النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ أبواب صفة الصلاة الكتاب))(١). وقيل: إنَّ قوله: ((ما تَيسَّر)) محمول على ما زاد على الفاتحة جمعاً بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة، ويؤيِّده الرواية التي تقدَّمت لأحمد (١٨٩٩٥) وابنٍ حِبّان (١٧٨٧) حيثُ قال فيها: ((اقرأ بأمّ القرآن، ثمَّ اقرأ بما شِئت)). واستدلَّ به على وجوب الطُّمَأنينة في الأركان، واعتَذَّرَ بعضُ مَن لم يقل به بأنَّه زيادة على النَّص، لأنَّ المأمور به في القرآن مُطلَق السجود فيَصدُق بغير طُمَأنينة، فالطُّمَأْنِينة زيادة، والزّيادة على المتواتر بالآحاد لا تُعتَبَر. وعُورِضَ بأنّها ليست زيادةٌ لكن بيانٌ للمراد بالسجود، وأنَّه خالَفَ السجودَ اللُّغَويّ لأَنَّه مُرَّدٍ وَضْع الجبهة، فبَيَّنَتِ السُّنَّة أنَّ السجود الشَّرعيّ ما كان بالُّمَأْنينة. ويؤيِّده أنَّ الآية نزلت تأكيداً لوجوب السجود، وكان النبيُّ وَّهِ ومَن معه يُصلُّون قبل ذلك، ولم يَكُنِ النبيّ وَ لَهِ يُصلِّ بغير طُمَأْنينة. وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم وجوب الإعادة على مَن أخَلَّ بشيءٍ من واجبات الصلاة. وفيه أنَّ الشُّروع في النافلة مُلزِمٌ، لكن يحتمل أن تكونَ تلك الصلاةُ كانت فريضةٌ فيقف الاستدلالُ. وفيه الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وحُسن التَّعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد، وطلب المتعلِّم من العالم أن يُعلِّمه. وفيه تكرار السلام ورَدّه وإن لم يَخْرُج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال. وفيه أنَّ القيام في الصلاة ليس مقصوداً لذاته، وإنَّما يُقصَد للقراءة فيه. وفيه جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه. (١) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠)، وابن حبان (١٧٨٩) و(١٧٩٤)، والبيهقي في ((القراءة خلف الإمام)) (٦٢) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح. ٤٢٢ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ فتح الباري بشرح البخاري وفيه التَّسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصيرِ، والتصريح بحكم البَشَريَّة في جواز الخطأ. ٢٨١/٢ وفيه أنَّ فرائض الوضوء مقصورة على ما وَرَدَ به القرآن، لا ما زادته السُّنَّة فيُندَب. وفيه حُسن خُلُقْهِ وَّهِ ولُطف مُعاشَرَته، وفيه تأخير البيان في المَجلِس للمصلحة. وقد استُشكِلَ تقرير النبيّ وَّ له على صلاته وهي فاسدة على القول بأنَّه أخَلَّ ببعض الواجبات، وأجاب المازَرِيُّ بأنَّه أراد استدراجه بفعل ما يَجهَله مرَّات لاحتمال أن يكون فعَلَه ناسياً أو غافلاً فيَتَذَكَّره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التَّقرير الخطأ، بل من باب تحقّق الخطأ. وقال النَّوَويّ نحوه، قال: وإنَّما لم يُعلِّمه أوَّلاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المُجزِئة. وقال ابنُ الجَوْزيّ: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أنَّ الوقت لم يَفُتِه، فأراد إيقاظ الفِطنة للمتروك. وقال ابنُ دَقِيق العيد: ليس التَّقرير بدليلٍ على الجواز مُطلَقاً، بل لا بُدَّ من انتفاء الموانع. ولا شكّ أنَّ في زيادة قَبُول المتعلِّم لما يُلقَى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتَوَجُّه سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة إلى التَّعليم، لا سيّما مع عدم خوف الفَوَات، إمَّا بناءً على ظاهر الحال، أو بوَحْيٍ خاصّ. وقال التُّورِشْتيُّ: إِنَّمَا سَكَتَ عن تعليمه أوَّلاً لأنَّه لمَّا رجع لم يَستكشِفِ الحال من مَورِد الوحي، وكأنَّه اغتَرَّ بما عنده من العِلم، فسَكَتَ عن تعليمه زَجْراً له وتأديباً وإرشاداً إلى استكشاف ما استَبَهَمَ عليه، فلمَّا طلبَ كشف الحال من مَورِده أُرشِدَ إليه، انتهى. لكن فيه مُناقَشة، لأنَّه إن تَمَّ له في الصلاة الثانية والثالثة لم يَتِمَّ له في الأولى، لأنَّه وَّ بدأه لمَّا جاءَ أوَّلَ مرَّة بقوله: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنَّك لم تُصلِّ))، فالسُّؤال واردٌ على تقريره له على الصلاة الأولى كيف لم يُنكِرِ عليه في أثنائها؟ لكنَّ الجواب يَصلُح بياناً للحِكْمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم. ٤٢٣ باب ١٢٣ / ح ٧٩٤ أبواب صفة الصلاة وفيه حُجَّة على مَن أجاز القراءة بالفارسيَّة لكون ما ليس بلسان العرب لا يُسمَّى قُرآناً، قاله عیاض. وقال النَّوَويّ: وفيه وجوب القراءة في الرَّكَعات كلّها، وأنَّ المفتيَ إذا سُئِلَ عن شيء وكان هناك شيء آخرُ يحتاج إليه السائل يُستَحبّ له أن يَذكُره له وإن لم يسأله عنه، ويكونُ من باب النصیحة لا من الكلام فيما لا معنى له. وموضع الدلالة منه كَوْنه قال: ((عَلِّمني)) أي: الصلاةَ، فَعَلَّمَه الصلاةَ ومُقدِّماتها. ١٢٣ - باب الدعاء في الركوع ٧٩٤- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مَسْرُوقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ ◌َ ◌ّ يقول في ركوعِه وسجودِهِ: ((سبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبِحَمْدِك، اللهمَّ اغفِرْ لي». [أطرافه في: ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨] قوله: ((باب الدُّعاء في الرُّكُوع)) تَرجَمَ بعد هذا بأبواب: ((الَّسبيح والدُّعاء في السجود)) وساق فيه حديث الباب (٨١٧)، فقيل: الحِكْمة في تخصيص الركوع بالدُّعاء دون التَّسبيح - مع أنَّ الحديث واحد - أنَّه قَصَدَ الإشارة إلى الردّ على مَن كَرِهَ الدُّعاء في الركوع كمالكِ، وأمَّا التَّسبيح فلا خلاف فيه، فاهتَمَّ هنا بذِكْر الدُّعاء لذلك. وحُجَّة المخالف الحديث الذي أخرجه مسلم (٤٧٩) من رواية ابن عبَّاسٍ مرفوعاً وفيه: «فأمَّا الركوع فعَظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السجود فاجتَهِدوا في الدُّعاء، فقَمِنٌ أن يُستَجابَ لكم)) لكنَّه لا مفهوم له، فلا يَمتَنِعِ الدُّعاء في الركوع كما لا يَمْتَنِعِ التَّعظيم في السجود، وظاهر حديث عائشة أنَّه كان يقول هذا الذِّكرَ كلَّه في الركوع وكذا في السجود. وسيأتي بقيَّة الكلام عليه في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. ٤٢٤ باب ١٢٤ / ح ٧٩٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٢/٢ ١٢٤ - باب ما يقول الإمام ومَن خلْفَه إذا رفع رأسه من الركوع ٧٩٥ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المَقُرِيِّ، عن أبي هريرة، قال: كان النبيُّ ◌َ ﴿ إذا قال: ((سَمِعَ الله لمَنْ حَمِدَه)) قال: ((اللهمَّ ربَّنا ولكَ الحمدُ))، وكان النبيُّ وَيه إذا رَكَعَ وإذا رفع رأسَه يُكبِِّ، وإذا قامَ من السجدتَينِ قال: ((الله أكبرُ)). قوله: ((باب ما يقول الإمام ومَن خلفه إذا رفع رَأْسه من الرُّكُوع)) وقع في شرح ابن بَطَّال هنا ((باب القراءة في الركوع والسجود وما يقول الإمام ومَن خلفه ... )) إلى آخره. وتعقّبه بأن قال: لم يُدخِل فيه حديثاً لجواز القراءة ولا مَنِعِها. وقال ابن رُشَيد: هذه الزّيادة لم تقع فيما رُويناه من نُسَخ البخاريّ. انتهى، وكذلك أقول، وقد تَبعَ ابنُ المنيِر ابنَ بطَّال، ثمَّ اعتَذَرَ عن البخاري بأن قال: يحتمل أن يكون وضَعَها للأمرَينِ، فذكر أحدهما وأخلى للآخرِ بياضاً ليَذكُر فيه ما يُناسبه، ثمَّ عَرَضَ له مانع فبقيت الترجمةُ بلا حدیث. وقال ابن رُشَيد: يحتمل أن يكون تَرجَمَ بحديث مُشيراً إليه، ولم يُخُرِّجه لأنَّه ليس على شرطه لأنَّ في إسناده اضطراباً، وقد أخرجه مسلم (٤٨١) من حديث ابن عبّاسٍ في أثناء حديث، وفي آخره: ((ألا وإنِّ تُهيت أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو ساجداً))، ثمَّ تعقَّبه على نفسه بأنَّ ظاهر الترجمة الجوازُ وظاهرَ الحديث المنعُ. قال: فيحتمل أن يكون معنی الترجمة باب حكم القراءة، وهو أعمُّ من الجواز أو المنع، وقد اختلف السَّلَف في ذلك جوازاً ومنعاً، فلعلَّه كان يَرَى الجواز لأنَّ حديث النَّهي لم يَصِحَّ عنده، انتهى مُلخَّصاً. ومالَ الزَّين بن المنيِر إلى هذا الأخير، لكن حمله على وجهٍ أخصَّ منه فقال: لعلَّه أراد أنَّ الحمد في الصلاة لا حَجرَ فيه، وإذا ثَبَتَ أنَّه من مَطالبها ظَهَرَ تسويغُ ذلك في الركوع وغيره بأيِّ لفظ كان، فيدخل في ذلك آيات الحمد كمُفتَتَحِ الأنعام وغيرها. فإن قيل: ليس في حديث الباب ذِكْرُ ما يقوله المأموم، أجاب ابن رُشَيد بأنَّه أشارَ إلى التَّذكير بالمقدِّمات لتكون الأحاديث عند الاستنباط نُصْبَ عينَي المستنبِط، فقد تقدَّم ٤٢٥ باب ١٢٤ / ح ٧٩٥ أبواب صفة الصلاة (٣٧٨) حديثُ: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به))، وحديثُ: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّ)) (٦٣١)، قال: ويُمكِن أن يكون قاسَ المأموم على الإمام، لكن فيه ضعف. قلت: وقد وَرَدَ في ذلك حديث عن أبي هريرة أيضاً أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (١٢٨٥) بلفظ: كنَّا إذا صلَّينا خلف رسول الله وَّله فقال: ((سمع الله لمن حَمِدَه)) قال مَن وراءَه: سمع الله لمن حَدَه، ولكن قال الدَّارَقُطنيُّ: المحفوظ في هذا: «فليقل مَن وراءَه: رَبّنا ولك الحمد)» وسنذكر الاختلاف في هذه المسألة في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. قوله: ((إذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه)) في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ (٢٣٢٠) عن ابن أبي ذئب: كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: ((اللهمَّ رَبّنا لك الحمد))، ولا مُنافاة بينهما، لأنَّ أحدهما ذَكَرَ ما لم يَذكُرْه الآخرُ. قوله: ((اللهمَّ رَبّنا)) ثَبَتَ في أكثر الطُّرق هكذا، وفي بعضها بحَذْف («اللهُمّ)) وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النِّداء كأنَّه قال: يا الله يا رَبّنا. قوله: «ولك الحمد)» کذا ثبتَ بزيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها كما في الباب الذي يليه بحَذْفها، قال النَّوَويّ: المختار أن(١) لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وقال ابن دَقِيق العيد: كأنَّ إثبات الواو دالٌّ على معنى زائد، لأنَّه يكون التقدير مثلاً: ربَّنا استَجِب ولك الحمد، فيَشتَمِل على معنى الدُّعاء ومعنى الخبر. انتهى، وهذا بناءً على أنَّ الواو عاطفة، وقد تقدَّم في ((باب التكبير إذا قامَ من السجود)) (٧٨٩) قولُ مَن جَعَلها حاليّة، وأنَّ الأكثر رَجَّحوا ثبوتها. وقال الأثرم: سمعتُ أحمد يُثبِت الواو في: (رَبَّنَا ولك الحمد)). ويقول: ثبتتْ فيه عِدَّة أحاديثَ. قوله: ((إذا رَكَعَ وإذا رفع رَأْسه)) أي: من السجود، وقد ساق البخاري هذا المتن ٢٨٣/٢ مختصراً، ورواه أبو يعلى من طريق شَبَابة، وأوَّله عنده عن أبي هريرة وقال: أنا أشبَهكم صلاةً برسول الله وَّة، كان يُكبِّ إذا رَكَع، وإذا قال: ((سمع الله لمن حَدَه)) قال: ((اللهمَّ رَبّنا (١) كلمة ((أن)) سقطت من (س). ٤٢٦ باب ١٢٥ / ح ٧٩٦ فتح الباري بشرح البخاري لك الحمد)) وكان يُكبِّرِّ إذا سَجَدَ وإذا رفع رأسه وإذا قامَ من السَّجدَتَين(١)، ورواه الإسماعيليّ من وجه آخر عن ابن أبي ذئب بلفظ: وإذا قامَ من الشِّتَينِ كَبَّر، ورواه الطَّيالسِيُّ (٢٤٣٩) بلفظ: وكان يُكبِّرِ بين السَّجدَتَين، والظاهر أنَّ المراد بالِّنْتَينِ: الرَّكعَتان، والمعنى أنَّه كان يُكبِّر إذا قامَ إلى الثالثة، ويؤيِّده الرواية الماضية في ((باب التكبير إذا قامَ من السجود)» بلفظ: ويُكبِّر حين يقوم من الثِّتَينِ بعد الجلوس. وأمَّا رواية الطَّالسيِّ فالمراد بها التكبير للسَّجدة الثانية، وكأنَّ بعض الرُّواة ذكر ما لم يَذكُرْهُ الآخر. قوله: ((قال: الله أكْبَرَ)) كذا وقع مُغيَّر الأُسلوب، إذ عَبَّرَ أوَّلاً بلفظ: يُكبِرِ. قال الكِرْمانيُّ: هو للتفنُّنِ أو لإرادة التَّعميم، لأنَّ التکبیر یتناول التَّعریف ونحوه، انتهى. والذي يظهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة، فإنَّ الروايات التي أشَرْنا إليها جاءَت كلّها على أُسلوب واحد (٢)، ويحتمل أن يكون المراد به تعيينُ هذا اللَّفظ دون غيره من ألفاظ التَّعظيم، وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة فوائده في ((باب التكبير إذا قامَ من السجود)) (٧٨٩)، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على محلّ التكبير عند القيام من التشهُّد الأوَّل بعد بضعةَ عَشَر باباً (٨٢٥ و٨٢٦). ١٢٥ - فضل: اللهمَّ ربَّنا لك الحمد ٧٩٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾ أنَّ رسولَ اللهِّهِ قال: ((إذا قال الإمامُ: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحمدُ، فإنَّه مَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبِهِ)). (١) الذي في المطبوع من ((مسند أبي يعلى)) برقم (٥٩٤٩) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مختصر: أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما وضع رأسه ورفع، فإذا انصرف قال: أنا أشبهكم صلاةً برسول الله وَّر. لكن أخرجه أحمد (٩٨٣٧) عن يزيد بن هارون وحجاج بن محمد، كلاهما عن ابن أبي ذئب، به. بلفظ: كان يكبر إذا ركع وإذا قام من السجود، وإذا رفع رأسه من السجدتين. (٢) بل أخرجه أحمد (٨٢٥٣) عن هاشم بن القاسم، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٢٩٥٢) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن ابن أبي ذئب، بلفظ البخاري. ٤٢٧ باب ١٢٥ / ح ٧٩٦ أبواب صفة الصلاة [طرفه في: ٣٢٢٨] قوله: ((باب فضل اللهمَّ رَبّنا لك الحمد)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولك الحمد)) بإثبات الواو، وفيه رَدٌّ على ابن القيِّم حيثُ جَزَمَ بأنَّه لم يَرِدِ الجمعُ بين اللهمَّ والواو في ذلك. وثَبَتَ لفظ ((باب)) عند مَن عَدا أبا ذَرّ والأَصِیلي، والرَّاجح حذفه كما سيأتي. قوله: ((إذا قال الإمام ... )) إلى آخره، استُدلَّ به على أنَّ الإمام لا يقول: ((رَبَّنا لك الحمد)) وعلى أنَّ المأموم لا يقول: ((سمع الله لمن حَمِدَه))، لكون ذلك لم يُذكَر في هذه الرواية كما حكاه الطَّحاويُّ، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وفيه نظر، لأنَّه ليس فيه ما يدلُّ على النَّفي، بل فيه أنَّ قول المأموم: رَبّنا لك الحمد يكون عَقِبَ قول الإمام: سمع الله لمن حَمِدَه، والواقع في التَّصوير ذلك لأنَّ الإمام يقول التَّسميع في حال انتقاله والمأمومُ يقول التَّحميدَ في حال اعتداله، فقولُه يقع عَقِبَ قول الإمام كما في الخبر، وهذا الموضع يقرُب من مسألة التأمين كما تقدَّم (٧٨٢) من أنَّه لا يَلزَم من قوله: ((إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين)) أنَّ الإمام لا يُؤْمِّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّآلِينَ﴾، وليس فيه أنَّ الإمام يُؤمِّن، كما أنَّه ليس في هذا أنَّه يقول: رَبّنا لك الحمد، لكنَّهما مُستَقادان من أدلَّة أُخرى صحيحة صريحة كما تقدَّم في التأمين، وكما مضى في الباب الذي قبله وفي غيره، وسيأتي أنَّه وَّ كان يجمع بين التَّسميع والتَّحمید. وأمَّا ما احتَجّوا به من حيثُ المعنى من أنَّ معنى ((سمع الله لمن حَدَه)»: طلب التَّحميد، فيُناسب حالَ الإمام، وأمَّا المأموم فتُناسبه الإجابة بقوله: ((رَبّنا لك الحمد))، ويقوِّيه حديث أبي موسى الأشعريّ عند مسلم (٤٠٤) وغيره، ففيه: ((وإذا قال: سمعَ الله لمن حَمِدَه، فقولوا: رَبّنا ولك الحمد، یسمح الله لكم)). فجوابه أن يقال: لا يدلّ ما ذَكَرتُم على أنَّ الإمام لا يقول: رَبّنا ولك الحمد، إذ لا٢٨٤/٢ يَمْتَنِعِ أن يكون طالباً ومُجيباً، وهو نَظِير ما تقدَّم في مسألة التأمين من أنَّه لا يَلزَم من كون الإمام داعياً والمأموم مُؤَمِّناً أن لا يكون الإمام مُؤَمِّناً، ويَقرُب منه ما تقدَّم البحث فيه في ٤٢٨ باب ١٢٦ / ح ٧٩٧ فتح الباري بشرح البخاري الجمع بين الحَيعَلة والحَوقَلة لسامع المؤذِّن، وقضيَّة ذلك أنَّ الإمام يجمعهما وهو قول الشافعيِّ وأحمدَ وأبي يوسف ومحمدٍ والجمهورِ، والأحاديث الصحيحة تشهد له، وزاد الشافعيّ أنَّ المأموم يجمع بينهما أيضاً، لكن لم يَصِحَّ في ذلك شيء، ولم يَثْبُت عن ابن المنذِر أنَّه قال: إنَّ الشافعيّ انفرد بذلك، لأنَّه قد نَقَلَ في ((الإشراف)) عن عطاء وابن سيرين وغيرهما القول بالجمعِ بينهما للمأموم. وأمَّا المنفرِد فحكى الطَّحاويُّ وابن عبد البَرِّ الإجماع على أنَّه يجمع بينهما، وجَعَلَه الطَّحاويُّ حُجَّة لكون الإمام يجمع بينهما للاتِّفاق على التَّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشارَ صاحب ((الهداية)) إلى خلاف عندهم في المنفرد. قوله: ((فإِنَّه مَن وافَقَ قولُه)) فيه إشعار بأنَّ الملائكة تقول ما يقول المأمومون، وقد تقدَّم باقي البحث فيه في ((باب التأمين)) (٧٨١). ١٢٦ - باب ٧٩٧- حدَّثْنا معاذُ بنُ فَضالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ قال: لِأَقْرِّبَنَّ صلاةَ النبيِّ وَّهِ. فكان أبو هريرةَ ﴾ يَقْنُتُ في الرّكْعَةِ الأُخرَى من صلاةِ الظُّهرِ، وصلاةِ العِشاءِ، وصلاةِ الصُّبح بعدَما يقول: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فَيَدْعُو للمُؤمِنينَ ويَلْعِنُ الكِفَّارَ. [أطرافه في: ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠] قوله: ((باب)) كذا للجميع بغير ترجمة إلَّ الأَصِيلِيّ فحَذَفَه، وعليه شرَح ابن بَطَّال ومَن تَبِعَه، والرَّاجح إثباته كما أنَّ الرَّاجح حذف ((باب)) من الذي قبله، وذلك أنَّ الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل ((اللهمَّ رَبّنا لك الحمد)) إلَّا بتكلَّفٍ، فالأولى أن یکون بِمَنْزِلة الفَصْل من الباب الذي قبله كما تقدَّم في عِدَّة مواضعَ، وذلك أنَّه لمَّا قال أوّلاً: (باب ما يقول الإمام ومَن خلفَه إذا رفع رأسه من الركوع، وذكر فيه قولَه وَّ: «اللهمَّ ربَّنا ولك الحمد)) استَطَرَدَ إلى ذِكْر فضل هذا القول بخصوصِه، ثمَّ فصَلَ بلفظ ((باب)) لتكميل الترجمة الأولى، فأورَدَ بقيَّة ما ثَبَتَ على شرطه مَّا يقال في الاعتدال كالقُنوتِ وغيره. ٤٢٩ باب ١٢٦ / ح ٧٩٧ أبواب صفة الصلاة وقد وجَّهَ الزَّين بن المنيِر دخول الأحاديث الثلاثة تحت ترجمة فضل ((اللهمَّ ربَّنا لك الحمد) فقال: وجه دخول حديث أبي هريرة: أنَّ القُنوت لمَّا كان مشروعاً في الصلاة كانت هي مِفتاحَه ومُقدِّمَتَه، ولعلَّ ذلك سببُ تخصیص القُنوت بما بعد ذكرها. انتهى، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف. وقد تُعُقِّبَ من وجه آخر وهو أنَّ الخبر المذكور في الباب لم يقع فيه قول: ((رَبّنا لك٢٨٥/٢ الحمد)) لكن له أن يقول: وقع في هذه الطريق اختصار وهي مذكورة في الأصل، ولم يَتَعَرَّض لحديث أنس، لكن له أن يقول: إنَّما أورَدَه استطراداً لأجلِ ذِكْر المغرب. قال: وأمَّا حديث رِفاعة فظاهر في أنَّ الابتدار الذي تَنشَأ عنه الفضيلة إنَّما كان لزيادة قول الرجل، لكن لمَّا كانت الزّيادة المذكورة صفةً في التَّحميد جاريةً مَجَرَى التأكيد له تَعيَّنَ جعلُ الأصل سبباً أو سبباً للسَّبَبِ فثبتت بذلك الفضيلة، والله أعلم. وقد تَرجَمَ بعضهم له بباب القُنوت ولم أرَه في شيء من روايتنا. قوله: ((حدّثنا هشام)) هو الدَّستُوائيُّ، ويحیی: هو ابن أبي کثیر. قوله: ((عن أبي سَلَمة)) في رواية مسلم (٦٧٦) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى: حدَّثني أبو سَلَمة. قوله: (لَأَقْرِّبَنَّ صلاة النبيّ ◌َّ) في رواية مسلم المذكورة: لَأَقْرِّبَنَّ لكم(١)، وللإسماعيليِّ: إنِّي لَأقربُكم صلاة برسول الله وَله. قوله: ((فكان أبو هريرةَ ... )) إلى آخره، قيل: المرفوع من هذا الحديث وجود القُنوت لا وقوعه في الصَّلَوات المذكورة، فإنَّه موقوف على أبي هريرة، ویوضحه ما سيأتي (٤٥٩٨) في تفسير النِّساء، من رواية شَيْبانَ عن يحيى، من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء، ولأبي داود (١٤٤٢) من رواية الأوزاعيِّ عن يحيى: قَنَتَ رسول الله،وَّ في صلاة العَتَمة شهراً، ونحوه المسلم (٢٩٥/٦٧٥)، لكن لا يُنافي هذا كَوْنه ◌َّهِ قَنَتَ في غیر العشاء، وظاهرُ سياق حديث (١) الذي في ((صحيح مسلم)): لأقربن بكم. ٤٣٠ باب ١٢٦ / ح ٧٩٨ -٧٩٩ فتح الباري بشرح البخاري الباب أنَّ جميعه مرفوع، ولعلَّ هذا هو السرّ في تعقيبٍ(١) المصنّف له بحديث أنس إشارة إلى أنَّ القُنوت في النازلة لا يختصّ بصلاةٍ مُعيَّنة، واستُشكِلَ التقييد في رواية الأوزاعيِّ بشهرٍ، لأنَّ المحفوظ أنَّه كان في قصَّة الذين قتلوا أصحاب بئر معونة(٢)، كما سيأتي في آخر أبواب الوتر (١٠٠٢ و ١٠٠٣)، وسيأتي في تفسير آل عمران (٤٥٦٠) من رواية الزُّهريِّ عن أبي سَلَمة في هذا الحديث أنَّ المراد بالمؤمنينَ مَن كان مَأسوراً بمكَّة، وبالكافرين قُرَيش، وأنَّ مُدَّته كانت طويلةً فيحتمل أن يكون التقييد بشهرٍ في حديث أبي هريرة يتعلَّق بصفةٍ من الدُّعاء مخصوصةٍ وهي قوله: ((اشدُد وَطْأْتِكَ على مُضَر)). قوله: ((في الرَّكْعة الأُخرَى)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: الآخرة. وسيأتي بعد باب (٨٠٣) من رواية الزّهريِّ عن أبي سَلَمة أنَّ ذلك كان بعد الركوع، وسيأتي في تفسير آل عمران بيانُ الخلاف في مُدَّة الدُّعاء عليهم والتَّنبيه على أحوال مَن سَمَّى منهم. وقد اختصر يحيى سياق هذا الحديث عن أبي سَلَمة وطَوَّلَه الزُّهريُّ كما سيأتي بعد باب، وسيأتي في الدَّعَوات (٦٣٩٣) بالإسناد الذي ذكره المصنّف أتمّ ممّا ساقه هنا إن شاء الله تعالى. ٧٩٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسودِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ ﴾ قال: كان القُنُوتُ في المغربِ والفجرِ. [طرفه في: ١٠٠٤] ٧٩٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن نُعيمِ بنِ عبدِ الله المُجْمِرِ، عن عليٍّ بنِ يحيى بنٍ خَلَّادِ الزُّرَقِيِّ، عن أبيه، عن رِفاعةَ بنِ رافعِ الزُّرَقِيِّ، قال: كنَّا يوماً نُصلّي وراءَ النبيِّ ﴿﴿ فلمَّا رفع رأسَه من الرَّكْعةِ، قال: ((سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه)) قال رجلٌ: ربَّنا ولكَ الحمدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّاً مُبارَكاً فيه، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((مَنِ المتكَلِّمُ؟)) قال: أنا، قال: ((رأيتُ بِضْعةً وثلاثينَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكتُبها أوَّلُ)). (١) في (أ) و(س): في تعقُّب المصنف له. والمثبت أوجَهُ. (٢) في (ع): في قصة الذين قُتِلوا ببئر مَعُونة. ٤٣١ باب ١٢٦ / ح ٧٩٨ -٧٩٩ أبواب صفة الصلاة قوله: ((إسماعيل)) هو المعروف بابنٍ عُليَّة، والإسناد كلّه بصريُّون، وعبد الله بن أبي الأسود نُسِبَ إلی جَدّ أبيه، واسم أبيه محمد بن حميد. قوله: ((كان القُنُوت)) أي: في أوَّل الأمر، واحتُجَّ بهذا على أنَّ قول الصحابيّ: كنَّا نَفعَل كذا، له حكم الرَّفع وإن لم يُقَيِّده بزَمَنِ النبيّ وََّ كما هو قول الحاكم، وقد اتَّفَقَ الشَّيخان على إخراج هذا الحديث في المسند الصحيح وليس فيه تقييد(١)، وسنذكر اختلاف النَّقَل عن أنس في القُنوت في محلّه من الصلاة، وفي أيّ الصَّلَوات شُرِع، وهَل استَمَرَّ مُطلَقاً أو مُدَّة مُعيَّنة أو في حالة دون حالة، حيثُ أورَدَ المصنّف بعضَ ذلك في آخر أبواب الوتر (١٠٠٤) إن شاء الله تعالى. قوله: ((المُجمِر)) بالخفضِ وهو صفة لنُعِيمٍ ولأبيه. قوله: ((عن عليّ بن يحيى)) في رواية ابن خُزيمة: أنَّ عليّ بن يحيى حدَّثه، والإسناد كلّه مدنيُّون، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغِر، لأنَّ نُعيماً أكبر سِنّاً من عليّ بن يحيى وأقدَم سماعاً، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ، وهم مَنْ بينَ مالكِ والصحابيِّ، هذا من حيثُ الروايةُ، وأمَّا من حيثُ شَرَفُ الصُّحبة فيحيى بن خَلَاد والد عليّ مذكورٌ في الصحابة لأنَّه قيل: إنَّ النبيّ ◌َِّ حَنَّكَه لمَّا وُلِدَ. قوله: ((فلمَّا رفع رَأْسه من الرَّكْعة قال: سَمِعَ الله لمن حَِدَه)) ظاهره أنَّ قول التَّسميع وقع بعد رفع الرّأس من الركوع فيكون من أذكار الاعتدال، وقد مضى في حديث أبي هريرة (٧٩٥) وغيره ما يدلُّ على أنَّه ذِكْر الانتقال وهو المعروف، / ويُمكِن الجمع بينهما بأنَّ معنى قوله: فلمَّا ٢٨٦/٢ رفع رأسه، أي: فلمَّا شَرَعَ في رفع رأسه ابتَدَأ القول المذكور وأتمَّه بعد أن اعتَدَلَ. قوله: ((قال رجل)) زاد الكُشْمِيهنيّ: وراءَه. قال ابن بَشكُوَال: هذا الرجل هو رِفاعة بن رافع راوي الخبر، ثمَّ استدلَّ على ذلك بما رواه النَّسائيُّ وغيره (٢) عن قُتيبة عن رِفاعة بن (١) أخرجه مسلم (٦٧٨) لكن من حديث البراء بن عازب. (٢) أخرجه أبو داود (٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٩٣١). ٤٣٢ باب ١٢٦ / ح ٧٩٨ -٧٩٩ فتح الباري بشرح البخاري يحيى الزُّرقيّ عن عَمّ أبيه معاذ بن رِفاعة عن أبيه قال: صلَّيت خلف النبيّ وَّ فِعَطَستُ فقلت: الحمد لله، الحديثَ. ونُوزِعَ في تفسيرِه به لاختلاف سياق السَّبَب والقصَّة، والجواب أنَّه لا تَعارُض بینھما، بل مُحمَل على أنَّ عُطاسه وقع عند رفع رأس رسول الله ێ﴾، ولا مانع أن يُكنِّيَ عن نفسه لقَصدِ إخفاء عمله، أو كنِّيَ عنه لنِسيان بعض الرُّواة لاسمِه، وأمَّا ما عَدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمَّن إلَّا زيادة لعلَّ الراوي اختصرها كما سنبيِّته، وأفاد بشر بن عمر الزَّهْرانيّ في روايته عن رِفاعة بن يحيى أنَّ تلك الصلاة كانتِ المغربَ(١). قوله: (مُبَارَكاً فيه)) زاد رِفاعة بن يحيى: مُبارَكاً عليه كما يُحِبّ رَبّنا ويَرضَى. فأمَّا قوله: مُبَارَكاً عليه، فيحتمل أن يكون تأكيداً وهو الظاهر، وقيل: الأوَّل بمعنى الزّيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] فهذا يُناسب الأرضَ، لأنَّ المقصود به النَّمَاءُ والزّيادةُ، لا البقاءُ، لأَنَّه بصَدَدِ التَّغَيُّر. وقال تعالى: ﴿ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقَ﴾ [الصافات: ٣١١] فهذا يُناسب الأنبياء لأنَّ البَرَكة باقيةٌ لهم، ولمَّا كان الحمد يناسبه المعنَيان جمعهما، كذا قَرَّرَه بعض الشُّاح ولا يخفى ما فيه. وأمَّا قوله: ((كما يُحِبّ رَبّنا ويَرضَى)) ففيه من حُسنِ التَّفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القَصد. قوله: ((مَن المتكَلِّم)) زاد رِفاعة بن يحيى: ((في الصلاة؟» فلم يَتكلّم أحد، ثمَّ قالها الثانية، فلم يَتكلَّم أحد، ثمَّ قالها الثالثة، فقال رِفاعةٌ بن رافع: أنا، قال: ((كيف قلتَ؟)) فذَكَره، فقال: ((والذي نفسي بيده)) الحديثَ. قوله: (بِضْعة وثلاثينَ)) فيه رَدُّ على مَن زَعَمَ كالجَوْهريِّ أنَّ الِضْع يختصّ بما دون العشرينَ. قوله: ((أيُّهم يَكتُبها أوَّلُ)) في رواية رِفاعة بن يحيى المذكورة: ((أَيُّهم يصعد بها أوَّلُ)) وللطَّبرانيِّ (٤٠٨٨) من حديث أبي أيوب: ((أيُّهم يرفعُها)). قال السُّهَيلِيُّ: رُوِيَ ((أوَّل)) بالضمِّ (١) أخرج روايته ابن حزم في ((المحلَّ)) ١٦٤/٤ -١٦٥، وكذلك رواه قتيبة بن سعيد وسعيد بن عبد الجبار عن رفاعة بن يحيى عند الطبراني (٤٥٣٢)، والبيهقي ٩٥/٢، وذكرا أنها كانت صلاة المغرب. ٤٣٣ باب ١٢٦ / ح ٧٩٨ -٧٩٩ أبواب صفة الصلاة على البناء لأنَّه ظرف قُطِعَ عن الإضافة، وبالنصب على الحال. انتهى، وأمَّا ((أيُّهم)) فُرُويناه بالرَّفعِ وهو مُبتَدَأ وخبره ((يَكتُبها))، قاله الطّيبيُّ وغيره تَبَعاً لأبي البقاء في إعراب قولِه تعالى: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران: ٤٤] قال: وهو في موضع نصب، والعامل فيه ما دلَّ عليه ﴿يُلْقُونَ﴾ و((أيّ)) استفهاميَّة، والتقدير: مَقُولٌ فيهم: أيُّهم يَكتُبها، ويجوز في ((أيُّهم)) النصبُ بأن يُقدَّر المحذوف: فيَنظُرُون أيَّهم، وعند سِيبويه ((أيّ)) موصولة، والتقدير: يَبْتَدِرون الذي هو يَكتُبها أوَّلُ، وأنكَرَ جماعةٌ من البصريّينَ ذلك، ولا تَعارض بين روايتَي: ((يَكْتُبها)) و((يصعد بها))، لأنَّه يُحمَل على أنَّهم يَكتُبونها ثمَّ يصعدون بها، والظاهر أنَّ هؤلاء الملائكة غيرُ الحَفَظة، ويؤيِّده ما في ((الصحيحين))(١) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ لله ملائكة يطوفون في الطّرق يَلْتَمِسون أهلَ الذِّكر)) الحديث. واستدلَّ به على أنَّ بعض الطَّاعات قد يَكتُبُها غيرُ الحَفَظة. وقد استُشكِلَ تأخير رِفاعة إجابةَ النبيّ ◌ََّ حين كَرَّرَ سؤاله ثلاثاً مع أنَّ إجابته واجبةٌ عليه، بل وعلى كلّ مَن سمع رِفاعة، فإنَّه لم يسألِ المتكلِّمَ وحدَه. وأُجيبَ بأنَّه لمَّا لم يُعيِّن واحداً بعينِه لم تتعيَّن المبادرة بالجواب من المتكلِّم ولا من واحد بعينِهِ، فكأنَّهم انتظروا بعضَهم ليجيبَ، وحملهم على ذلك خَشْيَةُ أن يَبدوَ في حقِّه شيءٌ، ظَنّاً منهم أنَّه أخطأ فيما فَعَل، وَرَجَوا أن يقع العَفو عنه. وكأنَّه ◌ِّه لمَّا رأى سُكوتَهم فَهِمَ ذلك فعَرَّفَهم أنَّه لم يقل بأساً، ويدلُّ على ذلك أنَّ في رواية سعيد بن عبد الجَّار عن رِفاعة بن يحيى عند ابن قانع(٢) قال رِفاعة: فَوَدِدت أنّ خَرَجت من مالي وإنّي لم أشهَدْ مع النبيّ ◌َلّ تلك الصلاة، ولأبي داود (٧٧٤) من حديث عامر بن ربيعة قال: ((مَنِ القائلُ الكلمةَ؟ فإنَّه لم يقل بأساً». فقال: أنا قلتُها، لم أُرِد بها إلَّ خيراً، وللطَّبرانيِّ(٣) (٤٠٨٨)/ من حديث أبي أيوب: فسَكَتَ الرجل ٢٨٧/٢ (١) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩). (٢) وكذلك هي عند الطبراني (٤٥٣٢)، والبيهقي ٩٥/٢. ولم نقف عليه في ((معجم الصحابة)) لابن قانع. (٣) وفات الحافظَ أن يعزوَه للبخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٩١). ٤٣٤ باب ١٢٦ / ح ٧٩٨ -٧٩٩ فتح الباري بشرح البخاري ورأى أنَّه قد هَجَمَ من رسول الله وَّهِ على شيء كَرِهَه. فقال: ((مَن هو؟ فإنَّه لم يقل إلَّا صواباً)) فقال الرجل: أنا يا رسول الله قلتُها، أرجو بها الخير. ويحتمل أيضاً أن يكون المصلُّون لم يَعرِفوه بعينِه إمَّا لإقبالهم على صلاتهم، وإمَّا لكَونِه في آخر الصُّفوف فلا يَرِدُ السُّؤال في حقٌّهم، والعُذر عنه هو ما قدَّمناه. والحِكْمةُ في سؤاله وَلِّ له عمَّن قال، أن يتعلَّم السامعون كلامه فيقولوا مثله. واستدلَّ به على جواز إحداث ذِكْر في الصلاة غيرِ مَأثورٍ إذا كان غيرَ مخالفٍ للمَأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذِّكرِ ما لم يُشَوِّش على مَن معه، وعلى أنَّ العاطس في الصلاة يَحمَد الله بغير كراهة، وأنَّ المتلَبِّس بالصلاة لا يَتعيَّن عليه تشميت العاطس، وعلى تطويل الاعتدال بالذِّکر کما سيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده. واستنَبَطَ منه ابن بَطَّال جواز رفع الصوت بالتَّليغِ خلف الإمام. وتعقّبه الَّين بن المنيِِّ بأنَّ سماعه وَّه لصوتِ الرجل لا يَستَلزِم رفعه لصوتِه کَرفع صوت المُبلِّغ. وفي هذا التعقُّب نَظَر، لأنَّ غَرَض ابن بَطَّال إثباتُ جواز الرَّفع في الجملة، وقد سبقه إليه ابن عبد البَرِّ، واستُدلَّ له بإجماعهم على أنَّ الكلام الأجنَبيّ يُبطِل عمدُه الصلاةَ ولو كان سِرّاً، قال: وكذلك الكلام المشروع في الصلاة لا يُبطِلها ولو كان جَهراً. وقد تقدَّم الكلام على مسألة المبلِّغ في ((باب مَن أسمع الناسَ تكبير الإمام» (٧١٢). فائدة: قيل: الحِكْمة في اختصاص العدد المذكور من الملائكة بهذا الذِّكر أنَّ عَدَد حُروفه مطابق للعَدَدِ المذكور، فإنَّ البِضع من الثَّلاث إلى التِّسع، وعَدَد الذِّكر المذكور ثلاثة وثلاثون حرفاً، ويُعكِّر على هذا الزّيادةُ المتقدِّمةُ في رواية رِفاعة بن يحيى وهي قوله: مُبارَكاً عليه كما يُحِبّ رَبُّنا ويَرضَى. بناء على أنَّ القصّة واحدة. ويُمكِن أن يقال: المتبادَر إليه هو الثَّناء الزائد على المعتاد، وهو من قولِه: حَمَداً كثيراً ... إلى آخره، دون قولِه: مُبارَكاً عليه. فإنَّه كما تقدَّم للتأكيد، وعَدَد ذلك سبعة وثلاثون حرفاً، ٤٣٥ باب ١٢٧ / ح ٨٠٠ أبواب صفة الصلاة وأمَّا ما وقع عند مسلم (٦٠٠) من حديث أنس: ((لقد رأيت اثنَي عَشَر مَلكاً يَبْتَدِرونها»، وفي حديث أبي أيوب عند الطَّبرانيِّ (٤٠٨٨): ((ثلاثةَ عَشَر))، فهو مطابق لعَدَدِ الكلمات المذكورة في سياق رِفاعة بن يحيى، ولعَدَدِها أيضاً في سياق حديث الباب لكن على اصطلاح النُّحاة، والله أعلم. ١٢٧ - باب الاطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع وقال أبو مُميدٍ: رفع النبيُّ ◌َّه فاستَوَى حَتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ مكانَه. ٨٠٠- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن ثابتٍ قال: كان أنسٌ يَنْعَتُ لنا صلاةَ النبيِّ ◌ََّ، فكان يُصلِّي، فإذا رفع رأسَه من الرُّكُوعِ قامَ حتَّى نَقُولَ: قد نَسِيَ. [طرفه في: ٨٢١] قوله: ((باب الاطْمَأْنينة)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيِّ: الطُّمَأنينة. وقد تقدَّم الكلام عليها ٢٨٨/٢ في ((باب استواء الظّهر)). قوله: ((وقال أبو مُميدٍ)) يأتي موصولاً مُطوَّلاً في ((باب سُنَّة الجلوس في التشهُّد)) (٨٢٨). وقوله: ((رفع)) أي: من الرکوع «فاستوى» أي: قائماً، كما سيأتي بيانه هناك، وهو ظاهر فيما تُرجِمَ له. ووقع في رواية كَرِيمة: جالساً، بعد قولِه: فاستوى، فإن كان محفوظاً حُلَ على أنَّه عَبَّرَ عن السُّكون بالجلوسِ، وفيه بُعدٌ، أو لعلَّ المصنّف أراد إلحاقَ الاعتدال بالجلوسِ بين السَّجدَتَينِ بجامع كون كلّ منهما غيرُ مقصودٍ لذاته فيطابق الترجمة. قوله: ((يَنْعَت)) بفتح المهملة، أي: يَصِف. وهذا الحديث ساقه شُعْبة عن ثابت مختصراً، ورواه عنه حمّاد بن زيد مُطوَّلاً كما سيأتي في ((باب المُكث بين السَّجدَتَين)) (٨٢١) فقال في أوَّله: عن أنس قال: إنِّي لا أَلُو أن أُصلِّي بكم كما رأيتُ رسولَ اللهِوَ﴿ يُصلِّ بنا. فصَرَّحَ بوَصفِ أنسٍ لصلاة النبيّ ◌َّ بالفعل، وقوله: ((لا آلو)) بهمزةٍ ممدودة بعد حرف النَّفي ولام مضمومةٍ بعدها واوٌ خفيفةٌ، أي: لا ٤٣٦ باب ١٢٧ / ح ٨٠١ فتح الباري بشرح البخاري أُقَصِّر. وزاد حمّاد بن زيد أيضاً: قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تَصنَعونه. وفيه إشعار بأنَّهم كانوا يُخِلّون بتطويل الاعتدال، وقد تقدَّم حديث أنس وإنكارُه عليهم في أمر الصلاة في أبواب المواقيت (٥٣٠). وقوله: (حتَّی نقول)) بالنصب. وقوله: ((قد نَسيَ)) أي: نَسِيَ وجوب الهُوِيِّ إلى السجود، قاله الكِرْمانيُّ، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه نَسِيَ أنَّه في صلاة، أو ظنَّ أنَّه وَقتُ القُنوت حيثُ كان مُعتَدِلاً، أو وَقتُ التشهُّد حيثُ كان جالساً. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق غُندَر عن شُعْبة: قلنا: قد نَسِيَ من طول القيام، أي: لأجلٍ طول قيامه. ٨٠١- حدّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكَمِ، عن ابنِ أبي ليلى، عن البَرَاءِ ﴾ قال: كان ركوعُ النبيِّ وَّه وسجودُه، وإذا رفع رأسَه من الرُّكُوعِ، وبينَ السجدتَينِ قريباً من السَّواءِ. وحديث البراء تقدَّم التَّنبيه عليه في ((باب استواء الظَّهر)) (٧٩٢). وقوله: ((قريباً من السَّواء)» فيه إشعار بأنَّ فيها تفاوتاً لكنَّه لم يُعيِّنه، وهو دالّ على العُّمَأنينة في الاعتدال وبين السَّجدَتَينِ، لما عُلِمَ من عادته من تطويل الركوع والسجود. قوله: ((وإذا رفع)) أي: ورَفْعه إذا رَفَع، وكذا قوله: وبين السَّجدَتَين، أي: وجلوسه بين السَّجدَتَين، والمراد أنَّ زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه مُتقارب. ٢٨٩/٢ ولم يقع في هذه الطريق الاستثناء الذي مَرَّ في ((باب استواء الظّهر)) (٧٩٢) وهو قوله: / ما خَلَا القيامَ والقُعود، ووقع في رواية لمسلم (١٩٣/٤٧١): فوجدت قيامه فركعته فاعتدالَه، الحدیثَ. وحكى ابن دَقِيق العيد عن بعض العلماء أنَّه نَسَبَ هذه الرواية إلى الوَهْم، ثمَّ استَبعَدَه لأنَّ توهيم الراوي الثِّقة على خلاف الأصل، ثمَّ قال في آخر كلامه: فليُنظَر ذلك من ٤٣٧ باب ١٢٧ / ح ٨٠١ أبواب صفة الصلاة الروايات ويُحقَّق الاتّحادُ أو الاختلافُ من مخارج الحديث، انتهى. وقد جمعتُ طرقه فوجدت مَداره على ابن أبي ليلى عن البَراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذِكْر القيام من طريق هلال بن أبي حميد(١) عنه، ولم يذكره الحگم عنه وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلَّا ما زاده بعض الرُّواة عن شُعْبة عن الحكم من قولِه: ما خَلا القيامَ والقعود (٢)، وإذا جُمعَ بين الروايتين ظَهَرَ من الأخذ بالزّيادة فيهما أنَّ المراد بالقيام المستثنَى القيامُ للقراءة، وكذا القعود المراد به القعود للتشهُّدِ كما تقدَّم. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدلّ على أنَّ الاعتدال رُكنٌ طويل، وحديث أنس - يعني الذي قبله - أصرَحُ في الدلالة على ذلك، بل هو نصٌّ فيه فلا ينبغي العُدول عنه لدليلٍ ضعيف، وهو قولهُم: لم يُسَنّ فيه تكرير التَّسبيحات كالركوع والسجود. ووجه ضعفه أنَّه قياس في مُقابلة النصّ وهو فاسد، وأيضاً فالذِّكر المشروع في الاعتدال أطول من الذِّكر المشروع في الركوع، فتكرير ((سبحان رَبِّي العظيم)) ثلاثاً، يجيء قَدرَ قوله: ((اللهمَّ رَبّنا ولك الحمد حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه))، وقد شُرِعَ في الاعتدال ذِكْرٌ أطولُ كما أخرجه مسلم (٤٧٦ و٤٧٧ و٤٧٨) من حديث عبد الله بن أبي أوفَ وأبي سعيد الخُدريِّ وعبد الله ابن عبّاسِ بعد قولِهِ: ((حَداً كثيراً طَيِّبًا)): ((مِلء السَّماواتِ ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما شِئتَ من شيء بَعدُ)) زاد في حديث ابن أبي أوفَى: ((اللهمَّ طَهِّرني بالثَّلج ... )) إلى آخره، وزاد في حديثِ الآخرَينِ: ((أهلَ الثَّناء والمَجد ... )) إلى آخره. وقد تقدَّم في الحديث الذي قبله تركُ إنكار النبيّ ◌َّ على مَن زاد في الاعتدال ذِكْراً غیر مَأثور، ومن ثَمَّ اختارَ النَّوَويّ جواز تطويل الرُّكن القَصير بالذِّكرِ خلافاً للمُرَجَّحِ في المذهب، واستدلَّ لذلك أيضاً بحديث حُذَيفة في مسلم (٧٧٢): أنَّه ◌ِِّ قرأ في رَكعة بالبقرة أو غيرها، ثمَّ رَكَعَ نحواً ممَّا قرأ، ثمَّ قامَ بعد أن قال: ((رَبّنا لك الحمد)) قياماً طويلاً (١) هي رواية مسلم (٤٧١) (١٩٣). (٢) هي الرواية السالفة برقم (٧٩٢). ٤٣٨ باب ١٢٧ / ح ٨٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قريباً مَّا رَكَعَ. قال النَّوَويّ: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذِّكر، انتهى. وقد أشارَ الشافعيّ في ((الأمّ)) إلى عدم البُطْلان، فقال في ترجمة («كيف القيام من الركوع)»: ولو أطالَ القيام بذِكْر الله أو يدعو أو ساهياً وهو لا ينوي به القُنوتَ كرهتُ له ذلك ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك. فالعَجَب مَمَّن يُصَحِّح مع هذا بُطْلانَ الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيههم ذلك أنَّه إذا أُطيلَ انتَفَت الموالاة، مُعتَرَضٌ بأنَّ معنى الموالاة أن لا يتخلَّلَ فصلٌ طويل بين الأركان بما ليس منها، وما وَرَدَ به الشَّرع لا يَصِحّ نفي کَوْنه منها، والله أعلم. وأجاب بعضُهم عن حديث البراء أنَّ المراد بقوله: ((قريباً من السَّواء)) ليس أنَّه كان يركع بقَدرٍ قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أنَّ صلاته كانت مُعتَدِلةً، فكان إذا أطالَ القراءة أطالَ بقيَّة الأركان، وإذا أخَفَّها أخَفَّ بقيّة الأركان، فقد ثَبَتَ أنَّه قرأ في الصبح بالصافّات(١)، وثَبَتَ في السُّنَن عن أنس: أنَّهم حَزَروا في السجود قَدر عشر تسبيحات(٢)، فيُحمَل على أنَّه إذا قرأ بدون الصافّات اقتصر على دون العشر، وأقلّه كما وَرَدَ في السُّنَن أيضاً ثلاث تسبيحات(٣). ٨٠٢- حدّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ قال: كان مالكُ بنُ الحُوَيرثِ يُرِينا كيفَ كان صلاةُ النبيِّ وَّةِ، وذاكَ في غيرِ وَقْتِ الصّلاةِ، فقامَ فأمْكَنَ القِيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأمْكَّنَ الرُّكُوعَ، ثمَّ رفع رأسَه فانْصَبَّ هُنَيّة، قال: فصَلَّى بنا صلاةَ شَيْخِنا هذا أبي يزيدَ، وكان أبو يَزِيدَ إذا رفع رأسَه من السَّجْدةِ استوى قاعداً، ثمَّ نَهَضَ. قوله: ((كان مالك بن الحُوَيرث)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: قام، والأوَّل يُشعِر بتكريرِ ذلك (١) أخرجه أحمد (٤٩٨٩)، وابن حبان (١٨١٧)، وإسناده حسن. (٢) أخرجه أحمد (١٢٦٦١)، وأبو داود (٨٨٨)، والنسائي (١١٣٥)، وإسناده ضعيف. (٣) أخرجه أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠)، وهو حسن لغيره. ٤٣٩ باب ١٢٧ / ح ٨٠٢ أبواب صفة الصلاة منه، وقد تقدَّم بعض الكلام عليه في ((باب مَن صلَّى بالناس وهو لا يريد إلَّا أن يُعلِّمهم)) (٦٧٧)، ويأتي بقيَّة الكلام عليه في ((باب المُكث بين السَّجدَتَين)) (٨١٨). قوله: ((فانْصَبَّ) في رواية الكُشْمِيهنيِّ بهمزةٍ مقطوعة وآخره مُثنَّة خفيفة. وللباقين بألفٍ موصولة وآخره مُوخَّدة مشدّدة، وحكى ابن التِّين أنَّ بعضهم ضبطه بالمثنَّة المشدّدة بدلَ الموحّدة، ووَجَّهَه بأنَّ أصله انصَوَتَ فأُبدِلَ من الواو تاءٌ ثمَّ أُدْغِمَت إحدى التاءَينِ في الأُخرى، وقياس إعلاله: انصاتَ، تَحَرَّكَت الواو وانفَتَحَ ما قبلها فانقَلَبَت ألفاً، قال: ومعنى انصاتَ: استوت قامتُه بعد الانحناء، كأنَّ اقتَبَلَ شبابُه، قال الشاعر(١): وعَمرُو بن دُهمانَ الهُنَيدةَ عاشَها وتسعينَ عاماً ثمَّ قُوِّمَ فانصاتا وعادَ سوادُ الرأسِ بعدَ ابِضاضِهِ وعاوَدَه شَرْخُ الشَّبابِ الذي فاتا وعُرِفَ بهذا أنَّ مَن نقل عن ابن التّين - وهو السَّفاقُسِيُّ - أنَّه ضبطه بتشديد الموحّدة فقد صَخَّف،/ ومعنى رواية الكُشْمِيهنيِّ: أنصَتَ، أي: سَكَتَ، فلم يُكبِّ للهُويِّ في الحال، ٢٩٠/٢ قال بعضهم: وفيه نظر، والأوجَه أن يقال: هو كِناية عن سكون أعضائه، عَبَّرَ عن عدم حَرَكَتها بالإنصات، وذلك دالٌّ على الطُّمَأنينة. وأمَّا الرواية المشهورة بالموخَّدة المشدَّدة، انفَعَلَ من الصَّبّ، كأنَّه كَنَّى عن رجوع أعضائه عن الانحناء إلى القيام بالانصباب، ووقع عند الإسماعيليّ: فانتَصَبَ قائماً، وهي أوضح من الجميع. قوله: ((هُنَيّة)) أي: قليلاً، وقد تقدَّم ضبطها في ((باب ما يقول بعد التكبير)) (٧٤٤). قوله: ((صلاة شَيْخنا هذا أبي يزيد)) هو عَمْرو بن سَلِمةَ الْجَرْميُّ، واختُلِفَ في ضبط كُنَيَتِه، ووقع هنا للأكثر بالتَّحتانيَّة والزّاي، وعند الحَقُّوِيّ وكَرِيمة بالموخَّدة والرَّاء مُصغَّراً، وكذا ضبطه مسلم في ((الكُنَى))، وقال عبد الغَنيّ بن سعيد: لم أسمعه من أحد إلّا بالزّاي، لكن مسلمٌ أعلمُ، والله أعلم. (١) هو سلمة بن الخُرْشُب الأنماري. انظر ((المستقصى في أمثال العرب)) للزمخشري ٢٥٤/١-٢٥٥. ٤٤٠ باب ١٢٨ / ح ٨٠٣ -٨٠٤ فتح الباري بشرح البخاري ١٢٨ - بابٌ یہوي بالتکبیر حین یسجد وقال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ يَضَعُ يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه. ٨٠٣- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وأبو سَلَمة بنُ عبدِ الرحمن: أنَّ أبا هريرةَ كان يُكبِّ في كلِّ صلاةٍ من المكتوبةِ وغَيْرِها في رمضانَ وغَيْرِهِ، فيُكبِّ حينَ يقومُ، ثمَّ يُكبِّ حينَ يَركَعُ، ثمَّ يقول: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، ثمَّ يقول: ربَّنا ولكَ الحمدُ قبلَ أنْ يَسْجُدَ، ثمَّ يقول: الله أكبرُ، حينَ يَهْوي ساجِداً، ثمَّ يُكبِّ حينَ يَرْفَعُ رأسَه من السُّجودِ، ثمَّ يُكبِّرِ حينَ يَسجُدُ، ثمَّ يُكبِِّ حينَ يَرْفَعُ رأسَه من السُّجودِ، ثمَّ يُكبِّ حينَ يقومُ من الجلوسِ في الاثنتَينِ. ويَفْعَلُ ذلك في كلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ من الصلاة، ثمَّ يقولُ حينَ يَنصِرِفُ: والذي نَفْسي بيدِه، إنِّي لأَقربُكم شَبَهاً بصلاةٍ رسول الله وَلّ، إنْ كانتْ هذه لَصلاَتَه حتَّى فارَقَ الدُّنيا. ٨٠٤ - قالا: وقال أبو هريرةَ﴾: وكان رسولُ اللهِ وَ لّهِ حِينَ يَرْفَعُ رأسَه يقول: ((سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ - يَدْعُو لرجالٍ فيُسمِّيهم بأسمائهم فيقول - اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمة بنَ هشامٍ، وعيَّشَ بنَ أبي رَبِيعةً، والمستضْعَقِينَ من المؤمنين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم كَسِنِي يوسفَ)) وأهلُ المَشْرِقِ يومئذٍ من مُضَرَ مخالفُونَ لَه. ٢٩١/٢ قوله: ((بابٌ يَهْوي بالتكبيرِ حين يَسجُد)) قال ابن التِّين: رُويناه بالفتحِ وضبطه بعضهم بالضمِّ، والفتحُ أرجح، ووقع في روايتنا بالوجهين. قوله: ((كان ابن عمر ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن خُزيمة (٦٢٧) والطَّحاويُّ (٢٥٤/١) وغيرهما من طريق عبد العزيز الدَّرًاورديِّ عن عبيد الله بن عمر عن نافع، بهذا. وزاد في آخره ويقول: كان النبيّ وَِّ يفعل ذلك. قال البيهقيُّ: كذا رواه عبد العزيز ولا أراه إلَّ وَهماً، يعني: رفعَه قال: والمحفوظ ما اختَرنا. ثمَّ أخرج من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا سَجَدَ أحدكم فليَضَع يديه، وإذا رفع فليرفعهما(١)، انتهى. (١) ورجح الموقوف أيضاً الدار قطنيُّ في ((العلل)) (٢٩١٢).