النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ باب ٢ / ح ٨٧٨ كتاب الجمعة القَعْنبيَّ في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضى عنه. ورواه عن الزُّهريِّ موصولاً يونس بن يزيد عند مسلم (٨٤٥)، ومَعمَر عند أحمد (٢٠٢)، وأبو أوَيس عند قاسم بن أصبَغْ(١)، والجُوَيريةَ بن أسماء فيه إسنادٌ آخر أعلى من روايته عن مالك، أخرجه الطَّحاويُّ (١١٨/١) وغيره(٣) من رواية أبي غسّان عنه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. قوله: ((بَيْنا)) أصله ((بين)) وأُشبِعَت الفتحة، وقد تبقى بلا إشباع ويُزاد فيها ((ما)»، فتصير (بينَ)) وهي رواية يونس، وهي ظرف زمان فيه معنى المفاجأة. قوله: ((إذْ جاءَ رجل)) في رواية المُستَمْلِي والأَصِيلِيّ وكَرِيمة: إذ دخل. قوله: ((من المهاجِرينَ الأوَّلينَ)) قيل في تعريفهم: مَن صلَّى إلى القِبلتَين، وقيل: مَن شَهِدَ بدراً، وقيل: مَن شَهِدَ بيعة الرِّضوان. ولا شكّ أنَّها مراتب نِسبيَّة، والأوَّل أولى في التَّعريف لسَبْقِه، فمَن هاجَرَ بعد تحويل القِبْلة وقبل وقعة بدر هو آخِرٌ بالنِّسبة إلى مَن هاجَرَ قبل التَّحويل، وقد سَمَّى ابنُ وَهْب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في ((الموطَّأ)) الرجلَ المذكور عثمانَ بن عقَّان، وكذا سمّه مَعمَر في روايته عن الزُّهريِّ عند الشافعيّ (٥٤/١) وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر، قال ابن عبد البَرّ: لا أعلم خلافاً في ذلك. وقد سمّاه أيضاً أبو هريرة في روايته لهذه القصّة عند مسلم (٨٤٥/ ٤)، کما سيأتي بعد بابینِ (٨٨٢). قوله: «فناداه» أي: قال له: یا فلان. قوله: ((أيَّة ساعة هذه)): أيَّة بتشديد التَّحتانيَّة تأنيث ((أيّ)) يُستَفْهَم بها، والساعة اسم لجزءٍ من النهار مُقدَّر، وتُطلَق على الوقت الحاضر وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، وكأنَّه يقول: لِمَ تأخّرت إلى هذه الساعة؟ وقد وَرَدَ التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة: فقال عمر: لِمَ تحتَبِسون عن الصلاة؟ وفي رواية مسلم: (١) وأخرجه من طريقه ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ٧٠/١٠-٧١. (٢) هو عند ابن عبد البر أيضاً في ((التمهيد)) ١٠/ ٧٠. ٥٨٢ باب ٢ / ح ٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري فعَرَّضَ به (١) عمر فقال: ما بال رجال يتأخَّرون بعد النِّداءُ. والذي يظهر أنَّ عمر قال ذلك كلّه فحَفِظَ بعض الرُّواة ما لم يَحِفَظِ الآخَر. ومراد عمر التَّلميح إلى ساعات التَّبکیر التي وقع التَّرغيب فيها، وأنَّها إذا انقَضَت طَوَت الملائكةُ الصُّحُفَ، كما سيأتي قريباً (٨٨١)، وهذا من أحسن التعريضات وأرشَق الكنايات، وفَهِمَ عثمان ذلك فبادرَ إلى الاعتذار عن التأخّر. قوله: ((إِنِّ شُغِلْت)) بضمِّ أوَّله، وقد بيَّن جهة شَغْلِه في رواية عبد الرحمن بن مَهْديّ(٢) ٣٦٠/٢ حيثُ قال: انقَلَبت من السّوق فسمعت النِّداء. والمراد به الأذان بين يَدَي الخطيب، كما سيأتي بعد أبواب (٩١٦). قوله: ((فلم أزِدْ على أنْ تَوضَّأْت)) أي: لم أشتَغِل بشيءٍ بعد أن سمعت النِّداء إلَّا بالوضوء، وهذا يدلُّ على أنَّه دخل المسجد في ابتداء شُروع عمر في الخطبة. قوله: ((والوضوء أيضاً!)) فيه إشعار بأنَّه قَبِلَ عُذْره في ترك التَّبكير، لكنَّه استَنْبَطَ منه معنّى آخر اَّجَهَ له عليه فيه إنكارٌ ثانٍ مُضافاً إلى الأوَّل. وقوله: ((والوضوء)) في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر النَّوَويّ في ((شرح مسلم))، أي: والوضوء أيضاً اقتَصَرت عليه أو اخترته دون الغُسل؟ والمعنى ما اكتَفَيت بتأخيرِ الوقت وتَفويت الفضيلة حتَّى تركت الغُسل واقتَصَرت على الوضوء؟ وجَوَّزَ القُرطبيّ الرَّفع على أنَّه مُبْتَدَأ وخبره محذوف، أي: والوضوء أيضاً تَقْتِصِرُ عليه. وأغرَبَ السُّهَيليُّ فقال: أَنَّفَقَ الرُّواة على الرَّفع، لأنَّ النصب يُخْرِجه إلى معنى الإنكار - یعني - والوضوء لا يُنكَر. وجوابه ما تقدَّم. والظاهر أنَّ الواو عاطفة. وقال القُرطبيّ: هي عِوَض عن همزة استفهام كقراءة ابن كثير: ((قال فِرِعَونُ وآمنتُم به)) [الأعراف: ١٢٣]. (١) تحرفت في (س) إلى: عنه. (٢) عند أحمد برقم (١٩٩). ٥٨٣ باب ٢ / ح ٨٧٨ كتاب الجمعة وقوله: ((أيضاً) أي: ألم يَكفِك أن فاتَك فضلُ التَّبكير إلى الجمعة، حتَّى أضَفتَ إليه تركَ الغُسلِ المَرَغَّب فيه؟ ولم أقِفْ في شيء من الروايات على جواب عثمان عن ذلك، والظاهر أنَّه سَكَتَ عنه اكتفاءً بالاعتذار الأوَّل، لأنَّه قد أشارَ إلى أنَّه كان ذاهلاً عن الوقت، وأنَّه بادرَ عند سماع النِّداء، وإنَّما تركَ الغُسل لأنَّه تَعارَضَ عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغُسلِ، وكُلّ منهما مُرغَّب فيه فأثَرَ سماع الخطبة، ولعلَّه كان يَرَى فرْضيَّتَه فلذلك آثَرَه، والله أعلم. قوله: ((كان يأمر بالفُسْل)) كذا في جميع الروايات لم يَذكُر المأمور، إلَّا أنَّ في رواية جوَیریةَ عن نافع بلفظ: كنَّا نُؤمَر، وفي حديث ابن عبّاسٍ عند الطَّحاويّ (١١٧/١) في هذه القصَّة: أنَّ عمر قال له: لقد عَلِمَ أنّا أُمِرنا بالغُسل، قلت: أنتُم المهاجرون الأوَّلون أم الناس جميعاً؟ قال: لا أدري. رواته ثقات، إلَّا أنَّه معلول(١). وقد وقع في رواية أبي هريرة في هذه القصَّة: أنَّ عمر قال: ألم تَسمَعوا أنَّ رسول الله وَله قال: ((إذا راحَ أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)) كذا هو في ((الصحيحين)) وغيرهما (٢)، وهو ظاهر في عدم التَّخصيص بالمهاجرين الأوَّلينَ. وفي هذا الحديث من الفوائد: القيام في الخطبة وعلى المِنْبَرَ، وتَفَقَّد الإمام رعيَّته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على مَن أخَلَّ بالفضلِ وإن كان عظيمَ المحَل، ومواجَهَته بالإنكار ليَرتَدِعِ مَن هو دونه بذلك. وأنَّ الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يُفسِدها، وسقوط منع الكلام عن المخاطَب بذلك. وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر، وإباحة الشُّغل والتصرُّف يوم الجمعة قبل النِّداء، ولو أفضَى إلى ترك فضيلة البُكور إلى الجمعة، لأنَّ عمر لم يأمر برفع السّوق بعد هذه القصَّة. واستدلَّ به مالك على أنَّ السُّوق لا تُمنَع يوم الجمعة قبل النِّداء لكونها كانت في زَمَن (١) هو عند البخاري برقم (٨٨٢)، ومسلم برقم (٨٤٥). وأخرجه كذلك أحمد (٩١)، وأبو داود (٣٤٠). (٢) مراده بالعلَّة أنه من رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس، ولم يسمع منه فيما قاله غير واحدٍ من أهل العلم كما أشار إليه الحافظ نفسه عند شرح الحديث (٥٤٠٤). ٥٨٤ باب ٢ / ح ٨٧٩ فتح الباري بشرح البخاري عمر، ولكون الذّاهب إليها مثلَ عثمان، وفيه شهود الفُضَلاء السّوق، ومُعاناة المتْجَر فيها، وفيه أنَّ فضيلة التَّوَجُّه إلى الجمعة إنَّما تَحصُل قبل التأذين. وقال عياض: فيه حُجَّة لأنَّ السَّعي إنَّما يجب بسماع الأذان، وأنَّ شهود الخطبة لا يجب، وهو مُقتَضى قول أكثر المالكيَّة. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يَلزَم من التأخير إلى سماع النِّداء فوات الخطبة، بل تقدَّم ما يدلُّ على أنَّه لم يَفْت عثمانَ من الخطبة شيء. وعلى تقدير أن يكون فاتَه منها شيءٌ، فليس فيه دليل على أنَّه لا يجب شهودها على مَن تَنعَقِد به الجمعة. واستدلَّ به على أنَّ غُسل الجمعة واجب لقطع عمر الخطبةَ وإنکارِه على عثمان تركه، وهو مُتَعَقَّب، لأَنَّه أنكَرَ عليه ترك السُّنَّة المذكورة وهي التَّبكير إلى الجمعة، فيكون الغُسل كذلك. وعلى أنَّ الغُسل ليس شرطاً لصِحَّة الجمعة. وسيأتي البحث فيه في الحديث الذي بعده. ٨٧٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيمٍ، عن عطاءِ ابنِ يسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ﴾، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «غُسْلُ يوم الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ)). ٣٦١/٢ الحديث الثالث: حديث مالك أيضاً عن صفوان بن سُلَيمٍ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدري، لم تَخْتَلِفِ رواة (الموطَّأ)) على مالك في إسناده(١)، ورجاله مدنيُّون كالأوَّل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، صفوان عن عطاء، وقد تابَعَ مالكاً على روايته الدَّرَاوَردُّ عن صفوان عند ابن حِبَّان (١٢٢٩)، وخالَفَهما عبد الرحمن بن إسحاق، فرواه عن صفوان بن سُلَيمٍ عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة(٢)، أخرجه أبو بكر المرْوَزيّ في كتاب (الجمعة)) (١٤) له. قوله: ((غُسْل يوم الجمعة)) استُدلَّ به لمن قال: الغُسل لليوم للإضافة إليه، وقد تقدَّم ما فيه، واستُبِطَ منه أيضاً أنَّ ليوم الجمعة غُسلاً مخصوصاً حتَّى لو وُجِدَت صورة الغُسل فيه (١) هو في ((الموطأ)) ١٠٢/١. (٢) الحديث عند أبي بكر المروزي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة مجموعَين. ٥٨٥ باب ٢ / ح ٨٧٩ كتاب الجمعة لم يُجِزِىء(١) عن غُسل الجمعة إلَّا بالنيَّة، وقد أخَذَ بذلك أبو قتادةَ فقال لابنِه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غُسلك عن جنابة فأعِدْ غُسلاً آخر للجمعة. أخرجه الطَّحاويُّ (١١٩/١- ١٢٠) وابن المنذر وغيرهما. ووقع في رواية مسلم (٨٤٦) في حديث الباب: ((الغُسل يوم الجمعة)) وكذا هو في الباب الذي بعد هذا، وظاهره أنَّ الغُسل حيثُ وُجِدَ فيه كَفَى، لكون اليوم جُعِلَ ظرفاً للغُسل، ويحتمل أن تكون اللَّام للعهدِ فتَتَّفِقِ الروايتان. قوله: ((واجب على كلّ مُحتلِم)) أي: بالغ، وإنَّما ذكَر الاحتلامَ لكَونِه الغالبَ، واستُدلَّ به على دخول النِّساء في ذلك كما سيأتي بعد ثمانية أبواب(٢)، واستُدلَّ بقوله: ((واجب)) على فَرْضيّة غُسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعَّار بن ياسرٍ وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابنُ حَزم عن عُمر وجمعٍ جَمٍّ من الصحابة ومَن بعدهم، ثمَّ ساق الرواية عنهم لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريحُ بذلك إلَّا نادراً، وإنَّما اعتمد في ذلك على أشياء مُحتملة كقول سعد: ما كنت أظنُّ مسلماً يَدَعِ غُسل يوم الجمعة، وحكاه ابنُ المنذِر والخطَّبيّ عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروفٍ من مذهبه، قال ابنُ دَقِيق العيد: قد نصَّ مالك على وجوبه، فحمله من لم يُمارس مذهبه على ظاهره وابی ذلك أصحابه، انتهى. والرواية عن مالك بذلك في ((التَّمهيد)). وفيه أيضاً من طريق أشهَبَ عن مالك أنَّه سُئِلَ عنه فقال: حسن وليس بواجبٍ. وحكاه بعض المتأخّرين عن ابن خُزَيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه فقد صَرَّحَ في ((صحيحه)) بأنَّه على الاختيار، واحتَجَّ لكَونِه مندوباً بعِدَّة أحاديث في عِدَّة تَراجم. وحكاه شارح (الغُنية)) لابنِ سُرَيج قولاً للشافعيِّ واستُغرِب. وقد قال الشافعيّ في ((الرِّسالة)) بعد أن أورَدَ حديثَي ابن عمر وأبي سعيد: احتمل قوله: ((واجب)) معنيين، الظاهر منهما أنَّه واجبٌ فلا تجزئ الطَّهارة لصلاة الجمعة إلَّا (١) في (س): لم يجزِ. (٢) الباب رقم (١٢). ٥٨٦ باب ٢ / ح ٨٧٩ فتح الباري بشرح البخاري بالغُسل، واحتمل أنَّه واجبٌ في الاختيار وكَرَم الأخلاق والنَّظافة. ثمّ استدلَّ للاحتمال الثاني بقصَّة عثمان مع عمر التي تقدَّمت، قال: فلمَّا لم يَترُك عثمان الصلاة للغُسلِ ولم يأمره عمر بالخروج للغُسلِ دلَّ ذلك على أنَّهما قد علما أنَّ الأمر بالغُسلِ للاختیار، انتھی. وعلى هذا الجواب عَوَّلَ أكثرُ المصنِّفِينَ في هذه المسألة كابنٍ خُزيمة والطَّبَرَيِّ والطّحاويِّ وابنِ حِبّان وابنِ عبد البَرِّ وهَلُمَّ جَرّاً، وزاد بعضهم فيه: أنَّ مَن حَضَرَ من الصحابة وافَقوهما على ذلك فكان إجماعاً منهم على أنَّ الغُسل ليس شرطاً في صِحَّة الصلاة، وهو استدلالٌ قويٌّ. وقد نقل الخطَّبيُّ وغيره الإجماع على أنَّ صلاة الجمعة بدون الغُسل مُجُزِئة، لكن حكى الطَّبَرِيُّ عن قوم أنَّهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنَّه شرط بل هو واجبٌ مُستَقِلُّ تَصِحّ الصلاة بدونِه، كأنَّ أصله قَصْدُ التَّنظيف وإزالة الرَّوائح الكريهة التي يتأذَّى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول مَن قال: يَجِرُم أكل الثّوم على مَن قَصَدَ الصلاة في الجماعة، ويَرِدُ عليهم أنَّه يَلزَم من ذلك تأثيم عثمان، والجواب أنَّه كان معذوراً لأنَّه إنَّما تركه ذاهلاً عن الوقت، مع أنَّه يحتمل أن يكون قد اغتَسَلَ في أوَّل النهار، لما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم) (٢٣١) عن حُمْران: أنَّ عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتَّى يُفيض عليه الماء. وإنَّما لم يَعْتَذِر بذلك لعمر كما اعتَذَرَ عن التأخّر لأنَّه لم يَتَّصِل غُسله بذهابه إلى الجمعة ٣٦٢/٧ كما هو الأفضل. / وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النَّظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأوَّل نَظَراً إلى العِلَّة، حكاه صاحبُ ((الهَدْي)). وحكى ابنُ المنذِر عن إسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تَدُلّ على وجوب الغُسل لا على عدم وجوبه، من جهة ترك عمر الخطبةَ واشتغاله بمُعاتبة عثمان وتوبيخ مثلِه على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغُسل مُباحاً لَمَا فعل عمرُ ذلك، وإنَّما لم يَرجِع عثمان للغُسلِ لضيق الوقت، إذ لو فعل لَفاتَتْه الجمعة، أو لكَونِهِ كان اغتَسَلَ كما تقدَّم. قال ابنُ دَقِيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غُسل الجمعة وهم محتاجون إلى ٥٨٧ باب ٢ / ح ٨٧٩ كتاب الجمعة الاعتذار عن مُخالَفة هذا الظاهر، وقد أوَّلوا صيغةَ الأمر على النَّدب، وصيغةَ الوجوب على التأكيد، كما يقال: إكرامك عليَّ واجبٌ، وهو تأويل ضعيف، إنَّما يُصار إليه إذا كان المعارِض راجحاً على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثَ: ((مَن تَوضَّأ يوم الجمعة فِها ونِعمَت، ومَن اغتَسَلَ فالغُسل أفضلُ))، ولا يعارض(١) سندُه سندَ هذه الأحاديث، قال: ورُبَّما تأوَّلوه تأويلاً مُستكرَهاً كمَن حمل لفظ الوجوب على السُّقوط، انتهى. فأمَّا الحديث فعَوَّلَ على المعارضة به كثيرٌ من المصنِّقين، ووجه الدلالة منه قوله: ((فالغُسْلِ أفضلُ)) فإنَّه يقتضى اشتراك الوضوء والغُسل في أصل الفضل، فيَستَلِزِم إجزاء الوضوء. ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسنِ عن سَمُرة أخرجها أصحاب السُّنَن الثلاثة وابنُ خُزيمة وابنُ حِبّان(٢)، وله عِلَّتان: إحداهما: أنَّه من عَنعَنة الحسن، والأُخرى: أنَّه اختُلِفَ عليه فيه. وأخرجه ابنُ ماجَهْ (١٠٩١) من حديث أنس، والطَّرانيُّ من حديث عبد الرحمن بن سَمُرة(٣)، والبَزّار(٤) من حديث أبي سعيد، وابنُ عَديّ (٣٤٧/٥) (٥) من حديث جابر، وكلُّها ضعيفة. وعارَضوا أيضاً بأحاديث، منها الحديث الآتي في الباب الذي بعده، فإنَّ فيه: ((وأن يَسْتَنَّ، وأن يَمَسّ طيباً)) قال القُرطبيّ: ظاهرُه وجوب الاستِنان والطِّيب لِذِكْرهما بالعاطف، فالتقدير الغُسل واجبٌ والاستنان والطّيب كذلك، قال: وليسا بواجبينِ اتِّفاقاً، فدلَّ على أنَّ الغُسل ليس بواجب، إذ لا یصحّ تشریك ما ليس بواجبٍ مع الواجب بلفظ واحد، انتهى. وقد سبق إلى ذلك الطََّرِيُّ والطَّحاويُّ، وتعقَّبه ابنُ الجَوْزيّ بأنَّه لا يَمتَنِعِ عطف ما (١) في مطبوع ((الإحكام)): ولا يقاوِم. وهو أدَلُّ على المراد. (٢) أخرجه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٨٠)، وابن خزيمة (١٧٥٧)، ولم نجده في ابن حبان، ولم يَعزُه إليه الحافظ في («إتحاف المهرة)) (٦٠٦٦). (٣) هو في («الأوسط)) (٧٧٦٥)، وأخرجه أيضاً الطيالسي (١٤٤٧). (٤) برقم (٦٣٠ - كشف الأستار). (٥) وأخرجه أيضاً البزار (٦٢٩ - كشف الأستار)، وأخرجه من طريق آخر عن جابر عبدُ الرزاق (٥٣١٣)، وعبدُ بن حميد (١٠٧٧). ٥٨٨ باب ٢ / ح ٨٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ليس بواجبٍ على الواجب، لا سيَّما ولم يقعِ التصريح بحكم المعطوف. وقال ابنُ المنيِّر في (الحاشية)): إن سَلِمَ أنَّ المراد بالواجبِ الفرض لم يَنفَع دَفْعُه بعطف ما ليس بواجبٍ عليه، لأنَّ للقائلِ أن يقول: أُخرِجَ بدليلٍ فَبَقَيَ ما عَداه على الأصل، وعلى أنَّ دعوى الإجماع في الطّيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعِه)) عن أبي هريرة: أنَّه كان يُوجِب الطِّيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعضُ أهل الظاهر. ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن تَوضَّأ فأحسنَ الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فاستمع وأنصَتَ غُفِرَ له)). أخرجه مسلم (٢٧/٨٥٧). قال القُرطبيّ: ذكَر الوضوءَ وما معه مُرتِّباً عليه الثَّوابَ المقتضي للصحَّة، فدلَّ على أنَّ الوضوء كافٍ. وأُجيبَ بأنَّه ليس فيه نفيُ الغُسل. وقد وَرَدَ من وجه آخر في (الصحيحين)) بلفظ: ((مَن اغتَسَل))(١)، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدَّم غُسلُه على الذَّهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء. ومنها: حديث ابن عبّاسٍ: أنَّه سُئِلَ عن غُسل يوم الجمعة، أواجبٌّ هو؟ فقال: لا، ولكنَّه أطهَرُ لمن اغتَسَل، ومَن لم يغتسل فليس بواجبٍ عليه، وسأُخبِرُكم عن بَدْء الغُسل: كان الناس مجهودينَ يَلبَسون الصّوف ويعملون، وكان مسجدهم ضَيِّقاً، فلمَّا آذَى بعضُهم بعضاً قال النبيّ ◌ََّ: ((أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتَسِلوا)) قال ابنُ عبَّاسٍ: ثمَّ جاءَ الله بالخير، ولَبِسوا غير الصّوف، وكُفُوا العمل، ووَسِّعَ المسجد. أخرجه أبو داود (٣٥٣) والطَّحاويُّ (١١٦/١)، وإسناده حسنٌ، لكنَّ الثابت عن ابن عبّاسٍ خلافه كما سيأتي قريباً. وعلى تقدير الصحّة فالمرفوع منه وَرَدَ بصيغة الأمر الدالّة على الوجوب، وأمَّا نفي ٣٦٣/٢ الوجوب فهو موقوف، لأنَّه من استنباط ابن عبّاس،/ وفيه نظر إذ لا يَلزَم من زوال السَّبَب زوال المسَبَّب كما في الرَّمَل(٢) والجِمار، وعلى تقدير تسليمه فلمَن قَصَرَ الوجوب على مَن به رائحةٌ كريهة أن يتمسَّك به. (١) عند البخاري برقم (٨٨١)، وعند مسلم برقم (٨٥٠) و(٨٥٧) (٢٦). (٢) كما في حديث عمر الآتي عند المصنف برقم (١٦٠٥)، وانظر أيضاً حديث ابن عباس الآتي برقم (١٦٠٢). ٥٨٩ باب ٢ / ح ٨٧٩ كتاب الجمعة ومنها: حديث طاووسٍ، قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: زَعَموا أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((اغتَسِلوا يوم الجمعة واغسِلوا رؤوسكم إلَّا أن تكونوا جُنُبًا)) الحديث. قال ابنُ حِبّان بعد أن أخرجه (٢٧٨٢): فيه أنَّ غُسل الجمعة يُجُزِئ عنه غُسلُ الجنابة، وأنَّ غُسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضاً لم يُحِزِىء عنه غيره. انتهى، وهذه الزّيادة: ((إلَّا أن تكونوا جُنُباً)) تَفرَّدَ بها ابنُ إسحاق عن الزُّهري، وقد رواه شعيب عن الزُّهريِّ بلفظ: ((وأن تكونوا جُنُباً))، وهذا هو المحفوظ عن الزُهريِّ کما سيأتي بعد بابین. ومنها: حديث عائشة الآتي بعد أبواب (٩٠٣) بلفظ: ((لو اغتَسَلتُم)»، ففيه عَرْض وتنبيهٌ لا حَتْمٌ ووجوب، وأُجيبَ بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإعلام بوجوبه. ونقل الزَّين بن المنيِر بعد قول الطَّحاويّ لمَّا ذكر حديث عائشة (١/ ١١٧): فدلَّ على أنَّ الأمر بالغُسلِ لم يكن للوجوب، وإنَّما كان لعِلَّةٍ ثمَّ ذهبت تلك العِلَّة فذهب الغُسل: وهذا من الطَّحاويّ يقتضي سقوط الغُسل أصلاً فلا يُعَدّ فرضاً ولا مندوباً، لقوله: زالت العِلَّة ... إلى آخره، فيكونُ مذهباً ثالثاً في المسألة. انتهى، ولا يَلزَم من زوال العِلَّة سقوط النَّدب تعبُّداً، ولا سيَّما مع احتمال وجود العِلَّة المذكورة. ثمّ إنَّ هذه الأحاديث كلّها لو سَلِمت لمَا دَلَّت إلَّا على نفي اشتراط الغُسل لا على نفي (١) الوجوب المجرَّد كما تقدَّم. وأمَّا ما أشارَ إليه ابنُ دَقِيق العيد من أنَّ بعضهم أوَّلَه بتأويلِ مُستكرَه فقد نَقَلَه ابنُ دِحْية عن القُدُوريّ من الحنفيَّة، وأنَّه قال: قوله: ((واجب)) أي: ساقط، وقوله ((على)) بمعنى: عن، فيكونُ المعنى أنَّه غير لازم، ولا يخفى ما فيه من التكلُّفُ. وقال الزَّين بن المنيِر: أصل الوجوب في اللُّغة: السُّقوط، فلمَّا كان في الخطاب على المكلَّف عِبءٌ ثَقيل، كان كلّ ما أُكِّدَ طلبُه منه يُسمَّى واجباً كأنَّه سَقَطَ عليه، وهو أعمّ من كَوْنه فرضاً أو نَذْباً - وهذا سبقه ابن بَزِيزةَ إليه - ثمَّ تعقَّبه بأنَّ اللَّفظ الشَّرعيّ خاصٌّ (١) لفظة ((نفي)) سقطت من (أ) و(س). ٥٩٠ باب ٢ / ح ٨٧٩ فتح الباري بشرح البخاري بمُقتَضاه شرْعاً لا وضعاً. وكأنَّ الزّين استَشعَرَ هذا الجواب فزاد أنَّ تخصيص الواجب بِالفَرْض اصطلاح حادثٌ. وأُجِيبَ بأنَّ ((وَجَبَ)) في اللُّغة لم يَنحَصِر في السُّقوط، بل وَرَدَ بمعنى مات، ويِمعنى اضطَرَب، وبمعنى لَزِمَ، وغير ذلك. والذي يتبادر إلى الفَهم منها في الأحاديث أنَّها بمعنى لَزِم، لا سيَّما إذا سِيقَت لبيان الحكم. وقد تقدَّم في بعض طرق حديث ابن عمر: ((الجمعة واجبة على كلّ مُتِلِم))(١)، وهو بمعنى اللُّزوم قطعاً، ويؤيِّده أنَّ في بعض طرق حديث الباب: ((واجبٌ كَغسل الجنابة)، أخرجه ابنُ حِبّان (١٢٢٩) من طريق الدَّرَاوَرديِّ عن صفوان بن سُلَيم، وظاهرُه اللّزوم. وأجاب عنه بعض القائلينَ بالنَّدْبيَّة بأنَّ التشبيه في الكيفيَّة لا في الحكم. وقال ابنُ الجَوْزيّ: يحتمل أن تكون لفظة ((الوجوب)) مُغيَّرة من بعض الرُّواة، أو ثابتة ونُسِخَ الوجوب. ورُدَّ بأنَّ الطَّعن في الروايات الثابتة بالظنِّ الذي لا مُستَتَد له لا يُقْبَل، والنَّسخ لا يُصار إليه إلَّا بدليل، ومجموع الأحاديث يدلُّ على استمرار الحكم، فإنَّ في حديث عائشة أنَّ ذلك كان في أوَّل الحال حيثُ كانوا مجهودين، وأبو هريرة وابنُ عبَّاسٍ إِنَّما صَحِبا النبيّ وَّهِ بعد أن حَصَلَ التَّوَسُّع بالنّسبة إلى ما كانوا فيه أوَّلاً، ومع ذلك فقد سمع كلّ منهما منه ◌َ﴿الأمر بالغُسلِ والحثّ عليه والتَّرغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النَّسخ بعد ذلك؟ فائدة: حكى ابن العربيّ وغيره أنَّ بعض أصحابهم قالوا: يُجزِئ عن الاغتسال للجمعة التطيُّب، لأنَّ المقصود النَّظافة. وقال بعضهم: لا يُشتَرط له الماء المطلَق بل يُجْزِئ بماء الوَرد ونحوه، وقد عابَ ابن العربيّ ذلك وقال: هؤلاء وقفوا مع المعنى وأغفلوا المحافظة على التعبُّد بالمعيَّن، والجمع بين التعبُّد والمعنى أولى. انتهى، وعكس ذلك قول بعض الشافعيَّة بالتيمُّم، فإنَّه تعبُّد دون نَظَر إلى المعنى. ٣٦٤/٢ أمَّا الاكتفاء بغير الماء المطلَق فمردود، لأنَّها عبادة لثبوتِ التَّرغيب فيها، فتحتاج إلى (١) سلف تخريجه عند شرح الحديث (٨٧٧). ٥٩١ باب ٣ / ح ٨٨٠ كتاب الجمعة النَيَّة، ولو كانت لمَحْضِ النَّظافة لم تكن كذلك، والله أعلم. ٣- باب الطِّيب للجمعة ٨٨٠- حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ جعفرٍ، قال: أخبرنا حَرَميُّ بنُ عُمارة، قال: حذَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بكرِ بنِ المنكَذِر، قال: حدَّثني عَمُرُو بنُ سُلَيمِ الأنصاريُّ، قال: أشهَدُ على أبي سعيدٍ قال: أشهَدُ على رسول الله وٍَّ قال: ((الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ ◌ُحتلِمٍ، وأنْ يَستَنَّ، وأنْ يَمَسَّ طِيباً إِنْ وَجَدَ)). قال عَمرٌّو: أمَّ الغُسْلُ فأشهَدُ أنَّه واجبٌ، وأمَّا الاستِنانُ والطِّيبُ فالله أعلمُ، أواجبٌ هو أمْ لا؟ ولكنْ هكذا في الحديثِ. قال أبو عبد الله: هو أخو محمَّدِ بنِ المنکدِر، ولم يُسمَّ أبو بكرٍ هذا. رَوَی عنه بُگیرُ بنُ الأشَجِّ وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ وعِدّةٌ. وكان محمَّدُ بنُ المنكدِرِ يُكنَى بأبي بكرٍ، وأبي عبدِ الله. قوله: «باب الطِیب للجمعة» لم یذکُر حکمه أیضاً لوقوع الاحتمال فیہ کما سبق. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر)) كذا في رواية ابن عساكر، وهو ابن المديني، واقتصر الباقون على: حدَّثنا عليّ. قوله: ((قال: أَشهَدُ على أبي سعيد)» ظاهر في أنَّه سمعه منه، قال ابن التِّين: أراد بهذا اللَّفظ التأكيد للرواية. انتهى، وقد أدخَلَ بعضهم بين عَمْرو بن سُلَيمِ القائل: أشهد، وبين أبي سعید رجلاً كما سيأتي. قوله: ((وأنْ يَستَنّ)) أي: يَدلُكُ أسنانه بالسِّواك. قوله: ((وأنْ يَمَسّ)) بفتح الميم في الأفضَح. قوله: ((إنْ وَجَدَ)) متعلِّق بالطِّيب، أي: إن وَجَدَ الطِّيب مَسَّه، ويحتمل تَعلُّقه بما قبله أيضاً. وفي رواية مسلم (٧/٨٤٦): ((ويَمَسّ من الطِّيب ما يَقدِر عليه))، وفي رواية (٧/٨٤٦): ((ولو من طيب المرأة)). ٥٩٢ باب ٣ / ح ٨٨٠ فتح الباري بشرح البخاري قال عِيَاض: يحتمل قوله: ((ما يَقدِر عليه)) إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنَه، ويحتمل إرادة الكثرة، والأوَّل أظهَر، ويؤيِّده قوله: ((ولو من طيب المرأة)) لأنَّه يُكرَه استعماله للرجل، وهو ما ظَهَرَ لونه وخفيَ ريحه (١)، فإباحَته للرجلِ لأجلِ عدم غيره يدلّ على تأكُّد الأمر في ذلك. ويُؤخَذ من اقتصاره على المسِّ الأخذ بالتخفيفِ في ذلك. قال الزَّين بن المنيِر: فيه تنبيهٌ على الرِّفق، وعلى تيسير الأمر في التطيُّب بأن يكون بأقلّ ما يُمكِن حتَّى إِنَّه يُجْزِئ مَسُّه من غير تَناوُل قَدْر يَنقُصُه، تحريضاً على امتثال الأمر فيه. قوله: ((قال عَمْرو)) أي: ابن سُلَيمٍ راوي الخبر، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه. قوله: ((وأمَّا الاستِنان والطِّيب فالله أعلم)) هذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنَّ العطف لا يقتضي التَّشريك من جميع الوجوه، وكأنَّ القَدْر المشترك تأكيد الطَّلَب للثَّلاثة، وكأنَّه جَزَمَ بوجوب الغُسل دون غيره للتصريح به في الحديث، وتَوَقَّفَ فيما عَدَاه لوقوع الاحتمال فيه. قال الزّين بن المنيِر: يحتمل أن يكون قوله: ((وأن يَستَنّ)) معطوفاً على الجملة المصَرِّحة بوجوب الغُسل فيكون واجباً أيضاً، ويحتمل أن يكون مُستأنَفاً فيكون التقدير: وأن يَستَنّ ويَتَطَيَّب استحباباً، ويؤيِّد الأوَّل ما سيأتي في آخر الباب من رواية الليث عن خالد بن يزيد حيثُ قال فيها: ((إنَّ الغُسل واجب)) ثمَّ قال: ((والسِّواك وأن يَمَسّ من الطّيب))، ويأتي في (١) هذا حملٌ للفظ الطِّيب على ظاهره، دون النظر إلى رائحته الزكيّة التي تُقْصَدُ من الطِّيب، وإنما قصد رسولُ اللهِ وَّةِ التطيُّبَ بما لَه رائحة طيّبة مما يتطيّب به النساء في البيوت، وهذا عند فَقْدِ طيب الرجال، وليس المراد الاصطباغَ بما لَه لونٌ مما فيه تشبُّه بالنساء، وهو المكروه للرجال، ففي الحديث الصحيح: ((أيما امرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) أخرجه مسلم برقم (٤٤٤) وغيره، والحديث الآخر: ((أُما امرأة تطيّبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل)) أخرجه أحمد (٧٩٥٨)، وابن ماجه (٤٠٠٢)، واللفظ له، وغيرهما، فهذان الحديثان محمولان على أنه كان للنساء طيب يضعنَه حيث هُنّ في البيوت، وكانت له رائحة، ولم يمنع منه رسولُ الله وَلّهِ، وإنما أمر بغسله لمن أرادت الخروج من البيت حتى لا يشم ريحَه الرجالُ. وحديث: ((طيب النساء ما ظهر لونُه وخفي ريحه)) فمحمول على ما إذا خرجت، أما إذا كانت عند زوجها فلتطَّيَّب بما شاءت، كذا فسَّره سعيد بن أبي عروبة أحدُ رواته. وهذا الحديث في ((مسند أحمد)) (١٠٩٧٧)، وانظر تمام تخريجه فيه. ٥٩٣ باب ٣ / ح ٨٨٠ كتاب الجمعة شرح ((باب الدُّهن يوم الجمعة)) (٨٨٤) حديث ابن عبّاسٍ: ((وأَصيبوا من الطّيب))، وفيه تَرَدُّدُ ابن عبّاسٍ في وجوب الطِّيب. وقال ابن الجَوْزيّ: يحتمل أن يكون قوله: ((وأن يَستَنَّ ... )) إلى آخره، من كلام أبي سعيد خَلَطَه الراوي بكلام النبيِّ نَّهِ. انتهى، وإنَّما قال ذلك لأنَّه ساقه بلفظ: قال أبو سعيد: وأن يَستَنّ. / وهذا لم أرَه في شيء من نُسَخ ((الجمع بين الصحيحين)) الذي تكلّم ابن ٣٦٥/٢ الجَوْزيّ عليه، ولا في واحد من ((الصحيحين))، ولا في شيء من المسانيد والمستخرجات، بل ليس في جميع طرق هذا الحديث: قال أبو سعيد، فدعوى الإدراج فيه لا حقيقة لها. ويَلتَحِقِ بالاستنِان والتطيُّبِ التزيُّنُ باللِّباس، وسيأتي استعمال الخمس التي عُدَّت من الفِطْرة، وقد صَرَّحَ ابن حبيب من المالكيَّة به فقال: يَلزَم الآتي الجمعةَ جمیعُ ذلك، وسيأتي في ((باب الدُّهن للجمعة)) (٨٨٣): ((ويَدَّهِنُ من دُهْنه ويَمَسّ من طيبه))(١)، والله أعلم. قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: البخاري، ومراده بما ذُكِرَ أنَّ محمد بن المنكَدِر وإن كان يُكْنی أیضاً أبا بكر لكنَّه ممَّن کان مشهوراً باسمِه دون گُنيته، بخلاف أخيه أبي بكر راوي هذا الخبر فإنَّه لا اسم له إلَّا كُنیته، وهو مدنيّ تابعيّ کشیخه. قوله: ((روى عنه بُكَيْر بن الأشَجّ وسعيد بن أبي هلال)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: رواه عنه. وكأنَّ المراد أنَّ شُعْبة لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه، لكن بين رواية بُگیر وسعيد ◌ُخالَفة في موضع من الإسناد، فرواية بُكَير موافقة لرواية شُعْبة، ورواية سعيد أدخَلَ فيها بين عَمْرو بن سُلَيمٍ وأبي سعيد واسطةً، كما أخرجه مسلم (٧/٨٤٦) وأبو داود (٣٤٤) والنَّسائيُّ (١٣٧٥) من طريق عَمْرو بن الحارث أنَّ سعيد بن أبي هلال وبُكَير بن الأشَجّ حَدَّثاه عن أبي بكر بن المنكَدِر عن عَمْرو بن سُلَيمٍ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدريِّ عن أبيه، فذكر الحديث وقال في آخره: إلَّا أنَّ بُكَيراً لم يَذكُر عبد الرحمن، وكذلك (١) كذا قال الحافظ هنا، مع أن نص الحديث كما سيأتي: ((أو يمس من طيب بيته))! ٥٩٤ باب ٣ / ح ٨٨٠ فتح الباري بشرح البخاري أخرج أحمد من طريق ابن لَهِيعة عن بُكَير ليس فيه: عبد الرحمن(١)، وغَفَلَ الدَّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)) (٢٢٨١) عن هذا الكلام الأخير فجَزَمَ بأنَّ بُكَيراً وسعيداً خالَفا شُعْبة فزادا في الإسناد عبد الرحمن، وقال: إنَّهما ضبطا إسناده وجوَّداه، وهو الصحيح. ولیس کما قال، بل المنفرد بزيادة عبد الرحمن هو سعيد بن أبي هلال، وقد وافَقَ شُعْبةَ ويُكَيراً على إسقاطه محمدُ بن المنكَدِر أخو أبي بكر أخرجه ابن خُزيمة (١٧٤٤) من طريقه، والعدد الكثير أَولى بالحفظ من واحد. والذي يظهر أنَّ عَمْرو بنَ سُلَيمٍ سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، ثمَّ لَقيَ أبا سعيد فحدَّثه، وسماعه منه ليس بمُنكَر، لأنَّه قديم وُلِدَ في خلافة عمر ابن الخطّاب، ولم یوصف بالتدليس. وحكى الدَّارَقُطنيُّ في ((العِلَل)) فيه اختلافاً آخر على عليّ بن المَدِينيّ شيخ البخاري فيه، فذكر أنَّ الباغنديّ حدَّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضاً، وخالَفَه تمتامٌ (٢) عنه فلم يَذكُر عبد الرحمن. وفيما قال نَظَر، فقد أخرجه الإسماعيليّ(٣) عن الباغَنْديّ بإسقاط عبد الرحمن، وكذا أخرجه أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج)) عن أبي إسحاق بن حمزة وأبي أحمد الغِطْريفيّ، كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحُفّاظ حَدَّثوا به عن الباغنديّ فلم يَذْكُرُوا عبد الرحمن في الإسناد، فلعلَّ الوَهم فيه ممَّن حدَّث به الدَّارَ قُطنيُّ عن الباغندي. وقد وافَقَ البخاري على ترك ذِكْره محمد بن يحيى الذَّهْلِيَّ عند الجَوزَقيّ، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة عند ابن خُزيمة (١٧٤٥)، وعبد العزيز بن سلام عند الإسماعيليّ، وإسماعيل القاضي عند ابن مَندَهْ في ((غرائب شُعْبة))، كلهم عن عليّ بن المَدِينِيّ، ووافَقَ (١) بل هو فيه برقم (١١٢٥٠). وذكره الحافظ نفسه أيضاً في ((أطراف المسند)) برقم (٨٢٩٥)، في ترجمة عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه. (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: تمام. وتمتام المذكور: هو محمد بن غالب البصري، وهو في طبقة من يروي عن ابن المديني، وأما تمام - وهو ابن محمد الرازي - فمتأخر، توفي سنة (٤١٤هـ). انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٠/١٣-٣٩٣ و٢٨٩/١٧-٢٩٣. (٣) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٣/ ٢٤٢. ٥٩٥ باب ٤ / ح ٨٨١ كتاب الجمعة عليَّ بن المَدِينيّ على ترك ذِكْرِه أيضاً إبراهيمُ بن محمد بن عَرْعَرةَ عن حَرَميّ بن عُمارة، عند أبي بكر المروزي في ((کتاب الجمعة)) له (٢١). ولم أقِفْ عليه من حديث شُعْبة إلَّا من طريق حَرَميّ، وأشارَ ابن مَندَهُ إلى أنَّه تفرَّدَ به عنه. تنبيه: ذكر المِزِّيُّ في ((الأطراف)) أنَّ البخاري قال عَقِب رواية شُعْبة هذه: وقال الليث: عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي بكر بن المنكَدِر عن عَمْرو بن سُلَيمٍ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، ولم أقِفْ على هذا التَّعليق في شيء من النسخ التي وقعت لنا من «الصحیح)»، ولا ذكره أبو مسعود ولا خَلَف، وقد وَصَلَه من طريق اللیث کذلك أحمد (١١٦٥٨) والنَّسائيُّ (١٣٨٣) وابن خُزيمة (١٧٤٣) بلفظ: ((إنَّ الغُسل يوم الجمعة واجب على كلِّ مُحتلِم، والسِّواك، وأن يَمَسَّ من الطِّيب ما يَقدِر عليه)). ٤ - باب فضل الجمعة ٣٦٦/٢ ٨٨١- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن سُميٍّ مولى أبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي صالح السَّان، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((مَنِ اغتَسَلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنابةِ، ثمَّ راحَ فكأنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن راحَ في السّاعةِ الثانيةِ فكأنّما قَرَّبَ بقرةً، ومَن راحَ في السّاعةِ الثالثةِ فكأنَّا قَرَّبَ كَبْشاً أقرَنَ، ومَن راحَ في السّاعةِ الرّابعةِ فكأنّما قَرَّبَ دَجاجةً، ومَن راحَ في السّاعةِ الخامسةِ فكأنَّا قَرَّبَ بَيْضَةً، فإذا خرج الإمامُ حَضَرَتِ الملائكةُ يستمعُونَ الذِّكرَ)). قوله: ((باب فضل الجمعة)) أورَدَ فيه حديث مالك عن سُميٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((مَن اغتَسَلَ يوم الجمعة ثمَّ راح)) الحديث. وإسناده مدنيُّون. ومُناسبته للترجمة من جهة ما اقتَضاه الحديث من مُساواة المبادر إلى الجمعة للمُتقرِّبِ بالمال، فكأنَّه جمع بين عبادتَينِ بَدَنِيَّة وماليَّة، وهذه خَصوصيّة للجمعة لم تَنْبُت لغيرها من الصَّلَوات. قوله: ((مَن اغتَسَلَ)» يدخل فيه كلّ مَن يَصِحّ التقرُّب منه من ذَكَر أو أُنثى، حُرّ أو عبد. قوله: ((غُسْل الجنابة)) بالنصب على أنَّ نَعت لمصدرٍ محذوف، أي: غُسلاً كَغُسل الجنابة، ٥٩٦ باب ٤ / ح ٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري وهو كقوله تعالى: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وفي رواية ابن جُرَيج عن سُميٍّ عند عبد الرزاق (٥٥٦٥): ((فاغتَسَلَ أحدكم كما يغتسل من الجنابة)»، وظاهره أنَّ التشبيه للكيفيَّة لا للحكم وهو قول الأكثر، وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تَسكُن نفسه في الرّواح إلى الصلاة ولا تَتَدّ عینه إلى شيء یراه، وفیه حمل المرأة أيضاً على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث: ((مَن غَسَّلَ واغتَسَل)) المخَرَّج في السُّنَن(١) على رواية مَن روى ((غَسَّل)) بالتَّشديد. قال النَّوَويّ: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا، وهو ضعيف أو باطل، والصواب الأوَّل. انتهى، وقد حكاه ابن قُدامةَ عن الإمام أحمد، وثَبَتَ أيضاً عن جماعة من التابعين، وقال القُرطبيّ: إنَّه أنسب الأقوال فلا وجه لادِّعاء بُطْلانه وإن كان الأوَّل أرجح، ولعلَّه عَنَى أنَّه باطلٌ في المذهب. قوله: ((ثُمَّ راحَ)) زاد أصحاب ((الموطَّأ)) (١/ ١٠١) عن مالك: ((في الساعة الأولى)). قوله: ((فكأنَّا قَرَّبَ بَدَنة)» أي: تَصَدَّقَ بها مُتقرِّباً إلى الله، وقيل: المراد أنَّ للمُبادرِ في أوَّل ساعة نَظِيرَ ما لصاحبِ البَدَنة من الثَّواب ممَّن شُرِعَ له القُربان، لأنَّ القُربان لم يُشرَع لهذه الأمَّة على الكيفيَّة التي كانت للأُمَمِ السالفة. وفي رواية ابن جُرَيج المذكورة: ((فله من الأجر مثل الجَزُور))، وظاهره أنَّ المراد أنَّ الثَّواب لو تَجِسَّدَ لكان قَدْر الْجَزُور. وقيل: ليس المراد بالحديث إلَّا بيان تفاؤُت المبادرين إلى الجمعة، وأنَّ نسبة الثاني من الأوَّل نسبة البقرة إلى البَدَنة في القيمة مثلاً، ويدلُّ عليه أنَّ في مُرسَل طاووسٍ عند عبد الرزاق (٥٥٦٤): (كَفضلِ صاحب الجَزُور على صاحب البقرة))، ووقع في رواية الزّهريِّ الآتية (٩٢٩) في (باب الاستماع إلى الخطبة)) بلفظ: ((كمثل الذي يُهدي بَدَنة))، فكأنَّ المراد بالقُربان في رواية الباب الإهداءُ إلى الكعبة. ٣٦٧/٢ قال الطِّييُّ: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التَّعظيم للجمعة، وأنَّ المبادِرَ إليها كمَن ساق الهَدْي، والمراد بالبَدَنة البعير ذَكَراً كان أو أُنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وكذا (١) أخرجه أبو داود (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٨٧)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (١٣٨١) من حديث أوس. ٥٩٧ باب ٤ / ح ٨٨١ كتاب الجمعة في باقي ما ذُكِرَ. وحكى ابن التِّين عن مالك: أنَّه كان يتعجَّب ممَّن يَخُصّ البَدَنة بالأُنثى، وقال الأزهريّ في (شرح ألفاظ المختصر)) (١): البَدَنة لا تكون إلَّا من الإبل(٢)، وصَحَّ ذلك عن عطاء، وأمَّا الهَدْي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه. وحكى النَّوَويّ عنه أنَّه قال: البَدَنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنَّه خطأ نَشَأ عن سقط. وفي ((الصّحاح)): البَدَنة ناقة أو بقرة تُنحَر بمگَّة، سُمّیَت بذلك لأنَّهم کانوا یُسمِّنونها، انتھی. والمراد بالبَدَنة هنا: الناقة بلا خلاف، واستدلَّ به على أنَّ البَدَنة تَخْتَصّ بالإبلِ، لأنَّها قُوبِلت بالبقرة عند الإطلاق، وقِسْم الشيءٍ لا يكون قَسِيمه، أشارَ إلى ذلك ابن دَقِيق العيد، وقال إمام الحرمين: البَدَنة من الإبل، ثمَّ الشَّرع قد يُقيم مَقامها البقرة وسبعاً من الغنم. وتَظهَر ثَمَرة هذا فيما إذا قال: لله عليَّ بَدَنة، وفيه خلاف، الأصحّ تَعيُّ الإبل إن وُجِدَت، وإلَّا فالبقرة، أو سبع من الغنم. وقيل: تتعيَّن الإبل مُطلَقاً، وقيل: يتخيَّر مُطلَقاً. (١) ((المختصر): هو ((مختصر المزني)) في فروع الشافعية، للإمام إسماعيل بن يحيى المزني، صاحب الإمام الشافعي. (٢) كذا في الأصلين و(س) بذكر الإبل فقط، والذي في ((تهذيب اللغة)) للأزهري: قال الليث وغيره: البدنه بالهاء، تقع على الناقة والبقرة والبعير الذكر مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة. فزاد ذكر البقر، ويؤيده أنه قال هنا: وصح ذلك عن عطاء، لأن الذي صح عن عطاء فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة (١٤٨٥٥) و(١٤٨٥٩) - طبعة الرشد بتحقيق اللحيدان والجمعة - أنه قال: البدنة: البعير والبقرة، لكن قال الأزهري في ((الزاهر)» (٣٧١): والبدنة لا تكون إلا من الإبل خاصة، فأما اهدي فإنه یکون من الإبل والبقر والغنم. وهذا يؤيد ما عند الحافظ هنا، وعلى أي حال لم يذكر الأزهري في كتابيه ما نقله عنه النووي، ولم نقف على كتابه ((شرح ألفاظ المختصر))، فالله تعالى أعلم. وأما الذي حكاه النووي عن الأزهري فهو مما نقله الحافظ عن النووي من كتابه ((تهذيب الأسماء واللغات)) ص٥٣٢، واعتمد النووي هذا التفسير ومشى عليه في كتبه، وعزاه لأكثر أهل اللغة في (المجموع)) وغيره، ونقله عن أبي حامد وجماعة من الشافعية، يعني أن البدنة تطلق على الإبل والبقر والغنم، وكذلك في ((شرح صحيح مسلم)) له أيضاً، كذا عنده، ولعل عمدته فيه ما نقله عن الأزهري حيث سقط له من عبارته كما أشار إليه الحافظ. ويؤيده نصّ الأزهري في كتابيه ((تهذيب اللغة)) و ((الزاهر))، والله أعلم. على أن أحداً من أهل اللغة لم يقُل: إن البدنة هي الإبل والبقر والغنم. ٥٩٨ باب ٤ / ح ٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((دَجَاجة)) بالفتح، ويجوز الكسر، وحكى الليث الضم أيضاً. وعن محمد بن حبيب أَّها بالفتحِ من الحيوان، وبالكسر من الناس. واستُشكِلَ التعبير في الدَّجاجة والبيضة بقوله في رواية الزُّهريِّ: ((كالذي يُهدي))، لأَنَّ الَدْي لا يكون منهما، وأجاب القاضي عياض تَبَعاً لابنِ بطَّال بأنَّه لمَّا عَطَفَه على ما قبله أعطاه حكمه في اللَّفظ، فيكون من الإتباع كقوله: مُتقلِّداً سيفاً ورُمحاً وتعقَّبه ابن المنيِّر في ((الحاشية)) بأنَّ شرط الإتباع أن لا يُصرَّح باللَّفظ في الثاني، فلا يَسُوغ أن يقال: مُتقدِّداً سيفاً ومُتقدِّداً رُمحاً، والذي يظهر أنَّه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشارَ ابن العربيّ بقوله: هو من تسمية الشيء باسمٍ قرينه. وقال ابن دَقِيق العيد: قوله: ((قَرَّبَ بيضة))، وفي الرواية الأُخرى: ((كالذي يُهدي))، يدلّ على أنَّ المراد بالتَّقْرِيبِ الهَدْيُ، ويَنشَأ منه أنَّ الْهَدْيِ يُطلَق على مثل هذا، حتَّى لو التَزَمَ هدياً هل يكفيه ذلك أو لا؟ انتهى، والصحيح عند الشافعيَّة الثاني، وكذا عند الحنفيّة والحنابلة، وهذا ينبني على أنَّ النَّذر هل يُسلَك به مَسلكُ جائز الشَّرع أو واجبه؟ فعلى الأوَّل يكفي أقلُّ ما يُتَقَرَّب به، وعلى الثاني يُحمَل على أقلّ ما يُتَقَرَّبُ به من ذلك الجنس، ويقوِّي الصحيح أيضاً أنَّ المراد بالهَدْي هنا التصدُّق كما دلَّ عليه لفظ التقرُّب، والله أعلم. قوله: ((فإذا خرج الإمام حَضَرَت الملائكة يستمعُونَ الذِّكْر)) استَنبَطَ منه الماوَردِيُّ أنَّ التَّبكير لا يُستَحبّ للإمام، قال: ويدخل للمسجدِ من أقربٍ أبوابه إلى المِنْبَرَ. وما قاله غير ظاهرٍ لإمكان أن يجمع الأمرَينِ بأن يُبكِّر ولا يَخْرُج من المكان المعَدِّ له في الجامع إلَّا إذا حَضَرَ الوقت، أو يُحمَل على مَن ليس له مكان مُعَدّ. وزاد في رواية الزُّهريِّ الآتية (٩٢٩): ((طَوَوْا صُحُفهم))، ولمسلم (٨٥٠) من طريقه: ((فإذا جَلَسَ الإمامِ طَوَوا الصُّحُفَ، وجاؤوا يستمعون الذِّكر))، وكأنَّ ابتداء طيِّ الصُّحُف عند ابتداء خروج الإمام وانتهائه بجلوسِه على المِنبَرَ، وهو أوَّلُ سماعهم للذِّكر، والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها. ٥٩٩ باب ٤ / ح ٨٨١ كتاب الجمعة وأوَّلُ حديث الزُّهريِّ: ((إذا كان يومُ الجمعة وقفَت الملائكة على باب المسجد يَكتُبُون الأوَّلَ فالأوَّلَ))، ونحوه في رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ عند النَّسائيِّ (١٣٨٧)، وفي رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن خُزيمة (١٧٧٠): ((على كلّ بابٍ من أبواب المسجد مَلَكان يَكتُبان الأوَّلَ فالأوَّلَ))، فكأنَّ المراد بقوله في رواية الزّهريِّ: ((على باب المسجد)) جنس الباب، ويكونُ من مُقابلة المجموع بالمجموع، فلا حُجَّة فيه لمن أجاز التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع. ووقع في حديث ابن عمر صفة الصُّحُف المذكورة، أخرجه أبو نُعيم في ((الحلية)) (٦/ ٣٥١) مرفوعاً بلفظ: ((إذا كان يومُ الجمعة بَعَثَ الله ملائكة بصُحُفٍ من نورٍ وأقلام من نورٍ)) الحديث، وهو دالٌ على أنَّ الملائكة المذكورين غيرُ الحَفَظة، والمراد بطَيِّ الصُّحُف طَيّ صُحُف الفضائل المتعلِّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة/ والذِّكر والدُّعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنَّه يَكتُبه الحافظان قَطْعاً، ووقع في رواية ٣٦٨/٢ ابن عُيَينةَ عن الزُّهريِّ في آخر حديثه المشار إليه عند ابن ماجَهْ (١٠٩٢): ((فمَن جاءَ بعد ذلك فإنَّما يجيء لحَقِّ الصلاة))، وفي رواية ابن جُرَيج عن سُميٍّ من الزّيادة في آخره: ((ثمَّ إذا استَمَع وأنصَتَ، غُفِرَ له ما بين الجمعتَينِ وزيادة ثلاثة أيام))(١). وفي حديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عند ابن خُزيمة (١٧٧١): ((فيقول بعض الملائكة لبعضٍ: ما حَبَسَ فلاناً؟ فتقول: اللهمَّ إن كان ضالًّا فاهدِه، وإن كان فقيراً فأغنِهِ، وإن كان مريضاً فعافِه)). وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: الحضّ على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفضل التَّبكير إليها، وأنَّ الفضل المذكور إنَّما يَحَصُل لمن جمعهما. وعليه يُحُمَل ما أُطلِقَ في باقي الروايات من تَرَتُّب الفضل على التَّبكير من غير تقييد بالغُسل. وفيه أنَّ مراتب الناس في الفضل بحَسَبٍ أعمالهم، وأنَّ القليل من الصَّدَقة غير مُخْتَفَر في (١) أخرجه من طريقه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٥٦٥). ٦٠٠ باب ٤ / ح ٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري الشَّرع، وأنَّ التقرُّب بالإبلِ أفضلُ من التقرُّب بالبقرِ، وهو بالاتّفاق في الهَدْي، واختُلِفَ في الضَّحایا، والجمهور على أنَّها كذلك. وقال الزَّين بن المنيِر: فَرَّقَ مالك بين التقرُّبَينِ باختلاف المقصودَين، لأنَّ أصل مشروعيَّة الأُضحيَّة التَّذكير بقصَّة الذَّبيح، وهو قد فُديَ بالغنم، والمقصود بالهدي التَّوسِعة على المساكين فناسَبَ البُدنُ. واستُدلَّ به على أنَّ الجمعة تَصِحّ قبل الزَّوال كما سيأتي نقلُ الخلاف فيه بعد أبواب (٩٠٣-٩٠٥)، ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس، ثمَّ عَقَّبَ بخروج الإمام، وخروجه عند أوَّلٍ وقت الجمعة، فيقتضي أنَّه يَخرُج في أوَّل الساعة السادسة وهي قبل الزَّوال. والجواب أنَّه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذِكْر الإتيان من أوَّل النهار، فلعلَّ الساعة الأولى منه جُعِلت للتأهُّبِ بالاغتسال وغيره، ويكونُ مَبدَأ المجيء من أوَّل الثانية فهي أولى بالنِّسبة للمجيءٍ ثانية بالنّسبة للنَّهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أوَّلُ الزَّوال فيرتفع الإشكال، وإلى هذا أشارَ الصَّيدَلانيّ(١) شارح ((المختصر)) حيثُ قال: إنَّ أوَّلَ التَّبكير يكونُ من ارتفاع النهار، وهو أوَّلُ الضُّحَى، وهو أوَّلُ الهاجرة. ويؤيِّده الحثُّ على التَّهجير إلى الجمعة. ولغيره من الشافعيَّة في ذلك وجهان اختلف فيهما الترجيح، فقيل: أوَّلُ التَّبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورَجَّحَه جمع، وفيه نظر، إذ يَلزَم منه أن يكون التأهُّب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشافعيّ: يُجْزِئ الغُسل إذا كان بعد الفجر فأشعَرَ بأنَّ الأولى أنّ يقع بعد ذلك. ويحتمل أن يكون ذِكْر الساعة السادسة لم يَذكُرِه الراوي. وقد وقع في رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ عند النَّسائيِّ (١٣٨٧) من طريق الليث عنه زيادة مَرتَبة بين الدَّجاجة والبيضة وهي العُصفور، وتابعه صفوان بن عيسى عن ابن (١) هو الإمام محمد بن داود بن محمد الداوودي، له ترجمة في ((طبقات الشافعية الكبرى)) لابن السُّبكي ٤/ ١٤٨، و((المختصر)) الذي شرحه هو مختصر الإمام إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الإمام الشافعي.