النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
باب ٢ / ح ١٠٤٤
أبواب الكسوف
واستَشكَله بعض متأخِّري الشافعيّة من جهة كَوْنه قيامَ قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتِّفاق
العلماء ممَّن قال بزيادة الركوع في كلّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مَسلَمةَ
المالكيّ خالَفَ فيه، والجواب: أنَّ صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مَدخَل
للقياس فيها، بل كلُّ ما ثَبَتَ أَنَّه وَسِهِ فَعَلَه فيها كان مشروعاً، لأنَّها أصلٌ برأسِه، وبهذا
المعنى رَدَّ الجمهور على مَن قاسَها على صلاة النافلة حتَّى مَنَعَ من زيادة الركوع فيها.
وقد أشار الطَّحَاويُّ إلى أنَّ قول أصحابه جَرَى على القياس في صلاة النَّوافل، لكن
اعتُرِضَ بأنَّ القياس مع وجود النصّ يَضمَحِلُّ، وبأنَّ صلاة الكسوف أشبَهُ بصلاة العيد
ونحوها ممَّا يُجمَع فيه من مُطلَق النَّوافل، فامتازت صلاة الجنازة بتَركِ الركوع والسجود،
وصلاة العيدينِ بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القِبلة،
فكذلك اختُصَّت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامعٌ بين العمل بالنصِّ
والقياس بخلاف مَن لم يعمل به.
قوله: ((فأطالَ الرُّكوع)) لم أرَ في شيء من الطُرق بيانَ ما قال فيه، إلَّ أنَّ العلماءِ اتَّفَقوا
على أنَّه لا قراءة فيه، وإنَّما فيه الذِّكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، ولم يقع في هذه الرواية
ذِكْر تطويل الاعتدال الذي يقع السجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السَّجدتَين،
وسيأتي البحث فيه (١٠٥١) في ((باب طول السجود)).
قوله: ((ثمَّ فعلَ في الرَّكْعة الثّانية مِثْل ما فعلَه في الأُولى)) وقع ذلك مُفسَّراً في رواية عَمْرة
الآتية (١٠٤٩).
قوله: (ثُمَّ انصَرَفَ)) أي: من الصلاة ((وقد تَجَلَّت الشمس)) في رواية ابن شهاب
(١٠٤٦): انجَلَت الشمس قبل أن ينصرف، وللنَّسائيِّ (١٤٩٧): ثمَّ تَشَهَّدَ وسَلَّمَ.
قوله: ((فَخَطَبَ الناس)) فيه مشروعيَّة الخطبة للكسوف، والعَجَب أنَّ مالكاً (١٨٦/١)
روى حديث هشام هذا وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، وسيأتي البحث فيه
بعد باب. واستدلَّ به على أنَّ الانجِلاء لا يُسقِط الخطبة، بخلاف ما لو انجَلَت قبل أن

١٨٢
باب ٢ / ح ١٠٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَشرَعَ في الصلاة فإنَّه يُسقِط الصلاة والخطبة، فلو انجَلَت في أثناء الصلاة أتمَّها على الهيئة
المذكورة عند مَن قال بها، وسيأتي ذِكْر دليله، وعن أصبَغ: يُتِمُّها على هيئة النَّوافل المعتادة.
قوله: ((فحَمِدَ الله وأثنَى عليه)) زاد النَّسائيُّ (١٤٨٤) في حديث سَمُرة: وشَهِدَ أنَّه
عبدُ الله ورسولُه.
قوله: ((فاذْكُرُوا الله)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((فادْعُوا الله)).
قوله: ((والله ما من أحد)) فيه القَسَم لتأكيد الخبر وإن كان السامع غير شادٌّ فيه.
قوله: ((ما من أحد أغيَرَ)) بالنصب على أنَّه الخبر وعلى أنَّ ((مِن)) زائدة، ويجوز فيه الرَّفع
على لغة تميم، أو ((أغيَرِ)) مخفوض صفة لأحدٍ، والخبر محذوف تقديره: موجود.
٥٣١/٢ قوله: (أغيَرَ)) أفعل تفضيل من الغَيْرة بفتح الغَين المعجَمة، وهي في اللُّغة: / تَغيُّرُ
يَحَصُل من الحَمِيَّةِ والأَنَفة، وأصلها في الزَّوجَينِ والأهلِينِ، وكلُّ ذلك محال على الله تعالى(١)
لأنَّه مُنَّه عن كلّ تغيُّر ونقص، فيَتعيَّن حملُه على المجاز، فقيل: لمَّا كانت ثَمَرة الغَيْرة صَوْن
الحَرِيم ومنعهم وزَجْر مَن يَقصِد إليهم، أُطلِقَ عليه ذلك لكَونِهِ مَنَعَ مَن فعل ذلك وزَجَرَ
فاعله وتَوَعَّدَه، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتَّب عليه.
وقال ابن فُورَك: المعنى: ما أحدٌ أكثرَ زَجراً عن الفواحش من الله، وقال: غَيْرة الله: ما
يُغيِّ من حال العاصي بانتقامه منه في الدُّنيا والآخرة أو في إحداهما، ومنه قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وقال ابن دقيق العيد: أهل
التَّنزيه في مثل هذا على قولين: إمَّا ساكت، وإمَّا مُؤوِّل على أنَّ المراد بالغَيرة شِدَّةُ المنع
والحِماية، فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطِّييُّ وغيره: وجه اتّصال هذا المعنى بما قبله من قوله: ((فاذكروا الله ... )) إلى
(١) المحال عليه سبحانه وتعالى وصفُه بالغَيْرة المشابهة لغَيْرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه
وتعالى فلا يستحيل وصفُه بها كما دلَّ عليه هذا الحديث وما جاء في معناه، فهو سبحانه يُوصَف بالغيرة
عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كُنْهَها وكيفيتَها إلا هو سبحانه، كالقول
في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته سبحانه، والله أعلم. (س).

١٨٣
باب ٢ / ح ١٠٤٤
أبواب الكسوف
آخره، من جهة أنَّهم لمَّا أُمِروا باستدفاع البَلاء بالذِّكرِ والدُّعاء والصلاة والصَّدَقة، ناسَبَ
رَدْعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جَلْب البلاء، وخَصَّ منها الزّنى لأنَّه أعظمُها في
ذلك. وقيل: لمَّا كانت هذه المعصية من أقبَح المعاصي وأشدّها تأثيراً في إثارة النُّفُوس
وغَلَبة الغَضَب، ناسَبَ ذلك تخويفهم في هذا المَقَام من مُؤَاخَذَة رَبِّ الغَيْرة وخالقها
سبحانه وتعالى.
وقوله: ((يا أُمَّة محمَّد)) فيه معنى الإشفاق كما يخاطِب الوالدُ ولدَه إذا أشفَقَ عليه بقوله: ((يا
بنيَّ)) كذا قيل، وكأنَّ قضيّة ذلك أن يقول: يا أُمَّتي، لكن لعُدوله عن المُضمَر إلى المُظهَر
حكمة، وكأنَّها بسبب كَوْن المقام مقامَ تحذير وتخويف، لمَا في الإضافة إلى الضَّمير من
الإشعار بالتكريم، ومثله: ((يا فاطمة بنت محمد، لا أُغني عنكِ من الله شيئاً) الحديث(١).
وصَدَّرَ وَّ﴿ كلامه باليمينِ لإرادة التأكيد للخيرِ وإن كان لا يُرتاب في صِدْقه، ولعلَّ
تخصيص العَبْد والأمَة بالذِّكرِ رعايةً لحُسنِ الأدب مع الله تعالى، لتنُّهِه عن الزَّوجة
والأهل ممَّن تتعلَّق بهم الغَيْرة غالباً.
ويُؤخَذ من قوله: ((يا أُمَّة محمد)) أنَّ الواعظ ينبغي له حالَ وعظِه أن لا يأتي بكلامٍ فيه
تفخيم لنفسِه، بل يبالغُ في التَّواضُع، لأنَّه أقرب إلى انتفاع مَن يسمعه.
قوله: ((لو تعلمونَ ما أعلَم)) أي: من عظيم قُدْرة الله وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل:
معناه: لو دامَ عِلمُكم كما دامَ عِلمي، لأنَّ علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه: لو
عَلِمتُم من سَعَة رحمة الله وحِلْمه وغير ذلك ما أعلم، لَبَكَيْتُم على ما فاتكم من ذلك.
قوله: (لَضَحِكتُم قليلاً)) قيل: معنى القِلَّة هنا العَدَم، والتقدير لتركتُم الضَّحِك ولم
يقع منكم إلَّ نادراً لغَلَبة الخوف واستيلاء الحُزن. وحكى ابن بَطَّال عن المهلَّب أنَّ سبب
ذلك ما كان عليه الأنصار من محبّة اللهو والغِناء. وأطالَ في تقرير ذلك بما لا طائل فيه
ولا دليل عليه. ومن أينَ له أنَّ المخاطَب بذلك الأنصار دون غيرهم؟ والقصَّة كانت في
(١) سيأتي برقم (٢٧٥٣).

١٨٤
باب ٢ / ح ١٠٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
أواخر زمنه وَ ل﴾ حيثُ امتلأت المدينة بأهلِ مَّة ووُفود العرب، وقد بالَغَ الزَّين بن المنيِّر
في الردّ عليه والتَّشنيع بما يُستَغنَى عن حكايته.
وفي الحديث ترجيح التَّخويف في الخطبة على التوسُّع في التَّرخيص، لما في ذِكْر
الرُّخَص من مُلاءَمة النُّفوس لمَا جُبِلَت عليه من الشَّهوَة، والطَّبيب الحاذِقِ يقابل العِلَّة بما
يُضادُّها لا بما يزيدها.
واستُدلَّ به على أنَّ لصلاة الكسوف هيئة تَّخُصّها من التَّطويل الزائد على العادة في
القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة. وقد وافَقَ عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن
عبَّاس وعبد الله بن عَمْرو، مُتَّفَق عليهما(١)، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر كما تقدَّم في صفة
الصلاة (٧٤٥)، وعن جابر عند مسلم (٩/٩٠٤)، وعن عليّ عند أحمد (١٢١٦)، وعن أبي
٥٣٢/٢ هريرة عند النَّسائيِّ (١٤٨٣)، وعن ابن عمر عند البَزّار (٥٩١٠-٥٩١١)،/ وعن أُمّ
سفيان عند الطَّبرانيِّ (٣٩١/٢٥)، وفي رواياتهم زيادة رواها الحُفَّاظ الثِّقات فالأخذ بها
أَولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفُتْيا.
وقد وَرَدَت الزِّيادة في ذلك من طرق أُخرى، فعند مسلم (٩٠١) من وجه آخر عن
عائشة، وآخر (٩٠٤/ ١٠) عن جابر: أنَّ في كلّ ركعة ثلاث رُكوعات، وعنده (١٨/٩٠٨)
من وجه آخر عن ابن عبَّاس: أنَّ في كلّ ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود (١١٨٢) من
حديث أُبيِّ بن كعب، والبَزّار (٦٢٨) من حديث عليّ: أنَّ في كلّ ركعة خمس رُكوعات،
ولا يخلو إسناد منها عن عِلَّة، وقد أوضحَ ذلك البيهقيُّ وابن عبد البَر.
ونقل صاحب ((الهَدْي)) عن الشافعيّ وأحمد والبخاري أنَّهم كانوا يَعُدّون الزّيادة على
الركوعَينِ في كلّ ركعة غلطاً من بعض الرُّواة، فإنَّ أكثر طرق الحديث يُمكِن ردُّ بعضها إلى
بعض، ويجمعها أنَّ ذلك يوم ماتَ إبراهيم عليه السلام، وإذا اتَّحَدَت القِصَّةُ تَعيَّنَ الأخذ
بالرّاجح، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدُّدِ الواقعة، وأنَّ الكسوف وقع مِراراً،
(١) سيأتيان (١٠٥١) و(١٠٥٢).

١٨٥
باب ٢ / ح ١٠٤٤
أبواب الكسوف
فيكون كلّ من هذه الأوجُه جائزاً، وإلى ذلك نَحَا إسحاق، لكن لم تَنْبُت عنده الزّيادة على
أربع رُکوعات.
وقال ابن خُزيمةَ وابن المنذر والخطَّبيّ وغيرهم من الشافعيَّة: يجوز العمل بجميع ما
ثَبَتَ من ذلك وهو من الاختلاف المباح، وقوَّاه النَّوَويّ في ((شرح مسلم))، وأبدَى بعضهم
أنَّ حكمة الزِّيادة في الركوع والنَّقص كان بحَسَبِ سُرعة الانجِلاء وبُطئه، فحين وقع
الانجلاءُ في أوَّل ركوع اقتَصَرَ على مثل النافلة، وحين أبطأً زاد رُكوعاً، وحين زاد في
الإبطاء زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما وَرَدَ في ذلك.
وتَعقَّبَه النَّوَويّ وغيره بأنَّ إبطاء الانجِلاء وعَدَمه لا يُعلَم في أوَّل الحال ولا في الرَّكعة
الأولى، وقد اتَّفَقَت الروايات على أنَّ عدد الركوع في الرَّكعتَينِ سواءٌ، وهذا يدلُّ على أنَّه
مقصود في نفسه مَنْويّ من أوَّل الحال.
وأُجيبَ باحتمال أن يكون الاعتماد على الرَّكعة الأولى، وأمَّا الثانية فهي تَبَع لها فمهما
اتَّفَقَ وقوعه في الأولى بسبب بُطء الانجِلاء يقع مثله في الثانية ليُساوي بينهما، ومن ثَمَّ قال
أصبَغُ كما تقدَّم: إذا وقع الانجِلاء في أثنائها يُصلِّ الثانية كالعادة. وعلى هذا فيدخل المصلِّي
فيها على نيَّة مُطلَق الصلاة، ويزيد في الركوع بحَسَبِ الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفيّة عن زيادة الركوع بحملِه على رفع الرأس لرؤية الشمس هل
انجَلَت أم لا؟ فإذا لم يَرَها انجَلَتِ رَجَعَ إلى ركوعه ففعلَ ذلك مَرَّة أو مِراراً، فظَنَّ بعض
مَن رآه يفعل ذلك رُكوعاً زائداً. وتُعُقِّبَ بالأحاديث الصحيحة الصَّريحة في أنَّه أطالَ
القيام بين الركوعَينِ، ولو كان الرَّفع لرؤية الشمس فقط لم يَحتَجْ إلى تطويل، ولا سيّما
الأخبار الصَّريحة بأنَّه ذَكَر ذِكرَ (١) الاعتدال ثمَّ شَرَعَ في القراءة، فكلّ ذلك يَرُدّ هذا الحمل،
ولو كان كما زَعَمَ هذا القائل لكان فيه إخراجٌ لفعل الرسول عن العبادة المشروعة، أو لَزِمَ
منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد بها، وهو ما فرَّ منه.
(١) في (س): ذَكَر ذلك الاعتدال.

١٨٦
باب ٣ / ح ١٠٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي حديث عائشة من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: المبادرةُ بالصلاة وسائر ما ذُكِرَ عند
الكسوف، والَّجر عن كثرة الضَّحِك، والحثّ على كثرة البكاء، والتَّحَقُّق بما سيصيرُ إليه
المرء من الموت والفَناء والاعتبار بآيات الله. وفيه الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ للكواكب تأثيراً في
الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر فکیف بما دونهما.
وفيه تقديم الإمام في الموقف، وتعديل الصُّفوف، والتكبير بعد الوقوف في موضع
الصلاة، وبيان ما يُخْشَى اعتقاده على غير الصواب، واهتمام الصحابة بنقل أفعال النبيِّ وَّة.
لیُقتَدَی به فیھا.
ومن حكْمة وقوع الكسوف تبيين أنموذَج ما سيقعُ في القيامة، وصورة عِقاب مَن لم
يُذْنِب، والتَّنبيه على سُلوك طريق الخوف مع الرَّجاء لوقوعِ الكسوف بالكوكب ثمَّ كَشْف
ذلك عنه ليكون المؤمن من ربِّه على خوف ورجاء. وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من
يَعْبُد الشمس أو القمر، وحَمَلَ بعضُهم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] على صلاة الكسوف لأنَّه الوقت الذي يُناسِب
٥٣٣/٢ الإعراض عن عبادتهما، لمَا / يَظهَر فيهما من التَّغيير والنَّقْص المنَّه عنه المعبود جَلَّ وعَلَا
سبحانه وتعالى.
٣- باب النِّداء بالصلاةَ جامعةً في الکسوف
١٠٤٥ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا يحيى بنُ صالح، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ سَلَّام بنِ
أبي سَلَّامِ الحَبَشِيُّ الدِّمَشقيُّ، قال: حدّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ
عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ الزُّهْريُّ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قال: لمَّا كَسَفَتِ
الشمسُ على عَهْدِ رسول اللهِ لِّ نُودِيَ: أنِ الصلاةَ جامعةً.
[طرفه في: ١٠٥١]
قوله: ((باب النِّداء بالصلاةَ جامعةً)) هو بالنصب فيهما على الحكاية، ونَصْب ((الصلاة))
في الأصل على الإغراء، و((جامعةً)) على الحال، أي: احضُروا الصلاة في حال كَوْنها جامعة.

١٨٧
باب ٣ / ح ١٠٤٥
أبواب الكسوف
وقيل: برفعِهما على أنَّ ((الصلاة)) مُبتَدَأ و((جامعة)) خبره، ومعناه: ذات جماعة، وقيل:
((جامعة)) صفة والخبر محذوف تقديره: فاحضُروها.
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن منصور على رأي الجیّانيّ، أو ابن راهويه على رأي أبي
نُعَيم، ويحيى بن صالح من شيوخ البخاري وربَّما أخرج عنه بواسطةٍ كهذا.
قوله: ((الحَبَشِيّ)) بفتح المهمَلة والموخَّدة بعدها مُعجَمة، ووَهِمَ مَن ضَبَطَه بضمٍّ أوَّله
وسکون ثانیه.
قوله: ((أخبَرَني أبو سَلَمةَ عن عبد الله)) في رواية حَجّاج الصَّواف عن يحيى: حدَّثنا أبو
سَلَمَةَ حدَّثني عبد الله، أخرجه ابن خُزَيمةَ (١٣٧٦).
قوله: ((نُوديَ)) كذا فيه بلفظ البناء للمفعول، وصَرَّحَ الشيخان في حديث عائشة بأنَّ
النبيّ ◌َّهِ بَعَثَ مُنادياً فنادى بذلك(١). قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حُجَّة لمن استَحَبَّ
ذلك، وقد اتَّفَقوا على أنَّه لا يُؤذَّن لها ولا يقام.
قوله: ((أن الصلاة)) بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسِّرة، ورُوِيَ بتشديد النون
والخبر محذوف تقديره: أنَّ الصلاة ذاتُ جماعة حاضرة، ويُروَى برفع ((جامعة)) على أنَّه
الخبر، وفي رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((نوديَ بالصلاة جامعة)) وفيه ما تقدَّم في لفظ الترجمة. وعن
بعض العلماء: يجوز في ((الصلاة جامعة)) النصب فيها، والرَّفع فيهما، ويجوز رفع الأوَّل
ونَصْب الثاني، وبالعكس.
٤ - باب خطبة الإمام في الكسوف
وقالت عائشةُ وأسماءُ: خَطَبَ النبيُّ ◌َلِّ.
١٠٤٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ (ح)
وحدَّثني أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني
عُرْوةُ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وََّ، قالت: خَسَفَتِ الشمسُ في حياةِ النبيِّ ◌َّ، فخرجَ إلى
(١) رواية البخاري ستأتي برقم (١٠٦٦)، وهو عند مسلم برقم (٩٠١) (٤).

١٨٨
باب ٤ / ح ١٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
المسجدِ فصَفَّ الناسُ وراءَهِ، فَكَبَّرَ فَاقْتَرأْ رسول الله وَلِّ قراءةً طويلةً، ثمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكوعاً
طويلاً، ثمَّ قال: ((سَمِعَ الله لمن ◌َِدَه)) فقامَ ولم يَسجُد وقرأ قراءةً طويلةً هي أدنى مِن القراءةِ
الأولى، ثمَّ كَبََّ ورَكَعَ رُكوعاً طويلاً، وهو أدنى مِن الزُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ قال: ((سَمِعَ الله لمن
حَمِدَه، رَبَّنا ولكَ الحمدُ)) ثمَّ سَجَد، ثمَّ قال في الرَّكْعةِ الآخرةِ مِثلَ ذلك، فاستكمَلَ أربعَ
رَكَعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ، وانجَلَتِ الشمسُ قبلَ أن ينصرفَ، ثمَّ قامَ فأثْنَى على الله بما هو
أهلُه، ثمّ قال: ((هما آيتان من آيات الله لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُمُوهما فافزَعُوا
إلى الصلاةِ)).
٥٣٤/٢ وكان يُحدِّثُ كَثِيرُ بنُ عبَّاسٍ: أَنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما/ كان يُحدِّثُ يومَ
خَسَفَتِ الشمسُ بمِثْلِ حديثِ عُرْوةَ عن عائشة، فقلتُ لعُرْوةَ: إنَّ أخاكَ يومَ خَسَفَت بالمدينةِ
لم يَزِدْ على رَكْعتَيْنِ مِثْلَ الصبحِ! قال: أجَلْ، لأنَّه أخطأَ السُّنّةَ.
قوله: ((باب خُطْبة الإمام في الكُسوف)) اختُلِفَ في الخطبة فيه، فاستَحَبَّها الشافعيُّ
وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامةَ: لم يَبلُغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب
((الهداية)) من الحنفيَّة: ليس في الكسوف خطبة لأنَّه لم يُنقَل. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأحاديث ثبتت
فيه وهي ذات كَثْرة، والمشهور عند المالكيَّة أن لا خطبة لها، مع أنَّ مالكاً روى الحديث،
وفيه ذِكْر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنَّه وَله لم يَقصِد لها خطبة بخصوصِها، وإنَّما أراد أن
يُبيِّن لهم الردَّ على مَن يعتقد أنَّ الكسوف لموتٍ بعض الناس.
وتُعُقِّبَ بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد
والثَّناء والموعظة وغير ذلك ممَّا تضمَّنَتَه الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب
الكسوف، والأصل مشروعيَّة الاتِّباع، والخصائص لا تَنْبُت إلَّا بدليلٍ.
وقد استَضعَفَ ابن دَقِيق العيد التأويل المذكور وقال: إنَّ الخطبة لا تنحصر مقاصدها
في شيء مُعيَّن بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثَّناء والموعظة، وجميعُ ما ذُكِرَ
من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التَّأْسّي بالنبيِّ وَلِّ
فيَذْكُر الإمام ذلك في خطبة الكسوف. نعم نازَعَ ابن قُدامةَ في كَوْن خطبة الكسوف

١٨٩
باب ٤ / ح ١٠٤٦
أبواب الكسوف
=
كخُطبتَي الجمعة(١)، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نَحًا ابن
المنِّر في ((حاشيته)) ورَدَّ على مَن أنكَرَ أصل الخطبة، لتُبوتِ ذلك صريحاً في الأحاديث،
وذكر أنَّ بعض أصحابهم احتجَّ على تَرْك الخطبة بأنَّه لم يُنقَل في الحديث أنَّه صَعِدَ المِنِبَرَ، ثمَّ
زَيَّفَه بأنَّ المنبر ليس بشرطٍ، ثمَّ لا يلزم من أنَّه لم يُذكَر أنَّه لم يقع.
قوله: ((وقالت عائشة وأسماء: خَطَبَ النبيُّ وَّ)) أمَّا حديث عائشة فقد مضى قبلُ بباب
(١٠٤٤) في رواية هشام صريحاً، وأورَدَ المصنّف في هذا الباب حديثها من طريق ابن
شهاب، وليس فيه التصريح بالخطبة، لكنَّه أراد أن يُبيِّ أنَّ الحديث واحد، وأنَّ الثَّناء
المذكور في طريق ابن شهاب كان في الخطبة. وأمَّا حديث أسماء - وهي بنت أبي بكر أُخت
عائشة لأبيها - فسيأتي الكلام عليه بعد أحد عشر باباً (١٠٦١).
قوله: ((فصَفَّ الناسُ)) بالرَّفع، أي: اصطَفُّوا، يقال: صَفَّ القومُ: إذا صاروا صَفّاً،
ويجوز النصب والفاعل محذوف والمراد به النبيّ وَلّ.
قوله: ((ثُمَّ قال في الرَّكْعة الآخرة مثلَ ذلك)» فيه إطلاق القول على الفعل، فقد ذكره من
هذا الوجه في الباب الذي يليه بلفظ: ((ثمَّ فعَلَ)).
قوله: ((فافزَعُوا)) بفتح الزّاي، أي: التَجِئوا وتَوجَّهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور
به، وأنَّ الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدُّعاءِ والاستغفار سبب لمَحْو ما فَرَطَ من
العِصْيان يُرجَى به زوال المخاوف، وأنَّ الذُّنوب سبب للبَلايا والعقوبات العاجلة
والآجلة، نسأل الله تعالى رحمته وعَفْوه وغُفْرانه.
قوله: ((إلى الصلاة)) أي: المعهودة الخاصَّة، وهي التي تقدَّم فعلُها منه وَّ قبل الخطبة،
ولم يُصِبْ مَن استدلَّ به على مُطلَق الصلاة. ويُستَنَبَط منه أنَّ الجماعة ليست شرطاً في
صِحَّتها؛ لأنَّ فيه إشعاراً بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها، وانتظارُ الجماعة قد يُؤدّي إلى
فَوَاتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصلاة.
(١) زاد في (س): والعيدين، والصواب حذفها كما في الأصلين (أ) و(ع)، إذ إن ابن قدامة في ((المغني))
٣٢٨/٣ ذكر خطبة الجمعة ولم يذكر خطبة العيدين.

١٩٠
باب ٤ / ح ١٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكان يُحدِّث كثير بن عبَّاس)) هو بتقديم الخبر على الاسم، وقد وقع في مسلم
(٩٠٢) من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْرِيِّ بلفظ: ((وأخبرني كثير بن العبّاس)) وصَرَّحَ برفعِه،
وأخرجه مسلم أيضاً (٥/٩٠١) والنَّسائيُّ (١٤٦٩) من طريق عبد الرحمن بن نَمِر عن
الزُّهْريِّ كذلك وساق المتنَ بلفظ: صلَّى يوم كَسَفَت الشمس أربع رَكَعات في ركعتين
وأربع سجداتٍ، وطَوَّلَه الإسماعيليّ من هذا الوجه.
قوله: ((فقلت لعُرْوة)) هو مَقُول الزُّهْريِّ أيضاً.
قوله: ((إنَّ أخاك)) يعني: عبد الله بن الزُّبَير، وصَرَّحَ به المصنّف من وجه آخر كما سيأتي في
٥٣٥/٢ أواخر / الكسوف (١٠٦٦)، وللإسماعيليِّ: فقلت لعُرْوةَ: والله ما فعل ذاكَ أخوك عبد الله
ابن الزُّبَير، انخَسَفَت الشمس وهو بالمدينة زمنَ أراد أن يسير إلى الشَّام فما صلَّى إلَّا مثلَ
الصبح.
قوله: ((قال: أجَلْ، لأنَّه أخطأَ السُّنَّة)) في رواية ابن حِبَّان (٢٨٤٢): فقال: أجل، كذلك
صَنَعَ وأخطأ السُّنَّة. واستدلَّ به على أنَّ السُّنَّة أن تُصلَّى صلاة الكسوف في كلّ ركعة
رُكوعان، وتُعُقِّبَ بأنَّ عُرْوة تابعيّ وعبد الله صحابيّ فالأخذ بفعله أَولى، وأُجيبَ بأنَّ قول
عُرْوة وهو تابعيّ: ((السُّنَّة كذا)) وإن قلنا: إنَّه مُرسَل على الصحيح، لكن قد ذكر عروةٌ
مُستَنَده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتَفَى عنه احتمال كَوْنه موقوفاً أو مُنقطِعاً،
فيُرجَّح المرفوع على الموقوف، فلذلك حَكَمَ على صنيع أخيه بالخطأ، وهو أمر نِسبيّ، وإلَّا
فما صَنَعَه عبد الله يتأدَّى به أصل السُّنَّة، وإن كان فيه تقصير بالنّسبة إلى كمال السُّنَّة.
ويحتمل أن يكون عبد الله أخطأ السُّنَّة عن غير قَصْد لأنَّها لم تَبلُغه، والله أعلم.
٥ - باب هل يقول: كَسَفَت الشمسُ أو خَسَفَت؟
وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨].
١٠٤٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثنا اللَيثُ، حدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَِّ أخبَرَتْه: أنَّ رسول الله ◌ََّ صِلَّى يومَ خَسَفَتِ

١٩١
باب ٥ / ح ١٠٤٧
أبواب الكسوف
الشمسُ، فقامَ فكَبَّرَ فقرأ قراءةً طويلةً، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ رأسَه فقال: ((سَمِعَ الله
لمن ◌َمِدَه)) وقامَ كما هو، ثمَّ قرأ قراءةً طويلةً وهي أَدْنى مِن القراءةِ الأُولى، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً
طويلاً وهي أَدْنى مِن الرَّكْعةِ الأُولى، ثمَّ سَجَدَ سجوداً طويلاً، ثمَّ فَعَلَ في الرَّكْعةِ الآخرةِ مِثلَ
ذلك، ثمَّ سَلَّمَ وقد تَجَلَّتِ الشمسُ فخَطَبَ الناس، فقال في كُسوفِ الشمسِ والقمرِ: ((إنَّما
آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُمُوهما فافزَعُوا إلى الصلاةِ».
قوله: ((باب هل يقول: كَسَفَت الشمس أو خَسَفَت؟)) قال الزَّين بن المنيِّر: أتى بلفظ
الاستفهام إشعاراً منه بأنَّه لم يَتَرجَّح عنده في ذلك شيء.
قلت: ولعلَّه أشار إلى ما رواه ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة قال: لا تقولوا كَسَفَت
الشمسُ، ولكن قولوا: خَسَفَت، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه،
وأخرجه مسلم (١٣/٩٠٥) عن يحيى بن يحيى عنه، لكنَّ الأحاديث الصحيحة تخالفُه
الثُّبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أنَّ
الكسوف للشمسِ والخسوف للقمرِ، واختاره ثَعلَب، وذكر الجوهريّ أنَّه أفصَحُ، وقيل:
یتعیَّن ذلك.
وحكى عياض عن بعضهم عكسَه، وغَلَّطَه لِثُبوتِه بالخاءِ في القمر في القرآن، وكأنَّ هذا
هو السِّ في استشهاد المؤلّف به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كلٍّ منهما، وبه جاءت
الأحاديث، ولا شَكَّ أنَّ مدلول الكسوف لغةً غير مدلول الخُسوف؛ لأنَّ الکسوف: التغیُر
إلى السَّواد، والخُسوف: النُّقصان أو الذُّل، فإذا قيل في الشمس: كَسَفَت أو خَسَفَت، لأنَّها
تَتغيَّرَ ويَلحَقها النَّقْص ساغَ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنَّ الكسوف والخُسوف
مُتَرادفان. وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاءٍ في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع
الضَّوء، وبالخاءِ لبعضه، وقيل: بالخاءِ لذهاب كلّ لون، وبالكاف لتغیُره.
قوله: ((وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ))» في إيراده لهذه الآية احتمالان:
أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خَسَفَ / القمرُ كما جاء في القرآن، ولا يقال: گَسَف، ٥٣٦/٢

١٩٢
باب ٦ / ح ١٠٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
وإذا اختَصَّ القمر بالخُسوفِ، أشعَرَ باختصاص الشمس بالكسوفِ.
والثاني: أن يكون أراد: أنَّ الذي يَتَّفِقِ للشمسِ كالذي يَتَّفِقِ للقمر، وقد سُمّيَ في
القرآن بالخاءِ في القمر فليكن الذي للشمسِ كذلك. ثمَّ ساقَ المؤلّف حديث ابن شهاب،
عن عُرْوة، عن عائشة بلفظ: ((خَسَفَت الشمس)) وهذا موافق لمَا قال عُرْوة، لكن روايات
غيره بلفظ: ((كَسَفَت)) كثيرة جدّاً.
قوله فيه: ((ثُمَّ سَجَدَ سجوداً طويلاً) فيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّه لا يُسَنّ تطويل السجود في
الکسوف، وسيأتي ذِكْره في باب مُفرَد(١).
٦ - باب قول النبيِّ وَّ: ((يخوّف اللهُ عبادَه بالكسوف»
قاله أبو موسى عن النبيِّ ◌ِلّ.
١٠٤٨ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، عن أبي
بَكْرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَنكَسِفان لموتٍ
أحدٍ، ولكنْ يُخُوِّفُ اللهُ بهما عِبادَه)).
وقال أبو عبد الله: لم يَذْكُر عبدُ الوارثِ وشُعْبةُ وخالدُ بنُ عبدِ الله وحَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن
يونس: ((يُخُوِّفُ اللهُ بهما عِبادَه)). وتابَعَه أَشعثُ عن الحسنِ.
وتابَعَه موسى، عن مُبارَكٍ، عن الحسنِ، قال: أخبرني أبو بَكْرة، عن النبيِّ وَّ: ((يُخْوِّفُ الله
بهما عِبادَه)).
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّ: يُوِّف الله عباده بالكُسوفِ، قاله أبو موسى عن النبيِّ ◌َّ)
سيأتي حديثه موصولاً بعد سبعة أبواب (١٠٥٩). ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أبي بَكْرة من
رواية حمّاد بن زيد عن يونس وفيه: ((ولكن يُوِّف الله بهما عباده))، وفي رواية الكُشمِيھَنيِّ:
((ولكنَّ الله يُحُوِّف))، وقد تقدَّم الكلام عليه في أوَّل الكسوف (١٠٤٠).
(١) وهو الباب الآتي برقم (٨): باب طول السجود في الكسوف.

١٩٣
باب ٦ / ح ١٠٤٨
أبواب الكسوف
قوله: ((لم يَذْكُر عبد الوارث وشُعْبة وخالد بن عبد الله وحَمَّد بن سَلَمةَ عن يونس: يُوِّف
الله بهما عبادَه)) أمَّا رواية عبد الوارث فأورَدَها المصنِّف بعد عشرة أبواب (١٠٦٣) عن أبي
مَعمَر عنه وليس فيها ذلك، لكنَّه ثَبَتَ من رواية عبد الوارث من وجه آخر أخرجه النَّسائيُّ
(١٤٩١) عن عمران بن موسى عن عبد الوارث وذكر فيه: ((يُوِّف الله بهما عباده))، وقال
البيهقيُّ: لم يَذْكُره أبو مَعمَر، وذكره غيره عن عبد الوارث. وأمَّا رواية شُعبة فوَصَلها
المصنِّف في الباب المذكور (١٠٦٢) وليس فيها ذلك، وأمَّا رواية خالد بن عبد الله فسَبَقَت
في أوَّل الكسوف (١٠٤٠)، وأمَّا رواية حَمَّد بن سَلَمَةَ فَوَصَلها الطَّبرانيُّ من رواية حَجّاج بن
مِنْهال عنه بلفظ رواية خالد ومعناه، وقال فيه: «فإذا کَسَفَ واحد منهما فصَلُّوا وادعوا».
قوله: ((وتابَعَه أشعَث)) يعني: ابن عبد الملك الحُمْرانيّ ((عن الحسن)) يعني: في حذف
قوله: ((يُخُوِّف الله بهما عباده))، وقد وَصَلَ النَّسائيُّ (٨٣٦ ١٤٦٤) هذه الطريق وابنُ حِبَّان
(٢٨٣٧) وغيرهما من طُرُق عن أشعَث عن الحسن، وليس فيها ذلك.
قوله: ((وتابَعَه موسى، عن مُبارَك، عن الحسن، قال: أخبرني أبو بَكْرة عن النبيِّ ◌َّه
يُوِّف الله بهما عبادَه)) في رواية غير أبي ذَرّ: ((إنَّ الله تعالى)). وموسى: هو ابن إسماعيل
التَّبُوذَكيُّ كمَا جَزَمَ به المِّي، وقال الدِّمياطيّ ومَن تَبِعَه: هو ابن داود الضَّبّي، والأوَّل
أرجح؛ لأنَّ ابن إسماعيل معروف في رجال البخاري دون ابن داود، ولم تقع لي هذه الرواية
إلى الآن من طريق واحد منهما. وقد أخرجه الطَّرانيُّ من رواية أبي الوليد وابنُ حِبَّان
(٢٨٣٤) من رواية هُدْبة، وقاسمُ بن أصبَغ من رواية سليمان بن حَرْب، كلهم عن مُبارَك،
وساقَ الحديث بتمامه، إِلَّ أنَّ رواية هُدْبة ليس فيها: ((يُحُوِّف الله بهما عباده)).
تنبيه: وقع قوله: ((تابَعَه أشعَث)) في رواية كَرِيمة عَقِبَ مُتابعة موسى، والصواب
تقدیمه لما بيَّنّاه من خُلوّ روایة أشعَٹ/ من قوله: ((ُوِّف الله بهما عباده)).
قوله: ((يُوِّف)» فيه ردٌّ على مَن يَزعُم من أهل الهيئة أنَّ الكسوف أمر عاديّ لا يتأخّر ولا
يتقدَّم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلَة الجَزْر والمَدّ في
٥٣٧/٢

١٩٤
باب ٦ / ح ١٠٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
البحر(١)، وقد رَدَّ ذلك عليهم ابن العربيّ وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي
موسى الآتي (١٠٥٩) حيثُ قال: ((فقامَ فَزِعاً يخشى أن تكون الساعةُ)) قالوا: فلو كان
الكسوف بالحِساب لم يقع الفَزَع، ولو كان بالحِساب لم يكن للأمر بالعِتق والصَّدَقة
والصلاة والذِّكر معنًى، فإنَّ ظاهر الأحاديث أنَّ ذلك يُفيد التَّخويف به، وأنَّ كلّ ما ذُكِرَ
من أنواع الطاعة يُرجَى أن يُدفَع به ما يُخْشَى من أثر ذلك الكسوف.
ومَّا نَقَضَ ابنُ العربيّ وغيره أنَّهم يَزِعُمون أنَّ الشمس لا تَنكَسِف على الحقيقة، وإنَّما
يَحُول القمرُ بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العُقدتَينِ، فقال: هم يَزْعُمون أنَّ
الشمس أضعاف القمر في الجِرْم، فكيف يَحجُب الصغيرُ الكبيرَ إذا قابَلَه، أم كيف يُظلِم
الكثيرُ بالقليل، ولا سيّما وهو من جنسه، وكيف تَحجُب الأرض نور الشمس وهي في
زاوية منها، لأنَّهم يَزْعُمون أنَّ الشمس أكبر من الأرض بتسعينَ ضِعفاً.
وقد وقع في حديث النُّعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يَزْعُمه أهل
الهيئة وهو ما أخرجه أحمد (١٨٣٦٥) والنَّسائيُّ (١٤٨٥) وابن ماجَهْ (١٢٦٢) وصحَّحه
ابن خُزَيمةَ (١٤٠٣) والحاكم (١/ ٣٣٢) بلفظ: ((إنَّ الشمس والقمر لا يَنكَسِفان لموتِ
أحد ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، وأنَّ الله إذا تَجَلَّى لشيءٍ من خَلْقه خَشَعَ له))(٢)،
وقد استَشكَل الغَزاليّ هذه الزِّيادة وقال: إنَّها لم تَتْبُت فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو
صَخَّت لكان تأويلها أهوَنَ من مُكابَرة أُمور قَطعيَّة لا تصادم أصلاً من أُصول الشَّريعة.
قال ابن بَزِيزةَ: هذا عَجَبٌ منه، كيف يُسلِّم دعوى الفلاسفة ويَزْعُم أنَّها لا تصادمُ
(١) بل إن الكسوف والخسوف أوقاتاً مقدَّرة معلومة كما لطلوع الهلال وقتٌ مقدَّر، وذلك مما أجرى اللهُ عادته
بالليل والنهار، والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع الشمس والقمر، وذلك من آيات الله تعالى كما قال:
﴿وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَّ كُلِّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية
في «الفتاوى)» ٢٥٩/٢٤، وهذا الذي قاله حقٌّ أثبته العلم والتجربة على الواقع، ولا عبرة بقول من ردَّه
وزعم خطأه. وانظر تتمة كلام شيخ الإسلام ففيه الإشارة إلى حديث: «يخوِّف الله بهما عباده)).
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه، وزيادة التجلِّ في آخره زيادة شاذَّة لم تقع في شيء من أحاديث الكسوف
الصحيحة.

١٩٥
باب ٦ / ح ١٠٤٨
أبواب الكسوف
الشَّريعة مع أنَّها مبنيّة على أنَّ العالَم كُرَويّ الشَّكل، وظاهر الشَّرع يعطي خلاف ذلك(١)،
والثابت من قواعد الشَّريعة أنَّ الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيَخلُق في
هذينِ الجِرِمَينِ النّور متى شاءَ والظُّلمة متى شاءَ من غير تَوقُّف على سبب أو رَبْطِ باقترانٍ(٢)،
والحديث الذي رَدَّه الغَزاليّ قد أثبَتَه غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيثُ المعنى
أيضاً، لأنَّ النُّورِيَّة والإضاءة من عالم الجمال الحِسّي، فإذا تَجَلَّت صفةُ الجلال انطَمَسَت الأنوار
لَهَيَتِه، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. انتهى.
ويؤيِّد هذا الحديث ما رُويناه عن طاووسِ: أنَّه نَظَرَ إلى الشمس وقد انكَسَفَت فَبَكَى
حتَّى كاد أن يموت وقال: هي أخوَف لله منّا.
وقال ابن دَقِيق العيد: ربَّما يعتقد بعضهم أنَّ الذي يَذكره أهل الحِساب يُنافي قوله:
((يُوِّف الله بهما عباده)) وليس بشيءٍ، لأنَّ لله أفعالاً على حَسَب العادة، وأفعالاً خارجة عن
ذلك، وقُدرَته حاكمة على كلّ سبب، فله أن يَقتَطِع ما يشاء من الأسباب والمسبِّبات بعضها
عن بعض. وإذا ثَبَتَ ذلك فالعلماء بالله لقوَّة اعتقادهم في عُموم قُدرَته على خَرْق العادة وأنَّه
يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء غريب حَدَثَ عندهم الخوف لقوَّة ذلك الاعتقاد، وذلك لا
يَمنَع أن يكون هناك أسباب تّجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقَها. وحاصله أنَّ الذي
يَذكره أهل الحساب إن كان حَقّاً في نفس الأمر لا يُنافي كَوْن ذلك مُوِّفاً لعباد الله تعالى.
٧- باب التعُّذ من عذاب القبر في الكسوف
١٠٤٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ ٥٣٨/٢
عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَّةِ: أنَّ يهوديّةً جاءت تسألُها، فقالت لها: أعاذَكِ الله من
(١) فيه نظرٌ، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ١٥٠/٥: اعلم أن الأرض قد اتفقوا على
أنها كُرِّيَّة الشكل ... والأفلاك مستديرة بالكتاب والسُّنة والإجماع، فإن لفظ الفَلَك يدل على الاستدارة،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، قال ابن عباس: في فَلْكة كَفَلْكة المِغْزَل، ومنه
قولهم: تفلَّك ثديُّ الجارية: إذا استدار، وأهلُ الهيئات والحساب متفقون على ذلك.
(٢) تحرف في (س) إلى: باقتراب، بالباء.

١٩٦
باب ٧ / ح ١٠٤٩ - ١٠٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
عذابِ القبر، فسألَت عائشةُ رضى الله عنها رسول الله وَالَ: أَيُعذّبُ الناسُ في قُبُورِهم؟ فقال
رسول الله وَل﴾: («عائذاً بالله من ذلكَ».
[أطرافه في: ١٠٥٥، ١٢٧٢، ٦٣٦٦]
١٠٥٠ - ثمَّ رَكِسَ رسول الله وَهَ ذاتَ غَدَاةِ مَرَ كَباً، فَخَسَفَتِ الشمسُ فَرَجُعَ ضُحّى، فَمْوَّ
رسول الله ◌َّ بِينَ ظَهْرَانَي الحُبَِ، ثُّ قَامَ يُصلِّي وقامَ الناسُ وراءَه فقامَ قياماً طويلاً، ثمّ رَكَعَ
رُكوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ فَقَامَ قَياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُوعاً طويلاً وهو
دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثُنَّ رَفَعُ فَسُجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قَياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَمَ
ركوعاً طويلاً وهو دونُ الرُّكوع الأوَّلِ، ثُمَّ قامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأوّل، ثمَّ رَكَعَ
ركوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ فَسُجَدَ وانصُرَفَ، فقال ما شاءَ الله أن يقولَ،
ثُمَّ أُمُرُهم أن يَتعوَّفُوا من عذابٍ القبر.
قوله: ((باب التعوّة من عذاب القبر في الكُسوف)» قال ابن المنيِّرِّ في («الحاشية)»: مُناسَبة
التعوُّد عند الكسوف أنَّ ظُلمة النهار بالكسوف تُشابِه ظُلمة القبر وإن كان نهاراً، والشيء
بالشيءٍ يُذكَرِ، فَيُخاف من هذا كما يُخاف من هذا، فَيَحصُل الاتِّعاظ بهذا في التَّمَسُّك بها
يُنجي من غائلة الآخرة. ثمَّ ساق المصنِّف حديث عائشة من رواية عَمْرة عنها، وإسناده
کلُّه مدنیُّون.
قوله: «عائذاً بالله من ذلكُ)) قال ابن السِّيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على
مِثال فاعل كقولهم: عُوفيَ عافيةً، أو على الحال المؤكِّدة النائبة مَناب المصدر والعامل فيه
محذوف، كأنَّه قال: أعوذ بالله عائذاً، ولم يَذكُر الفعل، لأنَّ الحال نائبة عنه، ورُوِيَ بالَّفع،
أي: أنا عائد، وكأنَّ ذلك كان قبل أن يُطَّلِع الخبيُّ ◌َل على عذاب القبر كما سيأتي البحث
فيه في كتاب الجنائز (١٣٧٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((بين ظَهْراتي)) بفتح الظاء المعجَّمة والنون على النَّثنية، و(«الخُبَرِ)) بضمُ المهملة
وفتح الجيم: جمع حُجْرة بسكون الجيم، قيل: المراد: بين ظَهْر الحُجَر، والنون والياء
زائدتان، وقيل: بل الكلمة كلَّها زائدة، والمراد بالحُجَرِ: بيوت أزواج النبيّ ◌َ﴾.

١٩٧
باب ٨ / ح ١٠٥١
أبواب الكسوف
قوله: ((وانصَرَفَ، فقال ما شاءَ الله أن يقول)) تقدَّم بيانه في رواية عُرْوة (١٠٤٤)، وأنَّه
خَطَبَ وأمر بالصلاة والصَّدَقة والذِّكر وغير ذلك.
٨- باب طول السجود في الكسوف
١٠٥١- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن عبدِ الله بنِ
عَمْرٍوٍ، أَنَّه قال: لمَّا كَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسول الله ◌ِ ◌ّ نُودِيَ: أنِ الصلاةَ جامعةً، فَرَكَعَ
النبيُّ ◌ِ﴿ رَكْعتَينِ في سَجْدٍ، ثمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعتَينِ في سَجْدٍ، ثمَّ جَلَس، ثمَّ جُلَِّّ عن الشمسِ،
قال: وقالت عائشةُ رضي الله عنها: ما سَجَدتُ سجوداً قَطُّ كان أطولَ منها.
قوله: (باب طُول السُّجود في الكُسوف)) أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على مَن أنكَرَه،
واستدلَّ بعض المالكيَّة على تَرْك إطالته بأنَّ الذي شُرِعَ فيه التَّطويل شُرِعَ تَكرارُه كالقيام
والركوع، ولم تُشرَع الزّيادة في السجود فلا يُشرَع تطويلُه، / وهو قياس في مُقابَلَة النصّ كما ٥٣٩/٢
سيأتي بيانه، فهو فاسد الاعتبار، وأبدى بعضهم في مُناسَبة التَّطويل في القيام والركوع دون
السجود أنَّ القائم والراكع يُمكِنه رؤية الانجِلاء بخلاف الساجد فإنَّ الآية عُلويَّة، فناسَبَ
طولُ القيام لها بخلاف السجود، ولأنَّ في تطويل السجود استرخاءَ الأعضاء، فقد يُفضي
إلى النوم. وكلُّ هذا مردود بثُبوتِ الأحاديث الصحيحة في تطویله.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص من طريق يحيى بن أبي كثير عن
أبي سَلَمةَ عنه، وقد تقدَّم من وجه آخر مختصراً (١٠٤٥)، ووقع في رواية الكُشمِيهَنِيِّ:
عبد الله بن عُمَر، بضمٍّ أوَّله وفتح المیم بلا واو، وهو وهمٌ.
قوله: ((رَكْعتَينِ في سَجْدة)) المراد بالسجدة هنا: الرَّكعة بتمامها، وبالرَّكعتَينِ: الرُّكوعان،
وهو موافق لروايتَي عائشة وابن عبَّاس المتقدِّمْتَينِ (١٠٤٤و١٠٥٢) في أنَّ في كلِّ ركعة
رُكوعَينٍ وسجودين، ولو تُرِكَ على ظاهره لاستَلزَمَ تثنيةَ الركوع وإفرادَ السجود ولم يَصِرْ
إليه أحد، فتَعيَّنَ تأويله.

١٩٨
باب ٨ / ح ١٠٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ جَلَسَ ثمَّ جُلَّ عن الشمس)) أي: بين جلوسه في التشهُّد والسلام، فتَبيَّنَ قوله
في حديث عائشة: ثمَّ انصَرَفَ وقد تَجَلَّت الشمس.
قوله: ((قال: وقالت عائشة)) القائل هو أبو سَلَمةَ في نَقْدي، ويحتمل أن يكون عبدَ الله بن
عَمْرو فيكون من رواية صحابيٍّ عن صحابيَّة، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق، فقد أخرجه مسلم
وابن خُزَيمةَ وغيرهما(١) من رواية أبي سَلَمةَ عن عبد الله بن عَمْرو وفيه قول عائشة هذا.
قوله: ((ما سَجَدْتُ سجوداً قَطُّ كان أطولَ منها)) كذا فيه، وفي رواية غيره: ((منه)) أي: من
السجود المذكور، زاد مسلم (٩١٠) فيه: ((ولا رَكَعت رُكوعاً قَطُّ كان أطول منه)»، وتقدَّم في
رواية عُرْوة عن عائشة (١٠٤٤) بلفظ: ((ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السجود))، وفي أوائل صفة الصلاة
(٧٤٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر مثله، وللنَّسائيِّ (١٤٨٢) من وجه آخر عن عبد الله
ابن عَمْرو بلفظ: ((ثمَّ رَفَعَ رأسه فسجد وأطالَ السجود)»، ونحوه عنده (١٤٨٣) عن أبي
هريرة، وللشيخينِ (٢) من حديث أبي موسى: ((بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قَطُ))، ولأبي
داود (١١٨٤) والنَّسائيِّ (١٤٨٤) من حديث سَمُرة: «كأطول ما سَجَدَ بنا في صلاة قَطّ»،
وكلُّ هذه الأحاديث ظاهرة في أنَّ السجود في الكسوف يُطوَّل كما يُطوَّل القيام والركوع.
وأبدَى بعض المالكيَّة فيه بحثاً فقال: لا يلزم من كَوْنه أطالَ أن يكون بَلَغَ به حَدَّ
الإطالة في الركوع، وكأنَّه غَفَلَ عمَّا رواه مسلم (٩٠٤/ ١٠) في حديث جابر بلفظ:
((وسجودُه نحو من ركوعِه))، وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأحد قولَي الشافعيّ، وبه جَزَمَ
أهل العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سُرَيج ثمَّ النَّوَوي، وتَعقَّبَه صاحب
((المهذَّب)) بأنَّه لم يُنقَل في خبر ولم يقل به الشافعيّ. انتهى، ورُدَّ عليه في الأمرَينِ معاً، فإنَّ
الشافعيّ نَصَّ عليه في البُوَيطيّ ولفظه: ثمَّ يَسجُد سجدتين طويلتَينِ يقيم في كلّ سجدة
نحواً مَّا قام في رُکوعه.
(١) أخرجه أحمد (٦٦٣١)، ومسلم (٩١٠)، والنسائي (١٤٨٤)، وابن خزيمة (١٣٧٥) و(١٣٧٦)، لكن
ابن خزيمة لم يسق لفظه.
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (١٠٥٩)، وهو عند مسلم برقم (٩١٢).

١٩٩
باب ٩ / ح ١٠٥٢
أبواب الكسوف
تنبيه: وقع في حديث جابر الذي أشرت إليه عند مسلم (٩٠٤/ ١٠) تطويل الاعتدال
الذي يليه السجود ولفظه: ((ثمَّ رَكَعَ فأطال، ثمَّ سَجَدَ))، وقال النَّوَويّ: هي رواية شاذَّة
مخالفة فلا يُعمَل بها، أو المراد زيادة الطَّمَأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. وتُعُقِّبَ
بما رواه النَّسائيُّ (١٤٨٢ و١٤٩٦) وابن خُزَيمةَ (١٣٩٣) وغيرهما (١) من حديث عبد الله بن
عَمْرو أيضاً ففيه: ((ثمَّ رَكَعَ فأطالَ حتَّى قيل: لا يَرفَع، ثمَّ رَفَعَ فأطالَ حتَّى قيل: لا يَسجُد،
ثُمَّ سَجَدَ فأطالَ حتَّى قيل: لا يَرفَع، ثمَّ رَفَعَ فجَلَسَ فأطالَ الجلوس حتَّى قيل: لا يَسجُد،
ثمَّ سَجَدَ)) لفظ ابن خُزيمةَ من طريق الثَّوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه عنه،
والثَّوريُّ سمع من عطاء قبل الاختلاط فالحديث صحيح، ولم أقِفْ في شيء من الطُّرق
على تطويل الجلوس بين السَّجدتَينِ إلَّا في هذا، وقد نقل الغَزاليّ الاتّفاق على تَرْك إطالته،
فإن أراد الاتّفاق المذهبيَّ فلا كلام، وإلّا فهو محجوجُ بهذه الرواية.
٩- باب صلاة الکسوف جماعةً
وصَلَّى ابنُ عبَّاسٍ لهم في صُفّةِ زَمْزَمَ. وجمعَ عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ، وصَلَّى ابنُ عمرَ.
١٠٥٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، ٥٤٠/٢
عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، قال: انخَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسول الله وَّهِ فصَلَّى رسولُ الله
وَلّ فقامَ قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ فقامَ قياماً
طويلاً وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ
قامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الُّكوعِ الأَوَّلِ، ثمَّ
رَفَعَ فقامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأَوَّلِ،
ثُمَّ سَجَدَ، ثمَّ انصَرَفَ وقد تَجَّتِ الشمسُ، فقال ◌َّهِ: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتانِ من آياتِ الله،
لا يَخْسِفانِ لموتٍ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فاذْكُرُوا الله)).
قالوا: يا رسولَ الله، رأيناكَ تناولتَ شيئاً في مَقامِكَ ثمَّ رأيناكَ كَمْكَعْتَ! قال ◌َِّ: ((إِنِّي
(١) كالبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٢٤/٣، والحديث عندهم من طرق عن عطاء بن السائب.

٢٠٠
باب ٩ / ح ١٠٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
رأيتُ الجنَّةَ فتناوَلْتُ عُنْقوداً، ولو أصَبتُه لأكَلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنْيا، وأُرِيتُ النّارَ فلم أرَ مَنْظَراً
كاليومِ قَطُّ أَفْظَعَ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساء)» قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: ((بكُفْرِ هنَّ)) قيلَ:
يَكْفُرنَ بالله؟ قال: ((يَكفُرنَ العَشِيرَ، ويَكفُرنَ الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ كلَّه،
ثُمَّ رَأْتْ منكَ شيئاً قالت: ما رأيتُ منكَ خيراً قَطُّ).
قوله: ((باب صلاة الكسوف جماعة)) أي: وإن لم يَحَضُر الإمام الرّاتب فيَؤُمَّ بهم بعضهم،
وبه قال الجمهور، وعن الثَّوريّ: إن لم يَحَضُر الإمام صَلَّوا فُرادَى.
قوله: ((وصَلَّى لهم ابن عبّاس في صُفَّة زَمْزَم)) وَصَلَه الشافعيّ(١) وسعيد بن منصور جميعاً
عن سفيان بن عُيَينةَ عن سليمان الأحوَل سمعت طاووساً يقول: كَسَفَت الشمسُ فصلَّى بنا
ابن عبَّاس في صُفَّة زَمَزَم ستَّ رَكَعات في أربع سَجَدات، وهذا موقوف صحيح، إلّا أنَّ
ابن عُيَينةَ خُولِفَ فيه، رواه ابن جُرَيج عن سليمان فقال: ركعتين في كلّ ركعة أربع
رَكَعات، أخرجه عبد الرزاق (٤٩٣٤) عنه، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٦٨/٢) عن
غُندَر عن ابن جُرَيج، لكن قال: ((سَجَدات)) بدل: رَكَعات، وهو وهمٍّ من غُندَر.
وروى عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: رأيت ابن
عبَّاس صلَّ على ظَهْر زَمزَم في كسوف الشمس ركعتين في كلّ ركعة ركعتين(٢).
قوله: ((في صُفَّة زَمْزَم)) كذا للأكثر بضمِّ الصّاد المهمَلة وتشديد الفاء وهي معروفة،
وقال الأزهَريّ: الصُّفَّة: موضع بَهْو مُظلَّل. وفي نسخة الصَّغَانيِّ بضادٍ مُعجَمة مفتوحة
ومكسورة: وهي جانب النَّهر، ولا معنى لها هنا إلَّا بطريق التَّجَوُّز.
قوله: ((وجمع عليّ بن عبد الله بن عبَّاس)) لم أقِفْ على أثره هذا موصولاً.
قوله: ((وصَلَّى ابن عُمَر)) يحتمل أن يكون بقيَّة أثر علي المذكور، وقد أخرج ابن أبي شَيْبة
(٢/ ٤٧٠) معناه عن ابن عمر.
(١) هو في ((مسنده) بترتيب السندي ١٦٧/١، وأخرجه من طريق الشافعيِّ البيهقيُّ في «سننه» ٣٢٧/٣.
(٢) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ١/ ٢٨١، ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) ٣٤٢/٣.