النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب ١ / ح ٩٩٠ -٩٩١
أبواب الوتر
واستُدلَّ بمفهومِه على أنَّ الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعاً، وهو رواية عن
الحنفيَّة وإسحاق، وتُعُقِّبَ بأنَّه مفهوم لَقَب وليس بحُجَّةٍ على الراجح، وعلى تقدير الأخذ
به فليس بمُنحَصِرٍ في أربع، وبأنَّه خرج جواباً للسُّؤال عن صلاة الليل فقُيِّدَ الجواب بذلك
مطابقةً للسُّؤال، وبأنَّه قد تَبيَّنَ من رواية أُخرى أنَّ حكم المسكوت عنه حُكم المنطوق به،
ففي السُّنَن وصحَّحه ابن خُزَيمةَ وغيره من طريق عليٍّ الأزديّ عن ابن عمر مرفوعاً:
((صلاة الليل والنهار مَثْنى مَثْنِى))(١)، وقد تُعُقِّبَ هذا الأخير بأنَّ أكثر أئمّة الحديث أعَلُّوا
هذه الزّيادة وهي قوله: ((والنهار)) بأنَّ الحُفَّاظ من أصحاب ابن عمر لم يَذكُروها عنه،
وحَكَمَ النَّسائيُّ على راويها بأنَّه أخطأ فيها، وقال يحيى بن مَعِين: مَن عليٌّ الأزديّ حتَّى
أقبلَ منه؟ وادَّعَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن نافع: أنَّ ابن عمر كان يتطوَّع بالنهار أربعاً
لا يَفصِلُ بينهن، ولو كان حديث الأزديّ صحيحاً لمَا خالَفَه ابنُ عمر، يعني: مع شِدَّة
اتباعه، رواه عنه محمد بن نصر في ((سؤالاته))، لکن روی ابن وَهْب بإسناد قويٌّ عن ابن
عمر قال: صلاة الليل والنهار مَثْنى مَثْنى، موقوف أخرجه ابن عبد البَرِّ(٢) من طريقه،
فلعلَّ الأزديَّ اختَلَطَ عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة
مَن یشترط في الصحیح أن لا یکون شاذاً، وقد روى ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٤) من وجه آخر
عن ابن عمر: أنَّه كان يُصلِّ بالنهار أربعاً أربعاً، وهذا موافق لما نقله يحيى بن سعيد(٣).
قوله: «مَثْنی مَثْنی)) أي: اثنين اثنين، وهو غیر مُنصَرِف لتكرار العَدْل فیه، قاله صاحب
(الكشّاف)). وقال آخرون: للعَدْل والوصف، وأمَّا إعادة مَثْنى فللمُبالَغة في التأكيد، وقد
فسَّرَه ابن عمر راوي الحديث فعند مسلم (١٥٩/٧٤٩) من طريق عُقْبة بن حُرَيث قال:
(١) أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، وابن ماجه (١٣٢٢)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي
(١٦٦٦)، وابن خزيمة (١٢١٠)، وابن حبان (٢٤٨٢).
(٢) في ((التمهيد)» ٢٤٧/١٣.
(٣) في الأصلين و(س): لما نقله ابن معين، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله، والصواب ما أثبتنا موافقاً لما
نقله هو قبل أسطر.

٨٢
باب ١ / ح ٩٩٠ -٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: لابن عمر: ما معنى مَثْنِى مَثْنى؟ قال: تُسلِّم من كلّ ركعتين. وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ
من الحنفيّة أنَّ معنى ((مَثْنى)): أن يتشهَّد بين كلِّ ركعتين، لأنَّ راوي الحديث أعلم بالمراد
به، وما فسَّرَه به هو المتبادَر إلى الفَهم، لأنَّه لا يقال في الرُّباعيَّة مثلاً: إنَّها مَثْنی.
واستُدلَّ بهذا على تَعُّ الفَصْل بين كلّ ركعتين من صلاة الليل، قال ابن دقيق العيد:
وهو ظاهر السياق لحصر المبتدَأ في الخبر، وحَمَلَه الجمهور على أنَّه لبيان الأفضل، لمَا صَحَّ
من فعله رَّ بخلافه، ولم يَتعيَّن أيضاً كَوْنه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى
الأخفِّ، إذ السلام بين كلّ ركعتين أخفُّ على المصلِّي من الأربع فما فوقها، لما فيه من
الرَّاحة غالباً وقضاء ما يُعرَض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يُواظِب
عليه بَّهِ، ومَن ادَّعَى اختصاصه به فعليه البيان، وقد صَحَّ عنه وََّ الفصلُ كما صَحَّ عنه
الوصل، فعند أبي داود (١٣٣٦) ومحمد بن نصر من طريقي الأوزاعيِّ وابن أبي ذِئْب
كلاهما عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوة، عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَّرَ كان يُصلِّ ما بين أن يَفرُغَ من
العِشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يُسلِّم من كلّ ركعتين، وإسنادهما على شرط
الشيخين، واستُدلَّ به أيضاً على عَدَم النُّقصان عن ركعتين في النافلة ما عَدَا الوتر.
قال ابن دقيق العيد: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قَصْر الصبح في
السَّفَر إلى ركعة؛ يشير بذلك إلى الطَّحَاويِّ فإنَّه استدلَّ على مَنْع التنفُّل بركعةٍ بذلك،
واستدلَّ بعض الشافعيّة للجواز بعموم قوله مَّ: ((الصلاةُ خير موضوع، فمَن شاءَ
استكثَرَ، ومَن شاءَ استَقَلَّ)) صحَّحه ابن حِبَّان (٣٦١)(١).
وقد اختلف السلف في الفصل والوصل في صلاة الليل أيُّهما أفضل، وقال الأثرَم عن
أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مَثْنى مَثْنى، فإن صلَّى بالنهار أربعاً فلا بأس.
وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل قال: وقد صَحَّ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه/ أوتَرَ
بخمسٍ لم يجلس إلّا في آخرها (٢)، إلى غير ذلك من الأحاديث الدّالَّة على الوصل، إلّا أنَّا
٤٨٠/٢
(١) وإسناده ضعيف جداً، كما هو مبيَّن في التعليق عليه. وانظر («مسند أحمد» (٢١٥٤٦).
(٢) أخرجه مسلم (٧٣٧)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (١٧١٧) من حديث عائشة.

٨٣
باب ١ / ح ٩٩٠-٩٩١
أبواب الوتر
نختار أن يُسلِّم من كلّ ركعتين لكَوْنه أجاب به السائل، ولكَوْن أحاديث الفصل أثبت
وأكثر طرقاً، وقد تضمَّنَ كلامُه الردّ على الدَّاووديِّ الشَّارح ومَن تَّبِعَه في دَعْواهم أنَّه لم
يثبت عن النبيِّ ◌َّ أَنَّه صلَّى النافلة أكثر من ركعتين ركعتين.
قوله: ((فإذا خَشِيَ أحدُكم الصبح)) استدلَّ به على خروج وقت الوِتْر بطلوع الفجر،
وأصرح منه ما رواه أبو داود والنَّسائيُّ وصحَّحه أبو عَوَانة وغيره من طريق سليمان بن
موسى، عن نافع، أنَّه حدَّثه أنَّ ابن عمر كان يقول: مَن صلَّى من الليل فليجعل آخر
صلاته وِتراً، فإنَّ رسول الله وَيَ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهبَ كلُّ صلاة
الليل والوتر(١)، وفي ((صحيح ابن خُزيمة)) (١٠٩٢) من طريق قَتَادة، عن أبي نَضْرة، عن
أبي سعيد مرفوعاً: ((مَن أدرَكَه الصبحُ ولم يُوتِر فلا وِتَرَ له))، وهذا محمول على التعمُّد أو
على أنَّه لا يقع أداءً، لمَا رواه أبو داود (١٤٣١) من حديث أبي سعيد أيضاً مرفوعاً: ((مَن
نَسِيَ الوترَ أو نامَ عنه فليُصلِّه إذا ذَكَره)».
وقيل: معنى قوله: ((إذا خَشِيَ أحدُكم الصبح)) أي: وهو في شَفْع، فلينصرف على وِتْر،
وهذا يَنبَني على أنَّ الوتر لا يَفْتَقِر إلى نيَّة.
وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف: أنَّ الذي يَخْرُج بالفجرِ وقتُه الاختياريّ
ويبقى وقت الضَّرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحَكَاه القُرطبيّ عن مالك والشافعيّ
وأحمد، وإنَّما قاله الشافعيُّ في القديم، وقال ابن قدامةَ: لا ينبغي لأحدٍ أن يَتعمَّد ترك الوتر
حتَّى يُصبِح، واختلف السلف في مشروعيَّة قضائه فنفاه الأكثر، وفي مسلم (٦٤٦) وغيره
(١) أخرجه أحمد (٦٣٧٢)، والترمذي (٤٦٩)، وابن خزيمة (١٠٩١)، وأبو عوانة (٢٢٦٩) من طريق
سليمان بن موسى عن نافع، وإسناده حسن من أجل سليمان بن موسى، والحديث ليس عند أبي داود
والنسائي من هذا الطريق ولا بهذا اللفظ، فهو عند أبي داود (١٤٣٨) من طريق عبيد الله عن نافع
مختصراً: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، وقد سلف هذا عند البخاري برقم (٤٧٢)، وعند أبي
داود أيضاً (١٤٣٦) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع مختصراً مرفوعاً بلفظ: ((بادِرُوا الصبحَ بالوتر))
وهو عند مسلم (٧٥٠)، أما النسائي فهو عنده (١٦٨٢) من طريق الليث عن نافع دون قوله في آخره:
((فإذا كان الفجرُ فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر)).

٨٤
باب ١ / ح ٩٩٠-٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
عن عائشة: أنَّه وَ ﴿ كان إذا نامَ من الليل من وَجَع أو غيره فلم يَقُم من الليل، صلَّى من
النهار ثِنتَي عشرة ركعة، وقال محمد بن نصر: لم نَجِدْ عن النبيِّ وَّه في شيء من الأخبار أنَّه
قَضَى الوتر ولا أمر بقضائه(١)، ومَن زَعَمَ أنَّه ◌َّه في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قَضَى
الوترَ فلم يُصِبْ. وعن عطاء والأوزاعيّ: يقضي ولو طَلَعَت الشمس(٢)، وهو وجه عند
الشافعيَّة حَكَاه النَّوَويّ في ((شرح مسلم))، وعن سعيد بن جُبَير: يقضي من القابلة، وعن
الشافعيَّة: يقضي مُطلَقاً، ويُستَدَلّ لهم بحديث أبي سعيد المتقدِّم، والله أعلم.
فائدة: يُؤخَذ من سياق هذا الحديث أنَّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، من
النهار شَرْعاً، وقد روى ابن دُرَيد في ((أماليه)) بسندٍ جيّد: أنَّ الخليل بن أحمد سُئِلَ عن حَدّ
النهار، فقال: من الفجر المُستَطير إلى بِداءة الشَّفَق. وحُكيَ عن الشَّعبيّ: أنَّه وقتٌ مُنفرٍد
لا من اللیل ولا من النهار.
قوله: ((صَلَّى رَكْعة واحدة)) في رواية الشافعيِّ وعبد الله بن وَهْب ومَكِّ بن إبراهيم
ثلاثتهم عن مالك: ((فليُصلِّ ركعة)) أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّات)) هكذا بصيغة الأمر،
وسيأتي بصيغة الأمر أيضاً من طريق ابن عمر الثانية في هذا الباب، ولمسلم (٧٤٩ / ١٥٦)
من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعاً نحوه.
واستدلَّ بهذا على أنَّه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعَين:
أحدهما: في مشروعيّة ركعتين بعد الوتر من جلوس، والثاني: فيمن أوتَرَ ثمَّ أراد أن يتنقَّل
في الليل: هل يكتفي بوِتْره الأوَّل وليتنفَّل ما شاءَ، أو يَشفَع وتره بركعةٍ ثمَّ يتنفَّل، ثمَّ إذا
فعل ذلك هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟
فأمَّا الأوَّل فوقع عند مسلم (١٢٦/٧٣٨) من طريق أبي سَلَمة عن عائشة: أنَّه ◌َلِّ كان
(١) وهذا يَرِدُ عليه حديثُ عائشة عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٠٥٨) بسند حسن إن شاء الله تعالى: أن أبا
الدرداء كان يخطب الناسَ أن لا وترَ لمن أدرك الصبحَ، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة فأخبروها
فقالت: كان رسول الله وَ ل﴿ يصبح فيوتر. وانظر التعليق عليه في ((المسند)).
(٢) زاد في (أ) و(ع): إلى الغروب. وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر ١٩٣/٥.

٨٥
باب ١ / ح ٩٩٠-٩٩١
أبواب الوتر
يُصلِّي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، وقد ذهبَ إليه بعض أهل العلم وجعلوا الأمر في
قوله: ((اجعَلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) (١) مُختصّاً بمَن أوتَرَ آخر الليل. وأجاب مَن لم
يقل بذلك، بأنَّ الرَّكعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحَمَلَه النَّوَويّ على أنَّهِوَّهِ فَعَلَه
لبيان جواز التنقّل بعد الوتر، وجواز التنفُّل جالساً.
وأمَّا الثاني فذهبَ/ الأكثر إلى أنَّه يُصلِّ شَفعاً ما أراد ولا يَنقُض وترَه عملاً بقوله ◌َال ◌َت: ٤٨١/٢
((لا وِتْران في ليلة))، وهو حديثٌ حسنٌ أخرجه النَّسائيُّ وابن خُزَيمةَ وغيرهما من حديث
طَلْق بن عليٍّ(٢)، وإنَّما يَصِحُ نقضُ الوتر عند مَن يقول بمشروعيَّة التنفّل بركعةٍ واحدة غير
الوتر، وقد تقدَّم ما فيه.
وروى محمد بن نصر من طريق سعيد بن الحارث: أنَّه سأل ابن عمر عن ذلك فقال:
إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفَعْ ثمَّ صَلِّ ما بَدَا لك ثمَّ أوتِر، وإلَّ فصَلِّ على
وترك (٣) الذي كنت أوتَرتَ. ومن طريق أُخرى عن ابن عمر: أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: أمَّا
أنا فأُصلّى مَثْنى، فإذا انصَرَفتُ رَكَعتُ واحدة. فقيل: أرأيت إن أوتَرتُ قبل أن أنام ثمَّ
قمت من الليل فشَفَعت حتَّى أُصبح؟ قال: ليس بذلك بأس. واستدلَّ بقوله ◌َّةِ: ((صَلِّ
ركعة واحدة)) على أنَّ فصل الوتر أفضل من وصله. وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس صريحاً في الفصل،
فيحتمل أن يريد بقوله: ((صَلُّ ركعة واحدة)) أي: مضافة إلى ركعتين مَّا مضى.
واحتجَّ بعض الحنفيَّة لمَا ذهبَ إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث بأنَّ
الصحابة أجمعوا على أنَّ الوتر بثلاثٍ موصولةٍ حسن جائز، واختلفوا فيما عَدَاه، قال:
فأخذْنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه. وتَعقَّبَه محمد بن نصر المروزيُّ بما رواه من
طريق عِراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً: ((لا تُوتِروا بثلاثٍ تَشبَّهوا بصلاة
(١) سلف برقم (٤٧٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٩٦)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٩)، وابن خزيمة
(١١٠١).
(٣) في (س): فصلِّ وترَك على، وهو خطأ.

٨٦
باب ١/ ح ٩٩٠-٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
المغرب)) وقد صحَّحه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سَلَمةَ والأعرج عن أبي
هريرة مرفوعاً نحوه، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صحَّحه ابن حِبَّان (٢٤٢٩)
والحاكم (٣٠٤/١)، ومن طريق مِقسَم عن ابن عبّاس وعائشة كَرَاهيةُ الوتر بثلاث،
وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً(١). وعن سليمان بن يَسَار: أنَّه كره الثلاث في الوتر، وقال: لا يُشبِه
التطوُّعُ الفريضةَ. فهذه الآثار تَقدَح في الإجماع الذي نقله.
وأمَّا قول محمد بن نصر: لم نَجِدْ عن النبيِّ وَّهِ خبراً ثابتاً صريحاً أنَّه أوتَرَ بثلاثٍ
موصولة، نعم ثَبَتَ عنه أنَّه أوتَرَ بثلاث، لكن لم يُبيِّن الراوي هل هي موصولة أو
مفصولة. انتهى، فَيَرُدّ عليه ما رواه الحاكم (٣٠٥/١) من حديث عائشة: أنَّه كان ◌َله
يوتِر بثلاثٍ لا يَقعُد إلَّا في آخرهنّ، وروى النَّسائيُّ (١٧٠١) من حديث أُبيِّ بن كعب
نحوه ولفظه: يُوتِر بـ ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ ولا يُسلِّم إلَّا في آخرهنّ، وبيَّن في عِدَّة طرق أنَّ السور الثلاث بثلاث رَكَعات،
ويُجاب عنه باحتمال أنَّهما لم يَتْبُتا عنده.
والجمع بين هذا وبين ما تقدَّم من النَّهي عن التشبُّه بصلاة المغرب أن يُحمَل النَّهي على
صلاة الثلاث بتَشَهُّدَين، وقد فَعَلَه السلف أيضاً، فروى محمد بن نصر من طريق الحسن:
أنَّ عمر كان يَنهَض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المِسوَر بن مَخْرمةَ: أنَّ عمر
أوتَرَ بثلاثٍ لم يُسلِّم إلَّا في آخرهن، ومن طريق ابن طاووسٍ عن أبيه: أنَّه كان يُوتِر بثلاثٍ
لا يَقعُد بينهن، ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحمّاد بن زيد عن أيوب مثله، وروى
محمد بن نصر عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية: أنَّهم أوتروا بثلاثٍ كالمغرب، وكأنَّهم لم
يَبلُغهم النَّهي المذكور. وسيأتي في هذا الباب قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث، ولكنَّ
النِّزاع في تَعُّن ذلك، فإنَّ الأخبار الصحيحة تأباه.
قوله: ((تُوتِرُ له ما قد صَلَّى)) استُدلَّ به على أنَّ الرَّكعة الأخيرة هي الوتر وأنَّ كلّ ما
(١) الذي عند النسائي (١٧١٦) عن مِقسم عن الثقة عن عائشة وميمونة، ليس فيه ابن عباس.

٨٧
باب ١/ ح ٩٩٠-٩٩١
أبواب الوتر
تقدَّمها شَفْع، واذَّعَى بعض الحنفيَّة أنَّ هذا إنَّما يُشرَع لمن طَرَقَه الفجر قبل أن يُوتِرِ، فيكتفي
بواحدة لقوله: ((فإذا خَشِيَ الصبح)) فيحتاج إلى دليل تَعيُّن الثلاث، وسنذكر ما فيه من
رواية القاسم الآتية.
واستدلَّ به على تَعُّن الشَّفع قبل الوتر وهو عن المالكيَّة، بناءً على أنَّ قوله: ((ما قد
صلَّى)) أي: من النَّفْل. وَمَلَه مَن لا يشترط سَبْقَ الشَّفع على ما هو أعمُّ من النَّفل والفرض،
وقالوا: إنَّ سَبْق الشَّفع شرط في الكمال لا في الصِّحَّة، ويؤيِّده حديث أبي أيوب مرفوعاً:
((الوترُ حَقٌّ، فمَن شاءَ أوتَرَ بخمسٍ، ومَن شاءَ بثلاثٍ، ومَن شاءَ بواحدة)) أخرجه/ أبو ٤٨٢/٢
داود (١٤٢٢) والنَّسائيُّ (١٧١٠) وصحَّحه ابن حِبَّان (٢٤٠٧) والحاكم (٣٠٢/١)،
وصَحَّ عن جماعة من الصحابة أنَّهم أوتروا بواحدةٍ من غير تَقدُّم نَفْل قبلها، ففي كتاب
محمد بن نصر وغيره بإسنادٍ صحيح عن السائب بن يزيد: أنَّ عثمان قرأ القرآن ليلة في
ركعة لم يُصلِّ غيرها، وسيأتي في المغازي (٦٣٥٦) حديث عبد الله بن ثَعْلبة: أنَّ سعداً أوتَرَ
بركعة، وسيأتي في المناقب (٣٧٦٤) عن معاوية: أنَّه أوتَرَ بركعةٍ وأنَّ ابن عبّاس استَصوَبَه،
وفي كلّ ذلك ردٌّ على ابن التِّين في قوله: إنَّ الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية في ذلك، وكأنَّه
أراد فقهاءَهم.
قوله: ((وعن نافع)) هو معطوف على الإسناد الأوَّل، وهو في ((الموطَّأ)) (١/ ١٢٥) كذلك
إلَّا أنَّه ليس مقروناً في سياق واحد، بل بين المرفوع والموقوف عِدَّة أحاديث، ولهذا فَصَلَه
البخاري عنه.
قوله: ((أنَّ عبد الله بن عمر كان يُسلِّم بين الرَّكْعة والرَّكْعتَينِ في الوِتْر حتَّی یأمرَ ببعض
حاجته)) ظاهره أنَّه كان يُصلِّ الوتر موصولاً، فإن عَرَضَت له حاجة فَصَل، ثمَّ بنى على ما
مضى، وفي هذا دفعٌ لقول مَن قال: لا يَصِحُّ الوتر إلَّا مفصولاً. وأصرح من ذلك ما رواه
سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن بكر بن عبد الله المُزَنيّ، قال: صلَّى ابن عمر ركعتين
ثمَّ قال: يا غلامُ، ارحَلْ لنا، ثمَّ قامَ فأوتَرَ بركعة. وروى الطَّحَاويُّ (٢٧٨/١) من طريق

٨٨
باب ١ / ح ٩٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أنَّه كان يَفصِل بين شَفْعه ووِتره بتسليمة، وأخبر أنَّ
النبيَّ ◌ٍَّ كان يفعله، وإسناده قويّ، ولم يَعتَذِر الطَّحَاويُّ عنه إلَّا باحتمال أن يكون المراد
بقوله: بتسليمةٍ، أي: التَّسليمة التي في التشهُّد ولا يخفى بعدُ هذا التأويل، والله أعلم.
وأمَّا حديث ابن عبّاس فقد تقدَّم في عِدَّة مواضع(١) في العلم والطَّهارة والمساجد
والإمامة وأحَلتُ بشرحه على ما هنا. وقد رواه عن ابن عبّاس جماعة منهم كُريب وسعيد
ابن جُبَير وعليّ بن عبد الله بن عبَّاس وعطاء وطاووس والشَّعبيّ وطلحة بن نافع ويحيى
ابن الجَزَّار وأبو جَمْرة وغيرهم مُطوَّلاً ومختصراً، وسأذكرُ ما في طرقه من الفوائد ناسباً
كلَّ رواية إلى مُخرِّجها إن شاء الله تعالى.
٩٩٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن تَرَمةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ، أنَّ ابنَ
عبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّه باتَ عند ميمونةَ - وهي خالتُه - فاضطَجَعتُ فِي عَرْضٍ وِسَادةٍ واضطَجَعَ
رسول الله وَ﴿ وأهلُه في طُولِها، فنامَ حتَّى انتَصَفَ الليلُ أو قريباً منه فاستَقَظَ يَمْسَحُ النومَ عن
وجهِهِ، ثمَّ قرأ عشرَ آيَاتٍ من آلِ عِمْرانَ، ثمَّ قامَ رسول الله وَّةِ إلى شَنٍّ مُعلَّقَةٍ فَتَوضَّأَ فأحسَنَ
الوضوءَ، ثمَّ قامَ يُصلِّ فصَنَعتُ مثلَه، فَقُمْتُ إلى جَنْه فَوَضَعَ يدَه اليُّمْنى على رأسي، وأخَذَ
بأُذُني يَفتِلُها، ثمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَكْعتَينٍ، ثمَّ رَكْعَتَينٍ، ثمَّ رَكْعتَنِ، ثمَّ رَكْعتَينِ، ثمَّ رَكْعتَينِ،
ثُمَّ أوتَرَ، ثمَّ اضطَجَعَ حتَّى جاءَه المؤذِّنُ، فقامَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ خرجَ فصَلَّى الصبحَ.
قوله: ((أَنَّه باتَ عند ميمونة)) زاد شَرِيك بن أبي نَمِر عن كُريب عند مسلم (٧٦٣/
١٩٠): فَرَقَبتُ رسول الله وَّل كيف يُصلّي، زاد أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٢٢٧٩) من هذا
الوجه: ((بالليل))(٢)، ولمسلم (٧٦٣/ ١٩٢) من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: بَعَثَني
العبّاس إلى النبيّ وَّهِ، زاد النَّسائيُّ(٣) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كُريب: في إيل
(١) انظر الإحالات بإثر الحديث رقم (١١٧).
(٢) وهي عند مسلم أيضاً.
(٣) لم تقع هذه الزيادة عند النسائي كما ذكر الحافظ رحمه الله، وإنما هي بالطريق واللفظ المذكورين عند
البيهقي في «سننه الكبرى)» ٣٠/٧.

٨٩
باب ١/ ح ٩٩٢
أبواب الوتر
أعطاه إيّاها من الصَّدَقة، ولأبي عَوَانة (٢٢٥٣) من طريق عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن
أبيه: أنَّ العَبَّاسِ بَعَثَه إلى النبيّ وَّه في حاجةٍ، قال: فَوَجَدتُّه جالساً في المسجد فلم أستطع
أن أُكلِّمه، فلمَّ صلَّى المغرب قامَ فَرَكَعَ حتَّى أَذَّن المؤذِّن بصلاة العشاء، ولابن خُزَيمةَ
(١٠٩٣) من طريق طلحة بن نافع عنه: كان رسول الله وَ ﴿ وَعَدَ العبَّاس ذَوْداً من الإبل،
فَبَعَثَني إليه بعد العِشاء وكان في بيت ميمونة(١)، وهذا يخالف ما قبله، ويُجمَع بأنَّه لمَّا لم
يُكلِّمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة.
ولمحمد بن نصر في كتاب ((قيام الليل)) من طريق محمد بن الوليد بن نُوَيفع عن حُریب
من الزِّيادة: فقال لي: ((يا بُنيّ، بِتِ الليلةَ عندنا))، وفي رواية حبيب المذكورة: فقلت: لا أنام
حتَّى أنظرَ ما يصنع في صلاة الليل، وفي رواية مسلم (٧٦٣/ ١٨٥) من طريق الضَّحّاك بن
عثمان عن مَخْرمةً: فقلت لميمونةَ: إذا قامَ رسول الله وَ ◌ّه فأيقظيني، وكأنَّه عَزَمَ في نفسه على
السَّهَر ليَطَِّعِ على الكيفيَّة التي أرادها، ثمَّ خَشِيَ أن يَغْلِبَه النوم فوَصَّى ميمونة أن تُوقِظه.
قوله: ((في عَرْض وِسَادة)) في رواية محمد بن الوليد المذكورة: وِسَادة من أَدَمِ حَشْوها
ليفٌ، وفي رواية طلحة بن نافع المذكورة: ثمَّ دخل مع امرأته في فراشها، وزاد: أنَّها كانت
ليلتئذٍ حائضاً، وفي رواية شَرِيك بن أبي نَمِر عن كُريب في التفسير (٤٥٦٩): فتحدَّث
رسول الله ◌َ﴿ مع أهله ساعة، وقد سَبَقَت الإشارة إليه في كتاب العلم (١١٧). وتقدَّم
الكلام على الاضطجاع والعَرْض ومسح النوم والعشر الآيات في ((باب قراءة القرآن بعد
الحَدَث)) (١٨٣) وكذا على الشَّنّ.
قوله: ((حتَّى انْتَصَفَ الليلُ أو قريباً منه)) جَزَمَ/ شَرِيك بن أبي نَمِر في روايته المذكورة ٤٨٣/٢
((بُثُلُثِ الليل الأخير، ويُجمَع بينهما بأنَّ الاستيقاظ وقع مرَّتين: ففي الأولى نظرَ إلى السماء
ثمَّ تلا الآيات ثمّ عاد لمَضجَعِه فنام، وفي الثانية أعاد ذلك ثمَّ تَوضَّأ وصلَّى، وقد بيَّن ذلك
(١) وإسناده ضعيف، فيه أيوب بن سويد وعتبة بن أبي حكيم، وفيهما ضعفٌ. وعليه فلا حاجة إلى الجمع
الذي ذهب إليه الحافظ بينه وبين ما قبله.

٩٠
باب ١/ ح ٩٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
محمد بن الوليد في روايته المذكورة، وفي رواية الثَّوريّ عن سَلَمَةَ بن كُهَيلِ عن كُريب في
((الصحيحين))(١): فقامَ رسول الله وَّ من الليل فأتى حاجته ثمَّ غَسَلَ وجهه ويديه ثمَّ نام،
ثمَّ قامَ فأتى القِرْبة ... الحديث، وفي رواية سعيد بن مسروق عن سَلَمةَ عند مسلم
(٧٦٣ /١٨٨): ثمَّ قامَ قومة أُخرى، وعنده (١٨٧/٧٦٣) من رواية شعبة عن سَلَمةً:
((فبال)) بدل: فأتى حاجته.
قوله: ((ثمَّ قامَ إلى شَنٍّ)) زاد محمد بن الوليد: ثمَّ استفرَغَ من الشَّنّ في إناء ثمَّ تَوضَّأ.
قوله: ((فأحسَنَ الوُضوء)) في رواية محمد بن الوليد وطلحة بن نافع جميعاً: فأسبَغَ
الوضوء، وفي رواية عَمْرو بن دينار عن كُريب: فَتَوضَّأ وضوءاً خفيفاً، وقد تقدَّمت
(١٣٨) في ((باب تخفيف الوضوء))، ويُجمَع بين هاتينِ الروايتين برواية الثَّوريّ فإنَّ لفظه:
فَتَوضَّأ وضوءاً بين وضوءين لم يُكثِر وقد أبلَغ، ولمسلم (٧٦٣/ ١٨٣) من طريق عياض عن
مَخْرمةَ: فأسبَغَ الوضوء ولم يَمَسّ من الماء إلَّا قليلاً، وزاد فيها ((فَتَسَوَّك))، وكذا لشَرِيكِ
عن كُريب: ((فاستَنّ) كما تقدَّمت الإشارة إليه قُبَيل كتاب الغُسل(٢).
قوله: ((ثمَّ قامَ يُصلِّ)) في رواية محمد بن الوليد: ثمَّ أخذَ بُرداً له حَضرَ ميّاً فَتَوَشَّحَه، ثمَّ
دخل البيت فقامَ يُصلِّي.
قوله: ((فصَنَعتُ مِثْله)» يقتضي أنَّه صَنَعَ جميع ما ذُكِرَ من القول والنظر والوضوء
والسِّواك والتَّوَشُّح، ويحتمل أن يُحمَل على الأغلب، وزاد سَلَمةُ عن كُريب في الدَّعَوات
(٦٣١٦) في أوَّله: ((فقمتُ فتَمطَّيت كراهيةَ أن يرى أنّي كنت أرقُبه)) وكأنَّه خَشِيَ أن يَترُك
بعض عمله لمَا جَرَى من عادته ◌ِ ل﴿ أَنَّه كان يَتْرُكُ بعض العمل خَشْية أن يُفرَض على أُمَّته.
قوله: ((وقُمْتُ إلى جَنْبه)) تقدَّم الكلام عليه في أبواب الإمامة مُستَوفَّى (٦٩٧ و٦٩٨
و ٧٢٦).
(١) البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) (١٨١).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٢٤٤).

٩١
باب ١ / ح ٩٩٢
أبواب الوتر
قوله: ((وأخَذَ بأُذُني)) زاد محمد بن الوليد في روايته: فعَرَفتُ أنَّه إِنَّمَا صَنَعَ ذلك لِيُؤْنِسَني
بيدِه في ظُلمة الليل، وفي رواية الضَّحّاك بن عثمان: فجعلت إذا أغفَيت أخذَ بشَحمة
أُذُنِي(١)، وفي هذا رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ أخذ الأُذُن إنَّما كان في حالة إدارته له من اليَسَار إلى
اليمين مُتمسِّكاً برواية سَلَمةَ بن كُهَيلِ الآتية في التفسير(٢) حيثُ قال: «فأخذَ بأُذُني فأدارني
عن يمينه))، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصِّفة أن لا يعود إلى مَسْك أُذُنه لمَا ذکره من
تأنيسه وإيقاظه، لأنَّ حاله كانت تقتضي ذلك لصِغَرِ سِنّه.
قوله: ((فصَلَّى رَكْعَتَينِ ثمَّ رَكْعتَينٍ)) كذا في هذه الرواية، وظاهره أنَّه فَصَلَ بين كلّ
ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع حيثُ قال فيها: يُسلِّم من كلِّ
ركعتين(٣)، ولمسلم (٧٦٣/ ١٩١) من رواية عليّ بن عبد الله بن عبّاس التصريح بالفصْل
أيضاً، وأنَّه استاك بين كلّ ركعتين، إلى غير ذلك.
ثمّ إنَّ رواية الباب فيها التصريح بذِكْر الرَّكعتين ستَّ مَرَّات ثمَّ قال: ((ثمَّ أوتَر))،
ومُقتَضاه أنَّه صلَّى ثلاث عشرة ركعة، وصَرَّحَ بذلك في رواية سَلَمَةَ الآتية في الدَّعَوات
حيثُ قال: ((فَتَتَامَّت))، ولمسلم (٧٦٣/ ١٨٧): فتكامَلَت صلاته ثلاث عشرة ركعة، وفي
رواية عبد ربِّه بن سعيد الماضية في الإمامة (٦٩٨) عن كُریب: فصلَّى ثلاث عشرة ركعة،
وفي رواية محمد بن الوليد المذكورة مثله وزاد: وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة
الصبح، وهي موافقة لرواية الباب، لأنَّه قال بعد قوله: ((ثُمَّ أوتَرَ)): فقامَ فصلَّى ركعتين،
فاتَّفَقَ هؤلاء على الثلاث عشرة، وصَرَّحَ بعضهم بأنَّ ركعتي الفجر من غيرها، لكن رواية
شَرِيك بن أبي نَمِر الآتية في التفسير (٤٥٦٩) عن كريب تخالف ذلك ولفظه: فصلَّ إحدی
عشرة ركعة ثمَّ أذَّنَ بلال فصلّى ركعتين ثمّ خرج، فهذا ما في رواية گُريب من الاختلاف،
وقد عُرِفَ أنَّ الأكثر خالَفُوا شريكاً فيها، وروايتهم مُقدَّمة على روايته لمَا معهم من
(١) عند مسلم (٧٦٣) (١٨٥).
(٢) بل في الدعوات (٦٣١٦).
(٣) عند ابن خزيمة (١٠٩٣).

٩٢
باب ١ / ح ٩٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
الزِّيادة، ولكَوْنهم أحفظ منه، وقد حَمَلَ بعضهم هذه الزِّيادة على سُنَّة العِشاء، ولا يخفى
بُعْده ولا سيّما في رواية مَخْرمةَ في حديث الباب، إلَّا إن مُلَ على أنَّه أَخَّرَ سُنَّةُ العِشاء حتَّى
٤٨٤/٢ استَيقَظ، لكن يُعكِّر / عليه روايةُ المنهال الآتية قريباً.
وقد اختُلِفَ على سعيد جُبَير أيضاً: ففي التفسير(١) من طريق شُعبة عن الحَكَم عنه:
فصلَّى أربع رَكَعات ثمَّ نامَ ثمَّ صلَّى خمس رَكَعات، وقد حَمَلَ محمد بن نصر هذه الأربع على
أَّهَا سُنَّة العِشاء لكَوْنها وَقَعَت قُبيلَ النوم، لكن يُعگِّر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن
عَمْرو عن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس فإنَّ فيه: ((فصلَّ العِشاء ثمَّ صلَّى أربع رَكَعات بعدها
حتَّى لم يَبَقَ في المسجد غيره ثمَّ انصَرَف)) فإنَّه يقتضي أن يكون صلَّى الأربع في المسجد لا في
البيت، ورواية سعيد بن جُبَير أيضاً تقتضي الاقتصارَ على خمس رَكَعات بعد النوم، وفيه
نظرٌ، وقد رواها أبو داود (١٣٥٦) من وجه آخر عن الحَكَم وفيه: فصلّى سبعاً أو خمساً
أوتَرَ بهنَّ لم يُسلِّم إلَّا في آخرهنَّ.
وقد ظَهَرَ لي من رواية أُخرى عن سعيد بن جُبَير ما يَرفَع هذا الإشكال، ويُوضِح أنَّ
رواية الحَكَم وقع فيها تقصير، فعند النَّسائيِّ(٢) من طريق يحيى بن عبَّاد عن سعيد بن جُبَير:
فصلَّ ركعتين ركعتين حتَّى صلَّى ثمانيَ رَكَعات ثمَّ أوتَرَ بخمسٍ لم يجلس بينهنّ، فبهذا
يُجمَع بين رواية سعيد ورواية كُريب، وأمَّا ما وقع في رواية عِكْرمة بن خالد عن سعيد بن
جُبَير عند أبي داود: فصلّى ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر (٣)، فهو نَظِير ما تقدَّم من
الاختلاف في رواية كُرَيب، وأمَّا ما في روايتهما من الفصل والوصل فرواية سعيد صريحة
في الوصل، وروایة کُریب محتملة فتُحمَل علی روایة سعید.
وأمَّا قوله في رواية طلحة بن نافع(٤): ((يُسلِّم من كلّ ركعتين)) فيحتمل تخصيصه بالثَّمان
(١) بل سلف في الأذان (٦٩٧).
(٢) في ((الكبرى)) (١٣٤٤)، وهي عند أبي داود أيضاً برقم (١٣٥٨).
(٣) هو عند أبي داود (١٣٦٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس، دون واسطة.
(٤) عند ابن خزيمة (١٠٩٣).

٩٣
باب ١ / ح ٩٩٢
أبواب الوتر
فيوافق رواية سعيد، ويؤيِّده رواية يحيى بن الجَزَّار الآتية(١)، ولم أرَ في شيء من طرق
حديث ابن عبّاس ما يخالف ذلك، لأنَّ أكثر الزُّواة عنه لم يَذكُروا عدداً، ومَن ذكر العدد
منهم لم يَزِدْ على ثلاث عشرة ولم يَنقُص عن إحدى عشرة، إلَّا أنَّ في رواية عليّ بن عبد الله
ابن عبّاس عند مسلم (٧٦٣/ ١٩١) ما يخالفهم فإنَّ فيه: فصلَّى ركعتين أطالَ فيهما ثمَّ
انصَرَفَ فنامَ حتَّى نَفَخ، ففعلَ ذلك ثلاث مرَّات بستِّ رَكَعات، كلَّ ذلك يَستاك ويتوضَّأ
ويقرأ هؤلاء الآيات - يعني: آخر آل عمران - ثمَّ أوتَرَ بثلاثٍ، فأذَّنَ المؤذِّن فخرج إلى
الصلاة. انتهى، فزاد على الرّواة تكرار الوضوء وما معه، ونَقَصَ عنهم ركعتين أو أربعاً،
ولم يَذكُر ركعتَي الفجر أيضاً، وأظنّ ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت فإنَّ فيه
مقالاً، وقد اختُلِفَ عليه في إسناده ومتنه اختلافاً تقدَّم ذِكْر بعضه، ويحتمل أن يكون لم
يَذكُر الأربع الأُوَل كما لم يَذكُرِ الْحَكَم الثَّان كما تقدَّم، وأمَّا سُنَّة الفجر فقد ثَبَتَ ذِكْرها في
طريق أُخرى عن عليّ بن عبد الله عند أبي داود (١٣٥٣).
والحاصل أنَّ قصَّة مَبِيت ابن عبّاس يَغلب على الظنّ عَدَمُ تعدُّدها، فلهذا ينبغي
الاعتناء بالجمع بين مُخُتْلَف الروايات فيها، ولا شَكَّ أنَّ الأخذ بما اتَّفَقَ عليه الأكثرُ
والأحفظ أَولى ممّا خالَفَهم فيه مَن هو دونهم، ولا سيَّما إن زاد أو نَقَص، والمحقَّق من عدد
صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأمَّا رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن يكون منها سُنَّة
العِشاء، ووافَقَ ذلك رواية أبي جَمْرة عن ابن عبّاس الآتية في صلاة الليل (١١٣٨) بلفظ:
((كانت صلاة النبيّ وَّ ه ثلاث عشرة)) يعني: بالليل، ولم يُبيِّن هل سُنَّة الفجر منها أو لا،
وبيَّنها يحيى بن الجَزَّار عن ابن عبّاس عند النَّسائيِّ (١٧٠٧) بلفظ: ((كان يُصلِّي ثمان
رَكَّعات ويُوتِر بثلاثٍ، ويُصلِّ ركعتين قبل صلاة الصبح)) ولا يُعكّر على هذا الجمع إلَّا
ظاهر سياق الباب فيُمكِن أن يُحمَل قوله: ((صلَّى ركعتين ثمَّ ركعتين)) أي: قبل أن ينام،
ويكون منها سُنَّةَ العِشاء.
(١) وهي عند النسائي برقم (١٧٠٧).

٩٤
باب ١ / ح ٩٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (ثمَّ ركعتَينِ ... )) إلى آخره، أي: بعد أن قامَ. وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث
عائشة في أبواب صلاة الليل (١١٤٠) إن شاء الله تعالى.
وجمع الکِرْمانُّ بین ما اختلف من روايات قصَّة ابن عبّاس هذه باحتمال أن يكون
بعض رواته ذكر القَدْر الذي اقتَدَى ابن عبَّاس به فيه، وفَصَلَه عَّا لم يَقْتَدِ به فيه، وبعضهم
ذكر الجميع مُجمَلاً، والله أعلم.
قوله: ((ثمَّ اضطَجَعَ حتَّى جاءه المؤذِّن فقامَ فصَلَّى رَكْعتَين)) تقدَّمت تسمية المؤذِّن قريباً،
وسيأتي بيان الاختلاف في الاضطجاع هل كان قبل ركعتَي الفجر أو بعدها في أوائل
أبواب التطوُّع (١١٦٠- ١١٦١).
قوله: ((ثمَّ خرج)) أي: إلى المسجد.
٤٨٤/٢
((فصَلَّى الصبح)) أي: بالجماعة، وزاد سَلَمَةُ بن كُهَيلٍ عن كُرَيب هنا كما سيأتي في
الدَّعَوات (١٠٩٣): وكان من دعائه: ((اللهمَّ اجعَلْ في قلبي نوراً)) الحديث. وسيأتي الكلام
عليه في أوَّل أبواب صلاة الليل (١١٢٥) إن شاء الله تعالى.
وفي حديث ابن عبّاس من الفوائد غير ما تقدَّم: جوازُ إعطاء بني هاشم من الصَّدَقة،
وهو محمول على التطوُّع، ويحتمل أن يكون إعطاؤُه العبّاس ليَتَولَّ صَرْفَه في مصالح غيره
ثَمَّنْ يَحِلُّ له أخذ ذلك. وفيه جواز تَقاضِي الوَعْد وإن كان مَن وَعَدَ به مقطوعاً بوفائه.
وفيه الملاطَفة بالصغير والقريب والضَّيف، وحسنُ المعاشَرة للأهل، والردُّ على مَن
يُؤثر دوام الانقباض.
وفيه مَبِيت الصغير عند مَحَرَمه وإن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة
الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحَضْرة الصغير وإن كان مُميِّزاً بل مراهقاً.
وفيه صِحَّة صلاة الصبيّ وجواز فَتْل أُذُنه لتأنيسِه وإيقاظه، وقد قيل: إنَّ المتعلِّم إذا
تُعُوهِدَ بفَتْل أُذُنه كان أذكى لفَهمِه. وفيه حملُ أفعاله ◌َّه على الاقتداء به، ومشروعيَّة

٩٥
باب ١/ ح ٩٩٢
أبواب الوتر
التنقّل بين المغرب والعشاء، وفضل صلاة الليل ولا سيّما في النِّصف الثاني، والبِداءة
بالسِّواك واستحبابه عند كلّ وضوء وعند كلِّ صلاة، وتلاوة آخر آل عمران عند القيام
إلى صلاة الليل، واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو مُحدِث، ولعلَّه المراد
بالوضوءِ للجُنُب(١).
وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل، لأنَّ الإناء المذكور كان قَصْعة أو صَحْفة،
واستحباب التَّقليل من الماء في التَّطهير مع حصول الإسباغ، وجواز التصغير والذِّكر
بالصِّفة كما تقدَّم في باب السَّمَر في العلم (١١٧) حيثُ قال: ((نامَ الغُلِيِّم))، وبيان فضل ابن
عبَّاس، وقوَّة فَهْمه وحِرْصه على تعلُّم أمر الدِّين، وحُسْن تأتِّيه في ذلك.
وفيه اتّخاذ مُؤذِّنٍ راتب للمسجد، وإعلام المؤذِّنِ الإمامَ بحضور وقت الصلاة،
واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة وتكرار ذلك كما سيأتي البحث فيه في أواخر
کتاب الصلاة (١٢١٨).
وفيه مشروعيَّة الجماعة في النافلة، والائتِمامُ بمَن لم يَنوِ الإمامة، وبيان موقف الإمام
والمأموم، وقد تقدَّم كلّ ذلك في أبواب الإمامة والله المستعان.
واستدلَّ به على أنَّ الأحاديث الواردة في كراهية القرآن على غير وضوء ليست على
العموم في جميع الأحوال، وأُجيبَ بأنَّ نومه كان لا يَنقُض وضوءَه، فلا يَتِمُّ الاستدلال به
إلَّا أن يَثْبُت أنَّه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء، والله أعلم. انتهى الكلام على
حدیث ابن عبّاس.
٩٩٣- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو، أنَّ عبد الرحمن
ابنَ القاسم/ حدَّثه عن أبيه، عن عبدِ الله بن عمرَ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((صلاةُ الليل مَثْنِى مَثْنى، ٤٧٨/٢
فإذا أردْتَ أن تَنصَرِفَ فاركَعْ رَكْعةً تُوتِرُ لكَ ما صَلَّيْتَ)).
(١) هذا الترجِّي ليس بجيِّد، لصحة الأحاديث وصراحتها في أن الوضوء الذي أُمر به الجنب قبل أن ينام هو
وضوء الصلاة فتنبّه، والله أعلم. (س).

٩٦
باب ١ / ح ٩٩٣ -٩٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال القاسمُ: ورأينا أناساً منذُ أدرَكْنا يُوتِرُونَ بثلاثٍ، وإنَّ كلَّا لَواسعٌ وأرجُو أن لا يكون
بشيءٍ منه بأسُ.
وأمَّا طريق ابن عمر الثانية، فالقاسم المذكور في إسناده: هو ابن محمد بن أبي بكر
الصِّدّیق.
وقوله فيه: ((فإذا أردت أن تَنصَرِف فاركَع ركعة)) فيه دفعٌ لقول مَن اذَّعَى أنَّ الوتر
بواحدةٍ مُختصِّ بمَن خَشِيَ طلوعَ الفجر لأنَّه عَلَّقَه بإرادة الانصراف، وهو أعمُّ من أن
يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك.
وقوله فيه: ((قال القاسم)) هو بالإسناد المذكور، كذلك أخرجه أبو نُعَيم في
((مُستخرَجِه))، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق.
وقوله فيه: ((منذُ أدرَكْنا)) أي: بَلَغْنا الحُلُم أو عَقَلْنا.
وقوله: ((يُوتِرون بثلاثٍ وإنَّ كلَّا لَواسعٌ)) يقتضي أنَّ القاسم فهمَ من قوله: ((فاركَعْ
ركعة)) أي: مُنفرِدة مُنفَصِلَة، ودَلَّ ذلك على أنَّه لا فرق عنده بين الوصل والفصل في الوتر،
والله أعلم.
٩٩٤- حدّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةً
أخبرتْه: أنَّ رسول الله ێ کان یُصلِّی إحدى عشرة ركعةً، كانت تلك صلاته - تعني: بالليل.
فيَسجُدُ السجدةَ من ذلك قَدْرَ ما يَقْرأُ أحدُكم خمسينَ آيَةً، قبلَ أن يَرفَعَ رأسَه ویرکمُ رَكْعتَیْنِ
قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثمَّ يَضطَجِعُ على شِقُّه الأيمَنِ حتَّى يأتيَه المؤذِّنُ للصلاةِ.
وأمَّا حديث عائشة فقد أعاده المصنّف إسناداً ومتناً في كتاب صلاة الليل (١١٢٣)،
ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
وكأنّه أراد بإيراده هنا أن لا مُعارضة بینه وبین حدیث ابن عبّاس، إذ ظاهر حدیث ابن
عبّاس فصلْ الوتر، وهذا مُحُتمِل للأمرَين، وقد بيَّن القاسم أنَّ كلَّا من الأمرَينِ واسع،
٤٨٦/٢ فشَمِلَ / الفصل والوصل، والاقتصار على واحدة وأكثر.

٩٧
باب ٢ / ح ٩٩٥ -٩٩٦
أبواب الوتر
قال الكِرْمانيُّ: قوله: ((وإنَّ كلَّا)) أي: وإنَّ كلّ واحدة من الرَّكعة والثلاث والخمس
والسَّبع وغيرها جائز، وأمَّا تعيين الثلاث موصولة ومفصولة فلم يَشمَلْه كلامه، لأنَّ
المخالف من الحنفيَّة يَحمِلُ كلَّ ما وَرَدَ من الثلاث على الوصل، مع أنَّ كثيراً من الأحاديث
ظاهر في الفَصْل كحديث عائشة: (يُسلِّم من كلِّ ركعتين))(١) فإنَّه يدخل فيه الرَّكعَتان اللَّتان
قبل الأخيرة، فهو كالنصِّ في موضع النِّزاع، وحَمَلَ الطَّحَاويُّ هذا ومِثلَه على أنَّ الرَّكعة
مضمومة إلى الرَّكعتين قبلها، ولم يَتمسَّك في دعوى ذلك إلَّا بالنَّهي عن البُتَيراء(٢) مع
احتمال أن يكون المراد بالبُتَيراء أن يُوتِر بواحدةٍ فَرْدةٍ ليس قبلها شيء، وهو أعمُّ من أن
يكون الوصل أو الفصل، وصَرَّحَ كثير منهم أنَّ الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة
الوتر، ومَن خالَفَهم يقول: إنَّهما منه بالنيّة، وبالله التَّوفيق، والله أعلم.
٢ - باب ساعات الوتر
وقال أبو هريرةَ: أَوصافي النبيُّ ◌َّهِ بِالوِتْرِ قبلَ النومِ.
٩٩٥- حدّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ سِيرِين، قال:
قلتُ لابنِ عمرَ: أرأيتَ الرَّكْعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ، أُطِيلُ فيهما القراءةَ؟ فقال: كان النبيُّ ◌ِكَلـ
يُصلِّ مِن الليل مَثْنِى مَثْنى، ويُوتِرُ بَرَكْعةٍ، ويُصلِّ الرَّكْعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ، وكأنَّ الأذانَ
بأُذُنیه.
قال جَمَّاهُ: أي: بسرعةٍ.
٩٩٦ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثْنا الأعمشُ، قال: حذَّثني مسلمٌ،
عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كلَّ الليل أوتَرَ رسولُ الله ◌َّةِ، وانتَهى وِتْرُه إلى السَّحَرِ.
(١) أخرجه مسلم (٧٣٦) (١٢٢)، وزاد فيه: ((ويوتر بواحدة))، وهذا أصرح في الاستدلال للمسألة.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١١٧٦)، وابن خزيمة (١٠٧٤)، والطحاوي ٢٧٩/١ من طريق المطَّلِب بن عبد الله
المخزومي: أن رجلاً سأل ابن عمر، فقال: كيف أُوتر؟ قال: أَوتِر بواحدة، قال: إني أخشى أن يقول
الناس: البتيراء. فقال: سنّةُ الله ورسوله؛ يريد: هذه سنة الله ورسوله وَله. وإسناده ضعيف لانقطاعه،
المطّلب لم يسمع من ابن عمر.

٩٨
باب ٢ / ح ٩٩٥ - ٩٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ساعات الوِتْر)) أي: أوقاته. ومُحُصَّل ما ذكره أنَّ الليل كلَّه وقت للوتر،
لكن أجمعوا على أنَّ ابتداءَه مَغِيب الشَّفَق بعد صلاة العشاء، كذا نقله ابن المنذر. لكن أطلقَ
بعضهم أنَّه يدخل بدخول العِشاء، قالوا: ويَظهَر أثرُ الخلاف فيمن صلَّ العِشاء وبانَ أنَّه
كان بغير طهارة ثمَّ صلَّى الوتر مُتطهِّراً، أو ظَنَّ أَنَّه صلَّى العِشاء فصلَّى الوتر، فإنَّه يُجْزِئ على
هذا القول دون الأوَّل، ولا مُعارَضة بين وصيّة أبي هريرة بالوتر قبل النوم وبين قول
عائشة: ((وانتهى وِتِرُه إلى السَّحَر)) لأنَّ الأوَّل لإرادة الاحتياط، والآخر لمن عَلِمَ من نفسه
قوَّة، كما وَرَدَ في حديث جابر عند مسلم (٧٥٥) ولفظه: ((مَن طَمِعَ منكم أن يقوم آخرَ
الليل فليُوتِر من آخره، فإنَّ صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل، ومَن خافَ منكم أن
لا يقومَ من آخر الليل فليُوتِرِ من أوَّله)».
قوله: ((وقال أبو هريرة)) هو طرف من حديث أورَدَه المصنِّف (١١٧٨) من طريق أبي
عثمان عن أبي هريرة بلفظ: ((وأن أُوتِر قبل أن أنام))، وأخرجه إسحاق بن راهويه في
((مسنده)) (١١) من هذا الوجه بلفظ التَّعليق، وكذا أخرجه أحمد (٧١٣٨) من طريق أُخرى
عن أبي هريرة.
قوله: ((أرأيتَ)) أي: أخبرني.
قوله: ((نُطِيل)) كذا للأكثر بنونِ الجمع، وللكُشمِیھنيِّ: أُطيل، بالإفراد، وجَوَّزَ الکِرْمانيُّ
في ((أُطيل)) أن يكون بلفظ مجهول الماضي ومعروف المضارع، وفي الأوَّل بُعْد.
قوله: ((كان النبيّ وَّهِ يُصلِّ من الليل مَثْنِى مَثْنِى)) استُدلَّ به على فضل الفصل لكَوْنه أمر
بذلك وفعله، وأمَّا الوصل فوَرَدَ من فعله فقط.
قوله: ((ويُوتِر بَرَكْعةٍ)) لم يُعيِّن وقتها، وبَيَّنَت عائشةُ أنَّه فعل ذلك في جميع أجزاء الليل،
والسبب في ذلك ما سُذكرُ في الباب الذي بعده.
قوله: ((وكأنَّ) بتشديد النّون.
٤٨٧/٢
قوله: ((بأُذُنَيه)) أي: لقُرب صلاته من الأذان، والمراد به هنا: الإقامة، فالمعنى: أنَّه كان

٩٩
باب ٢ / ح ٩٩٥ - ٩٩٦
أبواب الوتر
يُسرِع بركعتَي الفجر إسراعَ مَن يسمع إقامة الصلاة خَشْية فوات أوَّل الوقت، ومُقتَضى
ذلك تخفيفُ القراءة فيهما، فيَحصُل به الجواب عن سؤال أنس بن سِيرِين عن قَدْر القراءة
فيهما. ووقع في رواية مسلم (٧٤٩/ ١٥٧): أنَّ أنساً قال لابن عمر: إنّ لستُ عن هذا
أسألك، قال: إنَّك لَضَخمٌ، ألا تَدَعُني أستَقْرِئ لك ... الحديث، ويُستَفاد من هذا جواب
السائل بأكثر ممَّا سأل عنه إذا كان ممَّا يحتاج إليه، ومن قوله: ((إنَّك لَضَخم)) أنَّ السَّمين في
الغالب يكون قليل الفَهْم.
قوله: «قال حمّاد» أي: ابن زيد الراوي، وهو بالإسناد المذكور.
قوله: ((بسُرْعةٍ)) كذا لأبي ذرِّ وأبي الوَقْت وابن شَبّويه، ولغيرهم: ((سُرعة)) بغير مُوخَّدة،
وهو تفسير من الراوي لقوله: ((كأنَّ الأذان بأُذُنيه)) وهو موافق لمَا تقدَّم.
قوله: ((حدَّثْنا أَبي): هو حفص بن غياث، ومسلم: هو أبو الضُّحَى لا ابن كَيْسان.
قوله: ((كلَّ الليل)) بنصب ((كُلّ)) على الظَّرفيَّة، وبالرَّفع على أنَّه مُبتَدَأ والجملة خبره،
والتقدير: أوتَرَ فيه. ولمسلم (٧٤٥/ ١٣٧) من طريق يحيى بن وَثّاب عن مسروق: من كلّ
الليل قد أوتَرَ رسول الله وَله: من أوَّل الليل وأوسَطِه وآخره فانتهى وِتْرُه إلى السَّحَر؛
والمراد بأوَّلِهِ: بعدَ صلاة العشاء كما تقدَّم.
قوله: ((إلى السَّحَر)) زاد أبو داود (١٤٣٥) والتِّرمِذيّ (٤٥٦): ((حين مات))، ويحتمل أن
يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيثُ أوتَرَ في أوَّله لعلَّه كان وَجِعاً،
وحيثُ أوتَرَ وَسَطَه لعلَّه كان مسافراً، وأمَّا وِتره في آخره فكأنَّه كان غالب أحواله، لمَا
عُرِفَ من مُواظَبَته على الصلاة في أكثر الليل، والله أعلم.
والسَّحَر: قُبيل الصبح، وحكى الماوَرْديّ أنَّه السُّدس الأخير، وقيل: أوَّله الفجر
الأوَّل، وفي رواية طلحة بن نافع عن ابن عبّاس عند ابن خُزَيمةَ (١٠٩٣): ((فلمَّا انفَجَرَ
الفجرُ قامَ فأوتَرَ بركعة)) قال ابن خُزيمةَ: المراد به الفجر الأوَّل، وروى أحمد (٢٢٠٩٥) من
حديث معاذ مرفوعاً: ((زادني رَبّ صلاةً وهي الوتر، وقتُها من العِشاء إلى طلوع الفجر))

١٠٠
باب ٣ / ح ٩٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفي إسناده ضَعْف، وكذا في حديث خارجة بن حُذَافة في ((السُّنَن))(١)، وهو الذي احتجَّ به
مَن قال بوجوب الوتر، وليس صريحاً في الوجوب، والله أعلم.
وأمَّا حديث بُرَيدةَ رفعه: ((الوتر حَقٌّ، فمَن لم يُوتِرِ فليس مِنَّا)) وأعاد ذلك ثلاثاً، ففي
سنده أبو المُنِيب وفيه ضَعْف(٢)، وعلى تقدير قَبُوله فيحتاج مَن احتجَّ به إلى أن يُثِتَ
أنَّ لفظ ((حَقّ)) بمعنى: واجب في عُرف الشَّارع، وأنَّ لفظ ((واجب)) بمعنى ما ثَبَتَ من
طریق الآحاد.
٣- باب إيقاظ النبيِّ وَّ أهلَه بالوتر
٩٩٧ - حدَّثنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثني أبي، عن عائشة،
قالت: كان النبيُّ ◌َ﴿ يُصلِّ وأنا راقِدةٌ مُعْتَرِضةٌ على فِراشِهِ، فإذا أراد أن يُوتِرَ أيقَظَني فأوتَرتُ.
قوله: (باب إيقاظ النبيّ ◌َ﴿ أهلَه بالوِتْر)) في رواية الكُشمِيھَنيٍّ: للوِتْر.
قوله: ((حدَّثْنا يحيى)) هو القَطّانُ، وهشام: هو ابن عُرْوة.
قوله: ((وأنا راقِدة مُعْتَرِضة)) تقدَّم الكلام عليه في سُترة المصلِّ(٣).
قوله: ((أيقَظَني فأوتَرتُ)) أي: فقمت فتَوضَّات فأوترت، واستدلَّ به على استحباب جعل
الوتر آخر الليل سواءٌ المتهجِّد وغيره، ومَحَلّه إذا وَثِقَ أن يستيقظَ بنفسه أو بإيقاظِ غيره.
واستدلَّ به على وجوب الوتر لكَوْنه ◌َ لَّ سَلَكَ به مَسلَك الواجب حيثُ لم يَدَعْها نائمة
للوتر وأبقاها للتهجُّد. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم يدلّ على تأكُّد أمر
الوتر، وأنَّه فوق غيره من النَّوافل الليليَّة. وفيه استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة، ولا
(١) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، وابن ماجه (١١٦٨)، والترمذي (٤٥٢)، وهو في ((مسند أحمد)»
(٨/٢٤٠٠٩). ويشهد له ولحديث معاذ السابق حديث أبي بَصْرة الغفاري عند أحمد (٢٣٨٥١)، وسنده
صحیح.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠١٩)، وأبو داود (١٤١٩)، وقوله: ((الوتر حق)) يشهد له حديث أبي أيوب عند أحمد
(٢٣٥٤٥) وغيره، وسنده صحيح.
(٣) تكلم عليه عند الأحاديث (٥٠٨) و(٥١٢) و(٥١٣) و(٥١٤) و(٥١٥) و(٥١٩).