النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ باب ١١ / ح ٩٦٩ كتاب العيدين ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، أو ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وأُجيبَ بأنَّه لم يَقصِد التِّلاوة، وإنَّما حكى كلامَ ابن عبّاس، وابن عبّاسٍ أراد تفسير المعدودات والمعلومات، وقد وصَلَه عبدُ بن حُميدٍ من طريق عَمرِو ابن دينارٍ عنه وفيه: الأيامُ المعدوداتُ أيامُ التَّشريق، والأيامُ المعلوماتُ أيامُ العشر(١)، وروى ابن مَرْدويه من طريق أبي بِشْر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاسٍ قال: الأيامُ المعلوماتُ التي قبل يوم التَّروية ويومُ التَّروية ويومُ عرفة، والمعدوداتُ أيامُ التَّشريق، إسناده صحيح، وظاهرُه إدخالُ يوم العيد في أيام التّشريق، وقد روى ابن أبي شَيْبة من وجهٍ آخرَ عن ابن عبّاسٍ: أنَّ المعلومات يومُ النَّحْرِ وثلاثةُ أيامٍ بعده، ورَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ هذا لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾، فإنَّه مُشعِرٌ بأنَّ المراد أيامُ النَّحر. انتهى، وهذا لا يَمنَعُ تسميةَ أيام العشرِ معلومات، ولا أيام التَّشريق معدودات، بل تسميةُ أيام التَّشريق معدوداتٍ مُتَّفَقٌ عليه لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهُ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ الآيَةَ. وقد قيل: إنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَت معدوداتٍ، لأنَّها إذا زِيدَ عليها شيءٌ عُدَّ ذلك حصراً، أي: في حُكم حَصْرِ العَدَد، والله أعلم. قوله: ((وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرة يَخِرُجانٍ إلى السُّوق في أيام العَشْرِ ... )) إلى آخره، لم أرَه موصولاً عنهما، وقد ذكره البيهقيُّ أيضاً مُعلَّقاً عنهما وكذا البَغَويُّ، وقال الطَّحَاويُّ: كان مشائُنا يقولون بذلك، أي: بالتكبير في أيام العشر. وقد اعتُرِضَ على البخاريِّ في ذِكْر هذا الأثرِ في ترجمة العمل في أيام التَّشريق، وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّ عادتَه أن يُضيفَ إلى الترجمة ما له بها أدنى مُلابسةٍ استطراداً. انتهى، والذي يَظهَرُ أنَّه أراد تساوي أيام التَّشريق بأيام العشرِ لجامع ما بينهما ممّ يقعُ فيهما من أعمال الحج، ويدلُّ على ذلك أنَّ أثرَ أبي هريرة وابن عمر صريحٌ في أيام العشر، والأثرَ الذي بعده في أيام (١) وهو عند البيهقي في ((السنن)) ٢٢٨/٥ من طریق سعید بن جبير عنه. ٤٢ باب ١١ / ح ٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري التّشریق. وسیأتي مزیدُ بیانٍ لذلك بعد قليل. قوله: ((وكَبَّ محمَّدُ بنُ عليٍّ خلفَ النّافلة)» هو أبو جعفر الباقرُ، وقد وَصَلَه الدَّارَقُطنيُّ في ((المؤتلِف)) (١٠١٦/٢) من طريق مَعْن بن عيسى القَزّاز، قال: حدَّثنا أبو وَهْنَةَ رُزَيقٌ المدنيُّ قال: رأيت أبا جعفرٍ محمدَ بن عليٍّ يُكبِّ بمِنّى في أيام التَّشريق خلفَ النَّوافل، وأبو وَهْنَةَ بفتح الواو وسكون الهاء بعدها نون، ورُزَيقٌ بتقديم الرَّاء مُصغَّراً، وفي سياق هذا الأثرِ تعقُّبٌ على الكِرْمانيِّ حيثُ جعله يتعلَّقُ بتكبير أيام العشرِ كالذي قبلَه. قال ابن التِّين: لم يُتابع محمداً على هذا أحد. كذا قال، والخلافُ ثابتٌ عند المالكيَّة والشافعيَّة: هل يَخْتَصُّ التكبيرُ الذي بعد الصلاة في العيد بالفرائض أو يَعُمُّ، واختلف الترجيحُ عند الشافعيَّة، والراجحُ عند المالكيَّة الاختصاص. قوله: ((عن سليمانَ)) هو الأعمَشُ، ومسلمٌ: هو البَطِينُ - بفتح الموحَّدة - لُقِّبَ بذلك لِعِظَم بطنِهِ، وقد رواه أبو داود الطَّيالسيُّ في («مسنده)) (٢٧٥٣) عن شُعبةَ فصَرَّحَ بسماع الأعمَشِ له منه ولفظُه: ((عن الأعمش، قال: سمعت مسلماً))، وهكذا رواه الثَّريُّ وأبو معاويةَ وغيرهما من الحُفَّاظ عن الأعمشِ(١)، وأخرجه أبو داود (٢٤٣٨) من رواية وكيعِ عن الأعمشِ فقال: ((عن مسلم ومجاهدٍ وأبي صالح عن ابن عبّاس))، فأمَّا طريقُ مجاهدٍ فقد رواه أبو عَوَانةَ (٣٠٢٤) من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهدٍ، فقال: ((عن ابن عمر)) بدلَ ابن عبّاس(٢)، وأمَّا طريقُ أبي صالح فقد رواه أبو عَوَانةَ أيضاً (٣٠٢٢) من طريق (١) أما رواية الثوري فأخرجها عبد الرزاق (٨١٢١)، وأبو عوانة (٣٠١٩)، والطبراني (١٢٣٢٦) و(١٢٣٢٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٧٤٩)، وأما رواية أبي معاوية فأخرجها أحمد (١٩٦٨)، وابن ماجه (١٧٢٧)، والترمذي (٧٥٧)، وابن حبان (٣٢٤)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٨٤/٤، والبغوي في ((شرح السنة)) (١١٢٥)، ولم يصرِّح الأعمش بسماعه من مسلم البطين في شيء منها! (٢) فات الحافظَ رحمه الله أنه عند الطبراني في ((الكبير)) (١١١١٦) من رواية خالد الطحان عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس، لكن خُولِف خالدٌ فيه، فقد رواه أبو عَوَانة اليَشكُري عند أحمد (٥٤٤٦) عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر. ويزيد ضعيف، وموسى بن أبي عائشة ثقة، فالمحفوظ حدیث مجاهد عن ابن عمر. ٤٣ باب ١١/ ح ٩٦٩ كتاب العيدين موسى بن أعيَن عن الأعمش، فقال: ((عن أبي صالح عن أبي هريرة))، والمحفوظُ في هذا حديثُ ابن عبّاس، وفيه اختلافٌ آخرُ عن الأعمَشِ رواه أبو إسحاق الفَزَاريُّ عن الأعمَش، فقال: ((عن أبي وائلٍ عن ابن مسعود)) أخرجه الطَّبرانيُّ (١٠٤٥٥)(١). وقد وافَقَ الأعمَشَ على / روايته له عن مسلم البَطينِ سَلَمةُ بن كُهَيلِ عند أبي عَوَانَ ٤٥٩/٢ أيضاً (٣٠٣١)، ورواه عن سعيد بن جُبَيرٍ أيضاً القاسم بن أبي أيوب عند الدّارميِّ (١٧٧٤) وأبي(٢) عَوَانَ (٣٠٢٥)، وأبو حَرِيز السِّجِسْتاني(٣) عند أبي عَوَانَةَ (٣٠٢٦)، وعَدُّ بن ثابتٍ عند البيهقيِّ(٤)، وسنذكر ما في رواياتهم من الفوائد والَّوائد إن شاء الله تعالى. قوله: «ما العملُ في أيام أفضَلَ منها في هذه)) كذا لأكثر الزُّواة بالإبهام، ووقع في رواية كَرِيمةَ عن الكُشمِيهَنِيِّ: ((ما العملُ في أيام العشرِ أفضلَ من العمل في هذه)) وهذا يقتضي نفيَ أفضليّة العمل في أيام العشرِ على العمل في هذه الأيام إن فُسِّرَت بأنَّهَا أيامُ التَّشريق، وعلى ذلك جَرَى بعضُ شُرّاح البخاري، وحَمَلَه على ذلك ترجمةُ البخاريِّ المذكورةُ فَزَعَمَ أنَّ البخاريَّ فَسَّرَ الأيامِ المُبهَمَةَ في هذا الحديث بأنَّها أيامُ التَّشْرِيق، وفَسَّرَ العملَ بالتكبير لكَوْنه أورَدَ الآثار المذكورةَ المتعلّقةَ بالتكبير فقط. وقال ابن أبي جَمْرةَ: الحديثُ دالٌّ على أنَّ العملَ في أيام التَّشريق أفضلُ من العمل في غيره، قال: ولا يُعِّرُ على ذلك گَوُها أيامَ عيدٍ كما تقدَّم (٩٤٩) من حديث عائشة، ولا ما صَحَّ من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّها أيامُ أكلٍ وشرب)) كما رواه مسلمٌ (١١٤١)، لأنَّ ذلك لا يَمنَعُ العملَ فيها، بل قد شُرِعَ فيها أعلى العبادات وهو ذِكرُ الله تعالى، ولم يُمنَع فيها منها إلَّا الصيام. قال: وسِرُّ كَوْن العبادة فيها أفضلَ من غيرها، أنَّ العبادةَ في أوقات الغَفْلة فاضلةٌ على غيرها، وأيامُ التَّشريق أيامُ غَفْلةٍ في الغالبِ فصار للعابد فيها مَزِيدُ فضلٍ على (١) وأخرجه أيضاً أبو عوانة (٣٠٢٧). (٢) تحرف في (س) إلى: أبو. (٣) تحرف في (س) إلى: أبو جرير السختياني. (٤) في ((شعب الإيمان)) (٣٧٥٨). ٤٤ باب ١١/ ح ٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري العابد في غيرها، كمَن قامَ في جَوْف الليل وأكثرُ الناس نيام، وفي أفضليَّة أيام التَّشريق نُكْتَةٌ أُخرى: وهي أنَّهَا وَقَعَت فيها مِحْنُ الخليلِ بوَلَدِه ثمَّ مُنَّ عليه بالفِداء، فثَبَتَ لها الفضلُ بذلك. انتھی. وهو توجيهٌ حسنٌ إلَّا أنَّ المنقولَ يعارضُه، والسياقُ الذي وقع في رواية كَرِيمةَ شاطٌ مخالفٌ لمَا رواه أبو ذرِّ - وهو من الحُفَّاظ - عن الكُشمِيهَنيِّ شيخ كَرِيمة بلفظ: ((ما العملُ في أيامٍ أفضلَ منها في هذا العشر))، وكذا أخرجه أحمد (٣١٣٩) وغيرُه عن غُندَرٍ عن شُعبةَ بالإسناد المذكور. ورواه أبو داود الطَّيالسُّ في («مسنده» (٢٧٥٣) عن شُعبةً فقال: ((في أيامٍ أفضلَ منه في عشرِ ذي الحِجَّة))، وكذا رواه الدّارميُّ (١٧٧٣) عن سعيد بن الرَّبيع عن شُعبةً. ووقع في رواية وكيعٍ (١) المقدَّم ذِكرُها: «ما من أيام العملُ الصَّالِحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام - يعني - أيام العشر))، وكذا رواه ابن ماجَهْ (١٧٢٧) من طريق أبي معاويةً عن الأعمَش، ورواه التِّرمِذيُّ (٧٥٧) من رواية أبي معاويةً فقال: ((من هذه الأيام العشر)) بدون ((يعني)، وقد ظَنَّ بعضُ الناس أنَّ قوله: ((يعني أيامَ العشر)) تفسيرٌ من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطَّيالسيِّ وغيره ظاهرٌ في أنَّه من نفسِ الخبر. وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب(٢) بلفظ: ((ما من عملِ أزكى عند الله ولا أعظمَ أجراً من خيرٍ يعملُه في عَشِرِ الأضحى))، وفي حديث جابر في ((صحيحَي)) أبي عَوَانَةَ (٣٠٢٣) وابن حِبَّان (٣٨٥٣): ((ما من أيامٍ أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحِجَّة)). فظَهَرَ أنَّ المراد بالأيام في حديث الباب أيامُ عشرِ ذي الحِجَّة، لكنَّه مُشكِلٌ على ترجمة البخاريِّ بأيام التَّشريق، ويُجابُ بأجوبة: أحدُها: أنَّ الشيءَ يَشرُفُ بمُجاوَرَتِه للشيءِ الشَّريف، وأيامُ التَّشريق تقعُ تِلوَ أيام (١) عند أبي داود (٢٤٣٨). (٢) عند الدارمي (١٧٧٤) وأبي عوانة (٣٠٢٥). ٤٥ باب ١١ / ح ٩٦٩ كتاب العيدين العشر، وقد ثَبَتَت الفضيلةُ لأيام العشرِ بهذا الحديث، فثَبتَت بذلك الفضيلةُ لأيام التَّشْرِيقِ. ثانيها: أنَّ عشرَ ذي الحِجَّة إِنَّا شَرُفَ لوقوع أعمال الحج فيه، وبقيَّةُ أعمال الحج تقعُ في أيام التشريق كالرَّمي والطَّواف وغير ذلك من تَتِّته، فصارت مُشتَرِكةً معها في أصل الفضل، ولذلك اشتركت معها في مشروعيَّة التكبير في كلِّ منها، وبهذا تظهرُ مُناسَبةُ إيراد الآثار المذكورة في صَدْر الترجمة لحديث ابن عبّاسٍ كما تقدَّمت الإشارةُ إليها. ثالثُها: أنَّ بعضَ أيام التَّشريق هو بعضُ أيام العشرِ وهو يومُ العيد، وكما أنَّه خاتمةُ أيام العشر فهو مُفتَحُ أيام التَّشريق، فمهما ثَبَتَ لأيام العشر من الفضل شاركَتْها فيه أيامُ التَّشْرِيق، لأنَّ يومَ العيد بعضُ كلّ منها، بل هو رأسُ كلّ منها وشريفُه وعظيمُه، وهو يومُ الحج الأكبر / كما سيأتي في كتاب الحج(١) إن شاء الله تعالى. ٤٦٠/٢ قوله: ((قالوا: ولا الجهادُ)) في رواية سَلَمَةَ بن كُهَيلِ المذكورة(٢): ((فقال رجلٌ)) ولم أرَ في شيءٍ من طرق هذا الحديث تعيينَ هذا السائل، وفي رواية غُندَرٍ عند الإسماعيليِّ قال: ((ولا الجهادُ في سبيل الله؟ مَرَّتين)، وفي رواية سَلَمةَ بن كُهَيلِ أيضاً: ((حتَّى أعادها ثلاثاً))، ودَلَّ سؤالُم هذا على تقرُّر أفضليّة الجهاد عندهم، وكأنَّهم استفادوه من قوله نَّ في جواب مَن سأله عن عملٍ يَعدِلُ الجهادَ فقال: ((لا أجِدُه» الحديث، وسيأتي في أوائل کتاب الجهاد (٢٧٨٥) من حديث أبي هريرة، ونذكر هناك وجه الجمع بينه وبين هذا الحدیث إن شاء الله تعالى. قوله: ((إلَّا رجلٌ خرجَ)) كذا للأكثر، والتقديرُ: إلَّا عملُ رجل، وللمُستَمْلي: ((إلَّا مَن خرج)). قوله: ((يُخاطِرِ)) أي: يَقصِدُ قهرَ عدوِّه ولو أدَّى ذلك إلى قتل نفسه. قوله: ((فلم يَرجِعْ بشيءٍ)) أي: فيكون أفضلَ من العامل في أيام العشرِ أو مُساوياً له، (١) عند الحديث رقم (١٧٤٢)، وأحال هناك إلى تفسير سورة براءة (٤٦٥٧). (٢) وهي عند أبي عوانة برقم (٣٠٣١). ٤٦ باب ١١ / ح ٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطَّالٍ: هذا اللَّفظُ يحتمل أمرَين: أن لا يَرجِعَ بشيءٍ من ماله وإن رَجَعَ هو، وأن لا يَرجِعَ هو ولا مالُه بأن يَرْزُقَه الله الشَّهادةَ. وتَعقَّبَه الزَّينُ بن المنيِّر بأنَّ قوله: ((فلم يَرجِع بشيء)) يستلزمُ أنَّه يَرجِعُ بنفسه ولا بُدَّ. انتهى، وهو تعقُّبٌ مردود، فإنَّ قوله: ((فلم يَرجِع بشيء)) نَكِرةٌ في سياق النَّفي فَتَعُمُّ ما ذكر، وقد وقع في رواية الطَّيالسيِّ (٢٧٥٣) وغُندَرٍ(١) وغيرهما عن شُعبةَ، وكذا في أكثر الروايات التي ذكرناها: ((فلم يَرجِعْ من ذلك بشيء)). والحاصلُ أنَّ نفيَ الرجوع بالشيءٍ لا يستلزمُ إثباتَ الرجوع بغير شيء، بل هو على الاحتمال كما قال ابن بَطَّال، ويدلُّ على الثاني وُرودُه بلفظٍ يقتضيه، فعند أبي عَوَانَ (٣٠١٨) من طريق إبراهيم بن مُميدٍ عن شُعبةَ بلفظ: ((إلَّا مَن عُقِرَ جوادُه وأُهريقَ دَمُه))، وعنده (٣٠٢٥) في رواية القاسم بن أبي أيوب: ((إلَّا مَن لا يَرجِعُ بنفسه ولا ماله))(٢)، وفي طريق سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ (٣٠٣١): ((فقال: لا، إلّا أن لا يَرجِع))، وفي حديث جابر: ((إلَّا مَن عُفِّرَ وجهُه في التُرابِ))(٣)، فظَهَرَ بهذه الطُرق ترجيحُ ما رَدَّه، والله أعلم. وفي الحديث تعظيمُ قَدرِ الجهاد وتفاوتُ درجاته، وأنَّ الغايةَ القُصوَى فيه بَذْلُ النفس لله، وفيه تفضيلُ بعض الأزمنة على بعضٍ كالأمكنة، وفضلُ أيام عشر ذي الحِجَّة على غيرها من أيام السَّنة، وتظهرُ فائدةُ ذلك فيمن نَذَرَ الصيامَ أو عَلَّقَ عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرَدَ يوماً منها تَعيَّنَ يومُ عرفة، لأنَّه على الصحيح أفضلُ أيام العشرِ المذكورة، فإن أراد أفضلَ أيام الأُسبوع تَعيَّنَ يومُ الجمعة، جمعاً بین حديث الباب وبین حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((خيرُ يومٍ طَلَعَت فيه الشمسُ يومُ الجمعة)) رواه مسلم (٨٥٤)، أشار إلى ذلك كلِّه النَّوَومُّ في ((شرحه)). وقال الدَّاوُوديُّ: لم يُرِدْ عليه الصلاة والسلام أنَّ هذه الأيامَ خيرٌ من يوم الجمعة، لأنَّه قد يكون فيها يومُ الجمعة، يعني: فَيَلزَمُ تفضيلُ الشيءٍ على نفسه. وتُعُقِّبَ بأنَّ المراد: أنَّ كلَّ (١) عند أحمد في «المسند» (٣١٣٩). (٢) سقط من المطبوع من أبي عوانة ((إلا من لا يرجع)). (٣) عند أبي يعلى (٢٠٩٠)، وأبي عوانة (٣٠٢٣)، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢٩٧٣). ٤٧ باب ١١/ ح ٩٦٩ كتاب العيدين يوم من أيام العشرِ أفضلُ من غيره من أيام السَّنة، سواءٌ كان يومَ الجمعة أم لا، ويومُ الجمعة فيه أفضلُ من الجمعة في غيره لاجتماع الفضلَينِ فيه. واستُدلَّ به على فضل صيام عشرِ ذي الحِجَّة لاندراج الصوم في العمل، واستُشكِل بتحريم الصوم يومَ العيد، وأُجيبَ بأنَّه محمولٌ على الغالب، ولا يَرِدُ على ذلك ما رواه أبو داود وغيرُه عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله وَ له صائماً العشرَ قَطّ (١)، لاحتمال أن يكون ذلك لكَوْنه كان يَترُكُ العملَ وهو يُحِبُّ أن يعملَه خَشْيَ أن يُفرَضَ على أُمَّتِهِ، كما رواه الشيخان من حديث عائشة أيضاً(٢). والذي يَظهَرُ أنَّ السببَ في امتياز عشرِ ذي الحِجَّة لمكان اجتماع أُمَّهات العبادة فيه، وهي الصلاةُ والصيامُ والصَّدَقَةُ والحجُّ، ولا يتأتَّى ذلك في غيره، وعلى هذا هل يَخْتَصُّ الفضلُ بالحاجِّ أو يَعُمُّ المقيم؟ فيه احتمالٌ. وقال ابن بَطَّالٍ وغيرُه: المراد بالعمل في أيام التَّشريق التكبيرُ فقط، لأنَّه ثَبَتَ أنَّها أيامُ أكلٍ وشربٍ وبِعال، وثَّبَتَ تحريمُ صومِها، ووَرَدَ فيه إباحةُ اللهوِ بالحِرَاب ونحو ذلك(٣)، فدَلَّ على تفريغِها لذلك، مع الحضِّ على الذِّكرِ والمشروع منه فيها التكبيرُ/ فقط، ومن ثَمَّ ٤٦١/٢ اقتَصَرَ المصنِّفُ على إيراد الآثار المتعلِّقة بالتكبير. وتَعقَّبَه الزَّينُ بن المنيِّر بأنَّ العملَ إنَّما يُفهَمُ منه عند إطلاقه العبادة، وهي لا تُنافي استيفاءَ حَظِّ النفس من الأكل وسائرِ ما ذُكِرٍ، فإنَّ ذلك لا يستغرقُ اليومَ والليلةَ. (١) أخرجه أحمد (٢٤١٤٧)، ومسلم (١١٧٦)، وأبو داود (٢٤٣٩)، وابن ماجه (١٧٢٩)، والترمذي (٧٥٦)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٨٥) و(٢٨٨٦) و(٢٨٨٧). (٢) البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨). (٣) في أنها أيام أكل وشرب وبعال روي من غير وجه ضعیف کما في ((التلخيص الحبير)) ١٩٦/٢، وروي من أوجه أخرى صحيحة دون قوله: ((وبعال))، منها حديث نُبيشة الهذلي عند مسلم (١١٤١)، وأبي داود (٢٨١٣) وغيرهما، والنهي عن صيامها ثبت من حديث ابن عمر عند أحمد (٤٩٧٠)، وابن خزيمة (٢١٤٨)، وانظر تتمة شواهده في («المسند»، وفي إباحة اللهو فيها انظر الحديث السالف برقم (٩٤٩). ٤٨ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال الكِرْ مانيُّ: الحثُّ على العمل في أيام التَّشريق لا يَنحَصِرُ في التكبير، بل المتبادرُ إلى الذِّهنِ منه أنَّه المناسكُ من الرَّمي وغيره الذي يَجتمِعُ مع الأكل والشُّرب، قال: مع أنَّه لو مُلَ على التكبير وحدَه لم يَبْقَ لقول المصنِّف بعده: ((بابُ التكبير أيامَ مِنّى)) معنّى، ويكون تكراراً محضاً. انتهى. والذي يَجتمِعُ مع الأكل والشُّرب لكلِّ أحدٍ من العبادة هو الذِّكرُ المأمورُ به، وقد فُسِّرَ بالتكبير كما قال ابن بَطَّال، وأمَّا المناسكُ فمُختصَّةٌ بالحاجِّ، وجَزمُه بأنَّه تكرارٌ مُتَعقَّب، لأنَّ الترجمةَ الأولى لفضل التكبير والثانيةَ لمشروعيَّتِّه وصفتِه، أو أراد تفسير العمل المجمَل في الأولى بالتكبير المصرَّح به في الثانية فلا تكرار، وقد وقع في رواية ابن عمر(١) من الزّيادة في آخره: «فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتَّحميدِ والتكبير)»، وللبيهقيِّ في ((الشُّعَب)) (٣٧٥٨) من طريق عَديٌّ بن ثابتٍ في حديث ابن عبّاسٍ: ((فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتكبير))، وهذا يؤيِّد ما ذهبَ إليه ابن بَطَّال، وفي رواية عَديٍّ من الزّيادة: ((وأنَّ صيامَ يومٍ منها يَعدِلُ صيامَ سنة، والعمل فيهن بسَبْع مئةٍ ضِعْف))، وللتِّرمِذيِّ (٧٥٨) من طريق سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة: «يَعدِلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها بصيام سنة، وقيامُ كلُّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القَدْر)) لكن إسناده ضعيف، وكذا الإسنادُ إلى عَديٍّ بن ثابت، والله أعلم. ١٢ - باب التكبير أيام منّى وإذا غَدًا إلى عرفة وكان عمرُ يُكبِّ في قُبَّتِهِ بِمِنَّى فيسمعُهُ أهلُ المسجدِ فيُكبِّرون، ويُكبِّ أهلُ الأسواقِ حتَّى تَرتَجَّ مِنَّى تكبيراً. وكان ابنُ عمرَ يُكبِّ بمِنَّى تلك الأَيَامَ، وخلفَ الصَّلَواتِ، وعلى فِراشِه، وفي فُسْطاطه وتَجلِسِه ومَمْشاهُ، وتلك الأيامِ جميعاً. وكانت ميمونةُ تُكبِرٌ يومَ النَّخْرِ. وكانَ النِّساءُ يُكبِّنَ خلفَ أبانَ بنِ عثمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لياليَ التَّشْرِيقِ مع الرِّجال في المسجد. (١) عند أحمد (٥٤٤٦)، وأبي عوانة (٣٠٢٤). ٤٩ باب ١٢ كتاب العيدين قوله: ((بابُ التكبيرِ أيامَ مِنِّى)) أي: يومَ العيد والثلاثة بعده. وقوله: ((وإذا غَدَا إلى عَرَفَةً)) أي: صُبحَ يوم التاسع، قال الخطّابيُّ: حكمةُ التكبير في هذه الأيام أنَّ الجاهليَّةَ كانوا يَذْبَحون لطَواغيتِهم فيها، فشُرِعَ التكبيرُ فيها إشارةً إلى/ تخصيص ٤٦٢/٢ الذَّحِ له وعلى اسمِه عزَّ وجلَّ. قوله: ((وكان عمرُ يُكبِّرِ في قُبَتِهِ بمِنَى ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيدُ بن منصورٍ من رواية عُبيد بن عُمَيرٍ قال: كان عمرُ يُكبِّ في قُيَّتِهِ بِنَّى، ويُكبِّ أهلُ المسجد ويُكبِّ أهلُ السُّوق، حتَّى تَرتَجَّ مِنَّى تكبيراً، ووَصَلَه أبو عُبيدٍ من وجهٍ آخرَ بلفظ التَّعليق، ومن طريقه البيهقيُّ (٣١٢/٣). وقوله: ((تَرتَجّ)) بتثقيل الجيم، أي: تضطربُ وتتحرَّكُ، وهي مُبالَغةٌ في اجتماع رفع الأصوات. قوله: ((وكان ابنُ عمرَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن المنذِر (٢٩٩/٤) والفاكهيُّ في «أخبار مكَّة)) (٢٥٨٣) من طريق ابن جُرَيج ((أخبرني نافعٌ: أنَّ ابن عمر)) فذكره سواءً. والفُسْطاطُ بضمِّ الفاء ويجوز كسرُها ويجوز ذلك بالمثنَّاة بدلَ الطاء وبإدغامها في السِّين، فتلك ستُّ لغات، وقوله فیه: «وتلك الأيام جمیعاً)) أراد بذلك التأکید، ووقع في رواية أبي ذرِّ بدون واوٍ على أنَّهَا ظَرفٌ لمَا تقدَّم ذِكرُه. قوله: ((وكانت ميمونة)) أي: بنتُ الحارثِ زوجُ النبيِّ وَّةِ، ولم أقفْ على أثرها هذا موصولاً. قوله: ((وكان النِّساء)» في رواية غير أبي ذرٍّ: «وكُنَّ النِّساء)) وهي على اللُّغة القليلة، وأبانُ المذكورُ: هو ابن عثمانَ بن عَفّان، وكان أميراً على المدينة في زمن ابن عَمِّ أبيه عبد الملك بن مروان، وقد وَصَلَ هذا الأثرَ أبو بكر بن أبي الدُّنيا في ((كتاب العيدين))، وحديثُ أُمِّ عَطيَّةً في الباب سلفُهنَّ في ذلك. وقد اشتملت هذه الآثارُ على وجودِ التكبير في تلك الأيام عَقِبَ الصَّلَوات وغير ذلك ٥٠ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري من الأحوال، وفيه اختلافٌ بين العلماء في مواضعَ: فمنهم مَن قَصَرَ التكبيرَ على أعقاب الصَّلَوات، ومنهم مَن خَصَّ ذلك بالمكتوبات دون النَّوافل، ومنهم مَن خَصَّه بالرجال دون النِّساء، وبالجماعة دون المنفرِد، وبالمؤَدَّة دون المقضيَّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المِصْرِ دون القرية، وظاهرُ اختيار البخاريِّ شمولُ ذلك للجميع، والآثارُ التي ذكرها تُساعدُه. وللعلماء اختلافٌ أيضاً في ابتدائه وانتهائه، فقيل: من صُبح يوم عرفة، وقيل: من ظُهره، وقيل: من عَصْره، وقيل: من صُبح يوم النَّحر، وقيل: من ظُهره، وقيل في الانتهاء: إلى ظُهرِ يوم النَّحر، وقيل: إلى عَصْره، وقيل: إلى ظُهرِ ثانيه، وقيل: إلى صُبحٍ آخر أيام التَّشْرِيق، وقيل: إلى ظُهره، وقيل: إلى عَصْره، حكى هذه الأقوالَ كلَّها النَّوَويُّ إِلَّ الثانيَ من الانتهاء، وقد رواه البيهقيُّ (٣/ ٣١٤) عن أصحاب ابن مسعودٍ، ولم يَثبُت في شيءٍ من ذلك عن النبيِّ وَِّ حديث، وأصُّ ما وَرَدَ فيه عن الصحابة قولُ عليٍّ وابن مسعودٍ: إنَّه من صُبحِ يوم عرفةَ إلى آخر أيام مِنَّى، أخرجهما ابن المنذر (٤/ ٣٠٠ و ٣٠١) وغيرُه والله أعلم. وأمَّا صِيغُ التكبير فأصحُّ ما وَرَدَ فيه ما أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٨١) بسندٍ صحيحٍ عن سلمانَ قال: كَبِّروا الله، الله أكبر الله أكبرُ، الله أكبرُ كبيراً (١)، ونُقِلَ عن سعيد بن جُبَيْرٍ ومجاهدٍ وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه جعفرٌ الفِريابيُّ في ((كتاب العيدين)) (٦٢) من طريق يزيد بن أبي زيادٍ عنهم، وهو قولُ الشافعيِّ وزاد: ولله الحمد، وقيل: يُكبِّ ثلاثاً ويزيدُ: لا إلهَ إلَّا الله وحده لا شَرِيكَ له ... إلى آخره، وقيل: يُكبِّ ثِنتَينِ بعدهما: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبر الله أكبرُ، ولله الحمد، جاء ذلك عن عمر وعن ابن مسعودٍ نحوُه وبه قال أحمد وإسحاقُ، وقد أُحدِثَ في هذا الزمان زيادةٌ في ذلك لا أصلَ لها. ٩٧٠ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرِ الثَّقَفِيُّ قال: سألتُ أنساً ونحنُ غادِيانِ من مِنّى إلى عَرَفاتٍ عن التَّلْبية: كيفَ كنتُم تَصْنَعونَ مع النبيِّ (١) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البيهقي ٣١٦/٣. ٥١ باب ١٢ / ح ٩٧٠ - ٩٧١ كتاب العيدين وَّه؟ قال: كان يُلِّيِ الملِّي لا يُنكَرُ عليه، ويُكبِّرِّ المكبِّرُ فلا يُنكَرُّ عليه. [طرفه في: ١٦٥٩] ٩٧١ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا أَبي، عن عاصمِ، عن حفصةً، عن أُمِّ عَطيَّةَ، قالت: كنَّا نُؤْمَرُ أن نَخْرُجَ يومَ العيدِ حتَّى نُخرِجَ الِكْرَ من خِذْرِها، حتَّى نُخرِجَ الخُيَّضَ فيكنَّ خلفَ النَّاس فيُكبِّنَ بتكبيرِهم، ويَدْعونَ بدُعائِهم، يَرْجُونَ بَرَكةَ ذلك اليومِ وطُهْرتَه. قوله: ((سألتُ أنساً)) في رواية أبي ذرٍّ: سألت أنسَ بن مالك. قوله: ((ويُكبِّ المكبّرُ فلا يُنكَرُ عليه)) هذا موضعُ الترجمة، وهو مُتعلِّقٌ بقوله فيها: ((وإذا غَدَا إلى عرفة))، وظاهرُه أنَّ أنساً احتجَّ به على جواز التكبير في موضع التَّلبية، ويحتملُ أن يكون مَن كَبَّرَ أضاف التكبيرَ إلى التَّلبية، وسيأتي بسطُ الكلام عليه في كتاب الحج (١٦٥٩) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثْنا محمَّدٌ، حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ)) كذا وقع في بعض النُّسَخ عن أبي ذرٍّ، وكذا الكَرِيمةَ وأبي الوَقْت: ((حدَّثنا محمدٌ)) غيرُ منسوب، وسَقَطَ من رواية ابن شَبّويه وابن السَّگن وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي أحمد الجُزْجاني، ووقع في رواية الأصيليِّ عن بعض مشايخه: ((حدَّثنا محمدٌ البخاريّ)) فعلى هذا لا واسطةً بين البخاريِّ وبين عمر بن حفصٍ فیه، وقد حدَّث البخاريُّ/ عنه بالكثير بغير واسطة، وربَّما أدخَلَ بينه وبينه الواسطةَ أحياناً، ٤٦٣/٢ والراجحُ سقوطُ الواسطة بينهما في هذا الإسناد، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)). ووقع في حاشية بعض النُّسَخ لأبي ذرٍّ: محمدٌ هذا يُشبِه أن يكون هو الذَّهليَّ، فالله أعلم. وعاصمٌ المذکورُ في الإسناد: هو ابن سلیمان، وحفصةُ: هي بنتُ سِیرین. وسيأتي الكلامُ على المتن بعد سبعة أبواب (٩٨٠)، وسَبَقَ بعضُه في كتاب الحيض (٣٢٤). وموضعُ الترجمة منه قوله: ((ويُكبِّنَ تكبيرَهم)) لأنَّ ذلك في يوم العيد وهو من أيام مِنَّى، ويلتحقُّ به بقيَّةُ الأيام لجامع ما بينهما من كَوْنهنَّ أياماً معدوداتٍ، وقد وَرَدَ الأمرُ ٥٢ باب ١٣ -١٤ / ح ٩٧٢-٩٧٣ فتح الباري بشرح البخاري بالذِّکرِ فیھنَّ. قوله: ((كنّا نُؤمَر)» كذا في هذه، وسيأتي قريباً بلفظ: أمرنا نبیُّنًا. قوله: ((حتَّى نُخرِجَ)) بضمِّ الُّون و((حتَّى)) للغاية، والتي بعدها للمُبالَغة. قوله: «من خِذْرِها» بکسر المعجمة، أي: سترها، وفي رواية الگُشمِیھنيِّ: ((من خِدرَتِها» بالتأنيث. وقوله في آخره: ((وطُهرتَه)) بضمِّ الطاء المهمَلة وسكون الهاء لغةٌ في الطَّهارة، والمراد بها التطهُّرُ من الذُّنوب. قوله: ((فيُكبِّنَ بتكبيرِهم)) ذِكرُ التكبير في حديث أُمِّ عَطيَّة من هذا الوجه من غرائب الصحيح، وقد أخرجه مسلم (٨٩٠/ ١١) أيضاً. ١٣ - باب الصلاة إلى الحَرْبة يوم العيد ٩٧٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: حدَّثنا عُبيد الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ◌َ كانت تُركَزُ الحَرْبةُ قُدّامَه يومَ الفِطْرِ والنَّحْرِ، ثمَّ يُصلِّي. قوله: ((بابُ الصلاة إلى الحَرْبة)) زاد الكُشمِيهَنيُّ: ((يومَ العيد)»، وقد تقدَّمت هذه الترجمةُ بهذا الحديث دون زيادة الكُشمِيهَنيِّ في أبواب السُّترة (٤٩٨). وعبدُ الوهّاب المذكورُ هنا: هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ. ١٤ - باب حمل العَنَزة أو الحَرْبة بين يدي الإمام يومَ العيد ٩٧٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا أبو عَمْرٍو، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ قال: كان النبيُّ ◌ِّهِ يَغْدُو إلى المصلَّى، والعَنَزَةُ بين يديهِ، تُحمَلُ وتُنصَبُ بالمصلّى بین یدیه فيُصلِّي إليها. قوله: ((بابُ حَمْلِ العَنَزة أو الحَرْبة بين يَدَي الإمام)» أورَدَ فیه حدیثَ ابن عمر المذكور من وجهٍ آخر، وكأنَّه أفرَدَ له ترجمةً ليُشعِرَ بمُغايرة الحكم، لأنَّ الأولى تُبيِّنُ أنَّ سُترةَ المصلِّي لا ٥٣ باب ١٥ / ح ٩٧٤ كتاب العيدين يُشتَرطُ فيها أن تواريَ جسده، والثانية تُثبِتُ مشروعيَّةَ المشي بين يَدَي الإمام بآلةٍ من السلاح، ولا يعارضُ ذلك ما تقدَّم من النَّهي عن حمل السلاح يومَ العيد، لأنَّ ذلك إنَّما هو عند خَشْية التَّذِي كما تقدَّم قريباً (٩٩٦). والوليدُ المذكورُ هنا: هو ابن مسلم، وقد صَرَّحَ بتحديث الأوزاعيِّ له، وبتحديث نافع للأوزاعيِّ، فأُمِنَ تدليسُ الوليد وتسويتُه، وليس للأوزاعيِّ عن نافعٍ عن ابن عمر موصولاً في ((الصحيح)) غيرُ هذا الحديث، أشار إلى ذلك الحميديُّ. وقد تقدَّم الكلامُ على المتن في ((باب سُترة الإمام)) (٤٩٤) مُستَوفىّ بحمد الله تعالى. ١٥- باب خروج النساء والخُيَّض إلى المصلّی ٩٧٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أُمّ عَطِيَةَ قالت: أَمَرَنا نِبُّنَا وََّ/ أن نُخرِجَ العَواتِقَ وذواتِ الخُدُورِ. ٤٦٤/٢ وعن أيوب عن حفصةً، بنحوه. وزاد في حديثٍ حفصةَ: قال - أو قالت : العواتقَ وذواتِ الخُدُورِ، ويَعتِزِلْنَ الُيَّضُ لمصلَّى. قوله: ((بابُ خروج النِّساء والحُيَّض إلى المصلّ)) أي: يومَ العيد. قوله: ((حدَّثنا حَّدٌ)) كذا لگرِیمة، ونَسَبَه الباقون ابنَ زید. قوله: ((أمَرَنا نبيُّنَا وَّ) كذا لأبي ذرِّ عن الحَمُِّيِّ والمُستَمْلي، وللباقين: ((أُمِرنا)) بضمِّ الهمزة وحذف لفظ ((نبيِّنَا»، ووقع لمسلم (٨٩٠/ ١٠) عن أبي الرَّبيع الَّهْرانيِّ عن حَادٍ: ((قالت أمرنا؛ تعني النبيَّ وَ﴿))، وفي رواية سليمان بن حرب عن حمّادٍ عند الإسماعيليِّ: ((قالت: أُمِرنا بِأَبِي)) بكسر الموخَّدة بعدها همزةٌ مفتوحة ثمَّ مُوخَّدةٌ مُمالةٌ، وعلى هذا فكأنَّه كان في رواية الحَجَبِيِّ كذلك لكن بإبدال الهمزة ياءً تحتانيَّةً فتصيرُ صورتُها (بيباً))، فكأنَّها تَصَحَّفَت فصارت: نبيُنا، وأضاف إليها بعضُ الكُتّاب الصلاةَ بعد التصحيف، وأمَّا روايةٌ ٥٤ باب ١٦ / ح ٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري مسلم فكأنَّها كانت: أُمِرنا، على البناء كما وقع عند الكُشمِيهَنِيِّ وغيره فأفصَحَ بعضُ الرُّواة بتسمية الآمِر، والله أعلم. وإنَّما قلت ذلك، لأنَّ سليمان بن حرب أثبتُ الناس في حَمَّاد بن زيد. وقد تقدَّم معنى قول أُمِّ عَطيّة: ((بأبي)) في كتاب الحيض (٣٢٤). قوله: ((وعن أيوبَ)) هو معطوفٌ على الإسناد المذكور. والحاصلُ أنَّ أيوب حدَّث به حَمَّاداً عن أُمِّ عَطيّة، وعن حفصةَ عن أُمِّ عَطيَّة أيضاً، وقد وقع ذلك صريحاً في رواية سليمان ابن حرب المذكورة، ورواه أبو داود (١١٣٧) عن محمد بن ◌ُبيدٍ (١)، وأبو يَعْلى عن أبي الرَّبيع، كلاهما عن حمّادٍ عن أيوب عن محمدٍ عن أُمِّ عَطيَّة، وعن أيوب عن حفصة عن امرأةٍ تُحدِّثُ عن امرأةٍ أُخرى، وزاد أبو الرَّبيع في رواية حفصةَ ذِكْرَ الجِلْبابِ، وتَبَّنَ بذلك أنَّ سياقَ محمد بن سِيرِين مُغايِرٌ لسياق حفصةَ إسناداً ومتناً، ولم يُصِب مَن حَمَلَ إحدى الروايتين على الأُخرى. وسيأتي الكلامُ على الجِلْباب وعلى بقيَّة فوائد هذا الحديث بعد أربعة أبواب (٩٨٠) إن شاء الله تعالى. ١٦ - باب خروج الصِّبيان إلى المصلّی ٩٧٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عبَّاسٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمن ابن عابِسٍ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ، قال: خرجتُ مع النبيِّ وَّهِ يومَ فِطْرٍ أو أضحَى فصَلَّى، ثَّ خَطَبَ، ثمَّ أَتَى النِّساءَ فوَعَظَهَنَّ وذَكَّرَ هنَّ، وأمَرَهنَّ بالصَّدَقةِ. قوله: ((بابُ خروج الصِّبْيان إلى المصلّ)) أي: في الأعياد، وإن لم يُصلُّوا. قال الزَّينُ بن المنيِِّ: آثَرَ المصنِّفُ في الترجمة قوله: ((إلى المصلَّى)) على قوله: صلاة العيد، ليَعُمَّ مَن يتأتَّى منه الصلاةُ ومَن لا يتأَّی. قوله: ((عن عبد الرحمن بنِ عابسٍ» بمُوحَّدٍ مكسورةٍ ثمَّ مُهمَلة، وصَرَّحَ يحيى القَطّنُ عن الثَّوريِّ بأنَّ عبد الرحمن المذكور حدَّثه كما سيأتي بعد بابٍ (٩٧٧). قوله: ((خرجتُ مع النبيِّ وَّهِ يومَ فِطْرِ أو أضحَى)) ليس في هذا السياق بيانُ کَوْنه كان (١) تحرف في (س) إلى: محمد بن عبد الله. ٥٥ باب ١٧ / ح ٩٧٦ كتاب العيدين صبيّاً حينئذٍ ليطابقَ الترجمة، لكن جَرَى المصنّفُ على عادتِه في الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي يُورِدُه، فسيأتي بعد بابٍ بلفظ: ولولا مكاني من الصِّغَرِ ما شَهِدتُه، ويأتي بقيَّةُ الكلام عليه في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. وقوله: ((يومَ فِطرِ أو أضحَى)) شكٌّ من الراوي عن ابن عبّاس، وسيأتي بعد بابَينِ (٩٧٩) من وجهٍ آخرَ عن ابن عبّاسٍ الجزمُ بأنَّه يوم الفِطْر. ٤٦٥/٢ ١٧ - باب استقبال الإمام النَّاسَ في خطبة العيد قال أبو سعيدٍ: قامَ النبيُّ ◌َّالِ مُقابلَ النَّاس. ٩٧٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ طَلْحة، عن زُبَيْدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن البَراءِ قال: خرج النبيُّ ◌َّهِ يومَ أَضْحى إلى البَقِيعِ فصَلَّى رَكْعتَينٍ، ثمَّ أقبلَ علينا بوَجْهِه وقال: ((إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يومِنا هذا أن نَبْدأَ بالصلاة، ثمَّ نَرجِعَ فَتَنحَرَ، فمَن فَعَلَ ذلكَ فقد وافَقَ سُنَّتَنَا، ومَن ذَبَحَ قبلَ ذلك، فإنَّه شيءٌ عَجَّلَه لأهلِه ليس مِن النُّسُكِ في شيءٍ). فقامَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إنِّ ذَبَحْتُ وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من مُسِنَّةٍ، قال: ((اذْبَحْها ولا تَفِي عن أحدٍ بعدَكَ)). قوله: ((بابُ استقبال الإمام النَّاسَ في خُطْبة العيد)) قال الزّينُ بن المنيِّر ما حاصلُه: إنَّ إعادةَ هذه الترجمة بعد أن تقدَّم نَظِيرُها في الجمعة (٩٢١) لرفع احتمال مَن يَتَوهَّمُ أنَّ العيدَ يخالفُ الجمعةَ في ذلك، وأنَّ استقبالَ الإمام في الجمعة يكون ضرورياً لكَوْنه يَخْطُبُ على المنبر، بخلاف العيد فإنَّه يَخْطُبُ فيه على رِجلَيه كما تقدَّم في ((باب خطبة العيد))(١)، فأراد أن يُبيِّنَ أنَّ الاستقبالَ سُنَّة علی کلِّ حال. قوله: ((قال أبو سعيدٍ: قامَ النبيُّ ◌َّهُ مُقابِلَ النَّاس)) هو طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه المصنِّفُ في (باب الخروج إلى المصلَّى)) وقد تقدَّم (٩٥٦) قبل عشرة أبواب بلفظ: ثمَّ ينصرفُ فيقومُ مُقابلَ الناس، وفي رواية مسلم (٨٨٩): قامَ فأقبلَ على الناس ... الحديث. قوله في حديثِ البَراءِ: ((فإِنَّه شيءٌ عَجَّلَه لأهلِه)) في رواية المُستَمْلي: ((فإِنَّما هو شيءٌ)». (١) بل في باب (٦): الخروج إلى المصلى بغير منبر. ٥٦ باب ١٨ / ح ٩٧٧ فتح الباري بشرح البخاري وقوله فيه: ((ولا تَفِي عن أحدٍ بعدَك)) كذا للمُستَمْلي والحَقُّوِيِّ بفاء، وللكُشمِيهَنِيِّ والباقين: ((ولا تُغْني)) بالغَينِ المعجمة والنُّون وضمِّ أوَّلِه، والمعنى متقاربٌ. وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في كتاب الأضاحيِّ (٥٥٥٦) إن شاء الله تعالى. وموضعُ الترجمة منه قوله: ثمَّ أقبلَ علینا بوجهِه. ١٨ - باب العَلَم بالمصلَّى ٩٧٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ عابسٍ قال: سمعتُ ابنَ عَّاسٍ قيلَ له: أشَهِدتَ العيدَ مع النبيِّ وَِّ؟ قال: نَعَم، ولَوْلا مكاني مِن الصِّغَرِ ما شَهِدتُه حتَّى أَتَى العَلَمَ الذي عند دار كَثِير بنِ الصَّلْتِ، فصَلَّى ثمَّ خَطَبَ، ثمَّ أَنَى النِّساءَ ومعه بلالٌ فَوَعَظَهنَّ وذَكَّرَهنَّ وأمَرَهنَّ بالصَّدَقةِ، فرأيتُهنَّ يَهْوِينَ بأيدِيِنَّ يَقْذِفْتَه في ثوبٍ بلالٍ، ثمَّ انطَلَقَ هو وبلالٌ إلى بيتِه. قوله: ((بابُ العَلَمِ بالمصلَّ)) تقدَّم (٩٥٦) في ((باب الخروج إلى المصلَّى بغير مِنْبر)) التَّعريفُ بمكان المصلَّى، وأنَّ تعريفَه بكَوْنه عند دار كثير بن الصَّلت على سبيل التَّقريبِ للسامع، وإلَّا فدارُ كثير بن الصَّلت مُحدَثةٌ بعد النبيِّ وََّ. وَظَهَرَ من هذا الحديث أنَّهم جعلوا لمصلَّاه شيئاً يُعرَفُ به وهو المراد بالعَلَم، وهو بفتحتين: الشيءُ الشَّاخص. قوله: ((ولَوْلا مكاني من الصِّغَرِ ما شَهِدته)) أي: حضرته، وهذا مُفسِّرٌ للمُراد من قوله في ((باب وضوء الصِّبيان)) (٨٦٣): ولولا مكاني منه ما شَهِدتُه، فدَلَّ هذا على أنَّ الضَّميرَ في ٤٦٦/٢ قوله: ((منه)) يعودُ على غير مذكورٍ وهو الصِّغَر، ومشى بعضُهم / على ظاهر ذلك السياق، فقال: إنَّ الضَّميرِ يعودُ على النبيِّ وَّهِ، والمعنى: ولولا مَنْزِلَتي من النبيِّ ◌َلّ ما شَهِدتُ معه العيد، وهو مُتَّجهٌ، لكن هذا السياقُ يخالفُه، وفيه نظرٌ، لأنَّ الغالبَ أنَّ الصِّغَرَ في مِثْل هذا يكون مانعاً لا مُقتَضياً، فلعلَّ فيه تقديماً وتأخيراً، ويكون قوله: من الصِّغَرِ مُتعلِّقاً بما بعده، فيكون المعنى: لولا منزلَتي من النبيِّوَ لَ ما حضرتُ معه لأجل صِغَري، ويُمكِنُ حملُه على ظاهره وأراد بشهودِه: ما وقع من وَعظِهِ للنِّساء، لأنَّ الصِّغَرَ يقتضي أن يُغتفَرَ له الحضورُ ٥٧ باب ١٨ / ح ٩٧٧ كتاب العيدين معھنَّ بخلاف الکبر. قال ابن بَطَّالٍ: خروجُ الصِّبيان للمُصلَّى إنَّما هو إذا كان الصبيُّ مَمَّن يَضِطُ نفسَه عن اللَّعِب ويَعقِلُ الصلاة ويتحفّظُ ممَّا يُفسِدُها، ألا ترى إلى ضبطِ ابن عبَّاسِ القصّةَ. انتهى، وفيه نظر، لأنَّ مشروعيَّة إخراج الصِّبيان إلى المصلَّى إنَّما هو للتبرُّك وإظهار شِعَار الإسلام بكثرة مَن يَحَضُرُ منهم، ولذلك شُرِعَ للخُيَّض كما سيأتي (٩٨٠)، فهو شاملٌ لمن تقعُ منهم الصلاةُ أو لا، وعلى هذا إنَّما يُحتاجُ أن يكون مع الصِّبيان مَن يَضِطُهم عمَّا ذُكِرَ من اللَّعِب ونحوه، سواءٌ صَلَّوا أم لا. وأمَّا ضبطُ ابن عبّاسِ القصَّةَ فلعلَّه كان لفَرْطِ ذکائه، والله أعلم. قوله: ((حتَّى أتى العَلَمَ)) كذا وقع في هذه الرواية ذِكرُ الغاية بغير ابتداء، والمعنى: خرج رسول الله وَلة، أو شَهِدتُ الخروجَ معه حتَّى أتى، وكأنَّه حُذِفَ لدلالة السياق عليه. قوله: (ثُمَّ أتى النِّساء)) يُشعِرُ بأنَّ النِّساءَ كنَّ على حِدَةٍ من الرجال غيرَ مُخْتِلِطاتٍ بهم. قوله: ((ومعه بلالٌ)) فيه أنَّ الأدبَ في مخاطَبة النِّساء في الموعظة أو الحِكَم أن لا يَحَضُرَ من الرجال إلَّا مَن تدعو الحاجةُ إليه من شاهدٍ ونحوه، لأنَّ بلالاً كان خادمَ النبيِّ ◌َه ومُتَولِّيَ قَبْض الصَّدَقة، وأمَّا ابن عبَّاسٍ فقد تقدَّم أنَّ ذلك اغتُّفِرَ له بسبب صِغَره. قوله: (مُهِينَ)) بضمٌ أوَّلِه، أي: يُلِقِين. وقوله: ((یقْذِفْتَه)) أي: يُلقِين الذي يُهوینَ به، وقد فسَّرَه في الباب الذي يليه من طريق أُخرى من حديث ابن عبّاسٍ أيضاً وسياقُه أتُّ. تنبيه: وقع في رواية أبي عليِّ الكُشَانِيِّ عَقِبَ هذا الحديث: قال ابن كثيرٍ: العَلَم. انتهى، وقد وَصَلَ المؤلِّفُ طريق ابن كثيرٍ هذا في كتاب الاعتصام (٧٣٢٥) فقال: حدَّثنا محمد بن كثيرٍ حدَّثنا سفيان ... فذكره. ولمَّا أخرج البيهقيُّ طريق ابن كثيرٍ هذا في العيدين (٣٠٧/٣) قال: أخرجه البخاريُّ فقال: قال ابن كثير، فكأنَّه أشار إلى هذه الرواية ولم يستحضر الطريق التي في الاعتصام. ٥٨ باب ١٩ / ح ٩٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٩ - باب موعظة الإمام النِّساءَ يوم العيد ٩٧٨- حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ نَصْرٍ، قال: حدّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا ابنُ ◌ُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: سمعتُهُ يقول: قامَ النبيُّ ◌َّهِ يومَ الفِطْرِ فِصَلَّى فَبَدَأ بالصلاةِ، ثمَّ خَطَبَ، فلمَّا فَرَغَ نزِلَ فَتَى النِّساءَ فَذَكَّرَهنَّ وهو يَتَوَّأُ على يدِ بلاٍ، وبلالٌ باسطٌ ثوبَه يُلْقي فيه النِّساءُ الصَّدَقَةَ. قلتُ لعطاءٍ: زكاةَ يومِ الفِطْر؟ قال: لا، ولكن صدقةً يَتَصَدَّقْنَ حينئذٍ، تُلْقِي فَتَخَها ويُلْقِين. قلتُ: أتُرَى حَقًّ على الإمام ذلك ويُذكِّرُ هنَّ؟ قال: إنَّه لَحَقّ عليهم، وما لهم لا يَفعَلُونه؟! قوله: ((بابُ موعظة الإمام النِّساءَ يومَ العيد)) أي: إذا لم يسمعنَ الخطبةَ مع الرجال. قوله: ((حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ نَصْرٍ)) نُسِبَ في رواية الأَصِيلِيِّ إلى جدِّه، فقال: إسحاقُ بن نصر. قوله: (ثُمَّ خَطَب، فلمَّا فرِغَ نزل)) فيه إشعارٌ بأنَّه ◌َيِّ كان يَخْطُبُ على مكانٍ مُرتَفِعِ لمَا يقتضيه قوله: ((نزل))، وقد تقدَّم (٩٥٦) في ((باب الخروج إلى المصلَّ)) أنَّه وَِّ كان يَخْطُبُ في المصلَّى على الأرض، فلعلَّ الراويّ ضَمَّنَ النُّزُولَ معنى الانتقال. وزَعَمَ عياضٌ أنَّ وعظَه للنِّساء كان في أثناء الخطبة، وأنَّ ذلك كان في أوَّل الإسلام، وأنَّه خاصٌّ به وَِّ، وتَعقَّبَهَ النَّوَويُّ بهذه المصرِّحة بأنَّ ذلك كان بعد الخطبة وهو قوله: ((فلمَّا فرِغَ نزل فأتى النِّساء))، والخصائصُ لا تَثبُتُ بالاحتمال. قوله: ((قلت لعطاءٍ)) القائل: هو ابن جُرَيج، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، وقد تقدَّم الحديثُ (٩٥٩) من وجهٍ آخرَ عن ابن جُرَيج في ((باب المشي)) بدون هذه الزِّيادة. ودَلَّ هذا السُّؤالُ على أنَّ ابن جُرَيج فَهِمَ من قوله: ((الصَّدَقة)) أنَّها صدقةُ الفِطْر، بقَرِينة كَوْنها يومَ الفِطْر، وأخذاً من قوله: ((وبلالٌ باسطٌ ثوبَه)) لأنَّه يُشعِرُ بأنَّ الذي يُلقى فيه شيءٌ يحتاجُ إلى ضَمِّ، فهو لائقٌ بصدقة الفِطْر المقدَّرة بالكَيْل، لكن بيَّن له عطاءٌ أنَّها كانت صدقةً تطوُّع، وأنَّها كانت ممَّا لا يُجْزِئُ في صدقة الفِطْر من خاتم ونحوه. ٥٩ باب ١٩ / ح ٩٧٩ كتاب العيدين قوله: (تُلْقي)) أي: المرأةُ، والمراد جنسُ النِّساء، ولذلك عُطِفَ عليه بصيغة الجمع، فقال: ((ويُلِقِين))، أو المعنى: تلقي الواحدةُ، وكذلك الباقياتُ يُلِقِين. قوله: (فَتَخَها)) بفتح الفاء والمثنَّة من فوق وبالخاء المعجَمة كذا للأكثر، وللمُستَمْلِي والحَمُّوِيِّ: ((فَتَخَتَها)) بالتأنيث، وسيأتي تفسيرُه قريباً، وحُذِفَ مفعولُ ((يُلِقِين)) اكتِفاءً، وكُرِّرَ الفعلُ المذكورُ في رواية مسلم (٣/٨٨٥) إشارةً إلى التّنويع، وسيأتي في حديث ابن عبَّاسٍ بلفظ: ((فيُلِقِين الفَتَخَ والخواتيم)). قوله: ((قلتُ)) القائل أيضاً ابن جُرَيج، والمسؤولُ عطاءٌ. وقوله: ((إنَّه لَحَقّ عليهم) ظاهرُه أنَّ عطاءً كان يرى وجوبَ ذلك، ولهذا قال عياضٌ: لم يقل بذلك غيرُه. وأمَّا النَّوَويُّ فحَمَلَه على الاستحباب، وقال: لا مانعَ من القول به، إذا لم يترتب على ذلك مفسدةٌ .. ٩٧٩ - قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخبرني الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: شَهِدتُ الفِطْرَ مع النبيِّ ◌ََّ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ رضي الله عنهم يُصلَّونها قبلَ الخُطْبةِ، ثمَّ يُخْطَبُ بعدُ؛ خرجَ النبيُّ وََّ كأنّي أنظرُ إليه حينَ يُجُلِّسُ بيدِهِ، ثمَّ أقبلَ يَشُقُّهم حتَّى جاء النِّساءَ معه بلالٌ فقال: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾ الآيةَ [الممتحنة: ١٢] / ثمَّ ٤٦٧/٢ قال حينَ فَرَغَ منها: ((آنْتُنَّ على ذلك؟)) قالت امرأةٌ واحدةٌ منهنَّ لم يُحِيْه غيرُها: نَعَم، لا يدري حَسَنٌ مَن هي، قال: ((فَتَصَدَّقْنَ)) فَبَسَطَ بلالٌ ثوبَه، ثمّ قال: هَلُمَّ، لَكُنَّ فِدَى أَبِي وَأُمَّي، فيُلْقِينَ الفَتَخَ والخواتيمَ في ثوبٍ بلالٍ. قال عبدُ الرَّزَّاق: الفَتَخُ: الخواتيمُ العِظامُ كانت في الجاهليَّة. قوله: ((قال ابنُ جُرَيج: وأخبرني الحسنُ بنُ مسلمٍ)) هو معطوفٌ على الإسناد الأوَّل، وقد أَفَرَدَ مسلم (١/٨٨٤) الحديث من طريق عبد الرزاق، وساق الثاني قبل الأوَّل فقَدَّمَ حديثَ ابن عبّاسٍ على حديث جابر، وقد تقدَّم (٩٦٢) من وجهٍ آخرَ عن ابن جُرَيج مختصراً في ((باب الخطبة)). ٦٠ باب ١٩/ ح ٩٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((خرج النبيُّ نَّ) كذا فيه بغير أداة عَطْف، وسيأتي (٤٨٩٥) في ((باب تفسير الممتحنة)) من وجهٍ آخرَ عن ابن جُرَيج بلفظ: فنزل نبيُّ الله وَلَّ، وكذا لمسلم من طريق عبد الرزاق هذه. وقوله: ((ثُمَّ يُخْطَب)) بضمٍّ أوَّلِه على البناء للمجهول. قوله: ((حين يُجُلِّس) بتشديد اللام المكسورة، وحذف مفعوله، وهو ثابتٌ في رواية مسلم (١/٨٨٤) بلفظ: ((يُجُلِّسُ الرجالَ بيدِه))، وكأنَّهم لمَّ انتَقَلَ عن مكان خُطبَتِه أرادوا الانصرافَ، فأمرهم بالجلوس حتَّى يَفرُغَ من حاجته ثمَّ ينصرفوا جميعاً، أو لعلَّهم أرادوا أن يَتْبَعوه فمَنَعَهم، فيقوَى البحثُ الماضي في آخر الباب الذي قبله. قوله: ((فقالت امرأةٌ واحدةٌ منهنَّ لم يُحِيْه غيرُها: نَعَم)) زاد مسلم: ((يا نبيَّ الله)). وفيه دلالةٌ على الاكتفاء في الجواب بنَعَم وتنزيلها منزلةَ الإقرار، وأنَّ جوابَ الواحد عن الجماعة کافٍ إذا لم يُنكِرِوا ولم يَمنَع مانعٌ من إنكارهم. ٤٦٨/٢ قوله: «لا يدري حَسَنٌ مَن هي» حسنٌ: هو الراوي له عن طاووسٍ،/ ووقع في مسلم وحدَه: ((لا يدري حينئذٍ))، وجَزَمَ جمعٌ من الحُفَّاظ بأنَّه تصحيف، ووَجَّهَه النَّوَويُّ بأمرٍ مُتَمَلِ لكنَّ اتّحاد المَخرَجِ دالٌّ على ترجيح رواية الجماعة ولا سيَّما وجودُ هذا الموضع في (مصنف عبد الرزاق)) (٥٦٣٢) الذي أخرجاه من طريقه كما في البخاريِّ موافقاً لرواية الجماعة. والفرقُ بين الروايتين أنَّ في رواية الجماعة تعيينُ الذي لم يَدرِ مَن المرأةُ، بخلاف رواية مسلم. ولم أقف على تسمية هذه المرأة، إلّا أنَّه يَخْتَلِجُ في خاطري أنَّها أسماءُ بنتُ يزيد بن السَّكَن التي تُعرَفُ بخطيبة النِّساء، فإنَّهَا رَوَت أصلَ هذه القصَّة في حديثٍ أخرجه البيهقيُّ والطَّبرانيُّ وغيرُهما من طريق شهر بن حَوشَبٍ عن أسماءَ بنت يزيد: أنَّ رسول الله وَه خرج إلى النِّساء وأنا معهنّ، فقال: يا معشرَ النِّساء إنَّكُنَّ أكثر حَطَبٍ جهنَّمَ. فناديت رسول الله وَ﴿ وكنت عليه جريئةً: لمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنَّكُنَّ تُكثِرِنَ اللَّعنَ، وَتَكْفُرنَ