النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
محلّ القول كما سيأتي قريباً.
قوله: ((عن شقيق)) في رواية يحيى الآتية إن شاء الله تعالى بعد باب: عن الأعمَش،
حدَّثني شَقِيق.
قوله: ((كنَّا إذا صلَّينا)) في رواية يحيى المذكورة: كنّا إذا كنَّا مع النبيّ ◌َّ في الصلاة،
ولأبي داود (٩٦٨) عن مُسدّد شيخ البخاري فيه: إذا جَلَسنا، ومثله للإسماعيليِّ من رواية
محمد بن خَلَاد عن يحيى، وله من رواية عليّ بن مُسهِر، ولإسحاق(١) في ((مسنده)) عن
عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمَش، نحوه.
قوله: ((قلنا: السلام على جِبْرِيل)) وقع في هذه الرواية اختصارٌ ثَبَتَ في رواية يحيى
المذكورة وهو: قلنا: السلام على الله من عباده، كذا وقع للمصنِّف فيها، وأخرجه أبو داود
عن مُسدَّد شيخ البخاري فيه فقال: قبل عباده، وكذا للمصنّف في الاستئذان (٦٢٣٠) من
طريق حفص بن غياث عن الأعمش، وهو المشهور في أكثر الروايات، وبهذه الزّيادة يتبيَّن
موقِعُ قولِهِ وَ له: ((إنَّ الله هو السلام))، ولفظه في رواية يحيى المذكورة: ((لا تقولوا: السلام
على الله، فإنَّ الله هو السلام)).
قوله: ((السلام على فلان وفلان)) في رواية عبد الله بن نُمَير عن الأعمَش عند ابن ماجَهْ ٣١٢/٢
(٨٩٩): يَعنون الملائكة، وللإسماعيليِّ من رواية عليّ بن مُسهِر: فنَعُدّ الملائكة، ومثله
للسَّاج من رواية محمد بن فُضَيلِ عن الأعمَش بلفظ: فَنَعُدّ من الملائكة ما شاءَ الله.
قوله: «فالتَفَتَ» ظاهره أنَّه کلّمهم بذلك في أثناء الصلاة، ونحوه في روایة حُصَین عن
أبي وائل - وهو شَقِيق - عند المصنِّ في أواخر الصلاة (١٢٠٢) بلفظ: فسمعه النبيّ ◌ِّ
فقال: قولوا. لكن بيَّن حفص بن غياث في روايته المذكورة المحلّ الذي خاطَبَهم بذلك
فيه، وأنَّه بعد الفراغ من الصلاة ولفظه: فلمَّ انصَرَفَ النبيّ وَّهِ أقبَلَ علينا بوجهِه، وفي
(١) تحرّف في (س) إلى: ولابن إسحاق. وإسحاقُ: هو ابن راهويه. ومن طريق إسحاق أخرجه ابن حبان
(١٩٥٥).
٤٨٢
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
رواية عيسى بن يونس أيضاً: فلمَّا انصَرَفَ من الصلاة قال.
قوله: ((إنَّ الله هو السلام)) قال البيضاويّ ما حاصلُه: إنَّه وَلّهِ أَنكَرَ التَّسليم على الله، وبيَّن
أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلّ سَلام ورَحمة له ومنه وهو مالكها ومُعطيها.
وقال التُّورِشْتيُّ: وجه النَّهي عن السلام على الله، لأنَّه المرجوع إليه بالمسائل، المتعالي
عن المعاني المذكورة، فكيف يُدعَى له وهو المدعوّ على جميع الحالات؟!
وقال الخطَّبيُّ: المراد أنَّ الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على الله، فإنَّ السلام منه
بدأ وإليه يعود، ومَرجِع الأمر في إضافته إليه أنَّه ذو السلام من كلّ آفة وعَيب. ويحتمل أن
يكون مَرجِعها إلى حَظّ العبد فيما يَطلُبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النَّوَويّ: معناه أنَّ السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النَّقائص،
ويقال: المسَلِّم أولياءَه، وقيل: المسَلِّم عليهم. قال ابن الأنباريّ: أمرهم أن يَصرِفوه إلى
الخلق لحاجتِهم إلى السلامة وغِناه سبحانه وتعالى عنها.
قوله: ((فإذا صَلَّى أحدكم فليَقُل)) بيَّن حفص في روايته المذكورة محلّ القول، ولفظه:
((فإذا جَلَسَ أحدكم في الصلاة))، وفي رواية حُصَين المذكورة: ((إذا قَعَدَ أحدكم في الصلاة))
وللنَّسائيِّ (١١٦٣) من طريق أبي الأحوص عن عبد الله: كنَّا لا ندري ما نقول في كلّ
ركعتين، وإنَّ محمداً عَلَّمَ فواتح الخير وخَواتمه فقال: ((إذا قَعَدتُم في كلّ ركعتين فقولوا))
وله (١١٦٦) من طريق الأسود عن عبد الله: ((فقولوا في كلّ جَلْسة))، ولابنٍ خُزَيمة
(٧٠٨) من وجه آخر عن الأسود عن عبد الله: عَلَّمَني رسول الله وَِّ التشهُّد في وَسَط
الصلاة وفي آخرها، وزاد الطَّحاويُّ (٢٦٢/١) من هذا الوجه في أوَّله: وأخذتُ التشهُّد
من فِي رسول الله وَّهُ وَلَقَّنَنيه كلمةً كلمةً، وللمصنّف في الاستئذان (٦٢٦٥) من طريق
أبي مَعمَر عن ابن مسعود: عَلَّمَني رسول الله وَّهِ التشهُّد وكَفّي بين كَفَّيه، كما يُعلِّمني
السورة من القرآن.
واستدلَّ بقوله: ((فليَقُل)) على الوجوب، خلافاً لمن لم يقل به كمالك، وأجاب بعض
٤٨٣
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
المالكيَّة بأنَّ التَّسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله {َّه لمَّا
نزلت ﴿فَسَمِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]: ((اجعَلوها في رُكوعكم)) الحديث(١)،
فكذلك التشهُّد.
وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّ الأمر حقيقتُه الوجوب فيُحمَل عليه، إلَّا إذا دلَّ دليل على
خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التَّسبيح في الركوع والسجود تحملناه على
الوجوب، انتھی.
وفي دعوى هذا الإجماع نَظَر، فإنَّ أحمد يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهُّد الأوَّل
أيضاً، ورواية أبي الأحوص المتقدِّمة وغيرها تُقَوّيه، وقد قدَّمنا ما فيه قبلُ ببابٍ، وقد
جاءَ عن ابن مسعود التصريحُ بفرْضيَّة التشهُّد، وذلك فيما رواه الدَّارَ قُطنيُّ وغيره
بإسنادٍ صحيح من طريق علقمة عن ابن مسعود: كنَّا لا ندري ما نقول قبل أن يُفرَض
علينا التشهُّد(٢).
قوله: ((التَّحيّات)) جمع تحيَّة، ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العَظَمة، وقيل:
السلامة من الآفات والنَّقْص، وقيل: المُلْك.
وقال أبو سعيد الضَّرير (٣): ليست التَّحيَّةُ المُلْكَ نفسَه، لكنَّها الكلام الذي يُحيّا
به الملك.
(١) أخرجه من حديث عقبة بن عامر أحمد (١٧٤١٤)، وأبو داود (٨٦٩) و(٨٧٠)، وابن ماجه (٨٨٧)،
وصححه ابن خزيمة (٦٠٠) و(٦٧٠)، وابن حبان (١٨٩٨)، والحاكم ٢٢٥/١ و٤٧٧/٢.
(٢) أخرجه النسائي (١٢٧٧)، والدارقطني (١٣٢٧)، والبيهقي ١٣٨/٢ من طريق أبي وائل شقيق بن
سلمة عن ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يُفرَض علينا التشهد ... فذكره. ورواية علقمة عن ابن مسعود
ليس فيها ما قاله الحافظ رحمه الله، وأخرجه من طريق علقمة الطحاويُّ ١/ ٢٧٥، والطبراني (٩٩٢٢)،
والبيهقي ٣٧٨/٢ بلفظ: كان النبي ◌َّ* يعلِّمنا التشهد كما يعلِّمنا السورة من القرآن، ويقول: «تعلموا،
فإنه لا صلاة إلا بالتشهد)). وقال البيهقي: بمعناه رواه صُغْدي بن سنان عن أبي حمزة، وهو بشواهده
الصحيحة يقوى بعض القوة.
(٣) هو أحمد بن خالد البغدادي، له ترجمة في ((إنباه الرواة)) للقِفْطي ٧٦/١، و((بغية الوعاة)) للسيوطي ٣٠٥/١.
٤٨٤
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
٣١٣/٢ وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحيّا إلَّ الملِكُ خاصَّة، وكان لكلِّ مَلِك تحِيَّةٌ تَخُصّه، فلهذا
◌ُمعَت، فكان المعنى: التَّحيّات التي كانوا يُسلِّمون بها على الملوك كلّها مُستَحَقَّة لله.
وقال الخطَّبيُّ ثمَّ البَغَويُّ: ولم يكن في تحيّاتهم شيءٌ يَصلُح للثّناء على الله تعالى، فلهذا
أُبهمَت ألفاظُها واستُعمِلَ منها معنى التَّعظيم، فقال: قولوا التَّحيّات لله، أي: أنواع
التَّعظیم له.
وقال المحِبّ الطَّبَرُّ: يحتمل أن يكون لفظ التَّحيَّة مُشترَكاً بين المعاني المقدَّم ذِكْرُها،
وكَونها بمعنى السلام أنسَب هنا.
قوله: ((والصَّلَوات)) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعمّ من ذلك من الفرائض والنَّوافل
في كلّ شَريعة، وقيل: المراد العبادات كلّها، وقيل: الدَّعَوات، وقيل: المراد الرّحمة، وقيل:
التَّحيّات: العبادات القوليّة، والصَّلَوات: العبادات الفعليَّة، والطيِّبات: الصَّدَقات.
قوله: ((والطيِّيات)) أي: ما طابَ من الكلام وحَسُنَ أن يُثنَى به على الله دون ما لا يليق
بصِفاته، ممّا كان الملوك يُحِيَّون به، وقيل: الطيِّبات: ذِكْر الله، وقيل: الأقوال الصالحة
كالدُّعاء والثَّناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعَمُّ.
قال ابن دَقِيق العيد: إذا حُلَتِ (١) التَّحيَّة على السلام، فيكون التقدير: التَّحيّات التي
تُعَظَّم بها الملوك مُستَمِّرَّة لله، وإذا حُلَتِ(١) على البقاء فلا شكَّ في اختصاص الله به،
وكذلك الملك الحقيقي والعَظَمة التامَّة، وإذا ◌ُِلتِ الصلاة على العهد أو الجنس كان
التقدير: أنَّها لله واجبة لا يجوز أن يُقصَد بها غيرُه، وإذا مُلت على الرَّحمة فيكون معنى
قوله: (الله): أنَّه المتفضِّل بها، لأنَّ الرَّحمة التامَّة لله يُؤتيها مَن يَشاء. وإذا حُلت على الدُّعاء
فظاهر، وأمَّا ((الطيِّيات)) فقد فُشِّرَت بالأقوال، ولعلَّ تفسيرها بما هو أعمّ أَولى، فَتَشمَل
الأفعال والأقوال والأوصاف، وطِيبها كَوْنُها كاملةً خالصةً من الشَّوائب.
وقال القُرطبيّ: قوله: (الله)) فيه تنبيهٌ على الإخلاص في العبادة، أي: أنَّ ذلك لا يُفعَل
(١) في (س): حمل.
٤٨٥
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
إلَّا لله، ويحتمل أن يُراد به الاعترافُ بأنَّ مُلْكَ الملوك وغيرَ ذلك ممَّا ذُكِرَ كلّه في الحقيقة
لله تعالى.
وقال البيضاويّ: يحتمل أن يكون ((والصَّلَوات والطيِّات)) عطفاً على ((التَّحيّات))،
ويحتمل أن تكون ((الصَّلَوات)) مُبتَدَأَ وخبره محذوف، و((الطيِّات)) معطوفة عليها، فالواوُ
الأُولى لعطفِ الجملة على الجملة، والثانية لعطفِ المفرَد على الجملة.
وقال ابن مالك: إن جعلتَ ((التَّحيّات)) مُبْتَدَأَ ولم تكن صفةً لموصوفٍ محذوف كان
قولك: و((الصَّلَوات)) مُبتَدَأَ لئلّا يُعطَف نَعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجُمَل
بعضها على بعض، وكُلّ جملة مُستَقِلَّة لِفائدتها، وهذا المعنى لا يُوجَد عند إسقاط الواو.
قوله: (السلام عليك أيُّها النبيّ)) قال النَّوَويّ: يجوز فيه وفيما بعده، - أي: السلام -
حذف اللَّام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات ((الصحيحين)).
قلت: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحَذْف اللَّام، وإنَّما اختُلِفَ في ذلك
في حديث ابن عبّاسٍ، وهو من أفرادِ مسلمٍ(١).
قال الطِّييُّ: أصل ((سَلام عليك)): سَلَّمت سَلاماً عليك، ثمَّ حُذِفَ الفعل وأُقِيمَ
المصدَر مَقامَه، وعُدِلَ عن النصب إلى الرَّفع على الابتداء، للدَّلالة على ثبوت المعنى
واستقراره، ثمَّ التَّعريف إمَّا للعهدِ التقديري(٢)، أي: ذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الرُّسُل
والأنبياء عليك أيّها النبي، وكذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الأُمَم السالفة علينا وعلى
إخواننا، وإمَّا للجنسِ، والمعنى: أنَّ حقيقة السلام الذي يَعرِفه كلّ واحد، وعمَّن يَصدُر،
وعلى مَن ينزل، عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهدِ الخارجيّ إشارة إلى قولِه تعالى
﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَ﴾ [النمل: ٥٩] قال: ولا شكَّ أنَّ هذه التَّقادير أولى من تقدير
(١) أخرجه بحذف اللام أحمد (٢٦٦٥)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (١١٧٤)، وابن خزيمة (٧٠٥)،
وغيرهم، وهو عند مسلم (٤٠٣) بإثباتها.
(٢) تحرف في (أ) و(ع) إلى: التقريري، براءين، والمثبت من (س) على الصواب.
٤٨٦
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
النَّکرة، انتھی.
وحكى صاحب ((الإقليد)) عن أبي حامد أنَّ التَّنكير فيه للتَّعظيم، وهو وجه من وجوه
الترجيح، لا يَقصُّر عن الوجوه المتقدِّمة.
وقال البيضاويّ: عَلَّمَهم أن يُفرِدوه ◌َّهِ بِالذِّكرِ لشَرَفِه ومزيد حَقّه عليهم، ثمَّ عَلَّمَهم
أن يُخْصِّصوا أنفُسهم أوَّلاً لأنَّ الاهتمام بها أهَمّ، ثمَّ أمرهم بتعميمِ السلام على الصالحين
إعلاماً منه بأنَّ الدُّعاء للمُؤمِنينَ ينبغي أن يكون شاملاً لهم.
٣١٤/٢ وقال التُّورِبِشْتيُّ: السلام بمعنى السلامة كالمقام والمقامة، والسلام من أسماء الله تعالى
وُضِعَ المصدَر موضع الاسم مُبالغةً، والمعنى: أنَّه سالم من كلّ عَيب وآفة ونقص وفساد،
ومعنى قولنا: ((السلام عليك)) الدُّعاء، أي: سَلِمتَ من المكارِه، وقيل: معناه: اسم السلام
علیك، كأنَّه يُبرِّكُ علیه باسم الله تعالى.
فإن قيل: كيف شُرِعَ هذا اللَّفظ وهو خطاب بَشَر مع كَوْنه مَنهيّاً عنه في الصلاة؟
فالجواب أنَّ ذلك من خصائصه وَلّ.
فإن قيل: ما الحِكْمة في العُدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: ((عليك أيّها النبيّ)) مع
أنَّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول: السلام على النبيّ، فينتقلَ من تحيَّة الله
إلى تحِيَّة النبيّ، ثمَّ إلى تحيَّة النَّفْس ثمَّ إلى الصالحين؟ أجاب الطّييُّ بما مُحُصَّله: نحنُ نَتَّبع
لفظ الرسول بعينِه الذي كان عَلَّمَه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العِرفان: إنَّ
المصلِّينَ لمَّ استفتَحوا باب الملكوت بالنَّحيّات أُذِنَ لهم بالدُّخول في حريم الخَيّ الذي لا
يَموت، فقَرَّت أعيُنُهم بالمناجاة، فنبِّهوا على أنَّ ذلك بواسطة نبيّ الرَّحمة وبَرَكة مُتَابَعَتِهِ،
فالتَفَتُوا فإذا الحبيب في حَرَم الحبيب حاضرٌ، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيّها النبيّ
ورحمة الله وبرَ کاته، انتھی.
وقد وَرَدَ في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه وَّ فيقال
بلفظ الخطاب، وأمَّا بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو ممّا يَخِدِشُ في وجه الاحتمال المذكور،
٤٨٧
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
ففي الاستئذان من ((صحيح البخاري)) (٦٢٦٥) من طريق أبي مَعمَر عن ابن مسعود بعد
أن ساق حديث التشهُّد قال: وهو بين ظهرانينا، فلمَّا قُبِضَ قلنا: السلام - يعني - على
النبي وَلَّ، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٢٠٢٦) والسَّاج(١)
والجَوزَقَيّ وأبو نُعيمِ الأصبهانيّ(٢)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٨) من طرق متعدِّدة إلى أبي نُعيم
شيخ البخاري فيه بلفظ: فلمَّا قُبِضَ قلنا: السلام على النبيّ، بحَذْف لفظ: يعني، وكذلك
رواه أبو بكر بن أبي شَيْبة (١ / ٢٩٢) عن أبي نُعيم.
قال السُّبكيُّ في ((شرح المنهاج)) بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عَوَانة وحده: إن
صَحَّ هذا عن الصحابة دلَّ على أنَّ الخطاب في السلام بعد النبيّ وَّ غير واجب، فيقال:
السلام على النبيّ.
قلت: قد صَحَّ بلا رَيب وقد وجَدتُ له متابعاً قويّاً. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن
جُرَيج، أخبرني عطاء: أنَّ الصحابة كانوا يقولون والنبيّ وَ لَّحَيُّ: السلام عليك أيها النبي،
فلمَّا ماتَ قالوا: السلام على النبيّ. وهذا إسناد صحيح(٣).
وأمَّا ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ عَلَّمَهم التشهُّد، فذكره، قال: فقال ابن عبّاسٍ: إنَّما كنَّ نقول: السلام عليك أيها
النبيّ، إذ كان حيّاً، فقال ابن مسعود: هكذا عُلِّمنا وهكذا نُعَلِّمُ؛ فظاهرٌ أنَّ ابن عبّاسٍ قاله
بحثاً، وأنَّ ابن مسعود لم يَرجِع إليه، لكنَّ رواية أبي مَعمَر أصحّ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من
أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف.
فإن قيل: لِمَ عَدَلَ عن الوَصْف بالرِّسالة إلى الوَصْف بالنُّوَّة، مع أنَّ الوصف بالرِّسالة
(١) في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٧٢٤).
(٢) وهو في ((المستخرج على صحيح مسلم)) أيضاً برقم (٨٩٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٠٧٥) عن ابن جريج عن عطاء ... إلى آخره، وابن جريج وإن لم يصرِّح بالسماع،
قد صرّح بأنه حيثُما روى عن عطاء فقد سمعه منه كما في ((تاريخ ابن أبي خيثمة)) السفر الثالث منه
(٨٩٧)، فالإسناد صحيح كما قال الحافظ.
٤٨٨
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
أعمّ في حقِّ البَشَر؟ أجاب بعضهم بأنَّ الِحِكْمة في ذلك أن يجمع له الوَصفَينِ لكَونِه وصفَه
بالرّسالة في آخر التشهُّد، وإن كان الرسول البَشَريّ يَستَلِزِمِ النُّبَوَّة، لكنَّ التصريح بهما أبلَغ.
قيل: والحِكْمة في تقديم الوصف بالنُبّوَّة أنَّها كذا وُجِدَت في الخارج لنُزول قولِه تعالى:
﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ قبل قوله: ﴿يَّأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) قُرْفَذِرْ﴾، والله أعلم.
قوله: «ورحمة الله)) أي: إحسانه «وبرَ کاته)) أي: زیادته من كلِّ خیر.
قوله: ((السلام علينا)) استُدلَّ به على استحباب البِداءَة بالنَّفْسِ في الدُّعاء، وفي التِّرمِذيّ
(٣٣٨٥) مُصَحِّحاً من حديث أبيِّ بن كعب: أنَّ رسول الله وَّليل كان إذا ذكر أحداً فدعا له
بدأ بنفسه. وأصله في مسلم(١)، ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السلام كما في التَّزيل(٢).
قوله: ((عباد الله الصالحينَ)) الأشهر في تفسير الصالح: أنَّه القائم بما يجب عليه من
حقوق الله وحقوق عباده، وتَتَفاوَت درجاتُه.
قال التِّرمِذيّ الحكيم: مَن أراد أن يَحِظَى بهذا السلام الذي يُسلِّمه الخلق في الصلاة
فليكن عبداً صالحاً، وإلّا حُرِمَ هذا الفضلَ العظيم.
٣١٥/٢ وقال الفاكِهانيّ: ينبغي للمُصلِّ أن يَستَحِضِر في هذا المحلّ جميعَ الأنبياء والملائكة
والمؤمنين، يعني: لِيَتَوافَق لفظُه مع قَصده.
قوله: ((فإنَّكم إذا قُلتُمُوها)) أي: ((وعلى عباد الله الصالحين)) وهو كلام مُعتَّرِض بين
قولِهِ: ((الصالحين)) وبين قوله: ((أشهَد ... )) إلى آخره، وإنَّما قُدِّمَت للاهتمام بها، لكَونِه أنكَرَ
عليهم عَدَّ الملائكة واحداً واحداً، ولا يُمكِن استيعابهم لهم مع ذلك، فعَلَّمَهم لفظاً يَشمَل
الجميع مع غير الملائمة من النبيّينَ والمرسَلينَ والصِّدّيقين وغيرهم بغير مَشقّة، وهذا من
(١) هو في ((صحيح مسلم) برقم (٢٣٨٠) مطولاً ضمن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وأخرجه
كذلك أبو داود (٣٩٨٤) مختصراً بالشاهد کالترمذي.
(٢) قول إبراهيم: ﴿وَأَجْتُبْنِى وَيَتِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول نوح: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَن
دَخَلَ بَيْقِ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [نوح: ٢٨].
٤٨٩
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
جوامع الكَلِم التي أوتيَها وَّهَ، وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود: وإنَّ محمداً عَلَّمَ فواتح
الخير وخَواتمه (١)، كما تقدَّم. وقد وَرَدَ في بعض طرقه سياق التشهُّد مُتَوالياً وتأخير الكلام
المذكور بعدُ، وهو من تصرُّف الرُّواة، وسيأتي في أواخر الصلاة (١٢٠٢).
قوله: ((كُلّ عبدٍ لله صالح)) استُدلَّ به على أنَّ الجمع المضاف والجمع المحَلَّى بالألف
واللَّامِ يَعُم، لقوله أوّلاً: ((عباد الله الصالحين)) ثمَّ قال: ((أصابَت كلّ عبد صالح)).
وقال القُرطبيّ: فيه دليل على أنَّ جمع التَّكسير للعموم. وفي هذه العبارة نَظَر.
واستدلَّ به على أنَّ للعموم صيغة، قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان
العرب وتصرُّفات ألفاظ الكتاب والسُّنَّة، قال: والاستدلال بهذا فردٌ من أفرادٍ لا تُحصَى،
لا للاقتصار عليه.
قوله: ((في السَّماء والأرض)) في رواية مُسدَّد عن يحيى: ((أو بين السَّماء والأرض))(٢)
والشكّ فيه من مُسدّد، وإلّا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ: ((من أهل السَّماء والأرض)»،
وأخرجه الإسماعيليّ وغيره(٣).
قوله: ((أَشهَد أنْ لا إله إلّا الله)) زاد ابن أبي شَيْبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه: ((وحده لا
شَريك له)) وسنده ضعيف(٤)، لكن ثبتت هذه الزّيادة في حديث أبي موسى عند مسلم(٥)،
(١) أخرجه ضمن حديث ابن مسعود أحمد (٣٨٧٧)، وابن ماجه (١٨٩٢)، والنسائي (١١٦٣)، وابن
خزيمة (٧٢٠)، وابن حبان (١٩٥١) من طريق أبي الأحوص عنه. وإسناده صحيح.
(٢) ستأتي عند المصنف برقم (٨٣٥)، وهي عند أبي داود برقم (٩٦٨).
(٣) أخرجه أحمد (٤١٠١) عن يحيى القطان، والنسائي (١٢٩٨) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وعمرو
ابن علي، كلاهما عن يحيى القطان، ولفظ أحمد: ((كل عبدٍ صالح بين السماء والأرض))، ولفظ النسائي:
(كل عبد صالح في السماء والأرض)).
(٤) أخرجه في ((المصنف)) ١/ ٢٩٢ دون الزيادة التي أشار إليها الحافظ رحمه الله، لكن أخرجه في ((مسنده))
(٤٢٢) من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، وفيه هذه الزيادة. وإسناده صحيح.
(٥) هو عند مسلم (٤٠٤) دون الزيادة المذكورة، وقد أخرجه بهذه الزيادة النسائي (١١٧٣)، والدارقطني
(١٣٢٩).
٤٩٠
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي حديث عائشة الموقوف في ((الموطَّأ)) (١/ ٩١). وفي حديث ابن عمر عند الدَّارَقُطنيِّ
(١٣٢٩)، إلَّا أنَّ سنده ضعيف. وقد روى أبو داود (٩٧١) من وجه آخر صحيح عن ابن
عمر في التشُّد: ((أشهد أن لا إله إلَّا الله)) قال ابن عمر: زِدت فيها: وحده لا شريكَ له،
وهذا ظاهره الوقف.
قوله: ((وأشهَد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله)» لم تَخْتَلِفِ الطّرق عن ابن مسعود في ذلك، وكذا
هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور، وجابر وابن الزُّبَير عند الطَّحاويّ
وغيره(١)، وروى عبد الرزاق (٣٠٧٦) عن ابن جُرَيج عن عطاء قال: بينا النبيّ ◌َّه يُعلِّم
التشهُّد إذ قال رجل: وأشهَد أنَّ محمداً رسوله وعبده، فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد
كنتُ عبداً قبل أن أكون رسولاً، قُل: عبده ورسوله)) ورجاله ثقات إلّا أنَّه مُرسَل.
وفي حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم وأصحاب السُّنَن(٢): ((وأشهَد أنَّ محمداً رسول الله))
ومنهم مَن حَذَفَ ((وأشهَد)»، ورواه ابن ماجَهْ بلفظ ابن مسعود.
قال التِّرمِذيّ: حديث ابن مسعود ژُوِيَ عنه من غير وجه، وهو أصحّ حديث رُوِيَ في
التشهُّد، والعمل عليه عند أكثر أهل العِلم من الصحابة ومَن بعدهم. قال: وذهب الشافعيّ
إلى حديث ابن عبّاسٍ في التشهُّد. وقال البَزّار لمَّا سُئِلَ عن أصحّ حديث في التشهُّد، قال:
هو عندي حديث ابن مسعود، ورُوِيَ من نَيِّف وعشرين طريقاً، ثمَّ سَرَدَ أكثرها، وقال: لا
أعلم في التشھُّد أثبت منه ولا أصحّ أسانيد ولا أشھَر رجالاً، انتهى.
ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممَّن جَزَمَ بذلك البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)»،
ومن رُجحانه أنَّه مُتَّفَق عليه دون غيره، وأنَّ الرُّواة عنه من الثِّقات لم يختلفوا في ألفاظه
بخلاف غيره، وأنَّه تلقَّاه عن النبيّ ◌َِّ تَلقيناً، فروى الطَّحاويُّ (٢٦٢/١) من طريق
(١) حديث جابر أخرجه ابن ماجه (٩٠٢)، والنسائي (١١٧٥) و(١٢٨١)، والطحاوي ١ /٢٦٤ وغيرهم.
وحديث ابن الزبير أخرجه عبد الرزاق (٣٠٧٠)، والبزار (٢٢٢٩)، والطحاوي ٢٦٥/١.
(٢) أخرجه مسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، وابن ماجه (٩٠٠)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (١١٧٤).
٤٩١
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
الأسود بن يزيد عنه قال: أخذتُ التشهُّد من فِي رسول الله وَّهِ وَلَقَّتَنَيه كلمةً كلمةً، وقد
تقدَّم أنَّ في رواية أبي مَعمَر عنه: عَلَّمَني رسول الله وَّهِ التشهُّد وكَفِّي بين كَفَّيه(١)، ولابنِ
أبي شَيْبة (٢٩٤/١) وغيره من رواية جامع بن أبي راشِد عن أبي وائل عنه قال: كان
رسولُ اللهَ وَّهِ يُعلِّمنا التشهُّد كما يُعلِّمنا السورة من القرآن. وقد وافَقَه على هذا اللَّفظ أبو
سعيد الخُدْريُّ وساقه بلفظ ابن مسعود، أخرجه الطَّحاويُّ (١/ ٢٦٤)، لكن هذا الأخير
ثَبَتَ مثله في حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم (٤٠٣)،/ ورُجِّحَ أيضاً ثُبُوتُ الواو في: ٣١٦/٢
((الصَّلَوات والطيِّبات))، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كلّ
جملة ثَناءً مُستَقِلًا، بخلاف ما إذا حُذِفَت فإنَّهَا تكون صفةً لما قبلها، وتَعدُّد الثَّناء في الأوَّل
صريح فيكون أولى، ولو قيل: إنَّ الواو مُقدَّرة في الثاني، ورُجِّحَ بأنَّه وَرَدَ بصيغة الأمر
بخلاف غيره فإنَّه ◌ُرَّد حكاية.
ولأحمد (٣٥٦٢) من حديث ابن مسعود: أنَّ رسول الله وََّ عَلَّمَه التشهُّد وأمره أن
يُعلِّمه الناس، ولم يُنقَل ذلك لغيره، ففيه دليل على مَزيَّته.
وقال الشافعيّ بعد أن أخرج حديث ابن عبّاسٍ (١/ ١٤٠): رُوِيَت أحاديث في التشهُّد
مختلفة، فكان هذا أحَبَّ إليَّ لأنَّه أكمَلها. وقال في موضع آخر، وقد سُئِلَ عن اختياره
تَشَهُّدَ ابن عبّاسٍ: لمَّا رأيتُه واسعاً وسمعتُه عن ابن عبّاسٍ صحيحاً كان عندي أجمع وأكثر
لفظاً من غيره، فأخذتُ به غير مُعَنِّف لمن يأخذ بغيره ممَّا صَحَّ.
ورَجَّحَه بعضهم بكَونِهِ مُناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تَجِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ
مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النور: ٦١]، وأمَّا مَن رَجَّحَه بكون ابن عبَّاسٍ من أحداث الصحابة
فیکون أضبط لما روى، أو بأنَّه أفقَهُ مَن رواه، أو بکون إسناد حديثه حجازيّاً وإسناد ابن
مسعود كوفيّاً وهو مَّا يُرجَّح به، فلا طائل فيه لمن أنصَف، نَعَم يُمكِن أن يقال: إنَّ الزّيادة
التي في حديث ابن عبّاسٍ وهي: ((المبارَكات))، لا تُنافي رواية ابن مسعود، ورُجِّحَ الأخذ
(١) وسيأتي عند البخاري برقم (٦٢٦٥).
٤٩٢
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
بها لكون أخذه عن النبيّ وَ لّ كان في الأخير.
وقد اختارَ مالك وأصحابه تَشَهُّد عمر لكَونِهِ عَلَّمَه للناس وهو على المِنْبَر ولم يُنكِرِوه
فيكون إجماعاً، ولفظه نحو حديث ابن عبّاسٍ إلَّا أنَّه قال: ((الزّاكيات)) بدل: ((المبارَكات))
وكأنَّه بالمعنى(١)، لكن أورَدَ على الشافعيّ زيادة: ((باسم الله)) في أوَّل التشهُّد، ووقع في
رواية عمر المذكورة لكن من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه لا من طريق الزُّهريِّ عن عُرْوة
التي أخرجها مالك، أخرجه عبد الرزاق (٣٠٦٩) وسعيد بن منصور وغيرهما(٢)،
وصحَّحه الحاكم(٣) مع كَوْنه موقوفاً، وثَبَتَ في ((الموطَّأ)) (١/ ٩١) أيضاً عن ابن عمر
موقوفاً، ووقع أيضاً في حديث جابر المرفوع، تَفرَّدَ به أيمَن بن نابل - بالنُّون ثمَّ الموحّدة -
عن أبي الزُّبَير عنه، وحَكَمَ الْحُفّاظ - البخاري وغيره(٤) - على أنَّه أخطأ في إسناده، وأنَّ
الصواب رواية أبي الزُّبَير عن طاووسٍ وغيره عن ابن عبّاسٍ.
وفي الجملة لم تَصِحّ هذه الزّيادة. وقد تَرجَمَ البيهقيُّ عليها: ((مَن استَحَبَّ أو أباحَ
التَّسمية قبل التَّحيَّة))، وهو وجه لبعض الشافعيَّة وضُعِّف، ويدلُّ على عدم اعتبارها أنَّه
ثَبَتَ في حديث أبي موسى المرفوع في التشهُّد وغيره: «فإذا قَعَدَ أحدكم فليكن أوَّلَ قولِه:
التَّحيّات لله)) الحديث. كذا رواه عبد الرزاق (٣٠٦٥) عن مَعمَر عن قتادةَ بسنده، وأخرج
مسلم (٦٤/٤٠٤) من طريق عبد الرزاق هذه، وقد أنكَرَ ابنُ مسعود وابن عبَّاسٍ وغيرهما
على مَن زادها، أخرجه البيهقيُّ (١/ ١٤٣) وغيره.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١ / ٩٠، والشافعي في («مسنده)) ١ / ٩٦-٩٧، وعبد الرزاق (٣٠٦٧)، وابن
أبي شيبة ٢٩٣/١، والطحاوي ١/ ٢٦١، والبيهقي ٢/ ١٤٢ و١٤٤.
(٢) وكذلك أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢١٠/٣، والبيهقي ١٤٣/٢.
(٣) أخرجه الحاكم ٢٦٦/١ من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن
الخطاب كان يعلم الناس التشهد، فذكره. وعروة لم يدرك عمر، وخالف الدراورديَّ معمرٌ ومحمدُ بنُ
إسحاق وغيرهما، فرووه عن هشام عن أبيه عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ عن عمر، بذكر القاريّ بين
عروة وعمر، فاتصل الإسناد، فتصحيح الحاكم لطريق الدراوردي المنقطعة غير صحيح.
(٤) وكذلك أعلَّه مسلم في ((التمييز)) (٥٨) و(٥٩). وقد سلف تخريج حديث جابر قريباً.
٤٩٣
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
أبواب صفة الصلاة
ثمّ إنَّ هذا الاختلاف إنَّما هو في الأفضل، وكلام الشافعيّ المتقدِّم يدلّ على ذلك، ونقل
جماعةٌ من العلماء الاتِّفاق على جواز التشهُّد بكلِّ ما ثَبَت، لكنَّ كلام الطَّحاويّ يُشعِر بأنَّ
بعض العلماء يقول بوجوب التشهُّد المَرويّ عن عمر، وذهب جماعةٌ من مُحدِّثي الشافعيّة
كابنِ المنذِر إلى اختيار تَشَهُّد ابن مسعود، وذهب بعضهم كابنٍ خُزَيمة إلى عدم الترجيح،
وقد تقدَّم الكلام عن المالكيَّة أنَّ التشهُّد مُطلَقاً غيرُ واجب، والمعروف عند الحنفيَّة أنَّه
واجب لا فرض، بخلاف ما يُوجَد عنهم في كتب مخالفيهم. وقال الشافعيّ: هو فرض،
لكن قال: لو لم يَزِد رجلٌ على قولِه: ((التَّحيّات الله سَلامٌ عليك أيّها النبيّ ... )) إلى آخره،
كرهتُ ذلك له، ولم أرَ عليه إعادةً، هذا لفظه في ((الأمّ)).
وقال صاحب ((الرَّوضة)) تَبَعاً لأصلِه(١): وأمَّا أقلّ التشهُّد فَنَصَّ الشافعيّ وأكثر
الأصحاب إلى أنَّه ... فذكره، لكنَّه قال: ((وأنَّ محمداً رسول الله))، قال: ونَقَلَه ابن كَجِّ
والصَّيدَلانيّ فقالا: ((وأشهَد أنَّ محمداً رسول الله)) لكن أسقطا: ((وبَرَ كاته))، انتهى.
وقد استُشكِلَ جواز حذف ((الصَّلَوات)) مع ثبوتها في جميع الروايات الصحيحة، وكذا
((الطيِّبات)) مع جَزم جماعة من الشافعيَّة بأنَّ المقتَصَر عليه هو الثابت في جميع الروايات،
ومنهم مَن وجّه الحذف بگونما صفتین کما هو الظاهر من سیاق ابن عبّاس، لکن يُعگِّر
على هذا ما تقدَّم من البحث في ثبوت العطف فيهما في سياق غيره، وهو يقتضي المغايرة.
فائدة: قال القَفّال في ((فتاويه): ترك الصلاة يَضُرّ بجميع المسلمين لأنَّ المصلِي يقول: ٣١٧/٢
اللهمَّ اغفِر لي وللمُؤمِنينَ والمؤمنات، ولا بُدّ أن يقول في التشهُّد: «السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين))، فيكون مُقَصِّراً بخِدمة الله وفي حقّ رسوله وفي حقّ نفسه وفي حقّ كافَّة
المسلمين، ولذلك عَظُمَتِ المعصيةُ بترکِها.
واستَنَبَطَ منه السُّبْكيُّ أنَّ في الصلاة حَقّاً للعباد مع حقّ الله، وأنَّ مَن تركَها أخَلَّ بحَقِّ
جميع المؤمنينَ مَن مضى ومَن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها: ((السلام علينا وعلى
(١) هو (شرح الوجيز)) للإمام عبد الكريم الرافعي، اختصره الإمام النووي في ((روضة الطالبين)).
٤٩٤
باب ١٤٩ / ح ٨٣٢-٨٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
عباد الله الصالحين)).
تنبيه: ذكر خَلَف في ((الأطراف)) أنَّ في بعض النسخ من ((صحيح البخاري)) عَقِبَ
حديث الباب في التشهُّد عن أبي نُعيم: حدَّثنا قَبيصة، حدَّثنا سفيان، عن الأعمَش
ومنصور وحَمَّاد، عن أبي وائل. وبذلك جَزَمَ أبو نُعيمٍ في ((مُستخرَجه)) فأخرجه من طريق
أبي نُعيمٍ عن الأعمش به، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان به، ثمَّ أخرجه من طريق أبي
نُعيمٍ عن سيفٍ(١) بن سليمان، وقال: أخرجه البخاري عن أبي نُعيمٍ فيما أرَى. انتهى،
وبذلك جَزَمَ المِزِّيُّ في ((الأطراف))، ولم أرَه في شيء من الروايات التي اتَّصَلت لنا هنا لا
عن قَبيصة ولا عن أبي نُعيمٍ عن سيف، نَعَم هو في الاستئذان (٦٢٦٥) عن أبي نُعيم. بهذا
الإسناد (٢)، والله أعلم.
١٤٩ - باب الدعاء قبل السلام
٨٣٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرنا عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ،
عن عائشةَ زوجِ النبيِّ وَّ أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ كان يَدْعُو في الصلاة: ((اللهمَّ إنِّي أعُوذُ
بكَ من عَذابِ القَيْرِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنِةِ المسِيحِ الدَّجّال، وأعُوذُ بكَ من فِتْنِةِ المحْيا وِتْنِةِ
الممات، اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من المأْثَم والمغْرَم)) فقال له قائلٌ: ما أكثرَ ما تَسْتَعِيذُ من المغْرَمِ!
فقال: ((إنَّ الرجلَ إذا غَرِمَ حدَّث فَكَذَب، ووَعَدَ فأخلَفَ)).
[أطرافه في: ٨٣٣، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٧١٢٩،٦٣٧٧]
٨٣٣- وعن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ
رسولَ الله ◌َِّ يَسْتَعِيدُ في صلاته من فِتْنِ الدَّجّال.
قوله: ((باب الدُّعاء قبل السلام)) أي: بعد التشهُّد، هذا الذي يتبادر من تَرتيبه، لكنْ
قولُه في الحديث: كان يدعو في الصلاة، لا تقیید فيه بما بعد التشهُّد.
(١) تحرَّف في (س) إلى: يوسف.
(٢) يعني عن سيف بن سليمان، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن سَخْبَرَة أبي معمر، عن ابن مسعود.
٤٩٥
باب ١٤٩ / ح ٨٣٢ - ٨٣٣
أبواب صفة الصلاة
وأجاب الكِرْمانيُّ فقال: من حيثُ إنَّ لكلِّ مَقامِ ذِكْراً مخصوصاً، فتَعيَّنَ أن يكون محلُّه ٣١٨/٢
بعد الفراغ من الكُلّ. انتهى، وفيه نظر، لأنَّ التَّعيين الذي ادَّعاه لا يختصّ بهذا المحلّ،
لوُرودِ الأمر بالدُّعاء في السجود، فكما أنَّ للسُّجودِ ذِكْراً مخصوصاً ومع ذلك أُمِرَ فيه
بالدُّعاء، فكذلك الجلوسُ في آخر الصلاة له ذِكْرٌ مخصوص وأُمِرَ فيه مع ذلك بالدُّعاء إذا
فَرَغَ منه. وأيضاً فإنَّ هذا هو تَرتيب البخاري، لكنَّ مُطالَب بدليل اختصاص هذا المحلّ
بهذا الذِّكر، ولو قُطِعَ النَّظر عن ترتيبه لم يكن بين الترجمة والحديث مُنافاةٌ، لأنَّ قبل السلام
يَصدُق على جميع الأركان، وبذلك جَزَمَ الزَّين بن المنيِّر وأشارَ إليه النَّوَوي، وسأذكر
كلامه آخرَ الباب.
وقال ابن دقيق العيد في الكلام على حديث أبي بكر - وهو ثاني حديثَي الباب -: هذا
يقتضي الأمرَ بهذا الدُّعاء في الصلاة من غير تعيين محلّه، ولعلَّ الأولى أن يكون في أحد
مَوطِنَين: السجود أو التشهُّد، لأنَّهما أُمِرَ فيهما بالدُّعاء.
قلت: والذي يظهر لي أنَّ البخاري أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض الطّرق من تعيينه بهذا
المحَلّ، فقد وقع في بعض طرق حديث ابن مسعود بعد ذِكْر التشهُّد: ((ثمَّ ليتخيَّر من
الدُّعاء ما شاء))، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث فيه (٨٣٥).
ثمَّ قد أخرج ابن خُزيمة (٧٢٢) من رواية ابن جُرَيج أخبرني عبد الله بن طاووسٍ عن
أبيه: أنَّه كان يقول بعد التشهُّد كَلِماتٍ يُعَظِّمُهُنَّ جدّاً، قلتُ: في المثنَی کِلَیھما؟ قال: بل في
التشهُّد الأخير، قلت: ما هيَ؟ قال: ((أعوذ بالله من عذاب القبر)) الحديث، قال ابن
جُرَيجٍ: أخبَرَنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. ولمسلم (١٢٨/٥٨٨) من طريق محمد بن
أبي عائشة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا تَشَهَّدَ أحدكم فليَقُل)) فذكر نحوه، هذه رواية
وكيع عن الأوزاعيِّ عنه(١)، وأخرجه أيضاً (٥٨٨/ ١٣٠) من رواية الوليد بن مسلم عن
الأوزاعيِّ بلفظ: ((إذا فَرَغَ أحدكم من التشهُّد الأخير)) فذكره، وصَرَّحَ بالتَّحديث في جميع
(١) إنما رواه الأوزاعيُّ عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة.
٤٩٦
باب ١٤٩ / ح ٨٣٢- ٨٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
الإسناد، فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهُّد، فيكون سابقاً على غيره
من الأدعية.
وما وَرَدَ الإذنُ فيه أنَّ المصلِّي يتخيَّر من الدُّعاء ما شاءَ، يكون بعد هذه الاستعاذة
وقبل السلام.
قوله: ((من عذاب القَبْرِ)) فيه رَدٌّ على مَن أنكَرَه، وسيأتي البحث إن شاء اللهُ تعالى في ذلك
في كتاب الجنائز (١٣٦٩ -١٣٧٤).
قوله: ((من فِتْنة المسيح الدَّجّال)) قال أهل اللُّغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال
عياض: واستعمالها في العُرْف لكشفِ ما يُكرَه. انتهى، وتُطلَق على القتل والإحراق
والنَّميمة وغير ذلك. والمسيح - بفتح الميم وتخفيف المهمَلة المكسورة وآخره حاء مُهمَلة -
يُطلَق على الدَّجّال، وعلى عيسى ابن مريم عليه السلام، لكن إذا أُريدَ الدَّجّال فُيِّدَ به. وقال
أبو داود في ((السُّنَن)): المسيح مُثَفَّل: الدَّجّال، وتُفَّف: عيسى. والمشهور الأوَّل.
وأمَّا ما نقل الفِرَبْريّ في رواية المُستَمْلي وحده عنه عن خَلَف بن عامر - وهو المَمْدانيُّ
أحد الحُفّاظ - أنَّ المسيح بالتَّشديد والتخفيف واحد، يقال للدَّجّال ويقال لعيسى، وأَنَّه لا
فرق بينهما، بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحدِ الأمرَينِ، فهو رأيٌ ثالث.
وقال الجَوْهريّ: مَن قاله بالتخفيفِ فِلِمَسْحِه الأرض، ومَن قاله بالتَّشديد فلكَونِه
◌َمسوح العين. وحُكيَ عن(١) بعضهم أنَّه قال بالخاء المعجمة في الدَّجّال، ونُسِبَ قائلُه إلى
التصحيف.
واختُلِفَ في تلقيب الدَّجّال بذلك، فقيل: لأنَّه ممسوح العين، وقيل: لأنَّ أحد شِقَّي
وجهه خُلِقَ ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنَّه يَمسَح الأرض إذا خرج.
وأمَّا عيسى فقيل: سُمّيَ بذلك لأنَّه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدُّهن، وقيل: لأنَّ
زَكَرِيًّا مَسَحَه، وقيل: لأنَّه كان لا يَمسَح ذا عاهة إلَّا بَرِئ، وقيل: لأنَّه كان يَمسَح الأرض
(١) كلمة ((عن)) سقَطَت من (س).
٤٩٧
باب ١٤٩ / ح ٨٣٢ - ٨٣٣
أبواب صفة الصلاة
بسياحَتِه، وقيل: لأنَّ رِجله كانت لا أخمصَ لها، وقيل: للُبْسِه المُسُوح، وقيل: هو
بالعِبْرانيَّة ماشيخا، فعُرِّبَ المسيح، وقيل: المسيح: الصِّدّيق، كما سيأتي في التفسير(١) ذِكْرُ
قائله إن شاء الله تعالى. وذكر شيخنا الشَّيخ مَجَد الدّين الشّيرازيّ صاحب ((القاموس)) أنَّه
جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسينَ قولاً، أورَدَها في ((شرح المشارق)).
قوله: (فِتْنة المحْيا وفِتْنة الممات)) قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يَعرِض للإنسان ٣١٩/٢
مُدَّةَ حياته من الافتتان بالدُّنيا والشَّهَوات والجَهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمرُ الخاتمة
عند الموت. وفتنة المات يجوز أن يُراد بها الفتنةُ عند الموت أُضيفَت إليه لقُربِها منه،
ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يُراد بها فتنةُ القَبر، وقد صَحَّ -
يعني في حديث أسماء الآتي في الجنائز -: ((إنَّكم تُفتَنون في قُبوركم مثل أو قريباً من فتنة
الدَّجّال))(٢)، ولا يكون مع هذا الوجه مُتكَرِّراً مع قولِه: ((عذاب القبر))، لأنَّ العذاب
مُرتَّب على (٣) الفتنة والسَّبَب غير المسَبَّب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا: الابتلاء مع زوال الصَّبر، وبِفتنة الممات: السُّؤال في القَبر مع
الخيرة، وهو من العامّ بعد الخاص، لأنَّ عذاب القَبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدَّجّال
داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم التِّرمِذيّ في (نوادر الأصول)) عن سفيان الثَّوريّ:
أنَّ المَيِّت إذا سُئِلَ: مَن رَبّك؟ تَراءَى له الشيطان، فيشير إلى نفسه: إنِّي أنا رَبّك، فلهذا وَرَدَ
سؤال التَّثُبُّت له حين يُسأل. ثمَّ أخرج بسندٍ جيِّد إلى عَمْرو بن مُرَّة: كانوا يَستَحِبّون إذا
وُضِعَ المَيِّت في القَبر أن يقولوا: اللهمَّ أعِذه من الشيطان.
قوله: ((والمغْرَم)) أي: الدَّين، يقال: غَرِمَ بكسر الرَّاء، أي: ادّانَ، قيل: والمراد به ما يُستَدان
فيما لا يجوز وفيما يجوز ثمَّ يَعجِزُ عن أدائه، ويحتمل أن يُراد به ما هو أعمّ من ذلك. وقد
(١) بل في أحاديث الأنبياء، عند الكلام على الباب رقم (٤٦)، الذي هو ترجمة للحديثين (٣٤٣٣) و(٣٤٣٤).
(٢) بل سلف ضمن حديث مطوّل في كتاب العلم برقم (٨٦)، وأما الذي في كتاب الجنائز (١٣٧٣) فهو
مختصر ليس فيه هذه اللفظة.
(٣) في (س): عن.
٤٩٨
باب ١٤٩ / ح ٨٣٢-٨٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
استَعَاذَ وَّلّهِ مِن غَلَبة الدَّين(١). وقال القُرطبيّ: المغرَمِ: الغُرْم، وقد نَبَّهَ في الحديث على
الضَّرَر اللَّاحق من المغرَم، والله أعلم.
قوله: ((فقال له قائل)) لم أقِفْ على اسمه، ثمَّ وَجَدتُ في روايةٍ للنَّسائيّ (٥٤٥٤) من
طريق مَعمَر عن الزُّهريِّ أنَّ السائل عن ذلك عائشةُ، ولفظها: فقلت: يا رسول الله، ما
أکثر ما تستعيذ ... إلى آخره.
قوله: ((ما أكثر)) بفتح الرَّاء، على التعجُّب.
وقوله: ((إِذا غَرِمَ)) بكسر الرَّاء.
قوله: ((ووَعَدَ فأخلَفَ)) كذا للأكثر، وفي رواية الحَمُّوِيّ: ((وإذا وعَدَ أخلَف))، والمراد أنَّ
ذلك شأنُ من يستدين غالباً.
قوله: ((وعن الزُّهْريّ)) الظاهر أنَّه معطوف على الإسناد المذكور، فكأنَّ الزُّهريَّ حدَّث
به مُطوَّلاً ومختصراً، لكن لم أرَه في شيء من المسانيد والمستخرجات من طريق شعيب عنه
إلَّا مُطوَّلاً(٢)، ورأيته باللَّفظ المختصر المذكور سنداً ومتناً عند المصنِّف في كتاب الفِتَن
(٧١٢٩) من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزُّهري، وكذلك أخرجه مسلم (٥٨٧) من
طريق صالح.
وقد استُشكِلَ دُعاؤُه ◌َله بما ذُكِرَ مع أنَّه معصومٌ مغفورٌ له ما تقدَّم وما تأخّر، وأُجيبَ
بأجوبة:
أحدها: أنَّه قَصَدَ التَّعليم لأمَّتِهِ.
ثانيها: أنَّ المراد السُّؤال منه لأمَّتِهِ، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمَّتي.
ثالثها: سُلوك طريق التَّواضُع وإظهار العُبودِيَّة والتزام(٣) خوف الله وإعظامه والافتقار
(١) سيأتي (٢٨٩٣) و(٥٤٢٥) و(٦٣٦٣) و(٦٣٦٩) من حديث أنس بلفظ: ضَلَعِ الدَّين.
(٢) بل هو في ((فوائد تمام)) (٥٥٥) من طريق أبي اليمان عن شعيب مختصراً.
(٣) تحرف في (س) إلى: إلزام.
٤٩٩
باب ١٤٩ / ح ٨٣٤
أبواب صفة الصلاة
إليه وامتثال أمره، في الرَّغبة إليه، ولا يَمْتَنِعِ تَكْرار الطَّلَب مع تحقَّق الإجابة لأنَّ ذلك
يُحصِّل الحسناتِ ويرفع الدَّرَجاتِ، وفيه تحريض لأمَّتِهِ على مُلازَمة ذلك لأنَّه إذا كان مع
تحقَّق المغفِرة لا يَترُك التضرُّع، فمَن لم يتحقَّق ذلك أحرَى بالملازمة.
وأمَّا الاستعاذة من فتنة الدَّجّال مع تحقُّقه أنَّه لا يُدرِكه، فلا إشكال فيه على الوجهينِ
الأوَّلَين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقّق عدم إدراكه، ويدلُّ عليه قولُه
في الحديث الآخر عند مسلم: ((إن يَخْرُجْ وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه)) الحديث(١)، والله أعلم.
٨٣٤- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن أبي الخيرِ،
عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، عن أبي بكرِ الصِّدِّيق ﴾، أنَّه قال لرسول الله وَّ: عَلِّمْني دعاءًّ أَدعُو به
في صلاتي، قال: ((قُلِ: اللهمَّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنت، فاغفِرْ لي
مَغْفِرَةً من عندِك، وارَمْنِي إِنَّك أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)).
[طرفاه في: ٧٣٨٨،٦٣٢٦]
قوله: ((عن أبي الخير)) هو الْيَزَنيّ بالتَّحتائيَّة والزّاي المفتوحَتَينِ ثمَّ نون، والإسناد كلّه
سوى طرفَيه مِصريّون، وفيه تابعيّ عن تابعيّ، وهو يزيد عن أبي الخير، وصحابيّ عن
صحابيّ: وهو عبد الله بن عَمْرو - وهو ابن العاص - عن أبي بكر الصِّدّيق، هذه رواية
الليث عن يزيد، ومُقتَضاها أنَّ الحديث من مُسنَد الصِّدّيق ظه، وأوضح من ذلك رواية
أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن الليث، فإنَّ لفظه عن أبي بكر قال: قلت: يا رسول الله، أخرجه
البَزّار (٢٩) من طريقه. وخالَفَ عَمْرو بنُ الحارث الليثَ فجعله من مُسنَد عبد الله بن
عَمْرو ولفظه: عن أبي الخير أنَّه سمع عبد الله بن عَمْرو يقول: إنَّ أبا بكر قال للنبيِّ وَ لَّه
هكذا رواه ابن وَهْب عن عَمرو، ولا يَقدَح هذا الاختلاف في صِحَّة الحديث. وقد أخرج
المصنّف طريق عَمْرو مُعلَّقة في الدَّعَوات(٢)، وموصولة في التوحيد (٧٣٨٧)، وكذلك
(١) أخرجه مسلم (٢١٣٧) من حديث النّاس بن سمعان.
(٢) بإثر الحديث (٦٣٢٦).
٥٠٠
باب ١٤٩ / ح ٨٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
أخرج مسلم (٢٧٠٥) الطريقَينِ: طريق الليث وطريق ابن وَهْب، وزاد مع عَمْرو بن
الحارث رجلاً مُبهَماً، وبيَّن ابنُ خُزيمة في روايته (٨٤٦) أنَّه ابن لَهِيعة.
٣٢٠/٢ قوله: ((ظَلَمْتُ نَفْسٍ)) أي: بمُلاَبَسة ما يَستَوجِب العقوبة، أو يَنقُصُ الحَظَّ. وفيه أنَّ
الإنسان لا يَعرَى عن تقصيرٍ ولو كان صِدّيقاً.
قوله: ((ولا يَغْفِرِ الذُّنُوبِ إلَّا أنتَ)) فيه إقرارٌ بالوَحْدانيَّة واستجلابٌ للمَغفِرة، وهو
كقوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]، فأَثنَى
على المستغفِرِين، وفي ضِمن ثنائه عليهم بالاستغفار لَوَّحَ بالأمرِ به، كما قيل: إنَّ كلَّ شيء
أثْنَى الله على فاعله فهو آمِرٌ به، وكلَّ شيءٍ ذَمَّ فاعله فهو ناهٍ عنه.
قوله: ((مَغْفِرةً من عندك)) قال الطِّييُّ: دلَّ التَّنكير على أنَّ المطلوب غُفرانٌ عظيم لا
يُدرَك كُنْهُه، ووَصَفَه بكَونِه من عنده سبحانه وتعالى، مؤيِّداً (١) لذلك التعظيم، لأنَّ الذي
یکون من عند الله لا يُحيط به وصف.
وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين:
أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنَّه قال: لا يفعل هذا إلَّا أنتَ فافعَله لي أنت.
والثاني - وهو أحسن -: أنَّه إشارة إلى طلب مَغفِرةٍ مُتفضَّلٌ بها، لا يقتضيها سبب من
العبد من عمل حسن ولا غیرہ، انتھی.
وبهذا الثاني جَزَمَ ابن الجَوْزيّ فقال: المعنى هَبْ لي المغفرة تَفَضُّلاً، وإن لم أكُنْ لها
أهلاً بعملي.
قوله: ((إنَّك أنتَ الغَفُور الرَّحيم)) هما صفتان ذُكِرَتا خَتْماً للكلام على جهة المقابلة لِمَا
تقدَّم، فالغفور مُقابلٌ لقوله: ((اغفِرْ لي))، والرحيم مُقابلٌ لقوله: ((ارحَمْني))، وهي مُقَابَلة
مُرتَبة.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: استحباب طلب التَّعليم من العالم، خصوصاً في
(١) في (أ) و(س): مُريداً.