النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ١٠-١١ / ح ١٠١٧-١٠١٨
كتاب الاستسقاء
١٠ - باب الدُّعاء إذا انقَطَعت السُّبُل من كثرة المطر
١٠١٧ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي نَمِرٍ، عن
أنسِ بنِ مالكِ / قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ المواشي ٥٠٩/٢
وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادعُ الله، فَدَعَا رسولُ الله وَلِّ فِمُطِروا من جمعةٍ إلى جمعةٍ، فجاءَ رجلٌ إلى
رسولِ اللهِ وَ﴿، فقال: يا رسولَ الله، تَهدَّمَتِ البيوتُ وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وهَلَكَتِ المواشي، فقال
رسولُ الله ◌َِّ: ((اللهمَّ على رُؤوسِ الجبالِ والإِحَامِ، وبُطُونِ الأوديةِ ومَنابتِ الشجر))، فانجابَتْ
عن المدينة انچِیابَ الثوپٍ.
قوله: ((باب الدُّعاء إذا انقَطَعَت السُّبُل من كثرة المطر)) أورَدَ فيه الحديث المذكور أيضاً
من طريق أُخرى عن مالك، وقد تقدَّم ما فيه (١٠١٣).
ومراده بقوله: ((من كثرة المطر)) أي: وسائرِ ما ذُكِرَ في الحديث ممَّا يُشرَع الاستصحاء
فيه عند وجوده، وظاهره أنَّ الدُّعاء بذلك مُتوقِّف على سَبْق السُّقْيا، وكلام الشافعيّ في
((الأُمّ)) يوافقه وزاد: أنَّه لا يُسَنُّ الخروج للاستصحاءِ ولا الصلاة ولا تحويل الرِّداء، بل
يُدعَى بذلك في خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة، وفي هذا تعقّب على مَن قال من
الشافعيّة: إنَّه يُسَنُّ(١) قول الدُّعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء، لأنَّه لم تَرِدْ به السُّنَّة.
١١- باب ما قيل: إنَّ النبيَّ ◌َّهلم يحوِّل رداءه
في الاستسقاء يوم الجمعة
١٠١٨ - حدَّثنا الحسنُ بنُ بِشْر، قال: حدَّثْنا مُعاقَ بنُ عِمْران، عن الأوزاعيِّ، عن إسحاقَ
ابنِ عبدِ الله، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّ رجلاً شَكَا إلى النبيِّ نَِّ هلاكَ المالِ وجَهْدَ العِيَال، فدَعَا
اللهَ يَستَسقي، ولم يَذْكُرْ أَنَّه حَوَّلَ رِداءَه ولا استَقْبَلَ القِبْلَةَ.
قوله: (باب ما قيلَ إِنَّ النبيّ وَلَه لم يُحوِّل رِداءَه ... )) إلى آخره، إنَّما عَبَّرَ عنه بلفظ: ((قيل))
مع صِحَّة الخبر، لأنَّ الذي قال في الحديث: ((ولم يذكر أنَّه حَوَّلَ رِداءه)) يحتمل أن يكون هو
(١) تحرَّف في (س) إلى: ليس.

١٤٢
باب ١٢-١٣/ ح ١٠١٩-١٠٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
الراوي عن أنس أو مَن دونه، فلأجل هذا التَّردُّد لم يَجزِم بالحكم، وأيضاً فسكوت الراوي
عن ذلك لا يقتضي نفيَ الوقوع.
وأمَّا تقييده بقوله: ((يوم الجمعة)) فلِيُبيِّن أنَّ قوله فيما مضى(١): ((باب تحويل الرِّداء في
الاستسقاء)) أي: الذي يقام في المصلَّى. وهذا السياق الذي أورَدَه المصنِّف لهذا الحديث في
هذا الباب مختصر جدّاً، وسيأتي مُطوَّلاً (١٠٣٣) من الوجه المذكور بعد اثنَي عشر باباً،
وفيه: يَخْطُب على المنبر يوم الجمعة.
١٢ - باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردّهم
١٠١٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
نَمِرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ
المواشي وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فادعُ الله، فدَعَا الله فمُطِرْنا مِن الجمعةِ إلى الجمعةِ، فجاء رجلٌ إلى
النبيِّ وََّ فقال: يا رسولَ الله، تَهدَّمَتِ البيوتُ وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وهَلَكَتِ المواشي، فقال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((اللهمَّ على ظُهُورِ الجبالِ والإِحَامِ، وبُطُونِ الأوديةِ ومَنابتِ الشجر)) فانجابَتْ
عن المدينة انچِیابَ الثوبٍ.
قوله: ((باب إذا استَشْفَعُوا إلى الإمام ليستسقيَ لهم لم يردّهم)) أورَدَ فيه الحديث المذكور
٥١٠/٢ (١٠١٣) من وجه آخر عن مالك/ أيضاً، قال الزَّين بن المنيِّر: تقدَّم له ((باب سؤال الناس
الإمام إذا قُحِطوا))(٢) والفرق بين التَّرجمتَينِ أنَّ الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا
احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم.
١٣ - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القَخْط
١٠٢٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِير، عن سفيانَ، حدَّثنا منصورٌ والأعمَشُ، عن أبي الضُّحَى،
عن مسروقٍ، قال: أتيتُ ابنَ مسعودٍ فقال: إنَّ قُرَيشاً أَبطَؤُوا عن الإسلام، فدَعَا عليهم النبيُّ
(١) في الباب رقم (٤) من الاستسقاء.
(٢) وهو الباب رقم (٣) من هذا الكتاب.

١٤٣
باب ١٣ / ح ١٠٢٠
كتاب الاستسقاء
وَ فَأَخَذَتْهم سَنَةٌ حتَّى هَلَكُوا فيها، وأكَلُوا المَيْنَةَ والعِظامَ، فجاءه أبو سفيانَ فقال: يا محمَّدُ،
جئتَ تأمُرُ بصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قومَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ الله. فقَرَأْ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ
بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ الآية [الدخان: ١٠]، ثمَّ عادُوا إلى كُفْرِهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦ ] يومَ بَدْرٍ.
قال: وزاد أسباطٌ عن منصورٍ: فدَعَا رسولُ الله ◌َِّ فِسُقُوا الغَيثَ فأطبقَت عليهم سَبْعاً،
وشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ المطرِ، قال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا» فانحَذَرَتِ السَّحابةُ عن رأسِه، فسُقُوا
النَّاسُ حَوْلَهم.
قوله: ((باب إذا استَشفَعَ المشركون بالمسلمين عند القَحْط)) قال الزَّين بن المنيِر: ظاهر هذه
الترجمة منعُ أهل الذُّمَّة من الاستبداد بالاستسقاء. كذا قال، ولا يَظهَر وجه المنع من هذا
اللَّفظ، واستَشكّل بعض شيوخنا مطابقة حديث ابن مسعود للترجمة، لأنَّ الاستشفاع إنّما
وقع عَقِبَ دعاء النبيّ وَّ عليهم بالقَحْط، ثمَّ سُئِلَ أن يدعو برفع ذلك ففعل، فنَظِيره أن
يكون إمام المسلمين هو الذي دعا على الكفَّار بالجَدْب فأُجيب، فجاءه الكفَّار يسألونه
الدُّعاء بالسُّقیا. انتهى.
ومُحصَّله: أنَّ الترجمة أعمّ من الحديث، ويُمكِن أن يقال: هي مطابقة لمَا وَرَدَت فيه،
ويَلحَق بها بقيّة الصُّوَر، إذ لا يَظهَر الفرق بين ما إذا استَشفَعوا بسبب دعائه، أو بابتلاء الله
لهم بذلك، فإنَّ الجامع بينهما ظهورُ الخضوع منهم والذّلَّة للمؤمنين في التماسهم منهم
الدُّعاءَ لهم، وذلك من مَطالِب الشَّرع.
ويحتمل أن يكون ما ذكره شيخُنا هو السببَ في حذف المصنِّ جواب ((إذا)) من
الترجمة، ويكون التقدير في الجواب مثلاً: أجابهم مُطلَقاً، أو أجابهم بشرط أن يكون هو
الذي دعا عليهم، أو لم يُحِبهم إلى ذلك أصلاً، ولا دلالة فيما وقع من النبيّ ◌َّ في هذه
القصّة على مشروعيّة ذلك لغيره، إذ الظاهر أنَّ ذلك من خصائصه لاطِّلاعه على المصلحة
في ذلك بخلاف مَن بعده من الأئمّة، ولعلَّه حَذَفَ جواب «إذا» لوجودِ هذه الاحتمالات.

١٤٤
باب ١٣ / ح ١٠٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ويُمكِن أن يقال: إذا رَجَا إمامُ المسلمين رجوعَهم عن الباطل، أو وجود نفع عامٌّ
للمسلمين، شُرِعَ دعاؤه لهم، والله أعلم.
قوله: ((عن مسروق قال: أتيتُ ابن مسعود)) سيأتي في تفسير الرُّوم (٤٧٧٤) بالإسناد
المذكور في أوَّله: بينما رجل يُحدِّث في كِندَة، فقال: يجيءُ دخان يوم القيامة ... فذكر القصّة،
وفيها: ففَزِعنا فأتيت ابن مسعود ... الحديث.
قوله: ((فقال: إنَّ قُرَيشاً أبطَؤُوا)) سيأتي في الطريق المذكورة إنكار ابن مسعود لمَا قاله
القاصُّ المذكور، وسنذكر في تفسير سورة الدُّخان (٤٨٢٠-٤٨٢٤) ما وقع لنا في تسمية
القاصّ المذكور وأقوال العلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
قُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] مع بقيّة شرح هذا الحديث، ونقتصر في هذا الباب على ما يتعلَّق
بالاستسقاء ابتداءً وانتهاءً.
قوله: ((فَدَعَا عليهم)) تقدَّم في أوائل الاستسقاء (١٠٠٧) صفة ما دعا به عليهم وهو
قوله: ((اللهمَّ سبعاً كسبع يوسف)) وهو منصوب بفعلٍ تقديره: أسألك، أو سَلِّط عليهم،
٥١١/٢ وسيأتي في تفسير / سورة يوسف (٤٦٩٣) بلفظ: ((اللهمَّ اكفنيهم بسبعٍ كسبع يوسف)) وفي
سورة الدُّخان (٤٨٢٢ و٤٨٢٣ ٤٨٢٤): ((اللهمَّ أعِنّي عليهم)) إلى آخره، وأفاد الدِّمياطيّ
أنَّ ابتداء دعاء النبيّ وَّهِ على قريش بذلك كان عَقِبَ طَرْحهم على ظهره سَلَى الجَزُور
الذي تقدَّمت قِصَّته في الطَّهارة (٢٤٠) وكان ذلك بمكَّة قبل الهجرة، وقد دعا النبيّ ◌َّل
عليهم بذلك بعدها بالمدينة في القُنوت كما تقدَّم أوائل الاستسقاء من حديث أبي هريرة
(١٠٠٧)، ولا يلزم من ذلك اتّحاد هذه القَصَص، إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مِراراً،
والله أعلم.
قوله: ((فجاءه أبو سفيان)) يعني: الأُمَويّ والد معاوية، والظاهر أنَّ مَجَيئَه كان قبل
الهجرة لقول ابن مسعود: ((ثمّ عادُوا، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ﴾)) ولم
يُنقَل أنَّ أبا سفيان قدمَ المدينة قبل بدر، وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان

١٤٥
باب ١٣ / ح ١٠٢٠
كتاب الاستسقاء
حاضراً ذلك، فلذلك قال:
وأبيضَ يُستَسقَى الغَمَامُ بوجهِه ... البيت(١)
لكن سيأتي بعد هذا بقليل ما يدلُّ على أنَّ القصَّة المذكورة وَقَعَت بالمدينة، فإن لم يُحمَل
على التعدُّد وإلا فهو مُشكِل جدّاً، والله المستعان.
قوله: ((جئتَ تأمُر بصِلَةِ الرَّحِم)) يعني: والذين هَلَكوا بدعائك من ذوي رَحِك،
فينبغي أن تَصِلَ رَحِمك بالدُّعاء لهم، ولم يقع في هذا السياق التصريح بأنَّه دعا لهم،
وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة ((صّ)) (٤٨٠٩) بلفظ: ((فكُشِفَ عنهم ثمّ عادوا))،
وفي سورة الدُّخان (٤٨٢١) من وجه آخر بلفظ: ((فاستَسقَى لهم فسُقوا)) ونحوه في رواية
أسباط المعلّقة.
قوله: (﴿يِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ الآية)) سَقَطَ قوله: ((الآية)) لغير أبي ذرٍّ، وسيأتي ذِكْر بقيّة اختلاف
الرُّواة (٢) في تفسير سورة الدُّخان.
قوله: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ زاد الأَصِيلِيُّ بقيَّة الآية.
قوله: ((وزاد أسباط)) هو ابن نصر، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه أسباط بن محمد.
قوله: ((عن منصور)) يعني: بإسناده المذكور قبله إلى ابن مسعود، وقد وَصَلَه الجَوْزَقيّ
والبيهقيُّ (٣/ ٣٥٢-٣٥٣) من رواية عليّ بن ثابت، عن أسباط بن نصر، عن منصور - وهو
ابن المعتمِر - عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: لمَّا رأى رسول الله وَله
من الناس إدباراً ... فذكر نحو الذي قبله وزاد: فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكَّة
فقالوا: يا محمد، إنَّك تَزْعُمْ أَنَّك بُعِثت رحمةً، وإنَّ قومك قد هلكوا فادعُ الله لهم، فدعا
رسول الله صل﴾ فسُقوا الغيثَ ... الحديث، وقد أشاروا بقولهم: (بُعِثت رحمة)) إلى قوله
تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(١) سلف الكلام عليه عند الحديث رقم (١٠٠٨).
(٢) تحرف في (س) إلى: الرواية.

١٤٦
باب ١٣ / ح ١٠٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فسُقُوا الناسُ حَوْلَهم)) كذا في جميع الروايات في الصحيح بضمِّ السّين والقاف
وهو على لغة بني الحارث، وفي رواية البيهقيِّ المذكورة: ((فأَسقيَ الناس حولهم)) وزاد بعد
هذا: ((فقال - يعني: ابن مسعود -: لقد مَرَّت آية الدُّخان وهو الجوع ... )) إلى آخره، وقد
تَعقَّبَ الدَّاووديُّ وغيره هذه الزّيادة ونَسَبوا أسباط بن نصر إلى الغلط في قوله: ((وشكا
الناس كثرة المطر ... )) إلى آخره، وزَعَموا أنَّه أدخَلَ حديثاً في حديث، وأنَّ الحديث الذي
فيه شكوى كثرة المطر وقوله: ((اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا» لم يكن في قصَّة قريش، وإنّما هو في
القصّة التي رواها أنس(١)، وليس هذا التعقُّب عندي بجيِّدٍ، إذ لا مانع أن يقع ذلك مَّتين،
والدليل على أنَّ أسباط بن نصر لم يَغْلَط ما سيأتي في تفسير الدُّخان (٤٨٢١) من رواية أبي
معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى في هذا الحديث: فقيل: يا رسول الله، استَسِقِ الله
المُضَر، فإنَّها قد هَلَكَت، قال: ((لمُضَر؟ إِنَّك لَجَريء)) فاستَسقَى فسُقُوا. انتهى، والقائل:
((فقيل)) يَظهَر لي أنَّه أبو سفيان لمَا ثَبَتَ في كثير من طرق هذا الحديث في ((الصحیحین)):
((فجاءه أبو سفيان))، ثمَّ وجدت في (الدَّلائل)) للبيهقيّ (٦/ ١٤٦) من طريق شَبَابة، عن
شُعبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شُرَحبيل بن السِّمط، عن كعب بن
مُرَّة - أو مُرَّة بن كعب - قال: دعا رسول الله بٍَّ على مُضَر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادعُ الله
لقومِك، فإنّهم قد هلكوا.
ورواه أحمد (١٨٠٦٦) وابن ماجَهْ (١٢٦٩) من رواية الأعمش عن عَمْرو بن مُرَّة بهذا
٥١٢/٢ الإسناد عن كعب بن مُرَّة، ولم يَشُكَّ، فأبهَمَ أبا سفيان؛ قال: جاءه رجل، فقال: / استَسقِ الله
المُضَر، فقال: ((إنَّك لَجَريء، ألِمُضَرَ؟)) قال: يا رسول الله، استَنصَرتَ الله فَنَصَرَك،
ودعوتَ الله فأجابك، فرفع يديه، فقال: ((اللهمَّ اسِقِنا غَيثاً مُغيثاً، مَرِيعاً مَريئاً طَبَقاً، عاجلاً
غير رائثٍ، نافعاً غير ضار)) قال: فأُجيبوا، فما لَبِثوا أن أتَوه فشَكَوا إليه كثرة المطر، فقالوا:
قد تَهدَّمَت البيوت، فرفع يديه وقال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا»، فجعلَ السَّحاب يَتَقَطَّع
(١) والتي سلفت برقم (١٠١٣)، وفيها أن ذلك كان بالمدينة بعد الهجرة.

١٤٧
باب ١٤ / ح ١٠٢١
كتاب الاستسقاء
يميناً وشِمالاً. فظَهَرَ بذلك أنَّ هذا الرجل المُبهَم المَقُول له: ((إنَّك لَجَريء)» هو أبو
سفيان، لكن يَظهَر لي أنَّ فاعل: ((قال: يا رسول الله، استَنصَرت الله ... )) إلى آخره، هو
كعب بن مُرَّة راوي هذا الخبر، لما أخرجه أحمد أيضاً (١٨٠٦٦) والحاكم (٣٢٨/١) من
طريق شُعبة أيضاً عن عَمْرو بن مُرَّة بهذا الإسناد إلى كعب قال: دعا رسول الله وَل على
مُضَر، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، إنَّ الله قد نَصَرَك وأعطاك واستَجاب لك، وإنَّ قومك
قد هَلَكوا ... الحديث، فعلى هذا كأنَّ أبا سفيان وكعباً حَضَرا جميعاً، فكَلَّمَه أبو سفيان
بشيءٍ وكعب بشيء، فدَلَّ ذلك على اتّحاد قِصَّتهما، وقد ثَبَتَ في هذه ما ثَبَتَ في تلك من
قوله: إنَّك الجريء، ومن قوله: ((فقال: اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا)» وغير ذلك.
وظَهَرَ بذلك أنَّ أسباط بن نصر لم يَغْلَط في الزّيادة المذكورة، ولم ينتقل من حديث إلى
حديث، وسياق كعب بن مُرّة يُشعِر بأنَّ ذلك وقع في المدينة بقوله: ((استَنصَرتَ الله
فَتَصَرَك)) لأنَّ كلَّ منهما كان بالمدينة بعد الهجرة، لكن لا يلزم من ذلك اتّحادُ هذه القصَّة مع
قصَّة أنس (١٠١٣)، بل قصَّة أنس واقعة أُخرى، لأنَّ في رواية أنس: «فلم يَزَل على المنبر
حتَّى مُطِروا)) وفي هذه: ((فما كان إلَّا جمعة أو نحوها حتَّى مُطِروا))، والسائل في هذه القصَّة
غير السائل في تلك، فهما قِصَّتان وقع في كلٌّ منهما طلبُ الدُّعاء بالاستسقاء ثمَّ طلبُ
الدُّعاء بالاستصحاء، وإن ثَبَتَ أنَّ كعب بن مُرَّة أسلمَ قبل الهجرة ◌ُلَ قوله: ((استنصَرتَ
الله فتَصَرَك)) على النَّصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدِّم، والله أعلم.
وإِنِّي لَيَكثُر تعجّبي من كثرة إقدام الدِّمياطيّ على تغليط ما في ((الصحيح) بمُجرَّدٍ
التَّوهُّم، مع إمكان التصويب بمزيد التَّأْمُّل، والتَّنقيب عن الطّرق، وجمع ما وَرَدَ في الباب
من اختلاف الألفاظ، فلله الحمد على ما عَلَّمَ وأنعَم.
١٤ - باب الدُّعاء إذا كثر المطر: حَوَاَینا ولا علینا
١٠٢١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ، حدَّثْنا مُعتمِرٌ، عن عُبيد الله، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال:
كان النبيُّ نَّهِ يَخْطُبُ يومَ جمعةٍ، فقامَ النَّاسُ فصاحُوا، فقالوا: يا رسول الله، قَحَطَ المطرُ

١٤٨
باب ١٥ / ح ١٠٢٢ -١٠٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
واحِمَرَّتِ الشجرُ، وهَلَكَتِ البهائمُ، فادْعُ الله يَسْقِينا، فقال: ((اللهمَّ اسقِنا)) مرَّتین، وایمُ الله ما
نَرَى في السماءِ قَزَعةً من سحابٍ، فَشَأَت سحابةٌ وأمطَرَت، ونزل عن المِنْرِ فصَلَّى، فلمَّا
انصَرَفَ لم تَزَل تُطِرُ إلى الجمعةِ التي تَلِيها، فلمَّا قامَ النبيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ صاحُوا إليه: تَهَدَّمَتِ
البيوتُ، وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادعُ الله يَحِسها عنَّا، فَتَبَسَّمَ النبيُّ ◌َّهِثُمَّ قال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا
علينا)) وانكَشَطَت المدينةُ فجَعَلَت تُطِرُ حَوْلهَا ولا تُطِرُ بالمدينةِ قَطْرةً، فَتَظَرتُ إلى المدينةِ وإِنَّها
لَفِي مِثْل الإكْلِيل.
قوله: ((باب الدُّعاء إذا کَثُر المطر: حَوَالَينا ولا علينا)» كان التقدير: أن يقول: حَوَالَینا،
وتَكلَّفَ له الكِرْمانيُّ إعراباً آخر، وأورَدَ فيه حديث أنس من طريق ثابت عنه، وقد تقدَّم
الكلام عليه مُستَوفَى (١٠١٣)، وإنَّما اختار لهذه الترجمة رواية ثابت لقوله فيها: ((وما تُطِر
٥١٣/٢ بالمدينة قطرة)) لأنَّ ذلك أبلَغُ في انكشاف المطر، وهذه اللَّفظة لم تقع إلَّا في / هذه الرواية.
وقوله فيها: ((وانكَشَطَت)) كذا للأكثر، ولكَرِيمة: ((فَكُشِطَت)) على البناء للمجهول.
١٥ - باب الدّعاء في الاستسقاء قائماً
١٠٢٢ - وقال لنا أبو نُعَيم: عن زُهَيرِ، عن أبي إسحاقَ: خرجَ عبدُ الله بنُ یزیدَ
الأنصاريُّ، وخرج معه البَراءُ بنُّ عازبٍ وزيدُ بنُ أرقَمَ رضي الله عنهم، فاستَسْقَى فقامَ بهم
على رِجْلَيه على غيرٍ مِنْبر، فاستَسقَى ثمَّ صلَّى رَكْعتَيْنِ يَجِهَرُ بالقراءةِ ولم يُؤذِّن ولم يُقِمْ.
قال أبو إسحاقَ: ورأى عبدُ الله بنُ يزيدَ النبيَّ وَلِّ .
١٠٢٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عبَّادُ بنُ
تَمِيمٍ: أنَّ عَمَّه - وكان من أصحاب النبيِّ وَّهِ - أخبَرَه: أنَّ النبيَّ وَّ خرج بالنَّاسِ يَستَسقي
لهم، فقامَ فَدَعَا اللهَ قائماً، ثمَّ تَوجَّهَ قِبَلَ القِبْلةِ وحَوَّلَ رِداءَه فَأُسْقُوا.
قوله: ((باب الدُّعاء في الاستسقاء قائمً)) أي: في الخطبة وغيرها، قال ابن بَطَّل: الحِكْمة فيه
كَوْنه حالَ خشوع وإنابة فيناسبه القيام، وقال غيره: القيام شِعار الاعتناء والاهتمام، والدُّعاء
أهمُّ أعمال الاستسقاء فناسَبَه القيام، ويحتمل أن يكون قامَ ليراه الناس فيَقتَدوا بما يصنع.

١٤٩
باب ١٥ / ح ١٠٢٢-١٠٢٣
كتاب الاستسقاء
قوله: (وقال لنا أبو نُعَيم)) قال الكِرْمانيُّ تَبعاً لغيره: الفرق بين ((قال لنا)) و(«حدَّثنا)) أنَّ
القول يُستَعمَل فيما يُسمَع من الشيخ في مَقام المُذاكَرة، والتَّحديث فيما يُسمَع في مَقام
التَّحَمُّل. انتهى، لكن ليس استعمال البخاري لذلك مُنحَصِراً في المُذاكرة، فإنّه يَستَعمِله فيما
يكون ظاهره الوَقْف، وفيما يَصلُح للمُتَابَعات، لتخلُصَ صيغةُ التَّحديث لمَا وُضِعَ الكتاب
لأجله من الأُصول المرفوعة، والدليل على ذلك وجود كثير من الأحاديث التي عَبَّرَ فيها في
((الجامع)) بصيغة القول مُعبِّراً فيها بصيغة التَّحديث في تصانيفه الخارجة عن (الجامع)).
قوله: ((عن زُهَير)) هو ابن معاوية أبو خَيْئمةَ الجُعْفيُّ، وأبو إسحاق: هو السَّبيعيّ.
قوله: ((خرج عبد الله بن يزيد الأنصاريّ)) يعني: إلى الصحراء يستسقي، وذلك حيثُ
كان أميراً على الكوفة من جهة عبد الله بن الزُّبَير في سنة أربع وستّينَ قبل غَلَبة المختار بن
أبي عُبيد عليها، ذكر ذلك ابن سعد وغيره، وقد روى هذا الحديث قَبِيصة عن الثَّوريّ عن
أبي إسحاق، قال: بَعَثَ ابن الزُّبَير إلى عبد الله بن يزيد الخطميّ: أن استسقِ بالناس، فخرج
وخرج الناس معه وفيهم زيد بن أرقَم والبَراء بن عازب، أخرجه يعقوب بن سفيان في
((تاريخه)) (٦٣٠/٢)، وخالَفَه عبد الرزاق (٤٨٩٩) عن الثَّوريّ، فقال فيه: إنَّ ابن الزُّبَير
خرج يستسقي بالناس ... الحديث، وقوله: إنَّ ابن الزُّبَير هو الذي فعل ذلك، وهمٍّ، وإنَّما
الذي فعله هو عبد الله بن يزيد بأمر ابن الزُّبَير، وقد وافَقَ قبيصةَ عبدُ الرحمن بن مَهْديّ
عن الثَّوريّ على ذلك.
قوله: ((فقامَ بهم)) في رواية أبي الوَقْت وأبي ذرٍّ: لهم.
قوله: ((فاستَسْقَى)) في رواية أبي الوَقْت: فاستَغْفَر.
فائدة: أورَدَ الحميديُّ في ((الجمع)) (٧٨٣) هذا الحديث فيما انفرد به البخاري، ووَهِمَ في
ذلك، وسببه أنَّ رواية مسلم وَفَعَت في المغازي ضِمْن حديث لزيد بن أرقَم (١٤٣/١٨١٢).
قوله: ((ثمَّ صلَّى رَكْعتَين)) ظاهره أنَّه أَخَّرَ الصلاة عن الخطبة، وصَرَّحَ بذلك الثَّورِيُّ في
روايته، وخالَفَه شُعْبة فقال في روايته عن أبي إسحاق: أنَّ عبد الله بن يزيد خرج يستسقي

١٥٠
باب ١٦ / ح ١٠٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بالناس فصلَّى ركعتين ثمَّ استَسقَى، أخرجه مسلم (١٤٣/١٨١٢)، وقد تقدَّم في أوائل
الاستسقاء (١٠١٢) ذِكْر الاختلاف في ذلك، وأنَّ الجمهور ذهبوا إلى تقديم الصلاة، وممّن
اختار تقديم الخطبة ابن المنذر، وصَرَّحَ الشيخ أبو حامد وغيره بأنَّ هذا الخلاف في
الاستحباب لا في الجواز.
٥١٤/٢ قوله: ((ولم يُؤذِّن ولم يُقِم)) قال ابن بَطَّل: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء،
والله أعلم.
قوله: ((قال أبو إسحاق: ورأى عبد الله بن يزيد النبيَّ مَ ﴿)) كذا للأكثر، وللحَقُّوِيِّ
وحده: ((وروى عبد الله بن يزيد عن النبيِّ وَ﴿))، ثمَّ وجدتُه كذلك في نسخة الصَّغَاني، فإن
كانت روايته محفوظة احتُمِلَ أن يكون المراد أنَّه روى هذا الحديث بعَينِهِ، والأظهرُ أنَّ
مراده أنَّه روى في الجملة فيوافق قوله: رأى، لأنَّ كلَّا منهما يَتْبُت له الصُّحبة، أمَّا سماع هذا
الحدیث فلا.
و قوله: (قال أبو إسحاق» هو موصول، وقد رواه الإسماعيليّ من رواية أحمد بن يونس
وعليّ بن الجَعْد عن زُهَير، وصَرَّحا باتِّصاله إلى أبي إسحاق، وكأنَّ السِّرَّ في إيراد هذا
الموقوف هنا كَوْنه يُفسِّر المراد بقوله في الرواية المرفوعة بعده: «فدعا الله قائماً)) أي: كان على
رِجِلَيه لا على المنبر، والله أعلم.
١٦ - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء
١٠٢٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريِّ، عن عبَّادِ بنِ تَمِيم، عن عَمِّه،
قال: خرج النبيُّ وَّه يَستَسقي، فَتَوجَّهَ إلى القِبْلةِ يَدْعُو وحَوَّلَ رِداءَه، ثمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَجِهَرُ
فيهما بالقراءةِ.
قوله: ((باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء)) أي: في صلاتها، ونقل ابن بَطَّال أيضاً الإجماع
علیه.
قوله: (ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجِهَر)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ: ((جَهَر)) بلفظ الماضي.

١٥١
باب ١٧ -١٨ / ح ١٠٢٥ - ١٠٢٦
كتاب الاستسقاء
١٧ - باب كيف حوَّل النبيُّ وَّهِ ظهرَه إلى النَّاس
١٠٢٥ - حدَّثْنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريِّ، عن عبَّادِ بنِ تَمِيم، عن عَمِّه،
قال: رأيتُ النبيَّ ◌َ له لمََّ خرج يَسْتَسقي، قال: فحَوَّلَ إِلى النَّاس ظَهْرَه واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثمَّ
حَوَّلَ رِدَاءَه، ثمَّ صلَّى لنا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فيهما بالقراءةِ.
قوله: ((باب كيف حَوَّلَ النبيّ ◌َّهِ ظَهْرِه إلى النَّاس) أورَدَ فيه الحديث المذكور وفيه:
((فحَوَّلَ إلى الناس ظَهْرَه)) وقد استُشكِل، لأنَّ الترجمة لكيفيَّةَ التَّحويل، والحديث دالٌّ على
وقوع التَّحويل فقط، وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّ معناه: حَوَّلَه حال كَوْنه داعياً، وحَمَلَ الزّين بن
المنيِر قوله: ((كيف)) على الاستفهام فقال: لمَّا كان التحويلُ المذكور لم يَتَبَيَّ كَوْنه من ناحية
اليمين أو اليَسَار، احتاجَ إلى الاستفهام عنه. انتهى، والظاهر أنَّه لمَّا لم يَتَبَّن من الخبر ذلك
كأنَّه يقوله هو على التَّخيير، لكن المستفاد من خارج: أنَّه الْتَفَتَ بجانبِه الأيمن، لمَا ثَبَتَ
من أنَّه كان يُعجِبه التيقُّن في شأنه كلِّه(١)، ثمّ إنَّ مَحَلّ هذا التَّحويل بعد فراغ الموعظة
وإرادة الدُّعاء.
قوله: «ثُمَّ حَوَّلَ رِداءَه)» ظاهره أنَّ الاستقبال وقع سابقاً لتحويل الرِّداء، وهو ظاهر
كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير من الشافعيّة: أنَّه يُحُوِّله حالَ الاستقبال، والفرق بين
تحويل الظَّهر والاستقبال أنَّه في ابتداء التَّحويل وأوسَطِه يكون مُنحَرِفاً حتَّى يَبلُغ
الانحراف غايته فيصير مُستَقبِلاً.
١٨ - باب صلاة الاستسقاء ركعتين
١٠٢٦ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عبّادِ بنِ
تَمِيم، عن عمِّه: أنَّ النبيَّ ◌ََّ اسْتَسْقَى، فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وقَلَبَ رِداءه.
قوله: ((باب صلاةٍ الاستسقاء رَكْعتَين)) هو مجرور على البدل من ((صلاة)) المجرور ٥١٥/٢
بالإضافة، والتقدير: صلاة ركعتين في الاستسقاء، أو هو عطف بيان، أو منصوب بمُقدَّر،
(١) سلف عند البخاري برقم (١٦٨).

١٥٢
باب ١٩ / ح ١٠٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم حديث الباب (١٠١١) في ((باب تحويل الرِّداء)).
وقوله فيه: ((عن عمِّه أنَّ النبيَّ ◌َّ) في رواية أبي الوَقْت: سمع النبيَّ ◌َّ.
١٩ - باب الاستسقاء في المصلَّى
١٠٢٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، سَمِعَ عبَّادَ
ابنَ تَمِيم، عن عَمِّه، قال: خرج النبيُّ ◌ٍَّ إلى المصلَّى يَسْتَسقي، واسْتَقْبَلَ القِبْلةَ فصَلَّى رَكْعتَيْنِ
وقَلَبَ رِداءه.
قال سفيانُ: فأخبرني المسعودِيُّ، عن أبي بكرٍ قال: جَعَلَ اليمينَ على الشِّمال.
قوله: ((باب الاستسقاء في المصلّى)) هذه الترجمة أخصُّ من الترجمة المتقدِّمة أوَّل الأبواب
وهي ((باب الخروج إلى الاستسقاء))، لأنَّ أعمّ من أن يكون إلى المصلّ، ووقع في رواية هذا
الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المصلَّى، بخلاف تلك فناسبت كلُّ رواية ترجمتها.
قوله: ((قال سفيان)) هو ابن عُيَينة، وهو متصل بالإسناد الأوَّل، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه
مُعلَّق كالمِزِّيّ حيثُ عَلَّمَ على المسعوديّ في ((التَّهذيب)) علامة التَّعليق، فإنَّه عند ابن ماجَهْ
(١٢٦٧) من وجه آخر عن سفيان عن المسعودي، وكذا قول ابن القَطّان: لا ندري عمَّن
أخذَه البخاري، قال: ولهذا لا يَعُدّ أحد المسعوديَّ في رجاله. وقد تَعقَّبَه ابن المَوَّاق بأنَّ
الظاهر أنَّه أخذَه عن عبد الله بن محمد شيخه فيه، ولا يلزم من كَوْنهم لم يَعُدّوا المسعوديّ
في رجاله أن لا يكون وَصَلَ هذا الموضع عنه، لأنَّه لم يَقصِد الرواية عنه، وإنَّما ذكر الزِّيادة
التي زادها استطراداً، وهو كما قال.
قوله: ((عن أبي بكر)) يعني: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم بإسناده، وهو عن عبَّاد بن تميم
عن عمِّه، وزَعَمَ ابن القَطّان أيضاً أنَّه لا يدري عمَّن أخذَ أبو بكر هذه الزِّيادة. انتهى، وقد
بَيَّ ذلك ما أخرجه ابن ماجَهْ (١٢٦٧) وابن خُزَيمةَ (١٤٠٦) من طريق سفيان بن عُيَينةَ،
وفيه بيان كَوْن أبي بكر رواها عن عبَّاد بن تميم عن عمِّه، وكذا أخرجه الحُميديُّ في
(مسنده)) (٤١٥) عن سفيان بن عُيَينة مُبِيَّنَاً.

١٥٣
باب ٢٠ / ح ١٠٢٨
كتاب الاستسقاء
قال ابن بَطَّل: حديث أبي بكر يدلّ على أنَّ الصلاة قبل الخطبة، لأنَّه ذكر أنَّه صلَّى قبل
قلب ردائه، قال: وهو أضبَط للقصَّة من ولده عبد الله بن أبي بكر حيثُ ذكر الخطبةَ قبل
الصلاة.
٢٠ - باب استقبال القِبْلة في الاستسقاء
١٠٢٨ - حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عبدُ الوهّاب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرني
أبو بكرِ بنُّ محمَّدٍ، أنَّ عبّاد بنَ تَمِيم أخبَرَه، أنَّ عبدَ الله بنَ زيدٍ الأنصاريَّ أخبره: أنَّ النبيَّ ◌َِله
خرج إلى المصلَّى يُصلّى، وأنَّه لمَّا دَعَا - أو أراد أن يدعوَ - استَقْبَلَ القِبْلَةَ وحَوَّلَ رِداءَه.
قال أبو عبدِ الله: عبدُ الله بنُ زيدٍ هذا مازنيٌّ، والأوَّلُ كوفيٌّ: هو ابنُ یزیدَ.
قوله: ((باب استِقْبال القِبْلة في الاستسقاء)) أي: في أثناء الخطبة التي تقع من أجله في المصلّ.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) بيَّن أبو ذرٍّ في روايته أنَّه ابن سَلّام.
قوله: ((حدَّثنا عبد الوهّاب)): هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ.
قوله: ((خرج إلى المصلَّى يُصلِي)) في رواية المُستَمْلي ((يدعو)).
قوله: (وأنَّه لمَّا دَهَا أو أراد أن يدعوَ)) الشّكُّ من الراوي ويحتمل أنَّه يحيى بن سعيد،
فقد رواه السَّاج من طريق يحيى بن أيوب عنه بالشَّكِّ أيضاً، ورواه مسلم (١١/٨٩٤) من
رواية سليمان بن بلال عنه، فلم يَشُكَ/ كما تقدَّم (١٠١١) في ((باب تحويل الرِّداء)»، وكأنَّه ٥١٦/٢
كان يَشُكّ فيه تارةً وتَجزِم به أُخرى، وتقدَّم الكلام على بقيّة فوائده هناك.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
قوله: ((عبد الله بن زيد هذا مازنيّ)) يعني: راوي حديث الاستسقاء ((والأوَّل كوفيّ: وهو
ابن يزيد)) كذا وَقَعَت هذه الزِّيادة في رواية الكُشمِیھنيِّ وحده هنا، وأليقُ المواضع بها (باب
الدُّعاء في الاستسقاء قائماً)) فإنَّ فيه عن عبد الله بن يزيد حديثاً (١٠٢٢) وعن عبد الله بن
زيد حديثاً (١٠٢٣)، فيَحسُن بيان تَغايُرهما حيثُ ذُكِرا جميعاً، وأمَّا هذا الباب فليس فيه

١٥٤
باب ٢١ / ح ١٠٢٩ - ١٠٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
لعبد الله بن يزيد ذِكْر، ولعلَّ هذا من تَصرُّف الكُشمِيهَنيِّ، وكأنَّه رآه في ورقة مُفرَدة فكتبه
في هذا الموضع احتياطاً، ويُمكِن أن يكون قوله: ((والأوَّل)) أي: الذي مضى في ((باب الدُّعاء
في الاستسقاء)): هو ابن يزيد، بزيادة الياء في أوَّل اسم أبيه.
٢١ - باب رفع النَّاس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء
١٠٢٩ - وقال أيوبُ بنُ سليمانَ: حدَّثني أبو بكرِ بنُ أبي أَوَيسٍ، عن سلیمانَ بنِ بلالٍ، قال
يحيى بنُ سعيدٍ: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ، قال: أتى رجلٌ أعرابيٌّ من أهل البَذْوِ إلى رسول الله
وٌَّ يومَ الجمعةِ، فقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الماشيةُ، هَلَكَ العِيالُ، هَلَكَ النَّاسُ! فَرَفَعَ
رسول الله وَّ﴿ يديه يَدْعُو ورَفَعَ النَّاسُ أيدِيَهم معه يَدْعونَ، قال: فما خَرَجْنا مِن المسجدِ حتَّى
مُطِرْنا، فما زِلْنا نُمطَرُ حتَّى كانتِ الجمعةُ الأخرَى، فأتى الرجلُ إلى رسولِ الله وَالآ، فقال: یا
رسولَ الله، بَشِقَ المسافرُ، ومُنِعَ الطريقُ.
١٠٣٠ - وقال الأُوَيسيُّ: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ وشَرِيكِ، سَمِعا أنساً
عن النبيِّ وَِّ: أنَّه رَفَعَ يديه حتَّى رأيتُ بياضَ إِبْطَيِهِ.
قوله: ((باب رَفْع النَّاس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء)» تضمَّنَت هذه الترجمة الردّ على
مَن زَعَمَ أنَّه يُكتَفَى بدُعاء الإمام في الاستسقاء، وقد أشرنا إليه قريباً (١).
قوله: ((وقال أيوب بن سليمان)) أي: ابن بلال، وهو من شيوخ البخاري، إلّا أنَّه ذكر
هذه الطريق عنه بصيغة التَّعليق، وقد وَصَلها الإسماعيليّ وأبو نُعَيم والبيهقيُّ (٣٥٧/٣)
من طريق أبي إسماعيل التِّرمِذيّ عن أيوب. وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة المتن (١٠١٣) في
(باب تحویل الرِّداء».
قوله: «فأتى الرجلُ إلى رسول الله وَّه فقال: يا رسول الله بَشِقَ المسافرُ)) كذا للأكثر بفتح
الموخَّدة وكسر المعجَمة بعدها قاف، واختُلِفَ في معناه فوقع في البخاري: ((بَشِقَ)) أي: مَلَّ(٢)،
(١) في آخر شرحه على الحديث رقم (١٠١٣).
(٢) كذا عَزَا الحافظُ هذا التفسير إلى البخاري ولم يشر إلى أيِّ خلاف في نسخ ((الصحيح))، وكذلك فعل العينُّ =

١٥٥
باب ٢١ / ح ١٠٢٩ - ١٠٣٠
كتاب الاستسقاء
وحكى الخطَّبيُّ أنَّه وقع فيه: بَشِقَ: اشتَدّ، أي: اشتَدَّ عليه الضَّرَر، وقال الخطَّبيُّ: بَشِقَ ليس
بشيء، وإنَّما هو (َثِقَ)) يعني: بلامٍ ومُتلَّئة بدل الموخَّدة والشّين، يقال: لَئِقَ الطريقُ، أي: صار
ذا وَحَلِ، ولَثِقَ الثوبُ: إذا أصابه نَدَى المطر. قلت: وهو رواية أبي إسماعيل التي ذكرناها.
قال الخطّبيُّ: ويحتمل أن يكون ((مَشِقَ)) بالميم بدل الموخَّدة، أي: صارت الطريق زَلِقةً،
ومنه: مَشِقَ الخطَّ، والميم والباء متقاربتان. وقال ابن بَطَّل: لم أجِد لبَشِقَ في اللُّغة معنَّى.
وفي (نوادر)) اللِّحيانيّ: نَشِقَ بالنُّون، أي: نَشِب. انتهى. وفي النون والقاف من ((مُجُمَل اللُّغة))
لابن فارس وكذا في ((الصِّحاح)): نَشِقَ الظَّنْي في الحِبالة، أي: عَلِقَ فيها، ورجلٌ نَشِقٌ: إذا
كان مَّن يدخل في أُمور لا يَتَخلَّص منها.
ومُقتَضى كلام هؤلاء أنَّ الذي وقع في رواية البخاري تصحیف، وليس كذلك، بل له
وجه في اللُّغة لا كما قالوا، ففي ((المنضَّد))/ لكُرَاعٍ: بَشِقَ بفتح الموحَّدة: تأخّرَ ولم يتقدَّم؛ ٥١٧/٢
فعلى هذا فمعنى ((بَشِقَ)) هنا: ضَعُفَ عن السَّفَر وعَجَزَ عنه گضعْف الباشق وعجزه عن
الصيد، لأنَّه يُنفِّر الصيد ولا يصيد، وقال أبو موسى في ((ذيل الغريبين)): الباشق: طائر
معروف، فلو اشتُقَّ منه فَعِلَ، فقيل: بَشِقَ، لمَا امتَنَع، قال: ويقال: بَشَقَ الثوبَ وبَشَكَه:
قَطَعَه في خِفَّة، فعلى هذا يكون معنى «بَشِقَ)) أي: قُطِعَ به عن السّیر. انتهى كلامه.
وأمَّا ما وقع في بعض الروايات: بَثِقَ، بمُوخَّدة ومُثَلَّثة، فلم أرَه في شيءٍ ممَّ اتَّصَلَ بنا،
وهو تصحيف، فإنَّ البَثْق: الانفجار، ولا معنى له هنا.
قوله: ((وقال الأُوَيسِيّ)) هو عبد العزيز بن عبد الله، ومحمد بن جعفر: هو ابن أبي كثير
المدنيّ أخو إسماعيل. وهذا التَّعليق ثَبَتَ هنا للمُستَمْلِي وثَبَتَ لأبي الوَقْت وكَرِيمة في آخر
الباب الذي بعده، وسَقَطَ للباقين رأساً، لأنَّه مذكور عند الجميع في كتاب الدَّعَوات
(٦٣٤١)، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) كما سيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
= في ((عمدة القاري)) ٧/ ٥١، وهذا التفسير لم يقع في شيء من روايات النسخة اليُونينيّة، بينما وقع عند الخطابي
في ((أعلام الحديث)) ٦٠٦/١ - كما قال الحافظ -: قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: بَشِقَ: اشتدَّ.

١٥٦
باب ٢٢ / ح ١٠٣١
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢ - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء
١٠٣١- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا يحيى وابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتَادة، عن
أنسِ بنِ مالكِ، قال: كان النبيُّ نَّهِ لا يَرْفَعُ يديه في شيءٍ من دعائه إلا في الاستسقاءِ، وإِنَّه
يرفعُ حتَّى يُرَى بياضُ إِيْطَيهِ.
[طرفاه في: ٣٥٦٥، ٦٣٤١]
قوله: ((باب رَفْع الإمام يدَه في الاستسقاء)) ثبتت هذه الترجمة في رواية الحَمُّوِيِّ
والمُستَمْلي، قال ابن رُشَيْد: مقصوده بتكرير رفع الإمام يده - وإن كانت الترجمة التي
قبلها تضمَّنَتَه - لتُفيدَ فائدة زائدة: وهي أنَّه لم يكن يفعل ذلك إلَّا في الاستسقاء، قال:
ويحتمل أن يكون قَصَدَ التَّنصيص بالقصدِ الأوَّل على رفع الإمام(١)، كما قَصَدَ التَّنصيص في
الترجمة الأولى بالقصدِ الأوَّل على رفع الناس وإن اندرجَ معه رفع الإمام، قال: ويجوز أن
يكون قَصَدَ بهذه كيفيَّة رفع الإمام يده لقوله: حتَّی یُرَی بياض إبطيه. انتهى.
وقال الزّين بن المنيِّر ما مُحصَّله: لا تَكرار في هاتَينِ الثَّرجمتَين، لأنَّ الأُولى لبيان اتِّبَاع
المأمومِينَ الإمامَ في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء.
قوله: ((عن سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة.
قوله: ((عن قَتَادة عن أنس)) في رواية يزيد بن زُرَيع عن سعيد عن قَتَادة: أنَّ أنساً
حدَّثھم، کما سيأتي في صفة النبيّ ◌َلآ (٣٥٦٥).
قوله: ((إلَّا في الاستسقاء)) ظاهره نفي الرَّفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارض
بالأحاديث الثابتة بالرَّفع في غير الاستسقاء، وقد تقدَّم أنَّها كثيرة، وقد أفرَدَها المصنّف
بترجمةٍ في كتاب الدَّعَوات (٦٣٤١) وساق فيها عِدَّة أحاديث، فذهبَ بعضهم إلى أنَّ
العمل بها أَولى، وُلَ حديث أنس على نفي رُؤْيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهبَ آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يُحمَل النَّفي على
(١) زاد في (س): يده.

١٥٧
باب ٢٣ / ح ١٠٣٢
كتاب الاستسقاء
صفة مخصوصة إمَّا الرَّفع البليغ فيدلُّ عليه قوله: ((حتَّى يُرَى بياض إبطَيه))، ويؤيِّده أنَّ
غالب الأحاديث التي وَرَدَت في رفع اليدين في الدُّعاء إنَّما المراد به مَدُّ اليدين وبسطهما عند
الدُّعاء، وكأنَّه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتَّى حاذَتاه، وبه حينئذٍ
يُرَى بياض إبطيه، وأمَّا صفة اليدين في ذلك فلمَا رواه مسلم (٨٩٦) من رواية ثابت عن
أنس: أنَّ رسول الله وَِّ استَسقَى فأشار بظَهرِ كَفَّيه إلى السماء، ولأبي داود (١١٧١) من
حديث/ أنس أيضاً: كان يستسقي هكذا - ومَدَّ يديه وجعلَ بُطوخَهما ممّا يلي الأرضَ - حتَّى ٥١٨/٢
رأیت بياض إبطيه.
قال النَّوَويّ: قال العلماء: السُّنَّة في كلّ دعاء لرفع البَلاء أن يرفعَ يديه جاعلاً ظهور كَفَّيه
إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كَفَّيه إلى السماء. انتهى، وقال غيره: الحِكْمة
في الإشارة بظهور الكَفَّينِ في الاستسقاء دون غيره، للتَّفاؤل بتَقَلُّب الحال ظهراً لبطنٍ، كما قيل
في تحويل الرِّداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السَّحاب إلى الأرض.
٢٣ - باب ما يقال إذا مَطَرَت
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]: المطرُ، وقال غيرُه: صابَ وأصابَ يَصُوب.
١٠٣٢- حدَّثْنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن القاسمِ
ابنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ: أنَّ رسول الله وٍَّ كان إذا رأى المطرَ قال: ((اللهمَّ صَيِّاً نافعاً).
تابَعَه القاسمُ بنُ يحيى عن عُبيد الله. ورواه الأوزاعيُّ وعُقَيلٌ عن نافعٍ.
قوله: ((باب ما يقال)) يحتمل أن تكون ((ما)) موصولة، أو موصوفة، أو استفهاميَّة.
قوله: ((إذا مَطَرَت)) كذا لأبي ذرٍّ من الثَّلاثيّ، وللباقين: ((أمطرَت) من الرُّباعي، وهما
بمعنَّى عند الجمهور، وقيل: يقال: مَطَرَ في الخير، وأَمطرَ في الشرّ.
قوله: ((وقال ابنُ عبَّاس: ﴿كَصَيِّبٍ﴾: المطر)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٤٨/١) من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عنه بذلك، وهو قولُ الجمهور، وقال بعضهم: الصَّيِّب: السَّحاب، ولعلَّه
أطلقَ ذلك مجازاً.

١٥٨
باب ٢٣ / ح ١٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن المنيِر: مُناسَبة أثر ابن عبّاس لحديث عائشة لمَّا وقع في حديث الباب المرفوع
قوله: (صَيِّا)) قَدَّمَ المصنِّف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيراً، وقال أخوه الَّين: وجه
المناسَبة: أنَّ الصَّيِّب لمَّا جَرَى ذِكْره في القرآن، قُرِنَ بأحوالٍ مكروهة، ولمَّا ذُكِرَ في الحديث
وُصِفَ بالنَّفْع، فأراد أن يُبيِّ بقول ابن عبّاس أنَّه المطر، وأنَّه يَنقَسِم إلى نافع وضارّ.
قوله: ((وقال غيره: صابَ وأصابَ يَصُوب)) كذا وقع في جميع الروايات، وقد استُشكِلَ من
حيثُ إنَّ يَصُوب مضارع: صابَ، وأمَّا أصاب فمضارعه: يُصِيب، قال أبو عبيدة: الصَّيِّب
تقديره من الفعل: سَيِّدَ، وهو من: صابَ يَصُوب، فلعلّه كان في الأصل: وانصاب كما حَكَاه
صاحب ((المحكَم))، فسَقَطَت النون كما سَقَطَت يَنصاب بعد يَصُوب، أو المراد ما حَكَاه
صاحب ((الأفعال)): صابَ المطرُ يَصُوب: إذا نزل فأصاب الأرض، فوقع فيه تقدیم وتأخير.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن مُقاتِل، وعبد الله: هو ابن المبارك، وعُبيد الله: هو ابن عمر
العُمَري، ونافع: مولى ابن عمر، والقاسم بن محمد، أي: ابن أبي بكر الصِّدّيق، وقد سمع
نافعٌ من عائشة ونزل في هذه الرواية عنها، وكذا سمع عبيدُ الله من القاسم ونزل في هذه
الرواية عنه، مع أنَّ مَعمَراً قد رواه عن عبيد الله بن عمر عن القاسم نفسه بإسقاط نافع من
السَّنَد، أخرجه عبد الرزاق عنه(١).
قوله: ((اللهمَّ صَيِّاً نافعاً) كذا في رواية المُستَمْلي، وسَقَطَ ((اللهمَّ)) لغيرهما. وصَيِّاً
منصوب بفعلٍ مُقدَّر، أي: اجعَلْه، ونافعاً صفة للصَّيِّب، وكأنَّه احتُرِزَ بها عن الصَّيِّب
الضّارِّ.
وهذا الحديث من هذا الوجه مختصر، وقد أخرجه مسلم (٨٩٩) من رواية عطاء عن
عائشة نحوه تامّاً ولفظه: كان إذا كان يومُ ريح عُرِفَ ذلك في وجهه، ويقول إذا رأى المطر:
((رحمة))، وأخرجه أبو داود (٥٩٩) والنَّسائيُّ (ك١٨٤٢) من طريق شُرَيح بن هانئ عن
عائشة أوضح منه ولفظه: كان إذا رأى ناشئاً في أُفُق السماء ترك العمل، فإن كُشِفَ حَمِدَ الله،
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) برقم (٢٠٠٠٠)، لكن سقط في المطبوع من إسناده معمر.

١٥٩
باب ٢٣ / ح ١٠٣٢
كتاب الاستسقاء
فإن أمطَرَت قال: ((اللهمَّ صَيِّاً نافعاً))، وسيأتي للمصنِّ في أوائل بَدْء الخلق (٣٢٠٦) من
رواية عطاء أيضاً عن عائشة/ مُقتَصِراً على معنى الشِّقّ الأوَّل وفيه: أقبلَ وأدبَرَ وتَغيَّر ٥١٩/٢
وجهه، وفيه: ((وما أدري لعلَّه كما قال قومٌ: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤]))، وعُرِفَ
برواية شُرَيح أنَّ الدُّعاء المذكور يُستَحَبّ بعد نزول المطر للازدياد من الخير والبركة مُقيَّداً
بدفع ما ◌ُحذَر من ضَرَر.
قوله: ((تابَعَه القاسم بن يحيى)) أي: ابن عطاء بن مُقدَّم المقدَّميّ عن عبيد الله بن عمر
المذكور بإسناده، ولم أقف على هذه الرواية موصولة. وقد أخرج البخاري في التوحيد عن
مُقدَّم بن محمد عن عمِّه القاسم بن يحيى بهذا الإسناد حديثاً غير هذا(١)، وزَعَمَ مُغَلْطايُ أنَّ
الدَّارَ قُطْنِيَّ وَصَلَ هذه المتابعة في ((غرائب الأفراد)) من رواية يحيى عن عبيد الله.
قلت: ليس ذلك مطابقاً إلَّ إن كان نسخته سَقَطَ منها من متن البخاري لفظ القاسم
ابن یحیی.
قوله: ((ورواه الأوزاعيُّ وعُقَيل عن نافع)) يعني: كذلك، فأمَّا رواية الأوزاعيِّ فأخرجها
النَّسائيُّ في ((عمل يوم وليلة)) (٩١٨) عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن
الأوزاعيِّ بهذا ولفظه: ((هَنيئاً)) بدل: نافعاً، ورُوّيناها في ((الغيلانيّات)) (٧٣٩) من طريق
دُحَيم عن الوليد وشُعَيب - هو ابن إسحاق - قالا: حدَّثنا الأوزاعيُّ، حدَّثني نافع،
فذكره، وكذلك وقع في رواية ابن أبي العشرين، عن الأوزاعيِّ: حدَّثني نافع، أخرجه ابن
ماجَهْ (٣٨٩٠)، وزال بهذا ما كان يُحْشَى من تدليس الوليد وتسويته، وقد اختُلِفَ فيه على
الأوزاعيِّ اختلافاً كثيراً ذكره الدَّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل))، وأرجحُها هذه الرواية، ويُستَفاد من
رواية دُخَيم صِحَّة سماع الأوزاعيِّ عن نافع، خلافاً لمن نفاه.
وأمَّا رواية عُقَيل فذكرها الدَّارَ قُطنيُّ أيضاً، قال الكِرْمانيُّ: قال أوَّلاً: تابَعَه القاسم، ثمَّ
قال: ورواه الأوزاعيُّ، فكان تغيُّرُ الأُسلوب لإفادة العموم في الثاني، لأنَّ الرواية أعمُّ من
(١) الذي في التوحيد (٧٤١٢): عن مقدَّم بن محمد، عن عمه القاسم بن یحیی، عن عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر، وبالإسناد نفسه أيضاً عنده في التفسير حديث آخر (٤٧٤٨).

١٦٠
باب ٢٤ / ح ١٠٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
أن تكون على سبيل المتابعة أم لا، فيحتمل أن يكونا روياه عن نافع كما رواه عبيد الله،
ويحتمل أن يكونا روياه على صفة أُخرى. انتهى، وما أدري لمَ ترك احتمال أنَّه صَنَعَ ذلك
للتفنُّن في العبارة، مع أنَّه الواقع في نفس الأمر لمَا بَيَّنًا من أنَّ رواية الجميع مُتَّفِقة، لأنَّ
الخلاف الذي ذكره الدَّارَ قُطنيُّ إنَّما يَرجِع إلى إدخال واسطة بين الأوزاعيِّ ونافع أو لا،
والبخاري قد قَيََّ رواية الأوزاعيِّ بكَوْنها عن نافع، والرُّواة لم يختلفوا في أنَّ نافعاً رواه عن
القاسم عن عائشة، فظَهَرَ بهذا كَوْنها مُتَابَعة لا مخالَفة، وكذلك رواية عُقَيل، لكن لمَّا كانت
مُتَابَعة القاسم أقرب من مُتَابَعَتهما، لأَنَّه تابَعَ في عبيد الله، وهما تابَعا في شيخه، حَسُنَ أن
يُفرِدَها منهما، ولمَّا أَفَرَدَها تَفَنَّنَ في العبارة.
٢٤ - باب من تمطَّر في المطر حتَّى يتحادرَ على لحيته
١٠٣٣ - حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ
ابنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ، قال: أصابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ
على عَهْدِ رسول الله ◌َّهِ، فِبَيْنا رسولُ الله ◌َلِ يَخْطُبُ على المِنْبِرِ يومَ الجمعةِ قامَ أعرابُّ فقال: يا
رسولَ الله، هَلَكَ المالُ، وجاعَ العِيالُ، فادْعُ الله لنا أن يَسْقِيَنا، قال: فَرَفَعَ رسولُ الله ێ يديه
وما في السماءِ قَزَعةٌ، قال: فثارَ سحابٌ أمثالُ الجبال ثمَّ لم يَنزِلْ عن مِنْبِهِ حَتَّى رأيتُ المطرَ
يَتَحادرُ على لحيتِهِ، قال: فمُطِرْنا يومَنا ذلك وفي الغَدِ ومِن بعدِ الغَدِ والذي يَلِيه إلى الجمعةِ
الأخرَى، فقامَ ذلك الأعرابيُّ أو رجلٌ غيرُه، فقال: يا رسولَ الله، تَهَدَّمَ البناءُ وغَرِقَ المالُ، فادْعُ
الله لنا، فَرَفَعَ رسول اللهَ يديه وقال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا)» قال: فما جَعَلَ يُشِيرُ بيدِه إلى
٥٢٠/٢ ناحيةٍ مِن السماءِ إلا تَفرَّجَت،/ حتَّى صارَتِ المدينةُ في مِثْلِ الجَوْبةِ حتَّى سالَ الوادي - وادي
قَنَاةَ - شهراً، قال: فلم يجئْ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدَّث بالجَوْدِ.
قوله: ((باب مَن تَطََّ)) بتشديد الطاء، أي: تَعرَّضَ لوقوع المطر، وتَفَعَّلَ يأتي لمعانٍ، أليَقُها
هنا أنَّه بمعنى: مواصلة العمل في مُهْلة، نحو: تَفَكَّر، ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه مسلم
(٨٩٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: حَسَرَ رسول الله ◌ُ له ثوبه