النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
باب ١٦٢ / ح ٨٦٦ -٨٦٩
أبواب صفة الصلاة
سيَّما إذا كان ذلك بالليل.
وقد وَرَدَ في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدلُّ على أنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل
من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ: ((لا تَمَنَعوا
نساءَكم المساجد، وبيوتهنَّ خير لهنَّ) أخرجه أبو داود (٥٦٧)، وصحَّحه ابن خُزيمة
(١٦٨٤)، ولأحمد (٢٧٠٩٠) والطَّبرانيِّ (٣٥٦/٢٥) من حديث أمّ حميد الساعديَّة: أنَّها
جاءت إلى رسول الله وَ لَه فقالت: يا رسول الله، إنِّي أُحِبّ الصلاة معك، قال: «قد عَلِمت،
وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في ◌ُجْرتك، وصلاتك في حُجْرتك خیر من
صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في
مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة)). وإسناد أحمد حسنٌ، وله شاهد من
حديث ابن مسعود عند أبي داود (٥٧٠).
ووَجْهُ كَوْن صلاتها في الإخفاء أفضل تحقَّقُ الأمن فيه من الفتنة، ويتأكَّد ذلك بعد
وجود ما أحدَثَ النِّساء من التبرُّج والزّينة، ومِن ثَمَّ قالت عائشة ما قالت.
وتمسَّكَ بعضهم بقول عائشة في منع النِّساء مُطلَقاً، وفيه نظر، إذ لا يَترتَّب على ذلك
تَغَيُّر الحكم، لأنَّهَا علَّقتْه على شرطٍ لم يُوجَد بناء على ظَنَّ ظنَّتْه فقالت: لو رأى لَمَنَع، فيقال
عليه: لم يَرَ ولم يمنع، فاستَمَرَّ الحكم حتَّى إنَّ عائشة لم تُصَرِّح بالمنعِ وإن كان كلامها يُشعِر
بأنَّها كانت تَرَى المنع. وأيضاً فقد عَلِمَ الله سبحانه ما سيُحْدِثنَ فما أوحَى إلى نبيّه بمنعِهِن،
ولو كان ما أحدَثْنَ يَستَلزِم منْعَهنَّ من المساجد لكان منعُهنَّ من غيرها كالأسواق أَولى.
وأيضاً فالإحداث إنَّما وقع من بعض النِّساء لا من جميعهن، فإن تَعيَّنَ المنع فليكن لمن
أحدَثَت، والأولى أن يُنظَر إلى ما يُخْشَى منه الفساد فيُجتَنَب، لإشارَتِهِ وَِّ إلى ذلك بمنعِ
التطيُّب والزينة، و كذلك التقيُّد باللیل کما سبق.
قولُه في حديث عائشة آخِرِ أحاديث الباب: ((كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل)) وقول عَمْرة:
نَعَم، في جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنَّها تَلَقَّته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن

٥٦٢
باب ١٦٤ / ح ٨٧٠ -٨٧١
فتح الباري بشرح البخاري
غيرها، وقد ثَبَتَ ذلك من حديث عُرْوة عن عائشة موقوفاً أخرجه عبد الرزاق (٥١١٤)
بإسنادٍ صحيح ولفظه: قالت: كُنَّ نساء بني إسرائيل يَتَّخِذنَ أرجُلاً من خشب يَتَشَرَّفنَ
للرجال في المساجد، فحَرَّمَ الله عليهنَّ المساجد، وسُلِّطَت عليهنَّ الحيضة(١)، وهذا وإن كان
موقوفاً فحكمه حكم الرَّفع لأنَّه لا يقال بالرّأي، وروی عبد الرزاق أيضاً نحوه بإسنادٍ
صحيح عن ابن مسعود (٥١١٥)، وقد أشرتُ إلى ذلك في أوَّل كتاب الحيض.
تنبيه: وقع في رواية كَرِيمة عَقِب الحديث الثاني من هذا الباب: ((باب انتظار الناس
قيام الإمام العالم)»، وكذا في نسخة الصَّغَاني، وليس ذلك بمُعتمَدٍ، إذ لا تَعلُّقَ لذلك بهذا
الموضع، بل قد تقدَّم في موضعه من الإمامة بمعناه(٢).
١٦٤ - باب صلاة النساء خلفَ الرجال
٣٥١/٢ ٨٧٠- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن هندَ بنتِ
الحارثِ، عن أمِّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله وَّر إذا سَلَّم قامَ النِّساءُ حينَ
يَقْضِي تسليمَه، ويَمْكُثُ هو في مَقامه بَسِيراً قبلَ أنْ يقومَ.
قال: نُرَى - والله أعلمُ - أنَّ ذلك كان لكَيْ يَنصِرِفَ النِّساءُ قبلَ أنْ يُدرِكَهُنَّ أحدٌ من
الرجال.
٨٧١- حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُبَينَةَ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، عن أنسٍٍ
قال: صَلَّى النبيُّ ◌ََّ في بيتِ أمِّ سُلَيمٍ، فقمتُ ويتيمٌ خلفَه وأمُّ سُلَيمٍ خلْفَنا.
قوله: ((باب صلاة النِّساء خلف الرجال)) أورَدَ فيه حديث أمّ سَلَمة في مُكْث الرجال
بعد التَّسليم، وقد تقدَّم الكلام عليه (٥٣٧).
(١) أشار البخاري في كتاب الحيض إلى قول عائشة وابن مسعود هنا من غير أن يُصرِّح باسمهما فقال: باب
كيف كان بدء الحيض، وقول النبي وَّةِ: ((هذا شيء كتبه اللهُ على بنات آدم))، وقال بعضهم: كان أول ما
أُرسِلَ الحيض على بني إسرائيل، وحديث النبي ◌َّر أكثر. وانظر كلام الحافظ عليه هناك.
(٢) الباب رقم (٢٥): باب إذا قال الإمام: مكانكم حتى نرجع، انتظروه.

٥٦٣
باب ١٦٥ -١٦٦ / ح ٨٧٢ - ٨٧٣
أبواب صفة الصلاة
ومُطابَقَته للترجمة من جهة أنَّ صَفّ النِّساء لو كان أمامَ الرجال أو بعضهم لَلَزِمَ من
انصرافهنَّ قبلهم أن يَتَخَطَّنَهم، وذلك مَنهيٌّ عنه. ثمَّ أورَدَ فيه حديث أنس في صلاة أمّ
سُلَيمٍ خلفه واليتيمِ معه، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وقد تقدَّم الكلام عليه في آخر أبواب
الصُّفوف (٧٢٧).
وقولُهُ فيه: ((فقمتُ ويتيمٌ خلفه)) فيه شاهد لمذهبِ الكوفيّينَ في إجازة العطف على
الضَّمير المرفوع المتَّصِل بدون التأكيد، والله أعلم.
١٦٥ - باب سرعة انصراف النساء من الصبح
وقلة مُقامهنَّ في المسجد
٨٧٢- حذَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، عن عبدِ الرحمن بنِ
القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ كان يُصلِّي الصبحَ بِغَلَسٍ،
فيَتْصِرِ فْنَ نساءُ المؤمنين، لا يُعرَفْنَ من الغَلَسِ، أو لا يَعْرِفْنَ بعضُهنَّ بعضاً.
قوله: ((باب سُرْعة انصراف النِّساء من الصبح)) قَيَّدَ بالصبح لأنَّ طول التأخير فيه يُفضي
إلى الإسفار، فناسَبَ الإسراع، بخلاف العشاء فإنَّه يُفضي إلى زيادة الظُّلمة فلا يَضُرّ المُكْث.
قوله: ((سعید بن منصور» هو من شيوخ البخاري، ورُبّما روی عنه بواسطةٍ کما هنا.
قوله: ((فيَنْصِ فْنَ)) هو على لغة بني الحارث، وكذا قوله: ((لا يَعرِفْنَ بعضُهنَّ بعضاً) وهذا
في رواية الحَمُّوِيّ والكُشْمِيهنيّ(١)، ولغيرهما: ((لا يَعرِف)) بالإفراد على الجادّة.
قوله: «نساء المؤمنينَ)) ذكر الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض النسخ: نساء المؤمنات، وذكر توجيهه،
وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في أبواب المواقيت (٥٧٨).
١٦٦ - بابُ استئذان المرأة زوجَها بالخروج إلى المسجد
٨٧٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن مَعمٍَّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله،
(١) وعند القسطلّاني ٢/ ١٥٤ : والمُستمْلي، بدل: والكُشمِیھنيّ!

٥٦٤
باب ١٦٦ / ح ٨٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبيه، عن النبيِّ وَّ: ((إذا استأذَنَتِ امرأةُ أحدكم فلا يَمْنَعْها)).
قوله: ((باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد» أورَدَ فیه حديث ابن عمر، وقد
تقدَّم الكلام عليه قريباً (٨٦٥)، لكن أورَدَه هنا من طريق يزيد بن زُرَيع عن مَعمَر، وليس
فيه تقييد بالمسجد. نَعَم أخرجه الإسماعيليّ من هذا الوجه بذِكْر المسجد، وكذا أخرجه
أحمد (٤٥٢٢) عن عبد الأعلى عن مَعمَر، وزاد فيه زيادة ستأتي قريباً (٩٠٠).
ومُقتَضى الترجمة أنَّ جواز الخروج يحتاج إلى إذن الَّوج، وقد تقدَّم البحث فيه أيضاً،
والله المستعانُ(١).
٣٥٢/٢ خاتمة: اشتملت أبوابُ صفة الصلاة إلى هنا من الأحاديث المرفوعة على مئة وثمانينَ
حديثاً، المعلَّق منها ثمانية وثلاثون حديثاً، والبقيَّة موصولة.
المكرَّر منها - فيها وفيما مضى - مئة حديث، وخمسة أحاديث وهي جملة المعلَّق، إلَّا
ثلاثة منه وسبعون أُخرى موصولة. والخالصُ منها خمسة وسبعون، منها الثلاثة المعلّقة.
وافَقَه مسلم على تخريجها سوى ثلاثة عَشَر حديثاً وهي: حديث ابن عمر في الرَّفع عند
القيام من الرَّكعتين، وحديث أنس في النَّهي عن رفع البَصَر في الصلاة، وحديث عائشة في
أنَّ الالتفات اختلاس من الشيطان، وحديث زيد بن ثابت في قراءة الأعراف في المغرب،
وحديث أنسٍ في قراءة الرجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ وهو مُعلَّق، وحديث أبي بَكْرة في
الركوع دون الصفِّ، وحديث أبي هريرة في جمع الإمام بين التَّسميع والتَّحميد، وحديث
(١) وقع هنا الباب رقم (١٦٤) مكرراً مع حديثيه برقمين جديدين (٨٧٤، ٨٧٥)، والصواب حذفه مع
الحديثين كما في حاشية اليونينية. قال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ١٥٤/٢: زاد في فرع اليونينية
(باب صلاة النساء خلف الرجال)) وهو ثابت فيه قبل بِبابين، فكرَّره فيه، ونبّه على سقوط الأخير في
الهامش بإزائه عند أبي ذر، وهو ساقط في جميع الأصول التي وقفت عليها، لكونه لا فائدة في تكريره،
نعم فيه: ((حين يقضي تسليمه وهو يمكث))، وفي السابق: ((حين يقضي تسليمه ويمكث هو))، وفيه أيضاً:
((قالت)) بتاء التأنيث، ولابن عساكر: ((قال)) بالتذكير، وفي الأول: ((قال)» فقط، وفي الأخير قدَّم حديث
أبي نعيم على حديث يحيى بن قَزَعة.

٥٦٥
باب ١٦٦ / ح ٨٧٣
أبواب صفة الصلاة
رِفاعة في القول في الاعتدال، وحديث أبي سعيد في الجهر بالتكبير، وحديث ابن عمر في
سُنَّة الجلوس في التشهُّد، وحديث أمّ سَلَمة في سُرعة انصراف النِّساء بعد السلام،
وحديث أبي هريرة: ((لا يَتطوَّع الإمام في مكانه)) وهو مُعلَّق، وحديث عُقبة بن الحارث في
قسمة التِّبر.
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة وغيرهم ستّة عَشَر أثَراً منها ثلاثة موصولة
وهي: حديث أبي يزيد عَمْرو بن سَلِمَةً في موافقَته في صفة الصلاة لحديث مالك بن
الحَوَيرِثِ وقد كَرَّرَه، وحديث ابن عمر في صلاته مُتربِّعاً، ذكره في أثناء حديثه في سُنَّة
الجلوس في التشهُّد، وحديثه في تطوُّعه في المكان الذي صلَّى فيه الفريضة، والبقيَّة
مُعلَّقات. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
سبحان ربِّك ربِّ العِزّة عمَّا يَصِفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

٥٦٧
كتاب الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الجُمُعة
٣٥٣/٢
قوله: ((كتاب الجمعة)) ثبتت هذه الترجمة للأكثر، ومنهم مَن قدَّمَها على البسملة، وسَقَطَت
لگريمة وأبي ذرِّ عن الحمُّوِيّ.
والجمعة بضمِّ الميم على المشهور، وقد تُسَكَّن وقرأ بها الأعمَش، وحكى الواحديّ عن
الفَرّاء فتحها، وحكى الزَّجّاج الكسر أيضاً. والمراد بيان أحكام صلاة الجمعة.
واختُلِفَ في تسمية اليوم بذلك، مع الاتِّفاق على أنَّه كان يُسمَّى في الجاهليَّة العَرُوبة
- بفتح العين المهمَلة وضمّ الرَّاء وبالموخَّدة - فقيل: سُمّيَ بذلك لأنَّ كمال الخلائق ◌ُمعَ
فيه، ذكره أبو حُذَيفة البُخاري(١) في ((المبتدَأ)) عن ابن عبّاسٍ وإسناده ضعيف. وقيل: لأنَّ
خلق آدم جُعَ فيه، وَرَدَ ذلك من حديث سلمان، أخرجه أحمد وابن خُزيمة وغيرهما في أثناء
حديثٍ(٢)، وله شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسنادٍ قويّ، وأحمد
(٨١٠٢) مرفوعاً بإسنادٍ ضعيف. وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حميد(٣) عن
ابن سيرين بسندٍ صحيح إليه في قصَّة تجميع الأنصار مع أسعَد بن زُرَارة، وكانوا يُسمُّون
يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلَّى بهم وذَكَّرَهم، فسَمَّوه الجمعةَ حین اجتَمَعوا إليه، ذكره ابن
أبي حاتم موقوفاً.
وقيل: لأنَّ كعب بن لُؤَيّ كان يجمع قومه فيه فيُذكِّرهم ويأمُرُهم بتعظيمِ الحَرَم
ويخبرهم بأنَّه سيُبعَثُ منه نبي، روى ذلك الزُّبَير في كتاب ((النَّسَب)) عن أبي سَلَمة بن
(١) تصحّفت في (س) إلى: النَّجّاري. وأبو حذيفة هذا: هو إسحاق بن بشر مولى بني هاشم، وهو متَّهَم
بالكذب، استوطن بُخارَى فنُسب إليها، له ترجمة في «تاريخ بغداد)» للخطيب ٣٢٦/٦.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٧١٨)، وابن خزيمة (١٧٣٢)، والحاكم ٢٧٧/١ -٢٧٨، والطبراني (٦٠٨٩) و(٦٠٩١)
و (٦٠٩٢).
(٣) وهو عند عبد الرزاق أيضاً برقم (٥١٤٤).

٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الرحمن بن عَوْف مقطوعاً، وبه جَزَمَ الفَرّاء وغيره. وقيل: إنَّ قُصَيّاً هو الذي كان
يجمعهم، ذكره تَعلَب في ((أمالیه)).
وقيل: سُمَّ بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جَزَمَ ابن حَزْم، فقال: إنَّه اسم
إسلاميّ لم يكن في الجاهليَّة، وإنَّما كان يُسمَّى العَرُوبة. انتهى، وفيه نظر، فقد قال أهل
اللُّغة: إنَّ العَرُوبة اسم قديم كان للجاهليَّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العَرُوبة، فالظاهر
أنَّهم غَيَّروا أسماء الأيام السَّبعة بعد أن كانت تُسمَّى: أوَّلُ، أهوَنُ، جُبارٌ، دُبارٌ، مُؤنِسِ،
عَرُوبُ، شِیارٌ.
وقال الجَوْهريّ: كانت العرب تُسمّي يوم الاثنين أهوَنَ في أسمائهم القديمة، وهذا
يُشعِر بأنَّهم أحدَثوا لها أسماءً، وهي هذه المتعارَفة الآن كالسَّبتِ والأحد إلى آخرها.
وقيل: إنَّ أوَّل مَن سَمَّى الجمعة العَرُوبة كعب بن لُؤَيّ، وبه جَزَمَ الفَرّاء وغيره،
فيحتاج مَن قال: إنَّهم غَيَّروها إلَّا الجمعة فأبقَوه على تسمية العروبة، إلى نقل خاصّ.
وذكر ابن القيِّم في ((الهدي)) (١ / ٣٧٥ -٤٢٥) ليوم الجمعة اثنتينٍ (١) وثلاثينَ خَصُوصيَّة،
وفيها أنَّها يوم عيد ولا يُصام مُنفرِداً، وقراءة ﴿الّ تَزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَ﴾ في صَبِيحتها
والجمعة والمنافقين فيها، والغُسل لها والطّيب والسِّواك ولُبس أحسن الثّاب، وتَبخير
المسجد والتَّبكير والاشتغال بالعبادة حتَّى يَخرُج الخطيب، والخطبة والإنصات، وقراءة
الكهف، ونفي كراهية النافلة وقت الاستواء، ومنع السفر قبلها، وتضعيف أجر الذّاهب
إليها بكلِّ خُطوة أجر سنة، ونفي تسجير جهنّم في يومها، وساعة الإجابة، وتكفير الآثام،
وأنَّها يوم المزيد والشاهد والمدَّخَر (٢) لهذه الأمَّة، وخيرَ أيام الأسبوع، وَجَتَمِع فيه الأرواح
إِن ثَبَتَ الخبر فيه، وذكر أشياء أُخَرَ فيها نظرٌ، وتركَ أشياء يَطول تَنِبُّعها. انتهى مُلخَّصاً،
والله أعلم.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: اثنين.
(٢) سقط من (س) حرف الواو، فصارت: الشاهد المدّخَر ...

٥٦٩
باب ١ / ح ٨٧٦
كتاب الجمعة
١ - باب فرض الجمعة
لقولِ الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ
[الجمعة: ٩]. ﴿فَأَسْعَوْاْ﴾: فامضُوا.
٨٧٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنادِ، أنَّ عبد الرحمن بنَ ٣٥٤/٢
هُرْمُزَ الأعرَجَ مَوْلى رَبِيعةَ بنِ الحارثِ حدَّثه، أنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ ه، أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ◌َل
يقول: ((نحنُ الآخِرُونَ السّابقُونَ يومَ القيامةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ من قَبْلِنا، ثمَّ هذا يومُهم
الذي فُرِضَ عليهم، فاختَلَفُوا فيه، فهَدانا اللهُ لَهُ، فالنَّاسُ لنا فيه تَبَعُ: اليهودُ غَداً والنَّصارى
بعدَ غَدٍ)).
قوله: ((باب فَرْض الجمعة)) لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ إلى هنا عند الأكثر، وسياق بقيّة الآية في رواية کريمة وأبي ذرّ.
قوله: ((﴿فَأَسْعَوْاْ﴾: فامْضُوا)) هذا في رواية أبي ذرِّ عن الحَمُّوِيّ وحده، وهو تفسير منه
للمراد بالسَّعي هنا، بخلاف قولِه في الحديث المتقدِّم(١): ((فلا تأتوها تَسعَون))، فالمراد به
الجَزْي، وسيأتي في التفسير أنَّ عمر قرأ ((فامضُوا)»، وهو يؤيِّد ذلك.
واستدلال البخاري بهذه الآية على فرْضيّة الجمعة سبقه إليه الشافعيّ في ((الأُم))، وكذا
حديث أبي هريرة، ثمَّ قال: فالتَّنزيل ثمَّ السُّنَّة يدلَّان على إيجابها، قال: وعُلِمَ بالإجماع أنَّ
يوم الجمعة هو الذي بين الخَميس والسَّبْت.
وقال الشَّيخ الموفَّق: الأمر بالسَّعْي يدلُّ على الوجوب إذ لا يجب السَّعي إلَّا إلى واجب.
واختُلِفَ في وقت فرْضيّتها فالأكثر على أنَّهَا فُرِضَت بالمدينة، وهو مُقتَضى ما تقدَّم أنَّ
فرْضيَّتها بالآية المذكورة، وهي مدنيّة.
وقال الشَّيخ أبو حامد: فُرِضَت بمكّة، وهو غريب.
(١) سلف برقم (٦٣٦) بلفظ: ((ولا تُسرِعُوا))، لكن سيأتي برقم (٩٠٨) باللفظ المذكور.

٥٧٠
باب ١ / ح ٨٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الزّين بن المنيِّرِ: وجه الدلالة من الآية الكَرِيمة مشروعيَّة النِّداء لها، إذ الأذان من
خَواصّ الفرائض، وكذا النَّهي عن البيع لأنَّه لا يُنْهَى عن المباح - يعني نَهي تحريم - إلَّا إذا
أفضَى إلى ترك واجب، ويُضاف إلى ذلك التوبيُ على قَطْعها.
قال: وأمَّا وجه الدلالة من الحديث فهو من التعبير بالفرْضِ لأنَّه للإلزام، وإن أُطلِقَ
على غير الإلزام كالتقديرِ لكنَّه هنا مُتَعيِّن له لاشتماله على ذِكْر الصَّرف لأهل الكتاب عن
اختياره وتعيينه لهذه الأمَّة، سواء كان ذلك وقع هم بالتّنصیصِ أم بالاجتهاد.
وفي سياق القصَّة إشعار بأنَّ فرضيَّتها على الأعيان لا على الكفاية، وهو من جهة
إطلاق الفرْضيَّة، ومن التَّعميم في قوله: ((فَهَدانا اللهُ له، والناس لنا فيه تَبَع)).
قوله: ((نحنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ)) في رواية ابن عُبَينَةَ عن أبي الزناد عند مسلم (١٩/٨٥٥):
((نحنُ الآخرون ونحنُ السابقون)) أي: الآخرون زماناً الأوَّلون مَنزِلةً، والمراد أنَّ هذه الأمّة
- وإن تأخّرَ وجودها في الدُّنيا عن الأُمَم الماضية - فهي سابقة لهم في الآخرة بأنَّهم أوَّل مَن
يُحْشَرِ، وأوَّل مَن يُحاسَب، وأوَّل مَن يُقضَى بينهم، وأوَّل مَن يدخل الجنَّة.
وفي حديث حُذَيفة عند مسلم (٢٢/٨٥٦): ((نحنُ الآخرون من أهل الدُّنيا،
والأوَّلون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق)). وقيل: المراد بالسَّبْق هنا إحراز فضيلة
اليوم السابق بالفضل، وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقاً بسَبتٍ قبله أو
أحدٍ لكن لا يُتَصَوَّر اجتماع الأيام الثلاثة مُتَواليةً إلَّ ويكونُ يومُ الجمعة سابقاً. وقيل:
المراد بالسَّبْق، أي: إلى القَبُول والطّاعة التي حُرِمَها أهلُ الكتاب، فقالوا: سمعنا وعَصَينا،
والأوَّل أقوى.
قوله: ((بَيْد)) بِمُوخَّدةٍ ثمَّ تحتائيَّة ساكنة مثل غيرَ وزناً ومعنّى، وبه جَزَمَ الخليل
والكِسائيّ ورَجَّحَه ابن سِيدَهْ، وروى ابن أبي حاتم في ((مَناقب الشافعيّ)) عن الرَّبيع عنه
أنَّ معنى ((بيد)) من أجل، وكذا ذكره ابن حِبَّن والبَغَويُّ عن المزَنِيِّ عن الشافعيّ. وقد
اسْتَبَعَدَه عياض ولا بُعد فيه، بل معناه أنّا سَبَقّنا بالفضلِ إذْ هُدينا إلى الجمعة مع تأخّرنا في

٥٧١
باب ١ / ح ٨٧٦
كتاب الجمعة
الزمان، بسبب أنَّهم ضَلّوا عنها مع تقدُّمهم، ويشهد له ما وقع في ((فوائد ابن المقرئ)) من
طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((نحنُ الآخرون في الدُّنيا، ونحنُ السابقون أوَّل مَن
يدخل الجنَّة لأنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا))، وفي (موَطَّأْ سعيد بن عُفَير)) عن مالك عن أبي
الزِّناد بلفظ: ((ذلك بأنَّهم أوتوا الكتاب)). وقال الدَّاووديّ: هي بمعنى ((على)) أو ((مع)).
قال القُرطبيّ: إن كانت بمعنى ((غير)) فنَصْبٌ على الاستثناء، وإن كانت بمعنى ((مع)) ٣٥٥/٢
فَنَصْبٌ على الظَّْف.
وقال الطِّييُّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يُشبِهِ الذَّم، والمعنى نحنُ
السابقون للفضلِ غیر أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأکید فيه ما أُدمِجَ فيه من
معنى النَّسخ، لأنَّ الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان مُتأخِّراً في الوجود، وبهذا التَّقديرِ
يظهر موقِع قوله: ((نحنُ الآخرون)) مع كَوْنه أمراً واضحاً.
قوله: ((أُوتُوا الكتاب)) اللَّام للجنس، والمراد التَّوراة والإنجيل، والضَّمير في: ((أوتيناه))
للقُرآن. وقال القُرطبيّ: المراد بالكتاب التَّوراة، وفيه نظر، لقوله: ((وأوتيناه من بعدهم))
فأعاد الضَّمير على الكتاب، فلو كان المراد الثَّوراة لمَا صَحَّ الإخبار، لأنّا إنَّما أوتينا القرآن.
وسَقَطَ من الأصل قوله: ((وأوتيناه من بعدهم))، وهي ثابتة في رواية أبي زُرعة
الدِّمَشقيّ عن أبي اليَمَان شيخ البخاري فيه، أخرجه الطَّبرانيُّ في ((مسند الشاميِّين))(١) عنه،
وكذا لمسلم (١٩/٨٥٥) من طريق ابن عُيَينةَ عن أبي الزِّناد، وسيأتي تامّاً عند المصنِّف بعد
أبواب من وجه آخر عن أبي هريرة (٨٢٦).
قوله: ((ثُمَّ هذا يومهم الذي فُرِضَ عليهم)) كذا للأكثر، وللحَمُِّيّ: ((الذي فَرَضَ الله
(١) لم نقف عليه في مطبوع ((مسند الشاميين)) من هذا الطريق، وهو في ((مسند أبي عوانة)) (٢٥٣٣) عن أبي
الجُماهر محمد بن عبد الرحمن الحمصي ومحمد بن حيَّيْه، كلاهما عن أبي اليمان، به. بهذه الزيادة. لكن
أخرج الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٣٦) هذا الحديث من طريق عبد الله بن الفضل، عن الأعرج،
عن أبي هريرة. وفيه هذه الزيادة.

٥٧٢
باب ١ / ح ٨٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
عليهم)) والمراد باليومِ: يوم الجمعة، والمراد (١) بفرْضِه: فرضُ تعظيمه، وأُشيرَ إليه بهذا
لگَونِه ذُكِرَ في أوَّل الكلام كما عند مسلم (٢٢/٨٥٦) من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن
حديث حُذَيفة قالا: قال رسول الله وَّةِ ((أضَلَّ اللهُ عن الجمعة مَن كان قبلنا)) الحديث.
قال ابن بَطَّال: ليس المراد أنَّ يوم الجمعة فُرِضَ عليهم بعينِه فتركوه، لأنَّه لا يجوز
لأحدٍ أن يَتْرُكُ ما فَرَضَ الله عليه وهو مُؤمِن، وإنَّما يدلُّ - والله أعلم - أنَّه فُرِضَ عليهم يومٌ
من الجمعة ووُكِلَ إلى اختيارهم ليُقيموا فيه شَريعتَهم، فاختَلَفوا في أيّ الأيام هو، ولم
يَتَدوا ليومِ الجمعة، ومالَ عياض إلى هذا، ورَشَحَه بأنَّه لو كان فُرِضَ عليهم بعينِهِ لَقيل:
فخالفوا، بدل: ((فاختَلَفوا».
وقال النَّوَويّ: يُمكِن أن يكونوا أُمِروا به صريحاً فاختَلَفوا هل يَلزَم تَعُنه أم يسوغ إبداله
بیوم آخر؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا. انتهى، ويشهد له ما رواه الطّريُّ بإسنادٍ صحيح عن
مجاهد(٢) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] قال:
أرادوا الجمعة فأخطَؤوا وأخَذوا السَّبت مكانه.
ويحتمل أن يُراد بالاختلاف اختلافُ اليهود والنَّصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي
حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السُّدّيّ التصريحَ بأنَّهم فُرِضَ عليهم يوم الجمعة بعينِه
فأبوا، ولفظه: ((إنَّ الله فَرَضَ على اليهود الجمعة فأبَوْا، وقالوا: يا موسى، إنَّ الله لم يَخلُق
يومَ السَّبت شيئاً، فاجعَلْه لنا، فجُعِلَ عليهم))، وليس ذلك بعَجِيبٍ من مُخَالَفتهم كما وقع
لهم في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وغير ذلك، وكيف لا
(١) أقحم في (س) هنا كلمة ((اليوم).
(٢) أخرج الطبري في ((تفسيره) ١٤/ ١٩٣ هذا الكلام عن قتادة، وليس عن مجاهد، وإسناده صحيح كما قال
الحافظ. لكن أخرجه عن مجاهدٍ عبدُ الرزاق في «تفسيره)» في القسم الثاني من الجزء الأول ص ٣٦٢ عن
معمر، قال: أخبرني من سمع مجاهداً يقول ... فذكره. وفيه رجل مبهم، وقد أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣
من طريق أخرى صحيحة عن مجاهد، بلفظ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ اتْبَعوه،
وتركوا الجمعة.

٥٧٣
باب ١ / ح ٨٧٦
كتاب الجمعة
وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].
قوله: ((فَهَدَانا الله له)) يحتمل أن يُراد بأن نصَّ لنا عليه، وأن يُراد الهداية إليه بالاجتهاد،
ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق (٥١٤٤) بإسنادٍ صحيح عن محمد بن سيرِينَ قال: جمع
أهل المدينة قبل أن يَقدَمَها رسولُ الله وَّه، وقبل أن تَنزِل الجمعة، فقالتِ الأنصار: إنَّ
لليهود يوماً يجتمعون فيه كلَّ سبعة أيام، وللنَّصارى كذلك، فهَلُمَّ فلنَجعَلْ يوماً نَجَمِع
فيه، فنَذْكُرُ الله تعالى ونُصلّ ونَشكُره، فجعلوه يوم العَرُوبة، واجتَمَعوا إلى أسعَد بن زرارةَ
فصلَّى بهم يومئذ، وأنزلَ الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية
[الجمعة:٩]، وهذا وإن كان مُرسلاً فله شاهد بإسنادٍ حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن
ماجَهْ وصحَّحه ابن خُزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أوَّلَ مَن صلَّى
بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول الله وَّهِ المدينة أسعَدُ بنُ زرارة، الحديث(١). فمُرسَل ابن سيرين
يدلّ على أنَّ أولئكَ الصحابةَ اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ
وَالِ﴿ عَلِمَه بالوحي وهو / بمكَّة فلم يَتمكَّن من إقامتها ثَمَّ، وقد وَرَدَ فيه حديث عن ابن ٣٥٦/٢
عبَّاسٍ عند الدَّارَ قُطني (٢)، ولذلك جمع بهم أوَّلَ ما قَدِمَ المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره،
وعلى هذا فقد حَصَلتِ الهداية للجمعة بچِھَتَي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خَلْق آدم فيه، والإنسان إنَّما خُلِقَ للعبادة،
فناسَبَ أن يَشْتَغِل بالعبادة فيه، ولأنَّ الله تعالى أكمَلَ فيه الموجودات وأوجَدَ فيه الإنسانَ
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابن خزيمة (١٧٢٤)، وابن حبان (٧٠١٣)،
والحاكم ١/ ٢٨١ و١٨٧/٣، ولم يخرجه أحمد في «مسنده)).
(٢) بيَّن الحافظ ابن رجب في ((شرحه)) ٣٣٠/٥ هذا الحديث بقوله: وقد خَرَّج الدار قطني، أظنه في ((أفراده)»
من رواية أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، حدثنا محمد بن عبد الله أبو زيد المدني، حدثنا المغيرة بن
عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: أذن رسول الله وَله
بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله وَ لير أن يجمِّع بمكة ولا يبين لهم، وكتب إلى مصعب بن
عمير: ((أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمر فيه اليهود لسَيْتِهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار
عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرَّبوا إلى الله بركعتين)). وقال الحافظ ابن رجب بإثره: هذا
إسناد موضوع، والباهلي: هو غلام خلیل، كذّاب مشهور بالكذب.

٥٧٤
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
الذي ينتفع بها فناسب أن یشگر علی ذلك بالعبادة فيه.
قوله: ((اليهود غَداً والنَّصارى بعد غَدٍ)) في رواية أبي سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة عند
ابن خُزيمة (١٧٢٦): ((فهو لنا، ولليهود يوم السَّبت وللنصارى يوم الأحد)) والمعنى أنَّه لنا
بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم وخَطَئِهم في اجتهادهم.
قال القُرطبيّ: ((غَداً)) هنا منصوب على الظَّرْف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ تقديره: اليهود
يُعَظِّمون غَداً، وكذا قوله: ((بعد ◌َد)) ولا بُدّ من هذا التقدير، لأنَّ ظرف الزمان لا يكون
خبراً عن الجُثَّة. انتهى، وقال ابن مالك: الأصل أن يكون المخبَر عنه بظرفِ الزمان من
أسماء المعاني كقولك: غَداً للتأهُّبِ وبعد غَد للرَّحيل، فيُقدَّر هنا مضافان يكون ظرفا
الزمان خبرَينِ عنهما، أي: تعييد اليهود غَداً وتعييد النَّصارى بعد غَد. انتهى، وسبقه إلى
نحو ذلك عياض، وهو أوجَه من كلام القُرطبيّ.
وفي الحديث دليل على فَرْضيَّة الجمعة، كما قال النَّوَوي، لقوله: ((فُرِضَ عليهم فهَدانا
اللهُ له)) فإنَّ التقدير: فُرِضَ عليهم وعلينا فضَلّوا وهُدینا، وقد وقع في رواية سفيان عن أبي
الزّناد عند مسلم (١٩/٨٥٥) بلفظ: ((كُتِبَ علينا)).
وفيه أنَّ الهداية والإضلال من الله تعالى كما هو قول أهل السُّنَّة، وأنَّ سلامة الإجماع
من الخطأ مخصوص بهذه الأمَّة، وأنَّ استنباط معنَى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطلٌ،
وأنَّ القياس مع وجود النصّ فاسد، وأنَّ الاجتهاد في زَمَن نُزول الوحي جائز، وأنَّ الجمعة
أوَّلُ الأُسبوع شرعاً، ويدلُّ على ذلك تسمية الأُسبوع كلِّه جمعة وكانوا يُسمّون الأسبوع
سَبْتاً كما سيأتي في الاستسقاء في حديث أنس، وذلك أنَّهم كانوا مُجاورين لليهود فتَبِعوهم
في ذلك، وفيه بيانٌ واضح لمَزِيدِ فضل هذه الأمَّة على الأُمَم السالفة زادها الله تعالى.
٢- باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهودُ
يوم الجمعة أو على النساء؟
٣٥٧/٢ قوله: ((باب فضل الغُسْل يوم الجمعة)) قال الزَّين بن المنيِر: لم يَذكُر الحكم لما وقع فيه

٥٧٥
باب ٢
كتاب الجمعة
من الخلاف، واقتصر على الفضل، لأنَّ معناه التَّرغيب فيه، وهو القَدْر الذي تَتَّفِقِ الأدلَّة
على ثبوته.
قوله: ((وهل على الصبيّ شهود يوم الجمعة أو على النِّساء)) اعتَرَضَ أبو عبد الملك فيما
حكاه ابن التِّين على هذا الشِّقّ الثاني من الترجمة فقال: تَرجَمَ هل على الصبيّ أو النِّساء
جمعة؟ وأورَدَ: ((إذا جاءَ أحدكم الجمعة فليغتسل))، وليس فيه ذِكْر وجوب شهود ولا
غيره.
وأجاب ابن التِّين بأنَّه أراد سقوط الوجوب عنهم، أمَّا الصِّبيان فبالحديث الثالث في
الباب حيثُ قال: ((على كلّ مُتِلِم)) فدلَّ على أنَّها غير واجبة على الصِّبيان. قال: وقال
الدَّاووديّ: فيه دليل على سقوطها عن النِّساء، لأنَّ الفُروض تَجِب عليهنَّ في الأكثر
بالحيضِ لا بالاحتلام، وتُعُقِّبَ بأنَّ الحيض في حقِّهنَّ علامة للبُلوغ كالاحتلام، وليس
الاحتلام مُختصّاً بالرجال، وإنَّما ذُكِرَ في الخبر لكَونِه الغالب، وإلّا فقد لا يَحْتَلِم الإنسان
أصلاً ويَبلُغ بالإنزال أو السِّنّ، وحكمه حكم المحتَلِم.
وقال الزّين بن المنيِّر: إنَّما أشارَ إلى أنَّ غُسل الجمعة شُرِعَ للرَّواح إليها كما دَّت عليه
الأخبار، فيحتاج إلى معرفة مَن يُطلَب رواحُه فيُطلَب غُسلُه، واستُعمِلَ الاستفهام في
الترجمة للإشارة إلى وقوع الاحتمال في حقِّ الصبيّ في عموم قوله: ((أحدكم))، لكن تقييدَه
بالمحتَلِمِ في الحديث الآخر يُخْرِجِه، وأمَّا النِّساء فيقع فيهنَّ الاحتمال بأن يدخلْنَ في
((أحدكم)) بطريق التَّبَع، وكذا احتمال عموم النَّهي في منعهنَّ المساجد، لكن تقييده بالليل
يُخرِج الجمعة(١)، انتهى.
ولعلَّ البخاري أشارَ بذِكْر النِّساء إلى ما سيأتي قريباً في بعض طرق حديث نافع، وإلى
الحديث المصَرِّح بأن لا جمعة على امرأةٍ ولا صبيّ لكَونِه ليس على شرطه وإن كان الإسناد
(١) يشير إلى الحديث السالف برقم (٨٦٥): عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد
فأذنوا لهن)).

٥٧٦
باب ٢ / ح ٨٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
صحيحاً، وهو عند أبي داود (١٠٦٧) من حديث طارق بن شهاب عن النبيّ ◌َّةَ(١)،
ورجاله ثقات، لكن قال أبو داود: لم يسمع طارق من النبيّ وَلّهِ إلّا أنَّه رآه. انتهى، وقد
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٨٨/١) من طريق طارق عن أبي موسى الأشعري.
قال الزَّين بن المنيِرِ: ونُقِلَ عن مالك أنَّ مَن يَحِضُر الجمعة من غير الرجال إن حَضَرَها
لابتغاء الفضل شُرِعَ له الغسلُ وسائرُ آداب الجمعة، وإن حَضَرَها لأمرِ اتّفاقيّ فلا.
ثمَّ أورد المصنِّف في الباب ثلاثة أحاديث:
٨٧٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّم قال: «إذا جاءَ أحدُكمُ الجمعةَ فليَغتَسِلْ)».
[طرفاه في: ٨٩٤، ٩١٩]
أحدُها: حديث نافع عن ابن عمر أخرجه من حديث مالك عنه بلفظ: ((إذا جاءَ
أحدكم الجمعة فليغتسل))، وقد رواه ابن وَهْب عن مالك أنَّ نافعاً حدَّثهم فذكره، أخرجه
البيهقيُّ (٢٩٣/١)، والفاء للتَّعقيب، وظاهره أنَّ الغُسل يَعقُب المجيء، وليس ذلك المراد،
وإنَّما التقدير: إذا أراد أحدكم، وقد جاءَ مُصرَّحاً به في رواية الليث عن نافع عند مسلم
(١/٨٤٤) ولفظه: ((إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل))، ونَظِير ذلك قوله تعالى:
﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ [المجادلة: ١٢] فإنَّ المعنى: إذا أرَدْتُم المناجاة،
بلا خلاف.
ويقوِّي رواية الليث حديثُ أبي هريرة الآتي قريباً (٨٨١) بلفظ: ((مَن اغتَسَلَ يوم
الجمعة ثمَّ راحَ))، فهو صريح في تأخير الرَّواح عن الغُسل، وعُرِفَ بهذا فسادُ قول مَن حمله
على ظاهره، واحتُجَّ به على أنَّ الغُسل لليوم لا للصلاة، لأنَّ الحديث واحدٌ ومخرجه واحد،
وقد بيَّن الليث في روايته المراد، وقَوَّاه حديث أبي هريرة.
(١) ولفظه: ((الجمعة حق واجبٌ على كل مسلم في جماعةٍ، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيٍّ، أو
مریض)).

٥٧٧
باب ٢ / ح ٨٧٧
كتاب الجمعة
ورواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدّاً، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو
عَوَانة في ((صحيحه)) (٢٥٦١-٢٦٠٤) (١) فساقه من طريق سبعينَ نفساً رَوَوه عن نافع، وقد
تَتَبَّعت ما فاتَه وجمعتُ ما وقع لي من طرقه في جزء مُفْرَد، لِغَرَضِ اقْتَضَى ذلك، فَبَلَغَت
أسماء مَن رواه عن نافع مئةً وعشرين نفساً.
فمما يُستَفاد منه هنا ذِكْر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أُميَّة عن نافع عند أبي ٣٥٨/٢
عَوَانة وقاسم بن أصبَغَ(٢): كان الناس يَغْدُون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم
ثياب مُتغيِّرة، فشَكَوا ذلك إلى رسول الله وَ له فقال: ((مَن جاءَ منكم الجمعة فليغتسل)). ومنها
ذِكْر محلّ القول، ففي رواية الحكم بن عُتَيبة عن نافع عن ابن عمر: سمعت رسول الله وَله
على أعواد هذا المِنِبَرَ بالمدينة يقول. أخرجه يعقوب الجصَّاص في ((فوائده)(٣) من رواية اليَسَع
بن قيس عن الحكم(٤)، وطريق الحكم عند النَّسائيِّ وغيره من رواية شُعْبة عنه بدون هذا
السياق بلفظ حديث الباب إلَّا قوله: ((جاء)) فعنده ((راح)) (٥)، وكذا رواه النَّسائيُّ (٦) من رواية
إبراهيم بن طَهْمان عن أيوب ومنصور ومالك ثلاثتهم عن نافع.
ومنها ما يدلُّ على تكرار ذلك ففي رواية صخر بن جُوَيريَةَ عن نافع عند أبي مسلم
الكَجِّيّ(٧) بلفظ: كان إذا خَطَبَ يوم الجمعة قال، الحديث.
(١) وكذلك اعتنى بجمعها البزار في ((مسنده)) (٥٦٢١ -٥٦٥١).
(٢) أخرجه من طريق قاسم بن أصبغ ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ٨٣/١٠. وقد سقطت رواية إسماعيل بن أمية
من مطبوع ((صحيح أبي عوانة))، وهي ثابتة فيه، فقد عزاها إليه الحافظ أيضاً في «إتحاف المهمرة)) (١٠٣٠٠).
(٣) وجاء في ((مسند أحمد)) (٥٩٦١) من طريق أبي إسحاق عن نافع ويحيى بن وثّاب عن ابن عمر قال:
سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول على هذا المنبر: ((من أتى الجمعة فليغتسل)) وكذلك في رواية طَلْق بن غنّام،
عن مالك بن مِغْول، عن نافع عند أبي عوانة (٢٥٨٣) قال: سمعت النبي ◌َ ◌ّ ه يقول على المنبر وأشار ابن
عمر بیده إلى منبر رسول اللهٹے.
(٤) وأخرجه من طريق اليَسَع عن الحكم أيضاً الطبراني في ((الأوسط)) (١٠٨) لكن ليس فيه ذكر المنبر بالمدينة.
(٥) أخرجه أحمد (٥٤٨٢)، والنسائي (١٤٠٥)، وغيرهما، وفي أوله: قال ابن عمر: خطب النبي ◌َّ.
(٦) لم نقف عليه عند النسائي في كتابه، وأخرجه من طريقه ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ١٤٤/١٤.
(٧) وأخرجه عنه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٣٧١).

٥٧٨
باب ٢ / ح ٨٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
ومنها زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد عن نافع عند أبي عَوَانة (٢٥٩٤) وابن
خُزيمة (١٧٥٢) وابن حِبَّان (١٢٢٦) في ((صِحاحهم)) بلفظ: ((مَن أتى الجمعة من الرجال
والنِّساء فليغتسل، ومَن لم يأتِها فليس عليه غُسل)) ورجاله ثقات، لكن قال البَزّار: أخشَى
أن يكون عثمان بن واقد وَهِمَ فیه(١).
ومنها زيادة في المتن والإسناد أيضاً، أخرجه أبو داود (٣٤٢) والنَّسائيُّ (١٣٧١) وابن
خُزَيمة (١٧٢١) وابن حِبَّان (١٢٢٠) وغيرهم من طرق عن مُفَضَّل بن فَضَالة عن عيَّاش
ابن عبَّاسِ القِتبانيّ عن بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ عن نافع عن ابن عمر عن حفصة قالت:
قال رسول الله وَ له: ((الجمعة واجبة على كلّ مُحتلِم، وعلى مَن راحَ إلى الجمعة الغُسل)) قال
الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٨١٣): لم يروِه عن نافع بزيادة حفصة إلَّا بُكَير، ولا عنه إلَّا
عيَّاش تَفرَّدَ به مُفَضَّل.
قلت: رواته ثقات، فإن کان محفوظاً فهو حديث آخر ولا مانع أن یسمعه ابن عمر من
النبيّ ◌َّ ومن غيره من الصحابة، فسيأتي في ثاني أحاديث الباب من رواية ابن عمر عن
أبيه، عن النبيّ وَّ ولا سيّما مع اختلاف المتون.
قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغُسلِ بالمجيءٍ إلى الجمعة،
واستدلَّ به مالكٌ في أنَّه يُعتَبر أن يكون الغُسل متصلاً بالذَّهاب، ووافَقَه الأوزاعيُّ والليث،
والجمهور قالوا: يُجْزِئ من بعد الفجر، ويشهد لهم حديث ابن عبَّاسِ الآتي قريباً (٨٨٤).
وقال الأثرَم: سمعت أحمد سُئِلَ عَمَّن اغتَسَلَ ثمَّ أحدَثَ هل يكفيه الوضوء؟ فقال:
نَعَم. ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٩٩/٢)
بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزَى عن أبيه - وله صُحبة -: أنَّه كان يغتسل
يوم الجمعة، ثمَّ يُحدِث فيتوضَّأ ولا يُعيد الغُسل.
(١) وأخرجه أيضاً كلفظ عثمان بن واقد أبو الحسين الآبنوسي في ((مشيخته)) (٢٠٩) من طريق موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. فلم ینفرد عثمان بن واقد به.

٥٧٩
باب ٢ / ح ٨٧٧
كتاب الجمعة
ومُقتَضى النَّظر أن يقال: إذا عُرِفَ أنَّ الحكمة في الأمر بالغُسلِ يوم الجمعة والتَّنظيف
رِعايةُ الحاضرين من التأذّي بالرائحة الكريهة، فمَن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يُزيل
تنظيفه استُحِبَّ له أن يؤخّر الغُسل لوقتٍ ذهابه، ولعلَّ هذا هو الذي لَحَظَه مالك فشَرَطَ
اتّصال الذَّهاب بالغُسلِ ليَحصُل الأمن ممّا يُغايِرِ التَّنظيف، والله أعلم.
قال ابن دَقِيق العيد: ولقد أبعَدَ الظاهريُّ إبعاداً يكاد أن يكون مجزوماً بُبُطْلانه حيثُ لم
يَشتِرِط تقدُّم الغُسل على إقامة صلاة الجمعة حتَّى لو اغتَسَلَ قبل الغُروب كَفَى عنده تَعلُّقاً
بإضافة الغُسل إلى اليوم - يعني كما سيأتي في حديث الباب الثالث - وقد تَبيَّنَ من بعض
الروايات أنَّ الغُسل لإزالة الرَّوائح الكريهة - يعني كما سيأتي من حديث عائشة بعد أبواب
(٩٠٣) - قال: وفُهمَ منه أنَّ المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتَى بعد إقامة الجمعة،
وكذلك أقول لو قدَّمَه بحيثُ لا يَتَحَصَّل هذا المقصود لم يُعتَدّ به. والمعنى إذا كان معلوماً
كالنصّ قطعاً أو ظنّاً مقارباً(١) للقطع، فاتِباعه وتعليق الحكم به أولى من اتِّباع مُجرَّد اللَّفظ.
قلت: وقد حكى ابن عبد البَرِّ الإجماع على أنَّ مَن اغتَسَلَ بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة
ولا فعَل ما أُمِرَ به. وادَّعَى ابن حَزْم أنَّه قول جماعة من الصحابة والتابعين وأطالَ في تقرير
ذلك بما هو بصَدَدِ المنع، والردّ يُفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، / ولم يُورِد عن أحد ممَّن ٣٥٩/٢
ذَكر التصريحَ بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنَّما أورَدَ عنهم ما يدلُّ على أنَّه لا
يُشتَرط اتّصال الغُسل بالذَّهاب إلى الجمعة، فأخَذَ هو منه أنَّه لا فرق بين ما قبل الزَّوال
وبعده، والفرق بينهما ظاهر كالشمس، والله أعلم.
واستدلَّ من مفهوم الحديث على أنَّ الغُسل لا يُشرَع لمن لم يحضُر الجمعة، وقد تقدَّم
التصريح بمُقتَضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع (٢)، وهذا هو الأصحّ عند الشافعيَّة،
وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفيّة.
(١) تصحف في (س) إلى: مقارناً.
(٢) عند ابن خزيمة (١٧٥٢)، وابن حبان (١٢٢٦).

٥٨٠
باب ٢ / ح ٨٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله فيه: ((الجمعة)) المراد به الصلاة أو المكان الذي تُقام فيه، وذكر المجيء لكَونِه
الغالبَ، وإلَّا فالحكم شامل لمن كان مُجَاوِراً للجامع أو مُقيماً به، واستدلَّ به على أنَّ الأمر لا
يُحمَل على الوجوب إلَّا بقرينةٍ لقوله: كان يأمرنا، مع أنَّ الجمهور حملوه على النَّدب كما
سيأتي في الكلام على الحديث الثالث، وهذا بخلاف صيغة ((افعَل)) فإنَّها على الوجوب
حتَّى تَظهَر قرينة على النَّب.
٨٧٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أسماءَ، قال: أخبرنا جُوَيْريةُ بنُ أسماءَ، عن مالكٍ، عن
الزُّهْريِّ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّب بَيْنا
هو قائمٌ في الخطبةِ يومَ الجمعةِ، إذْ جاء رجلٌ من المهاجِرِينَ الأوَّلينَ من أصحاب النبيِّ لَّه
فناداه عمرُ: أيّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إنِّي شُغِلْتُ فلم أَنْقَلِبْ إلى أهلي حتَّى سمعتُ التأذِينَ، فلم
أزِدْ عَلَى أنْ تَوضَّأْتُ، فقال: والوضوءَ أيضاً! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسولَ الله وَّلِ كان يأمرُ بالغُسْلِ.
[طرفه في: ٨٨٢]
الحديث الثاني: حديث مالك عن الزُّهريِّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر
رضي الله عنهما: أنَّ عمر بن الخطّاب بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، الحديث، أورَدَه من
رواية جويريةَ بن أسماء عن مالك، وهو عند رواة ((الموطأ)» عن مالك لیس فیه ذِكْر ابن
عمر، فحكى الإسماعيليّ عن البَغَويِّ بعد أن أخرجه من طريق رَوح بن عُبادةَ عن مالك أنَّه
لم يَذْكُر في هذا الحديث أحدٌ عن مالك: عن عبد الله بن عمر، غيرُ رَوح بن عُبادةَ وجُوَيريةَ.
انتهى، وقد تابعهما أيضاً عبد الرحمن بن مهدي، أخرجه أحمد بن حنبل (١٩٩) عنه بذِكْر
ابن عمر. وقال الدَّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّآت))(١): رواه جماعة من أصحاب مالك الثِّقات عنه
خارج ((الموطَّأ)) موصولاً عنهم، فذكر هؤلاء الثلاثة، ثمَّ قال: وأبو عاصم النبيل وإبراهيم
بن طَهْمان والوليد بن مسلم وعبد الوهّاب بن عطاء، وذكر جماعةً غيرهم في بعضهم مقال،
ثمَّ ساق أسانيدهم إليهم بذلك، وزاد ابن عبد البَرِّ (٦٩/١٠) فيمن وَصَلَه عن مالك أيضاً
(١) تحرف في (س) إلى: الموطأ.