النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ باب ١١٠ / ح ٧٧٩ أبواب صفة الصلاة عبدُ الله بنُ أبي قَتَادَةَ، عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَقْرَأُ بأمِّ الكتابِ وسورةٍ معها في الرَّكْعتَينِ الأولَيْنِ من صلاةِ الظّهر وصلاةِ العَصْرِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحياناً، وكان يُطِيلُ فِي الرَّكْعةِ الأُولَى. قوله: ((بابٌ إذا أسمع)) وللكُشْمِيهنيٍّ: إذا سَمَّع، بتشديد الميم. (الإمامُ الآيةَ)) أي: في السّرّيَّة، خلافاً لمن قال: يَسجُدُ للسَّهوِ إن كان ساهياً، وكذا لمن قال: يَسجُدُ مُطلَقاً. وحديثُ أبي قتادةَ واضحٌ في الترجمة، وقد تقدَّم الكلامُ عليه أيضاً (٧٥٩). ١١٠ - بابٌ يُطوِّل في الركعة الأولى ٧٧٩- حدَّثْنا أبو نُعيم، حذَّثنا هشامٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ، عن أبيه: أنَّ النبيَّ نَّه كان يُطوِّلُ في الرّكْعةِ الأولى من صلاةِ الظَّهِ، ويُقصِّرُ في الثانيةِ، ويَفْعَلُ ذلك في صلاةِ الصُّبحِ. قوله: ((بابٌ يُطوِّلُ في الرَّكْعِ الأُولى)) أي: في جميعِ الصَّلَوات، وهو ظاهرُ الحديث المذكور في الباب، وقد تقدَّم البحثُ فيه أيضاً (٧٥٩). وعن أبي حنيفةً: يُطوِّلُ في أُولَى الصبحِ خاصَّةً. وقال البيهقيُّ في الجمع بين أحاديث المسألة: يُطوِّلُ في الأولى إن كان يَنتَظرُ أحداً، وإلَّا فلْيُسَوِّ بين الأُولَيَين. وروى عبدُ الرزاق (٣٧١٠) نحوَه عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ قال: إنِّي لَأُحِبُّ أن يُطوِّلَ الإمامُ الأُولى من كلِّ صلاةٍ حَتَّى يَكثُرُ الناسُ، فإذا صلَّيْتُ لنفسي، فإِنِّ أحرِصُ على أن أجعَلَ الأولَيَينِ سواءً. وذهب بعضُ الأئمّة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائماً، وأمَّا غيرُها فإن كان يَترجَّى كثرةَ المأمومينَ ويُبادرُ هو أوَّلَ الوقت فِيَنْتَظِرُ، وإلَّ فلا. وذُكِرَ في حِكْمة اختصاص الصبحِ بذلك أنَّها تكونُ عَقِبَ النومِ والرَّاحة، وفي ذلك ٣٨٢ باب ١١١ / ح ٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري الوقت يواطئُ السَّمِعُ والِّسانُ القلبَ لفراغِه وعدم تمكُّنِ الاشتغال بأُمور المعاش وغيرها منه، والعِلمُ عند الله تعالى(١). ١١١ - باب جهر الإمام بالتأمين ٢٦٢/٢ وقال عطاءٌ: آمِينَ دعاءٌ، أمَّنَ ابنُ الزُّبَيرِ ومَن وراءَه حتَّى إِنَّ للمسجدِ لَلَجّةً. وكان أبو هريرةَ يُنادي الإمامَ: لا تَفْنِي بَآمِينَ. وقال نافعٌ: كان ابنُ عمَرَ لا يَدَعُهُ ويَخُضُّهم، وسمعتُ منه في ذلك خيراً. ٧٨٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبٍ وأبي سَلَمة بنِ عبدِ الرحمن، أنَّهما أخبَرَاه عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّم قال: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمّنُوا، فإنَّه مَن وافَقَ تأمِينُه تأمِينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبِهِ)). وقال ابنُ شِهابٍ: وكان رسولُ اللهِ وَلِّ يقول: آمِينَ. [طرفه في: ٦٤٠٢] قوله: (بابُ جَهْرِ الإمام بالتأمين)) أي: بعد الفاتحة في الجهريَّةِ، والتأمينُ مصدرُ أمَّنَ، بالتَّشديد، أي: قال آمينَ، وهي بالمدِّ والتخفيفِ في جميعِ الروايات وعن جميعِ القُرّاء، وحكى الواحديُّ عن حمزةَ والكِسائيِّ الإمالةَ. وفيها ثلاثُ لُغاتٍ أُخرى شاذَّة: القصرُ، حكاه ثَعلَبٌ وأنشَدَ له شاهداً، وأنكَرَه ابنُ دَرَسْتويه، وطَعَنَ في الشاهدِ بأنَّه لضرورة الشِّعر، وحكى عياضٌ ومَن تَبِعَه عن ثَعلَبِ أَّه إنَّما أجازه في الشِّعرِ خاصَّةً، والتَّشديدُ مع المدِّ والقصر، وخَطَّهما جماعةٌ من أهل اللُّغة. (١) جاء في الأصلين و(س) بعد هذا زيادة نصُّها: تنبيه: أبو يعفور المذكور في السنَد هو الأكبر، واسمه واقد، بالقاف، وقيل: وقدانُ، وجزم النووي في (شرح مسلم)) بأنه الأصغر، واسمه عبد الرحمن بن عبيد، وبالأول جزم أبو عليّ الجيَّاني والمزِّي، وغيرهما، وهو الصواب. قلنا: ولا ذكر لأبي يعفور في إسناد هذا الحديث. لكن سيأتي ذكره في إسناد الحديث (٧٩٠)، وتكلّم عليه الحافظ هناك بنحوٍ من هذا الكلام، فالأنسب حذفُه من هنا. ٣٨٣ باب ١١١ / ح ٧٨٠ أبواب صفة الصلاة وآمينَ من أسماء الأفعال مثلَ: صَهْ، للسُّكوت، وتُفتَحُ في الوَصلِ لأنَّهَا مبنيَّةٌ بالاتّفاق، مثلُ: كيف، وإنَّما لم تُكسَر لِثِقَل الكسرة بعد الياء، ومعناها: اللهمَّ استَجِبْ، عند الجمهور، وقيل غيرُ ذلك، ممّا يَرجِعُ جميعُه إلى هذا المعنى، كقول مَن قال: معناه اللهمَّ أمًِّّا بخير، وقيل: كذلك يكونُ، وقيل: درجةٌ في الجنَّة تَجِبُ لقائلها، وقيل: لمن استُجيبَ له كما استُجِيبَ للملائكة، وقيل: هو اسمٌّ من أسماء الله تعالى، رواه عبد الرزاق (٢٦٥١) عن أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ. وعن هلال بن يِسافِ التابعيِّ مثلُه، وأنكَرَه جماعةٌ. وقال مَن مَدَّ وشَدَّدَ: معناها قاصدينَ إليك، ونُقِلَ ذلك عن جعفرِ الصادق، وقال مَن قَصَرَ وَشَدَّدَ: هي كلمةٌ عِبرانيَّةٌ أو سُريانيَّةٌ. وعند أبي داود (٩٣٨) من حديث أبي زُهَيِ النُّمَيرِيِّ الصحابيِّ: أنَّ آمينَ مثلُ الطَّابَعِ على الصَّحيفة، ثمَّ ذكر قوله ◌َلهَ: ((إِن خَتَمَ بآمينَ فقد أوجَب)). قوله: ((وقال عطاءٌ إلى قولِه: بآمينَ)) وَصَلَه عبدُ الرزاق (٢٦٤٠) عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ قال: قلتُ له: أكان ابنُ الزُّبَيِرِ يُؤمِّنُ على أَثَر أمِّ القرآن؟ قال: نَعَم ويُؤمِّنُ مَن وراءَه، حتَّى إِنَّ للمسجدِ لَلَجَّةً، ثمَّ قال: إنَّما آمينَ دعاءٌ. قال: وكان أبو هريرة يدخلُ المسجدَ وقد قامَ الإمامُ فيناديه فيقول: لا تَسبِقني بآمينَ. وقوله: ((حتَّى إِنَّ) بكسر الهمزة (للمسجدِ)) أي: لأهل المسجد ((لَلَجَّةً))، اللَّامُ للتأكيد، واللَّجَّةُ قال أهلُ اللُّغة: الصوتُ المُرتَفِعُ، ورُوي ((لَلَجَبَةً)) بمُوخَّدٍ وتخفيفِ الجيمِ، حكاه ابنُ التّين، وهي الأصواتُ المختلِطَةُ. ورواه البيهقيُّ (٥٩/٢): ((لَرَجَّةً)) بالرَّاء بدلَ اللَّام كما سيأتي. قوله: ((لا تَفُتْني)) بضمِّ الفاء وسكون المثنَّة، وحكى بعضُهم عن بعض النُّسخِ بالغاء والشّينِ المعجَمة، ولم أرَ ذلك في شيءٍ من الروايات، وإنَّما فيها بالمثنَّة من الفَوات، وهي بمعنى ما تقدَّم عند عبد الرزاق، من السَّبق. ومرادُ أبي هريرة أن يُؤمِّنَ مع الإمام داخلَ الصلاة، وقد تمسَّكَ به بعضُ المالكيَّة في أنَّ الإمامَ لا يُؤمِّنُ وقال: معناه لا تُنازعني بالتأمينِ الذي هو من وظيفة المأموم، وهذا تأويلٌ ٣٨٤ باب ١١١ / ح ٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري بعيدٌ، وقد جاءَ عن أبي هريرة من وجهٍ آخرَ أخرجه البيهقيُّ (٥٨/٢) من طريق حَمَّادٍ، عن ٢٦٣/٢ ثابتٍ، عن أبي رافع قال:/ كان أبو هريرة يؤذِّنُ لمروانَ، فاشتَرَطَ أن لا يَسبقَه بـ «الضالِّين)) حتَّى يعلمَ أنَّه دخل في الصف، وكأنَّه كان يَشتَغِلُ بالإقامة وتعديل الصُّفوف، وكان مروانُ يُبادرُ إلى الدُّخول في الصلاة قبلَ فراغ أبي هريرة، وكان أبو هريرة يَنهاه عن ذلك، وقد وقع له ذلك مع غير مروانَ: فروى سعيد بن منصورٍ (١) من طريق محمدٍ بن سيِرِينَ: أنَّ أبا هريرة كان مؤذِّناً بالبحرين، وأنَّه اشتَرَطَ على الإمام أن لا يَسِقَه بآمين. والإمامُ بالبحرين كان العلاءَ بنَ الحَضرَميِّ، بَيَّنْه عبدُ الرزاق (٢٦٣٧) من طريق أبي سَلَمة عنه، وقد رُوِيَ نحوُ قول أبي هريرة عن بلالٍ أخرجه أبو داود (٩٣٧) من طريق أبي عثمانَ عن بلالٍ أَنَّه قال: يا رسولَ الله، لا تَستَبِقِني بآمين. ورجاله ثقاتٌ. لكن قيل: إنَّ أبا عثمانَ لم يَلْقَ بلالاً، وقد رُوِيَ عنه بلفظ: إنَّ بلالاً قال (٢)، وهو ظاهرُ الإرسال، ورَجَّحَه الدَّارَ قُطنيُّ وغيرُه على الموصول. وهذا الحديثُ يُضَعِّفُ التأويلَ السابقَ لأَنَّ بلالاً لا يقعُ منه ما حمل هذا القائلُ كلامَ أبي هريرة عليه، وتمسَّكَ به بعضُ الحنفيَّة بأنَّ الإمامَ يدخلُ في الصلاة قبلَ فراغ المؤذِّن من الإقامة، وفيه نظرٌّ لأنَّها واقعةُ عينٍ وسببُها مُحتملٌ فلا يَصِحُّ التمسُّكُ بها. قال ابنُ المنيِّرِ: مُناسَبةُ قول عطاءٍ للترجمة أنَّه حَكَمَ بأنَّ التأمينَ دعاءٌ فاقتَضَى ذلك أن يقوله الإمامُ لأنَّه في مَقام الدّاعي، بخلاف قول المانع: إنَّا جوابٌ للدُّعاء فيختصُّ بالمأموم، وجوابُه: أنَّ التأمينَ قائمٌ مَقامَ التَّلخيصِ بعد البَسط، فالدّاعي فضَّلَ المقاصدَ بقوله: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾ إلى آخره، والمؤمِّنُ أتى بكلمةٍ تَشمَلُ الجميعَ، فإن قالها الإمامُ فكأنَّه دعا مرَّتَينِ مُفَصِّلاً ثمَّ مُجمِلاً. قوله: ((وقال نافعٌ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبدُ الرزاق (٢٦٤١) عن ابن جُرَيج، أخبرنا نافعٌ: أنَّ ابنَ عمرَ كان إذا خَتَمَ أمَّ القرآن قال: آمينَ، لا يَدَعُ أن يُؤمِّنَ إذا خَتَمَها، ويَحْضُّهم (١) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٧. (٢) عند الطبراني (١١٢٤). ٣٨٥ باب ١١١ / ح ٧٨٠ أبواب صفة الصلاة على قولها، قال: وسمعت منه في ذلك خيراً. وقوله: ((ويَحُضُّهم)) بالضّاد المعجَمة. وقوله: ((خيراً) بسكون التَّحتانيَّة، أي: فضلاً وثواباً، وهي روايةُ الكُشْمِيهنيِّ، ولغيره: ((خَبَرَاً)) بفتح الموخَّدة، أي: حديثاً مرفوعاً، ويُشعِرُ به ما أخرجه البيهقيُّ: كان ابنُ عمرَ إذا أمَّنَ الناسُ أمَّنَ معهم ويَرَى ذلك من السُّنَّةِ(١). وروايةُ عبدِ الرزاق مثلُ الأوَّل، وكذلك رُويناه في ((فوائد يحيى بن مَعِین)) قال: حدَّثنا حَجّاجُ بن محمدٍ عن ابن ◌ُرَیج. وهُناسَبةُ أثَرِ ابن عمرَ من جهة أنَّه كان يُؤمِّنُ إذا خَتَمَ الفاتحة، وذلك أعمُّ من أن يكون إماماً أو مأموماً. قوله: ((عن ابن شِهابٍ)) في التِّرمِذيِّ (٢٥٠) من طريق زيدٍ بن الحُباب عن مالكٍ: أخبرنا ابنُ شهابٍ. قوله: ((أنَّهما أخبَرَاه)) ظاهرُه أنَّ لفظَهما واحدٌ، لكن سيأتي في رواية محمدٍ بن عمرٍو عن أبي سَلَمة مُغايرةٌ يسيرةٌ للفظ الزُّهريّ. قوله: ((إذا أمَّنَ الإمامُ فأمّنُوا)) ظاهرٌ في أنَّ الإمامَ يُؤْمِّنُ، وقيل: معناه إذا دعا، والمرادُ دعاءُ الفاتحة من قوله: ﴿ أَهْدِنَا﴾ إلى آخره بناءً على أنَّ التأمينَ دعاءٌ. وقيل: معناه إذا بلَغَ إلى موضعِ استَدعَى التأمينَ وهو قوله: ﴿ وَلاَ الطَّآلِينَ﴾، ويَرُدُّ ذلك التصريحُ بالمراد في حديث الباب. واستدلَّ به على مشروعيَّة التأمينِ للإِمام، قيل: وفيه نظرٌ، لكونها قضيَّةً شرطيَّةً، وأُجيبَ بأنَّ التعبيرَ بـ((إذا)) يُشعِرُ بتحقيق الوقوع. وخالَفَ مالكٌ في إحدى الروايتين عنه وهي روايةُ ابن القاسمِ، فقال: لا يُؤْمِّنُ الإمامُ في الجهريَّة، وفي روايةٍ عنه: لا يُؤْمِّنُ مُطلَقاً. وأجاب عن حديث ابن شهاب هذا بأنَّه لم يَرَه في حديثٍ غيرِهِ. وهي عِلَّةٌ غيرُ قادحةٍ فإنَّ ابنَ شهابٍ إمامٌ لا يَضُرُّه التَّفَرُّدُ، مع ما (١) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتب البيهقي مُسنداً، لكن علَّقه في ((معرفة السنن والآثار)) برقم (٣١٧٩) فقال: روینا عن عبد الله بن عمر. ٣٨٦ باب ١١١ / ح ٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري سَيُذْكرُ إن شاء الله تعالى قريباً أنَّ ذلك جاءَ في حدیثِ غيرِهِ. ورَجَّحَ بعضُ المالكيَّة كَونَ الإمام لا يُؤمِّنُ من حيثُ المعنى، بأنَّه داع فناسَبَ أن يختصَّ المأمومُ بالتأمين، وهذا يجيءُ على قولهم: إنَّه لا قراءةَ على المأموم. وأمَّا مَن أوجَبَها عليه فله أن يقول: كما اشتركا في القراءة فينبغي أن يَشتَرِكا في التأمين، ومنهم مَن أوَّلَ قوله: ((إذا أمَّنَ الإمامُ)) فقال: معناه دعا، قال: وتسميةُ الدّاعي مُؤَمِّناً سائغَةٌ، لأنَّ المُؤَمِّنَ يُسمَّى داعياً، كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا ﴾ [يونس: ٨٩] ٢٦٤/٢ وكان موسى داعياً وهارونُ مُؤَمِّناً كما رواه/ ابنُ مَرْدويه من حديث أنس(١)، وتُعُقِّبَ بعدم المُلازمة فلا يَلزَمُ من تسمية المُؤَمِّنِ داعياً عكسُه. قاله ابنُ عبد البَرِّ. على أنَّ الحديث في الأصلِ لم يَصِحَّ، ولو صَحَّ فإطلاقُ كون هارون داعياً إنَّما هو للتَّغليب. وقال بعضُهم: معنى قوله: ((إذا أمَّن)) بلَغَ موضعَ التأمينِ كما يقال: أنجَدَ: إذا بلَغَ نَجْداً وإن لم يدخلْها. قال ابنُ العربيّ: هذا بعيدٌ لغةً وشرعاً. وقال ابنُ دَقِيق العيد: وهذا مَجَازٌ، فإن وُجِدَ دليلٌ يُرجِّحُه عُمِلَ به وإلَّا فالأصلُ عدمُه. قلت: استَدلّوا له برواية أبي صالح عن أبي هريرة الآتية بعد بابٍ (٧٨٢) بلفظ: ((إذا قال الإمامُ: ﴿ وَلَ الضَّآلِينَ﴾ فقولوا: آمين)) قالوا: فالجمعُ بين الروايتين يقتضي حملَ قوله: ((إذا أمَّن)) على المجاز. وأجاب الجمهورُ - على تسليم المجاز المذكور - بأنَّ المراد بقوله: ((إذا أمَّن)) أي: أراد التأمينَ ليقَع تأمينُ الإمام والمأمومِ معاً، ولا يَلزَمُ من ذلك أن لا يقولها الإمامُ، وقد وَرَدَ التصريحُ بأنَّ الإِمامَ يقولها، ويدلُّ على خلاف تأويلهم روايةُ مَعمَر عن ابن شهابٍ في هذا الحديث بلفظ: ((إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَ الضَآلِينَ﴾ فقولوا (٢): آمينَ، فإنَّ الملائكة تقول: آمينَ، (١) وهو أيضاً عند الحكيم الترمذي في ((نوادره) كما ذكره مُغَلْطاي في ((شرح ابن ماجه)» ص١٤٥٢، وضعَّف مُغَلْطائ إسنادَه. (٢) تحرفت في (س) إلى: فقالوا. ٣٨٧ باب ١١١ / ح ٧٨٠ أبواب صفة الصلاة وإنَّ الإمامَ يقول: آمين)) الحديث، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والسرَّاجُ(١)، وهو صريحٌ في كون الإمام يُؤمِّنُ. وقيل في الجمع بينهما: المرادُ بقوله: ((إذا قال: ﴿وَلَ اُلْطَآلِّينَ﴾ فقولوا: آمين)»، أي: ولو لم يَقُلِ الإمامُ: آمين. وقيل: يُؤخَذُ من الخبرَينِ تَخيرُ المأمومِ في قولها مع الإمام أو بعده. قاله الطََّيُّ. وقيل: الأوَّلُ لمن قَرُبَ من الإمام، والثاني لمن تَبَاعَدَ عنه، لأنَّ جَهرَ الإمام بالتأمينِ أخفَضُ من جَهرِه بالقراءة، فقد يسمعُ قراءتَه مَن لا يسمعُ تأمينَه، فمَن سمع تأمينَه أمَّنَ معه، وإلَّا يُؤمِّن إذا سمعه يقول: ﴿وَلَ الضَّآلِينَ﴾ لأنَّه وقتُ تأمينِهِ. قاله الخطَّابيُّ. وهذه الوجوه كلُّها مُحتملٌ وليست بدون الوجه الذي ذكروه، وقد رَدَّه ابنُ شهابٍ بقوله: وكان رسولُ اللهِ وَ ل﴾ يقول: آمين. كأنَّه استَشعَرَ التأويلَ المذكور فبيَّن أنَّ المراد بقوله: ((إذا أمَّن)) حقيقةُ التأمين، وهو وإن كان مُرسَلاً فقد اعْتَضَدَ بصنيعٍ أبي هريرة راويه كما سيأتي بعد باب، وإذا تَرجَّحَ أنَّ الإمامَ يُؤمِّنُ فَيَجهَرُ به في الجهريَّة كما تَرجَمَ به المصنِّفُ، وهو قولُ الجمهور، خلافاً للكوفيّينَ وروايةٍ عن مالكِ فقال: يُسِرُّ به مُطلَقاً. ووجه الدلالة من الحديث أنَّه لو لم يَكُنِ التأمينُ مَسموعاً للمأمومِ لم يَعلم به، وقد عُلِّقَ تأمينُه بتأمينِهِ، وأجابوا بأنَّ موضعَه معلومٌ فلا يَستَلِزِمُ الجهرَ به، وفيه نظرٌّ، لاحتمال أن يُحِلَّ به فلا يَستَلِمُ عِلمَ المأمومِ به. وقد روى رَوحُ بن عُبادةَ عن مالكِ في هذا الحديث: قال ابنُ شهابٍ: وكان رسولُ الله وَّه إذا قال: ﴿ وَلَ الطَّآلِينَ﴾ جَهَرَ بآمين. أخرجه السَّاجُ(٢). ولابنِ حِبّان (١٨٠٦) من رواية الزُّبَيديِّ في حديث الباب عن ابن شهابٍ: كان إذا فرَغَ من قراءة أمِّ القرآن رفع (١) أخرجه من طريق معمر أحمد (٧١٨٧) و(٧٦٦٠)، وابن ماجه (٨٥٢)، والنسائي (٩٢٧)، وابن خزيمة (٥٧٥)، والسّراج في ((حديثه)) برواية الشحّامي (٤١٧)، وابن حبان (١٨٠٤). وليس هو عند أبي داود من طريق معمر، وانظر تخريجه في («المسند». وقرن ابن ماجه في إسناده بمعمر يونسَ وساق لفظه. (٢) في ((حديثه)) برواية الشحّامي (٤١٦). ٣٨٨ باب ١١١ / ح ٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري صوتَه، وقال: ((آمين))(١). وللحميديِّ من طريق سعيدِ المَقبُريِّ، عن أبي هريرة نحوه بلفظ: إذا قال: ﴿وَلَ الضَّآلِينَ﴾. ولأبي داود (٩٣٤) من طريق أبي عبدِ الله ابن عَمِّ أبي هريرة عن أبي هريرة مثلُه، وزاد: حتَّى يسمعَ مَن يليه من الصفِّ الأوَّل. ولأبي داود (٩٣٢) وصحَّحه ابنُ حِبّان (١٨٠٥) من حديث وائلٍ بن حُجْرِ نحوُ رواية الزُّبَيدي. وفيه رَدٌّ على مَن أومَأ إلى النَّسْخِ فقال: إِنَّا كان ◌َّهَ يَجِهَرُ بالتأمينِ في ابتداء الإسلام ليُعلِّمَهم، فإنَّ وائلَ بنَ حُجْرٍ إِنَّما أسلمَ في أواخِرِ الأمر. قوله: ((فأمّنُوا)) استُدلَّ به على تأخيرِ تأمينِ المأمومِ عن تأمينِ الإمام لأنَّه رَتَّبَه عليه بالفاء، لكن تقدَّم في الجمع بين الروايتين أنَّ المراد المقارنةُ، وبذلك قال الجمهورُ. وقال الشَّيخُ أبو محمدٍ الْجُوَينيُّ: لا تُستَحَبُّ مُقارَنةُ الإمام في شيءٍ من الصلاة غيرَه، قال إمامُ الحرمين: يُمكِنُ تعليلُه بأنَّ التأمينَ لقراءة الإمام لا لتأمينِهِ، فلذلك لا يتأخَّرُ عنه، وهو واضحٌ. ثُمَّ إِنَّ هذا الأمرَ عند الجمهور للنَّذْب، وحكى ابنُ بَزِيزَ عن بعض أهل العِلم وجوبَه على المأمومِ عملاً بظاهر الأمر، قال: وأوجَبَه الظاهريَّةُ على كلِّ مُصَلِّ. ثمَّ في مُطلَق أمرٍ المأمومِ بالتأمينِ أنَّه يُؤمِّنُ ولو كان مُشتَغِلاً بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثرُ الشافعيَّة. ٢٦٥/٢ ثمَّ اختَلَفوا هل تَنقَطِعُ بذلك الموالاةُ؟ على وجهين: أصحُهما لا تَنْقَطِعُ لأنَّه مأمورٌ بذلك لمصلحة الصلاة، بخلاف الأمرِ الذي لا يتعلَّقُ بها كالحمدِ للعاطسِ، والله أعلم. قوله: ((فإنَّه مَن وافَقَ)) زاد يونسُ عن ابن شهابٍ عند مسلمٍ: «فإنَّ الملائكة تُؤَمِّنُ))(٢) قبلَ قوله: ((فمَن وافَق))، وكذا لابنِ عُيَينةَ عن ابن شهابٍ كما سيأتي في الدَّعَوات (٦٤٠٢). وهو (١) وهو عند الدار قطني (١٢٧٤)، وقال: إسناده حسن. (٢) لم يذكر مسلم (٤١٠) (٧٣) في رواية يونس هذه الزيادة، ولكنها ثابتة عند أبي عوانة في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) (١٦٨٥) من طريق يونس، وهي أيضاً عند ابن الجارود (٣٢٢)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٣/ ١٣٠، والبيهقي ٥٦/٢ من طریقین عن ابن وهب، عن مالك ویونس بن یزید، كلاهما عن الزهري. ٣٨٩ باب ١١١ / ح ٧٨٠ أبواب صفة الصلاة دالٌّ على أنَّ المراد الموافقةُ في القول والزمان، خلافاً لمن قال: المرادُ الموافقةُ في الإخلاص والخشوعِ، كابنِ حِبّان، فإنَّه لمَّا ذكَر الحديث قال: يريدُ موافقةَ الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب. وكذا جَنَحَ إليه غيرُه فقال نحوَ ذلك من الصِّفات المحمودة، أو في إجابة الدُّعاء، أو في الدُّعاء بالطَّعة خاصَّةً، أو المرادُ بتأمينِ الملائكة استغفارُهم للمُؤمِنِينَ. وقال ابنُ المنيِّر: الحِكْمةُ في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأمومُ على يَقَظةٍ للإتيان بالوظيفة في محلِّها، لأنَّ الملائكة لا غَفْلَةَ عندهم، فمَن وافَقَهم كان مُتَيقِّظاً. ثُمَّ إنَّ ظاهره أنَّ المراد الملائكةُ جميعُهم، واختارَه ابنُ بَزِيزَ. وقيل: الحَفَظةُ منهم، وقيل: الذين يَتَعاقَبون منهم إذا قلنا: إنَّهم غيرُ الحَفَظة. والذي يظهرُ أنَّ المراد بهم مَن يشهدُ تلك الصلاة من الملائكة ممّن في الأرضِ أو في السّماء. وسيأتي في رواية الأعرجِ بعد بابٍ (٧٨١): ((وقالت الملائكةُ في السَّماءِ: آمين)»، وفي رواية محمدٍ بن عَمرِو الآتية أيضاً (٧٨٢): ((فوافَقَ ذلك قولَ أهل السَّماء))، ونحوِها لسُهَيلٍ عن أبيه عند مسلم (٧١/٤٠٩)، وروى عبدُ الرزاق (٢٦٤٨) عن عِكْرمة قال: ((صفوفُ أهل الأرضِ على صفوفِ أهل السَّماء، فإذا وافَقَ آمينَ في الأرضِ آمينَ في السَّماء غُفِرَ للعبد)). انتهى، ومثلُه لا يقال بالرَّأيٍ. فالمصیرُ إلیه أولی. قوله: ((غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)) ظاهرُه ◌ُفرانُ جميعِ الذُّنوبِ الماضية، وهو محمولٌ عند العلماء على الصغائر، وقد تقدَّم البحثُ في ذلك في الكلام على حديث عثمانَ فيمن تَوضَّأ كَوضوئِه ◌َالّه في كتاب الطَّهارة (١٥٩). فائدة: وقع في ((أمالي الجُرجانيِّ) عن أبي العبَّاس الأصَمِّ، عن بَحرِ بن نصرٍ، عن ابن وَهْب، عن يونسَ في آخر هذا الحديث: ((وما تأخّر))، وهي زيادةٌ شاذَّةٌ، فقد رواه ابنُ الجارودِ في ((المنتَقَى)) (٣٢٢) عن بَحرِ بن نصرِ بدونها، وكذا رواه مسلمٌ (٧٣/٤١٠) عن حَرِمَةَ، وابنُ خُزَيمة (١٥٨٣) عن يونسَ بن عبدِ الأعلى، كلاهما عن ابن وَهْب، وكذلك في جميع الطُّرق عن أبي هريرة، إلّا أنّ وجَدته في بعض النسخِ من ابن ماجَهْ عن هشام بن عمَّارٍ ٣٩٠ باب ١١١ / ح ٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وأبي بكرٍ بن أبي شَيْبة، كلاهما عن ابن عُيَينةَ بإثباتها، ولا يَصِحُ(١)، لأنَّ أبا بكرٍ قد رواه في (مسنده)) و((مصنَّفَه)) (٢٤٤) بدونها، وكذلك حُفّاظُ أصحاب ابن عُيَينةَ الحميديِّ (٩٣٣) وابنِ المَدِينيِّ وغيرِ هما(٢). وله طريقٌ أُخرى ضعيفةٌ من رواية أبي فَروةَ محمدٍ بن يزيد بن سِنانٍ، عن أبيه، عن عثمانَ والوليد ابنَي ساجٍ، عن سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة. قوله: ((قال ابنُ شِهابٍ)) هو متصلٌ إليه برواية مالكٍ عنه، وأخطأْ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّقٌ. ثمَّ هو من مراسيل ابن شهاب، وقد قدَّمنا وجهَ اعتضاده. ورُوِيَ عنه موصولاً أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ في ((الغرائب)) و((العِلَل)» (٨/ ٩٠) من طريق حفص بن عمرَ العَدَنيِّ عن مالك عنه. وقال الدَّارَقُطنيُّ: تَفرَّدَ به حفصُ بن عمرَ، وهو ضعيفٌ. وفي الحديث حُجَّةٌ على الإماميَّة في قولهم: إنَّ التأمينَ يُبطِلُ الصلاة لأنَّه ليس بلفظ قُرآنٍ ولا ذِكْر، ويُمكِنُ أن يكون مُستنَدُهم ما نُقِلَ عن جعفرِ الصادق أنَّ معنى آمينَ، أي: قاصدينَ إليك، وبه تمسَّكَ مَن قال: إنَّه بالمدِّ والتَّشديد، وصَرَّحَ المتولِّ من الشافعيَّة بأنَّ مَن قاله هكذا بطلت صلاته. ٢٦٦/٢ وفيه فضيلةُ الإمامة(٣)، لأنَّ تأمينَ الإمام يوافقُ تأمينَ الملائكة، ولهذا شُرِعَت للمأمومِ موافقَتُه. وظاهرُ سياق الأمرِ أنَّ المأمومَ إِنَّمَا يُؤْمِّنُ إذا أمَّنَ الإمامُ لا إذا تركَ، وقال به بعضُ الشافعيَّة كما صَرَّحَ به صاحبُ ((الذَّخائر))، وهو مُقتَضى إطلاقِ الرَّافعيِّ الخلافَ. وادَّعَى النَّوَويُّ في ((شرح المهذَّب)) الاتِّفَاقَ على خلافه، ونَصَّ الشافعيُّ في ((الأمّ)) على أنَّ المأمومَ يُؤمِّنُ ولو تركَه الإمامُ عمداً أو سَهواً. واستدلَّ به القُرطبيُّ على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أنَّ المأمومَ ليس عليه أن يقرأ فيما جَهَرَ به إمامُه، فأمَّا الأوَّلُ فكأنَّه أخَذَه من أنَّ التأمينَ مُختصُّ بالفاتحة، فظاهرُ السياق (١) في المطبوع (٨٥١) بدونها. (٢) رواية علي بن المديني ستأتي عند البخاري برقم (٦٤٠٢)، وانظر تمام تخريجه في ((المسند)) (٧٢٤٤). (٣) في (س): الإمام. ٣٩١ باب ١١٢ / ح ٧٨١ أبواب صفة الصلاة يقتضي أنَّ قراءةَ الفاتحة كان أمراً معلوماً عندهم، وأمَّا الثاني فقد يدلُّ على أنَّ المأمومَ لا يقرأُ الفاتحةَ حالَ قراءة الإمام لها، لا أنَّه لا يَقرؤُها أصلاً. ١١٢ - باب فضل التأمين ٧٨١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴿ أَنَّ رسولَ الله وَّم قال: ((إذا قال أحدُكم: آمِينَ، وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ: آمِينَ، فوافَقَتْ إحداهما الأخرَى، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبِه)). قوله: ((بابُ فضل التأمين)» أورَدَ فيه روايةَ الأعرَج لأنَّها مُطلَقةٌ غيرُ مُفِيَّدةٍ بحال الصلاة. قال ابنُ المنيِّر: وأيُّ فضلِ أعظمُ من كَونِه قولاً يسيراً لا كُلفةَ فيه، ثمَّ قد رُتِّبتْ علیه المغفرةُ، انتهى. ويؤخذ منه مشروعيةُ التأمينِ لكلِّ مَنْ قرأ الفاتحةَ سواءً كان داخلَ الصلاةِ أو خارجَها لقوله: ((إذا قال أحدُكم))، لكن في رواية مسلم (٧٤/٤١٠) من هذا الوجه: ((إذا قال أحدُكم في صلاتِه)) فيُحملُ المطلَقُ على المقيِّد. نَعَم في رواية همّامٍ عن أبي هُريرةَ عند أحمد (٨١٢٢)، وساق مسلمٌ إسنادَها (٤١٠/ ٧٥): ((إذا أمَّن القارئُ فأمِّنوا))(١)، فهذا يُمكن حملُه على الإطلاق، فيُستحبُّ التأمينُ إذا أمَّن القارئُ مطلقاً لكلِّ مَنْ سمِعَه من مُصَلِّ أو غيرِه، ويُمكنُ أن يُقالَ: المراد بالقارئ الإمامُ إذا قرأ الفاتحةَ. فإن الحديثَ واحدٌ اختلفت ألفاظُه. واستدلَّ به بعضُ المعتزلةِ على أن الملائكةَ أفضلُ من الآدميِّينَ، وسيأتي البحثُ في ذلك في ((باب الملائكة)) (٣٢٠٧) من بَدْء الخَلْقِ، إن شاء الله تعالی. (١) لفظ رواية همام كلفظ رواية الأعرج عند البخاري: ((إذا قال أحدكم: آمين)) كذلك هو في («المسند» وغيره، لكن اللفظ الذي ساقه الحافظ هنا جاء في رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة كما سيأتي عند البخاري برقم (٦٤٠٢)، وكما عند أحمد (٧٢٤٤) والنسائي (٩٢٦)، وكذلك رواه ابن ماجه (٨٥٢) من طريق معمر ويونس، وأحمد (٩٩٢١) من طريق مالك، ثلاثتهم عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، بهذا اللفظ أيضاً. ٣٩٢ باب ١١٣ / ح ٧٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ١١٣ - باب جَهْر المأموم بالتأمين ٧٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن سُميِّ مولى أبي بكرٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمِينَ، فإنَّه مَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكةِ، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبِهِ)). تَابَعَه محمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ. ونُعيمٌ المُجْمِرُ، عن أبي هريرةَ﴾. [طرفه في: ٤٤٧٥] قوله: ((بابُ جَهْرِ المَأْمُوم بالتأمين)» كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلي والحُمُّوِيِّ: ((جھر الإمام بآمين))، والأوَّلُ هو الصوابُ لئلا يتكرَّرَ. قوله: ((مَوْلى أبي بكرٍ)) أي: ابن عبد الرحمن بن الحارث. قوله: ((إذا قال الإمامُ ... )) إلى آخره، استُدلَّ به على أنَّ الإمامَ لا يُؤمِّنُ، وقد تقدَّم البحثُ فيه قبلُ (٧٨٠). ٢٦٧/٢ قال الزّينُ بن المنيِّرِ: مُناسَبةُ الحديث للترجمة من جهة أنَّ في الحديث الأمرَ بقول: آمينَ، والقولُ إذا وقع به الخطابُ مُطلَقاً حُلَ على الجهر، ومَتَى أُريدَ به الإسرارُ أو حديثُ النَّفْسِ قُيِّدَ بذلك. وقال ابنُ رُشَيد: تُؤْخَذُ المناسَبةُ منه من جهاتٍ: منها: أنَّه قال: ((إذا قال الإمامُ فقولوا)) فقابَلَ القولَ بالقول، والإمامُ إِنَّما قال ذلك جَهراً فكان الظاهرُ الاتِّفَاقَ في الصِّفة، والله أعلم. ومنها: أنَّه قال: ((فقولوا)) ولم يُقيِّده بجَهرٍ ولا غيره، وهو مُطلَقٌ في سياق الإثبات، وقد عُمِلَ به في الجهر بدليل ما تقدَّم، يعني في مسألة الإمام، والمطلَقُّ إذا عُمِلَ به في صورةٍ لم یکن حُجّةً في غيرها باتفاقٍ. ومنها: أنَّه تقدَّم أنَّ المأمومَ مأمورٌ بالاقتداء بالإمام، وقد تقدَّم أنَّ الإمامَ يَجِهَرُ فَزِمَ ٣٩٣ باب ١١٣ / ح ٧٨٢ أبواب صفة الصلاة جَهرُه بجَهرِه. انتهى، وهذا الأخيرُ سبق إليه ابنُ بطَّال، وتُعُقِّبَ بأَنَّه يَستَلِمُ أن يَجْهَرَ المأمومُ بالقراءة لأنَّ الإمامَ جَهَرَ بها، لكن يُمكِنُ أن يَنفَصِلَ عنه بأنَّ الجهرَ بالقراءة خلفَ الإمام قد نُّهي عنه، فبَقَيَ التأمينُ داخلاً تحتَ عموم الأمرِ باتِّباع الإمام، ويتقوَّى ذلك بما تقدَّم عن عطاءٍ: أنَّ مَن خلفَ ابن الزُّبَيرِ كانوا يُؤمِّنون جهراً، وروى البيهقيُّ (٥٩/٢) من وجهٍ آخرَ عن عطاءٍ قال: أدرَكتُ مئتينٍ من أصحاب رسول الله وَله في هذا المسجد إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَ الضَّآلِينَ﴾ سمعتُ لهم رَجَّةً بآمين. والجهرُ للمأمومِ ذهب إليه الشافعيُّ في القديمِ وعليه الفَتَوَى، وقال الرَّافعيُّ: قال الأكثرُ: في المسألة قولان: أصحُّهما أنَّه يَجِهَرُ. قوله: ((تابَعَه محمَّدُ بنُ عَمْرٍو)) أي: ابنُ علقمةُ الليثيُّ، ومُتَابَعَتُهُ وَصَلَها أحمدُ (٩٨٠٤) والدّارميُّ (١٢٤٥) عن يزيد بن هارون، وابنُ خُزَيمة من طريق إسماعيلَ بن جعفرٍ(١)، والبيهقيُّ (٢/ ٥٥) من طريق النَّضِرِ بن شُمَيلٍ، ثلاثتُهم عن محمدِ بن عَمِرٍو نحوَ رواية سُميٍّ، عن أبي صالح، وقال في روايته: ((فوافَقَ ذلك قولَ أهل السَّمَاء)). قوله: ((ونُعيمِ المُجمِرُ)) بالرَّفِعِ عطفاً على ((محمدُ بن عَمرٍو))، وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فقال: حاصلُه أنَّ سُميّاً ومحمدَ بنَ عَمٍو ونُعيماً ثلاثتُهم روى عنهم مالكٌ هذا الحديث، لكنَّ الأوَّل والثاني رَوَيا عن أبي هريرة بالواسطة ونُعيمٌ بدونِها، وهذا جَزمٌ منه بشيءٍ لا يدلُّ عليه السياقُ، ولم يروِ مالكٌ طريقَ نُعيمٍ ولا طريقَ محمدٍ بن عمرٍو أصلاً، وقد ذكرنا مَن وصَلَ طريقَ محمد. وأمَّا طريقُ نُعيمٍ فرواها النَّسائيُّ وابنُ خُزيمة والسَّاجُ وابنُ حِبّان وغيرُهم (٢) من طريق سعيد بن أبي هلالٍ عن نُعيمِ المُجمِرِ قال: صلَّيت وراءَ أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرَّحيم، ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن حتَّى بلَغَ ﴿وَلَ الشَّآلِينَ﴾ فقال: آمينَ، وقال الناسُ: آمينَ، ويقول (١) وهو عند السراج في ((حديثه)) برواية الشحّامي (٤٢٤). (٢) أخرجه أحمد (١٠٤٤٩)، والنسائي (٩٠٥)، وابن خزيمة (٤٩٩) و(٦٨٨)، والسرّاج في («حديثه» برواية الشحّامي (٢٥١٨)، وابن حبان (١٧٩٧) و(١٨٠١)، والحاكم ٢٣٢/١، والبيهقي ٤٦/٢. ٣٩٤ باب ١١٤ / ح ٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري كلَّما سَجَدَ: الله أكبرُ، وإذا قامَ من الجلوسِ في الاثنتَينِ قال: الله أكبرُ، ويقول إذا سَلَّمَ: والذي نفسي بيدِه إِنِّي لَأَشبَهُكم صلاةٌ برسول الله وَّهِ بَوَّبَ النَّسائيُّ عليه: الجهرُ بـ(بسمِ الله الرحمن الَّحيم)) وهو أصحُّ حديثٍ وَرَدَ في ذلك، وقد تُعُقِّبَ استدلالُه باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: ((أشبَهُكم)) أي: في مُعظَمِ الصلاة لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعةٌ غيرُ نُعيم عن أبي هريرة بدون ذِكْر البسملة كما سيأتي قريباً (٧٨٩)، والجوابُ أنَّ نُعيماً ثقةٌ فتُقبَلُ زيادتُه، والخبرُ ظاهرٌ في جميع الأجزاء فيُحمَلُ على عمومه حتَّى يَثْبُتَ دليلٌ مُخْصِّصُه. تنبيه: عُرِفَ ممّا ذكرناه أنَّ مُتَابَعةَ نُعيمٍ في أصلٍ إثبات التأمينِ فقط، بخلاف مُتَابَعة محمدٍ ابن عَمرٍو، والله أعلم. ١١٤ - بابٌ إذا رکع دُون الصف ٧٨٣- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا هنَّامٌ، عن الأَعلمِ - وهو زِيادٌ - عن الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ: أَنَّه انتَهَى إلى النبيِّ ◌َّهِ وهو راكِعٌ فَرَكَعَ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى الصفِّ، فَذَكَرَ ذلك لِلنَّبِيِّ بَلَ فقال: ((زادكَ الله حِرْصاً ولا تَعُدْ)). ٢٦٨/٢ قوله: ((بابٌ إذا رَكَعَ دُونَ الصفّ)) كان اللَّائقُ إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة، وقد سبق هناك ترجمةُ ((المرأةُ وحدَها تكونُ صَفّاً) (٧٢٧) وذَكَرت هناك أنَّ ابنَ بطَّالِ استَدلَّ بحديث أنسٍ المذكور فيه في صلاة أمِّ سُلَيمٍ لِصِحَّة صلاة المنفرِدِ خلفَ الصفِّ إلحاقاً للرجلِ بالمرأة، ثمَّ وجَدته مَسبوقاً بالاستدلال به عن جماعةٍ من كبار الأئمّة، لكنَّه مُتَعقَّبٌ، وأقدَمُ مَن وقفتُ على كلامه ممَّن تعقَّبه ابنُ خُزيمة، فقال: لا يَصِحُ الاستدلالُ به، لأنَّ صلاة المَرءِ خلفَ الصفِّ وحدَه مَنهيٌّ عنها باتِّفاقٍ ممَّن يقول: تُجْزِئُه أو لا تُجِزِئُه، وصلاةُ المرأة وحدَها إذا لم يكن هناك امرأةٌ أُخرى مَأمورةٌ بها باتِّفاق، فكيف يقاسُ مأمورٌ على مَنهيٍّ؟ والظاهرُ أنَّ الذي استَدلَّ به نَظَرَ إلى مُطلَق الجواز حملاً للَّهي على التَّنزيه والأمرِ على الاستحباب. وقال ناصرُ الدّينِ بن المنيِر: هذه الترجمةُ ممَّا نُوزِعَ فيها البخاريُّ حيثُ لم يأت بجواب ٣٩٥ باب ١١٤ / ح ٧٨٣ أبواب صفة الصلاة ((إذا)) لإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله: ((ولا تَعُدْ)). قوله: ((عن الأعلَمِ وهو زيادٌ)) في روايةٍ عن عفَّانَ عن همَّامٍ: حدَّثنا زيادٌ الأعلمُ. أخرجه ابنُ أبي شَيْبةٍ (١)، وزيادٌ: هو ابنُ حَسّان بن قُرَّةَ الباهليُّ من صِغار التابعين، قيل له: الأعلمُ لأَنَّه كان مَشقوقَ الشَّفة السُّفْلى(٢)، والإسنادُ كلُّه بصريُّون. قوله: ((عن الحسن)) هو البصريُّ. قوله: ((عن أبي بَكْرَةَ)) هو الثَّقَفيُّ، وقد أعَلَّه بعضُهم بأنَّ الحسنَ عَنْعَنَه، وقيل: إنَّه لم يسمع من أبي بَكْرةَ، وإنَّما يروى عن الأحنَفِ عنه، ورُدَّ هذا الإعلالُ برواية سعيد بن أبي عَرُوبةَ عن الأعلم قال: حدَّثني الحسنُ: أنَّ أبا بَكْرةَ حدَّثه. أخرجه أبو داود (٦٨٣) والنَّسائُّ (٨٧١). قوله: ((أَنَّه انتَهَى إلى النبيِّ وَّ) في رواية سعيدِ المذكورة: أنَّه دخل المسجد، زاد الطَّرانيُّ من رواية عبدِ العزيز بن أبي بَكْرةَ عن أبيه: وقد أُقيمَت الصلاةُ فانطَلَقَ يَسعَى(٣)، وللطَّحاويِّ (٣٩٥/١) من رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن الأعلمِ: وقد حَفَزَه النَّفَسُ. قوله: ((فَذَكَرَ ذلكَ)) في رواية حَمَّادٍ عند الطَّرانيّ(٤): فلمَّا انصَرَفَ رسولُ الله ◌َِّ قال: ((أَيُّكم دخل الصفَّ وهو راكعٌ)). قوله: ((زادك الله حِرْصا)) أي: على الخير. قال ابن المنيِّر: صَوَّبَ النبيُّ وَ﴿ فعلَ أبي بَكْرةَ من الجهة العامَّة وهي الحِرصُ على إدراك فضيلة الجماعة، وخَطَّأه من الجهة الخاصَّة. (١) وهو عند أحمد أيضاً في «مسنده)) (٢٠٤٥٨). (٢) قوله: ((السفلى)) سقط من (س)، وذكر السُّفلى في تفسير الأعلَم سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله، لأن من كان مشقوق الشفة السفلى يقال له في لغة العرب: الأفلَح، وأما الأعلم فمشقوق الشفة العُليا. (٣) ورواية عبد العزيز بن أبي بكرة أخرجها أيضاً ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٦٣٨) بلفظ: قال: فسعيتُ حتى دخلتُ مع النبي ◌ٍَّ ... (٤) لم نقف عليه في مطبوع الطبراني، وسيذكر الحافظ قريباً أنه عند أبي داود وغيره بنحوه. ٣٩٦ باب ١١٤ / ح ٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا تَعُدْ)) أي: إلى ما صَنَعتَ من السَّعْي الشَّديد، ثمَّ الركوع دون الصفِّ، ثمَّ من المشيٍ إلى الصفِّ، وقد وَرَدَ ما يقتضي ذلك صريحاً في طرق حديثه كما تقدَّم بعضُها، وفي رواية عبدِ العزيز المذكورة: فقال: ((مَن الساعي؟))، وفي رواية يونسَ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، عند الطَّبرانيِّ: فقال: ((أَيُّكم صاحبُ هذا النَّفَسِ؟)) قال: خَشيت أن تَفوتَني الرَّكعةُ معك، وله من وجهٍ آخرَ عنه في آخر الحديث: ((صَلِّ ما أدرَكتَ واقضِ ما سبقك))(١)، وفي رواية حَمَّادٍ عند أبي داود وغيرهِ(٢): ((أَيُّكم الرَّاكعُ دون الصفّ؟))، وقد تقدَّم من روايته قريباً: (أيُكم دخل الصفَّ وهو راكعٌ؟)). وتمسَّكَ المهلَّبُ بهذه الرواية الأخيرة فقال: إنَّما قال له: ((لا تَعُدْ)) لأنَّه مَثَلَ بنفسه في مَشِهِ راكعاً لأنَّهَا كَمِشية البَهائمِ. انتهى، ولم يَنخَصِرِ النَّهيُ في ذلك كما حَرَّرتُه، ولو كان مُنحَصِراً لاقتَضَى ذلك عدمَ الكراهة في إحرام المنفرِدِ خلفَ الصفِّ، وقد تقدَّم نَقلُ الاتّفاق على كَراهيَتِهِ، وذهب إلى تحريمِه أحمدُ وإسحاقُ وبعضُ مُحدِّثي الشافعيَّة كابنٍ خُزَيمة، واستَدلّوا بحديث وابصةَ بن مَعبَدٍ: أنَّ النبيَّ نَّه رأى رجلاً يُصلِّ خلفَ الصفِّ وحدَه، فأمره أن يُعيدَ الصلاة. أخرجه أصحابُ ((السُّنَن)) وصحَّحه أحمدُ وابنُ خُزَيمة وغيرُهما(٣). ولابنٍ خُزَيمة (١٥٦٩) أيضاً من حديث عليٍّ بن شَيْبانَ نحوه، وزاد: ((لا صلاة لمنفرِدٍ خلفَ الصفِّ))(٤). (١) وهو عند البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) (١٩٥) من طريق يونس بن عُبيد عن الحسن عن أبي بكرة، بهذا اللفظ. (٢) أخرجه أحمد (٢٠٤٥٧)، وأبو داود (٦٨٤) وغيرهما. (٣) أخرجه أحمد (١٨٠٠٢)، وأبو داود (٦٨٢)، وابن ماجه (١٠٠٤)، والترمذي (٢٣٠) و(٢٣١)، وابن حبان (٢١٩٨- ٢٢٠١)، وأما قول الحافظ: صححه ابن خزيمة، فإنه لم يخرجه في ((صحيحه))، ولم يعزه هو إليه في «إتحاف المهرة)) (١٧٢٤٠)، لكن ابن خزيمة احتج به، فلعل الحافظ أراد بتصحيحه احتجاجه به، والله أعلم. (٤) كذا عزاه الحافظ إلى ابن خزيمة، وفاتَه أن يعزوه إلى أحمد (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (١٠٠٣). وقد عاد فأورده عند شرح الحديث (٧٢٧) وعزاه هناك إلى ابن حبان فقط، وأشار إلى أن في صحته نظراً، ولم يأت = ٣٩٧ باب ١١٤ / ح ٧٨٣ أبواب صفة الصلاة واستدلَّ الشافعيُّ وغيرُه بحديث أبي بَكْرةَ على أنَّ الأمرَ في حديث وابصةً للاستحباب، لكون أبي بَكْرةَ أتى بجزءٍ من الصلاة خلفَ الصفِّ ولم يُؤمَر بالإعادة، لكن نُهي عن العَودِ إلى ذلك، فكأنَّه أُرشِدَ إلى ما هو الأفضلُ. وروى البيهقيُّ (١٠٥/٣) من طريق المغيرة عن إبراهيمَ فيمن صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه فقال: صلاتُه تامَّةٌ، وليس له تضعيفٌ. / وجمع أحمدُ وغيرُه بين الحديثينِ بوجهٍ آخر : ٢٦٩/٢ وهو أنَّ حديثَ أبي بَكْرةَ مُخُصِّصٌ لعموم حديث وابصةً، فمَن ابتَدَأ الصلاة مُنفِرِداً خلفَ الصفِّ، ثمَّ دخل في الصفِّ قبلَ القيام من الركوع لم تَجِب عليه الإعادةُ كما في حديث أبي بَكْرة، وإِلَّ فَتَجِب على عموم حديث وابصةَ وعليِّ بن شَيْبانَ. واستَنبَطَ بعضُهم من قوله: ((لا تَعُدْ)) أنَّ ذلك الفعلَ كان جائزاً، ثمَّ وَرَدَ النَّهيُ عنه بقوله: ((لا تَعُد))، فلا يجوزُ العَوْدُ إلى ما نهى عنه النبيُّ وَِّ، وهذه طريقةُ البخاريِّ في ((جزءٍ القراءة خلف الإمام)). ويُؤْخَذُ ممَّا حَرَّرتُه جوابُ مَن قال: لمَ لا دعا له بعدمِ العَوْدِ إلى ذلك كما دعا له بزيادة الحِرصِ؟ وأجاب بأنَّه جوِّزَ أنَّه ربَّما تأخّرَ في أمرٍ يكونُ أفضلَ من إدراك أوَّل الصلاة انتهى. وهو مبنيٌّ على أنَّ النَّهيَ إنَّما وقع عن التأخيرِ وليس كذلك. تنبيه: قوله: ((ولا تَعُد)» ضبطناه في جميعِ الروايات بفتح أوَّلِه وضمِّ العينِ من العَود، وحكى بعضُ شُرّاح ((المصابيح)) أنَّه رُوِيَ بضمٌّ أوَّلِه وكسرِ العينِ من الإعادة، ويُرجِّحُ الروايةَ المشهورةَ ما تقدَّم من الزّيادة في آخره عند الطَّبرانيّ: ((صَلِّ ما أدرَكت واقضِ ما سبقك))، وروى الطَّحاويُّ (٣٩٦/١) بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أتى أحدُكم الصلاة فلا يركع دون الصفِّ حتَّى يأخذَ مكانه من الصفّ». واستُدلَّ بهذا الحديث على استحباب موافقة الدّاخلِ للإمام على أيِّ حالٍ وجَدَه عليها، وقد وَرَدَ الأمرُ بذلك صريحاً في ((سنن سعيد بن منصورٍ)) من رواية عبدِ العزيز بن = على ذلك بعلَّة توجب ضعفه، على أن حديث وابصة يشهد له كذلك. ٣٩٨ باب ١١٥ / ح ٧٨٤ فتح الباري بشرح البخاري رُفَيع، عن أناسٍ من أهل المدينة أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((مَن وجَدَني قائماً أو راكعاً أو ساجداً فليكن معي على الحال التي أنا عليها))(١)، وفي التِّرمِذيِّ (٥٩١) نحوُه عن عليٍّ ومعاذِ بن جبلِ مرفوعاً، وفي إسناده ضعفٌ، لكنَّه يَنجَبِرُ بطريق سعيد بن منصورٍ المذكورة. ١١٥ - باب إتمام التكبير في الركوع قالَه ابنُ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّ. وفيه مالكُ بنُ الحُوَيرِثِ. ٧٨٤- حدَّثنا إسحاقُ الواسطيُّ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي العلاءِ، عن مُطرِّفٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ قال: صَلَّى مع عليٍّ ﴾ بالبَصْرةِ فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجلُ صلاةً كنّا نُصلِّيها مع رسول الله وَّةِ، فَذَكَرَ أَنَّه كان يُكبِّ كلَّما رفع وكُلَّا وَضَعَ. [طرفاه في: ٧٨٦، ٨٢٦] قوله: ((بابُ إتمام التكبيرِ في الرُّكُوع)) أي: مَدِّه بحيثُ ينتهي بتمامه، أو المرادُ إتمامُ(٢) عَدَدِ تکبیرات الصلاة بالتکبیرِ في الر کوع. قاله الکِرْمانيّ. قلت: ولعلَّه أراد بلفظ الإتمام الإشارةَ إلى تضعيفِ ما رواه أبو داودَ (٨٣٧) من حديث عبد الرحمن بن أبزَى قال: صلَّيت خلفَ النبيِّي ◌ََّ فلم يُتِمَّ التكبير. وقد نقل البخاريُّ في ((التاريخ)) عن أبي داود الطَّالسيِّ أنَّه قال: هذا عندنا باطلٌ، وقال الطَّبَرِيُّ والبَزّارُ: تَفرَّدَ به الحسنُ بن عمرانَ وهو مجهولٌ. وأُجيبَ على تقديرِ صِخَّته بأنَّه فَعَلَ ذلك لبيان الجواز، أو المرادُ لم يُتِمَّ الجهرَ به أو لم يَمُدَّه. ٢٧٠/٢ قوله: ((قالَه ابنُ عبَّاسٍ عن النبيِّ ◌ِّ)) أي: الإتمامَ، ومرادُه أنَّه قال ذلك بالمعنى، لأنَّه (١) وأخرجه كذلك عبد الرزاق (٣٣٧٣)، ومسدّد في ((مسنده)) كما في «إتحاف الخيرة)) للبوصيري (١٩٦٧)، وابن أبي شيبة ٢٥٢/١ و٢٥٣ من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن رجل - أو شيخ من الأنصار - عن النبي ێ، وهو مرسل فيما قاله الدار قطني في ((العلل)) ٥٨/٦. (٢) كلمة ((إتمام)) سقطت من (س). ٣٩٩ باب ١١٥ / ح ٧٨٤ أبواب صفة الصلاة أشارَ بذلك إلى حديثه الموصول في آخر الباب الذي بعده، وفيه قولُه لعِكْرمة لمَّا أخبره عن الرجل الذي كَبَّرَ في الظَّهر ثِنتَينِ وعشرين تكبيرةً: إنَّها صلاةُ النبيِّي ◌َّهِ. فَيَسْتَلِمُ ذلك أنَّه نُقِلَ عن النبيِّ نَّه إتمامُ التكبير، لأنَّ الرّباعيَّةَ لا يقعُ فيها لذاتها أكثرُ من ذلك، ومن لازمِ ذلك التكبيرُ في الركوع. وهذا يُبعِدُ الاحتمالَ الأوَّلَ. قوله: ((وفيه مالكُ بنُ الحُوَيرث)) أي: يدخلُ في الباب حديثُ مالك، وقد أورَدَه المؤلِّفُ بعد أبوابٍ في ((باب المُكثِ بين السَّجدَتَين)) (٨١٨) ولفظُه: فقامَ ثمَّ رَكَعَ فَكَبَّر. قوله: ((أخبرنا خالدٌ)) هو الطَّحّانُ، والجَرِيريُّ: هو سعيدٌ، وأبو العلاءِ: هو يزيدُ بن عبدِ الله بن الشِّخّيرِ أخو مُطرِّفٍ الذي روى هذا الحديث عنه، والإسنادُ كلَّه بصريُّون، وفيه روايةُ الأقران والإخوة. قوله: ((صَلَى)) أي: عِمرانُ ((مع عليٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ ((بالبَصْرة)) يعني بعد وقعة الجَمَل. قوله: ((ذَكَّرَنا)) بتشديد الكاف وفتح الرَّاء، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ التكبير الذي ذكره كان قد تُرِك، وقد روى أحمدُ (١٩٤٩٤) والطَّحاويُّ (٢٢٠/١) بإسنادٍ صحيح عن أبي موسى الأشعريِّ قال: ذَكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنَّا نُصلّيها مع رسول الله وَّهِ إِمَّا نسيناها وإمَّا تركناها عمداً. ولأحمدَ (١٩٨٨١) من وجهٍ آخرَ عن مُطرِّفٍ قال: قلنا - يعني لعمران بن حُصَین -: یا أبا نُجَيد، هو بالنُّون والجيم مُصغَّرٌ: مَن أوَّلُ مَن تركَ التكبيرَ؟ قال: عثمانُ بن عقَّانَ حين كَبِرَ وضَعُفَ صوتُه. وهذا يحتمل إرادةَ تركِ الجهر. وروى الطَّبرانيُّ عن أبي هريرةٍ(١): أنَّ أوَّلَ مَن تركَ التكبيرَ معاويةُ. وروى أبو عبيدٍ: أَنَّ أوَّلَ مَن تركَه زيادٌ. وهذا لا يُنافي الذي قبلَه لأنَّ زياداً تركَه بتركِ معاوية، وكأنَّ معاويةً تركَه بتركِ عثمانَ. وقد حمل ذلك جماعةٌ من أهل العِلم على الإخفاء، ويُرَشِّحُه حديثُ أبي سعيدِ الآتي في ((باب يُكبِّر وهو ينهضُ من السَّجدَتَين)) (٨٢٥). لكن حكى الطَّحاويُّ أنَّ قوماً كانوا يَتْرُكون التكبيرَ في الخَفْضِ دون الرَّفع، قال: (١) لم نقف عليه في معاجم الطبراني، وقد أخرجه أبو غَرُوبة الحرّاني في ((الأوائل)) (١٤٣). ٤٠٠ باب ١١٥ / ح ٧٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وكذلك كانت بنو أُميَّةَ تَفعَلُ. وروى ابنُّ المنذِر (١٣٦/٣) نحوَه عن ابن عمرَ. وعن بعض السَّلَفِ: أنَّه كان لا يُكبِّر سوى تكبيرة الإحرام. وفَرَّقَ بعضُهم بين المنفرِدِ وغيره، ووَجَّهَه بأنَّ التكبيرَ شُرِعَ للإيذان بحَرَكة الإمام فلا يحتاجُ إليه المنفرِدُ، لكن استقرَّ الأمرُ على مشروعيَّة التكبيرِ في الخفضِ والرَّفع لكلِّ مُصَلَّ، فالجمهورُ على نَدبيَّة ما عَدا تكبيرة الإحرام. وعن أحمدَ وبعض أهل العِلم بالظاهر: يجبُ کلُه. قال ناصرُ الدّينِ بن المنيِّ: الحِكْمةُ في مشروعيَّة التكبيرِ في الخفضِ والرَّفعِ أنَّ المكلَّفَ أُمِرَ بالنيّة أوَّلَ الصلاة مقرونةً بالتكبير، وكان من حَقِّه أن يَستَصحِبَ النَيَّةَ إلى آخر الصلاة، فأُمِرَ أن يُجُدِّدَ العهدَ في أثنائها بالتكبيرِ الذي هو شِعارُ النّيَّة. قوله: ((كُلَّما رفع وكُلَّمَا وَضَعَ)) هو عامٌّ في جميع الانتقالات في الصلاة، لكن خُصَّ منه الرَّفعُ من الركوع بالإجماع، فإنَّه شُرِعَ فيه التَّحميدُ، وقد جاءَ بهذا اللَّفظ العامِّ أيضاً من حديث أبي هريرة في الباب، ومن حديث أبي موسى الذي ذكرناه عند أحمد(١)، ومن حديث ابن مسعودٍ عند الدّارميِّ (١٢٤٩) والطَّحاويِّ (٢٢٠/١)(٢)، ومن حديث ابن عبّاسٍ في الباب الذي بعده، ومن حديث ابن عمرَ عند أحمدَ (٥٤٠٢) والنَّسائيِّ (١٣٢٠)، ومن حديث عبدِ الله بن زيدٍ (٣) عند سعيد بن منصور، ومن حديث وائلٍ بن حُجرِ عند ابن حِبَّان(٤)، ومن (١) وهو عند الطحاوي أيضاً كما عزاه الحافظ قريباً، ووقع في (س) هنا: عند أحمد والنسائي، وهو خطأ، لأن الحديث لم يُخرّجه النسائي. (٢) فات الحافظَ أن يعزوه هنا إلى أحمد (٤٠٥٥)، والترمذي (٢٥٣)، والنسائي (١٠٨٣)، مع أنه عزاه إليهم في كتابه «نتائج الأفكار)) ٢/ ٥٠. (٣) ذكر ابن خزيمة بإثر حديث ابن عمر (٥٧٦) أن أصحاب عمرو بن يحيى قد اختلفوا في إسناده فقال بعضهم: عن عمرو بن یحیی، عن محمد بن یحیی بن حبَّان، عن عمه واسع بن حبَّان: أنه سأل عبد الله بن زید بن عاصم. یعني بدل: سأل ابن عمر. (٤) كذا عزاه الحافظ هنا إلى ابن حبان، ولم نجده فيه باللفظ العام الذي أشار إليه، وقد خرّجه الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٥٣/٢-٥٤، وعزاه هناك إلى أحمد (١٨٨٥٣)، والدارمي (١٢٥٢)، ولم يعزه إلى ابن =