ تنزيل)) و((النَّجم)) و((اقرأ))، وعن سعيد بن جُبَير مثله بإسقاط ((اقرأ))، ٢٢٢ باب ١ / ح ١٠٦٧ فتح الباري بشرح البخاري وعن عُبيد بن عُمَير مثله لكن بإسقاط ((النَّجم)) وإثبات ((الأعراف)) و((سبحان))، وعن عليٍّ: ما وَرَدَ الأمرُ فيه بالسجود عَزِيمٌ، وقيل: يُشرَع السجود عند كلِّ لفظ وقع فيه الأمر بالسجود، أو الحثُّ عليه والثَّناء على فاعله، أو سِيقَ مَسَاق المدح، وهذا يَبلُغ عدداً كثيراً، وقد أشار إليه أبو محمد بن الخَشّاب في قصيدته الإلغازيّة. قوله: ((سمعت الأسوَد)) هو ابن يزيد، وعبد الله: هو ابن مسعود. قوله: ((وسَجَدَ مَن معه غيرَ شيخ)) سَمّاه في تفسير سورة النَّجم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق: أُميَّة بن خَلَف، ووقع في ((سيرة ابن إسحاق)) أنَّه الوليد بن المغيرة، وفيه نظرٌ لأنَّه لم يُقتَل، وفي ((تفسير سُنَيد)): الوليد بن المغيرة أو عُتبة بن ربيعة بالشَّكِّ، وفيه نظر لمَا أخرجه الطَّبرانيُّ (٢/٢٠) من حديث مَخْرمةَ بن نَوفَل قال: لمَّا أظهَرَ النبيُّ وَّةِ الإسلامَ أسلمَ أهل مكَّة حتَّى إِنَّه كان لَيقرأ السجدة فيَسجُدون فلا يَقدِر بعضهم أن يَسجُد من الزّحام، حتَّى قَدِمَ رُؤَساء قريش الوليد بن المغيرة وأبو جهل وغيرهما، وكانوا بالطائف فرجعوا وقالوا: تَدَعُون دين آبائكم(١)، لكن في ثُبوت هذا نظر، لقول أبي سفيان في الحديث الطّويل: إنَّه لم يَرتَدَّ أحد مَّن أسلمَ(٢)، ويُمكِن أن يُجمَع بأنَّ النَّفي مُقيَّد بمَن ارتَدَّ سَخَطاً لا بسبب مُراعاة خاطر رُؤَسائه. وروى الطََّرَيُّ من طريق أبي بشر عن سعيد بن جُبَير: أنَّ الذي رَفَعَ التُراب فسجد عليه هو سعيد بن العاص بن أُميَّة أبو أُحَيحة، وتَبِعَه النَّحّاس، وذكر أبو حيّان شيخ شيوخنا في («تفسيره)): أنَّه أبو لهب، ولم يَذكُر مُستَنَده، وفي ((مصنَّف ابن أبي شَيْبةٍ)) (٨/٢) عن أبي هريرة: سَجَدوا في النَّجم إلَّا رجلينٍ من قريش أرادا بذلك الشُّهرةَ، وللنَّسائيِّ (٩٥٨) من حديث المطَّلِب بن أبي وَدَاعة قال: قرأ رسول الله وَّرِ النَّجم، فسجد وسجد مَن معه، فَرَفَعتُ رأسي وأبَيْتُ أن أسجُد. ولم يكن المطَّلِب يومئذٍ أسلمَ. (١) وفي إسناده عبد الله بن لَهِيعة، وهو سيِِّع الحفظ. (٢) سلف عند البخاري برقم (٧). ٢٢٣ باب ٢ / ح ١٠٦٨ أبواب سجود القرآن ومهما ثَبَتَ من ذلك، فلعلَّ ابن مسعود لم يَرَه، أو خَصَّ واحداً بذِكْره لاختصاصه بأخذٍ ٥٥٢/٢ الكَفّ من التُّراب دون غيره. وأفاد المصنِّف في رواية إسرائيل (٤٨٦٣): أنَّ النَّجم أوَّل سورة أُنزِلَت فيها سجدة، وهذا هو السِّ في بِدَاءة المصنِّف في هذه الأبواب بهذا الحديث، واستُشكِلَ بأنَّ ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أوَّل السور نزولاً، وفيها أيضاً سجدة فهي سابقة على النَّجم، وأُجيبَ بأنَّ السابق من ((اقرأ) أوائلها، وأمَّا بقيَّتها فنزل بعد ذلك، بدليل قصَّة أبي جهل في نهيه للنبيِّ وَلَ﴿ عن الصلاة، أو الأوَّلَيَّة مُقَيَّدة بشيءٍ محذوف بَيَّنَتَه رواية زكريًّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند ابن مَرْدويه بلفظ: أنَّ أوَّل سورة استَعلَنَ بها رسول الله وَلَّ ((والنَّجم))، وله من رواية عبد الكبير بن دينار عن أبي إسحاق: أوَّل سورة تَلَاها على المشركينَ ... فذكره، فيُجمَع بين الروايات الثلاث بأنَّ المراد: أوَّل سورة فيها سجدة تَلاها جَهراً على المشركينَ. وسيأتي بقيّة الكلام عليه في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٣) إن شاء الله تعالى. ٢ - باب سجدة ((تنزيل)) السَّجدة ١٠٦٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: كان النبيُّ نَّهِ يَقْرَأُ في الجمعةِ في صلاةِ الفجرِ: ﴿الَّ تَزِيلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾. قوله: ((باب سَجْدة تنزيل السَّجْدة)) قال ابن بَطَّل: أجمعوا على السجود فيها، وإنَّما اختلفوا في السجود بها في الصلاة. انتهى، وقد تقدَّم الكلام على ذلك وعلى حديث أبي هريرة المذكور في الباب في كتاب الجمعة مُستَوفَّى (٨٩١). ٣- باب سجدة صّ ١٠٦٩ - حدَّثنا سليمانُ بن حَرْبٍ وأبو التُّعمان، قالا: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب، عن عِکرمةً، ٢٢٤ باب ٣ / ح ١٠٦٩ فتح الباري بشرح البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ((صّ)) ليس من عَزائم السُّجود، وقد رأيتُ النبيَّ ◌َِه يسجدُ فيها. [طرفه في: ٣٤٢٢] قوله: ((باب سَجْدة صّ)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس: ((صّ ليس من عَزائم السجود)» يعني: السجود في صّ إلى آخره، والمراد بالعَزائِمِ: ما وَرَدَت العزيمةُ على فعله كصيغة الأمر مثلاً، بناءً على أنَّ بعض المندوبات آكَدُ من بعض عند مَن لا يقول بالوجوب، وقد روى ابن المنذر (٢٦٢/٥) وغيره عن عليّ بن أبي طالب بإسنادٍ حسن: أنَّ العزائم حمّ والنَّجم واقرأ والّمّ تنزيل(١)، وكذا ثَبَتَ عن ابن عبّاس في الثلاثة الأُخَر، وقيل: الأعراف وسبحان وحمّ والّمّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٧). قوله: ((وقد رأيت رسول الله وَ ل﴿ يَسجُد فيها)) وقع في تفسير ((صَّ)) عند المصنّف (٤٨٠٧) من طريق مجاهد قال: سألت ابن عبّاس: من أينَ سَجَدتَ في صّ؟ ولابنِ خُزَيمةَ (٥٥٢) من هذا الوجه: من أينَ أخذت سجدة صّ؟ ثمَّ انَّفَقا فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿ فَبِهُدَدُهُمُ أُقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤-٩٠]، ففي هذا أنَّه اسْتَنْبَطَ ٥٥٣/٢ مشروعيَّة السجود فيها من الآية،/ وفي الأوَّل أنَّه أخذَه عن النبيِّي وَلَهَ، ولا تَعارُض بينهما لاحتمال أن يكون استفاده من الطريقين. وقد وقع في أحاديث الأنبياء (٣٤٨١) من طريق مجاهد في آخره: ((فقال ابن عبّاس: نبيكم مَمَّن أُمِرَ أن يُقْتَدَى بهم)) فاستَنْبَطَ وجهَ سجود النبيّ وَّر فيها من الآية، وسبب ذلك كَوْن السجدة التي في ((صَّ)) إنَّما وَرَدَت بلفظ الركوع، فلولا التَّوقيفُ مَا ظَهَرَ أنَّ فيها سجدة. وفي النَّسائيِّ (٩٥٧) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((سَجَدَها داودُ توبةً، ونحنُ نَسجُدها شُكراً)، فاستَدلَّ الشافعيّ بقوله: ((شُكراً» على أنَّه لا يسجد فيها في الصلاة، لأنَّ سجود السُّكْرِ(٢) لا يُشرَع داخل الصلاة. (١) المراد بـ(حمّ): حمّ السجدة، وهي سورة فُصِّلت، وبـ«المّ تنزيل)) سورة السجدة. (٢) في (س): الشاكر. ٢٢٥ باب ٤-٥ / ح ١٠٧٠ - ١٠٧١ أبواب سجود القرآن ولأبي داود (١٤١٠) وابن خُزَيمةَ (١٤٥٥ و١٧٩٥) والحاكم (٢٨٤/١-٢٨٥ و٤٦٩/٢) من حديث أبي سعيد: أنَّ النبيّ وَ لَهقرأ وهو على المِنْبَرَ ((ص))، فلمَّا بَلَغَ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، ثمَّ قرأها في يوم آخر فتَهَيَّ الناس للسجودِ فقال: ((إنَّما هي توبةُ نَبِيٍّ، ولكنّي رأيتُكم تَهيَّأْتُم)) فنزل وسجد وسَجَدوا معه، فهذا السياق يُشعِر بأنَّ السجود فيها لم يُؤَّد كما أُكِّدَ في غيرها، واستدلَّ بعض الحنفيّة من مشروعيّة السجود عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَكِعَا وَأَذَابَ﴾ [ص: ٢٤] بأنَّ الركوع عندها يَنُوب عن السجود، فإن شاءَ المصلِ رَكَعَ بها وإِن شاءَ سَجَد، ثمَّ طَرَدَه في جميع سجَدات التِّلاوة، وبه قال ابن مسعود. ٤ - باب سجدة النَّجم قاله ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ وَّل. ١٠٧٠ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله﴾: أنَّ النبيَّ وَّهَ قرَأَ سورةَ النَّجْمِ، فسَجَدَ بها فما بَقِيَ أحدٌ مِن القومِ إلا سَجَد، فأخَذَ رجلٌ مِن القومِ كَفّاً من حَصَّى أو ترابٍ فَرَفَعَه إلى وَجْهِه، وقال: يَكْفِيني هذا، فلقد رأيتُه بعدُ قُتِلَ كافراً. قوله: ((باب سَجْدة النَّجْم. قاله ابن عبّاس عن النبيِّ وَّ)) يأتي موصولاً في الذي يليه، والكلام على حديث ابن مسعود يأتي في التفسير (٤٨٦٣) إن شاء الله تعالى. واستُدلَّ به على أنَّ مَن وَضَعَ جبهته على كَفّه ونحوه لا يُعَدّ ساجداً حتَّى يَضَعَها بالأرض، وفيه نظرٌ. ٥- باب سجود المسلمين مع المشرکین، والمشرك نَجَسُ لیس له وضوءٌ وكان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يَسجُدُ على غير وُضوءٍ. ١٠٧١ - حدَّثنَا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمة، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّهَسَجَدَ بالنَّجْم، وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركون والجِنُّ والإنسِ. ٢٢٦ باب ٥ / ح ١٠٧١ فتح الباري بشرح البخاري ورواه ابن طَهْمان عن أيوبَ. [طرفه في: ٤٨٦٢] قوله: ((باب سجود المسلمينَ مع المشركين، والمشرك نَجَسٌ ليس له وضوء)) قال ابن التِّين: رُوّينا قوله: (نَجَسٌِّ)) بفتح النون والجيم ويجوز كسرها. وقال الفَرّاء: تُسَكَّن الجيم إذا ذُكِرَت إتباعاً في قولهم: رِجْس نَجْس. قوله: ((وكان ابن عمر يَسجُد على غير وضوء)) كذا للأكثر، وفي رواية الأَصِيليِّ بحذف ((غير))، والأوَّل أَولى، فقد روى ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٤) من طريق عُبيد بن الحسن عن رجل ٥٥٤/٢ زَعَمَ أنَّ كَنفسِه عن سعيد بن جُبَير قال: كان ابن عمر يَنزِل عن راحلته/ فيُهِيق الماءَ ثمَّ يَركَب فيقرأ السجدة فيَسجُد وما يتوضَّأ، وأمَّا ما رواه البيهقيُّ (١/ ٩٠-٩١) بإسنادٍ صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر قال: ((لا يَسجُد الرجل إلَّا وهو طاهر)) فيُجمَع بينهما بأنَّه أراد بقوله: ((طاهر)) الطَّهارةَ الكُبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأوَّل على الضَّرورة. وقد اعتَرَضَ ابنُ بَطَّل على هذه الترجمة فقال: إن أراد البخاريُّ الاحتجاجَ لابنِ عمر بسجود المشركينَ، فلا حُجَّة فيه، لأنَّ سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإنَّما كان لمَا ألقَى الشَّيطان، إلى آخر كلامه، قال: وإن أراد الردّ على ابن عمر بقوله: ((والمشرك نَجَس)) فهو أشبهُ بالصواب. وأجاب ابن رُشَيْد بأنَّ مقصود البخاري تأكيد مشروعيَّة السجود، لأنَّ المشرك قد أقرَّ على السجود، وسَمَّى الصحابيُّ فعلَه سجوداً مع عَدَم أهليّته، فالمتأهِّل لذلك أحرَى بأن يَسجُد على كلِّ حالة. ويؤيِّده أنَّ في حديث ابن مسعود (١٠٧٠) أنَّ الذي ما سَجَدَ عُوقِبَ بأن قُتِلَ كافراً، فلعلَّ جميع مَن وُفِّقَ للسجودِ يومئذٍ خُتِمَ له بالْحُسنَى فأسلمَ لبَرَكة السجود. قال: ويحتمل أن يُجمَع بين الترجمة وأثر ابن عمر بأنَّه يَبعُد في العادة أن يكون جميع مَن حَضَرَ من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء، لأنَّهم لم يتأهَّبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمَن بادرَ منهم إلى السجود خوفَ الفَوَات بلا وضوء وأقرَّه النبيّ وََّ على ذلك، ٢٢٧ باب ٥ / ح ١٠٧١ أبواب سجود القرآن استُدلَّ بذلك على جواز السجود بلا وضوء عند وجود المشَقَّة بالوضوء، ويؤيِّده أنَّ لفظ المتن: ((وسجد معه المسلمون والمشركون والجِنّ والإنس)) فسَوَّى ابن عبّاس في نسبة السجود بين الجميع، وفيهم مَن لا يَصِحُّ منه الوضوء، فيلزم أن يَصِحَّ السجود ممَّن كان بوضوءٍ وثمَّن لم يكن بوضوء، والله أعلم. والقصَّة التي أشار إليها سيَحصُلُ لنا إلمامٌ بشيءٍ منها في تفسير سورة الحج (١) إن شاء الله تعالى. فائدة: لم يوافق ابنَ عمر أحدٌ على جواز السجود بلا وضوء إلَّ الشَّعبيّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٤/٢) عنه بسندٍ صحيح، وأخرجه أيضاً (١٥/٢) بسندٍ حسن عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ: أنَّه كان يقرأ السجدة ثمَّ يُسلِّم (٢) وهو على غير وضوء إلى غير القِبْلة وهو يمشي ◌ُومِئ إيماءً. قوله: ((سَجَدَ بالنَّجْم)) زاد الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٩١٠) من هذا الوجه: ((بمگَّة)»، فأفاد اتّحاد قصَّة ابن عبّاس وابن مسعود. قوله: ((والجِنّ)) كأنَّ ابن عبّاس استَنَدَ في ذلك إلى إخبار النبيّ وَّ إمَّا مُشافَهةً له وإمَّا بواسطة، لأنَّه لم يَحِضُر القصّة لصِغَره. وأيضاً فهو من الأُمور التي لا يَطَِّعِ الإنسان عليها إلَّا بتوقيفٍ، وتجويزُ أنَّه كُشِفَ له عن ذلك بعيد، لأنَّه لم يَحِضُرِها قطعاً. قوله: ((ورواه إبراهيم بن طَهْمانَ عن أيوب)) يأتي الكلام عليه في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٢). ٦ - باب من قرأ السجدةَ ولم يسجد ١٠٧٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ أبو الرَّبيع، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرنا (١) في أول تفسير سورة الحج من كتاب التفسير. (٢) في (ع) وحدها: ((ثم يسجد))، والصواب: ثم يسلِّم، فإن لفظه في ((مصنف ابن أبي شيبة)): كان يقرأ السجدة وهو على غير القبلة وهو يمشي فيومئ برأسه ثم يسلِّم. وليس فيه: على غير وضوء. ٢٢٨ باب ٦ / ح ١٠٧٢ - ١٠٧٣ فتح الباري بشرح البخاري يزيدُ بنُ خُصَيفة، عن ابنِ قُسَيطٍ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أَنَّه أخبره: أنَّه سألَ زيدَ بنَ ثابتٍ فَزَعَمَ أَنَّه قرأَ على النبيِّ وَّ: ﴿وَاَلنَّجْمِ﴾ فلم يَسجُدْ فيها. [طرفه في: ١٠٧٣] ١٠٧٣ - حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ عبدِ الله ابنِ قُسَيطٍ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: قَرَأْتُ على النبيِّ وَّ: ﴿وَالنَّجْرِ﴾، فلم يسجد فيها. ٥٥٥/٢ قوله: ((باب مَن قرأ السَّجْدة ولم يَسْجُد)) يشير بذلك إلى الردّ على مَن احتجَّ بحديث الباب على أنَّ المفصَّل لا سجود فيه كالمالكيَّة، أو أنَّ النَّجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثَوْر، لأنَّ تركَ السجود فيها في هذه الحالة لا يدلّ على تركه مُطلَقاً، لاحتمال أن يكون السبب في الثَّرك إذ ذاك إمّا لگونه كان بلا وضوء، أو لگونِ الوقت كان وقت کراهةٍ، أو لكَونِ القارئ كان لم يَسجُد كما سيأتي تقريره (١٠٧٥) بعد باب، أو تُرِكَ حينئذٍ لبيان الجواز، وهذا أرجحُ الاحتمالات، وبه جَزَمَ الشافعي، لأنَّه لو كان واجباً لَأمره بالسجود ولو بعد ذلك. وأمَّا ما رواه أبو داود (١٤٠٣) وغيره من طريق مَطَر الوَرّاق، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ وَلّه لم يَسجُد في شيء من المفصَّلِ منذُ تَحوَّلَ إلى المدينة، فقد ضَعَّفَه أهل العلم بالحديث لضعفٍ في بعض رواته واختلافٍ في إسناده، وعلى تقدير ثُبوته، فرواية مَن أثبَتَ ذلك أرجحُ، إذ المُثبِت مُقدَّم على النافي، فسيأتي في الباب الذي يليه ثبوتُ السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وروى البَزّار(١) والدَّارَ قُطني (١٥٢٣) من طريق هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: أنَّ النبيّ وَّهُ سَجَدَ في سورة النَّجم وسجَدْنا معه ... الحديث، رجاله ثقات، وروى ابن مردويه في ((التفسیر)) بإسنادٍ حسن عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن: أنَّه رأى أبا (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٧٥٣). ٢٢٩ باب ٦ / ح ١٠٧٢ - ١٠٧٣ أبواب سجود القرآن هريرة سَجَدَ في خاتمة النَّجم فسألَه، فقال: إنَّه رأى رسولَ الله وَ ل ◌َيَسجُد فيها وأبو هريرة إِنَّما أسلمَ بالمدينة. وروى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح عن الأسوَد بن يزيد عن عَمْرو: أنَّه سَجَدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، ومن طريق نافع ابن عمر أنَّ سَجَدَ فيها (١)، وفي هذا رقّ على مَن زَعَمَ أنَّ عمل أهل المدينة استمرَّ على تَرْك السجود في المفصَّل. ويحتمل أن يكون المنفيُّ المواظَّةَ على ذلك، لأنَّ المفصَّل تَكثُر قراءته في الصلاة فَتَرَك السجودَ فيه كثيراً لئلّا تَخْتلِطَ الصلاة على مَن لم يَفقَه، أشار إلى هذه العِلَّة مالك في قوله بتَركِ السجود في المفصَّل أصلاً. وقال ابن القَصّار: الأمر بالسجود في النَّجم ينصرف إلى الصلاة. ورُدَّ بفعله وَلّل كما تقدَّم قبلُ، وزَعَمَ بعضهم أنَّ عمل أهل المدينة استمرَّ بعد النبيّ وَّه على تَرْك السجود فيها، وفيه نظرٌ، لمَا رواه الطََّرِيُّ(٢) بإسنادٍ صحيح عن عبد الرحمن بن أبزَى عن عمر: أنَّه قرأ النَّجم في الصلاة فسجد فيها ثمَّ قامَ فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ﴾، ومن طريق إسحاق بن سُوَيد عن نافع عن ابن عمر: أنَّ سَجَدَ في النَّجم(٣). قوله: ((حدَّثنا يزيد بن خُصَيفَةَ)) بالخاءِ المعجَمة والصّاد المهمَلة مُصغَّر، وهو يزيد بن عبد الله بن خُصَيفةَ، نُسِبَ إلى جَدّه، وشيخه ابن قُسَيطٍ: هو يزيد بن عبد الله بن قُسَيطٍ المذكور في الإسناد الثاني، ورجال الإسنادينِ معاً مدنيُّون غير شيخَي البخاريّ. قوله: ((أَنَّه سألَ زيد بن ثابت فزَعَمَّ)) حَذَفَ المسؤول عنه، وظاهر السياق يُوهِمُ أنَّ (١) أخرج الطريق الأولى عبد الرزاق برقم (٥٨٨٤)، وفيه: عن الأسود قال: رأيت عمر وعبد الله يسجدان في ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾. ثم قال: أو أحدهما، وبه نأخذ. أما الطريق الثانية فهي عنده برقم (٥٨٩٣) عن نافع عن ابن عمر: كان إذا قرأ النجم يسجد فيها وهو في الصلاة، فإن لم يسجد ركع. (٢) في (أ) و(ع): الطبراني، ولم نقف عليه فيه، والمثبت من (س)، وهذا الأثر أخرجه الطبري في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) ٣٥٣/١ -٣٥٤، لكن وقع فيه: عبد الرحمن بن أبي ليلى، مكان: عبد الرحمن ابن أبزى، وكلاهما ثقة، وفي الإسناد إليه ضعفٌ وليس كما قال الحافظ هنا إن كان أراد هذا الإسناد، والله أعلم. لكن لهذا الأثر أسانيد أخرى تصححه كما عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) ١/ ١٨١ و٣٥٥. (٣) أخرج أثر ابن عمر هذا وأثر أبيه السابق الطحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٣٥٥ و٣٥٦. ٢٣٠ باب ٦ / ح ١٠٧٢ - ١٠٧٣ فتح الباري بشرح البخاري المسؤول عنه السجود في النَّجم، وليس كذلك، وقد بيَّنه مسلم (٥٧٧) عن عليّ بن حُجْر وغيره عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد قال: سألت زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزَعَمَ أنَّه قرأ النَّجم ... الحديث، فحَذَفَ المصنّف الموقوف، لأنَّه ليس من غَرَضه في هذا المكان، ولأنَّه يخالف زيد بن ثابت في تَرْك القراءة خلف الإمام وِفاقاً لمن أوجَبَها من كبار الصحابة تَبَعاً للحديث الصحيح الدّالِّ على ذلك كما تقدَّم في صفة الصلاة(١). قوله: ((فَزَعَمَ)) أراد: أخبر، والزَّعْم يُطلَق على المحقَّق قليلاً كهذا وعلى المشكوك كثيراً، قد تَكرَّرَ ذلك، ومن شواهده قول الشَّاعر(٢): على الله أرزاقُ العبادِ كما زَعَمْ ويحتمل أن يكون (زَعَمَ)) في هذا الشِّعر بمعنى: ضَمِنَ، ومنه: ((الزَّعيم غارمٌ))(٣)، أي: الضامن. واستنْبَطَ بعضهم من حديث زيد بن ثابت: أنَّ القارئ إذا تَلَا على الشيخ لا يُندَب له سجود التّلاوة ما لم يَسجُد الشيخ أدباً مع الشيخ، وفيه نظر. فائدة: أَنَّفَقَ ابن أبي ذِئْب ويزيد بن خُصَيفةَ على هذا الإسناد على ابن قُسَيط، وخالَفَهما ٥٥٦/٢ أبو صَخْر فرواه عن ابن قُسَيطٍ عن خارجة بن زيد عن أبيه، أخرجه/ أبو داود والطَّبرانيُّ(٤)، فإن كان محفوظاً حُلَ على أنَّ لابنِ قُسَيطٍ فيه شيخين، وزاد أبو صَخْر في روايته: وصَلَّيتُ خلفَ عمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حَزْم فلم يَسجُدا فيها. (١) انظر الباب رقم (٩٥) من أبواب صفة الصلاة: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. (٢) هو عمرو بن شأس الأسدي، انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٩/ ١٣١. (٣) هو نصُّ حديث لأبي أمامة الباهلي مرفوعاً، أخرجه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٤٠٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وسنده حسن. (٤) أخرجه أبو داود (١٤٠٥)، وابن خزيمة (٥٦٦) و(٥٦٨)، والدار قطني (١٥٢٧)، ولم نقف عليه عند الطبراني، ووقع في نسخة (أ) وحدها: الطبري، مكان الطبراني! ٢٣١ باب ٧-٨ / ح ١٠٧٤-١٠٧٥ أبواب سجود القرآن ٧- باب سَجْدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] ١٠٧٤- حدَّثنا مسلمٌ ومعاذُ بنُ فَضَالةَ، قالا: أخبرنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، قال: رأيتُ أبا هريرةَ ﴾ قرأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، فسَجَدَ بها، فقلتُ: يا أبا هريرةَ، ألم أرَكَ تَسجُدُ؟ قال: لو لم أرَ النبيَّ ◌َ لّهِ يَسجُدُ لم أسجُدْ. قوله: ((باب سَجْدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في السجود فيها. وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدَّستُوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير. وقوله: ((فسَجَدَ بها)) في رواية الكُشمِيهَنيٍّ: ((فيها)» والباء للظَّرْف. وقول أبي سَلَمَ: ((لم أرَكْ تَسجُد)) قيل: هو استفهام إنكار من أبي سَلَمةَ يُشعِر بأنَّ العمل استمرَّ على خلاف ذلك، ولذلك أنكَرَه أبو رافع كما سيأتي بعد ثلاثة أبواب (١٠٧٨)، وهذا فيه نظرٌ، وعلى التنزّل فيُمكِن أن يَتمسّك به مَن لا يرى السجود بها في الصلاة، أمَّا تَركُها مُطلَقاً فلا. ويدلّ على بُطْلان المدَّعي أنَّ أبا سَلَمَةَ وأبا رافع لم يُنازِعا أباهريرة بعد أن أعلمهما بالسُّنَّة في هذه المسألة، ولا احتجّا عليه بالعملِ على خلاف ذلك، قال ابن عبد البَرّ: وأُّ عمل يُدَّعَى مع مُخالَفة النبيّ وَّه والخُلَفاء الرّاشدينَ بعده؟ ٨- باب من سجد لسجود القارئ وقال ابنُ مسعودٍ لتَمِيمِ بنِ حَذْلَ - وهو غُلامُ - فقرأ عليه سَجْدةً، فقال: اسجُدْ، فأنت إمامُنا. ١٠٧٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ علينا السُّورةَ فيها السَّجْدَةُ فِيَسجُدُ ونَسجُدُ، حتَّى ما تَجِدُ أحدُنا موضعَ جَبْهِهِ. [طرفاه في: ١٠٧٩،١٠٧٦] ٢٣٢ باب ٨ / ح ١٠٧٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب مَن سَجَدَ سجود القارئ)) قال ابن بَطَّل: أجمعوا على أنَّ القارئ إذا سَجَدَ لَزِمَ المستمِعَ أن يَسجُد. كذا أَطْلَق، وسيأتي بعد بابٍ قولُ مَن جعل ذلك مشروطاً بقَصدِ الاستماع. وفي الترجمة إشارة إلى أنَّ القارئ إذا لم يَسجُد لم يَسجُد السامع، ويتأَيَّد بما سأذكرُه. قوله: ((وقال ابن مسعود لتميمٍ بن حَذْلَ)) بفتح المهمَلة واللّام بينهما مُعجَمة ساكنة. قوله: ((إمامُنا)) زاد الحَمُّوِيّ: ((فيها)) وهذا الأثر وَصَلَه سعيد بن منصور من رواية مُغِيرة عن إبراهيم قال: قال تميم بن حَذَ: قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام، فمَرَرتُ بسجدةٍ، فقال عبد الله: أنتَ إمامنا فيها. وقد رُوِيَ مرفوعاً، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٩/٢) من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم: أنَّ غُلاماً قرأ عند النبيّ وَّهِ السجدة، فانتَظَرَ الغلامُ النبيَّ وَّلِ أن يَسجُد، فلمَّا لم يَسجُد، قال: يا رسول الله، أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: ((بَلى، ولكنَّك كنت إمامنا فيها، ولو سَجَدتَ لَسَجَدنا)) رجاله ثقات إلَّا أنَّه مُرسَل. وقد رُوِيَ عن زيد بن أسلمَ عن عطاء بن يَسَار قال: بَلَغَني، فذكر نحوه، أخرجه البيهقيُّ (٣٢٤/٢) من رواية ابن وَهْب، عن هشام بن سعْد وحفص بن مَيسَرة معاً، عن زيد بن أسلمَ به. ٥٥٧/٢ وجَوَّزَ الشافعيّ أن يكون القارئ المذكور هو زيد بن ثابت، لأنَّه يحكي أنَّه قرأ عند النبيّ ◌َّه فلم يَسجُدُ (١)، ولأنَّ عطاء بن يَسَار روى الحديثَينِ المذكورَينِ. انتهى. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّانُ، وسيأتي الكلام على المتن في الباب الأخير. ٩ - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السَّجدةَ ١٠٧٦ - حدَّثْنا بِشرُ بنُ آدم، قال: حذَّثنا عليٌّ بنُ مُسهِرٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: كان النبيُّ نَّهِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ ونحنُ عندَه فيَسجُدُ ونَسجُدُ معه، فتَزْدَحِمُ حتَّى ما يَجِدُ أحدُنا لجبهتِهِ موضعاً يَسجُدُ عليه. (١) سلف برقم (١٠٧٢). ٢٣٣ باب ٩- ١٠ / ح ١٠٧٦ أبواب سجود القرآن قوله: ((باب ازْدِ حام الناس إذا قرأ الإمام السَّجْدةَ)) أي: لضيق المكان وكثرة الساجدينَ. قوله: ((حدَّثنا بِشْر بن آدم)) هو الضَّرير البغدادي، بصريّ الأصل، ليس له في البخاري إلَّا هذا الموضع الواحد. وفي طَبَقَته بشر بن آدم بن يزيد بصريٌّ أيضاً، وهو ابن بنت أزهَر السَّان، وفي كلٍّ منهما مَقَال. ورَجَّحَ ابن عَديّ أنَّ شيخ البخاري هنا هو ابن بنت أزهَر، وعلى كلّ تقدير فلم يُرِّج له إلَّا في المتابعات، فسيأتي من طريق أُخرى بعد بابٍ (١٠٧٩) ويأتي الكلام عليه ثَمَّ. ووافَقَه على هذه الرواية عن عليّ بن مُسهِر سويد بن سعيد، أخرجه الإسماعيليّ. ١٠ - باب من رأى أنّ الله عزَّ وجلَّ لم يوجب السجود وقيلَ لعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ: الرجلُ يَسمَعُ السَّجْدَةَ ولم يَجلِسْ لها! قال: أرأيتَ لو قَعَدَ لها؟! کأنّه لا يُوجِبُه علیه. وقال سَلْمانُ: ما هذا غَدَوْنا. وقال عثمانُ ﴾: إِنَّمَا السَّجْدَةُ على مَن استَمَعها. وقال الزُّهْريُّ: لا يَسجُدُ إلا أن يكون طاهراً، فإذا سَجَدْتَ وأنتَ فِي حَضَرٍ فاستَقِبِل القِبْلَةَ، فإن كنتَ راكباً فلا عليكَ حيثُ كان وجهُكَ. وكان السائبُ بنُ يزيدَ لا يَسجُدُ لسجودِ القاصِّ. قوله: ((باب مَن رأى أنَّ الله لم يُوجِب السُّجود)) أي: وحَمَلَ الأمر في قوله: ((اسجدوا)) على النَّدب، أو على أنَّ المراد / به سجود الصلاة، أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب وفي ٥٥٨/٢ سجود التِّلاوة على النَّدب، على قاعدة الشافعيّ ومَن تابَعَه في حمل المشترَك على مَعنَيَيه. ومن الأدلَّة على أنَّ سجود التِّلاوة ليس بواجبٍ، ما أشار إليه الطَّحَاويُّ من أنَّ الآيات التي في سجود التِّلاوة منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلافُ في التي بصيغة الأمر هل فيها سجودٌ أو لا، وهي ثانية الحج وخاتمة النَّجم واقرأ، ٢٣٤ باب ١٠ فتح الباري بشرح البخاري فلو كان سجود التِّلاوة واجباً، لكان ما وَرَدَ بصيغة الأمر أَولى أن يُتَّفَق على السجود فيه ممَّاً وَرَدَ بصيغة الخبر. قوله: ((وقيلَ لِعِمْران بن حُصَينٍ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٥/٢) بمعناه من طريق مُطرِّف قال: سألت عِمرانَ بن حُصَين عن الرجل لا يدري أسمع السجدةَ أو لا؟ فقال: وسَمِعَها(١) فماذا؟ وروى عبد الرزاق (٥٩١٠) من وجه آخر عن مُطرِّف: أنَّ عِمرانَ مَرَّ بقاصِّ فقرأ القاصّ السجدةَ، فمضى عمرانُ ولم یسجُد معه. إسنادهما صحيح. قوله: ((وقال سَلْمان)» هو الفارسيّ. قوله: ((ما لهذا غَدَوْنا)) هو طرف من أثر وَصَلَه عبد الرزاق (٥٩٠٩) من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ قال: مَرَّ سلمانُ على قوم قعود، فقَرَؤُوا السجدة فسَجَدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غَدَونا. وإسناده صحيح. قوله: ((وقال عثمان: إنَّما السَّجْدة على مَن استَمَعها)) وَصَلَه عبد الرزاق (٥٩٠٦) عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن ابن المسيِّب: أنَّ عثمان مَرَّ بقاصِّ فقرأ سجدة ليسجُد معه عثمان، فقال عثمان: إنّما السجود على مَن استمع، ثمّ مضى ولم يسجد. ورواه ابن وَهْب عن يونس عن ابن شهاب بلفظ: إنَّما السجدة على مَن سمعها؛ مختصراً، وروى ابن أبي شَيْبة (٥/٢) وسعيد بن منصور من طريق قَتَادة عن سعيد بن المسيّب قال: قال عثمان: إنَّما السجدة على مَن جَلَسَ لها واستَمَع. والطريقان صحيحان. قوله: «وقال الزُّهْرِيُّ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الله بن وَهْب عن یونس عنه بتمامه، وقوله فيه: ((لا يَسجُد إلَّا أن يكون طاهراً) قيل: ليس بدالٌّ على عَدَم الوجوب، لأنَّ المدَّعي يقول: عَلَّقَ فعلَ السجود من القارئ والسامع على شرطٍ وهو وجود الطَّهارة، فحيثُ وُجِدَ الشَّرط لَزِم، لكن موضع الترجمة من هذا الأثر قولُه: ((فإن كنتَ راكباً فلا عليك حيثُ كان وجهُك))، لأنَّ هذا دليل النَّفل، والواجب لا يُؤْذَّى على الدابَّة في الأمْن. (١) زاد في (س): أو لا. ٢٣٥ باب ١٠ / ح ١٠٧٧ أبواب سجود القرآن قوله: ((وكان السائب بن يزيد لا يَسجُد لسجودِ القاصِّ)) بالصّاد المهمَلة الثَّقيلة: الذي يَقُصّ على الناس الأخبار والمواعظ، ولم أقِفْ على هذا الأثر موصولاً. ومُناسَبة هذه الآثار للترجمة ظاهرة، لأنَّ الذين يَزعُمون أنَّ سجود التِّلاوة واجب لم يُفرِّقوا بين قارئ ومُستَمِع، قال صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة: السجدة في هذه المواضع - أي: مواضع سجود التِّلاوة - سوى ثانية الحجِّ واجبةٌ على التّالي والسامع، سواء قَصَدَ سماع القرآن أو لم يَقصِد. انتهى، وفَرَّقَ بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دَلَّت عليه هذه الآثار، وقال الشافعيُّ في البُوَيطيّ: لا أُؤْكِّده على السامع كما أُؤْكِّده على المستَمِع. وأقوى الأدلّة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب(١). ١٠٧٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرهم قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ أبي مُلَيكة، عن عثمانَ بنِ عبدِ الرحمن التَّيْميِّ، عن رَبِيعةَ بنِ عبدِ الله ابنِ الهُدَيرِ التَّيمي - قال أبو بكرٍ: وكان ربيعةُ من خِيَارِ الناسِ - عَّا حَضَرَ رَبِيعةٌ من عمرَ بنِ الْخَطَّب ﴾ قرأَ يومَ الجمعةِ على المِنْبر بسورةِ النَّحْلِ، حتَّى إذا جاءَ السَّجْدَةَ نزلَ فسَجَدَ وسَجَدَ الناسُ، حتَّى إذا كانت الجمعةُ القابلةُ قرأَ بها حتَّى إذا جاءَ السَّجدةَ قال: يا أيُّها الناسُ، إِنَّا نَمُرُّ بالسُّجودِ فَمَن سَجَدَ فقد أصابَ، ومَن لم يَسجُدْ فلا إِثْمَ عليه. ولم يَسجُد عمرُ ﴾. وزاد نافعٌ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: إنَّ الله لم يَفِرِضِ السُّجودَ إلا أن نشاءَ. قوله: ((أخبرني أبو بَكْر بن أبي مُلَيكَة)): هو أخو محمد، وعثمان بن عبد الرحمن التَّيْمِيُّ وثَّقه أبو حاتم، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، ولأبيه صُحبة ورواية، وهو ابن عثمان بن عبيد الله ابنُ أخي طلحة بن عبيد الله أحدٍ العشرة، وربيعة بن عبد الله بن الهُدَير: هو عَمُّ أبي بكر بن المنذر بن عبد الله بن الهُدَير الراوي عنه، والهُدَير بلفظ التصغير، ذكر ابن سعد: أنَّ ربيعة وُلِدَ على عهد رسول الله وَّةِ، وليس له أيضاً في البخاري غير هذا الحدیث الواحد. (١) أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة حديث قراءة زيد بن ثابت على النبي تَل قر سورة النجم فلم يسجد فيها ولم يأمره النبي وَ لّ بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به، والله أعلم. (س). قلنا: وحديث زيد سلف عند البخاري برقم (١٠٧٢). ٢٣٦ باب ١٠ / ح ١٠٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ٥٥٩/٢ قوله: ((عَّا حَضَرَ ربيعةُ من عمرَ» مُتعلِّق بقوله: ((أخبرني)) أي: أخبرني راوياً عن عثمان عن ربيعة عن قصَّة حضوره مَجَلِسَ عمر. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق حَجّاج عن ابن جُرَيج: أخبرني أبو بكر بن أبي مُلَيكة: أنَّ عبد الرحمن بن عثمان التَّيْميَّ أخبره عن ربيعة ابن عبد الله: أنَّه حَضَرَ عمر، فذكره. انتهى، وقوله: ((عبد الرحمن بن عثمان)) مقلوب والصواب ما تقدَّم، وكذا أخرجه عبد الرزاق (٥٨٨٩) عن ابن جُرَيج. قوله: ((قَرَأ)) أي: أنَّه قرأ يوم الجمعة. قوله: ((إِنَّا نَمُرّ بالسُّجود)» في رواية الكُشمِيهَنِيٍّ: إنَّا. قوله: ((ومَن لم يَسجُد فلا إثمَ عليه)) ظاهرٌ في عَدَم الوجوب. قوله: ((ولم يَسجُّد عمر)) فيه توكيد لبيان جواز تَرْك السجود بغير ضرورة. قوله: ((وزاد نافع)) هو مَقُول ابن جُرَيج، والخبر متصل بالإسناد الأوَّل، وقد بيَّن ذلك عبد الرزاق، قال في ((مصنَّه)) (٥٨٨٩) عن ابن جُرَيج: أخبرني أبو بكر بن أبي مُلَيكة، فذكره، وقال في آخره: قال ابن جُرَيجٍ: وزادني نافع عن ابن عمر أنَّه قال: لم يُفرَض علينا السجود إلَّا أن نَشاء، وكذلك رواه الإسماعيليّ والبيهقيُّ (٣٢١/٢) وغيرهما من طريق حَجّاج بن محمد عن ابن جُرَيج، فذكر الإسناد الأوَّل، قال: وقال حَجّاج: قال ابن جُرَيج: وزاد نافع، فذكره، وفي هذا ردٌّ على الحميديّ في زَعْمه أنَّ هذا مُعلَّق، وكذا عَلَّمَ عليه المِزِّيّ علامة التَّعليق، وهو وهمٌ، وله شاهد من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عمر، لكنَّه مُنقطِع بين عُرْوة وعمر(١). تنبيه: قوله في رواية عبد الرزاق: ((أنَّه قال)) الضَّمير يعود على عمر، أشار إلى ذلك الثِّرمِذيّ في ((جامعه)(٢) حيثُ نَسَبَ ذلك إلى عمر في هذه القصَّة بصيغة الجَزْم، واستدلَّ بقوله: ((لم يُفرَض)) على عَدَم وجوب سجود التِّلاوة، وأجاب بعض الحنفيّة على قاعدتهم في التَّفْرِقة بين الفرض والواجب: بأنَّ نفي الفرض لا يستلزم نفيَ الوجوب. (١) أخرجه عبد الرزاق (٥٩١٢). (٢) بإثر الحديث (٥٧٦). ٢٣٧ باب ١١ / ح ١٠٧٨ أبواب سجود القرآن وتُعُقِّبَ بأنَّه اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يُفرِّقون بينهما، ويُغْني عن هذا قولُ عمر: ((ومن لم یَسجُد فلا إثم عليه)) كما سيأتي تقريره. واستدلَّ بقوله: ((إلَّا أن نشاءَ)) على أنَّ المرء مُخُيَّر في السجود فيكون ليس بواجبٍ. وأجاب مَن أو جَبَه بأنَّ المعنى: إلَّا أن نشاءَ قراءتها فيجب، ولا يخفى بُعدُه، ويَرُدّه تصريح عمر بقوله: ((ومَن لم يَسجُد فلا إثم عليه)) فإنَّ انتفاء الإثم عمَّن تركَ الفعل مُختاراً يدلّ على عَدَم وجوبه، واستُدلَّ به على أنَّ مَن شَرَعَ في السجود وَجَبَ عليه إتمامُه، وأُجيبَ بأنَّه استثناء مُنقطِعٍ، والمعنى: لكن ذلك موكول إلى مَشِيئة المرء، بدليل إطلاقه: ومَن لم يَسجُد فلا إثم عليه. وفي الحديث من الفوائد: أنَّ للخطيب أن يقرأ القرآنَ في الخطبة، وأنَّه إذا مَرَّ بآيَةٍ يَنزِل إلى الأرض ليَسجُدَ بها إذا لم يَتمكَّن من السجود فوق المِنْبَرَ، وأنَّ ذلك لا يَقطَع الخطبة، ووجه ذلك فعلُ عمر مع حضور الصحابة ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ منهم، وعن مالك: يَمُرّ في خطبته ولا یسجد، وهذا الأثر واردٌ عليه. ١١ - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها ١٠٧٨ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثْنا مُعتمِرٌّ، قال: سمعتُ أَبي، قال: حدَّثني بكرٌّ، عن أبي رافعٍ، قال: صَلَّيْتُ مع أبي هريرةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، فسَجَدَ فقلتُ: ما هذه؟ قال: سَجَدْتُ بها خلفَ أبي القاسمِ وََّ، فلا أزالُ أسجُدُ فيها حَتَّى أَلْقَاهُ. قوله: ((باب مَن قرأ السَّجدة في الصلاة فسَجَدَ بها)» أشار بهذه الترجمة إلى مَن كره قراءة السجدة في الصلاة المفروضة، وهو منقول عن مالك، وعنه كراهتُه في السِّيَّة دون الجهريَّة، وهو قول بعض الحنفيَّة أيضاً وغيرهم،/ وحديث أبي هريرة المُحتَجُّ به في الباب تقدَّم ٥٦٠/٢ الكلام عليه (٧٦٦) في ((باب الجهر في العِشاء))، وبَيَّا فيه أنَّ في رواية أبي الأشعَث عن مَعمَر التصریحَ بأنَّ سجود النبيّ ټ فيها کان داخلَ الصلاة، و كذا في رواية یزید بن هارون عن سليمان التَّيْمِيِّ في ((صحيح أبي عَوَانة)) (١٩٥٣) وغيره، وفيه حُجَّة على مَن كره ذلك. ٢٣٨ باب ١٢ / ح ١٠٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم النَّقل عمَّن زَعَمَ أنَّه لا سجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ ولا غيرها من المفصّل، وأنَّ العمل استمرَّ عليه بدليل إنكار أبي رافع، وكذا أنكَرَه أبو سَلَمة، وبَيَّنًا أنَّ النَّقل عن علماء المدينة بخلاف ذلك كعمر وابن عمر وغيرهما من الصحابة والتّابعينَ. قوله: ((حدَّثني بكر)) هو ابن عبد الله المُزَنيّ. ١٢ - باب من لم يجد موضعاً للسجود من الزِّحام ١٠٧٩ - حدَّثنا صَدَقةُ، قال: أخبرنا يحيى، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ السُّورَ التي فيها السَّجْدةُ فيَسجُدُ ونَسجُدُ معه، حتَّى ما تَجِدُ أحدُنا مكاناً موضعٍ جَبْهِه. قوله: ((باب مَن لم يَجِد موضعاً للسُّجودِ مع الإمام من الزِّحام)) أي: ماذا يفعل. قال ابن بَطَّال: لم أجِدْ هذه المسألة إلَّا في سجود الفريضة، واختَلَفَ السَّلَف، فقال عمر: يَسجُد على ظَهْر أخيه، وبه قال الكوفيُّون وأحمد وإسحاق، وقال عطاء والزّهْريّ: يؤخّر حتَّى يَرفَعوا، وبه قال مالك والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة، فيجري مثله في سجود التِّلاوة، وظاهر صنيع البخاري أنَّه يذهب إلى أنَّه يَسجُد بقَدْرِ استطاعته ولو على ظَهْر أخيه. قوله: ((كان النبيّ وَّهِ يَقْرأ السُّورة التي فيها السَّجْدة)» زاد علي بن مُسهِر في روايته عن عبيد الله: ((ونحنُ عنده)) وقد مضى قبلُ بيابٍ (١٠٧٦). قوله: «فیسجد فنسجد» زاد الگُشمِیھنیُّ: «معه)». قوله: ((لموضعٍ جَيْهته)) يعني: من الزِّحام، زاد مسلم في روايةٍ له (٥٧٥): «في غير وقت صلاة)) ولم يَذكُر ابنُ عمر ما كانوا يصنعون حينئذٍ، ولذلك وقع الاختلاف كما مضى، ووقع في الطَّبرانيِّ (١٣٣٥٨) من طريق مُصعَب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث: أنَّ ذلك كان بمكَّة لمَّا قرأ النبيّ ◌َِّ النَّجمَ، وزاد فيه: ((حتَّى سَجَدَ الرجل على ظَهْر الرجل)) وهو يؤيِّد ما فَهِمناه عن المصنّف. ٢٣٩ باب ١٢ / ح ١٠٧٩ أبواب سجود القرآن والذي يَظهَر أنَّ هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالَغَة في أنَّه لم يَبْقَ أحد إلَّا سَجَد، وسياق حديث الباب مُشعِرٍ بأنَّ ذلك وقع مراراً، فيحتمل أن تكون رواية الطَّبرانيّ بَيَّنَت مَبدَأ ذلك، ويؤيِّده ما رواه الطَّبرانيُّ أيضاً (٢/٢٠) من رواية المِسوَر بن مَخْرمةَ عن أبيه قال: أظهَرَ أهلُ مكَّة الإسلام - يعني: في أوَّل الأمر - حتَّى إن كان النبيّ ◌َّه ليقرأ السجدة فيَسجُد وما يستطيع بعضهم أن يَسجُد من الزّحام، حتَّى قَدِمَ رُؤَساء أهل مكَّة وكانوا في الطائف فَرَجَعُوهم عن الإسلام(١)، واستَدلَّ به البخاري على السجود لسجود القارئ کما مضی وعلى الازدحام على ذلك. خاتمة: اشتملت أبواب السجود على خمسة عشر حديثاً، اثنان منها مُعلَّقان، المكرَّر منها فيه وفيما مضى تسعة أحاديث، والخالص ستَّة، وافَقَه مسلم على تخريجها سوی حدیثَي ابن عَبَّاس في (صّ)) وفي ((النَّجم))، وحديث عمر في التَّخيير في السجود. وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم سبعة آثار، والله أعلم بالصواب. (١) في إسناده ابن لَهِيعة، وهو سِّع الحفظ.