النص المفهرس

صفحات 701-720

٧٠١
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
وطلوعِ الشمس.
السابع: مثله، وزاد: ومن العَصرِ إلى الغُروب. رواه سعيد بن منصور(١) عن خَلَف بن
خليفة عن ليث بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة. وتابعه فُضَيلُ بن عياضٍ عن ليثٍ
عند ابن المنذر (٩/٤)، وليث ضعيف، وقد اختُلِفَ عليه فيه كما تَرَى.
الثامن: مثله، وزاد: وما بين أن ينزلَ الإمامُ من المِنبَرِ إلى أن يُكبِّرِ، رواه حميدُ بن زَنْجويه
في ((التَّرغيب)) له من طريق عطاء بن قُرَّةَ عن عبد الله بن ضَمْرة عن أبي هريرة قال:
(التَمِسوا الساعة التي يجابُ فيها الدُّعاءُ يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة)) فذكرها.
التاسع: أنَّها أوَّل ساعةٍ بعد طلوع الشمسِ، حكاه الجِيليّ في ((شرح التَّنبيه))، وتَبِعَه المحِبُّ
الطَّريُّ في «شرحه)».
العاشر: عند طلوع الشمسِ، حكاه الغَزاليُّ في ((الإحياء)) وعَبَّرَ عنه الزّين بن المنيِّر في
((شرحه) بقوله: هي ما بين أن تَرتَفِعَ الشمسُ شِبراً إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرٍّ.
الحادي عشر: أنَّها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحبُ ((المغني))، وهو في ٤١٨/٢
((مُسنَد الإمام أحمد)) (٨١٠٢) من طريق عليّ بن أبي طَلْحةً عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يوم
الجمعة فيه طُبِعَت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعاتٍ منه ساعة مَن دعا الله فيها استُجيبَ
له)) وفي إسناده فرَج بن فضالة وهو ضعيف، وعليٌّ لم يسمع من أبي هريرة، قال المحِبُّ
الطَّبَريُّ: قوله: ((في آخر ثلاث ساعات)) يحتمل أمرَين:
أحدُهما: أن يكون المراد الساعةَ الأخيرة من الثَّلاث الأوَل.
ثانيهما: أن يكون المراد أنَّ في آخر كلّ ساعةَ من الثَّلاث ساعةَ إجابة، فيكونُ فيه تجُّزٌ
لإطلاق الساعة على بعض الساعة.
الثاني عَشَر: من الَّوال إلى أن يصيرَ الظُّلّ نصفَ ذِراع، حكاه المحِبُّ الطَّبَرِيُّ في
((الأحكام))، وقَبِلَه الزَّكيُّ المنذريُّ.
(١) ورواه أيضاً ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ٩.

٧٠٢
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
الثالث عشر: مثلُه، لكن قال: إلى أن يصيرَ الظِّلُّ ذِراعاً، حكاه عياض والقُرطبيُّ
والنَّوَويُّ.
الرابع عشر: بعد زوال الشمسِ بشِيرٍ إلى ذِراعٍ، رواه ابن المنذر (١٢/٤) وابن عبد
البَرّ (١) بإسنادٍ قويٌّ إلى الحارث بن يزيد الحَضرَميِّ عن عبد الرحمن بن حُجَيرة عن أبي ذرٍّ :
أَنَّ امرَأْتَه سألتْه عنها فقال ذلك. ولعلَّه مأخَذ القولين اللَّذَينِ قبلَه.
الخامس عشر: إذا زالت الشمسُ، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، ووَرَدَ نحوه في أثناء
حديثٍ عن علي (٢)، وروى عبد الرزاق (٥٥٧٦) من طريق الحسنِ أنَّه كان يَتَحرّاها عند
زوال الشمسِ بسبب قصَّةٍ وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في ((الطبقات))
(٢٢/٥) عن عبيد الله بن نَوفَل نحوَ القصَّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي
عَرُوبةَ عن قتادةَ قال: كانوا يَرَونَ الساعةَ المستجاب فيها الدُّعاء إذا زالت الشمسُ، وكأنَّ
مأخَذَهم في ذلك أنَّها وقتُ اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان
ونحو ذلك.
السادس عشر: إذا أذَّنَ المؤَذِّنُ لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر (١٠/٤) عن عائشة
قالت: يوم الجمعة مثلُ يومٍ عَرَفةَ تُفتَحُ فيه أبواب السَّماء، وفيه ساعةٌ لا يسألُ اللهَ فيها العبدُ
شيئاً إلَّا أعطاه، قيل: أَيَّةُ ساعة؟ قالت: إذا أذَّنَ المؤَذِّنُ لصلاة الجمعة. وهذا يُغايِرُ الذي
قبلَه من حيثُ إنَّ الأذانَ قد يتأخّرُ عن الزَّوال، قال الزَّين بن المنيّر: ويَتعيَّنُ حملُه على الأذان
الذي بين يدي الخطيب.
السابع عشر: من الزَّوال إلى أن يدخلَ الرجلُ في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّار
(١) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣/١٩، فقال: وروى موسى بن معاوية، عن أبي عبد الرحمن المقرئ،
عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ... فذكره.
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٠٧٣) مرفوعاً بلفظ: ((إذا زالت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا
إلی الله حوائجکم، فإنها ساعة الأوابین، وإنه كان للأوابین غفوراً))، وفي إسناده جهالة، وروي عن علي
موقوفاً عند ابن أبي شيبة ١٤/ ١٨، وفي إسناده جهالة أيضاً.

٧٠٣
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
العَدَوي، وحكاه ابن الصَّاغِ بلفظ: إلى أن يدخلَ الإمامُ.
الثامن عشر: من الزَّوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيِّبِ الطَّبَرُّ.
التاسع عشر: من الَّوال إلى غُروبِ الشمسِ، حكاه أبو العبّاس أحمد بن عليٍّ بن
كَشَاسبَ الدِّزماريُّ - وهو بزايٍ ساكنةٍ وقبلَ ياء النَّسَب راءٌ مُهمَلة - في ((نْكَتِهِ على التَّنبيه)»
عن الحسنِ، ونَقَلَه عنه شيخُنا ◌ِراج الدّين ابن الملَقِّنِ في ((شرح البُخاري))، وكان
الدِّزْ ماريُّ المذكور في عَصر ابن الصلاح.
العشرونَ: ما بين خروج الإمام إلى أن تُقامَ الصلاةُ، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى
أبو بكر المروَزيّ في ((كتاب الجمعة))(٨) (١) بإسنادٍ صحيح إلى الشّعبيِّ عن عَوف بن
حصيرة رجلٍ من أهل الشام مثلَه.
الحادي والعشرونَ: عند خروج الإمام، رواه حميد بن زَنْجويه في كتاب ((التَّرغيب)) عن
الحسنِ: أنَّ رجلاً مَرَّت به وهو يَنْعُسُ في ذلك الوقت.
الثاني والعشرونَ: ما بين خروج الإمام إلى أن تَنقَضيَ الصلاة، رواه ابن جَرِير من طريق
إسماعيل بن سالم، عن الشَّعبيِّ قوله(٢)، ومن طريق معاوية بن قُرَّة عن أبي بُردةَ عن أبي
موسى قولَه، وفيه أنَّ ابن عمر استَصوَبَ ذلك(٣).
الثالث والعشرونَ: ما بين أن يَحَرُمَ البَيع إلى أن يَحِلَّ، رواه سعيد بن منصور وابن
المنذِر(٤) عن الشَّعبيِّ قوله أيضاً، قال الزَّين بن المنير: ووجهُه أنَّه أخصّ أحكام الجمعة،
(١) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٣. ولفظه عندهما: الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين خروج الإمام
إلى أن تقضى الصلاة. فمحلّه إذاً عند القول الثاني والعشرين، وهو بعد الذي یلیه، وليس هنا.
(٢) سبق عند القول العشرين أن ابن أبي شيبة وأبا بكر المروزي قد روياه عن الشعبي عن عوف بن حصيرة
قوله. وأخرجه من طريق ابن جريرٍ ابنُ عبد البر في ((التمهيد)» ٢٢/١٩.
(٣) أخرجه من طريق ابن جريرٍ ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ١٩ /٢٢ وسيأتي من هذا الطريق مرفوعاً في القول
الخامس والعشرين، لكن بلفظ: يجلس الإمام على المنبر، بدل: يخرج الإمام.
(٤) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٤ و١٤٤.

٧٠٤
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
لأَنَّ العَقدَ باطلٌ عند الأكثر، فلو اتَّفَقَ ذلك في غير هذه الساعة بحيثُ ضاقَ الوقت،
فتَشاغَلَ اثنان بعَقد البَيع فخرج وفاتَت تلك الصلاةُ لَأَثِها ولم يَبطُل البَيعُ.
الرَّابع والعشرونَ: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميدُ بن زَنْجويه عن ابن
عَبَّاس(١)، وحكاه البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)) عنه (٢١١/٤).
٤١٩/٢ الخامس والعشرونَ: ما بين أن يجلسَ الإمام على المِنبَرِ إلى أن تُقضَى الصلاةُ، رواه مسلم
(٨٥٣) وأبو داود (١٠٤٩) من طريق مَخْرَمةَ بن بُكَير عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى:
أنَّ ابن عمر سألَه عَّا سمع من أبيه في ساعة الجمعة فقال: سمعت أبي يقول: سمعت
رسولَ اللهِوَ لّ فذكره(٢). وهذا القول يُمكِنُ أن يَتَّحِد مع اللَّذَينِ قبلَه.
السادس والعشرونَ: عند التأذينِ وعند تذكيرِ الإمام وعند الإقامة، رواه حميدُ بن
زَنْجويه من طريق سُلَيمٍ بن عامر عن عَوف بن مالك الأشجَعيِّ الصحابيّ(٣).
السابع والعشرونَ: مَثلُه، لكن قال: إذا أُذِّنَ، وإذا رُقِيَ الِبَ، وإذا أُقيمت الصلاةُ، رواه
ابن أبي شَيْبةٍ (١٤٣/٢) وابن المنذر (٤/ ١٠) عن أبي أمامةَ الصحابيّ قوله، قال الزّين بن
المنير: ما وَرَدَ عند الأذان من إجابة الدُّعاء فيتأكَّدُ يومَ الجمعة وكذلك الإقامة، وأمَّا زمانُ
جلوسِ الإمام على المِيَرِ فلأنَّه وقتُ استماع الذِّكر، والابتداء في المقصودِ من الجمعة.
الثامن والعشرونَ: من حينٍ يفتتحُ الإمامُ الخطبةَ حتَّى يَفْرُغَ، رواه ابن عبد البَرّ (٢١/١٩)
من طريق محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً. وإسناده ضعيف.
التاسع والعشرونَ: إذا بلَغَ الخطيب المِنْبَر وأخَذَ في الخطبة، حكاه الغَزاليّ في ((الإحياء)).
(١) يخالفه ما رواه عبد الرزاق (٥٥٨٠) بسند صحيح عن ابن عباس وسئل عن تلك الساعة، فقال: خلق
الله آدم بعد العصر يوم الجمعة وخلقه من أديم الأرض كلها ... قال ابن رجب في ((شرحه)) ٥١٨/٥:
وهذا يدل على ترجيح ابن عباس لما بعد العصر في وقت هذه الساعة ...
(٢) وقد أعله الدارقطني في ((التتبع)) ص٢٣٣ -٢٣٥ بالانقطاع والوقف، وسيُعلُّه الحافظ قريباً بالانقطاع
والاضطراب.
(٣) ورواه أيضاً الطبراني في ((الكبير)) ١٨/ (٧٤)، وإسناده ضعيف.

٧٠٥
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
الثلاثونَ: عند الجلوسِ بين الخُطبتَينِ، حكاه الطّبيُّ عن بعض شُرّاح ((المصابيح)).
الحادي والثلاثون: أنَّها عند نزول الإمام من المِنِيَرِ، رواه ابن أبي شَيْبة (١٤٣/٢) وحميدُ
ابن زَنْجويه وابن جَرِير (١) وابن المنذر (٤/ ١١) بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي إسحاق عن أبي بُردة
قوله، وحكاه الغَزاليّ قولاً بلفظ: إذا قامَ الناس إلى الصلاة.
الثاني والثَّلاثونَ: حين تُقامُ الصلاةُ حتَّى يقومَ الإمامُ في مَقامه، حكاه ابن المنذر عن
الحسنِ أيضاً، وروى الطَّبرانيُّ (٦٦/٢٥) من حديث ميمونة بنت سعد نحوَه مرفوعاً
بإسنادٍ ضعيف.
الثالثُ والثَّلاثونَ: من إقامة الصفِّ إلى تمام الصلاة، رواه التِّرمِذيُّ (٤٩٠) وابن
ماجَهْ (١١٣٨) من طريق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوف عن أبيه عن جدِّه مرفوعاً
وفيه: قالوا: أيَّة ساعةٍ يا رسول الله؟ قال: ((حين تُقامُ الصلاةُ إلى الانصراف منها)، وقد
ضَعَّفَ كثيرٌ روايةَ كثيرٍ، ورواه البَيهَقيّ في ((الشِّعَب)) (٢٩٨١) من هذا الوجه بلفظ: ((ما
بين أن ينزلَ الإمامُ من المِنْتَرِ إلى أن تَنقَضِيَ الصلاة (٢)، ورواه ابن أبي شَيْبة (١٤٣/٢) من
طريق مُغيرةً عن واصل الأحدَب عن أبي بُردة قوله، وإسناده قَوي إليه، وفيه: أنَّ ابن
عمر استَحسَنَ ذلك منه وبَرّك علیه ومَسَحَ علی رأسِه، وروى ابن جَرِير(٣) وسعيد بن
منصور عن ابن سیرین نحوَه.
الرّابعُ والثَّلاثونَ: هي الساعةُ التي كان النبيُّ ◌َّهِ يُصلِّي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر
بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن سيرين، وهذا يُغايِرُ الذي قبله من جهة إطلاق ذاكَ وتقييدِ هذا،
وكأنَّه أخَذَه من جهة أنَّ صلاة الجمعة أفضلُ صلوات ذلك اليوم، وأنَّ الوقتَ الذي كان
يُصلِّي فيه النبيُّ ◌َّهِ أَفضلُ الأوقات، وأنَّ جميعَ ما تقدَّم من الأذان والخطبة وغيرهما
(١) وأخرجه من طريقه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢/١٩. لكن لفظ ابن أبي شيبة: هي عند خروج الإمام،
ولیس کما قال الحافظ.
(٢) ومن هذا الوجه أيضاً أخرجه البزار (٣٣٨٨) بلفظ: ((من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الخطبة)).
(٣) ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر ١٩ /٢٢. ولفظه: هي الساعة التي كان يصلي فيها النبي ◌َّر.

٧٠٦
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وسائلُ، وصلاةَ الجمعة هي المقصودةُ بالذّات، ويؤيِّدُهُ وُرود الأمرِ في القُرآنِ بتكثير الذِّكر
حالَ الصلاة كما وَرَدَ الأمرُ بتكثير الذِّكر حالَ القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرً لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي
قوله: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن خَتَمَ الآيَةَ بقوله:
﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩-١٠]، وليس المراد إيقاع الذِّكرِ بعد الانتشار
وإن عُطِفَ عليه، وإنَّما المرادُ تكثير المشار إليه أوَّلَ الآية، والله أعلم.
الخامس والثَّلاثونَ: من صلاة العَصرِ إلى غُروبِ الشمسِ، رواه ابن جَرِیر من طريق
سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس موقوفاً (١)، ومن طريق صفوان بن سُلَيم عن أبي سَلَمة عن
أبي سعيد مرفوعاً بلفظ: ((فالتَمِسوها بعد العَصر))(٢)، وذكر ابن عبد البَرّ أنَّ قوله:
((فالتَمِسوها ... )) إلى آخره، مُدرَج في الخيرِ من قول أبي سَلَمة(٣)، ورواه ابنُ مَندَهْ من هذا
الوجه وزاد: ((أغفلُ ما يكونُ الناس))، ورواه أبو نُعيم في ((الحلية)) من طريق الشَّيبانيّ عن
عَوْن بن عبد الله بن عُتبةً عن أخيه عبيد الله (٤) كقول ابن عبّاس، ورواه التِّرمِذيُّ (٤٨٩)
من طريق موسى بن وَرْدانَ عن أنس مرفوعاً بلفظ: ((بعد العصرِ إلى غَيْبُوبة الشمس))،
وإسناده ضعيف.
٤٢٠/٢ السادسُ والثَّلاثونَ: في صلاة العَصرِ، رواه عبد الرزاق (٥٥٧٨) عن عمر بن ذرِّ عن
يحيى بن إسحاق بن أبي طَلْحة، عن النبيِّ وَّلِ مُرسَلاً، وفيه قصَّة.
(١) ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر ٢٣/١٩-٢٤. وانظر التعليق على القول الرابع والعشرين.
(٢) ومن طريق ابن جرير الطبري أخرجه ابن عبد البر ٢٣/ ٤٤، لكن بلفظ: ((الساعة التي يستجاب فيها
الدعاء يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس)).
(٣) لكن سيأتي في القول الحادي والأربعين عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعاً: «فالتمِسُوها آخر ساعة بعد
العصر))، فيبعد أن يكون هذا مدرجاً من قول أبي سلمة، والله أعلم.
(٤) كذا في الأصلين و(س) وقف عند عبيد الله لم يجاوزه! مع أن الذي في ((الحلية)) ٢٦٨/٤-٢٦٩: عن
عُبيد الله عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قولَه. وهو أيضاً في ((معجم شيوخ الإسماعيلي)) (٢٢١)،
ومن طريقه أخرجه البيهقي ٩/ ٣.

٧٠٧
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
السابعُ والثَّلاثونَ: بعد العَصرِ إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغَزاليّ في («الإحياء)).
الثامن والثَّلاثونَ: بعد العَصرِ كما تقدَّم عن أبي سعيد مُطلَقاً، ورواه ابن عساكر(١) من
طريق محمد بن مسلمة (٢) الأنصاريّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعاً بلفظ:
((وهي بعد العَصر))، ورواه ابن المنذر(٣) عن مجاهدٍ مثلَه، ورواه ابن جُرَيج من طريق إبراهيم
ابن مَيَسَرة، عن رجلٍ أرسَلَه عَمْرو بن أوس(٤) إلى أبي هريرة، فذكر مثله قال: وسمعته عن
الحكّمِ عن ابن عبَّاس مثله (٥)، ورواه أبو بكر المروزي(٦) من طريق الثَّوريّ وشُعْبة جميعاً، عن
يونس بن خبَّابٍ، قال الثَّوريّ: عن عطاء، وقال شُعْبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثلُه، وقال
عبد الرزاق (٥٥٧٤): أخبرنا مَعمَر عن ابن طاووس عن أبيه أنَّه كان يَتَحرّاها بعد العَصر.
وعن ابن جُرَيج عن بعض أهل العِلم قال: لا أعلمُه إلَّا عن ابن عبّاس مثلَه، فقيل له: لا
صلاة بعد العَصر، فقال: بلى، لكن مَن كان في مُصلَّاه لم يَقُم منه فهو في صلاة(٧).
التاسعُ والثَّلاثونَ: من وسَطِ النهار إلى قُربٍ آخر النهار، كما تقدَّم أوَّلَ الباب عن سَلَمة
ابن علقمة.
الأربعونَ: من حينٍ تَصفَرُّ الشمسُ إلى أن تغيبَ، رواه عبد الرزاق (٥٥٨٢) عن ابن
جُرَيج، عن إسماعيل بن كَيْسانَ(٨)، عن طاووس قوله، وهو قريبٌ من الذي بعده.
(١) فات الحافظ أن يخرجه من ((مصنف عبد الرزاق)) (٥٥٨٤)، و ((مسند أحمد)» (٧٦٨٨).
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: سلمة.
(٣) فات الحافظ أن يخرجه من ابن أبي شيبة ١٤٤/٢.
(٤) تحرف في (أ) و(س) إلى: أويس.
(٥) أخرجه من طريق ابن جريح ابنُ عبد البر ٤٥/٢٣.
(٦) في كتاب ((الجمعة)) له (٦) و(٧)، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٥٥٧٧). ويونس ضعيف جداً.
(٧) كذا جاء في الأصلين و(س): عن ابن جريح عن بعض أهل العلم، والذي في ((المصنف)) (٥٥٧٣): عن
ابن جريح عن عطاء عن بعض أهل العلم. وليس فيه ذكر ابن عباس!
(٨) كذا في الأصلين و(س)، والصواب: إسماعيل بن كثير، وهو كذلك في ((مصنف عبد الرزاق)) وذكر ابن
عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣/ ٤٦ أن سُنيداً رواه أيضاً عن حجاج عن ابن جريح عن إسماعيل بن كثير.

٧٠٨
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
الحادي والأربعونَ: آخرُ ساعة بعد العَصرِ، رواه أبو داود (١٠٤٨) والنَّسائيّ (١٣٨٩)
والحاكمُ (٢٧٩/١) بإسنادٍ حسنٍ عن أبي سَلَمة عن جابر مرفوعاً، وفي أوَّلِه: «أَنَّ النهارَ
اثنتا عشرةً ساعة)).
ورواه مالك وأصحاب السُّنَن وابن خُزيمة وابنُ حِبّان من طريق محمد بن إبراهيم عن
أبي سَلَمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سَلام قوله، وفيه مُناظَرَةٌ أبي هريرة له في ذلك،
واحتجاج عبد الله بن سَلَام بأنَّ مُنتَظِرَ الصلاة في صلاة(١)، وروى ابن جَرِير من طريق
العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً مثلَه، ولم يَذكُر عبد الله بن سَلَامٍ ولا
القصَّة (٣)، ومن طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبريِّ عن أبيه عن أبي هريرة عن كعب
الأحبار قوله(٣)، وقال عبد الرزاق (٥٥٧٩): أخبرنا ابن جُرَيج أخبرني موسى بن عُقبة أنَّه
سمع أبا سَلَمة يقول: حدَّثنا عبد الله بن عامر فذَكَر مثله، وروى البَزّار(٤) وابن جَرِير (٥)
من طريق محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام مثله، وروى
ابن أبي خَيْثمة (٦) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة وأبي سعيد، فذكر
الحديث وفيه: قال أبو سَلَمة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له ذلك فلم يُعرِّض بذِكْر
النبيِّ وَ لّ بل قال: النهار اثنتا عشرةَ ساعة، وإنَّها لَفي آخر ساعة من النهار. ولابن خُزيمة
من طريق أبي النَّضرِ عن أبي سَلَمة عن عبد الله بن سَلَام قال: قلت - ورسول الله وَ له
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٠٨/١- ١٠٩، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، وابن ماجه (١١٣٩)،
والنسائي (١٤٣٠)، وابن خزيمة (١٧٣٨)، وابن حبان (٢٧٧٢).
(٢) وأخرجه أيضاً ابن عبد البر في ((التمهيد) ٤٣/٢٣، وقال ابن رجب في ((شرحه)) ٥١١/٥: رفعُه منكر،
تفرد به عبد السلام بن حفص، عن العلاء، ولا يُقبل تفردُه برفع هذا.
(٣) وأخرجه من طريق ابن جرير ابنُ عبد البر ٤٣/٢٣، ولفظه: إنها الساعة التي خلق الله فيها آدم، والتي
تقوم فيها الساعة.
(٤) الذي في ((مسند البزار)) (٨٦١١) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. كالذي عند ابن أبي خثيمة.
(٥) ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر ٤٣/٢٣.
(٦) وأخرجه من طريقه ابن منده في ((التوحيد)) (٤١).

٧٠٩
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
جالس -: إنّا لَنَجِد في كتاب الله أنَّ في الجمعة ساعة، فقال رسول الله وَّه: ((أو بعض
ساعة))، قلت: نَعَم أو بعض ساعة، الحديث، وفيه: قلت: أيّ ساعة؟ فذكره(١). وهذا
يحتمل أن يكون القائل: ((قلت)) عبد الله بن سَلام فيكونُ مرفوعاً، ويحتمل أن يكون أبا
سَلَمة فيكونُ موقوفاً، وهو الأرجحُ لتصريحِه في رواية يحيى بن أبي كثير بأنَّ عبد الله بن
سَلام لم يذكُر النبيّ ◌َّ في الجواب.
الثاني والأربعونَ: من حينٍ يَغِيبُ نصف قُرصِ الشمس، أو من حينٍ تَدَلَّى الشمسُ
للغُروبِ إلى أن يَتكامَلَ غُروبها، رواه الطَّبرانيّ في ((الأوسط)) (٦٤٤٠) والدَّارَ قُطنيُّ في
(العِلَل)) (٣٩٣٢) والبيهقيُّ في «الشُّعَب)» (٢٩٧٧) و((فَضائل الأوقات))(٢) من طريق زيد
ابن عليّ/ بن الحسين بن عليّ حدَّثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله وَّةٍ قالت: ٤٢١/٢
حدَّثتني فاطمة عليها السلامُ عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قُلتُ للنبيِّ وَّه أيّ ساعةٍ
هي؟ قال: ((إذا تَدَّ نصف الشمسِ للغُروب)) فكانت فاطمة إذا كان يومُ الجمعة أرسَلت
غلاماً لها يقال له: زيد يَنظُرُ لها الشمس، فإذا أخبرها أنَّها تَدَّت للغُروبِ أقبَلت على
الدُّعاء إلى أن تغيب، وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته مَن لا يُعرَفُ
حالُه. وقد أخرج إسحاق ابن راهويه في ((مَسنَدِ))(٣) من طريق سعيد بن راشِد عن زيد بن
عليٍّ عن فاطمة، لم يَذْكُر مُرجانةَ، وقال فيه: ((إذا تَدَّت الشمس للغُروبِ))، وقال فيه: تقول
لغلامٍ يقال له: أربَد: اصعَد على الظَّراب، فإذا تَدَّت الشمس للغُروبِ فأخبِرِني، والباقي
نحوه، وفي آخره: ثمَّ تُصلّي، يعني: المغرب.
فهذا جميع ما اتَّصَلَ إليَّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذِكْر أدلَّتِها وبيان حالها في
الصخَّة والضَّعفِ والرَّفع والوَقفِ والإشارة إلى مأخَذِ بعضها، وليست كلّها مُتَغايرة من
(١) فات الحافظ أن يخرجه من أحمد (٢٣٧٨١)، وابن ماجه (١١٣٩)، وليس هو في ابن خزيمة.
(٢) ذكره البيهقي فيه بإثر الحديث (٢٥٢) معلقاً، فقال: روي عن فاطمة ... ورواية الطبراني ليس فيها ذكر
وقت الساعة.
(٣) ونسبه إليه الحافظ أيضاً في ((المطالب العالية)) (٦٧٥)، وقال بإثره: وسعيد بن راشد واهٍ.

٧١٠
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
كلِّ جهةٍ بل كثير منها يُمكِنُ أن يَتَّحِدَ مع غيره.
ثمَّ ظَفِرت بعد كتابة هذا بقولٍ زائدٍ على ما تقدَّم وهو غيرُ مَنقول، استَنْبَطَه صاحبُنا
العَلَّامةُ الحافظُ شَمس الدّينِ الجَزَرِيُّ وأذِنَ لي في روايته عنه في كتابه المسمَّى («الحصن
الحصين)) في الأدعية لمَّا ذكر الاختلافَ في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوالٍ ممّا تقدَّم
ثمَّ قال ما نَصُّه: والذي أعتَقِدُه أنَّها وقتُ قراءة الإمام الفاتحةَ في صلاة الجمعة إلى أن يقول:
آمين، جمعاً بين الأحاديث التي صَحَّت. كذا قال، ويَخْدِشُ فيه أنَّه يُفوِّتُ على الدّاعي
حينئذٍ الإنصاتَ لقراءة الإمام، فليُتْأمَّل.
قال الزّين بن المنير: يَحسُنُ جمع الأقوال، وكان قد ذكر ثمّ تقدَّم عشرة أقوالٍ تَبَعاً لابنٍ
بطَّالٍ، قال: فتكونُ ساعة الإجابة واحدةً منها لا بعينِها، فيُصادفُها مَن اجتَهَدَ في الدُّعاء
في جميعِها، والله المستعانُ.
وليس المراد من أكثرها أنَّه يَستَوعِبُ جميع الوقتِ الذي عُيِّ، بل المعنى أنَّها تكونُ في
أثنائه لقوله فيما مضى: ((يُقَلِّلُها)) وقوله: ((وهي ساعةٌ خفيفةٌ)). وفائدةُ ذِكْر الوقت أنَّها
تَنْتَقِلُ فيه فيكونُ ابتداء مَظِنَّتها ابتداءَ الخطبة مثلاً وانتهاؤُه انتهاءَ الصلاة. وكأنَّ كثيراً من
القائلينَ عَيَّنَ ما اتَّفَقَ له وقوعها فيه من ساعةٍ في أثناء وقتٍ من الأوقات المذكورة، فبهذا
التَّقريرِ يَقِلُّ الانتشار جدّاً، ولا شكَّ أنَّ أرجحَ الأقوال المذكورة حديث أبي موسى
وحديث عبد الله ابن سَلام كما تقدَّم.
قال المحِبُّ الطَّبَريُّ: أصُ الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهَر الأقوال فيها
قول عبد الله بن سَلام. انتهى، وما عَداهما إمَّا موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإسناد
أو موقوف استَنَدَ قائله إلى اجتهادٍ دون توقيف، ولا يعارضُهما حديث أبي سعيد في کونِه
وَ أُنسِيها بعد أن عَلِمَها، لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبلَ أن أنسي، أشارَ إلى
ذلك البيهقيّ وغيره.
وقد اختلف السَّلَف في أيِّهما أرجح، فروى البَيَهَقيّ من طريق أبي الفضلِ أحمد بن

٧١١
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
سَلَمة النَّيسابوريّ: أنَّ مسلماً قال: حديثُ أبي موسى أجوَدُ شيءٍ في هذا الباب وأصحُّه،
وبذلك قال البيهقيّ وابن العربيِّ وجماعة.
وقال القُرطبيّ: هو نصٌّ في موضع الخلاف فلا يُلتَفَتُ إلى غيره. وقال النَّوَويّ: هو
الصحيحُ، بل الصواب. وجَزَمَ في («الرَّوضة)) بأنَّه الصوابُ، وَرَجَّحَه أيضاً بكَونِه مرفوعاً
صريحاً وفي أحدٍ ((الصحیحین)).
وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سَلام، فحكى التِّرمِذيُّ عن أحمدَ أنَّه قال:
أكثرُ الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البرّ: إنَّه أثبتُ شيء في هذا الباب. وروی سعید
ابن منصور (١) بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: أنَّ ناساً من الصحابة اجتَمَعوا
فتَذاكروا ساعة الجمعة، ثمَّ افتَرَقوا فلم يختلفوا أنَّها آخرُ ساعة من يوم الجمعة. ورَجَّحَه
كثيرٌ من الأئمَّة أيضاً كأحمد وإسحاق، ومن المالكيَّة الطُّرْطُوشي، وحكى العلائيّ أنَّ
شيخه ابن الزَّمْلَكانيِّ شيخ الشافعيَّة في وقته كان يختارُه، ويَحكيه عن نصِّ الشافعيّ.
وأجابوا عن كَونِه ليس في أحدِ ((الصحيحين)) بأنَّ الترجيحَ بما في ((الصحيحين)) أو ٤٢٢/٢
أحدهما إنَّما هو حيثُ لا يكونُ ممَّ انتَقَدَه الْحُفّاظُ، كَحديث أبي موسى هذا فإنَّه أُعِلَّ
بالانقطاع والاضطراب:
أمَّا الانقطاعُ فلأنَّ مَخْرَمة بنَ بُكَير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حمّاد بن خالد عن
مَخْرَمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن سَلَمة عن مَخْرَمة، وزاد: إنَّما
هي كتبٌ كانت عندنا. وقال عليّ بن المَدِينيّ: لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول عن
مَخْرَمةَ: إِنَّه قال في شيءٍ من حديثه: سمعت أبي، ولا يقال: مسلم يكتفي في المعَنعَنِ
بإمكان اللِّقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا، لأنّا نقولُ: وجودُ التصريح عن مَخْرَمةَ بأنَّه لم
يسمع من أبيه كافٍ في دعوى الانقطاع.
وأمَّا الاضطرابُ فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدَب ومعاوية بن قُرَّة وغيرهم
(١) وأخرجه من طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) ١٣/٤.

٧١٢
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي بُردةَ من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بُردةَ كوفيٌّ فهم أعلمُ بحديثه من بُگیر
المدني، وهم عَدَدٌ وهو واحد.
وأيضاً فلو كان عند أبي بُردة مرفوعاً لم يُفْتِ فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جَزَمَ
الدَّارَ قُطنيُّ بأنَّ الموقوفَ هو الصوابُ، وسَلكَ صاحبُ ((الهَدْي)) مَسلكاً آخرَ فاختارَ أنَّ
ساعة الإجابة مُنحَصِرة في أحدِ الوقتَينِ المذكورَين، وأنَّ أحدَهما لا يعارضُ الآخر
لاحتمال أن يكون ◌َّله دلَّ على أحدهما في وقتٍ وعلى الآخرِ في وقتٍ آخر، وهذا كقول
ابن عبد البَرّ: الذي ينبغي الاجتهادُ في الدُّعاء في الوقتَينِ المذكورين. وسبق إلى تجويز
ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.
وقال ابن المنيِر في ((الحاشية)): إذا عُلِمَ أنَّ فائدةَ الإبهام لهذه الساعة ولليلة القَدرِ بَعث
الدّاعي على الإكثار من الصلاة والدُّعاء، ولو بيَّن لاتَّكَلَ الناس على ذلك وتركوا ما
عَداها، فالعَجَب بعد ذلك ثمَّن يَجتَهِدُ في طلبٍ تحديدها.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة،
وفي مسلم (٨٥٤): أنَّه ((خير يوم طلعت عليه الشمسُ)). وفيه فضلُ الدُّعاء واستحبابُ
الإكثار منه.
واستدلَّ به على بقاء الإجمال بعد النبيِّ وَّهِ، وتُعُقِّبَ بأن لا خلافَ في بقاء الإجمال في
الأحكام الشّرعيَّة لا في الأُمور الوجوديَّة كوقتِ الساعة، فهذا الاختلاف في إجماله،
والحكم الشَّرعيّ المتعلِّق بساعة الجمعة وليلة القَدْرِ - وهو تحصيل الأفضليَّة - يُمكِنُ
الوصولُ إليه والعملُ بمُقتَضاه باستيعاب اليوم أو الليلة، فلم يَبَقَ في الحكمِ الشَّرعيِّ
إجمال، والله أعلم.
فإن قيل: ظاهرُ الحديث حصول الإجابة لكُلّ داع بالشَرطِ المتقدِّم، مع أنَّ الزمانَ
يختلف باختلاف البلاد والمصلِّي، فيتقدَّم بعضٌ على بعض، وساعة الإجابة متعلِّقة بالوقت،
فكيف تَتَّفِقُ مع الاختلاف؟

٧١٣
باب ٣٧
كتاب الجمعة
أُجيبَ باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلِّقة بفعل كلّ مُصَلٍّ، كما قيل نَظِیرُه في ساعة
الكراهة، ولعلَّ هذا فائدة جعل الوقت الممتَدّ مَظِنَّةً لها وإن كانت هي خفيفة، ويحتملُ أن
يكون عَبَّرَ عن الوقتِ بالفعل فيكونُ التقدير: وقت جواز الخطبة أو الصلاة ونحو ذلك،
والله أعلم.
٣٧- باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
فصلاة الإمام ومن بقي جائزة
٤٢٣/٢
قوله: ((باب إذا نَفَرَ النَّاس عن الإمام في صلاة الجمعة ... )) إلى آخره، ظاهر الترجمة أنَّ
استمرارَ الجماعة الذين تَنعَقِدُ بهم الجمعة إلى تمامها ليس بشرطٍ في صِحَّتها، بل الشَّرط أن
تبقى منهم بقيَّةٌ ما. ولم يَتَعَرَّضِ البُخاريّ لعَدَد مَن تقومُ بهم الجمعة لأنَّه لم يَثْبُت منه شيءٌ
على شرطِه، وجملة ما للعلماء فيه خمسة عَشَرَ قولاً:
أحدُها: تَصِحُّ من الواحد، نَقَلَه ابن حَزْم.
الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النَّخَعيّ وأهل الظاهر والحسن بن حَيّ.
الثالثُ: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد.
الرَّابعُ: ثلاثة معه، عند أبي حنيفة.
الخامس: سبعة، عند عِكْرمة.
السادسُ: تسعة عند ربيعة.
السابعُ: اثنا عَشَر، عنه في رواية.
الثامنُ: مثله غیر الإمام، عند إسحاق.
التاسمُ: عشرون، في رواية ابن حبيب عن مالك.
العاشرُ: ثلاثون كذلك.
/
الحادي عَشَر: أربعون بالإمام عند الشافعيّ.
الثاني عَشَر: غير الإمام، عنه، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة.

٧١٤
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
الثالث عَشَر: خمسون، عن أحمد في روايةٍ، وحُکيَ عن عمر بن عبد العزيز.
الرَّابع عشر: ثمانون، حكاه المازَرِيُّ.
الخامس عَشَر: جمعٌ كثير بغير قَيد. ولعلَّ هذا الأخيرَ أرجحُها من حيثُ الدليل، ويُمكِنُ
أن يزداد العَدُّ باعتبار زيادة شرطٍ كالذُّكورة والحُرّيَّة والبُلوغ والإقامة والاستيطان،
فَيَكمُّلُ بذلك عشرون قولاً.
قوله: «جائزة» في رواية الأصيلي: تامَّة.
٩٣٦ - حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن خُصَينٍ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ،
قال: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدِ الله قال: بينما نحنُ نُصلِّ مع النبيِّ وَّهِ إِذْ أقبَلتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طعاماً،
فالتَّفَتُوا إليها حتَّى ما بَقِيَ مع النبيِّ وَّهِ إلا اثنا عَشَرَ رجلاً، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿ وَ إِذَا رَأَوْاْ
تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
[أطرافه في: ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩]
قوله: ((عن خُصَينٍ)) هو ابن عبد الرحمن الواسطيّ، ومَدار هذا الحديث في ((الصحيحين))
عليه، وقد رواه تارةً عن سالم بن أبي الجَعْدِ وحدَه كما هنا، وهي روايةُ أكثر أصحابه، وتارةً
عن أبي سفيان طَلْحة بن نافع وحدَه، وهي روايةٌ قيس بن الرَّبيع(١) وإسرائيل عند ابن
مَرْدَويه، وتارة ◌ُعَ بينهما عن جابر، وهي روايةُ خالد بن عبد الله عند المصنِّف في التفسير
(٤٨٩٩) وعند مسلم (٣٧/٨٦٣)، وكذا رواية هُشَيم عنده (٣٨/٨٦٣) أيضاً.
قوله: ((بينما نحنُ نُصلِّي)) في رواية خالد المذكورة عند أبي نُعيم في ((المستخرَج))(٢): بينما
نحنُ مع رسول الله وَّ في الصلاة، وهذا ظاهر في أنَّ انِضاضَهم وقع بعد دخولهم في
الصلاة، لكن وقع عند مسلم (٣٦/٨٦٣) من رواية عبد الله بن إدريس عن حُصَين:
ورسول الله وَ لّه يَخْطُبُ، وله (٣٨/٨٦٣) في رواية هُشَيمٍ: بَيْنا النبيُّ وَّه قائم، زاد أبو عَوَانة
(١) روايته أيضاً عند الطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٢٤٠).
(٢) وهو أيضاً في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) (١٩٤٥).

٧١٥
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
كتاب الجمعة
في (صحيحه) (١) والتِّرمِذيّ (٣٣١١) والدَّارَ قُطنيُّ (١٥٨٤) من طريقه: يَخْطُبُ، ومثلُه لأبي
عَوَانة(٢) من طريق عبَّاد بن العَوّام، ولعبد بن حميد (١١١٠) من طريق سليمان بن كثير،
کلاهما عن حُصین، و کذا وقع في رواية قيس بن الرَّبيع وإسرائيل، ومثله في حديث ابن
عَبَّاس عند البَزّار(٣)، وفي حديث أبي هريرة عند الطَّبرانيّ في ((الأوسط))(٤)، وفي مُرسَل قتادةَ
عند الطبري (١٠٤/٢٨) وغيره. فعلى هذا فقوله: ((نُصلّي)) أي: نَنتَظِرُ الصلاة، وقوله: ((في
الصلاة)) أي: في الخطبة مثلاً، وهو من تسمية الشيء بما قارَبَه، فبِهذا ◌ُمَعُ بين الروايتين،
ويؤيِّدُه استدلال ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية المذكورة، كما أخرجه ابن ماجَهْ
(١١٠٨) بإسنادٍ صحيح، وكذا استدلَّ به كعبُ بن عُجْرةَ في ((صحيح مسلم)) (٨٦٤)، وحمل
ابن الجَوْزيِّ قوله: ((يَخْطُبُ قائمً)) على أنَّه خبرٌ آخرُ غير خبر كَوْنهم كانوا معه في الصلاة،
فقال: التقديرُ: صلَّينا مع رسول الله وَ له وكان يَخْطُبُ قائماً، الحديث، ولا يخفى تكلُّفه.
قوله: ((إِذْ أقبَلَتْ عِيرٌ)) بكسر المهمَلة: هي الإبلُ التي تَحمِلُ التِّجارةَ طعاماً كان أو غيرَه،
وهي مُؤَنَّئَةٌ لا واحد لها من لفظِها. ونقل عبد الحقِّ(٥) في ((جمعِه)) أنَّ البُخاريَّ لم يُرِّج قوله:
إذ أقبَلت عيرٌ تَحمِلُ طعاماً، وهو ذُهولٌ منه، نَعَم سَقَطَ ذلك في التفسيرِ (٤٨٩٩) وثَبَتَ
هنا، وفي أوائل البيوع (٢٠٥٨ و٢٠٦٤)، وزاد فيه: أنَّها أقبَلت من الشام، ومثله لمسلم
(٣٦/٨٦٣) من طريق جَرِير عن حُصَين، ووقع عند الطَّبَريِّ (١٠٤/٢٨) من طريق
السُّدّيِّ عن أبي مالك ومُرَّةَ - فَرَّقهما -: أنَّ الذي قَدِمَ بها من الشام دِحْيةُ بن خليفة الكلبي،
ونحوه في حديث ابن عبّاس عند البَزّار(٦)، ولابن مَرْدويه من طريق الضَّحّاك عن ابن
(١) وقد نسبه إليه الحافظ أيضاً في ((إتحاف المهرة)) (٢٦٦١).
(٢) ونسبه أيضاً إليه الحافظ في ((إتحاف المهرة)) (٢٦٦١).
(٣) كما في ((كشف الأستار عن زوائد البزار)» (٢٢٧٣).
(٤) لم نقف عليه في ((الأوسط))، وأخرجه من حديث أبي هريرة أيضاً ابن عساكر في ((تاريخه)) ١٧/ ٢١٣.
(٥) في (س): ابن عبد الحق، وهو خطأ، وعبد الحق هذا: هو الإمام الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي
الإشبيلي، مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٨/٢١.
(٦) كما في ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٢٧٣).

٧١٦
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
عبَّاس: جاءَت عِيرٌ لعبد الرحمن بن عَوف. وجُمعَ بين هاتَينِ الروايتين بأنَّ التِّجارةَ كانت
لعبد الرحمن بن عوف، وكان دِحْيُ السَّفيرَ فيها أو كان مُقارضاً. ووقع في رواية ابن وَهْب
عن الليثِ: أنَّها كانت لوَبَرة الكلبي، ومُجمَعُ بأنَّه کان رفيق دِخْیة.
٤٢٤/٢ قوله: ((فالتَفَعُوا إليها)) في رواية ابن فُضَيلِ في البيوع (٢٠٦٤): فانفَضَّ الناس، وهو
موافقٌ للفظ القُرآنِ ودالٌّ على أنَّ المراد بالالتِفات الانصراف، وفيه رَدٌّ على مَن حمل
الالتفات على ظاهرِه، فقال: لا يُفهَمُ من هذا الانصرافُ عن الصلاة وقطعُها، وإنَّما يُفهَمُ
منه التِفاتهم بوجوهِهم أو بقُلوبهم، وأمَّا هيئةُ الصلاة المجزِئَةُ فباقية. ثمَّ هو مبنيٌّ على أنَّ
الانفِضاضَ وقع في الصلاة، وقد تَرجَّحَ فيما مضى أنَّه إنَّما كان في الخطبة، فلو كان كما قيل
لمَا وقع هذا الإنكارُ الشَّديدُ، فإنَّ الالتفاتَ فيها لا يُنافي الاستماع، وقد غَفَلَ قائلُه عن بقيّة
ألفاظِ الخبر. وفي قوله: ((فالتَّفَتوا)) التِفاتُ، لأنَّ السياقَ يقتضى أن يقول: فالتَفَتْنا، وكأنَّ
الحكْمةَ في عُدول جابر عن ذلك أنَّه هو لم يكن مِمَّن التَّفَت كما سيأتي.
قوله: ((إلَّا اثنَيْ عَشَرَ (١)) قال الكِرْ مانيُّ: ليس هذا الاستثناء مُفرَّغاً فيجب رفعُه، بل هو
من ضمير (بقيَ)) الذي يعودُ إلى المصَلّي، فيجوزُ فيه الرَّفعُ والنصبُ، قال: وقد ثَبَتَ الرَّفعُ
في بعض الروايات. انتھی، ووقع في «تفسیر الطَّريّ» (٢٨/ ١٠٤) وابن أبي حاتم باسنادٍ
صحيحٍ إلى قتادةً(٢) قال: قال لهم رسول الله وَ لَكَم أنتُم؟ فعَدُّوا أنفُسَهم، فإذا هم اثنا عَشَرَ
رجلاً وامرأةٌ، وفي تفسيرِ إسماعيل بن أبي زياد الشاميِّ: وامرَأتان، ولابن مَرْدويه من
حديث ابن عبّاس: وسبع نِسوة، لكنَّ إسناده ضعيف. واتَّفَقَت هذه الروايات كلّها على
اثنَي عَشَر رجلاً إلَّا ما رواه عليّ بن عاصم عن حُصَين بالإسناد المذكور فقال: إلَّا أربعينَ
رجلاً، أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (١٥٨٣) وقال: تَفرَّدَ به عليُّ بن عاصم، وهو ضعيف الحفظ،
وخالَفَه أصحاب حُصَین كلهم.
(١) كذا وقع عند الحافظ، والذي في نسخ اليونينيّة مصحَّحاً عليه: ((إلا اثنا عشر)) مرفوعاً، وليس فيها إشارة
إلى أيِّ خلاف وقع في روايات ((الصحيح))، والله تعالى أعلم.
(٢) في (س): أبي قتادة، وهو خطأ.

٧١٧
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
كتاب الجمعة
وأمَّا تسميَتُهم فوَقَع في رواية خالد الطَّحّان عند مسلم (٣٧/٨٦٣) أنَّ جابراً قال: أنا
فيهم، وله (٣٨/٨٦٣) في رواية هُشَيمٍ: فيهم أبو بكر وعمر، وفي التِّرمِذيِّ (٣٣١١) أنَّ
هذه الزيادةَ في روایة حُصَین عن أبي سفيان دون سالم، وله شاهدٌ عند عبد بن حميدٍ عن
الحسنِ مُرسَلاً، ورجال إسناده ثقات، وفي تفسيرِ إسماعيل بن أبي زياد الشاميِّ: أنَّ سالماً
مولى أبي حُذَيفةَ منهم، وروى العُقَيليّ عن ابن عبّاس: أنَّ منهم الخلفاءَ الأربعةَ وابن
مسعود وأُناساً من الأنصار، وحكى السُّهَيليّ أنَّ أسد بن عَمْرو روى بسندٍ منقطع: أنَّ
الاثنَي عَشَر هم: العشرة المبَشَّرة وبِلال وابن مسعود، قال: وفي رواية: عمَّار، بدلَ ابن
مسعود. انتهى، وروايةُ العُقَيليّ أقوى وأشبَه بالصواب، ثمَّ وجَدت رواية أسد بن عَمْرو
عند العُقَيليّ (٢٤/١) بسندٍ متصلٍ، لا كما قال السُّهَيلِيّ: إنَّه منقطعٌ، أخرجه من رواية أسد
عن حُصَين عن سالم.
قوله: ((فنزلتْ هذه الآيةُ)) ظاهر في أنَّها نزلت بسبب قُدومِ العيرِ المذكورة، والمراد باللهوِ
على هذا ما يَنشَأُ من رُؤية القادمينَ وما معهم. ووقع عند الشافعيِّ (٢٢٩/١) من طريق
جعفر بن محمد عن أبيه مُرسَلاً: كان النبيُّ ◌َلّهِ يَخْطُبُ يوم الجمعة، وكانت لهم سوق كانت
بنو سُليمٍ تَجِلِون إليها الخَيَلَ والإبلَ والسَّمن، فقَدِموا فخرج إليهم الناسُ وتركوه، وكان
لهم ◌َوٌ يضربونه فنزلت، ووَصَلَه أبو عَوَانة في ((صحیحه))(١) والطّريّ (١٠٥/٢٨) بذِكْر
جابر فيه: أنَّهم كانوا إذا نَكَحوا تَضرِبُ الجَواري بالمزاميرِ فيشتدُّ الناس إليهم ويَدَعون
رسولَ الله وَله قائماً، فنزلت هذه الآيةُ، وفي مُرسَلٍ مجاهدٍ عند عبد بن حميدٍ: كان رجال
يقومون إلى نَواضحِهم، وإلى السَّفْرِ يَقدَمون يَبتَغون التِّجارة واللهو، فنزلت (٢) ولا بُعدَ في
أن تَنزِلَ في الأمرَينِ معاً وأكثر، وسيأتي الكلام على ذلك مُستَوفَّى مع تفسيرِ الآية المذكورة
في كتاب التفسير (٤٨٩٩) إن شاء الله تعالى.
(١) لم نقف عليه في مطبوع أبي عوانة، وأخرجه موصولاً كذلك الطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٢٣٤)
و(٢٣٥)، وفي ((شرح مشكل الآثار)) (١٤٩٠).
(٢) وهو أيضاً في ((تفسير الطبري)) ١٠٤/٢٨.

٧١٨
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
والنُّكنةُ في قوله: ((انفَضّوا إليها)) دون قوله: ((إليهما)) أو ((إليه): أنَّ اللهوَ لم يكن مقصوداً
لذاته وإنَّما كان تَبَعاً للتِّجارة، أو حُذِفَ لدلالة أحدهما على الآخر. وقال الزَّجَاجُ: أُعيدَ
الضَّمير إلى المعنى، أي: انفَضّوا إلى الرُّؤية، أي: ليروا ما سمعوه.
فائدة: ذكر الحميديّ في ((الجمع)): أنَّ أبا مسعود الدِّمَشقيّ ذكر في آخر هذا الحديث أنَّه
وَّه قال: ((لو تَتَابَعتُم حتَّى لم يَبْقَ منكم أحدٌ لَسالَ بكم الوادي ناراً» قال: وهذا لم أجِده في
٤٢٥/٢ الكتابينِ، ولا في (مُستخرَجَي)) الإسماعيليّ والبَرقاني، قال: وهي فائدةٌ من أبي مسعود،/
ولعلَّنا نَجِدُها بالإسناد فيما بعدُ. انتهى، ولم أرَ هذه الزّيادةَ في ((الأطراف)) لأبي مسعود ولا
هي في شيءٍ من طرق حديث جابر المذكورة(١)، وإنَّما وقعت في مُرسَلَي الحسنِ وقتادةً
المتقدِّم ذِكرُهما (٢)، وكذا في حديث ابن عبّاس عند ابن مَرْدويه، وفي حديث أنس عند
إسماعيل بن أبي زياد، وسنده ساقط.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ الخطبةَ تكونُ عن قيام كما تقدَّم، وأنَّها
مُشْتَرَطَة في الجمعة، حكاه القُرطبيّ واستَبعَدَه.
وأنَّ البَيعَ وقتَ الجمعة یَنعَقِدُ، تَرجَمَ علیه سعيد بن منصور، وكأنَّه أخذه من گونِه:
مَّهـ
لم يأمرهم بفَسخِ ما تَبَايَعوا فيه من العيرِ المذكورة، ولا يخفى ما فيه.
وفيه كراهيةُ ترك سماع الخطبة بعد الشُّروع فيها، واستدلَّ به على جواز انعقاد الجمعة
باثنتي عَشَرة نفساً، وهو قولُ ربيعة، ويجيءُ أيضاً على قول مالك، ووجه الدلالة منه أنَّ
العددَ المعتبَرَ في الابتداء يُعتَبرُ في الدَّوام، فلمَّا لم تَبطُلِ الجمعةُ بانفضاض الزائد على الاثْنَي
عَشَر دلَّ على أنَّه كافٍ. وتُعُقِّبَ بأنَّه يحتملُ أنَّه تَمَادى حتَّى عادوا أو عاد مَن تُجْزِئُ بهم، إذ
لم يَرِدِ في الخيرِ أنَّه أتمَّ الصلاة. ويحتملُ أيضاً أن يكون أتمها ظُهراً.
(١) بل هي في رواية هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر، عند أبي يعلى (١٩٧٩)،
وعنه ابن حبان (٦٨٧٧)، وإسنادها صحيح.
(٢) رواية الحسن عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢/ ٢٩٢، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٤٧٩/٢،
والبيهقي في ((الشعب)) (٣٠١٩)، ورواية قتادة عند الطبري ١٠٤/٢٨.

٧١٩
باب ٣٧ / ح ٩٣٦
كتاب الجمعة
وأيضاً فقد فرَّقَ كثير من العلماء بين الابتداء والدَّوام في هذا، فقيل: إذا انعَقَدَت لم يَضُرَّ
ما طَرَأ بعد ذلك ولو بَقيَ الإمامُ وحدَه. وقيل: يُشتَرطُ بقاء واحد معه، وقيل: اثنين، وقيل:
يُفرَّقُ بين ما إذا انفَضّوا بعد تمام الرَّكعة الأولى فلا يَضُرُّ بخلاف ما قبلَ ذلك، وإلى ظاهر
هذا الحديث صار إسحاق بن راهويه فقال: إذا تَفرَّقوا بعد الانعِقاد فيُشتَرطُ بقاء اثنَي عَشَر
رجلاً، وتُعُقِّبَ بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عمومَ فيها، وقد تقدَّم أنَّ ظاهر ترجمة البُخاريّ تقتضي أن
لا يتقيَّدَ الجمع الذي يَبقَى مع الإمام بعَدَدٍ مُعيَّن، وتقدّم ترجیح کون الانفضاض وقع في
الخطبة لا في الصلاة، وهو اللَّائقُ بالصحابة تَحسيناً للظَّنِّ بهم، وعلى تقديرٍ أن يكون في
الصلاة حُلَ على أنَّ ذلك وقع قبلَ النَّهِي كَآيَةٍ ﴿ وَلَا نُبطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٣]، وقبلَ النَّهي
عن الفعل الكثير في الصلاة (١).
وقولُ المصنّف في الترجمة: فصلاة الإمام ومَن بَقيَ جائزة، يُؤْخَذُ منه أنَّه يَرَى أنَّ
الجميعَ لو انفَضّوا في الرَّكعة الأولى ولم يَبقَ إلَّا الإمامُ وحدَه أنَّه لا تَصِحُّ له الجمعة، وهو
كذلك عند الجمهور کما تقدَّم قريباً. وقيل: تَصِحُّ إن بقي واحد، وقيل: إن بقي اثنان،
وقيل: ثلاثة، وقيل: إن كان صلَّى بهم الرَّكعةَ الأولى صَخَّت لمن بَقي، وقيل: يُتِمُّها ظُهراً
مُطلَقاً. وهذا الخلافُ كلّه أقوال مُخرَّجة في مذهبِ الشافعيِّ، إلَّا الأخير فهو قولُه في
الجديد، وإن ثَبَتَ قولُ مُقاتلٍ بن حيَّان الذي أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٦٢): أنَّ
الصلاة كانت حينئذٍ قبلَ الخطبة زالَ الإشكال، لكنَّه مع شُذوذِهِ مُعضل.
وقد استَشكل الأصيلي حديث الباب فقال: إنَّ اللهَ تعالى قد وصف أصحاب محمد وَلَيه
بأنّهم ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِخَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، ثمَّ أجاب باحتمال أن يكون هذا
(١) كحديث عائشة السالف عند المصنف برقم (٧٥١): أنها سألت رسول الله وَلقوله عن الالتفات في الصلاة،
فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد))، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم (٤٣٠)
بلفظ: خرج علينا رسول الله وال﴿ فقال: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا
في الصلاة))، وحديث معيقيب السالف عند البخاري برقم (١٢٠٧) وهو في مسلم أيضاً (٥٤٦): أن
النبي ◌َ﴿ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدةً)».

٧٢٠
باب ٣٨ / ح ٩٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث كان قبلَ نُزول الآية. انتهى، وهذا الذي يَتعيَّنُّ المصير إليه مع أنَّه ليس في آية النّور
التصريحُ بنُرُولها في الصحابة، وعلى تقديرِ ذلك فلم يكن تَقدَّم لهم نَهي عن ذلك، فلمَّا
نزلت آية الجمعة وفَهموا منها ذَمّ ذلك اجتَنَبوه، فوُصِفوا بعد ذلك بما في آية النّور، والله
أعلم.
٣٨- باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
٩٣٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بن عمر: أنَّ
رسولَ الله وَّهِ كان يُصلِّ قبلَ الظُّهر رَكْعتَين وبعدَها رَكْعتَينِ، وبعدَ المغربِ رَكْعتَينٍ في بيتِهِ،
وبعدَ العِشاءِ رَكْعتَينٍ، وكان لا يُصلِّ بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ فيُصلِّ رَكْعتَينِ.
[أطرافه في: ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠]
٤٢٦/٢ قوله: ((باب الصلاة بعدَ الجمعة وقَبْلها)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر في التطوُّع
بالرَّواتبِ وفيه: وكان لا يُصلِّ بعد الجمعة حتَّى ينصرفَ فيُصلِّ ركعتين. ولم يَذكُر شيئاً
في الصلاة قبلها.
قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): كأنَّه يقول: الأصلُ استواء الظُّهر والجمعة حتَّى يدلَّ دليل
على خلافه، لأنَّ الجمعة بدل الظُّهر. قال: وكانت عِنايَتُه بحكم الصلاة بعدها أكثر،
ولذلك قدَّمَه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القَبْل على البَعدِ. انتهى، ووجه العِناية
المذكورة وُرودِ الخيرِ في البَعدِ صريحاً دون القَبْل.
وقال ابن بَطَّال: إنَّما أعاد ابنُ عمر ذِكْرَ الجمعة بعد الظُّهر من أجل أنَّه وَّ كان يُصِّي
سُنَّة الجمعة في بيته بخلاف الظُّهر، قال: والحكْمةُ فيه أنَّ الجمعة لمَّا كانت بدلَ الظُّهر
واقتُصِرَ فيها على ركعتين تُرِكَ التنقّل بعدها في المسجدِ خَشْية أن يُظَنَّ أنَّها التي خُذِفَت.
انتهى، وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفَّلَ قبلها ركعتين متصلتَينِ بها في المسجدِ لهذا المعنى.
وقال ابن التِّين: لم يقع ذِكرُ الصلاة قبلَ الجمعة في هذا الحديث، فلعلَّ البُخاريَّ أراد
إثباتها قياساً على الظُّهر، انتهى.