النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
باب ٤-٥ / ح ٩٩٨ -٩٩٩
أبواب الوتر
يَخْتَصُّ ذلك بالمفروضة، ولا بخَشْية/ خروج الوقت، بل يُشرَع ذلك لإدراك الجماعة وإدراك ٤٨٨/٢
أوَّل الوقت وغير ذلك من المندوبات، قال القُرطبيّ: ولا يَبعُد أن يقال: إنَّه واجب في
الواجب، مندوب في المندوب، لأنَّ النائم وإن لم يكن مُكلَّفاً لكن مانعه سريع الزّوال، فهو
کالغافل، و تنبيه الغافل واجب.
٤ - باب لِيجعَلْ آخرَ صلاته وتراً
٩٩٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيد الله، حدَّثني نافعٌ، عن
عبد الله، عن النبيِّ ێ، قال: ((اجعَلُوا آخِرَ صلاتِکم بالليل وِثْراً».
قوله: ((باب ليجعل آخرَ صلاته وِتْراً)) أي: بالليل، وقد تقدَّم الكلام على حديث الباب
في أثناء الحديث الأوَّل (٩٩٠)، وقد استدلَّ به بعض مَن قال بوجوبه، وتُعُقِّبَ بأنَّ صلاة
الليل ليست واجبة فكذا آخره، وبأنَّ الأصل عَدَم الوجوب حتَّى يقوم دليله.
٥- باب الوتر على الدابة
٩٩٩- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي بكرٍ بنِ عمرَ بنِ عبدِ الرحمن بنٍ
عبدِ الله بن عمرَ بنِ الْخَطَّب، عن سعيدِ بنِ يَسارٍ، أنَّه قال: كنتُ أسِيرُ مع عبدِ الله بنِ عمرَ
بِطَرِيق مكَّة، فقال سعيدٌ: فلمَّا خَشِيتُ الصُّبحَ نزلْتُ فأوتَرتُ، ثمَّ لَحِقتُهُ، فقال عبدُ الله بنُ
عمرَ: أينَ كنتَ؟ فقلتُ: خَشِيتُ الصبحَ، فنزلتُ فأوتَرتُ، فقال عبدُ الله: أليس لكَ في
رسول اللهِ وَ أُسْوةٌ حَسَنةٌ؟ فقلتُ: بَلَى والله، قال: فإنَّ رسولَ اللهِ لَ كان يُوتِرُ على البعيرِ.
[أطرافه في: ١٠٩٥،١٠٠٠، ١٠٩٦، ١١٠٥،١٠٩٨]
قوله: ((باب الوِثْر على الدابة» لمَّا كان حديث عائشة في إيقاظها للوتر وحديث ابن عمر
في الأمر بالوتر آخر الليل قد تمسَّكَ بهما بعض مَن ادَّعَی وجوب الوتر، عَقَّبَهما المصنِّف
بحدیث ابن عمر الدّالُ علی أنَّه ليس بواجب، فذکره في ترجمتین: إحداهما تَدُلّ علی کوْنه
نَفلاً، والثانیة تَدُلّ علی أنَّه آگَدُ من غیرہ.

١٠٢
باب ٦/ ح ١٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (عن أبي بكر بن عمر)) لا يُعرَف اسمه، وهو ثقة ليس له في ((الصحيحين)) غير
هذا الحديث الواحد.
قوله: ((أمَا لكَ(١) في رسول الله أُسْوَة)) فيه إرشاد العالم لرَفيقِه ما قد يخفى عليه من السُّنَن.
قوله: ((بلى والله)) فيه الحلِف على الأمر الذي يُراد تأكيده.
قوله: ((كان يُوتِر على البعير)) قال الزَّين بن المنيِر: تُرجِمَ بالدابَّة تنبيهاً على أن لا فرق بينها
وبين البعير في الحكم، والجامع بينهما أنَّ الفَرْض لا يُجِزِئ على واحدة منهما. انتهى، ولعلَّ
البخاري أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، فسيأتي في أبواب تقصير الصلاة (١٠٩٨) من
طريق سالم عن أبيه: أنَّه كان يُصلِّي من الليل على دابته وهو مسافر، وروى محمد بن نصر من
طريق ابن جُرَيج قال: حدَّثنا نافع: أنَّ ابن عمر كان يُوتِر على دابته(٢)، قال ابن جُرَيج:
وأخبرني موسى بن عُقْبة، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان يُخْبِ: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يفعل ذلك.
فائدة: قال الطَّحَاويُّ: ذُكِرَ عن الكوفيّينَ أَنَّ الوتر لا يُصلَّى على الرَّاحلة، وهو خلاف
السُّنَّة الثابتة، واستدلَّ بعضهم برواية مجاهد: أنَّه رأى ابنَ عمر نزل فأوتَرَ (٣)، وليس ذلك
٤٨٩/٢ بمُعارِضٍ لكَوْنه أوتَرَ على الرَّاحلة، لأنَّه لا نزاعَ أنَّ صلاته على الأرض أفضل، / وروى
عبد الرزاق (٤٥٣٤) من وجه آخر عن ابن عمر: أنَّه كان يُوتِر على راحلته، وربَّما نزل
فأوتَرَ بالأرض.
٦ - باب الوتر في السفر
١٠٠٠ - حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا جُوَيِرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عُمر، قال: كان النبيُّ ◌َهِ يُصلِّي فِي السَّفَرِ على راحلتِهِ حيثُ تَوجَّهَت به، يُومِئُ إيماءً، صلاةَ
الليل إلا الفرائضَ، ويُوتِرُ على راحلتِهِ.
(١) كذا وقع في نسخ ((الفتح))، ورواية (الصحيح)): أليس لك.
(٢) وأخرجه عبد الرزاق (٤٥٣٣).
(٣) وهو عند عبد الرزاق (٤٥٤١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر.

١٠٣
باب ٦/ ح ١٠٠٠
أبواب الوتر
قوله: ((باب الوِتْر في السَّفَر)) أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على مَن قال: إنَّه لا يُسَنّ في السَّفَرِ،
وهو منقول عن الضَّحّاكَ(١). وأمَّا قول ابن عمر: «لو كنت مُسبِّحاً في السَّفَر لَأتممتُ)) كما
أخرجه مسلم (٦٨٩) وأبو داود (١٢٢٣) من طريق حفص بن عاصم عنه، فإنَّما أراد به راتبةً
المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بَيِّنٌّ من سياق الحديث المذكور، فقد رواه
التِّرمِذيّ (٥٤٤) من وجه آخر بلفظ: ((سافرتُ مع النبيِّ وَ ل﴿ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا
يُصلُّون الظُّهر والعصر ركعتين ركعتين لا يُصلُّون قبلها ولا بعدها، فلو كنت مُصلّياً قبلها أو
بعدها لَأتممت))، ويحتمل أن تكون التَّرِقة بين نوافل النهار ونوافل الليل، فإنَّ ابن عمر كان
يتنفَّل على راحلته وعلى دابته في الليل وهو مسافر، وقد قال مع ذلك ما قال.
قوله: ((إلَّا الفرائض)) أي: لكن الفرائض بخلاف ذلك، فكان لا يُصّيها على الرَّاحلة.
واستدلَّ به على أنَّ الوتر ليس بفَرْض، وعلى أنَّه ليس من خصائص النبيّ ◌َّه وجوبُ
الوتر عليه لكَوْنه أوقَعَه على الرَّاحلة، وأمَّا قول بعضهم: إنَّه كان من خصائصه أيضاً أن
يُوقِعه على الرَّاحلة مع كَوْنه واجباً عليه، فهي دعوى لا دليل عليها، لأنَّه لم يَثبُت دليل
وجوبه عليه حتَّى يحتاج إلى تكلّف هذا الجمع.
واستدلَّ به على أنَّ الفريضة لا تُصلَّى على الرَّاحلة، قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك
بقوي، لأنَّ التَّرك لا يدلّ على المنع إلَّا أن يقال: إنَّ دخول وقت الفريضة ممّا يَكثُر على
المسافر، فتركُ الصلاة لها على الرَّاحلة دائماً يُشعِر بالفرق بينها وبين النافلة في الجواز
وعَدَمه. وأجاب مَن اذَّعَى وجوب الوتر من الحنفيَّة بأنَّ الفرض عندهم غير الواجب، فلا
يلزم من نفي الفرض نفيُ الواجب، وهذا يَتوقَّف على أنَّ ابن عمر كان يُفرِّق بين الفرض
والواجب، وقد بالَغَ الشيخ أبو حامد فادَّعَى أنَّ أبا حنيفة انفرد بوجوب الوتر ولم يوافقه
صاحباه، مع أنَّ ابن أبي شَيْبة (٢/ ٢٩٧) أخرج عن سعيد بن المسيّب وأبي عُبيدة بن
عبد الله بن مسعود والضَّحّاك ما يدلّ على وجوبه عندهم، وعنده عن مجاهد: الوتر واجب
(١) تحرف في (أ) إلى: الصحابة.

١٠٤
باب ٧/ ح ١٠٠١ - ١٠٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يُكتَب(١)، ونقله ابن العربيّ عن أصبَغَ من المالكيَّة ووافَقَه سَحْنون، وكأنَّه أخذَه من
قول مالك: مَن تركه ◌ُدِّب، وکان جَرْحةً في شهادته(٢).
٧- باب القُنوت قبل الرُّكوع وبعده
١٠٠١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، عن محمَّدٍ، قال: سُئِلَ أنس:
أقَنَتَ النبيُّ بَّه في الصُّبح؟ قال: نَعَم، فِقِيلَ: أوَقَنَتَ قبلَ الرُّكوعِ؟ قال: بعدَ الرُّكوعِ يَسِيراً.
[أطرافه في: ١٠٠٢، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١،
٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٧٣٤١،٦٣٩٤]
١٠٠٢ - حدَّثنَا مُسَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، قال: سألتُ أنسَ بنَ
مالكٍ عن القُنُوتِ، فقال: قد كان القُنُوتُ، قلتُ: قبلَ الزُّكوع أو بعدَه؟ قال: قبلَه، قال: فإنَّ
(٤٩٠,٠٠ فُلاناً أخبرني عنكَ أَنَّكَ قلتَ: / بعدَ الرُّكوع! فقال: كَذَبَ، إنَّا قَنَتَ رسول الله،وَه بعدَ
الزُّكوع شهراً أُراه كان بَعَثَ قوماً، يقال لهم: القُرّاءُ، زُهاءَ سبعينَ رجلاً إلى قومٍ مِن المشركينَ
دونَ أُولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ◌ِّهِ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رسول اللّهِوَّهِ شهراً يَدْعُو عليهم.
١٠٠٣ - أخبرنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حذَّثنا زائدةُ، عن التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أنسٍ،
قال: قَنَتَ النبيُّ ◌َّ شهراً يَدْعُو على رِعْلٍ وذَكْوانَ.
١٠٠٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدّثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ،
قال: كان القُنُوتُ في الفجرِ والمغربِ.
قوله: «باب القُنُوت قبل الرُّكوع وبعده)) القُنوت يُطلَق على مَعاٍ، والمراد به هنا الدُّعاء
في الصلاة في محلٌّ مخصوص من القيام.
قال الزَّين بن المنيِّرِ: أثبتَ بهذه الترجمة مشروعيَّة القُنوت إشارةً إلى الردّ على مَن رُوِيَ
(١) تحرف في (س) إلى: ولم يثبت.
(٢) وقال الإمام أحمد فيما نقله عنه ابن مفلح في ((الفروع)) ٣/٢: من ترك الوترَ عمداً، فهو رجل سوء، ولا
ينبغي أن تُقبَل له شهادة.

١٠٥
باب ٧/ ح ١٠٠١ - ١٠٠٤
أبواب الوتر
عنه أنَّه بدعة كابن عمر، وفي ((الموطَّأ)) (١/ ١٥٩) عنه: أنَّه كان لا يَقنُت في شيء من
الصَّلَوات، ووجه الردّ عليه ثبوتُه من فعل النبيّ ◌َّ، فهو مُرتَفِع عن درجة المباح، قال: ولم
يُقيِّده في الترجمة بصُبحٍ ولا غيره مع كَوْنه مُقيّداً في بعض الأحاديث بالصبح، وأورَدَها في
أبواب الوتر أخذاً من إطلاق أنس في بعض الأحاديث. كذا قال، ويَظهَر لي أنَّه أشار بذلك
إلى قوله في الطريق الرابعة: ((كان القُنوت في الفجر والمغرب))، لأنَّ ثَبَتَ أنَّ المغرب وِتر
النهار(١)، فإذا ثَبَتَ القنوت فيها ثَبَتَ في وِتر الليل بجامع ما بينهما من الوِتْريَّة، مع أنَّه قد
وَرَدَ الأمر به صريحاً في الوتر، فروى أصحاب السُّنَن من حديث الحسن بن عليّ قال:
عَلَّمَني رسول اللهِ وَ يَ كلمات أقولهنَّ في قُنوت الوتر: ((اللهمَّ اهدِني فيمن هَدَيت))
الحديث، وقد صحَّحه التِّرمِذيّ وغيره لكن ليس على شرط البخاريّ(٢).
قوله: ((سُئِلَ أنس)) في رواية إسماعيل عن أيوب عند مسلم (٢٩٨/٦٧٧): ((قلت
لأنس)) فعُرِفَ بذلك أنَّه أبهَمَ نفسه.
قوله: ((فقيلَ: أو قَنَتَ)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ بغير واو، وللإسماعيليِّ: هل قَنَت.
قوله: ((قبل الُّكوع)) زاد الإسماعيليّ: أو بعد الركوع.
قوله: ((بعد الزُّكوع يسيراً)) قد بيَّن عاصم في روايته مِقدار هذا اليسير حيثُ قال فيها:
((إنَّما قَنَتَ بعد الركوع شهراً)، وفي ((صحيح ابن خُزَيمَ)) (٦٢٠) من وجه آخر عن أنس:
((أنَّ النبيَّ وٍَّ كان لا يَقنُت إلَّ إذا دعا لقوم أو دعا على قوم)) وكأنَّه محمول على ما بعد
الركوع، بناء على أنَّ المراد بالحصر في قوله: ((إِنَّا قَنَتَ شهراً)) أي: مُتَوالياً.
قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)): هو ابن زياد، وعاصم: هو ابن سليمان الأحوَل.
قوله: (قد كان القُنُوت)) فيه إثبات مشروعيَّته في الجملة كما تقدَّم.
(١) أخرجه أحمد (٤٨٤٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٣٨٦) من حديث ابن عمر، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥) و(١٤٢٦)، وابن ماجه (١١٧٨)، والترمذي (٤٦٤)،
والنسائي في ((المجتبى)) (١٧٤٥).

١٠٦
باب ٧ / ح ١٠٠١ - ١٠٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال: فإنَّ فُلاناً أخبَرني عنك أنَّك قلت: بعد الزّكوع، فقال: كذَبَ)) لم أقف على
تسمية هذا الرجل صريحاً، ويحتمل أن يكون محمد بن سِيرِين بدليل روايته المتقدِّمة، فإنَّ
مفهوم قوله: ((بعد الركوع يسيراً)) يحتمل أن يكون: وقبل الركوع كثيراً، ويحتمل أن يكون
لا قُنوت قبله أصلاً، ومعنى قوله: ((كَذَب)) أي: أخطأ، وهو لغة أهل الحِجاز، يُطلِقون
الكذِب على ما هو أعمُّ من العمد والخطأ، ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ((كَذَب)) أي: إن
٤٩١/٢ كان حكى أنَّ القُنوت دائماً بعد الركوع، وهذا يُرجِّح الاحتمال الأوَّل، ويُبيِّنْه/ ما أخرجه
ابن ماجَهْ (١١٨٣) من رواية حُميدٍ عن أنس: أنَّه سُئِلَ عن القُنوت، فقال: قبلَ الركوع
وبعدَه، إسناده قوي، وروى ابن المنذر (٢٠٩/٥) من طريق أُخرى عن حُميدٍ عن أنس: أنَّ
بعض أصحاب النبيّ وَّ قَنَتوا في صلاة الفجر قبل الركوع وبعضُهم بعد الركوع.
وروى محمد بن نصر من طريق أُخرى عن حُميدٍ عن أنس: أنَّ أوَّل مَن جعل القُنوت
قبل الركوع - أي: دائمً - عثمان، لكي يُدرِك الناس الرَّكعة. وقد وافَقَ عاصماً على روايته
هذه عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس كما سيأتي في المغازي (٤٠٨٨) بلفظ: سأل رجل أنساً
عن القُنوت: بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا بل عند الفراغ من القراءة.
ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أنَّ القُنوت للحاجة بعد الركوع لا خلافَ عنه في ذلك،
وأمَّا لغير الحاجة فالصحيح عنه أنَّه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك،
والظاهر أنَّه من الاختلاف المباح.
قوله: ((كان بَعَثَ قوماً، يقال: لهم القُرّاء)) سيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب المغازي،
وكذا على رواية أبي مِجْلَز، والتَّيميّ الراوي عنه: هو سلیمان، وهو يروي عن أنس نفسه،
ويروي عنه أيضاً بواسطةٍ کما في هذا الحديث.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)): هو ابن عُلِيَّة، وخالد: هو الحَذَّاء.
قوله: ((كان القنوتُ في المغرب والفجر)) قد تقدَّم توجيه إيراد هذه الرواية في أوَّل هذا
الباب، وتقدَّم الكلام على بعضها في أثناء صفة الصلاة (٧٩٨). وقد روى مسلم (٦٧٨)

١٠٧
باب ٧ / ح ١٠٠١ - ١٠٠٤
أبواب الوتر
من حديث البراء نحو حديث أنس هذا، وتمسّكَ به الطَّحَاويُّ في ترك القُنوت في الصبح
قال: لأنَّهم أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصبح كذلك. انتهى، ولا يخفى ما
فيه، وقد عارضَه بعضهم، فقال: أجمعوا على أنَّه ◌ِلّهِ قَنَتَ في الصبح، ثمَّ اختلفوا هل تُرِكَ،
فيُتمسَّك بما أجمعوا عليه حتَّى يَثْبُت ما اختلفوا فيه؟ وظَهَرَ لي أنَّ الِحِكْمة في جعل قنوتُ
النازلة في الاعتدال دون السجود، مع أنَّ السجود مَظِنَّة الإجابة كما ثَبَتَ: ((أقرب ما يكون
العبدُ من ربِّه وهو ساجد)(١)، وثبوتُ الأمر بالدُّعاء فيه أنَّ المطلوب من قُنوت النازلة أن
يُشارِك المأمومُ الإمامَ في الدُّعاء ولو بالتأمين، ومن ثَمَّ اتَّفَقوا على أنَّه يُجهَر به، بخلاف
القُنوت في الصبح فاختُلِفَ في مَحَلّه وفي الجهر به.
تكملة: ذكر ابن العربيّ: أنَّ القُنوت وَرَدَ لعشرة معانٍ، فَنَظَمَها شيخنا الحافظ زينُ
الدِّين العراقيّ فيما أنشَدَنا لنفسه إجازة غير مَرَّة:
ولفظُ القُنوتِ اعدُدْ معانيَهُ تَجِدْ مَزيداً على عشرِ معانيَ مَرضيَّهْ
دُعاءٌ خشوعٌ والعبادةُ طاعةٌ إقامتُها إقرارُهُ بالعُبودِيَّةْ
سكوتٌ صلاةٌ والقيامُ وطولُهُ كذاكَ دوامُ الطاعةِ الرّابحُ القِنْيَهْ(٢)
خاتمة: اشتملت أبواب الوتر من الأحاديث المرفوعة على خمسة عشر حديثاً، منها
واحد مُعلَّق، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانية أحاديث، والخالص سبعة، وافَقَه مسلم على
تخريجها.
وفيه من الآثار ثلاثة موصولة، والله أعلم.
(١) أخرجه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) القِنْية: ما اكتُسِبَ من كل شيء فهو قِنْية.

١٠٩
باب ١/ ح ١٠٠٥
كتاب الاستسقاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الاستسقاء
٤٩٢/٢
١ - باب الاستسقاء وخروج النبيّ ◌َ ◌ّ في الاستسقاء
١٠٠٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عبَّادِ بنِ تَمِيم،
عن عَمِّه، قال: خرجَ النبيُّ وَّهِ يَستَسقي وحَوَّلَ رِداءَه.
[أطرافه في: ١٠١٢،١٠١١، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣]
قوله: (باب الاستسقاء وخروج النبيّ وَّ﴾) كذا للمُستَمْلِي دون البسملة، وسَقَطَ ما قبل
(باب)) من رواية الحَمُّوِيِّ والكُشمِيهَني، وللأَصِيليّ: كتاب الاستسقاء فقط، وثبتت
البسملة في رواية ابن شَبّويه. والاستسقاء لغةً: طلب سَقْي الماء من الغير للنَّفْسِ أو الغير،
وشرعاً: طلبه من الله عند حصول الجذب على وجهٍ مخصوص.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي بكر)) أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم قاضي المدينة، وسيأتي
(١٠١٢) في ((باب تحويل الرِّداء)) التصريح بسماع عبد الله له من عبَّاد.
قوله: ((عن عمِّه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم، كما سيأتي صريحاً في الباب المذكور
وسیاقه أتمُّ.
قوله: ((خرج النبيّ وَليّ)) أي: إلى المصلَّى، كما سيأتي التصريح به أيضاً فيه، ويأتي الكلام
فيه على كيفيَّة تحويل الرِّداء وزاد فيه: ((وصلَّى ركعتين)). وقد اتَّفَقَ فقهاء الأمصار على
مشروعيَّة صلاة الاستسقاء وأنّها ركعتان، إلَّا ما رُوِيَ عن أبي حنيفة أنَّه قال: يَبرُزون
للدُّعاء والتَّضَرُّع، وإن خَطَبَ لهم فحسنٌ. ولم يَعرِف الصلاة، هذا هو المشهور عنه، ونقل
أبو بكر الرّازيُّ عنه التَّخيير بين الفعل والتَّرك.

١١٠
باب ٢ / ح ١٠٠٦ - ١٠٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وحكى ابن عبد البَرِّ الإجماعَ على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبُروز إلى ظاهر
المِصر، لكن حكى القُرطبيّ عن أبي حنيفة أيضاً أنَّه لا يُستَحَبّ الخروج، وكأنَّه اشتُبِهَ عليه
بقوله في الصلاة.
٢- باب دعاء النبيِّ څګ: ((اجعلها سنین کسِنِي يوسف))
١٠٠٦- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثْنا مُغِيرةُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ: أَنَّ النبيَّ وَِّ كان إذا رَفَعَ رأسَه مِن الرَّكْعةِ الآخرةِ يقول: «اللهمَّ أَنْجِ عَيّاشَ بنَ أبي
رَبِيعة، اللهمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بنَ هشامٍ، اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أنْجِ المستضعَفِينَ مِن
المؤمنين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَر، اللهمَّ اجعَلْها سنينَ كَسِنِي يوسفَ))، وأنَّ النبيَّ ◌َّ
قال: ((غِفارُ غَفَرَ الله لها، وأَسلَمُ سالَمَها الله)).
قال ابنُ أبي الزِّنادِ عن أبيه: هذا كلُّه في الصُّبح.
١٠٠٧ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن
٤٩٣/٢ مسروقٍ، قال: / كنّا عند عبدِ الله، فقال: إنَّ النبيَّ وَّهِ لمَّا رأى مِن النَّاس إذْباراً، قال: ((اللهمَّ
سَبْعٌ كسَبْعٍ يوسفَ)) فأخَذَتْهم سَنَةٌ حَصَّت كلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلْنا الجلودَ والمَيْنَةَ والِيَفَ،
ويَنظُرَ أحدُكم إلى السماءِ فِيَرَى الدُّخانَ مِن الجوع، فأتاه أبو سفيانَ، فقال: يا محمَّدُ، إِنَّكَ تأمُرُ
بطاعةِ الله وبصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لهم، قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ
تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَابِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنَقِمُونَ﴾
[الدخان: ١٠-١٦]، فالبَطْشَةُ يومُ بَدْرٍ، وقد مضتِ الدُّخانُ والبَطْشَةُ واللِّزامُ وآيةُ الرُّوم.
[أطرافه في: ١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩، ٤٨٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥]
قوله: ((باب دعاء النبيّ ◌َّ: اجعَلْها سنينَ كِنِي يوسف)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في
الدُّعاء في القُنوت للمؤمنين، والدُّعاء على الكافرين، وفيه معنى الترجمة، ووجه إدخاله في
أبواب الاستسقاء التَّنبيه على أنَّه كما شُرِعَ الدُّعاء بالاستسقاء للمؤمنين، كذلك شُرِع
الدُّعاء بالقَحْطِ على الكافرين، لما فيه من نفع الفريقين بإضعاف عدوّ المؤمنين ورِقَّة

١١١
باب ٢/ ح ١٠٠٦ - ١٠٠٧
كتاب الاستسقاء
قلوبهم ليَذِلّوا للمؤمنين، وقد ظَهَرَ من ثَمَرة ذلك التِجاؤُهم إلى النبيّ ◌َِّ أن يدعوَ لهم
برفع القحط، كما في الحديث الثاني.
ويُمكِن أن يقال: إنَّ المراد أنَّ مشروعيّة الدُّعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي
مشروعيَّة الدُّعاء للمؤمنين فيها، فثَبَتَ بذلك صلاة الاستسقاء خلافاً لمن أنكَرَها.
والمراد بسِنِي يوسف ما وقع في زمانه عليه السلام من القَحْط في السِّنينَ السَّبع كما وقع
في التَّنزيل، وقد بُيِّنَ ذلك في الحديث الثاني حيثُ قال: ((سبعاً كسبع يوسف)) وأُضيفَت إليه
لكَوْنه الذي أنذَرَ بها، أو لكَوْنه الذي قامَ بأمور الناس فيها.
قوله: ((حدَّثْنا مُغِيرة بن عبد الرحمن)) هو الحِزاميّ - بالمهمَلة والزّاي - لا المخزومي،
وهما مدنيّان من طبقة واحدة، لكن الحِزاميّ معروف بالرواية عن أبي الزِّناد دون
المخزومي، وقد بيَّنه ابن مَعِين والنَّسائيُّ، لكنَّه لم يَنفَرِد بهذا الحديث، فسيأتي في الجهاد
(٢٩٣٢) من رواية الثَّوري، وفي أحاديث الأنبياء (٣٣٨٦) من رواية شُعَيب، وأخرجه
الإسماعيليّ من رواية موسی بن عُقْبة، کلهم عن أبي الزِّناد.
قوله: ((اللهمَّ اجعَلْها سنينَ)) في الرواية الماضية (٤ ٨٠) في ((باب يهوي بالتكبير من صفة
الصلاة)): ((اللهمَّ اجعَلْها عليهم)) والضَّمير في قوله: ((اجعَلْها)» يعود على المدَّة التي تقع فيها
الشِّدَّة المعبَّر عنها بالوَطْأة، وزاد بعد قوله فيها ((كسِني يوسف)): ((وأهل المشرق يومئذٍ من
مُضَر مخالفون له)). وسيأتي الكلام على هذا الحديث مُستَوفَّى في تفسير آل عمران (٤٥٦٠)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وأنَّ النبيَّ نَِّ قال: غِفارُ غَفَرَ الله لها ... )) إلى آخره، هذا حديث آخر، وهو عند
المصنّف بالإسناد المذكور وكأنَّه سمعه هكذا فأورَدَه كما سمعه. وقد أخرجه أحمد (٩٤١٣)
عن قُتَيبة كما أخرجه البخاري، ويحتمل أن يكون له تعلُّق بالترجمة من جهة أنَّ الدُّعاء على
المشركينَ بالقَحطِ ينبغي أن يُخْصَّ بمَن كان مُحارِباً دون مَن كان مُسالماً.
قوله: ((غِفارُ غَفَرَ الله لها)) فيه الدُّعاء بما يُشتَقّ من الاسم، كأن يقول لأحمد: أحمدَ اللهُ

١١٢
باب ٢ / ح ١٠٠٦ - ١٠٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
عاقبتَك، ولعليٍّ: أعلاك الله، وهو من جِناس الاشتقاق، ولا يَخْتَصُّ بالدُّعاء بل يأتي مثله في
الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَئِنَ﴾ [النمل: ٤٤]، وسيأتي في المغازي (٤٠٩٤)
حديث: ((عُصيّة عَصَتِ اللهَ ورسولَه))، وإنَّما اختَصَّت القبيلتان بهذا الدُّعاء، لأنَّ غِفارَ
أسلموا قديماً، وأسلمَ سالَمَها النبيُّ ◌َّهِ كما سيأتي بيانُ ذلك في أوائل المناقب (٣٥١٢) إن
شاء الله تعالى.
قوله: ((قال ابن أبي الزِّناد عن أبيه: هذا كلُّه في الصبح)) يعني: أنَّ عبد الرحمن بن أبي
الزّناد روى هذا الحديثَ عن أبيه بهذا الإسناد، فبيَّن أنَّ الدُّعاء المذكور كان في الصبح، وقد
تقدَّم بعض بيان الاختلاف في ذلك في أثناء صفة الصلاة.
قوله: ((كنَّا عند عبد الله)) يعني: / ابن مسعود، وسيأتي في تفسير الدَّخان (٤٨٢٢) سبب
تحديث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث.
٤٩٤/٢
قوله: ((لمَّا رأى من النَّاس إذْباراً) أي: عن الإسلام، وسيأتي في تفسير الدُّخان: أنَّ
قريشاً لمَّا أبطؤوا عن الإسلام.
قوله: ((فأخَذَّتْهم سَنَةٌ)) بفتح المهملة بعدها نون خفيفة، أي: أصابهم القَحْط.
وقوله: ((حَصَّت)) بفتح الحاء والصَّاد المهمَلتين، أي: استأصَلَت النَّبات حتَّى خَلَت
الأرض منه.
قوله: ((حتَّى أكَلْنا)) في رواية المُستَمْلي والحَقُّوِيِّ: ((حتَّى أكَلُوا)) وهو الوجه، وكذا
قوله: ((يَنظُر أحدُكم)) عند الأكثر: ((يَنظُر أحدهم)) وهو الصواب. وسيأتي بقيَّة الكلام عليه
بعد تسعة أبواب (١٠٢٠).
٣- باب سؤال الناسِ الإمامَ الاستسقاءَ إذا قُحِطوا
١٠٠٨ - حدَّثْنَا عَمْرُو بنُ عليٌّ، قال: حدّثنا أبو قُتَيِبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله
ابنِ دِينارٍ، عن أبيه، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ يَتمثَّلُ بِشِعْر أبي طالبٍ:

١١٣
باب ٣/ ح ١٠٠٨ - ١٠٠٩
كتاب الاستسقاء
وأبيضَ يُستَسقَى الغَمامُ بوَجِهِهِ ثِمالُ اليتامَى عِصْمةٌ للأراملِ
[طرفه في: ١٠٠٩]
١٠٠٩ - وقال عمرُ بنُ حمزةَ: حَدَّثنا سالمٌ، عن أبيه: ربَّما ذكرتُ قولَ الشّاعرِ وأنا أنظرُ إلى
وجه النبيِّ ◌ِ﴿ يَستَسقي، فما ينزلُ حتَّى تَجِشَ كلُّ مِیزابٍ:
وأبيضَ يُستَسقَى الغَمَامُ بِوَجْهِه ثِمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ للأراملِ
وهو قولُ أبي طالبٍ.
قوله: ((باب سؤال النَّاس الإمام الاستسقاء إذا قُحِطُوا)) قال ابن رُشَيد: لو أُدخِلَ تحت
هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضحَ مَّا ذُكِرَ. انتهى، ويَظهَر لي أنَّه لمَّا
كان مَن سأل قد يكون مسلماً وقد يكون مُشرِكاً وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث
ابن مسعود المذكور أنَّ الذي سأل قد يكون مُشرِكاً، ناسَبَ أن يَذكُر في الذي بعده ما يدلُّ
على ما إذا كان الطَّلَب من الفريقين كما سأُبِيِّنه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عاماً لقوله:
((سؤال الناس))، وذلك أنَّ المصنِّف أورَدَ في هذا الباب تمثِّل ابن عمر بشعر أبي طالب
وقول أنس: إنَّ عمر كان إذا قُحِطوا استَسقَى بالعبَّاس.
وقد اعتَرَضَه الإسماعيليّ، فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة، إذ ليس فيه أنَّ
أحداً سأله أن يستسقيَ لهم، ولا في قصَّة العبَّاس التي أورَدَها أيضاً. وأجاب ابن المنيِّر
عن حديث ابن عمر بأنَّ المناسَبة تُؤخَذ من قوله فيه: ((يُستَسقَى الغَمام)) لأنَّ فاعله
محذوفٌ وهم الناس، وعن حديث أنس بأنَّ في قول عمر: ((كنّا نَتوسَل إليك بنبيِّك))
دلالة على أنَّ للإمام مَدخَلاً في الاستسقاء.
وتُعُقِّبَ بأَنَّه لا يلزم من كَوْن فاعل ((يُستَسقَى)) هو الناس أن يكونوا سألوا الإمام/ أن ٤٩٥/٢
يستسقيَ لهم كما في الترجمة، وكذا ليس في قول عمر: أنَهم كانوا يَتَوسَّلون به دلالة على أنَّهم
سألوه أن يستسقيَ لهم، إذ يحتمل أن يكونوا في الحالين طلبوا السُّقيا من الله مُستَشِفِعينَ به ◌َله.
وقال ابن رُشَيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى، لأنَّهم إذا

١١٤
باب ٣/ ح ١٠٠٨- ١٠٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
کانوا یسألون الله به فیسقیھم، فأحری أن یُقدِّموه للسُّؤال. انتھی، وهو حسن.
ويُمكِن أن يكون أراد من حديث ابن عمر سياق الطريق الثانية عنه، وأن يُبيِّن أنَّ
الطريق الأولى مختصرة منها، وذلك أنَّ لفظ الثانية: ربّما ذكرتُ قول الشَّاعر وأنا أنظر إلى
وجه النبيّ وَّه يستسقي، فدَلَّ ذلك على أنَّه هو الذي باشَرَ الطَّلَب ◌َّهِ، وأنَّ ابن عمر أشار
إلى قصَّة وَقَعَت في الإسلامِ حَضَرَها هو لا مُجرَّد ما دَلَّ عليه شِعر أبي طالب. وقد عُلِمَ من
بقيَّة الأحاديث أنَّهِ وَيَ إنَّما استَسقَى إجابة لسؤال مَن سأله في ذلك، كما في حديث ابن
مسعود الماضي (١٠٠٧) وفي حديث أنس الآتي (١٠١٣) وغيرهما من الأحاديث، وأوضح
من ذلك ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٦/ ١٤٠- ١٤١) من رواية مسلم الملائيّ عن
أنس قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَّه فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يَئِطَّ، ولا صبيّ
◌َغِطُّ. ثمَّ أَنشَدَه شِعراً يقول فيه:
وليس لنا إلَّ إليكَ فِرارُنا وأينَ فِرارُ الناسِ إلَّا إلى الرُّسْلِ
فقامَ يجرُّ رِداءَه حتَّى صَعِدَ المنبر فقال: ((اللهمَّ اسِقِنا)) الحديث، وفيه: ثمَّ قال ◌َّ: (لو كان
أبو طالب حيّاً لَقَرَّت عَيْناه، مَن يُنشِدُنا قولَه؟)) فقامَ عليّ فقال: يا رسول الله، كأنَّك أردت
قوله: ((وأبيضَ يُستسقَى الغَمام بوجهِه)) الأبيات، فظَهَرَت بذلك مُناسَبة حديث ابن عمر
للترجمة، وإسناد حديث أنس وإن كان فيه ضعف لكنَّه يَصلُح للمُتابعة، وقد ذكره ابن
هشام في زوائده في ((السِّیرة)) تعليقاً عمَّن یثق به.
وقوله: ((يَئِطّ)) بفتح أوَّله وكسر الهمزة وكذا ((يَغِطّ)) بالمعجَمة، والأَطِيط: صوت البعير
المُثقَل، والغَطِيط: صوت النائم كذلك، وكَنَّى بذلك عن شِدَّة الجوع، لأنَّهما إنَّما يقعان
غالباً عند الشِّبَع.
وأمَّا حديث أنس عن عمر فأشار به أيضاً إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وهو عند
الإسماعيليّ من رواية محمد بن المثنَّى عن الأنصاريّ بإسناد البخاري إلى أنس قال: كانوا إذا
قُحطوا على عهد النبيّ وَّ اسْتَسقَوْا به، فيستسقي لهم فيُسقَونَ، فلمَّا كان في إمارة عمر ...

١١٥
باب ٣/ ح ١٠٠٨- ١٠٠٩
كتاب الاستسقاء
فذكر الحديث، وقد أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، فقال: هذا الذي رَوَيته يحتمل المعنى الذي
تَرجَمَه، بخلاف ما أورَدَه هو. قلت: وليس ذلك بمُبتَدَع، لمَا عُرِفَ بالاستقراء من عادته
من الاكتفاء بالإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي يُورِده.
وقد روى عبد الرزاق (٤٩١٣) من حديث ابن عبّاس: أنَّ عمر استَسقَى بالمصلَّى، فقال
للعبَّاس: قُم فاستَسْقِ، فقامَ العبّاس ... فذكر الحديث، فتَيَّنَ بهذا أنَّ في القصّة المذكورة أنَّ
العبّاس كان مسؤولاً وأنَّه يُنَّل منزلة الإمام إذا أمره الإمام بذلك. وروى ابن أبي شَيْبة
(١٢/ ٣٢) بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السَّان عن مالك الدّار - وكان خازن عمر -
قال: أصاب الناس قحطٌ في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبيِّ وَ﴿ فقال: يا رسول الله،
استَسِقِ الأُمَّتِك فإنَّهم قد هَلَكوا، فأتي الرجلُ في المنام، / فقيل له: ائتِ عمر ... الحديث(١)، ٤٩٦/٢
وقد روى سيف في ((الفُتوح)): أنَّ الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المُزَنِيُّ أحد
الصحابة، وظَهَرَ بهذا كلِّه مُناسَبة الترجمة لأصل هذه القصَّة أيضاً، والله الموفِّق.
قوله: («یتمثّل» أي: يُنشِد شعر غیره.
قوله: ((وأبيضَ)) بفتح الضّاد وهو مجرور بـ((رُبَّ) مُقدَّرة أو منصوبٌ بإضمار ((أعني)) أو
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير مالك الدار، وهو مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب، قال الحافظ
في («الإصابة)) (٨٣٦٢): له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق، وروى عن الشيخين، ومعاذ وأبي
عبيدة، روى عنه أبو صالح السَّمَّان وابناه عون وعبدالله ابنا مالك. وذكره ابن سعد في ((الطبقات))
١٢/٥ وقال: وكان معروفاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٣٨٤/٥. انتهى.
وهذا الأثر - على فرض صحته كما قال الشارح - ليس بحجَّة على جواز الاستسقاء بالنبي ◌َّ بعد
وفاته، لأن السائل مجهول، ولأن عمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه، وهم أعلم الناس
بالشرع، ولم يأتِ أحدٌ منهم إلى قبره يسأله السُّقيا ولا غيرها، بل عَدَلَ عمر عنه لما وقع الجَدْب إلى
الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، فعلم أن ذلك هو الحق، وأن ما فعله هذا
الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك ... وأما تسمية السائل في رواية سيف المذكورة ((بلال بن الحارث)) ففي
صحة ذلك نظرٌ، ولم يذكر الشارح سند سيف في ذلك، وعلى تقدير صحته عنه لا حُجَّة فيه، لأن عمل
كبار الصحابة يخالفه، وهم أعلمُ بالرسول ◌َّر وشريعته من غيرهم، والله أعلم. (س).

١١٦
باب ٣ / ح ١٠٠٨ - ١٠٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
((أخُصّ))، والراجح أنَّه بالنصب، عطفاً على قوله: ((سَيِّدا)) في البيت الذي قبله.
قوله: (ثمال)) بكسر المثلَّثة وتخفيف الميم، هو العِماد والمَلجَأ والمُطعِمِ والمُغِيث والمُعِين
والكافي، قد أُطلِقَ على كلٍّ من ذلك.
وقوله: ((عِصمةٌ للأرامل)) أي: يَمنَعهم ممّا يَضُرّهم، والأرامل: جمع أرمَلة: وهي الفقيرة
التي لا زوج لها، وقد يُستَعمَل في الرجل أيضاً مجازاً، ومن ثَمَّ لو أوصَى للأرامل خُصَّ
النِّساء دون الرجال. وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب ذكرها ابن إسحاق في
((السّيرة) بطولها، وهي أكثر من ثمانينَ بيتاً، قالها لمَّا تَالَأْت قريش على النبيِّ وَّرُ ونَفَّروا
عنه مَن يريد الإسلام، أوَّلها:
ولمَّا رأيتُ القومَ لا وُدَّفيهمُ وقد قَطَعوا كلّ العُرَى والوسائلِ
وقد جاهَرُونا بالعَدَاوة والأذى وقد طاوَعُوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ
يقول فيها:
أَعبدَ مَنافٍ أنتُمُ خيرَ قومِكمْ فلا تُشِرِكوا في أمرِكم كُلَّ واغِلِ
فقد خِفتُ إن لم يُصلِحِ اللهُ أمرَكمْ تكونوا كما كانت أحاديثُ وائل
يقول فيها:
أعوذ بربِّ النَّاس من كُلِّ طاعنِ علينا بسوءٍ أو مُلِحٌّ بباطلٍ
ورَاقٍ لِيَرَقَى في حِراءٍ ونازلِ
وثَوْرٍ ومَن أَرْسَى ثَبِيراً مكانَهُ
وباللهِ، إنَّ اللهَ ليس بغافلٍ
وبالبيتِ، حَقّ البيتِ، من بطنِ مگَّةٍ
يقول فيها:
كَذَبْتُم - وبيتِ اللهِ - نُبْزَى محمداً ولمَّا نُطاعِنْ حولَه ونُناضِلِ(١)
(١) نُبزَى محمداً، أي: نُسلَبُهُ ونُغلَب عليه، ونناضل: نرامي بالسهام.

١١٧
باب ٣/ ح ١٠٠٨- ١٠٠٩
كتاب الاستسقاء
ونُسلِمَه حتَّى نُصرَّعَ حولَهُ ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحَلائِلِ
يقول فيها:
وما تَرْكُ قوم لا أبالك سيِّداً يَحُوطُ الذِّمارَ بين بكرٍ ووائلٍ(١)
ثِمَالُ اليتامَى عِصْمَةٌ للأراملِ
وأبيضَ يُستَسقَى الغَمَامُ بوجهِهِ
يَلُوذُ بِه الهُلَّاك من آل هاشمٍ فهم عندَه في نَعْمَةٍ وَفَواضلٍ
قال السُّهَيليّ: فإن قيل: كيف قال أبو طالب: ((يُستَسقَى الغَمام بوجهِه)) ولم يَرَه قَطُّ
استَسقَى، إنَّما كان ذلك منه بعد الهجرة؟ وأجاب بما حاصله: أنَّ أبا طالب أشار إلى ما
وقع في زمن عبد المطَّلِب حيثُ اسْتَسقَى لقريشٍ والنبيّ ◌ََّ معه وهو غُلام. انتهى،
ويحتمل أن يكون أبو طالب مَدَحَه بذلك لما رأى من تَايِل ذلك فيه وإن لم يُشاهِد
وقوعه، وسيأتي في الكلام على حديث ابن مسعود ما يُشعِر بأنَّ سؤال أبي سفيان للنبيِّ
وُ لد في الاستسقاء وقع بمكّة.
وذكر ابن التِّين: أنَّ في شِعر أبي طالب هذا دلالة على أنَّه كان يَعرِف نُبوَّة النبيّ
صَلى له
قبل أن يُبعَث لما أخبره به بَحِيرا أو غيره من شأنه. وفيه نظر لما تقدَّم عن ابن إسحاق أنَّ
إنشاء أبي طالب لهذا الشِّعر كان بعد المَبعَث، ومعرفة أبي طالب بنُبُوَّة رسول الله وَليه
جاءت في كثير من الأخبار، وتمسّكَ بها الشّيعة في أنَّه كان مسلماً. ورأيت لعليِّ بن حمزة
البصريّ جُزءاً جمع فيه شعر أبي طالب، وزَعَمَ في أوَّله أنَّه كان مسلماً وأنَّه ماتَ على
الإسلام، وأنَّ الحَشْويَّة تَزْعُم أنَّه ماتَ على الكفر وأنَّهم لذلك يستجيزون لعنَه، ثمَّ بالَغَ
فِي سَبِّهم والردِّ عليهم، واستدلَّ لدَعْواه بما لا دلالةَ فيه،/ وقد بَيَّنتُ فساد ذلك كلّه في ٤٩٧/٢
ترجمة أبي طالب من كتاب ((الإصابة))، وسيأتي بعضه في ترجمة أبي طالب من كتاب مَبعَث
(١) كذا في (ع)، وفي (أ): يحوط الذمار من بكر ونائل، وفي (س): بين بكر بن وائل، وفي كتب السيرة: يحوط
الذمار غيرَ ذَرْبٍ مواكلٍ؛ أي: غير فاحش المنطق أو متواكلٍ على غيره من الناس. انظر ((سيرة ابن هشام))
٢٩١/١-٢٩٩.

١١٨
باب ٣ / ح ١٠١٠
فتح الباري بشرح البخاري
النبيّ ◌َالـ (٣٨٨٣-٣٨٨٥).
قوله: ((وقال عمر بن حمزة)) أي: ابن عبد الله بن عمر، وسالم شيخه هو عمُّه، وعُمر
مُخْتَلَف في الاحتجاج به، وكذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المذكور في الطريق
الموصولة، فاعتَضَدَت إحدى الطريقين بالأُخرى، وهو من أمثلة أحد قِسمَي الصحيح كما
تَقرَّرَ في علوم الحديث.
وطريق عمر المعلَّقة وَصَلها أحمد (٥٦٧٣) وابن ماجَهْ (١٢٧٢) والإسماعيليّ من رواية
أبي عَقِيل عبد الله بن عَقِيل الثَّقَفيّ عنه، وعَقيل فيهما بفتح العين.
قوله: ((يَستَسقي)) بفتح أوَّله، زاد ابن ماجَهْ في روايته: ((على المنبر)) وفي روايته أيضاً: ((في
المدينة)).
قوله: ((يَجِيش)) بفتح أوَّله وكسر الجيم وآخره مُعجَمة، يقال: جاشَ الوادي: إذا زَخَرَ
بالماء، وجاشَت القدر: إذا غَلَت، وجاشَ الشيءُ: إذا تَحرَّكَ. وهو كناية عن كثرة المطر.
قوله: ((كلُّ مِيزاب)) بكسر الميم وبالزّاي معروف، وهو ما يَسِيل منه الماءُ من موضعٍ
عالٍ. ووقع في رواية الحَمُّوِيِّ: ((حتَّى يَجِيشَ لك)) بتقديم اللّام على الكاف، وهو
تصحيف.
١٠١٠- حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدّثني
أبي عبدُ الله بنُ المثنَّى، عن ثُمامةَ بنِ عبدِ الله بنِ أنسٍ، عن أنسٍ: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب ﴿ه كان
إذا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بالعبّاس بنِ عبدِ المطَّلِب، فقال: اللهمَّ إِنَّا كنَّا نَتوسَّلُ إليكَ بنبيِّنا فتَسْقِينا،
وإِنَّا نَتوسَلُ إليكَ بعَمِّ نبيِّنا فاسقِنا، قال: فيُسقَوْنَ.
[طرفه في: ٣٧١٠]
قوله: ((حدَّثني الحسن بن محمَّد)) هو الَّعفرانيّ، والأنصاريّ شيخه يروي عنه البخاري
كثيراً، وربَّما أدخَلَ بينهما واسطة كهذا الموضع، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ البخاري أخرج هذا
الحديث عن الأنصاريّ نفسه.

١١٩
باب ٤/ ح ١٠١١
كتاب الاستسقاء
قوله: ((أنَّ عمر بن الخطّاب كان إذا قُحِطُوا)) بضمِّ القاف وكسر المهمَلة، أي: أصابهم
القَحْط، وقد بيَّن الزُّبَير بن بَكّار في ((الأنساب)) صفةً ما دعا به العبّاس في هذه الواقعة
والوقتَ الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسنادٍ له: أنَّ العبَّاس لمَّا استَسقَى به عمر قال:
اللهمّ إنَّه لم يَنزِل بلاء إلّا بذنب، ولم يُكشَف إلَّا بتوبة، وقد تَوجَّه القوم بي إليك لمكاني من
نبيّك، وهذه أيدينا إليك بالذُّنوب، ونواصِينا إليك بالتَّوبة، فاسقِنا الغيثَ. فأرخَت السماء
مثلَ الجبال حتَّى أخصَبَت الأرض، وعاشَ الناس.
وأخرج أيضاً من طريق داود عن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استَسقَى
عمر بن الخَطَّب عام الزَّمادة بالعبَّاس بن عبد المطَّلِّب ... فذكر الحديث، وفيه: فخَطَبَ
الناسَ عمر، فقال: إنَّ رسول الله وَّلَ كان يرى للعبَّاس ما يرى الولدُ للوالد، فاقتَدوا أيّها
الناس برسول الله وَله في عَمّه العبّاس والتَّخِذوه وسيلة إلى الله، وفيه: فما بَرِحوا حتَّى
سقاهم الله. وأخرجه البَلَاذُريّ من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، فقال: ((عن
أبيه)) بدل: ابن عمر، فيحتمل أن يكون لزيدٍ فيه شيخان. وذكر ابن سعد وغيره أنَّ عام
الرَّمادة كان سنة ثمان عشرة، وكان ابتداؤُه مصدر الحاجِّ منها ودامَ تسعة أشهر، والرَّمَادة:
بفتح الرَّاء وتخفيف الميم، سُمِّيَ العامُ بها لمَا حَصَلَ من شِدَّة الجَدْب فاغبَرَّت الأرض
جدّاً من عَدَم المطر، وقد تقدَّم من رواية الإسماعيليّ رفعُ حديث أنس المذكور في قصّة عمر
والعبَّاس، وكذلك أخرجه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٢٨٦١) من طريق محمد بن المثنَّى
بالإسناد المذکور.
ويُستَفاد من قصَّة العبّاس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت
النُّوَّة، وفيه فضل العبّاس وفضل عمر لتواضعِه للعبَّاس ومَعرِفته بحَقِّه.
٤ - باب تحويل الرِّداء في الاستسقاء
١٠١١ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثْنَا وَهْبٌ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن محمَّد بنِ أبي بكرٍ،
عن عبَّادِ بنِ تَمِيم، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ استَسْقَى فقَلَبَ رِداءه.

١٢٠
باب ٤ / ح ١٠١١ -١٠١٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٠١٢ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ: أنَّ سَمِعَ
٤٩٨/٢ عبَّاد بنَ تَمِيم/ يُحدِّثُ أباه عن عَمِّه عبدِ الله بنِ زيدٍ: أنَّ النبيَّ نَّهِ خرج إلى المصلَّى فاستَسْقَى
فاستَقْبَلَ القِبْلَةَ وحَوَّلَ رِداءَه، وصَلَّى رَ كْعتَينِ.
قال أبو عبدِ الله: كان ابنُ عُيَينةَ يقول: هو صاحبُ الأذان، ولكنَّه وَهْمٌ، لأنَّ هذا عبدُ الله
ابنُ زيدِ بنِ عاصمِ المازنيُّ، مازنُ الأنصار.
قوله: ((باب تحويل الرِّداء في الاستسقاء)» تَرجَمَ لمشروعيَّتِه خلافاً لمن نَفَاه، ثمَّ تَرجَمَ بعد
ذلك لکیفیَّتِہ کما سيأتي.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) وأخرجه من
طريقه.
قوله: ((عن محمَّد بن أبي بكر)) أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، وهو أخو عبد الله بن
أبي بكر المذكور في الطريق الثانية من هذا الباب، وقد حدَّث به عن عبَّاد أبوهما أبو بكر بن
محمد بن عَمْرو كما سيأتي (١٠٢٨) بعد خمسة عشر باباً.
قوله: (اسْتَسْقَى فقَلَبَ رِداءَه)) ذكر الواقديُّ أنَّ طول رِدائه وَّلَهكان ستّة أذرُع في عرض
ثلاثة أذرُع، وطول إزاره أربعة أذرُع وشِبرَينٍ في ذَرْع وشِبر، كان يَلبَسهما في الجمعة
والعيدين. ووقع في ((شرح الأحكام)) لابن بَزِيزة ذَرْعُ الرِّداء كالذي ذكره الواقديُّ فِي ذَرْع
الإزار، والأوَّل أَولى.
قال الزّين بن المنيِّر: تُرجِمَ بلفظ التَّحويل، والذي وقع في الطريقين اللَّذَينِ ساقهما لفظ
القلب، وكأنَّه أراد أنَّهما بمعنَى واحد. انتهى، ولم تَتَّفِقِ الرُّواة في الطريق الثانية على لفظ
القلب، فإنَّ رواية أبي ذرٍّ: ((حَوَّل)) وكذا هو في أوَّل حديث في الاستسقاء (١٠٠٥)،
وكذلك أخرجه مسلم (١/٨٩٤) من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وقد وقع بيان
المراد من ذلك في ((باب الاستسقاء بالمصلَّ)) (١٠٢٧) في زيادة سفيان عن المسعوديّ عن
أبي بكر بن محمد، ولفظه: ((قَلَبَ رِداءَه جعل اليمين على الشِّمال))، وزاد فيه ابن ماجَهْ