النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب ١١٦ / ح ٧٨٥ -٧٨٧ أبواب صفة الصلاة حديث جابرٍ عند البَزّار(١)، وسيأتي مُفسَّراً من حديث أبي هريرة فيه. ٧٨٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ: أَنَّه كان يُصلِّ بهم فيُكبِّ كلَّما خَفَضَ وَرَفَعَ، فإذا انصَرَف، قال: إِنِّ لأَشبَهُكم صلاةً برسول الله چچ. [أطرافه في: ٧٨٩، ٧٩٥، ٨٠٣] قولُه في حديث أبي هريرةَ: ((يُصلِّي بهم)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: يُصلِّي لهم. ٢٧١/٢ ١١٦ - باب إتمام التكبير في السجود ٧٨٦- حدَّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ، عن مُطرِّفِ بنِ عبدِ الله قال: صلَّتُ خلفَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﴾ أنا وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، فكان إذا سَجَدَ كَبَّرَ، وإذا رفع رأسَه كَبَّرَ، وإذا نَهَضَ من الزَّكْعَتَينِ كَبَّ، فلمَّا قَضَى الصلاةَ أخَذَ بيدي عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، فقال: قد ذَكَّرَني هذا صلاةَ محمَّدٍ وَِّ؛ أو قال: لقد صَلَّى بنا صلاةَ محمَّدٍ ◌َلِّ. ٧٨٧- حدَّثْنَا عَمُرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا مُشَيْمٌ، عن أبي بِشْرِ، عن عِكْرمة قال: رأيتُ رجلاً عندَ المقام يُكبِّ في كلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وإذا قامَ وإذا وضَع، فأخبَرْتُ ابنَ عبَّاسٍ ﴾ قال: أوَليس تلكَ صلاةَ النبيِّ ◌َِّ؟! لا أُمَّ لَكَ! [طرفه في: ٧٨٨] قوله: ((بابُ إتمام التكبيرِ في السُّجود)) فيه ما تقدَّم في الذي قبله. قوله: «حدَّثنا حَمَّادٌ» هو ابنُ زیدٍ. = حبان، وهو كذلك عند البزار (٤٤٨٩) بإسناد آخر غير إسناد أحمد والدارمي. (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٥٣٤)، وفي إسناده زمعة بن صالح، وهو ضعيف وانفرد برفعه، وأخرجه أيضاً الطيالسي (١٨٠٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٣٦/٩، وقد رواه وهب بن كيسان عن جابر موقوفاً عليه عند عبد الرزاق (٢٥٠٢)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٤٠، وابن المنذر ١٣٤/٣، وإسناده صحیح إليه. ٤٠٢ باب ١١٦ / ح ٧٨٦ -٧٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((صلَّيت خلفَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ أنا وعِمْرانُ)) استُدلَّ به على أنَّ موقفَ الاثنين يكونُ خلفَ الإمام، خلافاً لمن قال: يجعلُ أحدَهما عن يمينِهِ والآخرَ عن شماله، وفيه نظرٌ لأنَّه ليس فيه أنَّه لم يكن معهما غيرُهما. وقد تقدَّم أنَّ ذلك كان بالبصرة (٧٨٤)، وكذا رواه سعيدُ بنُ منصورٍ من رواية حميد بن هلالٍ عن عمرانَ، ووقع لأحمدَ (١٩٨٤٠) من طريق سعيد بنِ أبي عَرُوبةَ، عن غَيْلانَ بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق (٢٤٩٨) عن مَعمَر عن قتادةً وغیر واحدٍ عن مُطرِّف، فیحتمل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين، وقد ذكره في رواية أبي العلاء (٧٨٤) بصيغة العموم، وهنا بذِكْر السجودِ والرَّفع والنُّهوضِ من الرَّكعتين فقط، ففيه إشعارٌ بأنَّ هذه المواضعَ الثلاثةَ هي التي كان تُرِكَ التكبيرُ فيها، حتَّى تَذَكَّرَها عِمرانُ بصلاة عليٍّ. قوله: ((قد ذَكَّرَني» في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: لقد ذَگَّرني. قوله: ((أو قال)) هو شكٌّ من أحدٍ رواته، ويحتمل أن يكون من حمَّدٍ، فقد رواه أحمدُ من رواية سعيد بن أبي عَرُوبةَ بلفظ: صلَّى بنا هذا مثلَ صلاة رسول الله وَّهَ. ولم يَشُك، وفي رواية قتادةً عن مُطرِّفٍ: قال عِمرانُ: ما صلَّيتُ منذُ حينٍ - أو منذُ كذا وكذا - أشبَهَ بصلاة رسول الله ﴾ من هذه الصلاة. قال ابنُ بطَّالٍ: تركُ النَّكيرِ على مَن تركَ التكبيرَ يدلُّ على أنَّ السَّلَفَ لم يَتَلَقَّوه على أنَّه رُكنٌ من الصلاة، وأشارَ الطَّحاويُّ إلى أنَّ الإجماعَ استقرَّ على أنَّ مَن تركَه فصلاتُه تامَّةٌ، وفيه نظرٌ لما تقدَّم عن أحمد، والخلافُ في بُطْلان الصلاة بتركِهِ ثابتٌ في مذهبٍ مالكٍ، إلَّا أن يريدَ إجماعاً سابقاً. قوله: ((عن أبي بشْرٍ)) صَرَّحَ سعيد بن منصورٍ عن هُشَيمٍ بأنَّ أبا بشرِ حدَّثه. قوله: ((رأيت رجلاً عندَ المقام)) في رواية الإسماعيليِّ: صلَّيت خلفَ شيخٍ بالأبطَح. والأولى أصحُّ، إلَّا أن يكون المرادُ بالأبطَحِ البَطحاءَ التي تُفرَشُ في المسجد، وسيأتي في أوَّل الباب الذي بعده بلفظ: صلَّيت خلفَ شيخ بمَّة، وأنَّه سَّه في بعض الطّرق أبا هريرة، ٤٠٣ باب ١١٧ / ح ٧٨٨ -٧٨٩ أبواب صفة الصلاة واتَّفَقَت هذه الرواياتُ على أنَّه رآه بمكَّة،/ وللسَّاج(١) من طريق حبيبٍ بن الزُّبَيرِ عن ٢٧٢/٢ عِكْرمة: رأيت رجلاً يُصلِّي في مسجدِ النبيِّ وََّ، فإن لم يُحمَل على التَّجَوُّزِ وإلَّا فهي شاذَّةٌ. قوله: ((أوَليسَ تلكَ صلاةَ النبيِّ ◌ََّ؟!)) هو استفهامُ إنكارٍ للإنكار المذكور، ومُقتَضاه الإثباتُ، لأنَّه نفيُّ النَّي. قوله: ((لا أمَّ لَك)) هي كلمةٌ تقولها العربُ عند الزَّجْرِ، وكذا قولُه في الرواية التي بعدها: ثَكِلتك أمُّك. فكأنَّه دعا عليه أن يَفِقِد أمَّه أو أن تَفِقِدَه أمُّه، لكنَّهم قد يُطلِقون ذلك ولا يريدون حقيقتَه. واستَحقَّ عِكرِمةُ ذلك عند ابن عبّاسِ لكَونِهِ نَسَبَ ذلك الرجلَ الجليلَ إلى الحُمْق الذي هو غايةُ الجَهلِ (٢)، وهو بريءٌ من ذلك. ١١٧ - باب التكبير إذا قام من السجود ٧٨٨ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيل، قالَ: أخبرنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن عِكْرمة قال: صلَّيتُ خلفَ شَيْخِ بِمَكَّ فَكَبَّرَ ثِنْتَينٍ وعشرينَ تكبيرةً، فقلتُ لابنِ عبّاسٍ: إِنَّه أحمقُ! فقال: ثَكِنْكَ أَقُّكَ! سُنَّةُ أبي القاسمِ وقال موسى: حدَّثنا أبانُ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثْنَا عِكْرِمةُ. ٧٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ: أنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ يقول: كان رسولُ اللهِ وَّ إذا قامَ إلى الصلاة يُكبِِّ حينَ يقومُ، ثمَّ يُكبِّ حينَ يَركَعُ، ثمَّ يقول: ((سَمِعَ الله لمنْ ◌َِدَه)) حينَ يَرْفَعُ صُلْبَه من الرَّكْعَةِ، ثمَّ يقول وهو قائمٌ: (رَبَّنَالَكَ الحمدُ)) - قال عبدُ الله بن صالح، عن الليث: ((ولكَ الحمدُ)) - ثَّ يُكبِّ حينَ يَهْوي، ثمَّ يُكبِّ حينَ يَرْفَعُ رأسَه، ثمَّ يُكبِِّ حينَ يَسجُدُ، ثمَّ يُكِّر حينَ يَرْفَعُ رأسَه، ثمَّ يَفْعَلُ ذلك في الصلاة كلِّها حتَّى يَقْضِيَها، ثُمَّ يُكبِّ حينَ يقومُ من الثِّتَينِ بعدَ الجلوسِ. : قوله: ((باب التكبير إذا قام من السجود)). (١) فات الحافظَ أن يعزوَه إلى «مسند أحمد)) (٣١٠١). (٢) سيأتي وصفه له بذلك في الحديث التالي. ٤٠٤ باب ١١٧ / ح ٧٨٨ -٧٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((صلَّيتُ خلفَ شيخ)) زاد سعيد بن أبي عَرُوبةَ عن قتادةَ عند الإسماعيليِّ(١): الظُّهرَ، وبذلك يَصِحُّ عَدَدُ التكبيرِ الذي ذكره، لأنَّ في كلِّ رَكعةٍ خمسَ تكبيراتٍ، فيقعُ في الرُّباعيَّة عشرون تكبيرةً مع تكبيرة الافتتاح وتكبيرة القيام من التشهُّدِ الأوَّل، ولأحمدَ (٢٢٥٧) والطَّحاويِّ (٢٢١/١) والطَّرانيِّ (١١٩١٨) من طريق عبدِ الله الدّاناج - وهو بالنُّون والجيمِ الخفيفتَينِ - عن عِكْرمة قال: صلَّى بنا أبو هريرة. قوله: ((وقال موسى)) هو ابنُ إسماعيلَ راوي الحديث عن همَّام، وهو عنده متصلٌ عن هُمَّامٍ وأبان كلاهما، عن قتادة، وإنَّما أفرَدَ هَمَّاماً (٢) لكَونِه على شرطِه في الأُصول، بخلاف أبانَ فإنَّه على شرطِه في المتابعات. وأفادت روايةٌ أبانَ تصريحَ قتادةَ بالتَّحديث عن عِكرِمة، وقد وقع مثلُه من رواية سعيد بن أبي عَرُوبةَ المذكورة عند الإسماعيليّ. وقوله: ((سُنَّةُ)) بالرَّفع خبرُ مُبتَدَأٍ محذوفٍ تقديرُه: تلك سُنَّةُ، وذلك في رواية عبيد الله ابن موسى عن همَّامِ عند الإسماعيليّ(٣). قوله: ((أخبَرَني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمن)) كذا قال عُقيلٌ، وتابعه ابنُ جُرَيج عن ابن شهابٍ عند مسلم (٢٨/٣٩٢)، وقال مالكٌ: عن ابن شهابٍ عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن كما تقدَّم قبلُ ببابٍ مختصراً (٧٨٥)، وكذا أخرجه مسلمٌ (٣٠/٣٩٢) والنَّسائيُّ (١٠٢٣) مُطوَّلاً من رواية يونسَ عن ابن شهاب، وتابعه مَعمَرٌ عن ابن شهابٍ عند السرَّاجِ(٤)، وليس هذا الاختلافُ قادحاً، بل الحدیثُ عند ابن شهاب عنهما معاً كما سيأتي في ((باب (١) وجاء التصريح بأنها الظهر أيضاً في رواية عفان عن همام عند أحمد (٢٦٥٦)، وكذلك في رواية شعبة عن قتادة عنده (٣١٤٠). (٢) تحرف في (س) وما طبع عنها إلى: أفردهما. (٣) وكذلك رواية شعبة عن قتادة عند أحمد (٣١٤٠). (٤) وجاء أيضاً في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٤٩٥)، وأحمد (٧٦٥٧) و(٧٦٥٨)، والنسائي (١١٥٦) من طريق معمر بن راشد، لكن من فعل أبي هريرة، وقال في آخره: إني لأقربكم شبهاً برسول الله وَل﴾. وقرن أحمد في روايته الثانية والنسائي بأبي سلمة أبا بكر بن عبد الرحمن، وهذا يؤيد قولَ الحافظ بأن لابن شهاب فيه شیخین. ٤٠٥ باب ١١٧ / ح ٧٨٨ -٧٨٩ أبواب صفة الصلاة يَهوي بالتكبير)) (٨٠٣) من رواية شعيبٍ عنه، عنهما جميعاً عن أبي هريرة. ٢٧٣/٢ قوله: ((يُكبِّ حين يقومُ)) فيه التكبيرُ قائماً، وهو بالاتّفاق في حَقِّ القادر. قوله: ((ثُمَّ يُكبِّ حين يَركَعُ)) قال النَّوَويُّ: فيه دليلٌ على مُقارَنة التكبيرِ للحَرَكة وبسطِهِ عليها، فيَبدَأُ بالتكبيرِ حين يَشرَعُ في الانتقال إلى الركوع، ويَمُدُّه حتَّى يَصِلَ إلى حَدِّ الرَّاكِع. انتهى، ودلالةُ هذا اللَّفظ على البَسطِ الذي ذكره غيرُ ظاهرةٍ. قوله: ((حين يَرْفَعُ ... )) إلى آخره، فيه أنَّ التَّسميعَ ذِكرُ النُّهوض، وأنَّ التَّحميدَ ذِكرُ الاعتدال، وفيه دليلٌ على أنَّ الإمامَ يجمعُ بينهما خلافاً لمالك، لأنَّ صلاة النبيِّ وَّ الموصوفةَ محمولةٌ على حالة الإمامة لكون ذلك هو الأكثرُ الأغلَبُ من أحواله، وسيأتي البحثُ فيه بعد خمسة أبوابٍ (٧٩٥). قوله: ((قال عبدُ الله بنُ صالح عن الليثِ: ولك الحمدُ)) يعني أنَّ ابنَ صالحِ زاد في روايته عن الليثِ الواوَ في قوله: ((ولك الحمدُ))، وأمَّا باقي الحديث فاتَّفَقا فيه، وإنَّما لم يَسُقْه عنهما معاً وهما شيخاه، لأنَّ يحيى من شرطِه في الأُصول، وابنُ صالح إنَّما يُورِدُه في المتابعات، وسيأتي إن شاء الله تعالى في رواية شعيبٍ أيضاً عن ابن شهابٍ بإثبات الواو (٨٠٣)، وكذا في رواية ابن جُرَيج عند مسلمٍ (٢٨/٣٩٢)، ويونسَ عند النَّسائيِّ (١٠٢٣). قال العلماءُ: الروايةُ بثبوتِ الواو أرجحُ، وهي زائدةٌ، وقيل: عاطفةٌ على محذوفٍ، وقيل: هي واوُ الحال، قاله ابنُ الأثيرِ وضَعَّفَ ما عَداه. قوله: «ثمَّ يُکِّ حین یهوي)» یعني ساجداً، وكذا هو في رواية شعیب، و ((يهوي)» ضبطناه بفتح أوَّلِه، أي: يَسقُطُ. قوله: ((ثُمّ يُكبِّ حين يقومُ من الثِّتَين)) أي: الرَّكعتين الأُولَيَين. وقوله: ((بعدَ الجلوس)) أي: في التشهُّدِ الأوَّل. وهذا الحديثُ مُفسّرٌ للأحاديث المتقدِّمة حيثُ قال فيها: كان يُكبِّ في كلِّ خَفْضٍ ورفعٍ. ٤٠٦ باب ١١٨ / ح ٧٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ١١٨- باب وضع الأُفِّ على الرُّکَب في الركوع وقال أبو مُميدٍ في أصحابه: أمْكَنَ النبيُّ ◌َّ يَدَيْه من رُكْبَتَّه. ٧٩٠- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي يَعْفُورٍ، قال: سمعتُ مُصْعَبَ بنَ سعدٍ يقول: صلَّيتُ إلى ◌َنْبٍ أبي فطَبَّقْتُ بينَ كَفَّيَّ ثمَّ وَضَعْتُهما بينَ فخِذَيَّ، فَنَهاني أبي وقال: كنّا نَفْعَلُه فنُهِينا عنه، وأُمِرْنا أنْ نَضَعَ أيدِيَنا على الرُّكَبِ. قوله: ((بابُ وضْعِ الأكُفِّ على الرُّكَبِ في الُّكُوع)) أي: كلِّ كَفِّ على رُكبةٍ. قوله: ((وقال أبو مُميدٍ)) سيأتي موصولاً مُطوَّلاً في ((باب سُنَّة الجلوسِ في التشهُّد)) (٨٢٨). والغَرَضُ منه هنا بيانُ الصِّفة المذكورة في الركوع. يقوِّيه ما أشارَ إليه سعدٌ من نَسخ التَّطبيق. قوله: ((عن أبي يَعْفُورٍ)) بفتح التَّحتانيَّة وبالفاء وآخرُه راءٌ، وهو الأكبرُ كما جَزَمَ به المِزِّيُّ، وهو مُقتَضى صنيعِ ابن عبد البَرِّ، وصَرَّحَ الدّارميُّ (١٣٠٣) في روايته من طريق إسرائيلَ عن أبي يَعفورِ بأَنَّه العبديُّ، والعبديُّ هو الأكبرُ بلا نِزاع، وذكر النَّوَويُّ في ((شرح مسلمٍ)) أنَّه الأصغَرُ، وتُعُقِّب(١)، وقد ذكرنا اسمَهما في المقدِّمة. قوله: ((مُصْعَبَ بنَ سعدٍ)) أي: ابنَ أبي وقَّاص. قوله: ((فطَبَّقْتُ)) أي: ألصَقت بين باطنَي كَفّي في حال الركوع. قوله: ((كنَّا نَفْعَلُه فتُهينا عنه وأُمِرْنا)) استُدلَّ به على نسخ التَّطبيق المذكور، بناءً على أنَّ المراد بالآَمِرِ والناهي في ذلك هو النبيُّ وَّه، وهذه الصِّيغةُ مُخْتَلَفُ فيها، والرَّاجحُ أنَّ حُكمَها الرَّفعُ، وهو مُقتَضى تصرُّفِ البخاري، وكذا مسلمٌ إذ أخرجه في ((صحيحه)) (٥٣٥). وفي رواية إسرائيلَ المذكورة عند الدّارميِّ: كان بنو عبدِ الله بن مسعودٍ إذا رَكَعوا جعلوا أيديهم بين أفخاذِهم، فصلَّيت إلى جَنبٍ أبي فضَرَبَ يَدي، الحديث. فأفادت هذه (١) تعرَّض الحافظُ لذكر أبي يعفور هذا عند شرح الحديث (٧٧٩)، وذكر نحواً من هذا الكلام، وبيَّنّا هناك أن کلامه حقُّه أن یکون هنا. ٤٠٧ باب ١١٨ / ح ٧٩٠ أبواب صفة الصلاة الزّيادةُ مُستنَدَ مُصعَبٍ في فعل ذلك، وأولادُ ابن مسعودٍ أخَذوه عن أبيهم. قال التِّرمِذيُّ: التَّطبيقُ منسوخٌ عند أهل العِلم، لا خلافَ بين العلماء في ذلك إلَّا ما رُوِيَ عن ابن مسعودٍ وبعض أصحابه أنَّهم كانوا يُطبقون، انتھی. وقد وَرَدَ ذلك عن ابن مسعودٍ متصلاً في ((صحيح مسلم)) وغيره(١) من طريق إبراهيمَ ٢٧٤/٢ عن علقمةَ والأسودِ: أنَّهما دخلا على عبدِ الله، فذكَرَ الحديث قال: فَوَضَعْنا أيديَنا على رُكَبِنا، فضَرَبَ أيديَنا، ثمَّ طَبَّقَ بين يديه ثمَّ جَعَلهما بين فخِذَيه، فلمَّا صلَّى قال: هكذا فعل رسولُ الله ◌َّهِ. وَهُملَ هذا على أنَّ ابنَ مسعودٍ لم يَبلُغه النَّسخُ. وقد روى ابنُ المنذِر (١٥٢/٣) عن ابن عمرَ بإسنادٍ قويٍّ قال: إنَّما فَعَلَه النبيُّ ◌َّهِ مَرَّةً. يعني: التَّطبيق. وروى ابنُ خُزيمة (٥٩٥) (٢) من وجهٍ آخرَ عن علقمةَ عن عبدِ الله قال: عَلَّمَنا رسولُ اللهِ وَّةَ ... فلمَّا أراد أن يركعَ طَبَّقَ يديه بين رُكَبَتَه فَرَكَع، فَبَلَغَ ذلك سعداً فقال: صَدَقَ أخي، كنَّا نَفعَلُ هذا ثمَّ أُمِرنا بهذا. يعني: الإمساكَ بالرُّكَب. فهذا شاهدٌ قويٌّ لطريق مُصعَبٍ بن سعدٍ. وروى عبدُ الرزاق (٢٨٦٦) عن عمرَ ما يوافقُ قولَ سعد، أخرجه من وجهٍ آخرَ عن علقمةَ والأسودِ قال: صلَّينا مع عبدِ الله فطَبَّق، ثمَّ لَقينا عمرَ فصلَّينا معه فطَبَّقْنا، فلمَّا انصَرَفَ قال: ذلك شيءٌ كنّا نَفعَلُه ثمَّ تُرِك. وفي الثِّرمِذيِّ (٢٥٨) من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ قال: قال لنا عمرُ بن الخطّاب: إنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لكم فخُذُوا بالزُّكَب، ورواه البيهقيُّ (٨٤/٢) بلفظ: كنَّا إذا رَكَعْنا جَعَلنا أيديَنا بين أفخاذِنا، فقال عمرُ: إنَّ من السُّنَّة الأخذَ بالرُّكَب. وهذا أيضاً حكمه حكمُ الرَّفع، لأنَّ الصحابيَّ إذا قال: السُّنَّةُ كذا، أو سُنَّ كذا، كان الظاهرُ انصرافَ ذلك إلى سُنَّة (١) أخرجه أحمد (٣٥٨٨)، ومسلم (٥٣٤)، وأبو داود (٨٦٨)، والنسائي (١٠٢٩) و(١٠٣٠)، وانظر تتمة تخريجه في («المسند». (٢) فات الحافظَ أن يعزوه إلى أبي داود (٧٤٧)، والنسائي (١٠٣١). ٤٠٨ باب ١١٨ / ح ٧٩٠ فتح الباري بشرح البخاري النبيِّ ◌ََّ، ولا سيّما إذا قاله مثلُ عمرَ. قوله: ((فنُهينا عنه)) استَدلَّ به ابنُ خُزيمة على أنَّ التَّطبيقَ غيرُ جائز، وفيه نظرٌ لاحتمال حمل النَّهيِ على الكراهة، فقد روى ابنُ أبي شَيْبة (١ / ٢٤٥) من طريق عاصمٍ بن ضَمْرةَ عن عليّ قال: إذا رَكَعت فإن شِئت قلت هكذا - يعني وضَعت يَدَيك على رُكَبَتَيَك - وإن شِئت طَبَّقْتَ. وإسناده حسنٌ، وهو ظاهر في أنَّه كان يَرَى التَّخيير، فإمَّا أنَّه لم يَبلُغه النَّهيُ، وإمَّا حمله على كراهة التَّنزيه. ويدلُّ على أنَّه ليس بحَرامِ كون عمر وغيره ممَّن أنكَرَه لم يأمر مَن فعَلَه بالإعادة. فائدة: حكى ابن بَطَّل عن الطَّحاويّ وأقرَّه أنَّ طريق النَّظر يقتضى أنَّ تفريق اليدينِ أولى من تطبيقهما، لأنَّ السُّنَّة جاءَت بالتَّجافي في الركوع والسجود، وبالمُراوَحة بين القدمين، قال: فلمَّا اتَّفَقوا على أولَويَّة تَفريقهما في هذا، واختَلَفوا في الأوَّل، اقتَضَى النَّظرُ أن يُلحَق ما اختَلَفوا فيه بما اتَّفَقوا عليه، قال: فَثَبَتَ انتفاءُ التَّطبيقِ ووجوبُ وضع اليدينِ على الرُّکبتين، انتھی کلامه. وتعقّبه الزَّين بن المنيِّر بأنَّ الذي ذكره مُعارَض بالمواضعِ التي سُنَّ فيها الضمُّ كَوضعِ اليُمنَى على اليُسرَى في حال القيام، قال: وإذا ثَبَتَ مشروعيَّةُ الضمِّ في بعض مقاصد الصلاة بَطَلَ ما اعتمده من القياس المذكور. نَعَم لو قال: إنَّ الذي ذكره ما يقتضي مَزيَّة التَّفريج على التَّطبيق لكان له وجه. قلت: وقد وَرَدَت الحِكْمة في إثبات التَّفريج على التَّطبيق عن عائشة رَضِيَ الله عنها، أورَدَهُ سيفٌ في ((الفتوح)) من رواية مسروق أنَّه سألها عن ذلك فأجابت بما مُحُصَّله: إنَّ التَّطبيق من صنيع اليهود، وإِنَّ النبيَّ لَّهِ نهى عنه لذلك، وكان النبيّ وَّه يُعجِبُهُ موافقةُ أهلِ الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثمَّ أُمِرَ في آخر الأمر بمُخالَفتِهم، والله أعلم. قوله: ((أنْ نَضَع أيديَنا)) أي: أكُفّنا، من إطلاق الكُلّ وإرادة الجزء، ورواه مسلمٌ (٥٣٥) من طريق أبي عَوَانة عن أبي يَعفُور بلفظ: وأُمِرْنا أن نَضرِب بالأكُفِّ على الرُّكَب. وهو ٤٠٩ باب ١١٩ / ح ٧٩١ أبواب صفة الصلاة مُناسب للفظ الترجمة. ١١٩ - باب إذا لم يُتمَّ الركوع ٧٩١- حدَّثنا حفصُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن سُليمانَ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ ٢٧٥/٢ وَهْبٍ قال: رَأْى ◌ُذَيفةُ رجلاً لا يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجودَ، قال: ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطْرةِ الَّتِي فَطَرَ الله محمَّداً وَه. قوله: ((باب إذا لم يُتِمّ الرُّكُوع)) أفرَدَ الركوع بالذِّكرِ مع أنَّ السجود مثلُه، لكَونِهِ أَفَرَدَه بترجمةٍ تأتي، وغَرَضه سياق صفة الصلاة على ترتيب أركانها، واكتَفَى عن جواب ((إذا)» بما تَرجَمَ به بعدُ من أمر النبيّ ◌َّهِ الذي لم يُتِمّ رُكوعَه بالإعادة. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش. قوله: ((رَأى حُذَيفَة رجلاً)) لم أقِفْ على اسمه، لكن عند ابن خُزيمة(١) وابن حِبَّان (١٨٩٤) من طريق الثَّوريّ عن الأعمَش: أنَّه كان عند أبواب كِندة، ومثله لعبد الرزاق (٣٧٣٣) عن الثَّوريّ. قوله: ((لا يُتِمّ الرُّكُوعِ والسُّجود)» في رواية عبد الرزاق: فجعلَ يَنْقُر ولا يُتِمّ رُكوعَه. زاد أحمد عن محمد بن جعفر عن شُعْبة: فقال: منذُ كَم صلَّيت؟ فقال: منذُ أربعينَ سنة (٢) ومثله في رواية الثَّوري، وللنَّسائيِّ (١٣١٢) من طريق طَلْحة بن مُصَرِّف عن زيد بن وَهْب مثله، وفي حمله على ظاهره نَظَر، وأظنّ ذلك هو السَّبَب في كون البخاري لم يَذكُر ذلك، وذلك لأَنَّ حُذَيفة ماتَ سنة سِتّ وثلاثينَ، فعلى هذا يكون ابتداءُ صلاةٍ المذكورِ قبل الهجرة بأربعِ (١) كذا عزاه الحافظُ هنا إلى ابن خزيمة، مع أنه لم يعزه إليه في («إتحاف المهرة)) (٤١٦١)، وإنما عزاه إلى أحمد وابن حبان. وهو في ((مسند أحمد)) (٢٣٢٥٨) لكن عن أبي معاوية عن الأعمش. (٢) كذا قال الحافظُ هنا، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، لأن أحمد لم يخرّج الحديث من هذا الطريق، وإنما أخرجه (٢٣٢٥٨) من طريق أبي معاوية عن الأعمش بالإسناد المذكور، و(٢٣٣٦٠) من طريق أبي وائل عن حذيفة، ثم إن الزيادة التي أشار إليها هي عند عبد الرزاق، وهي عند أحمد في رواية أبي وائل .. ٤١٠ باب ١٢٠ فتح الباري بشرح البخاري أو أكثر، ولعلَّ الصلاةَ لم تكن فُرِضَت بَعدُ، فلعلَّه أطلَقَ وأراد المبالغة، أو لعلَّه ممَّن كان(١) يُصلِّي قبل إسلامه ثمَّ أسلمَ، فحَصَلت المدَّة المذكورة من الأمرَين. قوله: ((ما صلَّيتُ)) هو نَظِير قولِه ◌َّه للمُسىءٍ صلاته: «فإنّك لم تُصلّ)) وسيأتي بعد باب (٧٩٣). قوله: ((فَطَرَ الله محمَّداً)) زاد الكُشْمِيهنيّ: عليها. واستُدِلَّ به على وجوب الطُّمَأنينة في الركوع والسجود، وعلى أنَّ الإخلال بها مُبطِل للصلاة، وعلى تكفير تاركِ الصلاةِ لأنَّ ظاهره أنَّ حُذَيفةَ نَفَى الإسلامَ عمَّن أخَلَّ ببعض أركانها، فيكون نفيُه عمَّن أخَلَّ بها كلَّها أولى، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالفِطْرة الدّينُ، وقد أُطْلِقَ الكفرُ على مَن لم يُصلِّ كما رواه ومُسلمٌ (٢) وهو إمَّا على حقيقته عند قوم، وإمَّا على المبالغة في الزَّجْر عند آخرين. قال الخطّابُّ: الفِطْرةُ: الِلَّة أو الدِّينُ، قال: ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السُّنَّة، كما جاءَ: ((خمسٌ من الفِطْرة)) الحديثَ(٣)، ويكون حُذَيفة قد أراد توبيخ الرجل ليَرتَدِعَ في المستقبَل، ويُرجِّحه وُرودُه من وجهٍ آخرَ بلفظ: ((سُنَّة محمد)) كما سيأتي بعد عشرة أبواب (٨٠٨)، وهو مَصيرٌ من البخاري إلى أنَّ الصحابيّ إذا قال: سُنَّة محمد، أو فِطرَته، كان حديثاً مرفوعاً، وقد خالَفَ فيه قوم والرَّاجح الأوَّل. ١٢٠ - باب استواء الظّهر في الركوع وقال أبو مُميدٍ في أصحابه: رَكَعَ النبيُّ ◌َِّ، ثمَّ مَصَرَ ظهرَه. قوله: ((باب استِواء الظَّهْر في الُّكُوع)) أي: من غير مَيل في الرَّأس عن البَدَن ولا عكسه. قوله: ((وقال أبو مُميدٍ)) هو الساعديّ. قوله: ((هَصَرَ ظهره)) بفتح الهاء والصاد المهمَلة، أي: أمالَه، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: (١) تحرَّفت في (س) إلى: کاد. (٢) برقم (٨٢) من حديث جابر مرفوعاً: ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر تركَ الصلاة)). (٣) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٥٨٨٩). ٤١١ باب ١٢١ / ح ٧٩٢ أبواب صفة الصلاة حَنَى - بالمهمَلة والنُّون الخفيفة - وهو بمعناه، وسيأتي حديث أبي حميدٍ هذا موصولاً مُطوَّلاً في ((باب سُنَّة الجلوسِ في التشهُّد (٨٢٨) بلفظ: ثمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يديه على رُكبَتَه ثمَّ هَصَرَ ظَهرِه)) زاد أبو داود من وجه آخر عن أبي حميدٍ (٧٣٤): ووَتَّرَ يديه فتَجافَى عن جَنْبَيْه، وله من وجه آخر (٧٣١): أمكَنَ كَفَّيه من رُكَبَتَه وفَرَّجَ بين أصابعِه، ثمَّ هَصَرَ ظَهره غير مُقنِع رأسَه ولا صافحٍ بخَدِّه. ١٢١- وحَدُّ إتمام الركوع والاعتدال فيه والاطمأنينة ٧٩٢ - حدَّثنَا بَدَلُ بنُ المُحَيَِّ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني الحگمُ، عن ابن أبي ليلى،٢٧٦/٢ عن البَرَاءِ قال: كان ركوعُ النبيِّ ◌َّ وسجودُه، وبينَ السجدتينِ، وإذا رفع من الُُّوعِ، ما خَلا القِيامَ والقُعُودَ، قَرِيباً من السَّواءِ. [طرفاه في: ٨٠١، ٨٢٠] قوله: ((وحدُّ إتمام الُّكوع والاعتدال فيه)) وقع في بعض الروايات عند الكُشْمِيهنيِّ وهو للأَصِيليِّ هنا: ((باب إتمام الركوع)) ففَصَلَه عن الباب الذي قبله بباب، وعند الباقين الجميع في ترجمة واحدة إلّا أنَّهم جعلوا التَّعليق عن أبي حميدٍ في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى، ودلالة حديث البراء على ما بعدها. وبهذا يجاب عن اعتراض ناصر الدّين بن المنيِرِ حيثُ قال: حديث البراء لا يطابق الترجمة، للاستواء في الركوع السالم من الزّيادة في حُنوّ الرَّأس دون بقيَّة البَدَن أو العكس، والحديث في تساوي الركوع مع السجود وغيره في الإطالة والتخفيف، انتهى. وكأنَّه لم يتأمَّل ما بعد حديث أبي حميدٍ من بقيَّة الترجمة. ومُطابَقةٌ حديث البراء لقوله: ((حَدّ إتمام الركوع)) من جهة أنَّه دالٌ على تسوية الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَين، وقد ثَبَتَ في بعض طرقه عند مسلم (٤٧١) تطويل الاعتدال، فيُؤخَذ منه إطالة الجميع، والله أعلم. قوله: ((والاطمأنينة)) كذا للأكثر بكسر الهمزة - ويجوز الضم ـ وسكون الطَّاء، ٤١٢ باب ١٢١ / ح ٧٩٢ فتح الباري بشرح البخاري وللكُشْمِيهنيّ: ((والطَّمَأْنينة)) بضمِّ الطَّاء وهي أكثر في الاستعمال، والمراد بها السُّكون، وحَدّها: ذهاب الحَرَكة التي قبلها، كما سيأتي مُفسَّراً في حديث أبي حميدٍ. قوله: ((أخبرنا الحكَم)) هو ابن عُتَيبة ((عن ابن أبي ليلى)) هو عبد الرحمن، ووقع التصريح بتحديثه له عند مسلم (٤٧١). قوله: ((ما خَلا القيامَ والقُعُودَ)) بالنصب فيهما، قيل: المراد بالقيام الاعتدال، وبالقعود: الجلوس بين السَّجدَتَين، وجَزَمَ به بعضهم، وتمسَّكَ به في أنَّ الاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَينِ لا يُطوَّلان. ورَدَّه ابن القيِّم في كلامه على ((حاشية السُّنَن)) فقال: هذا سُوءُ فَهْم مِنْ قائله، لأنَّه قد ذكرهما بعينهما فكيف يستثنيهما؟ وهل يَحسُن قول القائل: جاءَ زيد وعَمْرو وبَكر وخالد إلَّا زيداً وعَمراً، فإنَّه مَتَى أراد نفي المجيء عنهما كان تَناقُضاً. انتهى، وتُعُقِّبَ بأنَّ المراد بذِكْرها: إدخالها في الطُّمَأْنينة، وباستثناء بعضها: إخراج المستثنَى من المساواة. وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: («قريباً من السَّواء)) أنَّ كلّ رُكنٍ قريبٌ من مثله، فالقيام الأوَّل قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللَّذَينِ استُثنيا الاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَينِ. ولا يخفى تكلُّفه. واستدلَّ بظاهرِه على أنَّ الاعتدال رُكن طويل ولا سيّما قوله في حديث أنس: حتَّى يقول القائل: قد نسي(١)، وفي الجواب عنه تَعَسُّف، والله أعلم. وسيأتي هذا الحديث بعد أبواب بغير استثناء، وكذا أخرجه مسلم من طرق (٤٧٢). وقيل: المراد بالقيام والقعود القيامُ للقراءة والجلوس للتشهُّدِ، لأنَّ القيام للقراءة أطول من جميع الأركان في الغالب. واستُدلَّ به على تطويل الاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَينِ كما سيأتي في (باب الطُّمَأنينة حين يرفع رأسه من الركوع)) (٨٠١) مع بقيَّة الكلام عليه إن شاء الله تعالى. (١) سيأتي برقم (٨٠٠). ٤١٣ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ أبواب صفة الصلاة ١٢٢ - باب أمر النبي ◌َّ الذي لا يُتمُّ ركوعه بالإعادة ٧٩٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيد الله، قال: حدَّثنا سعيدٌ ٢٧٧/٢ المَقْرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ وَّ دخل المسجدَ فدَخل رجلٌ فصَلَّى، ثمَّ جاءَ فسَلَّمَ على النبيِّ وََّ فَرَدَّ النبيُّوَِّ عليه السَّلامَ، فقال: ((ارجِعْ فصَلِّ فِنَّكَ لم تُصلِّ))، فصَلَّى ثمّ جاءَ فسَلَّمَ على النبيِّ وَّه فقال: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصلِّ)) - ثلاثاً - فقال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ فما أُحْسِنُ غيرَه فعَلِّمْني، قال: ((إذا قمتَ إلى الصلاة فكَبِّر، ثمَّ اقْرَأْ ما تَسَّرَ معكَ من القرآنِ، ثمَّ اركَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعاً، ثمَّ ارفَعْ حتَّى تَعْتَدِلَ قائماً، ثمَّ اسجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جالساً، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ افْعَلْ ذلك في صلاتكَ کلِّها». قوله: ((باب أمرِ النبيِّ وَ ﴿ِ الذي لا يُتِمّ الرُّكُوع بالإعادة)) قال الزَّين بن المنيِّر: هذه من التَّراجم الخفيَّة، وذلك أنَّ الخبر لم يقع فيه بيان ما نَقَصَه المصلِّي المذكورُ، لكنَّه ◌َِّ لمَّا قال له: (ثمَّ اركَع حتَّى تَطمَئِنّ راكعاً» إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتَضَى ذلك تساويها في الحكم لتَناوُل الأمرِ كلَّ فردٍ منها، فكُلّ مَن لم يُتِمّ رُكوعه أو سجوده أو غيرَ ذلك ممّا ذُكِرَ مأمور بالإعادة. قلت: ووقع في حديث رِفاعة بن رافع عند ابن أبي شَيْبة (٢٨٧/١) في هذه القصّة: دخل رجل فصلَّى صلاةً خفيفةً لم يُتِمّ رُكوعَها ولا سجودَها. فالظاهر أنَّ المصنِّف أشارَ بالترجمة إلى ذلك. قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العمريّ. قوله: ((عن أبيه)) قال الدَّارَقُطنيُّ: خالَفَ يحيى القَطّانُ أصحابَ عبيد الله كلَّهم في هذا الإسناد، فإنَّهم لم يقولوا: عن أبيه، ويحيى حافظٌ، قال: فيُشبِه أن يكون عبيد الله حدَّث به على الوجهين. وقال البزار: لم يُتابع یحیی علیه، ورَجَّحَ الِّرمِذيُّ روایة یحیی. قلت: لكُلِّ من الروايتين وجهٌ مُرَجِّح، أمَّا رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأمَّا الرواية ٤١٤ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ فتح الباري بشرح البخاري الأُخرى فللكثرة، ولأنَّ سعيداً لم يوصف بالتدليسِ وقد ثَبَتَ سماعه من أبي هريرة، ومن ثَمَّ أخرج الشَّيخان الطريقَين. فأخرج البخاري طريق يحيى هنا، وفي ((باب وجوب القراءة)) (٦٢٥٢). وأخرج في الاستئذان (٦٢٥١) طريق عَبد الله بن نُمَير، وفي الأيمان والنُّذُور (٦٦٦٧) طريق أبي أُسامةَ، كلاهما عن عبيد الله ليس فيه: عن أبيه، وأخرجه مسلم (٣٩٧) من رواية الثلاثة. وللحديث طريق أُخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنَّسائيُّ من رواية إسحاق بن أبي طَلْحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عَمْرو ومحمد بن عَجْلان وداود بن قيس، كلهم عن عليّ بن يحيى بن خَلَّاد بن رافع الزُّرقيّ، عن أبيه، عن عَمّه رِفاعة بن رافع. فمنهم مَن لم يُسمِّ رِفاعة قال: عن عَمّ له بدريٌّ، ومنهم مَن لم يقل: عن أبيه (١)، ورواه النَّسائيُّ (٦٦٧)، والتِّرمِذيّ (٣٠٢)(٢) من طريق يحيى بن عليّ بن يحيى، عن أبيه، عن جَدّه، عن رِفاعة، لكن لم يَقُلِ التِّرمِذيّ: عن أبيه، وفيه اختلاف آخر نَذكُره قريباً. قوله: ((فدخل رجل)) في رواية ابن ثُمَير: ورسول الله و ◌َّل جالس في ناحية المسجد، وللنَّسائيِّ (١١٣٦) من رواية إسحاق بن أبي طَلْحة: بينما رسول الله وَّلِ جالس ونحنُ حوله. وهذا الرجل هو خَلَّاد بن رافع جَدّ عليّ بن يحيى راوي الخبر، بيَّنْه ابن أبي شَيْبة عن عبَّاد بن العَوّام، عن محمد بن عَمرو، عن عليّ بن يحيى، عن رِفاعة: أنَّ خَلَّاداً دخل المسجد (٣). وروى أبو موسى في ((الذَّيل)) من جهة ابن عُيَينةَ عن ابن عَجْلان عن عليّ بن (١) أخرجه أبو داود (٨٥٨ - ٨٦٠)، والنسائي (١٠٥٣) و(١١٣٦) و(١٣١٣) و(١٣١٤). (٢) وهو عند أبي داود أيضاً (٨٦١). (٣) الذي في ((المصنف)) ١/ ٢٤٤ عن عباد بن العوام بالإسناد المذكور: أن النبي ◌ٍَّ قال لرجل، ولم يسمِّه، وقد ترجم الحافظ لخلّاد بن رافع في ((الإصابة)) ٣٣٨/٢ وجزم هناك بأنه هو المُسيء صلاته، واعتمد في ذلك على رواية محمد بن عمرو التي عند ابن أبي شيبة، وزاد هناك نسبتها إلى أحمد (١٨٩٩٥)، واعتمد أيضاً على رواية شريك بن أبي نَمِر عن علي بن يحيى عند الطحاوي ١/ ٢٣٢، وذكر أيضاً رواية ابن عيينة عند أبي موسى المديني في ((الذيل على الصحابة)) وأظهر بعض ما خفي من إسنادها هنا فقال: عن سفيان ابن وكيع، عن أبيه، عن ابن عيينة، فذكره. ولم نجد في شيء مما ذكره النصَّ على أن الداخل = ٤١٥ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ أبواب صفة الصلاة يحيى بن عبد الله بن خَلَّاد، عن أبيه، عن جَدّه: أنَّه دخل المسجد. انتهى، وفيه أمران: زيادة عبد الله في نَسَب عليّ بن يحيى، وجَعْلُ الحديث من رواية خَلَّاد جدِّ عليٍّ. فأمَّا الأوَّل فوَهمٌ من الراوي عن ابن عُيَينة، وأمَّا الثاني فمِن ابن عُيَينةَ لأَنَّ سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك لكن بإسقاط عبد الله، والمحفوظ أنَّه من حديث رِفاعة، كذلك أخرجه أحمد (١٨٩٩٧) عن يحيى بن سعيد القَطّان، وابن أبي شَيْبة (٢٨٧/١) عن أبي خالد الأحمر كلاهما، عن محمد بن عَجْلان. وأمَّا ما وقع عند التِّرمِذيّ (٣٠٢): إذ جاءَ رجل كالبَدويِّ فصلَّى فأخَفَّ صلاتَه، فهذا لا يمنع تفسيره بخَلَّاد، لأنَّ رِفاعة شَبَّهَه بالبَدويِّ لكَونِه أخَفَّ الصلاةَ، أو لغير ذلك. قوله: ((فصَلَّى)) زاد النَّسائيُّ (١٣١٤) من رواية داود بن قيس: ركعتين. وفيه إشعار بأنَّه ٢٧٨/٢ صلَّى نَفْلاً، والأقرب أنَّها تحيَّة المسجد. وفي الرواية المذكورة: وقد كان النبيّ يَّ يَرمُقه في صلاته. زاد في رواية إسحاق بن أبي طَلْحة (١): ولا ندري ما يَعيبُ منها، وعند ابن أبي شَيْبة من رواية أبي خالد (١/ ٢٨٧): يَرمُّقه ونحنُ لا نَشعُر. وهذا محمول على حالهم في المرّة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنَّه قال: ولا نَشعُر بما يَعيب منها. قوله: ((ثُمَّ جاءَ فسَلَّمَ)) في رواية أبي أُسامة: فجاءَ فسَلَّم. وهي أولى لأنَّه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخِ. قوله: ((فَرَدَّ النبيّ ◌َّ) في رواية مسلم (٣٩٧)، وكذا في رواية ابن نُمَير في الاستئذان (٦٢٥١): فقال: وعليك السلام. وفي هذا تَعَقُّبٌ على ابن المنيِّرِ حيثُ قال فيه: إنَّ الموعظة في وقت الحاجة أهمُّ من ردِّ السلام، ولأنَّه لعلَّه لم يَرُدَّ عليه السلام تأديباً على جَهْله، فيُؤخَذ منه التأديب بالهَجْر وترك السلام. انتهى، والذي وقفنا عليه من نُسَخ ((الصحيحين)) = إلى المسجد الذي أساء صلاته هو خلّاد بن رافع، وأما رواية اين عيينة ففي الطريق إليه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. وعليه فلا يثبت أن خلّاد بن رافع هو المسيء صلاته، خصوصاً وأن رفاعة قال فيه في رواية: جاء رجل کالبدويّ، فإنه لا يقول مثل ذلك في جدِّه، والله أعلم. (١) عند النسائي (١١٣٦). ٤١٦ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ثبوت الردّ في هذا الموضع وغيره، إلَّا الذي في الأيمان والنُّذور (٦٦٦٧)، وقد ساق الحديث صاحب ((العُمْدة)) بلفظ الباب إلَّا أنَّه حَذَفَ منه: فَرَدَّ النبيّ وَّةِ، فلعلَّ ابن المنيِّر اعتمد على النُّسخة التي اعتمد عليها صاحب ((العُمدة)). قوله: ((ارجع)) في رواية ابن عَجْلان فقال: ((أعِد صلاتَك)). قوله: ((فإِنَّك لم تُصلِّ)) قال عياض: فيه أنَّ أفعال الجاهل في العبادة على غير عِلم لا تُّجِزِئ، وهو مبنيّ على أنَّ المراد بالنَّفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر، ومَن حمله على نفي الكمال تمسَّكَ بأَنَّهِ له لم يأمره بعد التَّعليم بالإعادة، فدلَّ على إجزائها، وإلّا لَزِمَ تأخيرُ البيان، كذا قاله بعض المالكيَّة وهو المهلَّب ومَن تَبِعَه، وفيه نظر، لأنَّه وَّه قد أمره في المرّة الأخيرة بالإعادة، فسألَه التَّعليم فعَلَّمَه، فكأنَّه قال له: أعِد صلاتك على هذه الكيفيَّة، أشارَ إلى ذلك ابن المنِّر، وسيأتي في آخر الكلام على الحديث مزید بحث في ذلك. قوله: ((ثلاثاً)) في رواية ابن نُمَير (٦٢٥١): فقال في الثالثة أو في التي بعدها، وفي رواية أبي أسامة (٦٦٦٧): فقال في الثانية أو الثالثة. وتَتَرجَّح الأولى لعدمٍ وقوع الشكّ فيها، ولكَونِه ◌َ ﴿ كان من عادته استعمال الثَّلاث في تعليمه غالباً. قوله: ((فعَلِّمْني)) في رواية يحيى بن عليّ(١): فقال الرجل: فأرِني وعَلِّمني، فإنّما أنا بَشَر أُصيب وأُخطِئ، فقال: ((أجل)). قوله: ((إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر)) في رواية ابن نُمَير (٦٢٥١): ((إذا قمت إلى الصلاة فَأَسبغِ الوضوءَ ثمَّ استَقبِل القِبْلة فكَبِّر))، وفي رواية يحيى بن عليّ: ((فَتَوضَّأْ كما أمركَ الله ثمَّ تَشَهَّد وأقِم))، وفي رواية إسحاق بن أبي طَلْحة عند النَّسائيِّ (١١٣٦): ((إنَّها لم تَتِمّ صلاة أحدِكم حتَّى يُسبغ الوضوءَ كما أمره الله، فيَغسِل وجهه ويديه إلى المِفَقَينِ، ويَمسَح رأسه ورِجِلَيه إلى الكعبينِ، ثمَّ يُكبِّ الله وتَحمَده ويُمَجِّده)) وعند أبي داود (٨٥٨): ((ويُثني علیه)) بدلَ: ((ويُمَجِّده)). (١) عند الترمذي (٣٠٢). ٤١٧ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ أبواب صفة الصلاة قوله: ((ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيسَّرَ معك من القرآن)) لم تَخْتَلِف الروايات في هذا عن أبي هريرة، وأمَّا رِفاعة ففي رواية إسحاق المذكورة: ((ويقرأ ما تَيسَّرَ من القرآن ممَّا عَلَّمَه الله تعالى))، وفي رواية يحيى بن عليّ: ((فإن كان معك قُرآن فاقرأ، وإلَّا فاحَمَدِ الله وكَبِّه وهَلِّله))، وفي رواية محمد بن عَمْرو عند أبي داود (٨٥٩): ((ثمَّ اقرأ بأمّ القرآن أو بما شاءَ الله))، ولأحمد (١٨٩٩٥) وابن حِبَّان (١٧٨٧) من هذا الوجه: ((ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن، ثمَّ اقرأ بما شِئت)). تَرجَمَ له ابن حِبَّان: البيان بأنَّ فرض المصلِّ قراءة فاتحة الكتاب في كلّ رَكعة. قوله: ((حتَّى تَطْمَئِنّ راكِعاً)) في رواية أحمد هذه القريبة: ((فإذا رَكَعتَ فاجعَل راحَتَيك على رُكَبَيك، وامدُد ظَهرك وتمكَّن لرُكوعِك))، وفي رواية إسحاق بن أبي طَلْحة: «ثمَّ يُكبِّ فیرکمُ حتَّى تَطْمَئِنَّ مَفاصلُه ويَستَرخي». قوله: ((حتَّى تَعْتَدِل قائمً)) في رواية ابن نُمَير عند ابن ماجَهْ (١٠٦٠): ((حتَّى تَطْمَئِنّ قائما)) أخرجه ابن أبي شَيْبة عنه(١)، وقد أخرج مسلم (٤٦/٣٩٧) إسناده/ بعينه في هذا ٢٧٩/٢ الحديث لكن لم يَسُق لفظه فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن أبي أسامة، وهو في ((مُستخرَج أبي نُعيمٍ)) من طريقه، وكذا أخرجه السَّاج (٢) عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة، فَثَبَتَ ذِكْر الطُّمأنينة في الاعتدال على شرط الشَّيخَين، ومثله في حديث رِفاعة عند أحمد (١٨٩٩٧) وابن حِبَّان، وفي لفظ لأحمد (١٨٩٩٥): ((فأقِم صُلبك حتَّى تَرجِع العظام إلى مَفاصلها)) وعُرِفَ بهذا أنَّ قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها - أي: الطُّمَأنينة في الرَّفع من الركوع - شيء، لأنَّها لم تُذكَر في حديث المُسيء صلاته، دالٌ على أنَّه لم يقف على هذه الطّرق الصحيحة. قوله: (ثمَّ اسجُد)) في رواية إسحاق بن أبي طَلْحة(٣): ((ثمَّ يُكبِر فيَسجُد حتَّى يُمكِّن (١) هو في ((المصنف)) ٢٨٧/١- ٢٨٨ عن أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر. بلفظ: ((حتى تعتدل قائماً)). لكن أخرج ابنُ أبي شيبة ١/ ٢٨٧ حديث رفاعة بن رافع، بهذا اللفظ الذي أشار إليه الحافظ. (٢) في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٢٥٢٦). (٣) عند النسائي (١١٣٦). ٤١٨ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ فتح الباري بشرح البخاري وجهه - أو جَبْهته - حتَّى تَطْمَئِنّ مَفاصله وتَستَرخي)). قوله: (ثُمَّ ارفَع)) في رواية إسحاق المذكورة: «ثمَّ يُكبِر فيركع حتَّى يَستَوي قاعداً على مَقعَدَته ويُقيم صُلبَه))، وفي رواية محمد بن عَمرو(١): ((فإذا رَفَعت رأسك فاجلِس على فخِذك اليُسرَى))، وفي رواية إسحاق: ((فإذا جلست في وسَط الصلاة فاطمَئِنَّ جالساً، ثمَّ افتَرِش فخِذك اليُسرَى ثمَّ تَشَهَّد)». قوله: «ثُمَّ افْعَلْ ذلك في صلاتك کلّها» في رواية محمد بن عمرو: «ثمَّ اصنع ذلك في کلّ ركعة و سجدة)). تنبيه: وقع في رواية ابن نُمَير في الاستئذان (٦٢٥١) بعد ذِكْر السجود الثاني: «ثمَّ ارفَع حتَّى تَطْمَئِنّ جالساً). وقد قال بعضهم: هذا يدلُّ على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد، وأشارَ البخاري إلى أنَّ هذه اللَّفظة وَهمٌّ، فإنَّه عَقَّبَه بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: حتَّى تَستَوي قائماً. ويُمكِن أن يُحمَل - إن كان محفوظاً - على الجلوس للتشهُّد، ويقوِّيه رواية إسحاق المذكورة قريباً. وكلام البخاري ظاهر في أنَّ أبا أُسامة خالَفَ ابنَ نُمَير، لكن رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن أبي أُسامة كما قال ابنُ نُمَير بلفظ: («ثمَّ اسجُد حتَّى تَطمَئِنّ ساجداً، ثمَّ اقعُد حتَّى تَطمَئِنّ قاعداً، ثمَّ اسجُد حتَّى تَطمَئِنّ ساجداً، ثمَّ اقعُد حتَّى تَطمَئِنّ قاعداً، ثمَّ افعَل ذلك في كلّ رَكعة)). وأخرجه البيهقيُّ (٢/ ٣٧٢) من طريقه وقال: کذا قال إسحاق بن راهويه عن أبي أسامة، والصحيح رواية عُبيد الله بن سعيد أبي قُدامةَ ويوسف بن موسى، عن أبي أُسامة بلفظ: ((ثمَّ اسجُد حتَّى تَطمَئِنّ ساجداً، ثمَّ ارفَع حتَّى تَستَوي قائماً))، ثمَّ ساقه من طریق یوسف بن موسى كذلك. واستدلَّ بهذا الحديث على وجوب الطُّمَأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور، واشتُهِرَ عن الحنفيَّة أنَّ الطُّمَأْنينة سُنَّة، وصَرَّحَ بذلك كثير من مصنِّفيهم، لكنَّ كلامَ (١) عند أحمد (١٨٩٩٥)، وأبي داود (٨٥٩). ٤١٩ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ أبواب صفة الصلاة الطَّحاويّ كالصَّريح في الوجوب عندهم، فإنَّه تَرجَمَ مقدار الركوع والسجود (١/ ٢٣٢)، ثمَّ ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود (٨٨٦) وغيره في قوله: ((سبحان رَبّ العظيم - ثلاثاً - في الركوع وذلك أدناه))(١)، قال: فذهب قوم إلى أنَّ هذا مقدارُ الركوع والسجود لا يُجْزِئ أدنَى منه، قال: وخالَفَهم آخرون فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمَأنَّ ساجداً أجزَأ، ثمَّ قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. قال ابنُ دَقِيق العيد: تكرَّرَ من الفقهاء الاستدلالُ بهذا الحديث على وجوب ما ذُكِرَ فيه وعلى عدم وجوب ما لم يُذكَر، أمَّا الوجوب فلِتَعلَّق الأمر به، وأمَّا عدمه فليس لُجرَّدٍ كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذُكِرَ، ويتقوَّى ذلك بكَونِهِ وَ﴿ ذكر ما تَعلَّقت به الإساءَةُ من هذا المصلِّي وما لم تتعلَّق به، فدلَّ على أنَّه لم يَقْصُرِ المقصود على ما وقعت به الإساءَة. قال: فَكُلّ موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكوراً في هذا الحديث، فلَنا أن نَتمسّك به في وجوبه، وبالعكس. لكن يحتاج أوَّلاً إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأُمور المذكورة فيه والأخذ بالزّائد فالزائد، ثمَّ إِن عارَضَ الوجوب أو عدمه دليلٌ أقوى منه عُمِلَ به، وإن جاءَت صيغة الأمر في حديث آخر بشيءٍ لم يُذكَر في هذا الحديث قُدِّمَت. قلت: قد امتَثَلتُ ما أشارَ إليه وجمعتُ طرقه القويَّة من رواية أبي هريرة ورِفاعة، وقد ٢٨٠/٢ أملَيت الزّيادات التي اشتملت عليها. فممَّا لم يُذكَر فيه تصريحاً من الواجبات المتَّفَق عليها: النَيَّة، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه: التشهُّد الأخير، والصلاة على النبيّ ◌َّ فيه، والسلام في آخر الصلاة. قال النَّوَويّ: وهو محمول على أنَّ ذلك كان معلوماً عند الرجل. انتهى، وهذا يحتاج إلی تکمِلة، وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذُكِرَ كما تقدَّم، وفيه بعد ذلك نظرٌ. (١) الحديث أخرجه أبو داود (٨٨٦)، وابن ماجه (٨٩٠)، والترمذي (٢٦١) من طريق عون بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود. وقال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله. ٤٢٠ باب ١٢٢ / ح ٧٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قال: وفيه دليل على أنَّ الإقامة والتعوُّذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدينِ في الإحرام وغیره، ووَضْعَ الْيُمنَى على اليُسرَى، وتكبيراتِ الانتقالات، وتسبيحاتِ الركوع والسجود، وهيئاتِ الجلوس، ووضعَ اليد على الفَخِذ، ونحو ذلك ممَّا لم يُذكَر في الحديث ليس بواجبٍ. انتهى، وهو في مَعرِض المنع لثبوتِ بعض ما ذُكِرَ في بعض الطُّرق كما تقدَّم بيانه، فیحتاج من لم يقل بوجوبه إلی دلیل على عدم وجوبہ کما تقدَّم تقریره. واستدلَّ به على تَعيُّن لفظ التكبير، خلافاً لمن قال: يُجْزِئ بكلِّ لفظ يدلّ على التَّعظيم، وقد تقدَّمت هذه المسألة في أوَّلِ صفة الصلاة. قال ابنُ دَقِيق العيد: ويتأيَّد ذلك بأنَّ العبادات محلّ التعبُّدات، ولأنَّ رُتَب هذه الأذكار مختلفة، فقد لا يتأدَّى برُتبةٍ منها ما يُقصَد برتبةٍ أُخرى، ونَظِيره الركوع، فإنَّ المقصود به التَّعظيم بالخضوع، فلو أبدَلَه بالسجودِ لم يُحِزِئ، مع أنَّه غاية الخُضوع. واستدلَّ به على أنَّ قراءة الفاتحة لا تتعيَّنُ. قال ابنُ دَقِيق العيد: ووجهه أنَّه إذا تَيسَّرَ فيه غيرُ الفاتحة فقرأه يكونُ مُمْتَثِلاً فَيَخرُج عن العُهْدة، قال: والذين عَيَّنوها أجابوا بأنَّ الدليل على تعيينها تقييد للمُطلَق في هذا الحديث. وهو مُتَعقَّب، لأنَّه ليس بمُطلَقٍ من كلّ وجه بل هو مُقيَّد بقَيدِ التَّيسير الذي يقتضي التَّخيير، وإنَّما يكونُ مُطلَقاً لو قال: اقرأْ قُرآناً، ثمَّ قال: اقرأ فاتحة الكتاب. وقال بعضهم: هو بيان للمُجمَل، وهو مُتَعقَّب أيضاً، لأنَّ المجمَل ما لا تَتَّضِح دلالته، وقوله: ((ما تَيسَّر)) مُتَّضِح لأنَّه ظاهرٌ في التَّخيير، قال: وإنَّما يَقْرُب ذلك إن جُعِلت ((ما)) موصولةً، وأُریدَ بها شيء مُعيَّن وهو الفاتحة لكثرة حِفْظ المسلمين لها، فهي المتيسِّرة. وقيل: هو محمول على أنَّه عَرَفَ من حال الرجل أنَّه لا يَحَفَظ الفاتحة، ومَن كان كذلك كان الواجب عليه قراءةُ ما تَيسَّرَ. وقيل: محمول على أنَّه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفُهما. لكنَّه مُحتمَل، ومع الاحتمال لا يُترَك الصَّريحُ، وهو قوله: ((لا تُجزِئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة