النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ١٥٠ / ح ٨٣٥ أبواب صفة الصلاة الدَّعَواتِ المطلوبِ فيها جوامعُ الكَلِم. ولم يُصرِّح في الحديث بتعيين محلِّه، وقد تقدَّم كلام ابن دقيق العيد في ذلك في أوائل الباب الذي قبله، قال: ولعلَّه تَرجَّحَ كَوْنه فيما بعد التشهُّد لظُهور العِناية بتعليم دعاءٍ مخصوصٍ في هذا المحلّ. ونازعَه الفاكِهانيّ فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلّينِ المذكورين، أي: السجود والتشهُّد. وقال النَّوَويّ: استدلال البخاري صحيح، لأنَّ قولَه: ((في صلاتي)) يَعُمّ جميعها، ومن مَظانّه هذا الموطِن. قلت: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قولِه لمَّا عَلَّمَهمُ التشهُّدَ: ((ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء ما شاء))، ومِن ثَمَّ أعقَبَ المصنّف الترجمة بذلك. ١٥٠ - باب ما يُتَخَّر من الدعاء بعد التشهد، ولیس بواجب ٨٣٥- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن الأعمَشِ، حدَّثني شَقِيقٌ، عن عبدِ الله، قال: كنّا إذا كنّا مع النبيِّ وَ لَه في الصلاة قلنا: السلامُ على الله من عِبادِه، السلامُ على فلانٍ وفلانٍ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تقولوا: السلامُ على الله، فإنَّ الله هو السلامُ، ولكنْ قولوا: التَّحِيّاتُ لله والصَّلَواتُ والطيِّاتُ، السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَكاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالحين، فإنَّكم إذا قلتُم أصابَ كلَّ عبدٍ في السَّماءِ - أو بينَ السَّماءِ والأرضِ - أشهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَّ الله وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، ثمَّ لَيَتَخيَّرْ من الدُّعاءِ أعجَبَه إليه فيَدْعُو)). قوله: ((باب ما يُتَخَيَّر من الدُّعاء بعد التشقُّد، وليس بواجبٍ» يشير إلى أنَّ الدُّعاء السابق ٣٢١/٢ في الباب الذي قبله لا يجب وإن كان قد وَرَدَ بصيغة الأمر كما أشرتُ إليه، لقوله في آخر حديث التشهُّد: ((ثمَّ ليتخيَّ))، والمنفيّ وجوبه يحتمل أن يكون الدُّعاءَ أي: لا يجب دعاءٌ مخصوص، وهذا واضح مطابق للحديث، وإن كان التَّخيير مأموراً به. ويحتمل أن يكون المنفيّ التَّخييرَ، ويُحمَل الأمر الوارد به على النَّدب، ويحتاج إلى دليل. قال ابن رُشَيد: ليس التَّخيير في آحاد الشيء بدالٌّ على عدم وجوبه، فقد يكون أصلُ الشيء واجباً ويقعُ التَّخبير في وصفه. ٥٠٢ باب ١٥٠ / ح ٨٣٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال الزَّين بن المنيِرِ: قوله: ((ثُمَّ ليَتخيَّرْ)) وإن كان بصيغة الأمر لكنَّها كثيراً ما تَرِدُ للنّذب. وادَّعَى بعضهم الإجماعَ على عدم الوجوب، وفيه نظر، فقد أخرج عبد الرزاق(١) بإسنادٍ صحيح عن طاووسٍ ما يدلُّ على أنَّه يَرَى وجوبَ الاستعاذة المأمور بها في حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله، وذلك أنَّه سألَ ابنَه: هل قالها بعد التشهُّد؟ فقال: لا، فأمره أن يُعيد الصلاة، وبه قال بعض أهل الظاهر. وأفرَطَ ابنُ حَزْم فقال بوجوبها في التشهُّد الأوَّل أيضاً. وقال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود: ((ثُمَّ ليتخيَّر من الدُّعاء)) لَقلتُ بوجوبها، وقد قال الشافعيّ أيضاً بوجوب الصلاة على النبيّ وَطِّ بعد التشهُّد، واذَّعَى أبو الطيِّب الطَّبَرِيُّ من أتباعه والطَّحاويُّ وآخرون أنَّه لم يُسبَق إلى ذلك، واستَدُّّوا على نَدبيَّتِها بحديث الباب مع دعوى الإجماع. وفيه نظر لأنَّه وَرَدَ عن أبي جعفر الباقر والشَّعبيّ وغيرهما ما يدلَّ على القول بالوجوب. وأعجَبُ من ذلك أنَّه صَحَّ عن ابن مسعود راوي حديث الباب ما يقتضيه، فعند سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شَيْبة (١/ ٢٩٧) بإسنادٍ صحيح إلى أبي الأحوص قال: قال عبد الله: يتشهَّد الرجل في الصلاة، ثمَّ يُصلِّ على النبيّ وَِّ، ثمَّ يدعو لنفسِه بعدُ. وقد وافَقَ الشافعيَّ أحمدُ في إحدى الروايتين عنه وبعضُ أصحاب مالك، وقال إسحاق بن راهويه أيضاً بالوجوب، لكن قال: إن تركَها ناسياً رَجَوت أن يُجزِئه، فقيل: إنَّ له في المسألة قولين كأحمد، وقيل: بل كان يراها واجبة لا شرْطاً. (١) الذي في ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٠٨٧) عن ابن طاووس، عن أبيه قال: قال لرجل: أقلتهن في صلاتك؟ قال: لا، قال: فأعِدْ صلاتك، يعني هذا القولَ. لكن قال ابن رجب في ((شرحه)) على البخاري ٥/ ١٨٤: وذكر مسلمٌ أن طاووساً كان يروي هذا الحديث عن ثلاثة أو عن أربعة، وأنه أمر ابنَه أن يعيد الصلاة حيث لم يتعوّذ فيها من ذلك. وهذا قاله مسلم بإثر الحديث (٥٩٠) (١٣٤). ٥٠٣ باب ١٥٠ / ح ٨٣٥ أبواب صفة الصلاة ومنهم مَن قَيَّدَ تَفرُّد الشافعيِّ بكَونِه عيَّنها بعد التشهُّد لا قبله ولا فيه، حتَّی لو صلَّى على النبيّ وَّ في أثناء التشهُّد مثلاً لم يُحِزِئ عنده. وسيأتي مزيدٌ لهذا في كتاب الدَّعَوات (٦٣٢٨) إن شاء الله تعالى. قوله: ((ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء أعجبَه إليه فيَدْعُو)) زاد أبو داود (٩٦٨) عن مُسدَّد شيخ البخاري فيه: ((فيدعو به))، ونحوه النَّسائيُّ (١١٦٣) من وجه آخر بلفظ: ((فليَدُ به)) ولإسحاقَ(١) عن عيسى عن الأعمَش: ((ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء ما أحَبّ))، وفي رواية منصور عن أبي وائل عند المصنِّف (٦٣٢٨) في الدَّعَوات: ((ثمَّ ليتخيَّرْ من الثَّناء ما شاء)) ونحوه لمسلم (٤٠٢) بلفظ: ((من المسألة)). واستدلَّ به على جواز الدُّعاء في الصلاة بما اختارَ المصلِّ من أمر الدُّنيا والآخرة. قال ابن بَطَّل: خالَفَ في ذلك النَّخَعيُّ وطاووسِ وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلَّ بما يُوجَد في القرآن. كذا أطلَقَ هو ومَن تَبِعَه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفيَّة أنَّه لا يدعو في الصلاة إلَّا بما جاءَ في القرآن أو ثَبَتَ في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مَأثوراً، قال قائلهم: والمأثور أعمّ من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع، لكنَّ ظاهر حديث الباب يَرُدّ عليهم، وكذا يَرُدُّ على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلَّا بأمرِ الآخرة. واستثنى بعض الشافعيَّة ما يُقبَّح من أمر الدُّنيا، فإن أراد الفاحش من اللَّفظ فمُحتمَل، وإلَّ فلا شكَّ أنَّ الدُّعاء بالأُمور المحرَّمة مُطلَقاً لا يجوز. وقد وَرَدَ فيما يقال بعد التشهُّد أخبارٌ، من أحسنها ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر ابن أبي شَيْبة (٢٩٦/١) من طريق عُمَير بن سعد(٢) قال: كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يُعلِّمنا التشهُّد في الصلاة ثمَّ يقول: إذا فَرَغَ أحدكم من التشهُّد فليقُل: اللهمَّ إنِّي أسألُك (١) ومن طريقه أخرجه ابن حبان (١٩٥٥). (٢) كذا في الأصلين و(س): بن سعد، والمشهور في اسمه: ابن سعيد، كذا سماه أكثر المترجمين له، إلا أن ابن حبان لما ذكره في ((الثقات)) ٢٥٢/٥ قال: وقد قيل: عمير بن سعد، ونقله عنه الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، وهو في نسخة متقَنة من نسخ ابن أبي شيبة كذلك. ٥٠٤ باب ١٥١ / ح ٨٣٦ فتح الباري بشرح البخاري من الخير كلّه ما عَلِمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشّ كلّه ما عَلِمتُ منه وما لم أعلم، اللهمَّ إنِّي أسألُك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شَرّ ما استعاذَك منه عبادُك الصالحون ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٠١] قال: ٣٢٢/٢ ويقول:/ لم يَدعُ نبيٌّ ولا صالح بشيءٍ إلَّا دخل في هذا الدُّعاء. وهذا من المأثور غير مرفوع، وليس هو مَّ وَرَدَ في القرآن. وقد استدلَّ البيهقيُّ بالحديث المتَّفَق عليه: ((ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء أعجَبه إليه فيدعو به)) وبحديث أبي هريرة رفعه: ((إذا فرَغَ أحدكم من التشهُّد فليَتَعَوَّذ بالله)) الحديث، وفي آخره: ((ثمَّ يدعو لنفسِه بما بَدَا له))، هكذا أخرجه البيهقيُّ (٢/ ١٥٤)، وأصل الحديث في مسلم (٥٨٨)، وهذه الزيادة صحيحة، لأنَّها من الطريق التي أخرجها مسلم. ١٥١- باب من لم یمسح جبهته وأنفه حتی صلى قال أبو عبد الله: رأيتُ الحُمَيديَّ يَحَتَجُّ بهذا الحديثِ أنْ لا يَمسَحَ الجبهةَ في الصلاةِ. ٨٣٦- حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، قال: سألتُ أبا سعيدِ الخُدْريَّ فقال: رأيتُ رسولَ الله وَِّ يَسجُدُ في الماءِ والطِّينِ، حتَّى رأيتُ أثرَ الطِّينِ في جَبْهتِه. قوله: ((باب مَن لم يَمْسَح جَبْهته وأنفه حتَّى صَلَّى)) قال الزَّين بن المنيِّر ما حاصله: ذكر البخاري المستدَلّ ودليله، وَوَكَلَ الأمر فيه لنَظَرِ المجتَهِد، هل يوافق الحميديّ أو يخالفه، وإنَّما فعل ذلك لمَا يَتَطَرَّق إلى الدليل من الاحتمالات، لأنَّ بقاء أثر الطّين لا يَستَلِزِم نفي مَسْح الجبهة، إذ يجوز أن يكون مَسَحَها وبَقيَ الأثر بعد المسح، ويحتمل أن يكون ترَكَ المسح ناسياً أو تركَه عامداً لتَصديق رُؤْياه، أو لكَونِه لم يَشعُر ببقاء أثر الطّين في جَبْهته، أو لبيان الجواز، أو لأنَّ ترك المسح أولى لأنَّ المسح عملٌ وإن كان قليلاً، وإذا تَطَرَّقَت هذه الاحتمالات لم ينهض الاستدلال، لا سيّما وهو فعلٌ من الجِبليّات لا من القُرَب. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف، والحميديّ: هو شيخه المشهور أحد تلامذة الشافعيِّ. ٥٠٥ باب ١٥٢ / ح ٨٣٧ أبواب صفة الصلاة قوله: ((يَحْتَجّ بهذا)) فيه إشارة إلى أنَّه يوافقه على ذلك، ومن ثَمَّ لم يَتَعقَّبْه، وقد تقدَّم ما فيه، وأنَّه إن احتُجَّ به على المنع جملةً لم يَسلَم من الاعتراض، وأنَّ التَّرك أَولِ. قوله: (حدّثنا هشام» هو الدَّستُوائيُّ، ويحیی: هو ابن أبي کثیر. قوله: ((حتَّى رأيت أثر الطِّين)) هو محمول على أثرٍ خفيف لا يمنع مُباشَرة الجبهة للسُّجود، وسيأتي بقيّة الكلام على فوائده في كتاب الصيام (٢٠١٦) إن شاء الله تعالى. ١٥٢ - باب التسليم ٨٣٧- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن هندٍ بنتِ الحارثِ: أنَّ أَمَّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله وَّةٍ إذا سَلَّمَ قامَ النِّساءُ حينَ يَقْضي تسليمَه، ومَكَثَ يَسِيراً قبلَ أنْ يقومَ. قال ابنُ شِهابٍ: فأُرَى - والله أعلمُ - أنَّ مُكْثَه لكَيْ يَنفُذَ النِّساءُ قبلَ أنْ يُدرِكَهُنَّ مَنِ انصَرَفَ من القومِ. [طرفاه في: ٨٤٩، ٨٥٠] قوله: ((باب التسليم)) أي: من الصلاة، قيل: لم يَذكُر المصنّف حُكمه، لتَعارُضِ الأدلَّة عنده في الوجوب وعدمه، ويُمكِن أن يُؤخَذ الوجوب من حديث الباب حيثُ جاءَ فيه: كان إذا سَلَّم، لأنَّه يُشعِر بتحقُّق مواظَبته على ذلك، وقد قال ◌َّ: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّ))(١)، وحديث: ((تحليلها التَّسليم)) أخرجه أصحاب السُّنَن بسنٍ حسن(٢). وأمَّا حديث: ((إذا أحدَثَ وقد جَلَسَ في آخر صلاته قبل أن يُسلِّم فقد جازت صلاته)) فقد ضَعَّفَه الحُفّاظ(٣)، (١) سلف برقم (٦٣١). (٢) كذا في (أ)، وفي (ع) و(س): بسند صحيح، والمثبت هو الأقرب إلى الصواب، وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٦١) و(٦١٨)، وابن ماجه (٢٧٥)، والترمذي (٣) من حديث علي بن أبي طالب، وابن ماجه (٢٧٦)، والترمذي (٢٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري. وهو صحيح بمجموعهما. (٣) أخرجه أبو داود (٦١٧)، والترمذي (٤٠٨). ٥٠٦ باب ١٥٣ / ح ٨٣٨ فتح الباري بشرح البخاري وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على بقيَّة فوائده بعد أربعة أبواب (٨٤٩). ٣٢٣/٢ تنبيه: لم يذكُر عددَ التَّسليم، وقد أخرج مسلم (٥٨١ و ٥٨٢) من حديث ابن مسعود ومن حديث سعد بن أبي وقاصّ التَّسليمَتَينِ، وذكر العُقَيليُّ وابن عبد البَرِّ أنَّ حديث التَّسليمة الواحدة معلول(١)، وبَسَطَ ابنُ عبد البَرِّ الكلام على ذلك. ١٥٣ - بابٌ يسلم حين يسلم الإمام وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يَسْتَحِبُّ إذا سَلَّمَ الإِمامُ أنْ يُسلِّمَ مَن خَلفَه. ٨٣٨- حدَّثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن محمودِ بنِ الرَّبِيعِ، عن عِثْبانَ بنِ مالكٍ، قال: صلَّينا مع النبيِّ ◌ََّ فِسَلَّمْنا حينَ سَلَّمَ. قوله: ((باب يُسلِّم)) أي: المأموم ((حين يُسلِّم الإمام)) قال الزَّين بن المنيِر: تَرجَمَ بلفظ الحديث، وهو مُحْتَمِل لأن يكون المراد أنَّه يَبْتَدِئ السلام بعد ابتداء الإمام له، فيَشرَع المأموم فيه قبل أن يُتِمَّه الإمام، ويحتمل أن يكون المراد أنَّ المأموم يَبْتَدِئ السلامَ إذا أتمَّه الإمام، قال: فلمَّا كان مُحْتَمِلاً للأمرَينِ وَكَلَ النَّظَرَ فيه إلى المجتَهِد، انتهى. ويحتمل أن يكون أراد أنَّ الثاني ليس بشَرْط، لأنَّ اللَّفظ يحتمل الصّورَتَين، فأيَّما فعل المأمومُ جاز، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّه يُندَب أن لا يتأخّر المأموم في سلامه بعد الإمام مُتَشاغِلاً بدعاءٍ وغيره، ويدلَّ على ذلك ما ذكره عن ابن عمر، والأثر المذكور لم أقِفْ على مَن وَصَلَه، لكن عند ابن أبي شَيْبة (٣٠٧/١) عن ابن عمر ما يُعطي معناه(٢). وقد تقدَّم الكلام على حديث عِثْبان مُطوَّلاً في أوائل الصلاة (٤٢٥)، وأورَدَه هنا (١) أخرجه أحمد (٢٥٩٨٧) و(٢٥٩٨٨)، وابن ماجه (٩١٩)، والترمذي (٢٩٦) من حديث عائشة، وابن ماجه (٩٢٠) من حديث سلمة بن الأكوع، وأحمد (٥٤٦١) من حديث ابن عمر، والبيهقي ١٧٩/٢ من حديث أنس، وبمجموع هذه الأحاديث يتقوى خبر التسليمة الواحدة، والله تعالى أعلم. (٢) ولفظه: عن ابن عمر أنه كان يردُّ السلام على الإمام. وأقرب منه ما ذكره ابن رجب في ((شرحه)) ٢٢٠/٥ فقال: روى وكيع بإسناده، عن مجاهد، قال: سألت ابن عمر: يسلّم الإمامُ وقد بقي شيء من الدعاء، أدعو أو أسلِّم؟ قال: لا، بل سَلِّم. ٥٠٧ باب ١٥٤ / ح ٨٣٩ -٨٤٠ أبواب صفة الصلاة مختصراً جدّاً، وفي الباب الذي يليه أتمُّ منه، وكلاهما من طريق عبد الله: وهو ابن المبارك. ١٥٤ - باب من لم يَرُدَّ السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة ٨٣٩- حدَّثنا عبدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا مَعمٌَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّه عَقَلَ رسولَ الله وَّةِ، وعَقَلَ مَجَّةً ثَجَّها من دَلْوٍ كانت في دارهم. ٨٤٠- قال: سمعتُ عِثْبانَ بنَ مالكِ الأنصاريَّ ثمَّ أحدَ بني سالمٍ، قال: كنتُ أُصلِّي القومي بني سالمٍ، فأتيتُ النبيَّ وَّهِ فقلت: إنِّي أنكَرْتُ بَصَري، وإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بيني وبينَ مسجدٍ قومي، فلَوَدِدْتُ أنَّكَ جئتَ فصلَّيتَ في بيتي مكاناً حتَّى أَّخِذَه مسجداً، فقال: «أفعَلُ إن شاءَ الله)) فغَدا عليَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكرٍ معه بعدَما اشتَدَّ النهار، فاستأذَنَ النبيُّ ◌َه فأذِنْتُ له، فلم يَجلِسْ حَتَّى قال: ((أينَ تُحِبُّ أنْ أُصلِّيَّ من بيتِكَ؟» فأشارَ إليه من المكان الذي أحَبَّ أنْ يُصلِّيَ فيه، فقامَ فصَفَفْنا خلفَه، ثمَّ سَلَّمَ وسَلَّمْنا حينَ سَلَّمَ. قوله: ((باب مَن لم يَرُدّ السلام على الإمام واكْتَفَى بتسليمِ الصلاة)) أورَدَ فيه حديث عِتبان كما ذكرنا، واعتماده فيه على قولِه: ((ثمَّ سَلَّمَ وسَلَّمنا حين سَلَّم)) فإنَّ ظاهره أنَّهم سَلَّموا نَظِير سَلامه، وسَلامُه إمَّا واحدةٌ وهي التي يَتَحَلَّل بها من الصلاة، وإمَّا هي وأُخرى معها، فيحتاج مَن استَحَبَّ تسليمة ثالثة على الإمام بين التَّسليمَتَينِ كما تقوله المالكيَّة إلى دليل خاصٍّ، وإلى رَدّ ذلك أشارَ البخاري. وقال ابن بَطَّال: أظنّه قَصَدَ الردّ على مَن يُوجِب التَّسليمة الثانية، وقد نَقَلَه الطَّحاويُّ ٣٢٤/٢ عن الحسن بن صالح(١). انتهى، وفي هذا الظنِّ بُعدٌ، والله أعلم. قوله: ((وزَعَمَ)) الزَّعم يُطلَق على القول المحقَّق وعلى القول المشكوك فيه وعلى الكذب، ويُنَزَّلُ في كلِّ موضع على ما يليق به، والظاهر أنَّ المراد به هنا الأوَّل، لأنَّ محمود بن الرَّبيع (١) وقع في الأصلين و(س): الحسن بن الحسن، وهو خطأ، صوّبناه من كتب التراجم، وهذا الرجل هو الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ، أحد فقهاء الكوفة، وقد جاء اسمه على الصواب في ((شرح البخاري)) لابن بطال ٢ / ٤٥٦ حيث قال: الحسن بن صالح. ٥٠٨ باب ١٥٤ / ح ٨٣٩ -٨٤٠ فتح الباري بشرح البخاري مُوثَق عند الزُّهري، فقولُه عنده مقبول. قوله: ((من دَلْو كانتْ في دارهم)) قال الكِرْمانيُّ: ((كانت)» صفة لموصوفٍ محذوفٍ، أي: من بئر كانت في دارهم، ولفظ الدَّلو يدلّ عليه. وقال غيره: بل الدَّلو يُذَكَّر ويُؤنَّث فلا یحتاج إلی تقدیر(١). قوله: ((سمعت عِثْبان بن مالك الأنصاريّ ثمَّ أحدَ بني سالم)) بِنَصبِ ((أحد)» عطفاً على قوله: الأنصاريّ، وهو بمعنى قولِه: الأنصاريّ ثمَّ السالمي، هذا الذي يكاد مَن له أدنَی مُمارَسة بمعرفة الرجال أن يقطع به. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون عطفاً على ((عِتبان)) يعني: سمعت عِتبان ثمَّ سمعت أحد بني سالم أيضاً، قال: والمراد به فيما يظهر الحُصَين بن محمد، فكأنَّ محموداً سمع من عِتبان، ومن الحُصَين. قال: وهو بخلاف ما تقدَّم في ((باب المساجد في البيوت)) (٤٢٥) أنَّ الزُّهريَّ هو الذي سمع محموداً والحُصَين، قال: ولا مُنافاة بينهما لاحتمال أنَّ الزُّهريّ ومحموداً سمعا جميعاً من الحُصَين، قال: ولو رُوِيَ برفع ((أحد)) بأن يكون عطفاً على ((محمود) لساغ ووافَقَ الروايةَ الأولى، يعني فيصير التقدير: قال الزُّهريُّ: أخبرني محمود بن الرّبيع، ثمّ أخبرني أحدُ بني سالم، أي: الحُصَین، انتهى. وكأنَّ الحامل له على ذلك كلِّه قول الزُّهريِّ في الرواية السابقة: ثمَّ سألت الحُصَين بن محمد الأنصاريّ وهو أحد بني سالم، فكأنَّه ظنَّ أنَّ المراد بقوله: ثمَّ أحد بني سالم، هنا هو المراد بقوله: أحد بني سالم، هناك، ولا حاجة لذلك، فإنَّ عِتبان من بني سالم أيضاً، وهو عِتبان بن مالك بن عَمْرو بن عَجْلان بن زيد(٢) بن غَنْم بن سالم بن عوف، وقيل في نَسَبه غيرُ ذلك مع الاتّفاق على أنَّه من بني سالم. والأصل عدم التقدير في إدخال ((أخبرني)) بين (١) ويؤيِّد تقدير المحذوف أنه جاء مصرَّحاً به في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت حيث جاء عندهما: من دلْوٍ من بئر کانت في دارهم. (٢) وقع في الأصلين و(س): بن زياد، وهو خطأ، صوَّبناهُ من كتب الأنساب والتراجم، وقد ترجم الحافظ لعتبان في ((الإصابة)» ٤/ ٤٣٢، فقال في نسبه: بن زيد، على الصواب. ٥٠٩ باب ١٥٥ / ح ٨٤١ - ٨٤٢ أبواب صفة الصلاة (ثمَّ)) و((أحد))، وعلى الاحتمال الذي ذكره إشكال آخر، لأنَّه يَلزَم منه أن يكون الحُصَين بن محمد هو صاحبَ القصَّة المذكورة، أو أنَّها تَعدَّدت له ولعِتبان، وليس كذلك، فإنّ الحُصَين المذكور لا صحبة له، بل لم أرَ مَن ذكر أباه في الصحابة. وقد ذكر ابن أبي حاتم الحُصَين بنَ محمد في ((الجرح والتَّعديل)) ولم يَذْكُر له شيخاً غير عِتبان بن مالك، ونَقلَ عن أبيه أنَّ روايته عنه مُرسَلة، ولم يَذكُر أحدٌ مَّن صَنَّفَ في الرجال لمحمودِ بن الرَّبيع روايةً عن الحُصين، والله أعلم. قوله: «فلَوَدِدْت» أي: فوالله لَوَدِدت. قوله: («اشتَدَّ النهار)) أي: ارتَفَعَت الشمس. قوله: ((فأشارَ إليه من المكان الذي أحَبَّ أنْ يُصلِّ فيه)) قال الكِرْمانيُّ: فاعل ((أشار)) النبيُّ ﴿ل﴾، و((مِن)) للتَّبعيض، قال: ولا يُنافي ما تقدَّم أنَّه قال: ((فأشرتُ له إلى المكان))، لإمكانٍ وقوع الإشارَتَينِ منه ومن النبيّ وَّه، إمَّا معاً وإمَّا سابقاً ولاحقاً. قلت: والذي يظهر أنَّ فاعل ((أشار)) هو عِتبان، لكنْ فيه التِفات، إذ ظاهر السياق أن يقول: فأشرت ... إلى آخره، وبهذا تَتَوافَق الروايات، والله أعلم. ١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة ٨٤١- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عَمْرٌو، أنَّ أبا مَعْبَدٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ أخبَرَه، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ وَفْعَ الصوتِ بالذِّكْرِ حِينَ يَنصِرِفُ النَّاسُ من المكتوبةِ كان على عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِلِّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: كنتُ أعلمُ إذا انصَرَفُوا بذلك إذا سَمعتُه. [طرفه في: ٨٤٢] ٨٤٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثَنَا عَمرٌّو، قال: أخبرني أبو ٣٢٥/٢ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كنتُ أعرِفُ انقضاءَ صلاةِ النبيِّوَ ﴿ بالتَّكْبِيرِ. ٥١٠ باب ١٥٥ / ح ٨٤١ - ٨٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قال عليٌّ: حدثنا سُفيانُ، عن عَمرو، قال: كان أبو مَعبَدٍ أصدقَ موالي ابن عباسٍ. قال عليٌّ: واسمُه نافِذٌ. قوله: ((باب الذِّكْر بعد الصلاة» أورَدَ فيه أوَّلاً حديث ابن عبّاسٍ من وجهينِ أحدهما أتمّ من الآخر، وأغرَبَ المِزِّيُّ فجعلهما حديثين، والذي يظهر أنَّهما حديث واحد كما سنبينه إن شاء الله تعالى. قوله: ((أخبرني عَمْرو)) هو ابن دینار المگِّيّ. قوله: ((كان على عَهْد رسول الله وَ ◌ّ) فيه أنَّ مثل هذا عند البخاري يُحكَم له بالرَّفعِ خلافاً لمن شَذَّ ومَنَعَ ذلك، وقد وافَقَه مسلم والجمهور على ذلك(١)، وفيه دليل على جواز الجهر بالذِّكرِ عَقِب الصلاة. ٣٢٦/٢ قال الطَّبَريُّ: فيه الإبانة عن صِحَّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عَقِبَ الصلاة. وتعقّبه ابن بَطَّل بأنَّه لم يقف على ذلك عن أحد من السَّلَف إلَّا ما حكاه ابن حبيب في ((الواضحة)): أنَّهم كانوا يَستَحِبّون التكبير في العساكر عَقِبَ الصبح والعشاء تکبیراً عالياً ثلاثاً، قال: وهو قدیم من شأن الناس. قال ابن بَطَّال: وفي ((العُنبيَّة)) عن مالك أنَّ ذلك مُحدَث. قال: وفي السياق إشعار بأنَّ الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذِّكرِ في الوقت الذي قال فيه ابن عبّاسٍ ما قال. قلت: في التقييد بالصحابة نَظَر، بل لم يكن حينئذٍ من الصحابة إلَّ القليل. وقال النَّوَويّ: حمل الشافعيّ هذا الحديث على أنَّهم جَهَروا به وقتاً يسيراً لأجلِ تعليم صفة الذِّكر، لا أنَّهم دامُوا على الجهر به، والمختار أنَّ الإمام والمأموم يُخْفيان الذِّكر إلَّا إن احتيجَ إلى التَّعلیم. قوله: (وقال ابن عبّاسٍ)) هو موصول بالإسناد المُبدَأ (٢) به، كما في رواية مسلم (١) كما سيأتي في الشرح بعد قليل. (٢) في (ع): المتبدأ به. ٥١١ باب ١٥٥ / ح ٨٤١ - ٨٤٢ أبواب صفة الصلاة (١٢٢/٥٨٣) عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق، به. قوله: ((كنت أعلَم)) فيه إطلاق العِلم على الأمر المستند إلى الظنّ الغالب. قوله: ((إذا انصَرَفُوا)) أي: أعلم انصرافهم بذلك، أي: برفع الصوت إذا سمعتُه، أي: الذِّكر، والمعنى: كنت أعلم بسماع الذِّكر انصرافَهم. قوله: ((حدَّثني عليٌّ)) هو ابن المدينيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينةَ، وعمرو: هو ابن دينار. قوله: ((كنت أعرِف انقِضاء صلاة النبيّ ◌َّر بالتكبير)) وقع في رواية الحميديِّ (٤٨٠) عن سفيان بصيغة الحصر، ولفظه: ما كنَّا نَعرِف انقضاء صلاة رسول الله وَلآهٍ إلَّا بالتكبير. وكذا أخرجه مسلم (١٢٠/٥٨٣) عن ابن أبي عمر عن سفيان، واختُلِفَ في كون ابن عَّاسٍ قال ذلك، فقال عياض: الظاهر أنَّه لم يكن يَحَضُر الجماعةَ لأنَّه كان صغيراً ممَّن لا يواظِب على ذلك ولا يُلزَمُ به، فكان يَعرِف انقضاء الصلاة بما ذكر. وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصُّفوف فكان لا يَعرِف انقِضاءَها بالتَّسلیم، وإنَّما کان یَعرِفه بالتکبیر. وقال ابن دَقِيق العيد: يُؤْخَذ منه أنَّه لم يكن هناك مُبلِّغ جَهير الصوت يُسمِع مَن بَعُدَ. قوله: (بالتكبير)) هو أخصّ من رواية ابن جُرَيج التي قبلها، لأنَّ الذِّكر أعمّ من التكبير، ويحتمل أن تكون هذه مُفسِّرة لتلك، فكأنّ المراد: أنَّ رفع الصوت بالذِّكرِ، أي: بالتكبير، وكأنَّهم كانوا يَبدَءون بالتكبيرِ بعد الصلاة قبل التَّسبيح والتَّحميد، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الذي بعده. قوله: ((قال عليّ)) هو ابن المدينيّ المذكور، وثبتت هذه الزّيادة في رواية المُستَمْلي والگُشْمِیهني، وزاد مسلم في روايته المذكورة: قال عَمْرو - يعني ابن دينار - وذَكَرت ذلك لأَبي مَعبَد بعدُ فأنكَرَه، وقال: لم أُحَدِّثك بهذا. قال عمرو: قد أخبَرَتَنيه قبل ذلك. قال الشافعيّ بعد أن رواه عن سفيان (١/ ١٥٠): كأنَّه نَسِيَه بعد أن حدَّثه به، انتهى. وهذا يدلُّ على أنَّ مسلماً كان يَرَى صِحَّة الحديث ولو أنكَرَه راويه، إذا كان الناقل عنه ٥١٢ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري عَدلاً، ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إمَّا أن يَجِزِم برَدِّه أو لا، وإذا جَزَمَ فإمَّا أن يُصرِّح بتكذيبِ الراوي عنه أو لا، فإن لم يَجِزِم بالردِّ كأن قال: لا أذكُرُه فهو مُتَّفَق عندهم على قَبُوله لأنَّ الفَرْع ثقة والأصلَ لم يَطْعُن فيه، وإن جَزَمَ وصَرَّحَ بالتَّكذيبِ فهو مُتَّفَق عندهم على رَدّه لأنَّ جَزْم الفَرْعِ بكون الأصل حدَّثه يَستَلِزِم تكذيب الأصل في دعواه أنَّه كذَبَ عليه، وليس قَبُول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جَزَمَ بالردِّ ولم يُصرِّح بالتَّكذيبِ فالرَّاجح عندهم قَبُوله. وأمَّا الفقهاء فاختَلَفوا: فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القَبُول، وعن بعض الحنفيَّة ورواية عن أحمد: لا يُقبل قياساً على الشاهد، وللإمام فخر الدّين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدَّم، وزاد: فإن كان الفَرع مُتَرَدِّداً في سماعه والأصل جازماً بعدمِه سَقَطَ لوجودِ التَّعارُض، ومُحصَّل كلامه(١) أَهما إن تساويا فالرَّد، وإن رَجَحَ أحدهما عُمِلَ به، وهذا الحديث من أمثلته. وأبعَدَ مَن قال: إِنَّمَا نَفَى أبو مَعبَد التَّحديثَ ولا يَلزَم منه نفيُ الإخبار، وهو الذي وقع من عَمْرو ولا مُخالَفة، وتَرُدّه الرواية التي فيها «فأنكَرَه))، ولو كان كما زَعَمَ لم يكن هناك إنكار، ولأنَّ الفَرقِ بين التَّحديث والإخبار إنَّما حَدَثَ بعد ذلك(٢). ٨٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، قال: حدَّثْنا مُعْتَمِرٌ، عن عُبيد الله، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: جاءَ الفُقَراءُ إلى النبيِّ وَّهِ فقالوا: ذهبَ أهلُ الدُّنُورِ من الأموال بالدَّرَجات العُلا والنَّعِيم المقِيمِ، يُصلُّونَ كما نُصلّي ويَصُومُونَ كما نَصُومُ، ولهم فضلُ أموالٍ يَحُجُونَ بها ويَعْتَمِرُونَ ويُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُون، قال: ((ألا أُحَدِّثُكم بما إنْ أخَذْتُم بِهِ أدرَكتُم مَن سبقكم ولم يُدرِكُكم أحدٌ بعدَكم، وكنتم خيرَ مَن أنتُم بينَ ظهرانَيْهم إِلَّ مَن عَمِلَ (١) زاد بعده في (س) كلمة ((آنفاً))، ولا وجه لذكرها، لأنه لم يذكر كلامه، وإنما ذكر بعضَ كلامه. (٢) زاد في هامش (أ) بخط مغاير: وفي كتب الأصول حكايةُ الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية. وهي مثبتة في (س). ٥١٣ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة مثلَه؟ تُسَبِّحُونَ وتَحمَدُونَ وتُكَبِرُونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ)) فاختَلَفْنا بيتَنَا، فقال بعضُنا: نُسَبِّحُ ثلاثاً وثلاثين، ونَحْمَدُ ثلاثاً وثلاثين، ونُكَبِّرُ أربعاً وثلاثين، فَرَجَعْتُ إليه فقال: ((تقولُ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، والله أكبرُ، حتَّى يكونَ منهنَّ كلِّهِنَّ ثلاثٌ وثلاثُونَ)). [طرفه في: ٦٣٢٩] قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العمري، وسُميّ: هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، ٣٢٧/٢ وعبيد الله تابعيّ صغير، ولم أقِفْ لسُميٍّ على رواية عن أحد من الصحابة فهو من رواية الكبير عن الصغير، وهما مدنيَّان، وكذا أبو صالح. قوله: ((جاءَ الفُقَراء)) سُمّيَ منهم في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة: أبو ذرِّ الغِفاريُّ. أخرجه أبو داود (١٥٠٤)، وأخرجه جعفر الفريابيّ في كتاب ((الذِّكر)) له من حديث أبي ذرِّ نفسه(١)، وسُمّيَ منهم: أبو الدَّرداء عند النَّسائيِّ وغيره من طرق عنه(٢)، ولمسلم (١٤٣/٥٩٥) من روایة سُھیل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّهم قالوا: يا رسول الله، فذكر الحديث(٣)، والظاهر أنَّ أبا هريرة منهم. وفي رواية النَّسائيِّ (١٣٥٠) (٤) عن زيد بن ثابت قال: أُمِرنا أن نُسَبِّح، الحديث كما سيأتي لفظه، وهذا يُمكِن أن يقال فيه: إِنَّ زيد بن ثابت كان منهم، ولا يعارضه قولُه في رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ عند مسلم (٥٩٥/ ١٤٢): جاءَ فُقَراء المهاجرين، لكون زيد بن ثابت من الأنصار، لاحتمال التَّغليب. قوله: ((الدُّثُور)) بضمِّ المهمَلة والمثلَّثة، جمع دَثْر، بفتح ثمَّ سكون: هو المال الكثير، و(من)) في قوله: ((من الأموال)) للبيان، ووقع عند الخطَّبيِّ: ((ذهب أهل الدُّور من الأموال)) وقال: كذا وقع ((الدُّور)) جمع دار، والصواب: الدُّثور. انتهى، وذكر صاحب ((المطالع)) عن رواية أبي زيد المَرَوَزيِّ أيضاً ((الدُّور)). (١) فات الحافظ رحمه الله أن يعزوه إلى أحمد (٢١٤١١)، وابن ماجه (٩٢٧). (٢) أخرجه أحمد (٢١٧٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٩٩- ٩٩٠٤)، وعلّقه البخاري بإثر الحديث (٦٣٢٩). (٣) وعلَّقه البخاري بإثر الحديث (٦٣٢٩). (٤) وهو أيضاً عند أحمد (٢١٦٠٠)، والترمذي (٣٤١٣). ٥١٤ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بالدَّرَجات العُلا) بضمِّ العين جمع العلياء، وهي تأنيث الأعلى، ويحتمل أن تكون حِسّيَّة، والمراد درجات الجَنّات، أو معنَويَّة والمراد عُلوّ القَدْر عند الله. قوله: ((والنَّعيم المقيم) وَصَفَه بالإقامة إشارة إلى ضِدّه وهو النَّعيم العاجل، فإنَّه قَلَّ ما يَصفو، وإن صَفا فهو بصَدَدِ الزَّوال. وفي رواية محمد بن أبي عائشة المذكورة: ذهب أصحاب الدُّثور بالأُجور، وكذا لمسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذرٍّ، زاد المصنّف في الدَّعَوات (٦٣٢٩) من رواية ورقاء عن سُميٍّ: ((قال: كيف ذلك؟)) ونحوه لمسلم من رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ. قوله: (وَصُومُونَ کما نَصُوم) زاد في حديث أبي الدَّرداء المذکور: ((ویذکُرون کما نذكُر)»، وللبَزّار (٦١٣٣) من حديث ابن عمر: صَدَّقوا تَصديقنا، وآمنوا إيماننا. قوله: ((ولَم فضل أموال)» كذا للأكثر بالإضافة، وفي رواية الأَصِيليِّ: فضل الأموال، وللگُشْمِيهنيٍّ: فضل من أموال. قوله: ((یُُونَ بها» أي: ولا نَحُجُ، يُشكِل عليه ما وقع في رواية جعفر الفِریابيّ(١) من حديث أبي الدَّرداء: ويُجّون کما نَحُجّ، ونظيره ما وقع هنا: ومجاهدون، ووقع في الدَّعَوات (٦٣٢٩) من رواية ورقاء عن سُميٍّ: وجاهدوا كما جاهَدنا. لكنَّ الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التَّفْرِقة بين الجهاد الماضي فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوَقَّع فهو الذي تَقدِر عليه أصحاب الأموال غالباً، ويُمكِن أن يقال مثلَه في الحج، ويحتمل أن يُقرأ: يُحِجّون بها، بضمٌ أوَّله من الرُّباعيّ، أي: يُعينون غيرَهم على الحج بالمال. قوله: ((ويَتَصَدَّقُونَ)) عند مسلم من رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ: ويَتَصَدَّقون ولا نَتَصَدَّق، ويُعتِقون ولا نُعتِقِ. قوله: ((فقال: ألا أُحَدِّثكم بما إنْ أخَذْتُم به)) في رواية الأَصِيلِيِّ: ((بأمرٍ إن أخذتُم)) وكذا (١) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٣٥/١٠، والطبراني في «الدعاء)) (٧١٤) من طريقين عن أبي الدرداء. ٥١٥ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة للإسماعيلي، وسَقَطَ قوله: ((ب) من أكثر الروايات، وكذا قوله: ((به))، وقد فُسِّرَ الساقط في الرواية الأُخرى، وفي رواية مسلم: ((أَفَلا أُعَلِّمُكم شيئاً)، وفي رواية أبي داود (١٥٠٤): فقال: ((يا أبا ذَرّ، ألا أُعلِّمُك كَلِمات تقولُهُنّ)). قوله: ((أدرَكتُم مَن سبقكم)) أي: من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصَّدَقة، والسَّبْقيَّة هنا يحتمل أن تكون معنَويَّة وأن تكون حِسّيَّة، قال الشَّيخ تَقيّ الدّين: والأوَّل أقرب. وسَقَطَ قوله: ((مَن سبقكم)) من رواية الأَصِيلِيّ. قوله: ((وكنتم خيرَ مَن أنْتُم بين ظهراتَيْهم)) بفتح النُّون وسكون التَّحتانيَّة، وفي رواية ٣٢٨/٢ كَرِيمة وأبي الوَقْت: ((ظَهرانَيه)) بالإفراد، وكذا للإسماعيليّ. وعند مسلم (١٤٢/٥٩٥) من رواية ابن عَجْلان: ((ولا يكون أحدٌ أفضلَ منکم)). قيل: ظاهره يخالف ما سبق، لأنَّ الإدراك ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضليَّة. وأجاب بعضهم بأنَّ الإدراك لا يَلزَم منه المساواة فقد يُدرِك ثمَّ يفوق، وعلى هذا فالتقُّب بهذا الذِّكر راجح على التقرُّب بالمال. ويحتمل أن يقال: الضَّمير في ((كنتم)) للمجموعِ من السابق والمدرِك، وكذا قوله: ((إلَّا مَن عَمِلَ مثل عملكم)) أي: من الفُقَراء، فقال الذِّكرَ، أو من الأغنياء فتَصَدَّقَ، أو أنَّ الخطاب للفُقَراء خاصَّة لكن يُشاركهم الأغنياء في الخيريَّة المذكورة فيكون كلّ من الصِّنفَينِ خيراً ممَّن لا يَتَقَرَّب بذِكْرٍ ولا صَدَقة، ويشهد له قولُه في حديث ابن عمر عند البَزّار (٦١٣٣): ((أدرَكتُم مثل فضلهم))، ولمسلم (١٠٠٦) في حديث أبي ذرٍّ: ((أوَلَيس قد جَعَلَ لكم ما تَتَصَدَّقونَ؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صَدَقة، وبِكُلِّ تكبيرة صَدَقة))، الحديث. واستُشكِلَ تساوي فضل هذا الذِّكر بفضل التقرُّب بالمال مع شِدَّة المشقّة فيه، وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّه لا يَلَزَم أن يكون الثَّواب على قَدر المشقّة في كلّ حالة، واستدلَّ لذلك بفضلِ كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقَّة. قوله: ((تُسَبِّحُونَ وَتَحمَدُونَ وتُكَبِرونَ)) كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديمُ التَّسبيح على ٥١٦ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري التَّحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عَجْلان تقديم التكبير على التَّحميد خاصَّة، وفيه أيضاً قول أبي صالح: يقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد الله، ومثله لأبي داود (٢٩٨٧) من حديث أمّ الحكم، وله (١٥٠٤) من حديث أبي هريرة: ((تُكَبِّر وتَحمَد وتُسَبِّح))، وكذا في حديث ابن عمر (١). وهذا الاختلاف دالٍّ على أن لا تَرتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: ((لا يَضُرّك بأيِّنَّ بدأتَ))(٢) لكن يُمكِن أن يقال: الأولى البِداءَة بالتَّسبيحِ لأنَّه يتضمَّن نفيَ النَّقائص عن الباري سبحانه وتعالى، ثمَّ التَّحميد لأنَّه يتضمَّن إثباتَ الكمال له، إذ لا يَلِزَم من نفي النَّقائص إثباتُ الكمال، ثمَّ التكبير إذ لا يَلَزَم من نفي النَّقائص وإثباتَ الكمال نفيُ (٣) أن يكون هناك كبير آخر، ثمَّ يَخْتِم بالتَّهليل الدالّ على انفراده سبحانه وتعالى بجميع ذلك. قوله: ((خلف كلّ صلاة)) هذه الرواية مُفسِّرة للرواية التي عند المصنِّف في الدَّعَوات (٦٣٢٩) وهي قوله: ((دُبُر كلّ صلاة))، ولجعفرِ الفِريابيّ في حديث أبي ذرّ: ((إثرَ كلّ صلاة))، وأمَّا رواية ((دُبُر)) فهي بضمَّتَين، قال الأزهريّ: دُبُر الأمر، يعني بضمَّتَينِ، ودَبْره، يعني بفتحِ ثمَّ سكون: آخره. واذَّعَى أبو عَمْرو الزّاهد أنَّه لا يقال بالضمِّ إلَّا للجارحة، وَرُدَّ بمثل قولهِم: أعتَقَ غلامه عن دُبُر، ومُقتَضى الحديث أنَّ الذِّكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخّرَ ذلك عن الفَرَاغ، فإن كان يسيراً بحيثُ لا يُعَدّ مُعرِضاً، أو كان ناسياً، أو مُتَشاغِلاً بما وَرَدَ أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسيّ فلا يَضُرُّ. وظاهر قولِه: ((كُلّ صلاة) يَشمَلُ الفرض والنَّفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عُجْرة عند مسلم (٥٩٦) التقييد بالمكتوبة، وكأنَّهم حملوا المطْلَقات عليها، وعلى هذا هل يكون التَّشاغُل بعد المكتوبة بالرَّاتبة بعدها، فاصلاً بين (١) عند عبد بن حميد (٧٩٧)، والبزار (٦١٣٣). (٢) أخرجه مسلم (٢١٣٧)، وابن ماجه (٣٨١١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٦١٤ -١٠٦١٦) من حديث سمرة بن جندب، والنسائي (١٠٦٠٩)، وابن حبان (٨٣٦) و(١٨١٢) من حديث أبي هريرة. (٣) كلمة ((نفي)) سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع)، وبحذفها ينقلب المعنى فيفسُد. ٥١٧ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة المكتوبة والذِّكر أو لا؟ محلّ نظرٍ (١)، والله أعلم. قوله: ((ثلاثاً وثلاثينَ)) يحتمل أن يكون المجموع للجميع فإذا وُزِّعَ كان لكلِّ واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سُھیل بن أبي صالح كما رواه مسلم (١٤٣/٥٩٥) من طريق رَوح بن القاسم عنه، لكن لم يُتَابَع سُهَيل على ذلك، بل لم أرَ في شيء من طرق الحديث كلّها التصريح بإحدى عشرة إلَّا في حديث ابن عمر عند البَزّار (٦١٣٣) (٢) وإسناده ضعيف، والأظهَر أنَّ المراد أنَّ المجموع لكلِّ فردٍ فردٍ، فعلى هذا ففيه تنازُع ثلاثةِ أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تُسَبِّحون خلف كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثينَ وتَحمَدون کذلك وتُکېِّرون كذلك. قوله: ((فاختَلَفْنا بيننا» ظاهره أنَّ أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: ((فَرَجَعتُ إليه)) وأنَّ ٣٢٩/٢ الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبيّ وَّ، وعلى هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بيَّن مسلم (١٤٢/٥٩٥) في رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ أنَّ القائل: فاختَلَفنا، هو سُمَيٍّ، وأنَّه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأنَّ الذي خالَفَه بعضُ أهله، ولفظه: قال سُميٌّ: فحَدَّثتُ بعض أهلي هذا الحديث، قال: وهمتَ، فذكر كلامه، قال: فَرَجَعتُ إلى أبي صالح، وعلى رواية مسلم اقتصر صاحب ((العُمدة))، لكن لم يُوصِل مسلمٌ هذه الزّيادة، فإنَّه أخرج الحديث عن قُتيبة عن الليث عن ابن عَجْلان ثمَّ قال: زاد غير قُتيبة في هذا الحديث عن الليث، فذكرها، والغير المذكور يحتمل أن یکون شعيب بن الليث أو سعید بن أبي مريم، فقد أخرجه أبو عَوَانة (٢٠٨٦) في ((مُستخرَجه)) عن الرَّبيع بن سليمان عن شعيب، وأخرجه الجَوزَقيُّ والبيهقيُّ (١٨٦/٢) من طريق سعيد، وتَبيَّنَ بهذا أنَّ في رواية عبيد الله بن عمر عن سُميِّ في حديث الباب إدراجاً، وقد روى ابن حِبَّان (٢٠١٤) هذا الحديث من طريق المعتمِر بن سليمان بالإسناد المذكور فلم يَذكُر قوله: فاختَلَفنا ... إلى آخره. (١) في (س): محلّ النظر. (٢) وهو أيضاً عند عبد بن حميد (٧٩٧). ٥١٨ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ونُكَبِرِ أربعاً وثلاثينَ)) هو قول بعض أهل سُميٍّ كما تقدَّم التَّنبيه عليه من رواية مسلم، وقد تقدّم احتمال گونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاءً مثله في حديث أبي الدَّرداء عند النَّسائيِّ(١)، وكذا عنده (١٣٥١) من حديث ابن عمر بسندٍ قَوي، ومثله لمسلم (٥٩٦) من حديث كعب بن عُجْرة، ونحوه لابنٍ ماجَهْ (٩٢٧) من حديث أبي ذرٍّ، لكن شكَّ بعض رواته في أنهنَّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة عند أبي داود (١٥٠٤) ففيه: ويَخْتِم المئة بلا إله إلَّا الله وحده لا شَريك له ... )) إلى آخره، وكذا لمسلم (٥٩٧) في رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود (٢٩٨٧) في حديث أمّ الحكم، ولجعفرِ الفِريابيّ في حديث أبي ذرِّ (٢). قال النَّوَويّ: ينبغي أن يُجمَع بين الروايتين بأن يُكبِّرِ أربعاً وثلاثينَ، ويقول معها: لا إله إلَّ الله وحده ... إلى آخره. وقال غيره: بل يُجمَع بأن يَخْتِم مرَّة بزيادة تكبيرة ومرَّة بلا إله إلَّا الله، على وفق ما وَرَدَت به الأحاديث. قوله: ((حتَّى يَكُون منهنَّ كلّهنَّ) بكسر اللَّام تأكيداً للضَّميرِ المجرور. قوله: ((ثلاث وثلاثُونَ)) بالرَّفع وهو اسم ((كان))، وفي رواية كَرِيمة والأُصِیليّ وأبي الوَقْت: ((ثلاثاً وثلاثين))، ويُوَجَّهُ بأنَّ اسم ((كان)) محذوف، والتقدير حتَّى يكون العدد مِنْهُنَّ كلّهنَّ ثلاثاً وثلاثين، وفي قوله: ((منهُنَّ كلّهنّ)) الاحتمالُ المتقدِّمُ: هل العدد للجميعِ أو المجموع؟ وفي رواية ابن عَجْلان ظاهرها أنَّ العدد للجميع لكن يقول ذلك مجموعاً، وهذا اختيار أبي صالح. (١) في «الكبرى» (٩٨٩٩ - ٩٩٠٤). (٢) أخرج حديث أبي ذرِّ أيضاً أحمد (٢١٤١١)، وابن ماجه (٩٢٧) بلفظ: ((وتكبّ أربعاً وثلاثين))، لكن أخرجه ابن خزيمة أيضاً (٧٤٨) فقال فيه: ((تسبح ثلاثاً وثلاثين وتحمد وتكبر مثل ذلك))، يعني كالرواية التي أشار إليها الحافظ عند جعفر الفريابي. ٥١٩ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة لكنَّ الروايات(١) الثابتة عن غيره الإفراد، قال عياض: وهو أولى. وَرَجَّحَ بعضهم الجمع للإتیان فیه، بواو العطف. والذي يظهر أنَّ كلَّ من الأمرَينِ حسنٌ، إلّا أنَّ الإفراد يَتَمَيَّز بأمرٍ آخر، وهو أنَّ الذّاكر يحتاج إلى العدد، وله على كلّ حَرَكة لذلك - سواء كان بأصابعِه أو بغيرها - ثواب لا تَحَصُل لصاحبِ الجمع منه إلَّ الثُّلُث. تنبيهان: الأوَّل: وقع في رواية ورقاء عن سُميِّ عند المصنّف في الدَّعَوات (٦٣٢٩) في هذا الحديث: ((تُسَبِّحون عشراً وتَحَمَدون عشراً وتُكَبِّرون عشراً)، ولم أقِفْ في شيء من طرق حديث أبي هريرة على مَن تابَعَ ورقاء على ذلك لا عن سُميٍّ ولا عن غيره، ويحتمل أن يكون تأوَّلَ ما تأوَّلَ سُهَيل من التَّوزيع، ثمَّ ألغَى الكسر. ويُعكّر عليه أنَّ السياق صريح في گوْنه كلام النبيّ ◌َێ. وقد وجدتُ لرواية العشر شواهدَ: منها عن عليّ عند أحمد (٨٣٨)، وعن سعد بن أبي وقَّاص عند النَّسائيِّ(٢)، وعن عبد الله بن عَمْرو عنده (١٣٤٨)، وعند أبي داود (٥٠٦٥) والتِّرمِذيّ (٣٤١٠)(٣)، وعن أمّ سَلَمة عند البَزّار، وعن أمّ مالك الأنصاريَّة عند الطَّرانيّ (٣٥١/٢٥) (٤) وجمع البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)) بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صَدَرَ في أوقات متعدِّدة، أوَّلها عشراً عشراً، ثمَّ إحدى عشرة إحدى عشرة، ثمَّ ثلاثاً وثلاثينَ ثلاثاً وثلاثين. ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التَّخيير، أو يَفتَرِق بافتراق الأحوال. وقد جاءَ من حديث زيد بن ثابت وابن عمر: أنَّه ◌ِلّهِ أمرهم / أن يقولوا كلّ ذِكْر منها خمساً وعشرين٣٣٠/٢ (١) في (س): الرواية، على الإفراد. (٢) في ((الكبرى)) (٩٩٠٧). (٣) وعند ابن ماجه أيضاً (٩٢٦). (٤) فات الحافظ أن يعزوه لابن أبي شيبة ٤٩٥/١١. ٥٢٠ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري ويزيدوا فيها: لا إله إلَّ الله خمساً وعشرين. ولفظ زيد بن ثابت: أُمِرنا أن نُسَبِّح في دُبُر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثينَ، ونَحمَد ثلاثاً وثلاثينَ، ونُكَبِر أربعاً وثلاثين، فأُتيَ رجل في منامه فقيل له: أمركم محمدٌ أن تُسَبِّحوا - فذكره - قال: نَعَم قال: اجعَلوها خمساً وعشرين، واجعَلوا فيها التَّهليل، فلمَّا أصبَحَ أتى النبيّ وَّ وأخبره، فقال: ((فافعَلوه)) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٥٠) وابن خُزيمة (٧٥٢) وابن حِبَّان (٢٠١٧)، ولفظ ابن عمر: رأى رجل من الأنصار فيما يَرَى النائم - فذكر نحوه وفيه - فقيل له: سَبِّح خمساً وعشرين، واحمد خمساً وعشرين، وكَبِّر خمساً وعشرين، وهَلِّل خمساً وعشرين فتلك مئة، فأمرهم النبيّ وَ ل﴿ أن يفعلوا كما قال)) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٥١) وجعفرٌ الفِریابيّ. واستُنِطَ من هذا أنَّ مُراعاة العدد المخصوص في الأذكار مُعتَبَرة، وإلّا لكان يُمكِن أن يقال لهم: أضيفوا لها التَّهليل ثلاثاً وثلاثينَ. وقد كان بعض العلماء يقول: إنَّ الأعداد الواردة كالذِّكرِ عَقِبَ الصَّلَوات إذا رُتِّبَ عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يَحَصُل له ذلك الثَّواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حِكْمة وخاصّيَّة تَفوت بمُجاوَزَة ذلك العدد. قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في ((شرح التِّرمِذيّ)): وفيه نظر، لأنَّه أتى بالمقدار الذي رُقِّبَ الثَّواب على الإتيان به فحَصَلَ له الثَّواب بذلك، فإذا زاد علیه من جنسه کیف تكون الزّيادة مُزيلةً لذلك الثَّواب بعد حصوله؟ انتهى. ويُمكِن أن يَفْتَرِق الحال فيه بالنيَّة، فإن نَوَى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ثمَّ أتى بالزيادة فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نيَّة بأن يكون الثَّواب رُتِّبَ على عَشَرَة مثلاً فَرَتَّبَه هو على مئة فيَتَّجِه القول الماضي. وقد بالغَ القَرافيّ في ((القَواعد) فقال: من البِدَع المكروهة الزّيادة في المندوبات المحدودة شرعاً، لأنَّ شأن العُظَماء إذا حَدّوا شيئاً أن يُوقَف عنده ويُعَدّ الخارج عنه مُسيئاً للأدب، انتھی.