النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ باب ٢٥ / ح ٩١٧ كتاب الجمعة ثانيها: باقُول بمُوخَّدةٍ وقاف مضمومة، رواه عبد الرزاق (٥٢٤٤) بإسنادٍ ضعيف منقطع، ووَصَلَه أبو نُعيم في ((المعرفة)) (١٢٨٦) لكن قال: باقوم آخره ميم، وإسناده ضعیف أيضاً. ثالثها: صُبَاح، بضمِّ المهمَلة بعدها مُوخَّدة خفيفة وآخره مُهمَلة أيضاً، ذكره ابن بَشْكُوَال (١) بإسنادٍ شديد الانقطاع. رابعها: قَبيصة أو قصبية (٢) المخزوميّ مولاهم، ذكره عمر بن شَبَّة في ((الصحابة)) بإسنادٍ مُرسَل. خامسها: کِلاب مولى العبّاسِ کما سيأتي. سادسها: تميم الدَّاريّ، رواه أبو داود (١٠٨١) مختصراً والحسن بن سفيان والبيهقيُّ (١٩٥/٣) من طريق أبي عاصم عن عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ عن نافع عن ابن عمر: أنَّ تميماً الدَّاريّ قال لرسول الله وَّهِ لمَّا كَثُرَ لحمُه: ألا نَتَّخِذ لك مِنبراً يَحمِل عظامك؟ قال: بلى، فاتَّخَذَ له مِنبَرَاً، الحديث. وإسناده جيِّد، وسيأتي ذِكْره في علامات النُُّوَّة، فإنَّ البخاري أشارَ إليه ثَمَّ (٣٥٨٣)، وروى ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٤٨/١) من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَخْطُب وهو مُستَنِدٍ إلى جِذْع فقال: ((إنَّ القيام قد شَقَّ عليّ)) فقال له تميم الدّاريّ: ألا أعمَل لك مِنبَراً كما رأيت يُصنَع بالشام؟ فشاوَرَ النبيُّ وَلِّ المسلمين في ذلك فرَأوا أن يَتَّخِذه، فقال العبَّاس بن عبد المطَّلِب: إنَّ لي غلاماً يقال له: كِلاب، أعمَلُ الناسِ، فقال: ((مُرْهُ أن يعمل)) الحديث. رجاله ثقات إلَّ الواقديّ. سابعها: میناء، ذكره ابن بشگُوَال عن الزُبير بن بگّار: حدَّثني إسماعيل - هو ابن أبي أوَيس - عن أبيه قال: عَمِلَ المِنْبَرَ غلام لامرأةٍ من الأنصار من بني سَلِمة - أو بني ساعدة أو امرأة لرجلٍ منهم - يقال له: ميناء. انتهى، وهذا يحتمل أن يعود الضَّمير فيه على (١) في ((غوامض الأسماء المبهمة)) (١٠٢). (٢) كذا كُتبت في (أ)، موافقاً لما قاله الحافظ في ((الإصابة)) ٤١٣/٥، وتحرف في (ع) و (س) إلى: قبيصة. ٦٦٢ باب ٢٥ / ح ٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري الأقرب فيكون ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حَكَيناه في ((باب الصلاة على المِنْبَر والسُّطوح)) (٣٧٧) عن ابن التّين أنَّ المِنْبَرَ عَمِلَه غلام سعد بن عُبادة، وجَوَّزْنا أن تكون المرأة زوجَ سعد. وليس في جميع هذه الروايات التي سُمّيَ فيها النَّجّار شيء قويُّ السَّنَد إلَّا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأنَّ الذي اتَّخَذَ المِنْبَرَ تميم الدّاري، بل قد تَبيَّنَ من رواية ابن سعد ٣٩٩/٢ أنَّ تميماً لم يعمله. / وأشبَهُ الأقوال بالصواب قول مَن قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضاً، وأمَّا الأقوال الأُخرى فلا اعتداد بها لوَهَائها، ويَبعُد جدّاً أن يُجِمَع بينها بأنَّ النَّجّار كانت له أسماءُ متعدِّدة. وأمَّا احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قولُه في كثير من الروايات السابقة: لم يكن بالمدينة إلَّا نَجّار واحد. إلَّا إن كان يُحمَل على أنَّ المراد بالواحِدِ الماهر في صِناعَته والبقيَّة أعوانه فيُمكِن، والله أعلم. ووقع عند التِّرمِذيّ (٣٦٢٧) وابن خُزيمة (١٧٧٧) وصَخَّحاه من طريق عِكرِمة بن عَّار عن إسحاق بن أبي طَلْحة عن أنس: كان النبيّ وَّهِ يقوم يوم الجمعة فيُسنِد ظَهره إلى جِذع منصوب في المسجد يَخْطُب، فجاءَ إليه روميّ فقال: ألا أصنَع لك مِنبَراً، الحديث، ولم يُسمِّه، يحتمل أن يكون المراد بالرّوميِّ تميماً الدّاريّ، لأنَّه كان كثير السفر إلى أرض الرّوم(١). وقد عُرِفَ مَّا تقدَّم سبب عمل المِبَ، وجَزَمَ ابن سعد بأنَّ ذلك كان في السَّنة السابعة، وفيه نظرٌ لِذِكْر العبَّاس وتميمٍ فيه، وكان قُدوم العبّاسِ بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقُدوم تميم سنة تسع. وجَزَمَ ابن النَّجّار بأنَّ عمله كان سنةَ ثمان، وفيه نظر أيضاً لما وَرَدَ في حديث الإفك في (الصحيحين))(٢) عن عائشة قالت: فثارَ الحيَّانِ الأوس والخَزْرَج حتَّى كادوا أن (١) قلنا: لعله لكونه جاء من أرض الروم، فقد كان نصرانياً مقيماً بين ظهرانيهم، لأنه لخميٌّ، وكان بنو لَخْمٍ في الشام، والله أعلم. (٢) عند البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠). ٦٦٣ باب ٢٥ / ح ٩١٧ كتاب الجمعة يَقْتَتِّلوا، ورسول الله وَّه على المِنْبَرَ، فنزل فخَفَّضَهم حتَّى سَكَتوا. فإن مُلَ على التَّجَوُّز في ذِكْرِ المِنْبَر وإلَّا فهو أصحّ مَّا مضى. وحكى بعض أهل السّيَرَ أَنَّه وَّهِ كان يَخْطُب على مِنبَرِ من طين قبل أن يَتَّخِذ المِنْبَرَ الذي من خشب، ويُعكِّر عليه أنَّ في الأحاديث الصحيحة أنَّه كان يَستَنِد إلى الجِذع إذا خَطَب. ولم يَزَلِ المِنْبَرُ على حاله ثلاث درجات حتَّى زاده مروان في خلافة معاوية سِتّ درجات من أسفَله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزُّبَير بن بكّار في ((أخبار المدينة)) بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عَوف قال: بَعَثَ معاوية إلى مروان - وهو عامله على المدينة - أن يَحمِل إليه المِبَرَ، فأمر به فقُلِع، فأظلَمَتِ المدينة، فخرج مروان فخَطَبَ، وقال: إنَّما أمرني أمير المؤمنينَ أن أرفَعه، فدعا نَجّاراً، وكان ثلاثَ درجاتٍ، فزاد فيه الزّيادة التي هي عليها اليوم، ورواه من وجه آخر قال: فكَسَفَت الشمسُ حتَّى رأينا النُّجوم وقال: فزاد فيه سِتّ درجات وقال: إنَّما زِدت فيه حين كَثُرَ الناس. قال ابن النَّجّار وغيره: استَمَرَّ على ذلك إلَّا ما أُصلِحَ منه إلى أن احتَرَقَ مسجد المدينة سنة أربع وخمسينَ وسِتِّ مئةٍ فاحتَرَق، ثمَّ جَدَّدَ المظَفَّر صاحبُ اليَمَن سنة سِتّ وخمسينَ مِنبَراً، ثمَّ أرسَلَ الظاهر بيبرس بعد عشر سنينَ مِنبَراً فأُزيلَ مِنبَرَ المظَفَّر، فلم يَزَل ذلك إلى هذا العصر، فأرسَلَ الملك المؤَيَّد سنة عشرين وثمانِ مئةٍ مِنبَراً جديداً، وكان أرسَلَ في سنة ثماني عشرة مِنبَراً جديداً إلى مكَّة أيضاً، شَكَرَ الله له صالحَ سَعْیه، آمينَ. قوله: ((فَعَمِلَها من طَرْفاء الغابة)) في رواية سفيان عن أبي حازم: من أثْلِ الغابة، كما تقدَّم في أوائل الصلاة (٣٧٧)، ولا مُغايَرة بينهما، فإنَّ الأثْل هو الطَّرْفاء، وقيل: يُشبِهِ الطَّرْفاء وهو أعظم منه، والغابة بالمعجَمة وتخفيف الموحّدة: موضع من عَوالي المدينة من جهة الشام، وهي اسم قرية بالبحرين أيضاً، وأصلها كلّ شجر مُلتَفّ. قوله: ((فأرْسَلت)) أي: المرأةُ تُعلِم بأنَّه فَرَغَ. ٦٦٤ باب ٢٥ / ح ٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فأمَرَ بها فوُضِعَت)) أَنَّثَ لإرادة الأعواد والدَّرَجات، ففي رواية مسلم (٥٤٤] ٤٤) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم: فعَمِلَ له هذه الدَّرَجات الثَّلاث. قوله: ((ثُمَّ رأيت رسول الله وَلِ صَلَّى عليها)» أي: على الأعواد، وكانت صلاته على الدَّرَجة العُليا من المِنْبَرَ. قوله: ((وكَبَّرَ وهو عليها ثمَّ رَكَعَ وهو عليها ثمَّ نزل القَهْقَرَى)) لم يَذكُرِ القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم یذكُر القراءة بعد التکبیرَ، وقد تَبيَّنَ ذلك في روایة سفيان عن أبي ٤٠٠٨١ حازم ولفظه: كَبَّرَ فقرأ ورَكَعَ ثمَّ رفع رأسه ثمَّ رجع القَهقَرَى. / والقَهقَرَى بالقصرِ: المشي إلى خلف. والحامل عليه المحافظة على استقبال القِبلة، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطَّبرانيِّ (٥٧٥٢): فخَطَبَ الناس عليه، ثمَّ أُقيمت الصلاة فكَبَّرَ وهو على المِنِبَر. فأفادت هذه الرواية تقدُّم الخطبة على الصلاة. قوله: ((في أصل المِنْبَر)) أي: على الأرض إلى جَنب الدَّرَجة السُّفلى منه. قوله: ((ثمَّ عاد)) زاد مسلم من رواية عبد العزيز: حتَّى فَرَغَ من آخرِ (١) صلاته. قوله: ((ولِتَعَلَّمُوا)) بكسر اللَّام وفتح المثنَّة وتشديد اللَّام، أي: لَتَعَلَّموا. وعُرِفَ منه أنَّ الحكْمة في صلاته في أعلى المِبَر ليراه مَن قد تخفى عليه رُؤيَته إذا صلَّى على الأرض، ويُستَفاد منه أنَّ مَن فعل شيئاً يخالف العادة أن يُبِّن حِكمته لأصحابه. وفيه مشروعيَّة الخطبة على المِنْبَر لكلِّ خطيب خليفةً كان أو غيره. وفيه جواز قَصد تعليم المأمومينَ أفعالَ الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير إن تَفرَّق، وقد تقدَّم البحث فيه، وكذا في جواز ارتفاع الإمام في ((باب الصلاة في السُّطوح)) (٣٧٧). وفيه استحباب اتّخاذ المِنْبَرَ لكَونِهِ أبلَغَ في مُشاهدة الخطيب والسَّماع منه، واستحبابُ (١) لفظة ((آخر)) سقطت من (س). ٦٦٥ باب ٢٥ / ح ٩١٨ كتاب الجمعة الافتتاح بالصلاة في كلّ شيء جديد إمَّا شُكراً وإمَّا تَبرُّكاً. وقال ابن بَطَّل: إن كان الخطيب هو الخليفةَ فسُنَّتُه أن يَخْطُب على المِنِبَرَ، وإن كان غيرَه يُخَيَّر بين أن يقوم على المِنبَر أو على الأرض. وتعقَّبه الزّين بن المنيِّر بأنَّ هذا خارج عن مقصود الترجمة، ولأنَّه إخبار عن شيء أحدَثَه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الرَّاشِدينَ فهو سُنَّة مُتَّبَعة، وإن كان من غيرهم فهو بالبدعة أشبه منه بالسُّنَّة. قلت: ولعلَّ هذا هو حِكْمة هذه الترجمة، أشارَ بها إلى أنَّ هذا التفصيل غير مُستحَبِّ، ولعلَّ مراد مَن استَحَبَّه أنَّ الأصل أن لا يرتفع الإمام على المأمومينَ. ولا يَلزَم من مشروعيَّة ذلك للنبيِّ نَّه ثمَّ لمن وليَ الخلافة أن يُشرَع لمن جاءَ بعدهم، وحُجَّة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعينَ وتعليمهم بعضَ أُمور الدّين، والله الموفِّق. ٩١٨- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرني ابنُ أنسٍ، أنَّه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله قال: كان جِذْعٌ يقومُ إليه النبيُّلِّهه فلمَّا وُضِعَ له المِنْبرُ سمعنا للحِذْعِ مثلَ أصوات العِشار، حتَّى نزل النبيُّ ◌َّهِ فَوَضَعَ يَدَه عليه. وقال سليمانُ، عن يحيى: أخبرني حفصُ بنُ عُبيد الله بنِ أنسٍ: أَنَّه سَمِعَ جابر بنَ عبدِ الله قوله: ((أخبرني يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وابن أنس: هو حفص بن عُبيد الله بن أنس كما سيأتي في الرواية المعلَّقة، ونُسِبَ في هذه إلى جَدّه. قال أبو مسعود الدِّمَشقيّ في ((الأطراف)): إنَّما أبهَمَ البخاري حفصاً لأنَّ محمد بن جعفر بن أبي كثير يقول: عبيد الله بن حفص، فيَقلِبُه. قلت: كذا رواه أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج)) من طريق محمد بن مِسْكين عن ابن أبي مريم شيخ البخاري فيه(١)، ولكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي الأحوَص محمد بن الهيثم عن ابن أبي مريم فقال: عن (١) وكذلك رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤١٨٠- ٤١٨٢) من طرق عن ابن أبي مريم، إلا أنه سمّاه في الموضع الأول: عَبد الله بن حفص، مكبّراً. ٦٦٦ باب ٢٥ / ح ٩١٨-٩١٩ فتح الباري بشرح البخاري حفص بن عبيد الله. على الصواب، وقَلَبَه أيضاً عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن يحيى ابن سعيد، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه وقال: الصواب فيه حفص بن عبيد الله(١). وفي ((تاريخ البخاري)) (٢/ ٣٦٠): حفص بن عبيد الله بن أنس، وقال بعضهم: عبيد الله بن حفص، ولا يصحّ عبيد الله. قوله: ((أصوات العِشار)) بكسر المهمَلة بعدها مُعجَمة. قال الجَوْهريّ: العِشار جمع عُشراء بالضمِّ ثمَّ الفتح: وهي الناقة الحامل التي مضت لها عَشَرة أشهُر ولا يَزال ذلك اسمها إلی أن تَلِد. وقال الخطَّبيُّ: العِشار الحوامل من الإبل التي قارَبَتِ الولادة، ويقال: اللَّواتي أتى على حملهنَّ عشرة أشهُر، يقال: ناقة عُشراء ونُوق ◌ِشار على غير قياس. وسيأتي الكلام على حديث الجِذع في علامات النُّبُوَّة (٣٥٨٣ -٣٥٨٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال سليمان عن يحيى: أخبرني حفص بن عُبيد الله)) أمَّا سليمان: فهو ابن بلال، وأمَّا يحيى: فهو ابن سعيد، وقد وَصَلَه المصنّف في علامات النُّوَّة بهذا الإسناد (٣٥٨٥). وزَعَمَ بعضهم أنَّه سليمان بن كثير لأنَّه رواه عن يحيى بن سعيد، لكن فيه نظرٌّ، لأنَّ سليمان بن کثیر قال فيه: عن یحیی عن سعيد بن المسيب عن جابر، كذلك أخرجه الدارميُّ عن محمد بن کثیر عن أخيه سليمان، فإن كان محفوظاً فليحيى بن سعيد فيه شيخان(٢)، والله أعلم. ٩١٩ - حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزّهْريِّ، عن سالم، عن (١) وكذلك صوّبه الدار قطني في ((العلل)) ٣٥٩/١٣. (٢) أخرجه الدارمي برقم (٣٣) عن محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، وبرقم (٣٤) عن محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن حفص بن عبيد الله. ليس فيه رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، لكن أشار أبو حاتم الرازي فيما نقله عنه ابنه في «العلل)) (٥٧٣)، وكذلك الدار قطني في ((العلل)) ٣٥٨/١٣ إلى أن سليمان بن كثير قد رواه عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، عن جابر. وأنه خطأ. وقد وقع هذا الإسناد في ((جزء أبي الشيخ بن حيان)) بتحقيق بدر البدر، برقم (٧٣)، وفي ((دلائل النبوة)) للبيهقي ٢/ ٥٦٦. ٦٦٧ باب ٢٦ / ح ٩٢٠ كتاب الجمعة أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّه يَخْطُبُ على الِثْبِرِ، فقال: ((مَن جاءَ إلى الجمعةِ فَلَيَغْتَسِل)). قوله: (يَخْطُب على المِنْبَ)) هذا القَدر هو المقصود إيرادُه في هذا الباب، وقد تقدَّم الكلام على المتن في («باب فضل الغُسل يوم الجمعة)) (٨٧٧-٨٧٩). ويُستَفاد منه أنَّ للخطيبِ تعليم الأحكام على المنبر. ٤٠١/٢ ٢٦ - باب الخطبة قائماً وقال أنسُّ: بينا النبيُّ وَلاَ يَخِطُبُ قائماً ... ٩٢٠- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ القَواريرِيُّ، قال: حدّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: حدّثنا عُبِيدُ الله بنُ عمر، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ يَخْطُبُ قائماً، ثمَّ يَقْعُدُ، ثمَّ يقومُ كما تَفْعَلُونَ الآنَ. [طرفه في: ٩٢٨] قوله: (باب الخطبة قائماً)) قال ابن المنذر: الذي عليه عَمَلُ أهل العِلم من علماء الأمصار ذلك(١)، ونقل غيره عن أبي حنيفة أنَّ القيام في الخطبة سُنَّة وليس بواجب، وعن مالك رواية أنَّه واجب، فإن تركَه أساءَ وصَحَّتِ الخطبة، وعند الباقين أنَّ القيام في الخطبة يُشتَرط للقادر كالصلاة. واستدلَّ للأوَّلِ بحديث أبي سعيد الآتي في المناقب: أنَّ النبيَّ صلَّى ◌َّ جَلَسَ ذات يوم على المِنِبَرَ وجَلَسنا حوله (٢)، وبِحديث سهل الماضي قبلُ (٩١٧): «مُرِي غلامَك يعمل لي أعواداً أجلِس عليها))، والله الموفِّق. وأُجيبَ عن الأوَّل: أنَّه كان في غير خُطبة الجمعة، وعن الثاني: باحتمال أن تكون (١) تحرفت عبارة ابن المنذر في (أ) إلى: الذي عليه جُلُّ أهل العلم من علماء الأمصار ذلك، وفي (س) إلى: الذي حمل عليه جلُّ أهل العلم من علماء الأمصار ذلك، والمثبت من (ع) وهو الموافق للمطبوع من ((الأوسط)) ٥٨/٤. (٢) بل سيأتي بعده بهذا اللفظ، وفي المناقب (٣٩٠٤) بنحوه. ٦٦٨ باب ٢٦ / ح ٩٢٠ فتح الباري بشرح البخاري الإشارة إلى الجلوس أوَّلَ ما يصعد وبين الخُطبتَين، واستدلَّ للجمهور بحديث جابر بن سَمُرة المذكور(١)، وبحديث كعب بن عُجرةٍ(٢) أنَّه دخل المسجد وعبد الرحمن ابن أم(٣) الحكَم يَخِطُب قاعداً، فأنكَرَ عليه وتَلا ﴿ وَتَرَكُوكَ قَّيِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وفي رواية ابن خُزَيمة (٤): ما رأيت كاليومٍ قَطُّ إماماً يؤمّ المسلمين يَخْطُب وهو جالس. يقول ذلك مرَّتَين، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢/ ١١٢) عن طاووسٍ: خَطَبَ رسول الله ◌َّ قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وأوَّل مَن جَلَسَ على المِنْبَرَ معاوية. وبِمواظَبة النبيّ وَّه على القيام، وبِمشروعيَّة الجلوس بين الخُطبتَين، فلو كان القعود مشروعاً في الخُطبتَينِ ما احتيجَ إلى الفصل بالجلوس، ولأنَّ الذي نُقِلَ عنه القعود كان معذوراً، فعند ابن أبي شَيْبة (٢/ ١١٣) من طريق الشَّعبيّ: أنَّ معاوية إِنَّمَا خَطَبَ قاعداً لمَّا كَثُرَ شَحمُ بَطنه ولحمُه، وأمَّا مَن احتَجَّ بأنَّه لو كان شرطاً ما صلَّى مَن أنكَرَ ذلك مع القاعد، فجوابه أنَّه محمول على أنَّ مَن صَنَعَ ذلك خَشِيَ الفتنة، أو أنَّ الذي قَعَدَ قَعَدَ باجتهادٍ كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر(٥)، وقد أنكَرَ ذلك ابنُ مسعود، ثمَّ إنَّه صلَّى خلفه فأتمَّ معه، واعتَذَرَ بأنَّ الخلاف شَرّ. قوله: ((وقال أنس ... )) إلى آخره، هو طرف من حديث الاستسقاء أيضاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه (١٠١٣). ثمَّ أورَدَ في الباب حديث ابن عمر، وقد تَرجَمَ له بعد بابَينِ: ((القَعْدة بين الخُطبتَين)) (٩٢٨)، وسيأتي إن شاء الله الكلام علیه ثَمَّ. (١) سیذكره بعد قليل. (٢) عند مسلم (٨٦٤)، والنسائي (١٣٩٧). (٣) لفظة (أم)) تحرفت في (س) إلى: أبي. (٤) وعزا الحافظ هذا الحديث إليه أيضاً في ((إتحاف المهرة)) (١٦٣٨٠)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة». (٥) انظر ما سيأتي برقم (١٠٩٠). ٦٦٩ باب ٢٧ / ح ٩٢١ كتاب الجمعة وفي الباب حديث جابر بن سَمُرة: أنَّ رسول الله وَّهِ كان يَخْطُب قائماً ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيَخطُب قائماً، فمَن نَبَّاك أنَّه كان يَخْطُب جالساً فقد كذَب. أخرجه مسلم (٨٦٢)، وهو أصرَح في المواظَبة من حديث ابن عمر، إلّا أنَّ إسناده ليس على شرط البخاريّ. وروى ابن أبي شَيْبة من طريق طاووسٍ قال: أوَّل مَن خَطَبَ قاعداً معاوية حين كَثُرَ شَحمُ بَطنه. وهذا مُرسَلٌ يَعضُده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أوَّل مَن استَراحَ في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيا جَلَسَ ولم يَتَكلَّم حتَّى يقوم، وأوَّل مَن خَطَبَ جالساً معاوية، وروى عبد الرزاق (٥٢٥٨) عن مَعمَر عن قتادةَ ((أنَّ النبيَّ وَّهِ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يَخْطُبون يوم الجمعة قِياماً، حتَّى شَقَّ على عثمان القيام، فكان يَخِطُب قائماً ثمَّ يجلس، فلمَّا كان معاويةُ خَطَبَ الأولى جالساً والأُخرى قائماً. ولا حُجَّة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعداً لأنَّه بُيَّنَ أنَّ ذلك للضَّرورة. ٢٧ - باب استقبال الناس الإمامَ إذا خطب واستَقْبَلَ ابنُ عمرَ وأنسِّ رضي الله عنهم الإمامَ. ٩٢١- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن هلال بنِ أبي ميمونة، حذَّثنا عطاءُ بنُ يسارٍ، أنَّه سَمِعَ أبا سعيدِ الخُدْريَّ قال: إنَّ النبيَّ ◌َّهَ جَلَسَ ذاتَ يومٍ على الِنِْ وجَلَسْنا حَوْلَه. [أطرافه في: ١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧] قوله: ((باب استِقْبَالِ النَّاس الإمامَ إذا خَطَبَ)) زاد في رواية كَرِيمة في أوَّل الترجمة: يَستَقْبِل الإمامُ القوم، ولم يُثَبِّت الحكم، وهو مُستحَبّ عند الجمهور، وفي وجه يجب، جَزَمَ به أبو الطيِّب الطَّبَريُّ من الشافعيَّة، فإن فعل أجزَأ، وقيل: لا، ذكره الشاشي، ونَقَّل في ((شرح المهذَّب)): أنَّ الالتفات يميناً وشمالاً مكروه اتِّفاقاً إلَّا ما حُكيَ عن بعض الحنفيَّة فقال أكثرهم: لا يَصِحّ، ومِن لازم الاستقبال استدبارُ الإمام القِبْلَةَ، واغتُغفِرَ لئلا يصير مُستَدبِرِ القوم الذين يَعِظُهم، ومن حِكْمة استقبالهم للإِمام التَّهُّؤُ لسماع كلامه وسُلوك ٦٧٠ باب ٢٧ -٢٨ / ح ٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري الأدَب معه في استماع كلامه، فإذا استَقبَلَه بوجهِه وأقبَلَ عليه بجَسَدِه وبقلبِه وحُضور ذهنه كان أدعَى لتَفَهُّمِ مَوعِظَته وموافقَته فيما شُرِعَ له القيام لأجلِه. قوله: ((واستَقبَلَ ابن عمر وأنس الإمام)) أمَّا ابن عمر فرواه البيهقيُّ (١٩٩/٣) من طريق الوليد بن مسلم قال: ذَكَرت لليثِ بن سعد، فأخبرني عن ابن عَجْلان، أنَّه أخبره عن نافع: أنَّ ابن عمر كان يَفرُغ من سُبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يَقعُدِ الإمام حتَّى يستقبله. وأمَّا أنس فُرُوِّيناه في نسخة نُعيم بن حَمَّاد(١) بإسنادٍ صحيح عنه: أنَّه كان إذا أخَذَ الإمام في الخطبة يوم الجمعة يَستَقبِله بوجهِه حتَّى يَفرُغ من الخطبة، ورواه ابن المنذر (٧٤/٤) من وجه آخر: عن أنس أنَّه جاءً يوم الجمعة فاستَنَدَ إلى الحائط واستقبَلَ الإمام. قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء. وحكى غيره عن سعيد بن المسيّب والحسن شيئاً مُحتمَلاً، وقال التِّرمِذيّ: لا يَصِحّ عن النبيّ وَّ فيه شيء، يعني: صريحاً. وقد استَنبَطَ المصنّف من حديث أبي سعيد: أنَّ النبيَّ ◌َهَ جَلَسَ ذات يوم على المِبَ وجَلَسنا حوله، مقصود الترجمة، وهو طرف من حديث طويل سيأتي بهذا الإسناد في كتاب الزَّكاة في ((باب الصَّدَقة على اليَتَامَى)) (١٤٦٥)، ويأتي الكلام عليه في الرِّقاق (٦٤٢٧) إن شاء الله تعالی. ووجه الدلالة منه أنَّ جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نَظَرَهم إليه غالباً، ولا يُعگِّر على ذلك ما تقدَّم (٩٢٠) من القيام في الخطبة، لأنَّ هذا محمول على أنَّه كان يَتَحَدَّث وهو جالس على مكان عالٍ وهم جلوس أسفل منه، وإذا كان ذلك في غير حال الخطبة كان حال الخطبة أولى لوُرودِ الأمر بالاستماع لها والإنصات عندها، والله أعلم. ٢٨ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد رواه عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌ِّ. (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي ١٩٩/٣. ٦٧١ باب ٢٨ / ح ٩٢٢ -٩٢٣ كتاب الجمعة ٩٢٢- وقال محمودٌ: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، قال: أخبَرَ تْني فاطِمةُ ٤٠٣/٢ بنتُ المنذِرِ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرِ الصِّدِّيق قالت: دخلْتُ على عائشةَ رضي الله عنها والنَّاسُ يُصلُّون، قلت: ما شَأْنُ النَّاس؟ فأشارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّماءِ، فقلت: آيةٌ؟ فأشارَتْ بِرَأْسِها، أي: نَعَمْ، قالت: فأطالَ رسولُ الله ◌َّهِ جِدّاً حَتَّى تَجَلَّاني الغَشْيُ، وإلى جَنْبِي قِرْبةٌ فيها ماءٌ فَفَتَحْتُها فجعلتُ أصُبُّ منها على رَأْسِي، فانصَرَفَ رسولُ اللهِ وَّهِ وقد تَجَلَّتِ الشمسُ، فخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ)). قالت: ولَغَطَ نِسْوةٌ من الأنصار فانكَفَأْتُ إليهِنَّ لأُسْكِتَهُنَّ فقلتُ لعائشةَ: ما قال؟ قالت: ((قال: ما من شيءٍ لم أكُنْ أُرِيتُه إلا قد رأيتُه في مَقامي هذا، حتَّى الجنَّةَ والنَّارَ، وإِنَّه قد أُوحِيَ إلَّ أنَّكم تُفتَنُونَ في القُبُورِ مثلَ - أو قَرِيباً من - فِتْنَةِ المسِيحِ الدَّجّال، يُؤْنَى أحدُكم فيقال له: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ؟ فأمَّا المؤمِنُ - أو قال: الموقِنُ شكَّ هشامٌ - فيقول: هو رسولُ الله، هو محمَّدٌ وََّ جاءَنا بالبَيِّنَات والهدى فَآمَنّا وأجَبْنا واتَّبَعْنا وصَدَّقْنا، فيقال له: نَمْ صالحاً قد كنَّا نَعلَمُ إنْ كنتَ لِتُؤْمِنُ به، وأمَّا المنافقُ - أو قال: المرْتابُ، شكَّ هشامٌ - فيقال له: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ؟ فيقول: لا أدري سمعتُ النَّاسَ يقولونَ شيئاً فقلتُ)). قال هشامٌ: فلقد قالت لي فاطِمةُ فأوعَيتُه، غيرَ أنَّهَا ذَكَرَتْ ما يُغَلِّظُ عليه. ٩٢٣- حدَّثنا محمّدُ بنُ مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن جَرِيِرِ بنِ حازم، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: حدَّثنا عَمُرُو بنُ تَغْلِبَ: أنَّ رسولَ الله وَّهِ أَتِيَ بمالٍ أو سَبْيٍ فَقَسَمَه، فأعطَى رجالاً وتركَ رجالاً، فَبَلَغَه أنَّ الَّذِينَ تركَ عَتَبُوا، فحَمِدَ الله، ثمَّ أَثْنَى عليه، ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ، فوالله إنِّي لأُعْطي الرجل، وأدَعُ الرجُلَ، والذي أدَعُ أحَبُّ إليَّ من الذي أُعْطي، ولكنِّي أُعْطي أقواماً لِمَا أَرَى في قُلُوبهم من الجَزَعِ والهَلَعِ، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جَعَلَ الله في قُلُوبهم من الغِنَى والخيرِ، فيهم عَمِرُو بنُ تَغْلِبَ))، فوالله ما أُحِبُّ أنَّ لي بكلمةِ رسولِ اللهِوََّ حُمْرَ النَّعَمِ. تابعه یونسُ. [طرفاه في: ٣١٤٥، ٧٥٣٥] ٦٧٢ باب ٢٨ / ح ٩٢٢-٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ٩٢٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلِ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ خرج ذاتَ ليلةٍ من جَوْفِ الليل، فصَلَّى في المسجدِ فصَلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فاجتمع أكثرُ منهم فصَلَّوْا معه، فأصبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرُ أهلُ المسجدِ من الليلةِ الثالثةِ، فخرج رسولُ اللهِ وَّةِ فِصَلَّوْا بصلاته، فلمَّاً كانتِ الليلةُ الرَّابعةُ عَجَزَ المسجدُ عن أهلِهِ حتَّى خرج لصلاةِ الصبح، فلمَّا قَضَى الفجرَ أقبَلَ على النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإِنَّه لم يَخْفَ عليَّ مكانُكم، لَكِنِّي خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ علیکم فتَعْجِزُوا عنها)». تابعه یونسُ. ٤٠٤/٢ ٩٢٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، عن أبي مُميدِ السّاعديِّ، أَنَّه أخبَرَه: أنَّ رسولَ الله ◌َليهِ قامَ عَشِيَةً بعدَ الصلاة، فتَشَهَّدَ وأثْنَى على الله بما هو أهلُه ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ)). تابَعَه أبو معاويةَ وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُميدٍ، عن النبيِّنَِّ قال: ((أمَّا بعدُ)). وتابَعَه العَدَنُّ عن سفيانَ في: ((أمَّا بعدُ)). [أطرافه في: ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧] ٩٢٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ الحسين، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ قال: قامَ رسولُ الله وَّ فسمعتُهُ حينَ تَشَهَّدَ يقول: ((أمَّا بعدُ)). تَابَعَه الزُّبَيدِيُّ عن الزُّهْريِّ. [أطرافه في: ٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨] ٩٢٧ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانَ، قال: حدَّثنا ابنُ الغَسِيل، قال: حدَّثنا عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: صَعِدَ النبيُّ ◌َّهِ الِنْبِرَ، وكان آخِرَ مَجلِسٍ جَلَسَه، مُتَعَطِّفاً مِلْحَفةً على مَنكِهِ، قد عَصَبَ رأسَه بعِصابةٍ دَسِمةٍ، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((أيُّها النَّاسُ إِيَّ))، فثأبُوا إليه ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ هذا الحيَّ من الأنصار يَقِلُّونَ ويَكثُرُ النَّاسُ، فمَن ولي شيئاً من ٦٧٣ باب ٢٨ / ح ٩٢٢-٩٢٧ كتاب الجمعة أمّةِ محمَّدٍ وَّ فاستَطاعَ أنْ يَضُرَّ فيه أحداً، أو يَنْفَعَ فيه أحداً، فليَقْبَلْ من ◌ُحسِنِهِم، ويَتَجاوَزْ عن مُسِیئهم)). [طرفاه في: ٣٨٠٠،٣٦٢٨] قوله: ((باب مَن قال في الخطبة بعد الثَّناء: أمَّا بعدُ)) قال الزَّين بن المنيِر: يحتمل أن تكون ((مَن)) موصولة بمعنى ((الذي))، والمراد به النبيّ وَّ كما في أخبار الباب، ويحتمل أن تكون شرطيَّة والجواب محذوف، والتقدير: فقد أصابَ السُّنَّة، وعلى التقديرَينِ فينبغي للخُطَبَاء أن يستعملوها تأسّياً واتِّباعاً. انتهى مُلخَّصاً. ولم يَجِدِ البخاري في صفة خُطبة النبيّ وَّ﴿ يوم الجمعة حديثاً على شرطه، فاقتصر على ذِكْرِ الثَّناء، واللَّفظ الذي وُضِعَ للفصلِ بينه وبين ما بعده من مَوعِظة ونحوها. قال سيبويه: ((أمَّا بعد)) معناها: مهما يكن من شيء بعد. وقال أبو إسحاق - هو الَّجّاج -: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال: أمَّا بعد. وهو مبنيّ على الضم لأنَّه من الظّروف المقطوعة عن الإضافة، وقيل: التقدير: أمَّا الثّناء على الله فهو كذا، وأمَّا بعد فكذا. ولا يَلزَم في قَسِيمه أن يُصرَّح بلفظه(١)، بل يكفي ما يقوم مقامه. واختُلِفَ في أوَّل مَن قالها، فقيل: داودُ عليه السلام رواه الطَّبرانيُّ(٢) مرفوعاً من حديث أبي موسى الأشعَريّ وفي إسناده ضعف، وروى عبد بن حميدٍ والطَّبري(٣) عن الشَّعبيّ موقوفاً أنَّها فصل الخطاب الذي أُعطيه داودُ، وأخرجه سعيد بن منصور (٤) من طريق الشَّعبيّ، فزاد فيه: عن زياد بن سُميَّة. (١) تحرفت العبارة في (س) إلى: ولا يلزم في قسمه أن يصرح بلفظ. ومعنى قوله: قَسيمُه، أي: قسيم الثناء على الله من الكلام الذي يقولُه الخطيب. (٢) في كتابه ((الأوائل)) (٤٠)، وفي إسناده عبد العزيز بن ثابت الزهري، وهو متروك الحديث، فالإسناد ضعيف جداً. (٣) تحرفت في (س) إلى: الطبراني، وهذا الأثر عند الطبري في («تفسيره)) ٢٣/ ١٤٠، وفي إسناده جابر بن نوح، وهو ضعيف. (٤) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣٢. ٦٧٤ باب ٢٨ / ح ٩٢٢-٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: أوَّل مَن قالها يعقوب، رواه الدَّارَ قُطنيُّ بسندٍ واهٍ (١) في ((غرائب مالك)). وقيل: أوَّل مَن قالها يَعرُب بن قَحْطان، وقيل: كعب بن لُؤَيّ، أخرجه القاضي أبو أحمد العَسَّال(٢) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بسندٍ ضعيف، وقيل: سَحْبان وائل(٣)، وقيل: قُسّ بن ساعدة، والأوَّل أشبه، ويُجمَع بينه وبين غيره بأنَّه بالنّسبة إلى الأوَّليّة المحضة، والبقيَّة بالنّسبة إلى العرب خاصَّة، ثمَّ يُجمَع بينها بالنّسبة إلى القبائل. ٤٠٥/٢ قوله: (رواه عِكْرِمة عن ابن عبّاسٍ)) سيأتي موصولاً آخرَ الباب. ثمَّ أورَدَ في الباب أيضاً سنَّة أحاديث ظاهرة المناسَبة لما تَرجَمَ له. أولها: حدیث أسماء بنت أبي بكر في كسوف الشمس، وفيه: فحَمِدَ الله بما هو أهله، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ))، ثمَّ ذكر قصَّة فتنة القَبْر، وسيأتي الكلام عليه في الكسوف(٤)، وذكره هنا عن محمود - وهو ابن غَيْلان أحد شيوخه - بصيغة: قال محمود، وكلام أبي نُعيمٍ في ((المستخرَج)) يُشعِر بأنَّه قال: حدَّثنا محمود. ثانيها: حديث عَمْرو بن تَغلِب - وهو بفتح المثنَّة وسكون المعجَمة وكسر اللَّام بعدها مُوخَّدة - وفيه: فحَمِدَ الله ثمّ أثنَى عليه ثمَّ قال: ((أمَّا بعد))، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الخُمُس (٣١٠٥)، ووقع هنا في بعض النسخ: تابعه يونس: وهو ابن عبيد. وقد وَصَلَه أبو نُعیمٍ في «مُسنَد یونس بن عبيد)) له بإسناده عنه عن الحسن عن عَمْرو. ثالثها: حديث عائشة في قصَّة صلاة الليل وفيه: فتَشَهَّدَ ثمّ قال: ((أمَّا بعد))، وسيأتي الكلام عليه في أبواب التطوُّع (١١٢٩). قوله: ((تابَعَه یونس)) هو ابن یزید، وقد وَصَلَه مسلم (١٧٨/٧٦١) من طريقه بتمامه، (١) تحرفت في (س) إلى: رواه. (٢) تحرفت في (س) إلى: الغَسّاني. وأبو أحمد العسّال هو محمد بن أحمد بن إبراهيم، مترجم في ((تاريخ بغداد)) ٢٧٠/١. (٣) في (س): سحبان بن وائل، بزيادة ((بن)) وهو خطأ. (٤) بل تكلّم عليه في العلم برقم (٨٦)، وفي الجنائز برقم (١٣٧٣). ٦٧٥ باب ٢٨ / ح ٩٢٢-٩٢٧ كتاب الجمعة وكلام المِزِّيّ في ((الأطراف)) يدلُّ على أنَّ يونس إنَّما تابَعَ شعيباً في: ((أمَّا بعد)) فقط، وليس كذلك. رابعها: حديث أبي حميد الساعدي: أن رسول الله وَ الار قام عشية بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ((أما بعد))، هكذا أورده مختصراً بتمامه بهذا الإسناد في الأيمان والنذور (٦٦٣٦)، وفيه قصة ابن اللُّتبية، ويأتي إن شاء الله الكلام عليه تامّاً في الزكاة (١). قوله: ((تابعه أبو معاوية وأبو أسامة عن هشام)) يعني: ابن عُرْوة عن أبيه عن أبي حميد، وقد وصله مسلم (٢٧/١٨٣٢ و٢٨) عن أبي كريب عن أبي أسامة وأبي معاوية وغيرهما مفرَّقاً، وأورده الإسماعيلي من طريق يوسف بن موسى حدثنا جرير ووكيع وأبو أسامة وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة به، وقد وصل المصنِّف رواية أبي أسامة في الزكاة أيضاً باختصار (١٥٠٠). قوله: ((وتابعه العَدَني عن سفيان)) يحتمل أن يكون العدنيُّ هو عبدَ الله بن الوليد، وسفيان: هو الثَّوْري، ومن هذا الوجه وَصَلَه الإسماعيليُّ، وفيه قوله: ((أما بعد))، ويحتمل أن يكون العَدَنيّ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر، وسفيان: هو ابن عُيينة، وقد وَصَلَه مسلم (٢٨/١٨٣٢) عنه وأحالَ به على رواية أبي كُرَيب عن أبي أسامة، وقد تبيَّن أن فيها قولَه: ((أما بعد))، وهو المقصود هنا، ولم أره مع ذلك في ((مسند ابن أبي عمر)). خامسها: حديث المِسوَر بن مَخْرَمة قال: قام رسول الله وَّ﴿ فسمعتُه حین تشھَّد يقول: ((أما بعدُ))، وهذا طرفٌ من حديثه في قصة خِطْبة عليٍّ بن أبي طالب بنتَ أبي جهل، وسيأتي بتمامه في المناقب (٣٧٢٩)، ويأتي الكلام عليه ثَمَّ إن شاء الله(٢). قوله: («تَابَعَه الزُّبَيديّ) وَصَلَه الطَّبرانيُّ في ((مسند الشاميِّين)) (١٧٠٧) من طريق عبد الله ابن سالم الحمصيّ عنه عن الزُّهريِّ بتمامه. (١) بل في كتاب الأحكام (٧١٧٤)، وهو في الزكاة (١٥٠٠) مختصر. (٢) وانظر الكلام عليه أيضاً في النكاح (٥٢٣٠). ٦٧٦ باب ٢٨ / ح ٩٢٢-٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري سادسها: حديث ابن عبّاسٍ قال: صَعِدَ النبيّ وََّ الِمِنْبَر وكان - أي: صُعوده - آخرَ مَجَلِسِ جَلَسَه، الحديث، وفيه: فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، وفيه: ثمَّ قال: ((أمَّا بعد)). وسيأتي في فضائل الأنصار (٣٨٠٠) بتمامه، ويأتي الكلام عليه ثَمّ إن شاء الله تعالى. وفي الباب ممَّا لم يَذْكُرُه عن عائشة في قصَّة الإفك، وعن أبي سفيان في الكتاب إلى هِرَقل مُتَّفَق عليهما(١)، وعن جابر قال: كان رسول الله وَّهِ إذا خَطَبَ احَمَرَّت عيناه وعَلَا صوته ... الحديث، وفيه: فيقول: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ خير الحديث كتاب الله)) أخرجه مسلم (٤٣/٨٦٧)، وفي رواية له (٨٦٧/ ٤٤) عنه: كانت خُطبة النبيّ وَّ يوم الجمعة تَحمَد اللهَ ويُثني عليه، ثمَّ يقول على إثر ذلك وقد عَلَا صوتُه ... فذكر الحديث، وفيه: يقول: ((أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله))، وهذا أليَق بمراد المصنِّف للتَّنصيصِ فيه على الجمعة، لكنَّه ليس على شرطہ کما قدَّمناه. ويُستَفاد من هذه الأحاديث أنَّ ((أمَّا بعد)) لا تَخْتَصّ بالخُطَب، بل تقال أيضاً في صُدور الرَّسائل والمصنَّفات، ولا اقتصار عليها في إرادة الفَصْل بين الكلامَين، بل وَرَدَ في القرآن في ذلك لفظ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَِّغِينَ لَشَرَّ مَتَابٍ﴾ [ص: ٥٥]، وقد كَثُرَ استعمال المصنِّفِينَ لها بلفظ: ((وبعدُ))، ومنهم مَن صَدَّرَ بها كلامه فيقول في أوَّل الكتاب: أمَّا بعدَ حمدِ الله فإنَّ الأمر كذا، ولا حَجْرَ في ذلك. ٤٠٦/٢ وقد تَتَبَّعَ طرقَ الأحاديث التي وقع فيها ((أمَّا بعد)) الحافظُ عبد القادر الرُّهاويّ في خُطبة ((الأربعينَ المتباينة)) له فأخرجه عن اثنين وثلاثينَ صحابيّاً، منها: ما أخرجه(٢) من طريق ابن جُرَيج عن محمد بن سيرين عن المِسوَر بن مَخْرَمة: كان النبيُّ وَّهِ إذا خَطَبَ (١) حديث عائشة عند البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠)، وحديث أبي سفيان عند البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣). (٢) وأخرجه أيضاً أبو عمرو ابن مَمَّك المديني في ((جزء فيه قول النبي: نضّر الله امرأً سمع مقالتي)) (٤٤)، لكنه ذكر في إسناده محمد بن قيس بن مخرمة بدل محمد بن سيرين، والظاهر أنه الصواب، لأنه لا يعرف لابن جُریج رواية عن محمد بن سيرين، وإنما يروي عنه بواسطة. ٦٧٧ باب ٢٩ / ح ٩٢٨ كتاب الجمعة خُطبة قال: ((أمَّا بعدُ))، ورجاله ثقات، وظاهره المواظَبة على ذلك. ٢٩ - باب القَعْدة بين الخطبتين يومَ الجمعة ٩٢٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثْنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بن عُمر قال: كان النبيُّ ◌َّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقعُدُ بينهما. قوله: (باب القَعْدَة بين الخُطْبْتَين)) قال الَّين بن المنيِر: لم يُصرِّح بحكم الترجمة لأنَّ مُستَنَدَ ذلك الفعلُ ولا عموم له. انتهى، ولا اختصاص بذلك لهذه الترجمة فإنَّه لم يُصرِّح بحكمٍ غيرها من أحكام الجمعة، وظاهر صنيعه أنَّه يقول بوجوبها كما يقول به في أصل الخطبة. قوله: ((تخطُب خُطْبتَينِ يَقعُد بينهما)) مُقتَضاه أنَّه کان یَخطُبهما قائماً، وصَرَّحَ به في رواية خالد بن الحارث المتقدِّمة قبلُ ببابينِ (٩٢٠) ولفظه: كان يَخْطُب قائماً ثمَّ يَقعُد ثمَّ يقوم، وللنَّسائيِّ (١٤١٦) والدَّارَ قُطنيّ (١٦٣٠) من هذا الوجه: كان يَخْطُب خُطبَتَيْنِ قائماً يَفْصِل بينهما بجلوسٍ. وغَفَلَ صاحب ((العُمدة)) فعَزا هذا اللَّفظ للصحيحَين، ورواه أبو داود بلفظ: كان يَخْطُب خُطبتَين: كان يجلس إذا صَعِدَ الِبَرَ حتَّى يَفرُغ المؤذِّن، ثمّ يقوم فيَخطُب، ثمَّ يجلس فلا يَتكلَّم، ثمَّ يقوم فيَخطُب (١)، واستُفيدَ من هذا أنَّ حال الجلوس بين الخُطبتَينِ لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفي أن يَذكُر الله أو يدعوَه ◌ِّاً. واستدلَّ به الشافعيّ في إيجاب الجلوس بين الخُطبتَينِ لمواظَيتِهِ وَِّ على ذلك، مع قولِه: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّ))(٢). قال ابن دَقِيق العيد: يَتوقَّف ذلك على ثبوت أنَّ إقامة الخُطبَتَينِ داخلٌ تحت كيفيَّة الصلاة، وإلَّا فهو استدلال بمُجرَّدِ الفعل. وزَعَمَ الطَّحاويُّ أنَّ الشافعيّ تَفرَّدَ بذلك، وتُعُقِّبَ بأنَّه مَحكيٍّ عن مالك أيضاً في (١) هو عند أبي داود (١٠٩٢)، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وسيشير الحافظ إلى ذلك بعد قليل. (٢) سلف برقم (٦٣١). ٦٧٨ باب ٣٠ / ح ٩٢٩ فتح الباري بشرح البخاري رواية، وهو المشهور عن أحمد، نَقَلَه شيخنا(١) في ((شرح التِّرمِذي)). وحكى ابن المنذر أنَّ بعض العلماء عارَضَ الشافعيَّ بأنَّهِ وَ له واظَبَ على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظَبته دليلاً على شرطيَّة الجلسة الوُسطَى فلتكن دليلاً على شرطيَّة الجلسة الأولى، وهذا مُتَعقَّب بأنَّ جُلّ الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى وهي من رواية عبد الله العُمَريّ المضعَّف فلم تَثْبُت المواظَبة عليها، بخلاف التي بين الخُطبتَين. وقال صاحب ((المغني)): لم يُوجِبها أكثرُ أهل العِلم لأنَّها جلسة ليس فيها ذِكْر مشروع فلم تَجِب، وقدَّرَها مَن قال بوجوبها بقَدرِ جلسة الاستراحة وبقَدرٍ ما يقرأ سورة الإخلاص. واختُلِفَ في حِكمتها فقيل: للفصلِ بين الخُطبتَين، وقيل: للرَّاحة. وعلى الأوَّل - وهو الأَظهَر - يكفي السُّكوت بقَدرِها، ويظهر أثر الخلاف أيضاً فيمن خَطَبَ قاعداً لعَجزِه عن القيام. وقد ألزَمَ الطَّحاويُّ مَن قال بوجوب الجلوس بين الخُطبتَينِ أن يُوجِب القيام في الخُطبتَين، لأنَّ كلَّ منهما اقتصر على فعل شيء واحد. وتعقَّبه الزَّين بن المنيِر، وبالله التوفيق. ٣٠- باب الاستماع إلى الخطبة ٤٠٧/٢ ٩٢٩- حدَّثنا آدمُ، قال: حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي هريرةَ قال: قال النبيُّ وَّ: ((إذا كان يومُ الجمعةِ وَقَفَتِ الملائكةُ على باب المسجدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّل، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَل الذي يُهْدي بَدَنَةً، ثمَّ كالذي يُهْدي بقرةً، ثمَّ كَبْشاً، ثمَّ دَجاجةً، ثُمَّ بَيْضةً، فإذا خرج الإمامُ طَوَوْا صُحُفَهُم ويستمعُونَ الذِّكْرَ)). [طرفه في: ٣٢١١] قوله: ((باب الاستماع)) أي: الإصغاء للسَّماع، فكُلّ مُستَمِع سامع من غير عكس، وأورَدَ المصنِّف فيه حديث كتابة الملائكة مَن يُبكِّر يوم الجمعة، وفيه ((فإذا خرج الإمام طَوَوا صُحُفهم ويستمعون الذِّكر)) وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَى في ((باب فضل الجمعة)) (١) يعني به الحافظ أبا الفضل العراقي. ٦٧٩ باب ٣١ / ح ٩٣٠ كتاب الجمعة (٨٨١) وفيه إشارة إلى أنَّ منع الكلام من ابتداء الإمام في الخطبة، لأنَّ الاستماع لا يَتَّجِه إلَّا إذا تكلّم، وقالت الحنفيَّة: يجرُم الكلام من ابتداء خروج الإمام، ووَرَدَ فیه حدیث ضعيف سنذكره في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. ٣١- باب إذا رأى الإمام رجلاً جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين ٩٣٠- حدَّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمْرِو بنِ دِینارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله قال: جاءَ رجلٌ والنبيُّ وَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ يومَ الجمعةِ، فقال: ((صلَّيْتَ يا فلانُ؟)) قال: لا، قال: ((ثُمْ فاركَع)». [طرفاه في: ٩٣١، ١١٦٦] قوله: ((باب إذا رأى الإمام رجلاً جاءَ وهو يَخِطُب أمَرَه أنْ يُصلِّيَّ رَكْعتَين)) أي: إذا كان لم یُصلِّهما قبل أن يراه. قوله: ((عن جابر بن عبد الله)) صرَّحَ في الباب الذي يليه بسماع عمرو له من جابر. قوله: ((جاءَ رجل)) هو سُلَيك - بمُهمَلةٍ مُصغَّراً - ابن هُذْبةٍ(١)، وقيل: ابن عَمْرو الغَطَفانيّ بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة بعدها فاء، من غَطَّفان بن سعد (٢) بن قيس عَيْلان، ووقع مُسمَّى في هذه القصّة عند مسلم (٥٨/٨٧٥و ٥٩) من رواية الليث بن سعد عن أبي الزُّبیر عن جابر بلفظ: جاءَ سُلَيك الغَطَفانيّ يوم الجمعة ورسول الله وَ له قائم على المِنبَرَ، فَقَعَدَ سُلَيك قبل أن يُصلّي، فقال له: ((أصلَّت ركعتين؟)) فقال: لا، فقال: ((قُم فاركَعْهما))، ومن طريق الأعمَش عن أبي سفيان عن جابر نحوه، وفيه: فقال له: ((يا سُلَيكُ، قُم فاركَع ركعتين وتجوَّزْ فيهما)»، هكذا رواه حُفّاظ أصحاب الأعمَش عنه، ووافَقَه الوليد أبو بشر عن أبي سفيان عند أبي داود (١١١٧) والدَّارَقُطنيّ (١٦١٠)، وشَذَّ منصور بن أبي الأسود (١) تصحَّف في (س) إلى: هدية. وقد ضَبَطه النووي في ((تهذيب الأسماء)) ص ١٦٧. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: سعيد، وانظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ٢٤٨ -٢٥٠. ٦٨٠ باب ٣١ / ح ٩٣٠ فتح الباري بشرح البخاري عن الأعمَش بهذا الإسناد، فقال: جاءَ النُّعمان بن قَوْقَل(١)، فذكر الحديث، أخرجه الطَّبرانيُّ(٢)، قال أبو حاتم الرَّازيُّ: وهم فيه منصور، يعني: في تسمية الآتي، وقد رواه الطَّحاويُّ (٣٦٥/١) من طريق حفص بن غياث عن الأعمش قال: سمعت أبا صالح يُحدِّث بحديث سُلَيك الغَطَفاني، ثمَّ سمعت أبا سفيان يُحدِّث به عن جابر. فَتَحرَّرَ أنَّ هذه القصَّة لسُلَيك. ٤٠٨/٢ وروى الطَّبرانُّ(٣) أيضاً من طريق أبي صالح عن أبي ذرٍّ: أنَّه أتى النبيَّ وَّه وهو يَخْطُب فقال لأبي ذرّ: ((صلَّيت ركعتين؟)) قال: لا، الحديث، وفي إسناده ابن لَهِيعة، وشَذَّ بقوله: وهو يَخْطُب. فإنَّ الحديث مشهور عن أبي ذرٍّ: أنَّه جاءً إلى النبيِّ وَّ وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حِيَّان(٤) وغيره. وأمَّا ما رواه الدَّارَقُطنيُّ من حديث أنس قال: دخل رجل من قيس المسجدَ، فذكر نحو قصَّة سُلَيك، فلا يخالف كونَه سُلَيكاً، فإنَّ غَطَفان من قيس كما تقدَّم(٥)، وإن كان بعض شيوخنا غايَرَ بينهما وجَوَّزَ أن تكون الواقعة تَعدَّدت فإنَّه لم يتبيَّن لي ذلك. واختُلِفَ فيه على الأعمَش اختلافاً آخر رواه الثَّوريّ عنه، عن أبي سفيان عن جابر عن سُلَيك(٦)، فجعلَ الحديث من مُسنَد سُلَيك، قال ابن عَديّ: لا أعلم أحداً قاله عن الثَّوريّ هكذا غير الفِريابيّ وإبراهيم بن خالد. انتهى، وقد قاله عنه أيضاً عبد الرزاق، أخرجه (١) تحرف في (س) إلى: نوفل. (٢) لم نقف عليه في مطبوع الطبراني. وقد أخرجه أيضاً أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٦٣٦٣)، والخطيب في ((الأسماء المبهمة )) ص ٣٧٧ من طريقين عن سعيد بن سليمان عن منصور بن أبي الأسود. (٣) هو في «الأوسط)) (٤٧٢١). (٤) هو عند ابن حبان (٣٦١)، لكن إسناده واهٍ بمرّةٍ، فلا يُرَدُّ بمثله خبر ابن لهيعة! (٥) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (١٦١٨)،. وإسناده ضعيف. (٦) أخرجه الدارقطني (١٦١٢)، وابنُ عدي في ((الكامل)) ٣/ ١٣٠٤ من طريق محمد بن يوسف الفريابي، وابن عدي ٣/ ١٣٠٤ من طريق إبراهيم بن خالد بن عبيد الصنعاني، كلاهما عن سفيان الثوري.