النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
باب ٣٨ / ح ٩٣٧
كتاب الجمعة
وقوّاه الزَّين بن المنيِرِ بأنَّه قَصَدَ التَّسويةَ بين الجمعة والظُّهر في حكم التنقُّل كما قَصَدَ
التَّسويةَ بين الإمام والمأموم في الحكم، وذلك يقتضي أنَّ النافلةَ هما سواء، انتهى.
والذي يظهرُ أنَّ البُخاريَّ أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب، وهو ما رواه
أبو داود (١١٢٨) وابن حِبَّان (٢٤٧٦) من طريق أيوبَ عن نافع قال: كان ابن عمر يُطيلُ
الصلاة قبلَ الجمعة ويُصلِّ بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ كان يفعلُ
ذلك. احتَجَّ به النَّوَويّ في (الخُلاصة)) على إثبات سُنَّة الجمعة التي قبلها، وتُعُقِّبَ بأنَّ
قوله: وكان يفعلُ ذلك، عائد على قوله: ويُصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ويدلُّ عليه
رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصَرَفَ فسَجَدَ سَجدَتَينِ في
بيته ثمَّ قال: كان رسولُ اللهَ وَّ يصنعُ ذَلِك. أخرجه مسلم (٧٠/٨٨٢). وأمَّا قوله: كان
يُطيلُ الصلاة قبلَ الجمعة، فإن كان المراد بعد دخول الوقتِ فلا يَصِحُّ أن يكون مرفوعاً،
لأنَّهِ وَ جه كان يَخْرُجُ إذا زالت الشمسُ فَيَشتَغِلُ بالخطبة ثمَّ بصلاة الجمعة، وإن كان المراد
قبلَ دخول الوقت فذلك مُطلَق نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حُجَّةَ فيه لسُنَّة الجمعة التي قبلها
بل هو تَنقُّلٌ مُطلَق، وقد وَرَدَ التَّرغيبُ فيه كما تقدَّم (٨٨٣) في حديث سلمانَ وغيره حيثُ
قال فیہ: (ثمّ صلَّى ما گُتِبَ له)).
ووَرَدَ في سُنَّة الجمعة التي قبلها أحاديثُ أُخرى ضعيفةٌ منها: عن أبي هريرة، رواه
البَزّار بلفظ: كان يُصلِّ قبلَ الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً، وفي إسناده ضعفٌ. وعن عليٍّ
مثلُه، رواه الأثرَمِ والطَّبرانيُّ في ((الأوسطِ)) (١٦١٧) بلفظ: كان يُصلِّ قبلَ الجمعة أربعاً
وبعدها أربعاً. وفيه محمد بن عبد الرحمن السَّهميّ وهو ضعيفٌ عند البُخاريِّ وغيره، وقال
الأثرم: إنَّه حدیث واهٍ.
ومنها عن ابن عبّاس مثلُه، وزاد: لا يَفصلُ في شيءٍ منهُنّ. أخرجه ابن ماجَهْ (١١٢٩)
بسندٍ واهٍ، قال النَّوَويّ في ((الخُلاصة)): إنَّه حديث باطل. وعن ابن مسعود عند الطَّبرانيّ(١)
(١) في ((الأوسط)) (٣٩٥٩).

٧٢٢
باب ٣٩ / ح ٩٣٨-٩٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
أيضاً مثلُه، وفي إسناده ضعف وانقطاع. ورواه عبد الرزاق (٥٥٢٤) عن ابن مسعود
موقوفاً وهو الصوابُ.
وروى ابن سعد (٤٩١/٨) عن صَفيَّة زوج النبيِّ وَ ل موقوفاً نحو حديث أبي هريرة(١)،
وقد تقدَّم في أثناء الكلام على حديث جابر في قصَّة سُلَيكِ قبلَ سبعة أبواب (٩٣٠) قول مَن
قال: إنَّ المراد بالرَّكعتين اللَّتين أمره بهما النبيّ وَلَّ سُنَّة الجمعة، والجواب عنه، وقد تقدَّم نَقل
المذاهبِ في كراهة التطوُّع نصفَ النهار، ومَن استثنى يوم الجمعة دون بقيّة الأيام في ((باب
مَن لم يَكرَه الصلاة إلَّا بعد العَصرِ والفجر)) في أواخرَ المواقيتِ (٥٨٩).
وأقوى ما يُتمسَّكُ به في مشروعيَّة ركعتين قبلَ الجمعة عموم ما صحَّحه ابنُ حِبّان
(٢٤٥٥ و٢٤٨٨) من حديث عبد الله بن الزُّبَير مرفوعاً: ((ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبينَ
يديها ركعتان))، ومثلُه حديث عبد الله بن مُغفَّل الماضي في وقت المغرِبِ (٦٢٤): ((بين كلِّ
أذانينٍ صلاة))، وسيأتي الكلامُ على بقيَّة حديث ابن عمر في أبواب التطوُّع (١١٧٢) إن
شاء الله تعالى.
٣٩ - باب قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ
٤٢٧/٢
وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
٩٣٨- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا أبو غَسّان، قال: حدَّثني أبو حازمٍ، عن
سَهْل بن سعْدٍ قال: كانتْ فينا امرأةٌ تَجَعَلُ على أربعاءَ في مَزْرَعةٍ لها سِلْقاً، فكانتْ إذا كان يومُ
جمعةٍ تَنزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجعَلُه في قِدْرٍ، ثمَّ تَجَعَلُ عليه قَبْضةً من شَعِيرٍ تَطْحَنُها، فتكونُ
أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَه، وكنّا نَنصَرِفُ من صلاةِ الجمعةِ فتُسَلِّمُ عليها، فتُقرِّبُ ذلك الطَّعامَ إلينا
فَتَلْعَقُه، وكنّا نَتمِنَّى يومَ الجمعةِ لطعامها ذلكَ.
[أطرافه في: ٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩]
٩٣٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، قال: حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سَهْلٍ، بهذا
(١) ولفظه: أن صفية صلّت أربعاً قبل خروج الإمام، وصلّت الجمعة مع الإمام ركعتين.

٧٢٣
باب ٣٩ / ح ٩٣٨ -٩٣٩
كتاب الجمعة
وقال: ما كنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلا بعدَ الجمعةِ.
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِالصَّلَوةُ ﴾ الآية)) أورد فيه حدیثَ سهل ابن
سعد في قصَّة المرأة التي كانت تُطعِمُهم بعد الجمعة، فقيل: أراد بذلك بيان أنَّ الأمرَ في قوله:
﴿ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ ﴿وَبْثَغُواْ﴾ للإباحة لا للوجوب، لأنَّ انصرافَهم إنَّما كان للغَداء ثمَّ القائلةِ
عِوَضاً لما فاتَهم من ذلك في وقته المعتاد لاشتغالهم بالتأهُّبِ للجمعة ثمَّ بحضورِها، ووَهِمَ
مَن زَعَمَ أنَّ الصارفَ للأمرِ عن الوجوب هنا كَوْنُه وَرَدَ بعد الحَظرِ، لأنَّ ذلك لا يَستَلِمُ
عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدالّ على أنَّ الأمرَ المذكورَ للإباحة، وقد جَنَحَ الدَّاووديُّ إلى
أنَّه على الوجوب في حَقِّ مَن يَقدِرُ على الكَسب، وهو قولٌ شاذّ نُقِلَ عن بعض الظاهريَّة.
وقيل: هو في حقِّ مَن لا شيءَ عنده ذلك اليومَ، فَأُمِرَ بالطَّلَبِ بأيِّ صورةٍ اَتَّفَقَت ليَفرَحَ عيالُه
ذلك اليومَ لأَنَّه يومُ عيد، والذي يَتَرجَّحُ أنَّ في قوله: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ﴾ ﴿وَأَبْنَغُواْ﴾ إشارة إلى
استدراك ما فاتكم من الذي انفَضَضتُم إليه فيتحيّل إلى أنَّها قضيّةٌ شرطيَّةٌ، أي: مَن وقع له
في حال خُطبة الجمعة وصلاتها زمان يَحِصُلُ فيه ما يحتاجُ إليه مَن أمرِ دُنياه ومَعاشه فلا يقطعُ
العبادةَ لأجلِه، بل يَفرُغُ منها ويَذْهَبُ حينئذٍ لتحصيل حاجته، وبالله التوفيق.
قوله: ((حدَّثنا أبو غَسّان)) هو محمد بن مُطرِّف المدنيُّ، وأبو حازم: هو سَلَمُ بن دينار،
ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه سلمانُ مولى عَزَّةَ صاحب أبي هريرة.
قوله: ((كانتْ فينا امرأةٌ)) لم أقِفْ على اسمِها.
قوله: ((تَجَعَلُ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: تَحِقِلُ، بمُهمَلةٍ بعدها قاف، أي: تَزَرَعُ، والأربِعاءُ:
جمع ربيع، كأنصِبَاء ونَصِيب، والرَّبيع: الجَدوَل، وقيل: الصغيرُ، وقيل: الساقية الصغيرة،
وقيل: حافَات الأحواض، والمزرعة بفتح الرَّاء، وحكى ابن مالك جواز تثليثِها، والسِّلق
بكسر المهمَلة معروف، وحكى الكِرْمانُّ أنَّه وقع هنا ((سِلق)» بالرَّفع وتكلّف في توجیهِه.
قوله: («تَطْحَنُها)» في رواية المستملي: تَطْبُخُها، بتقديمِ الموحّدة بعدها مُعجَمة، وكلاهما
صحيح.

٧٢٤
باب ٣٩ / ح ٩٣٨ -٩٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فتكونُ أُصُول السِّلْقِ عَرْقَه)) بفتح المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها قاف ثمَّ هاء
ضمير، أي: عَرْق الطَّعام، والعَرْق: اللَّحم الذي على العظم، والمراد أنَّ السِّلقَ يقومُ مَقامه
عندهم. وسيأتي في الأطعمة (٥٤٠٣) من وجهٍ آخرَ في آخر الحديث: والله ما فيه شَحْم ولا
وَدَك، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: غَرِقة، بفتح المعجَمة وكسرِ الرَّاء وبعد القاف هاء التأنيث،
والمراد أنَّ السِّلقَ يَغْرَقُ في المرقة لِشِدَّة نُضجه.
وفي هذا الحديث جواز السلام على النِّسوة الأجانب، واستحباب التقرُّب بالخير ولو
بالشيءٍ الحقير، وبيان ما كان الصحابة عليه من القَناعة وشِدَّة العَيشِ والمبادرة إلى الطَّاعة
رضي الله عنهم.
٤٢٨/٢ قوله: ((بهذا)) أي: بالحديث الذي قبله، وظاهرُه أنَّ أبا غَسّان وعبد العزيز بن أبي حازم
اشتركا في رواية هذا الحديث عن أبي حازم، وزاد عبد العزيز الزّيادةَ المذكورةَ وهي قوله:
ما كنَّا نَقيلُ ونَتَغَدَّى إلَّا بعد الجمعة، وقد رواها أبو غسّان مُفرَدة كما في الباب الذي بعده،
لكن ليس فيه ذِكْر الغداء، وبينَ رواية أبي غسّان و عبد العزیز تفاؤُت یأتي بیانه في ((باب
تسليمٍ الرجال على النِّساء)) من كتاب الاستئذان (٦٢٤٨) إن شاء الله تعالى.
واستُدلَّ بهذا الحديث لأحمدَ على جواز صلاة الجمعة قبلَ الزَّوال وتَرجَمَ عليه ابن أبي
شَيْبة (١٠٦/٢) ((باب مَن كان يقول: الجمعة أوَّلَ النهار)) وأورد فيه حديث سهل هذا
وحديث أنس الذي بعده وعن ابن عمر مثله، وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود مثله
من قولهم، وتُعُقِّبَ بأنَّه لا دلالةَ فيه على أنَّهم كانوا يُصلُّون الجمعة قبلَ الزَّوال، بل فيه
أنَّهم كانوا يتشاغلون عن الغَدَاء والقائلة بالتَّهَيُّؤِّ للجمعة ثمَّ بالصلاة، ثمَّ ينصرفون
فيَتَدارَكون ذلك.
بل اذَّعَى الَّينُ بن المنيِّرِ أنَّه يُؤخَذُ منه أنَّ الجمعة تكونُ بعد الزّوال، لأنَّ العادةَ في
القائلة أن تكون قبلَ الزَّوال، فأخبر الصحابيّ أنَّهم كانوا يَشتَغِلون بالتَّهَيُّقِ للجمعة عن
القائلة، ويؤخّرون القائلةَ حتَّى تكون بعد صلاة الجمعة.

٧٢٥
باب ٤٠ / ح ٩٤٠-٩٤١
كتاب الجمعة
٤٠ - باب القائلة بعد الجمعة
٩٤٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُقْبةَ الشَّيْبانيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن مُمیدٍ، قال:
سمعتُ أنساً يقول: كنَّا نُبكِّرُ إلى الجمعةِ ثمَّ نَقِيلُ.
٩٤١- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا أبو غَسّان، قال: حدَّثني أبو حازمٍ، عن
سَهْلٍ قال: كنَّا نُصلّي مع النبيّ وَّهِ الجمعةَ ثُمَّ تكونُ القائلةُ.
قوله: ((باب القائلةِ بعدَ الجمعة)) أورَدَ فيه حديثَ أنس، وقد تقدَّم في ((باب وقت
الجمعة)) (٩٠٥)، وحديث سهل، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله، والله الموفِّقُ.
خاتمة: اشتمل كتاب الجمعة من الأحاديث المرفوعة على تِسعة وسبعينَ حديثاً،
الموصول منها أربعة وسِتّون حديثاً، والمعلَّق والمتابعة خمسة عَشَرَ حديثاً، المكَرَّر منها فيها
وفيما مضى ستَّة وثلاثون حديثاً، والخالص ثلاثة وأربعون حديثاً كلّها موصولة، وافَقَه
مسلم على تخريجِها إلَّا حديث سليمان في الاغتسال والدُّهنِ والطّيب، وحديث عمرَ وامرأة
عمرَ في النَّهيِ عن منع النِّساء المساجد، وحديث أنس في صلاة الجمعة حين تَميلُ الشمسُ،
وحديثه في القائلة بعدها، وحديثه: كان إذا اشتَدَّ البَرَدُ بَكَّرَ بالصلاة، وحديث أبي عَبسٍ:
((مَن اغبَرَّت قَدَماه))، وحديث السائب بن يزيد في النِّداء يوم الجمعة، وحديث أنس في
الجِذع، وحديث عَمْرو بن تَغْلِبَ: ((إنِّي أكِلُ أقواماً)، وحديث ابن عبّاس في الوَصَّة
بالإنصات، وحديث سهل بن سعد الأخيرِ في قصَّة المرأة والقائلة بعد الجمعة.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين أربعةَ عَشَرَ أَثَراً.

:

٧٢٧
ح ٩٤٢
أبواب صلاة الخوف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب صَلاة الخَوف
٤٢٩/٢
وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِذَا ضَرَبُّمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ﴾
[النساء: ١٠١].
٩٤٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ سألتُه: هل صَلَّى النبيُّ ◌َّـ
. يعني - صلاةَ الخوفِ؟ قال: أخبرني سالم: أنَّ عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما قال: غَزَوْتُ مع
النبي ◌ََّ قِبَلَ نَجْدٍ فوازَيْنا العَدُوَّ فصافَفْناهم، فقامَ رسولُ الله ◌َ يُصلِّ لنا، فقامَت طائفةٌ
معه تُصلّي، وأقبَلت طائفةٌ على العَدُوِّ، ورَكَعَ رسولُ الله ◌َّ بِمَن معه وسَجَدَ سَجْدتَيْنِ، ثمَّ
انصَرَفُوا مكان الطَّائفةِ الَّتي لم تُصلِّ، فجاؤوا فَرَكَعَ رسولُ الله ◌َّهِ بهم رَكْعَةً وسَجَدَ سَجْدتَينِ،
ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ كلُّ واحدٍ منهم فَرَكَعَ لنَفْسِه رَكْعةً وسَجَدَ سَجْدتَينِ.
[أطرافه في: ٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥]
قوله: ((أبواب صلاة الخوف)) ثَبَتَ لفظ أبواب للمُستَمْلِي وأبي الوَقْت، وفي رواية
الأَصِيلِيِّ وكَرِيمة: ((باب)) بالإفراد، وسَقَطَ للباقين.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ
الصَّلَوَةِ﴾)) ثَبَتَ سياق الآيتين بلفظهما إلى قوله: ﴿مُّهِينًا﴾ في رواية كَرِيمة، واقتصر في
رواية الأَصِيلِيِّ على ما هنا، وقال: إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾، وأمَّا أبو ذرِّ فساقَ الأولى
بتمامها ومن الثانية إلى قوله: ﴿ مَّعَكَ﴾ ثمّ قال: إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا ﴾.
قال الزّين بن المنيِر: ذكر صلاة الخوفِ إثرَ صلاة الجمعة لأنَّهما من ◌ُملة الخمس، لكن
خرج كلٌّ منهما عن قياس حُكمها في الصَّلَوات، ولمَّا كان خروج الجمعة أخَفّ قدَّمَه تِلوَ
الصَّلَوات الخمس، وعَقَّبَه بصلاة الخوفِ لكثرة المخالفة ولا سيَّما عند شِدَّة الخوف، وساق

٧٢٨
ح ٩٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
الآيتين في هذه الترجمة مُشيراً إلى أنَّ خروج صلاة الخوفِ عن هيئة بقيّة الصَّلَوات ثَبَت
بالكتاب قولاً وبالسُّنَّة فعلاً. انتهى مُلخَّصاً.
ولمَّا كانت الآيتان قد اشتملتا على مشروعيَّة القصرِ في صلاة الخوفِ وعلى كيفيَّتِها
ساقَهما معاً وأثَّرَ تخريجَ حديث ابن عمر لقوَّة شَبَه الكيفيَّة التي ذكرها فيه بالآية.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ﴾ أي: سافَرتُم، ومفهومه: أنَّ القَصْرَ مُختصُّ بالسفر،
٤٣٠/٢ وهو كذلك. / وأمَّا قولُه: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ فمفهومه اختصاص القَصْر بالخوفِ أيضاً، وقد
سألَ يَعْلى بن أُميَّة الصحابيّ عمر بن الخطّاب عن ذلك فذكر أنَّه سأل رسولَ الله وَّ عن
ذلك فقال: ((صَدَقة تَصَدَّقَ الله بها عليكم فاقبلوا صَدَقَتَه))، أخرجه مسلم (٦٨٦)، فثَبَتَ
القصرُ في الأمنِ ببيان السُّنَّة، واختُلِفَ في صلاة الخوفِ في الحضرِ فمَنَعَه ابن الماحِشُون
أخذاً بالمفهومِ أيضاً، وأجازه الباقون.
وأمّا قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِهِمْ﴾ فقد أخَذَ بمفهومِه أبو يوسف في إحدى الروایتین عنه
والحسن بن زياد اللَّؤْلُؤيّ من أصحابه وإبراهيم ابن عُليَّة، وحُكيَ عن المُزَنِيّ صاحب
الشافعي، واحتَجَّ عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبيِّوَّه، وبِقوله ◌َّ: ((صَلّوا
كما رأيتموني أُصَلّى))(١)، فعموم منطوقه مُقدَّم على ذلك المفهومِ. وقال ابن العربيِّ وغيره:
شرطُ كَونِهِ بِّهِ فِيهم إِنَّمَا وَرَدَ لبيان الحُكمِ لا لوجودِه، والتقدير: بَيِّن لهم بفعلك لكَونِه
أوضحَ من القول. ثمَّ إِنَّ الأصلَ أنَّ كلَّ عُذرٍ طَرأ على العبادة فهو على التَّساوي كالقصر،
والكيفيَّةُ وَرَدَت لبيان الَذَرِ من العدو، وذلك لا يقتضي التَّخصيص بقومٍ دون قوم.
وقال الزَّين بن المنيِّر: الشَّرطُ إذا خرج تَخَرَج التَّعليم لا يكون له مفهوم كالخوفِ في
قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنَّ خِفْتُمْ﴾، وقال الطَّحاويّ: كان أبو يوسف قد قال
مَرَّة: لا تُصَلَّى صلاة الخوفِ بعد رسول ◌َّهِ، وزَعَمَ أنَّ الناسَ إِنَّمَا صَلَّوها معه لفضل
الصلاة معه وَ لّ، قال: وهذا القولُ عندنا ليس بشيء، وقد كان محمّد بن شُجاع يَعيبُه
-
(١) سلف برقم (٦٣١).

٧٢٩
ح ٩٤٢
أبواب صلاة الخوف
ويقول: إنَّ الصلاة خلفَ النبيِّ وَّ﴿ وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعاً إِلَّا أنَّه
يقطعُها ما يقطعُ الصلاة خلفَ غيره. انتهى، وسيأتي سببُ النُّزول وبيان أوَّل صلاةٍ
صُلّيَت في الخوفِ في كتاب المغازي (٤١٢٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((عن الزُّهْريِّ سَألْتُه)) القائل: هو شعيب، والمسؤولُ: هو الزُّهريُّ، وهو القائلُ:
أخبرني سالم، أي: ابن عبد الله بن عمر، ووقع بخطّ بعض مَن نَسَخَ الحديثَ: عن الزُّهريِّ
قال: سألتُه، فأثبَتَ ((قال)) ظنّاً أنَّها حُذِفَت خطأ على العادة، وهو مُتمل، ویکون حذف
فاعل ((قال))، لا أنَّ الزُّهريَّ هو الذي قال، والمتَّجه حذفها وتكون الجملةُ حاليَّةً، أي:
أخبرني الزُّهريُّ حالَ سؤالي إيّاه.
وقد رواه النَّسائيّ (١٥٣٩) من طريق بقيَّةَ عن شعيب حدَّثني الزُّهريّ عن سالم بن
عبد الله عن أبيه وأخرجه السرَّاجُ(١) عن محمَّد بن يحيى، عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه
فزاد فيه، ولفظه: سألته: هل صلَّ رسول الله وَ له صلاة الخوفِ أم لا؟ وكيف صلَّاها إن
كان صلَّاها؟ وفي أيِّ مَغازيه كان ذلك؟ فأفاد بيانَ المسؤولِ عنه وهو صلاةُ الخوفِ.
قوله: ((غَزَوْت مع النبيِّ وَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: جهةَ نَجد،
ونَجْدٌ: كلُّ ما ارتَفَعَ من بلاد العرب، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُ هذه الغزوة في الكلام
على غزوة ذات الرِّقاع من المغازي (٤١٣٢).
قوله: ((فوازَيْنا)) بالزّاي، أي: قابَلْنا، قال صاحب ((الصحاح)): يقال: آزَيت، يعني:
بهمزةٍ ممدودةٍ لا بالواو. والذي يَظهَرُ أنَّ أصلَه الهمزة فقُلِبَت واواً.
قوله: ((فصافَفْناهم)) في رواية المستمْلي والسَّرَخسيّ: فصافَفْنا لهم.
وقوله: ((فصلَّى لنا)) أي: لأجلِنا أو بنا.
قوله: ((ثُمَّ انصَرَفُوا مكان الطَّائِفَةِ الَّتي لم تُصلِّ)) أي: فقاموا في مكانهم، وصرَّحَ به في رواية
بقيَّةَ المذكورة، ولمالكِ في ((الموطَّأ)) (١٨٤/١) عن نافع عن ابن عمر: ثمَّ استأخَروا مكان
(١) في ((حديثه)) برواية الشحّامي (٢٣٥٢).

٧٣٠
ح ٩٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
الذينَ لم يُصلُّوا ولا يُسلِّمون. وسيأتي إن شاء الله تعالى عند المصنِّف في التفسير (٤٥٣٥).
قوله: ((رَكْعة وسَجَدَ سَجْدتَين)) زاد عبد الرزاق (٤٢٤٢) عن ابن جُرَيج عن الزّهريِّ:
مثلَ نصفِ صلاة الصبح. وفي قوله: مثلَ نصفِ صلاة الصبح إشارة إلى أنَّ الصلاة
المذكورةَ كانت غيرَ الصبح، فعلى هذا فهي رُباعيَّة، وسيأتي في المغازي (٤١٣٠) ما يدلُ
على أنَّها كانت العصر، وفيه دليلٌ على أنَّ الرَّكعةَ المقضيَّةَ لا بُدَّ فيها من القراءَة لكُلٌّ من
الطائفتَينِ، خلافاً لمن أجاز للثانية ترك القراءة.
٤٣١/٢ قوله: ((فقامَ كلُّ واحدٍ منهم فَرَكَع لنَفْسِه)) لم تَخْتَلِفِ الطّرق عن ابن عمر في هذا،
وظاهره أنَّهم أتمُّوا لأَنفُسِهم في حالةٍ واحدة، ويحتملُ أنَهم أتمُّوا على التَّعاقُبِ وهو
الرَّاجحُ من حيثُ المعنى، وإلَّا فِيَستَلِمُ تضييعَ الحراسة المطلوبة، وإفرادَ الإمام وحده.
ويُرجِّحُه ما رواه أبو داود (١٢٤٤) من حديث ابن مسعود ولفظه: ثمَّ سَلَّمَ فقامَ هؤلاءِ،
أي: الطائفةُ الثانيةُ، فَقَضَوا لأنفُسِهِم ركعة ثمَّ سَلَّموا، ثمَّ ذهبوا ورجع أولئك إلى مَقامهم
فصَلَّوا لأنفُسِهِم ركعةً ثمَّ سَلَّموا. انتهى، وظاهرُه أنَّ الطائفةَ الثانيةَ والتْ بين ركعتَيها ثمَّ
أتَمّت الطائفةُ الأولى بعدها.
ووقع في الرَّافعيِّ تَبَعاً لغيره من كتبٍ الفقه: أنَّ في حديث ابن عمر هذا: أنَّ الطائفةً
الثانيةَ تأخّرَت وجاءت الطائفة الأولى فأتمُّوا ركعة، ثمَّ تأخّروا وعادت الطائفةُ الثانيةُ
فأتمُّوا، ولم نَقِف على ذلك في شيءٍ من الطُّرق، وبهذه الكيفيَّة أخَذَ الحنفيَّةُ، واختارَ
الكيفيَّة التي في حديث ابن مسعودٍ أشهَبُ والأوزاعيُّ، وهي موافقة لحديث سهل بن أبي
حَثْمة من رواية مالك (١٨٣/١) عن يحيى بن سعيد، واستدلَّ بقوله: طائفة، على أنَّه لا
يُشتَرطُ استواء الفريقَينِ في العدد، لكن لا بُدَّ أن تكون التي تَحُرُسُ يَحَصُلُ الثِّقة بها في ذلك،
والطائفة تُطلَقُ على الكثيرِ والقليل حتَّى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف
جاز لأحدِهم أن يُصلِّيَ بواحد، ويَحَرُسُ واحد ثمَّ يُصلِّي الآخر، وهو أقلُّ ما يُصوَّرُ في
صلاة الخوفِ جماعة على القول بأقلِّ الجماعة مُطلَقاً.

٧٣١
ح ٩٤٢
أبواب صلاة الخوف
لكن قال الشافعيّ: أكره أن تكون كلُّ طائفةٍ أقلّ من ثلاثةٍ، لأنَّه أعاد عليهم ضمير
الجمعِ بقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ذكره النَّوَويّ في ((شرح مسلم) وغيره. واستُدلَّ به على عِظَمِ
أمر الجماعة، بل على ترجيحِ القول بوجوبِها لارتكاب أُمورٍ كثيرةٍ لا تُغْتَفَرُ في غيرها، ولو
صلَّى كلُّ امرِئ مُنفِرِداً لم يقع الاحتياج إلى مُعظَمٍ ذلك، وقد وَرَدَ في كيفيَّة صلاة الخوف
صِفات كثيرة.
وَرَجَّحَ ابن عبد البَرّ هذه الكيفيّة الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوّة الإسناد
ولموافقة الأُصول في أنَّ المأمومَ لا يُتِمُّ صلاتَه قبلَ سَلام إمامه، وعن أحمدَ قال: ثَبَتَ في
صلاة الخوفِ ستَّة أحاديثَ أو سبعة أيَّها فعل المرءُ جاز(١)، ومال إلى ترجيحِ حديث سهل
بن أبي حَتْمة الآتي في المغازي (٤١٣١)، وكذا رَجَّحَه الشافعي، ولم يَخَتَر إسحاق شيئاً على
شيء، وبِهِ قال الطََّريّ وغير واحدٍ منهم ابن المنذر وسَرَدَ ثمانية أوجُه، وكذا ابن حِبَّان في
(صحيحه)، وزاد تاسعاً. وقال ابن حَزْم: صَحَّ فيها أربعةَ عشرَ وجهاً، وبيَّنها في جزءٍ مُفرَدٍ.
وقال ابن العربيِّ في ((القَبَس)): جاء فيها روايات كثيرة أصَحّها ستَّة عشر رواية مختلفة. ولم
يُبِيِّتْها. وقال النَّوَويّ نحوَه في ((شرح مسلم)) ولم يُبيُِّها أيضاً، وقد بيَّنها شيخُنا الحافظُ أبو
الفضل في ((شرح التِّرمِذيِّ)) وزاد وجهاً آخرَ فصارت سبعةَ عشرَ وجهاً، لكن يُمكِنُ أن
تَتَدَاخَلَ. قال صاحب ((الهَدْى)): أُصولها ستّ صِفات، وبَلّغَها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلَّما
رأوا اختلاف الرُّواةُ في قصَّةٍ جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبيِّ وَّة، وإنَّما هو من اختلاف
الرُّواة. انتهى، وهذا هو المعتمَدُ، وإليه أشارَ شيخُنا بقوله: يُمكِنُ تَداخُلُها. وحكى ابنُ
القَصّار المالكيُّ: أنَّ النبيَّ وَيِّ صلَّاها عشر مرّات، وقال ابن العربيّ: صلَّاها أربعاً وعشرين
مَرَّة، وقال الخطَّبيّ: صلَّاها النبيّ وَّهِ في أيامٍ مختلفةٍ بأشكالٍ مُتبايِنِةٍ يَتَحرَّى فيها ماهو
الأحوَطُ للصلاة والأبلَغُ للحِراسة، فهي على اختلاف صُوَرها مُتَّفِقة المعنى، انتهى.
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة وفُروع لا يَتحمَّلُ هذا الشَّرح بسطَها، والله المستعان.
(١) انظر ((صحيح ابن حبان)) ١١٩/٧-١٤٥، و((نصب الراية)) ٢٤٣/١-٢٤٩.

٧٣٢
باب ١ / ح ٩٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
١ - بابُ صلاة الخوف رجالاً وركباناً
راچِلٌ : قائمٌ.
٩٤٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بن سعيدِ القُرَشِيُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ،
عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ نَحْواً من قولٍ مجاهدٍ: إذا اختَلَطُوا قياماً.
وزاد ابنُ عمَرَ عن النبيِّ وَّ: ((وإن كانوا أكثرَ من ذلك فليُصلُّوا قِياماً ورُكْبانا)).
٤٣٢/٢ قوله: (باب صلاة الخوفِ رجالاً ورُكْباناً) قيل: مقصودُه أنَّ الصلاة لا تَسقُطُ عند
العجزِ عن التُّزول عن الدّابَّة ولا تُؤَخَّرُ عن وقتها، بل تُصلَّى على أيّ وجهٍ حَصَلت القُدْرةُ
عليه بدليل الآية.
قوله: ((راجِل: قائمٌ) يريدُ أنَّ قوله: ((رجالاً)) جمع راجل، والمراد به هنا القائم، ويُطلَقُ
على الماشي أيضاً، وهو المرادُ في سورة الحجِّ بقوله تعالى: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي:
مُشاةً، وفي ((تفسير الطَّبَريّ)) (٢/ ٥٧٣) بسندٍ صحيحٍ عن مجاهد في قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ
فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] إذا وقع الخوفُ فليُصلِّ الرجلُ على كلِّ جهة قائماً أو راكباً.
قوله: ((عن نافع، عن ابن عمر نَحْواً من قولِ مجاهدٍ: إذا اختَلَطُوا قیاماً. وزاد ابن عمر عن
النبيِّ نَّه: وإن كانوا أكثرَ من ذلك فليُصلُّوا قياماً ورُكْبانا)) هكذا أورَدَه البخاريّ مختصراً
وأحالَ على قول مجاهد، ولم يَذكُرُه هنا ولا في موضعٍ آخرَ من كتابه، فأشكَلَ الأمرُ فيه فقال
الكِرْمانيّ: معناه أن نافعاً روى عن ابن عمر نحواً ممَّا روى مجاهد عن ابن عمر، والمرويّ
المشترك بينهما هو: ما إذا اختَلَطوا قياماً، وزيادة نافع على مجاهد قوله: ((وإن كانوا أكثر من
ذلك ... )) إلى آخره، قال: ومفهومُ كلام ابن بَطَّالٍ أنَّ ابن عمر قال مثلَ قول مجاهد، وأنَّ
قولهما مِثْلان في الصورة، أي: في الاختلاط وفي الأكثريَّة، وأنَّ الذي زاد هو ابن عمر، لا
نافع. انتهى، وما نَسَبَه لابنِ بَطَّالٍ بيِّن في كلامه إلَّا المثليَّة في الأكثريَّة فهي مُختصَّةٌ بابن
عمر، وكلام ابن بَطَّالٍ هو الصوابُ وإن كان لم یذكُر دلیلَه.
والحاصلُ أنّهما حديثان: مرفوع وموقوف، فالمرفوع من رواية ابن عمر وقد يُروَی کلّه أو

٧٣٣
باب ١ / ح ٩٤٣
أبواب صلاة الخوف
بعضه موقوفاً عليه أيضاً، والموقوف من قول مجاهدٍ لم يروِه عن ابن عمر ولا غيره، ولم أعرِف
من أينَ وقع للكِرْمانيِّ أنَّ مجاهداً روى هذا الحديثَ عن ابن عمر فإنَّه لا وجود لذلك في
شيءٍ من الطّرق، وقد رواه الطَّريّ (٥٧٦/٢) عن سعيد بن یحیی شیخ البخاريّ فيه بإسناده
المذكور إلى ابن عمر قال: إذا اختَلَطوا - يعني في القتال - فإنَّما هو الذِّكُرُ وإشارة الرَّأس. قال
ابن عمر: قال النبيّ وَلّ: «فإن كانوا أكثر من ذلك فيُصلُّون قياماً ورُكبانا)). هكذا اقتصر على
حديث ابن عمر، وأخرجه الإسماعيليّ عن الهَثَم بن خَلَف عن سعيدِ المذكور مثلَ ما ساقَه
البخاريّ سواء، وزاد بعد قوله: اختَلَطوا: فإنَّما هو الذِّكرُ وإشارة الرَّأس، انتهى.
وتَبِيَّنَ من هذا أنَّ قوله في البخاريٍّ: ((قياماً) الأُولى تصحيف من قوله: ((فإنّم))، وقد
ساقَه الإسماعيليّ من طريقٍ أُخرى بيَّن فيها لفظ مجاهد وبيَّن فيها الواسطةَ بين ابن جُرَيج
وبينه، فأخرجه من رواية حَجّاج ابن محمَّد عن ابن جُرَيج عن عبد الله بن کثیر عن مجاهدٍ
قال: إذا اختَلَطوا فإنَّما هو الإشارة بالرَّأس. قال ابن جُرَيج: حدَّثني موسى بن عُقْبةً عن
نافعٍ عن ابن عمر بمثل قول مجاهدٍ: إذا اختَلَطوا فإنَّما هو الذِّكرُ وإشارة الرّأس. وزاد عن
النبيِّ وَّ: (فإن كَثُرُوا فلْيُصلُّوا رُكباناً أو قياماً على أقدامهم)) فتَبَيَّنَ من هذا سببُ التعبير
بقوله: نحو قول مجاهد، لأنَّ بين لفظه وبينَ لفظ ابن عمر مُغايرة، وتَبيَّنَ أيضاً أنَّ مجاهداً إِنَّا
قاله برأيه لا من روايته عن ابن عمر، والله أعلم. وقد أخرج مسلم (٣٠٦/٨٣٩) حديث
ابن عمر من طريق سفيان الثَّوريِّ عن موسى بن عُقْبةَ، فذكر صلاة الخوفِ نحوَ سياق
الزُّهريّ عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر: فإذا كان خوفٌ أكثر من ذلك فليُصلِّ راكباً
أو قائماً يُومِىُّ إيماءً، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عُقْبَةَ
موقوفاً، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أنَّ عبد الله بن عمر كان يخبرُ بهذا عن النبيِّ ◌َّ.
فاقتَضَی ذلك رفعه کلّه.
وروى مالك في ((الموطأ)) (١٨٤/١) عن نافع كذلك، لكن قال في آخره: قال نافع: لا
أُرَى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلَّا عن النبيِّ وَل 9. وزاد في آخره: («مُستَقْبِلي القِبْلة أو غير

٧٣٤
باب ٢ / ح ٩٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
مُستَقبِليها)). وقد أخرجه المصنِّفُ من هذا الوجه في تفسير سورة البقرة (٤٥٣٥)، ورواه
عُبِيدُ الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً كلّه بغير شكٌّ. أخرجه ابن ماجَهْ (١٢٥٨)
٣٣/٢؛ ولفظُه: قال رسول الله وَلَه في صلاة الخوف: / «أن يكون الإمامُ يُصلِي بطائفةٍ)» فذكر نحوَ
سياق سالمٍ عن أبيه، وقال في آخره: ((فإن كان خوفٌ أشدَّ من ذلك فرجالاً ورُكْباناً))،
وإسناده جیِّد.
والحاصلُ أنَّه اختُلِفَ في قوله: ((فإن كان خوفٌ أشدَّ من ذلك)) هل هو مرفوعٌ أو
موقوفٌ على ابن عمر، والرَّاجح رفعه، والله أعلم.
قوله: ((وإن كانوا أكثرَ من ذلكَ)) أي: إن كان العَدوُّ، والمعنى: أنَّ الخوفَ إذا اشتَدَّ
والعدوّ إذا كَثُرَ فخِيفَ من الانقسام لذلك جازت الصلاةُ حينئذٍ بحَسَبَ الإمكان، وجاز
تركُ مُراعاة ما لا يُقدَرُ عليه من الأركان، فينتقلُ عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع
والسجودِ إلى الإيماء إلى غير ذلك، ويِهِذا قال الجمهور، ولكن قال المالكيَّةُ: لا يصنعون
ذلك حتَّى يُحِشَى فواتُ الوقت، وسيأتي مذهبُ الأوزاعيّ في ذلك بعد باب.
تنبيه: ابن جُرَيج سمع الكثير من نافع، وقد أدخَلَ في هذا الحديث بينه وبينَ نافع
موسى بن عُقْبة، ففي هذا تقويةٌ لمن قال: إنَّه أَثبَتُ الناس في نافع، ولابن جُرَيج فيه إسناد
آخر أخرجه عبد الرزاق (٤٢٤٢) عنه عن الزّهريِّ عن سالم عن أبيه.
٢ - باب يحرس بعضهم بعضاً في الخوف
٩٤٤- حدَّثنا حَيوةُ بنُ شُرَيح، قال: حذَّثنا محمّدُ بنُ حَرْبٍ، عن الزُّبَيديِّ، عن الُّهْرِيِّ،
عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قامَ النبيُّ ◌َّهِ وقامَ
النّاسُ مَعَه، فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا مَعَه، وَرَكَعَ وَرَكَعَ ناسٌ منهم، ثمَّ سَجَدَ وسَجَدُوا مَعَه، ثمَّ قامَ
للثانيةِ فقامَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَه وحَرَسوا إخوانَهم، وأتَتِ الطَّائفةُ الأخرَى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا
مَعَه، والنّاسُ كلُّهم في صلاةٍ، ولكِن يَحْرُسُ بعضُهم بعضاً.
قوله: ((باب يَجِرُسُ بعضهم بعضاً في الخوف)) قال ابن بَطَّل: مَحَلّ هذه الصورة إذا كان

٧٣٥
باب ٢ / ح ٩٤٤
أبواب صلاة الخوف
العدوّ في جهة القِبْلة فلا يَفتَرِقون والحالةُ هذه بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن
عمر، وقال الطَّحاويّ: ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ
طَآئِفَةٌ أُخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدوُّ في غيرِ القِبْلة، وذلك ببيانه بَّهِ، ثمَّ بيَّن
كيفيَّةَ الصلاة إذا كان العدوُّ في جهة القِبْلة، والله أعلم.
قوله: ((عن الزُّبَيديّ)) في رواية الإسماعيليّ: حدَّثنا الزُّبَيدي، ولم أرَه من حديثه إلّا من
رواية محمَّد بن حَرْبٍ عنه، وقد وافَقَه عليه التُّعمان بن راشد عن الزّهريِّ. أخرجه البَزّار(١)
وقال: لا نَعلَمُ رواه عن الزُّهرِيِّ إلَّا النُّعمان، ولا عنه إلَّا وُهَيب - يعني ابن خالد - انتهى.
ورواية الزُّبَيديّ تَرُدُّ عليه.
قوله: ((ورَکعَ ناس منهم) زاد الگُشْمِیھنيُّ: معه.
قوله: ((ثمَّ قامَ للثانيةِ فقامَ الذينَ سَجَدُوا معه)) في رواية النَّسائيّ (١٥٣٤) والإسماعيليّ:
ثُمَّ قامَ إلى الرَّكعة الثانية، فتأخّرَ الذينَ سَجَدوا معه.
قوله: ((فَرَكَعُوا وسَجَدُوا)) في روايتهما أيضاً: فَرَكَعوا مع النبيِّ وَّ.
قوله: ((في صلاة)) زاد الإسماعيليّ: يُكبِّرُون، ولم يقع في رواية الزُّهريّ هذه هل أكملوا
الرَّكعةَ الثانيةَ أم لا، وقد رواه النَّسائيّ (١٥٣٣) من طريق أبي بكر بن أبي الجَهمِ عن
شيخِه عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، فزاد في آخره: ولم يَقضُوا. وهذا كالصَّريحِ في
اقتصارهم علی رکعة ركعة.
وفي الباب عن حُذَيفةَ وعن زيد بن ثابت عند أبي داود والنَّسائيّ وابنٍ حِبَّان(٢)، وعن
جابر عند النَّسائيِّ (١٥٤٥)، ويشهدُ له ما رواه مسلم (٦٨٧) وأبو داود (١٢٤٧) والنَّسائيُّ
(١٥٣٢) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس قال: فَرَضَ الله الصلاة على لسان نبيّكم في
(١) وأخرجه أيضاً من طريق وهيب عن النعمان: السرّاج في («مسنده)) (١٥٧٢).
(٢) حديث حذيفة عند أبي داود (١٢٤٦)، والنسائي (١٥٢٩) و(١٥٣٠)، وابن حبان (١٤٥٢) و(٢٤٢٥)،
وحديث زيد عند النسائي (١٥٣١)، وابن حبان (٢٨٧٠)، وعلقه أبو داود بإثر حديث حذيفة.

٧٣٦
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحضرِ أربعاً وفي السفرِ ركعتين وفي الخوفِ ركعة.
وبالاقتصار في الخوفِ على ركعةٍ واحدةٍ يقول إسحاق والثّوريّ ومَن تَبِعَهما، وقال به
أبو هريرة وأبو موسى الأشعَريّ وغير واحدٍ من التابعين، ومنهم مَن قَيَّدَ ذلك بشِدَّة
الخوف، وسيأتي عن بعضهم في شِدَّة الخوفِ أسهل من ذلك.
٤٣٤/٢ وقال الجمهور: قصرُ الخوف قصر هيئةٍ لا قصرُ عَدَد، وتأوَّلوا رواية مجاهدٍ هذه على أنَّ
المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفيُ الثانية، وقالوا: يحتملُ أن يكون قوله في الحديث
السابق: لم يَقضُوا، أي: لم يُعيدوا الصلاة بعد الأَمْنِ، والله أعلم.
فائدة: لم يقع في شيءٍ من الأحاديث المرويَّة في صلاة الخوفِ تَعرُّضٌ لكيفيَّة صلاة
المغرب، وقد أجمعوا على أنَّه لا يدخلُها قصرٌ، واختَلَفوا هل الأَولى أن يُصلِّيَّ بالأُولى ئِنْتَينِ
والثانية واحدة أو العكس.
٣- باب الصلاة عند مُناهَضة الحصون ولقاء العدوّ
وقال الأوزاعيُّ: إن كان ◌َهيَّأَ الفَتْحُ ولم يَقْدِرُوا على الصلاة صَلَّوْا إيماءً، كلُّ امِرِئٍ لِنَفْسِه،
فإن لم يَقدِرُوا على الإيماءِ أخَّرُوا الصلاةَ حتَّى يَنْكَشِفَ القِتالُ أو يأمَنُوا فِيُصِلُّوا رَكْعَتَين، فإن لم
يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعةٌ وسَجْدَتَينٍ، فإن لم يَقْدِرُوا فلا يَخْزِيْهم التَّكْبِيرُ ويُؤْخِّرُونها حتَّى يأمَنُوا.
وبه قال مَکْحُولٌ.
وقال أنسٌ: حَضَرْتُ عندَ مُناهَضةِ حِصْنٍ تُسْتَرَ عندَ إضاءةِ الفجرِ، واشتَدَّ اشتِعالُ
القِتال فلم يَقْدِرُوا على الصَّلاةِ، فلم نُصَلِّ إلا بعدَ ارتفاعِ النَّهارِ، فصلَّيناها ونحنُ معَ أبي
موسى ففُتِحَ لنا.
قال أنسُ: ما يَسُرُّني بتلكَ الصَّلاةِ الدُّنْيا وما فيها.
قوله: ((باب الصلاة عندَ مُناهَضَة الحصون)) أي: عند إمكان فتحِها، وغَلَبة الظنِّ على
القُدْرة على ذلك.
قوله: ((ولِقاء العَدُوّ)) وهو من عطف الأعمّ على الأخص، قال الزَّين بن المنيِّر: كأنَّ

٧٣٧
باب ٣
أبواب صلاة الخوف
المصنِّف خَصَّ هذه الصورة لاجتماع الرَّجاء والخوف في تلك الحالة، فإنَّ الخوفَ يقتضي
مشروعيَّةَ صلاةِ الخوفِ، والرَّجاءَ بحصول الظَّفَر يقتضي اغتفار التأخير لأجل استكمال
مَصلَحة الفَتح، فلهذا خالَفَ الحُكمُ في هذه الصورة الحُكمَ في غيرها عند مَن قال به.
قوله: ((وقال الأوزاعيّ ... )) إلى آخره، كذا ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب ((السّيَرِ)).
قوله: ((إن كان تَهِيَّ الفَتْح)) أي: تمكَّن، وفي رواية القابِسيّ: إن كان بها الفَتح، بمُوحَّدة
وهاء الضَّمير، وهو تصحيف.
قوله: ((فإن لم يَقدِرُوا على الإيماء)) قيل: فيه إشكال؛ لأنَّ العجزَ عن الإيماء لا يَتَعذَّرُ مع
حصول العَقل، إلَّا أن تقعَ الدَّهْشة فيَعزُبُ استحضارُ ذلك، وتُعُقِّبَ. قال ابن رُشَيد: مَن
باشَرَ الحربَ واشتغال القلب والجوارح إذا اشتَغَلَت عَرَفَ كيف يَتَعذَّرُ الإيماء، وأشارَ ابن
بَطَّل إلى أنَّ عدمَ القُدْرة على ذلك يُتصوَّرُ بالعجزِ عن الوضوءِ أو التيمُّمِ للاشتغال
بالقتال، ويحتملُ أنَّ الأوزاعيّ كان يرى استقبالَ القِبْلة شرطاً في الإيماء فيُتصوَّرُ العجزُ عن
الإيماء إليها حينئذٍ.
قوله: ((فلا تَجزيهم التكبير)) فيه إشارة إلى خلاف مَن قال: يَجْزِي، كالثّوري، وروى ابن ٤٣٥/٢
أبي شَيْبة (٢/ ٤٦٠) من طريق عطاء عن (١) سعيد بن جُبَير وأبي البَخْتَريِّ في آخرين قالوا:
إذا التَّقَى الَّحْفان وحَضَرَت الصلاةُ، فقولوا: سبحانَ الله والحمد لله ولا إلهَ إلَّا الله والله
أكبرُ، فتلك صلاتهم بلا إعادة. وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطَّراد والمسايفة(٢) يُحِزِئُ
أن تكون صلاة الرجلِ تكبيراً، فإن لم يمكن (٣) إلَّا تكبيرةٌ واحدةٌ أجزأته أينَ كان وجهُه.
وقال إسحاق بن راهويه: يُزِئُ عند المسايفة ركعة واحدة يُومِىُّ بها إيماء، فإن لم يَقدِر
(١) وقع في الأصلين و(س): من طريق عطاء وسعيد ... بالعطف، وهو خطأ، صوّبناه من النسخ المطبوعة
المحقّقة من ((مصنف ابن أبي شيبة))، ولأن الراوي عن عطاء - وهو ابن السائب - جرير بن عبد الحميد
لم يدرك سعيد بن جبير وأبا البختري.
(٢) تصحفت في (س) في الموضعين إلى: المسابقة.
(٣) في (ع): یکېّ، وفي (س): یکن.

٧٣٨
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
فسجدة فإن لم يَقدِر فتكبيرة.
قوله: ((وبِهِ قال مَكْحُول)) قال الكِرْمانيّ: يحتملُ أن يكون بقيَّةً من كلام الأوزاعي،
ويحتملُ أن يكون من تعليق البخاريّ انتهى. وقد وَصَلَه عبد بن حميد في («تفسيره) عنه
من غير طريق الأوزاعيّ بلفظ: إذا لم يَقدِر القوم على أن يُصلُّوا على الأرضِ صَلَّوا على
ظَهر الذَّوابِّ ركعتين، فإن لم يَقدِروا فركعة وسجدتَين، فإن لم يَقدِروا أخَّروا الصلاة
حتَّى يأمنوا فيُصلُّوا بالأرض.
تنبيه: ذكر ابن رُشَيد أنَّ سياق البخاريِّ لكلام الأوزاعيّ مُشوَّش، وذلك أنَّه جَعَلَ
الإيماء مشروطاً بتَعذُّر القُدْرة، والتأخيرَ مشروطاً بتَعذُّرِ الإيماء، وجَعَلَ غاية التأخير
انكِشافَ القتال، ثمَّ قال: أو يأمَنوا فيُصلُّوا ركعتين، فجعلَ الأمن قَسيم الانكِشاف،
وبالانكشاف يَحَصُلُ الأمنُ فكيف يكون قَسيمَه؟ وأجاب الكِرْمانيّ عن هذا بأنَّ
الانكشافَ قد يَحَصُلُ ولا يَحصُلُ الأمن لخوفِ المعاوَدة، كما أنَّ الأمنَ قد تَحَصُلُ بزيادة
القوَّة واتِّصال المدَدِ بغير انكِشاف، فعلى هذا فالأمن قَسيم الانكشاف أيّهما حَصَلَ اقتَضَى
صلاةَ رکعتین.
وأمَّا قولُهُ: ((فإن لم يَقدِروا)) فمعناه على صلاة ركعتين بالفعل أو بالإيماء ((فواحدة)) وهذا
يُؤخَذُ من كلامه الأوَّلِ، قال: فإن لم يَقدِروا عليها أخَّروا، أي: حتَّى يَحَصُلَ الأمنُ التامّ.
والله أعلم.
قوله: ((وقال أنس)) وَصَلَه ابن سعد (١) وابن أبي شَيْبة (١٣ /٢٨) من طريق قَتادةَ عنه،
وذكره خليفة في ((تاريخِه))(٢) وعمر بن شَبَّة في ((أخبار البصرة)) من وجهينٍ آخرَينِ عن
قتادة، ولفظ عمرَ: سُئل قتادة عن الصلاة إذا حَضَرَ القتال، فقال: حدَّثني أنس بن مالك
أَّهم كانوا حين(٣) فَتَحوا تُستَرَ وهو يومئذٍ على مُقدِّمة الناس وعبدُ الله بن قيس - يعني أبا
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((طبقات ابن سعد))، وقد أورده عنه الحافظ في ((التغليق)) ٣٧٢/٢.
(٢) ص ١٤٦.
(٣) قوله: ((كانوا حين)) سقط من (س).

٧٣٩
باب ٣
أبواب صلاة الخوف
موسى الأشعريَّ - أميرهم.
قوله: (تُسْتَرَ)) بضمِّ المثنَّاة الفَوقائيّة وسكون المهملة وفتح المثنَّاة أيضاً: بلد معروف من
بلاد الأهواز، وذَكَر خليفة أنَّ فَتْحَها كان في سنة عشرين في خلافة عمر، وسيأتي الإشارة
إلى كيفيَّتِه في أواخرِ الجهاد إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((اشتِعال القِتال)) بالعين المهمَلة.
قوله: ((فلم يَقدِرُوا على الصلاة)) يحتملُ أن يكون للعَجزِ عن التُّزول، ويحتملُ أن يكون
للعَجزِ عن الإيماء أيضاً، فيوافقُ ما تقدَّم عن الأوزاعي، وجَزَمَ الأَصِيلِيُّ بأنَّ سببَه أنَّهم لم
تَجِدُوا إلى الوضوءِ سبيلاً من شِدَّة القتال.
قوله: ((إلَّا بعدَ ارتفاع النهار)) في رواية عمر بن شَبَّة: حتَّى انتَصَفَ النهار ..
قوله: ((ما يَسُرُّني بتلكَ الصلاة)) أي: بدلَ تلك الصلاة، وفي رواية الكُشْمِيهنيٍّ: من
تلك الصلاة.
قوله: ((الدُّنْيا وما فيها)) في رواية خليفة: الدُّنيا كلُّها، والذي يتبادرُ إلى الذِّهنِ من هذا أنَّ
مراده الاغتباطُ بما وَقَع، فالمراد بالصلاة على هذا هي المقضيَّةُ التي وَقَعَت، ووجه اغتباطه
كَوْنهم لم يَشتَغِلوا عن العبادة إلَّا بعبادةٍ أهمَّ منها عندهم، ثمَّ تَدارَكوا ما فاتَهم منها فقَضَوه،
وهو كقول أبي بكر الصِّدّيق: لو طَلَعت لم تَّجِدْنا غافلين(٢). وقيل: مراد أنس الأسَف على
التَّقويتِ الذي وقع لهم، فالمراد بالصلاة على هذا الفائتة، ومعناه: / لو كانت في وقتها كانت ٤٣٦/٢
أحَبَّ إليَّ، فالله أعلمُ، وَمَّن جَزَمَ بهذا الَّينُ بن المنِّر، فقال: إيثار أنس الصلاة على الدُّنيا
وما فيها يُشعِرُ بمُخالَفِتِه لأبي موسى في اجتهاده المذكور، وأنَّ أنساً كان يرى أن يُصَلَّى
للوقتِ وإن فاتَ الفَتح، وقوله هذا موافقٌ لحديث: ((ركعتا الفجرِ خير من الدُّنيا وما فيها»
انتهى. وكأنَّه أراد الموافقةَ في اللَّفظ، وإلَّا فقصَّة أنس في المفروضة والحديثُ في النافلة.
(١) في باب ((إذا قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا)).
(٢) أخرجه الطحاوي ١/ ١٨٠ - ١٨٢، والبيهقي ٣٧٩/١ و٣٨٩/٢ وفي بعض الروايات القائل هو عمر.

٧٤٠
باب ٣ / ح ٩٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
ويَخْدِشُ فيما ذكره عن أنس من ◌ُخالَفة اجتهاد أبي موسى أنَّه لو كان كذلك لَصلَّى أنسُ
وحدَه ولو بالإيماء، لكنَّه وافَقَ أبا موسى ومَن معه فكيف يُعَدُّ مخالفاً؟ والله أعلم.
٩٤٥- حدّثنا یحیی، حدثنا وکِیٌ، عن عليّ بنِ مُبارَكٍ، عن یحیی بنِ أبي كثير، عن أبي
سَلَمة، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: جاءَ عمرُ يومَ الخندَقِ فجعلَ يَسُبُّ كَفَّارَ قُرَيشٍ، ويقول:
يا رسولَ الله، ما صلَّتُ العَصْرَ حتَّى كادتِ الشمسُ تَغيبُ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((وأنا والله ما
صلَّيتُها بَعدُ)). قال: فنزلَ إلى بُطْحانَ فتَوضَّأ وصَلَّى العَصْرَ بعدَما غابَتِ الشَّمسُ، ثمَّ صَلَّى
المغربَ بعدَها.
قوله: ((حذَّثنا يحيى، حدَّثنا وكيع)) كذا في مُعظَمِ الروايات، ووقع في رواية أبي ذرِّ في
نسخة: ((يحيى بن موسى))، وفي أُخرى: ((يحيى بن جعفر)) وهذا المعتمَد، وهي نسخةٌ
صحيحةٌ بعلامة المستمْلي، وفي بعض النُّسَخِ: ((يحيى بن موسى بن جعفر))، وهو غلطٌ،
ولعلَّه كان فيه: يحيى بن موسى، وفي الحاشية: ابن جعفر، على أنها نسخةٌ، فجمعهما بعضُ
مَنْ نَسَخَ الكتاب، واسمُ جدِّ يحيى بن موسى عبْدُ ربِّه بن سالم، وهو المَقَّبُ خَتٍّ، بفتح
المعجَمة بعدها مُثَنّاة فوقانيَّة ثَقيلة، واسم جدِّ يحيى بن جعفر أعينُ، وكلاهما من شيوخ
البخاريّ، وكلاهما من أصحاب و کیع.
قوله: ((عن جابِرِ)) تَقدَّم الكلامُ على حديثه في أواخر المواقيتِ (٥٩٦)، ونُقِلَ الاختلاف
في سبب تأخيرِ الصلاة يومَ الخَندَق هل كان نسياناً أو عمداً، وعلى الثاني هل كان للشُّغلِ
بالقتال أو لتَعذُّر الطَّهارة أو قبلَ نُزول آية الخوفِ؟ وإلى الأوَّلِ وهو الشُّغْلُ جَنَحَ البخاريّ
في هذا الموضع ونَّل عليه الآثارَ التي تَرجَمَ لها بالُّروطِ المذكورة، ولا يَرُدُّه ما تقدَّم من
ترجيحِ كَونِ آية الخوفِ نزلت قبلَ الخَندَق لأنَّ وجهَه أنَّه أقرَّ على ذلك، وآية الخوفِ التي
في البقرة(١) لا تُخالفُه، لأنَّ التأخيرَ مشروطٌ بعدم القُدْرة على الصلاة مُطلَقاً، وإلى الثاني
جَنَحَ المالكيَّة والحنابلة، لأنَّ الصلاة لا تَبطُلُ عندهم بالشُّغل الكثير في الحربِ إذا احتیجَ
(١) يريد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ الآية (٢٣٩).