النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٩١ / ح ٧٤٦ -٧٤٩
أبواب صفة الصلاة
٩١ - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة
وقالت عائشةُ: قال النبيُّ ◌َّه في صلاةِ الكُسُوفِ: «فرأيتُ جهنَّمَ يَحَطِمُ بعضُها بعضاً حينَ
رأيتُمُوني تأخّرْتُ)).
٧٤٦- حدَّثنا موسى، قال: حدّثنا عبدُ الواحِدِ، قال: حدَّثْنا الأعمَشُ، عن عمارةَ بنِ ٢٣٢/٢
عُمَيٍ، عن أبي مَعمَرٍ، قال: قلنا لخبّابِ: أكان رسولُ اللهِ وَِّ يَقْرَأُ في الظَّهر والعصرِ؟ قال:
نَعَم، قلنا: بمَ كنتم تَعرِفُونَ ذاكَ؟ قال: باضْطِراب لحيتِه.
[أطرافه في: ٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧]
٧٤٧- حدَّثنا حَجّاجٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أنبأنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ
يزيدَ تَخْطُبُ، قال: حدّثنا البَرَاءُ - وكان غيرَ كَذُوبٍ - أنَّهم كانوا إذا صَلَّوْا مع النبيِّ ◌َِّ، فرفع
رأسَه من الرُّكُوعِ، قامُوا قِياماً حتَّى يَرَوهُ قد سَجَدَ.
٧٤٨ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن
عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَسَفَتِ الشَّمسُ على عَهْدِ رسول الله وٍَّ فِصَلَّى،
قالوا: يا رسولَ الله، رأيناكَ تَناوَلُ شيئاً في مَقامكَ، ثمَّ رأيناكَ تَكَعْكَعْتَ؟ قال: ((إنِّي أُرِيتُ الجنَّةَ
فَتَناوَلْتُ منها عُنْقُوداً، ولو أخَذْتُه لأكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا».
٧٤٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، قال: حدَّثنا فُلَبِحٌ، قال: حدَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ، قال: صَلَّى لنا النبيُّ ◌َِّ، ثُمَّ رَقِيَ الِثْبِرَ، فأشارَ بِيدَيْهِ قِبَلَ قِبْلةِ المسجدِ، ثمَّ قال: ((لقد
رأيتُ الآنَ منذُ صلَّيتُ لكم الصلاةَ الجنَّةَ والنَّارَ تُثَّلْتَينِ في قِبْلةِ هذا الجِدارِ، فلم أرَ كاليومٍ في
الخيرِ والشَّ)) ثلاثاً.
قوله: ((باب رَفْع البَصَر إلى الإمام في الصلاة)) قال الزّين بن المنيِّر: نَظَرُ المأموم إلى الإمام
من مقاصدِ الائتمام، فإذا تمكَّن من مُراقَبَتِه بغير التِفاتٍ كان ذلك من إصلاح صلاته.
وقال ابن بَطَّال: فيه حُجَّة لمالكِ في أنَّ نَظَرَ المصلِّ يكونُ إلى جهة القِبْلة.

٣٢٢
باب ٩١ / ح ٧٤٦ -٧٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الشافعيّ والكوفيّونَ: يُستَحبُّ له أن يَنظُرَ إلى موضع سجودِهِ، لأنَّه أقرب
للخشوع، ووَرَدَ في ذلك حديثٌ أخرجه سعيد بن منصور من مُرسَلٍ محمد بن سيرين
ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقيّ (٢٨٣/٢) موصولاً وقال: المرسَلُ هو المحفوظُ، وفيه أنَّ
ذلك سبب نُزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
ويُمكِنُ أن يُفرَّقَ بين الإمام والمأموم، فيُستَحبُّ للإمام النَّظرُ إلى موضع السجود،
وكذا للمأموم، إلَّا حيثُ يحتاجُ إلى مُراقَبة إمامه، وأمَّا المنفرِدُ فحكمُه حكم الإمام، والله
أعلم.
قوله: ((وقالت عائشة ... )) إلى آخره، هذا طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه المؤلِّفُ في ((باب إذا
انفَلتَتِ الدّابَّة)) (١٢١٢) وهو في أواخرِ الصلاة، وموضع الترجمة منه قوله: ((حين
رأيتُموني)).
قوله: «حدّثنا موسی)) هو ابن إسماعيل، وعبد الواحد: هو ابن زياد.
قوله: ((عن عُمارة)) في رواية حفص بن غياثٍ عن الأعمَشِ: حدَّثنا عُمارة. وسيأتي بعد
أربعة أبواب (٧٦٠ و٧٦١)، ويأتي الكلام على المتنِ قريباً، وموضع الترجمة منه قوله:
((باضطراب لحيته)).
قوله: ((حدَّثنا حَجّاج)) هو ابنُ منهال، ولم يسمعِ البخاري من حَجّاج بن محمد. وقد
تقدَّم الكلامُ على حديث البَراء في ((باب مَتَى يَسجُدُ مَن خلفَ الإمام)) (٦٩٠)، ووقع فيه
٢٣٣/٢ هنا في رواية كَرِيمة وأبي الوَقْتِ وغيرهما: / حتَّى يَرَونَه قد سَجَد. بإثبات النُّون، وفي رواية
أبي ذرِّ والأَصِيلِيّ بحَذْفها وهو أوجَهُ، وجاز الأوَّل على إرادة الحال.
وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ يأتي في الكسوفِ (١٠٥٢)، وهو ظاهر المناسَبة.
وحديثُ أنسٍ يأتي في الرِّقاق، وفيه التصريحُ بسماع هلال له من أنس(١).
واعتَرَضَ الإسماعيليّ على إيراده له هنا فقال: ليس فيه نظر المأمومينَ إلى الإمام.
(١) هو في الرقائق (٦٤٦٨) کما قال، لكنه ليس فيه تصریح هلال بسماعه له من أنس.

٣٢٣
باب ٩٢ / ح ٧٥٠
أبواب صفة الصلاة
وأُجِيبَ بأنَّ فيه أنَّ للإمامَ رَفْعَ(١) بَصَره إلى ما أمامَه، وإذا ساغ ذلك للإمام ساغ للمأموم.
والذي يظهر لي أنَّ حديثَ أنس مختصرٌ من حديث ابن عبّاس، وأنَّ القصّةَ فيهما
واحدةٌ، فسيأتي في حديث ابنِ عبَّاسِ: أنَّه ◌َِّه قال: ((رأيتُ الجِنَّةَ والنار)) كما قال في حديث
أنس، وقد قالوا له في حديث ابن عبّاسٍ: ((رأيناك تَكَعْكَعتَ)) فهذا موضع الترجمة،
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قوله: فأشارَ بيدِه قِبَلَ قِبْلة المسجد. فإنَّ رُؤيَتَهم الإشارةَ
تقتضي أنَّهم كانوا يُراقبون أفعالَه.
قلت: لكن يَطْرُقُ هنا احتمالُ أن يكون سببُ رفع بَصَرِهم إليه وقوعَ الإشارة منه، لا
أنَّ الرَّفع كان مُستَمِرّاً. ويحتمل أن يكون المراد بالترجمة أنَّ الأصلَ نَظَرُّ المأمومِ إلى موضع
سجودِهِ، لأنَّه المطلوبُ في الخشوع إلَّا إذا احتاجَ إلى رُؤية ما يفعلُه الإمامُ ليقتَديَ به مثلاً،
والله أعلم.
٩٢ - باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة
٧٥٠- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَرُوبةَ،
قال: حدَّثَنَا قَتَادةُ، أنَّ أنسَ بنَ مالكِ حدَّثُهُم، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((ما بالُ أقوامٍ يَرْفَعُونَ
أبصارَهُم إلى السَّماءِ في صلاِهِم؟)) فاشتَّ قولُه في ذلك حتَّى قال: ((الْيُنْتَهَيَنَّ عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ
أبصارهم)).
قوله: (باب رَفْعِ البَصَر إلى السَّماءِ في الصلاة)) قال ابن بَطَّال: أجمعوا على كراهة رَفْع
البَصَر في الصلاة، واختَلَفوا فيه خارجَ الصلاة في الدُّعاء، فكَرِهَه شُرَيحٌ وطائفة، وأجازه
الأكثرون، لأنَّ السَّماءَ قِبْلةُ الدُّعاء، كما أنَّ الكعبةَ قِبْلةُ الصلاة.
قال عياض: رفعُ البَصَر إلى السَّماء في الصلاة فيه نوعُ إعراضٍ عن القِبْلة، وخروجٌ عن
هيئة الصلاة.
قوله: ((حدَّثْنَا قَتَادة)) فيه دَفعٌ لتعليل ما أخرجه ابن عَديّ في ((الكامل)) فأدخَلَ بين سعيد
(١) جاء في (س): أن الإمام يرفع.

٣٢٤
باب ٩٢ / ح ٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أبي عَرُوبةَ وقتادةَ رجلاً، وقد أخرجه ابن ماجَهْ (١٠٤٤) من رواية عبد الأعلى بن عبد
الأعلى، عن سعيد - وهو من أثبَتِ أصحابه - وزاد في أوَّلِه بيان سبب هذا الحديث ولفظه:
صلَّى رسول الله وَ لّه يوماً بأصحابه، فلمَّا قَضَى الصلاة أقبَلَ عليهم بوجهِه، فذكره، وقد
رواه عبد الرزاق (٣٢٥٩) عن مَعمَر، عن قتادة مُرسَلاً لم يَذكُر أنساً، وهي عِلَّةٌ غيرُ قادحة،
لأَنَّ سعيداً أعلمُ بحديث قتادةَ من مَعمَر، وقد تابعه هَمَّامٌ على وَصْلِه عن قتادةَ، أخرجه
السرَّاج (٧٣١)(١).
قوله: ((في صلاتِهِم)) زاد مسلم (٤٢٩) من حديث أبي هريرة: ((عند الدُّعاء)) فإن حُملَ
المطلَق على هذا المقيَّد اقتَضَى اختصاصَ الكراهة بالدُّعاء الواقع في الصلاة. وقد أخرجه
ابن ماجَهْ (١٠٤٣) وابنُ حِبّان (٢٢٨١) من حديث ابن عمر بغير تقييد، ولفظُه: ((لا
تَرفَعوا أبصاركم إلى السَّماء)) يعني في الصلاة، وأخرجه بغير تقييدٍ أيضاً مسلمٌ (٤٢٨) من
حديث جابر بن سَمُرة، والطَّبرانيُّ من حديث أبي سعيد الخُدريّ (٤٥٣٦)، وكعبٍ بن
٢٣٤/٢ مالك (١٩٨/١٩)،/ وأخرج ابن أبي شَيْبة من رواية هشام بن حَسّان، عن محمد بن
سيرين: كانوا يَلتَفِتون في صلاتهم حتَّى نزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَِّيْنَ هُمْ فِي صَلَاتِمْ
خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢] فأقبلوا على صلاتهم ونَظَروا أمامَهم، وكانوا يَستَحِبّون أن لا
يُجاوِزَ بَصَرُ أحدهم موضعَ سجودِه(٣). ووَصَلَه الحاكمُ (٣٩٣/٢) بذِكْر أبي هريرة فيه،
ورفعه إلى النبيِّ وَّه وقال في آخره: فطَأْطَأْ رأسَه.
قوله: (لَيُنْتَهَيَنَّ)) كذا للمُستَملي والحَقُّوِيّ بضمِّ الياء وسكون النُّون وفتح المثنَّة والهاء
والياء وتشديد النُّون، على البناء للمفعول والُّونُ للتأكيد، وللباقين (لَيَنتُهُنّ) بفتح أوَّلِه
(١) وهو عند الطيالسي أيضاً (٢١٣١)، وتابعهما كذلك أبان بن يزيد العطار عند أحمد (١٣٧١٠).
(٢) وأخرجه من طريق هشام أيضاً محمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٣٦)، وقد رواه عن ابن سيرين
جماعة آخرون عند عبد الرزاق (٣٢٦٢)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢/ ٢٤٠، ومحمد بن نصر (١٣٧)،
والطبري في ((تفسيره)) ٢/١٨، والبيهقي ٢٨٣/٢، وبعضهم يجعله من فعل النبي وَّر، والموصول عند
الحاکم بذکر أبي هريرة وهمٌ.

٣٢٥
باب ٩٣ / ح ٧٥١
أبواب صفة الصلاة
وضمِّ الهاء على البناء للفاعل.
قوله: ((أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم)) ولمسلم (٤٢٨) من حديث جابر بن سَمُرة: ((أوْ لا تَرجِعُ
إليهم) يعني أبصارهم.
واختُلِفَ في المراد بذلك: فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام، وأفرَطَ
ابن حَزْم فقال: يُطِلُ الصلاةَ. وقيل: المعنى أنَّه يُحْشَى على الأبصار من الأنوار التي تَنزِلُ
بها الملائكةُ على المصلِّينَ كما في حديث أُسَيد بن حُضَير الآتي في فضائل القرآن (٥٠١٨) إن
شاء الله تعالى، أشارَ إلى ذلك الدَّاووديُّ، ونحوُه في ((جامع حمَّد بن سَلَمة)) عن أبي مِجْلَزِ
أحد التابعين. و((أو)) هنا للتَّخييرِ نَظِير قوله تعالى: ﴿نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أي:
يكونُ أحدُ الأمرَينِ، إمَّا المقاتَلةُ وإمَّا الإسلامُ، وهو خبرٌ في معنى الأمر.
٩٣ - باب الالتفات في الصلاة
٧٥١- حدَّثْنَا مُسَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوَص، قال: حدَّثنا أشعَثُ بنُ سُلَيمٍ، عن أبيه،
عن مَسْرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: سألتُ رسولَ الله وَليه عن الالتِفات في الصلاة، فقال: ((هو
اختِلَاسُ يَخْتَلِسُ الشيطانُ من صلاةِ العَبْدِ)).
[طرفه في: ٣٢٩١]
قوله: ((باب الالتفات في الصلاة)) لم يُبيِّن المؤلِّفُ حُكمَه، لكنَّ الحديث الذي أورَدَه دَّ
على الكراهة، وهو إجماع، لكنَّ الجمهورَ على أنَّها للتَّنزيه. وقال المتولِّ: يَجِرُمُ إلَّا للضَّرورة،
وهو قولُ أهل الظاهر.
ووَرَدَ في كراهية الالتفات صريحاً على غير شرطِهِ عِدَّة أحاديث، منها عند أحمدَ
(٢١٥٠٨) وابن خُزيمة (٤٨٢) من حديث أبي ذرِّ رفعه: ((لا يَزالُ الله مُقبِلاً على العبد في
صلاته ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَفَ وجهَه عنه انصَرَف))، ومن حديث الحارث الأشعَريِّ
نحوُه، وزاد: ((فإذا صلَّيْتُم فلا تَلتَفِتوا)»(١)، وأخرج الأوَّلَ أيضاً أبو داود (٩٠٩) والنَّسائيّ
(١) أخرجه أحمد (١٧١٧٠)، والترمذي (٢٨٦٣) و(٢٨٦٤)، وابن خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، =
:

٣٢٦
باب ٩٣ / ح ٧٥١
فتح الباري بشرح البخاري
(١١٩٥). والمرادُ بالالتِفات المذكور ما لم يستدبِرِ القِبْلة بصَدرِه أو عُنُقِه كلّه. وسببُ كراهة
الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القِبْلة ببعض البَدَن.
قوله: ((عن أبيه)) هو أبو الشَّعْثاء المُحَاربي، ووافَقَ أبا الأحوَصِ على هذا الإسناد
شَيْبانُ عند ابن خُزيمة (٤٨٤)، وزائدةً عند النَّسائيِّ (١١٩٦)، ومِسعَر عند ابن حِبَّان
(٢٢٨٧)، وخالَفَهم إسرائيلُ فرواه عن أشعَثَ عن أبي عَطيَّةَ عن مسروق(١)، ووقع عند
البيهقيّ (٢/ ٢٨١) من رواية مِسعَر عن أشعَثَ عن أبي وائل، فهذا اختلاف على أشعَث،
والرَّاجح رواية أبي الأحوَص.
وقد رواه النَّسائيّ (١١٩٩) من طريق عمارة بن عُمَير، عن أبي عَطيَّةَ، عن عائشة ليس
بينهما مسروقٌ، ويحتمل أن يكون للأشعَثِ فيه شيخان، أبوه وأبو عَطيَّة بناءً على أن يكون
أبو عَطيَّةَ حمله عن مسروقٍ ثمَّ لَقِيَ عائشة فحمله عنها. وأمَّا الروايةُ عن أبي وائل فشاذَّة،
لأنَّه لا يُعرَفُ من حديثه، والله أعلم.
٢٣٥/٢ قوله: «هو اختلاسٌ)) أي: اختطافٌ بسُرعة، ووقع في ((النّهاية)): والاختلاسُ افتعال من
الخِلسة: وهي ما يُؤْخَذُ سَلْباً مُكابَرة، وفيه نظرٌ. وقال غيره: المختلِسُ: الذي يَخْطَفُ من
غير غَلَبَةٍ وَهرُبُ ولو مع مُعاينة المالِك له، والناهبُ يأخذُ بقوَّة، والسارقُ يأخذُ في خُفيةٍ.
فلمَّا كان الشيطانُ قد يَشغَلُ المصلَِّّ عن صلاته بالالتفات إلى شيءٍ ما بغير حُجَّةٍ يُقيمُها
أشبَهَ المختلِسَ. وقال ابن بَزِيزَ: أُضيفَ إلى الشيطان، لأنَّ فيه انقطاعاً عن مُلاحَظة التَّوَجُّه
إلى الحَقِّ سبحانَه.
وقال الطِّييّ: سُمّيَ اختلاساً تصويراً لقُبح تلك الفَعْلة بالمختلِس، لأنَّ المصلِيَ يُقْبِلُ
عليه الرَّبُّ سبحانه وتعالى، والشيطانُ مُرتَصِد له يَنْتَظِرُ فَوَاتَ ذلك عليه، فإذا التَّفَتَ اغتَنَمَ
الشيطانُ الفُرصةَ فسَلَبَه تلك الحالةَ.
= وإسناده صحيح.
(١) عند النسائي (١١٩٨).

٣٢٧
باب ٩٤ / ح ٧٥٢ - ٧٥٣
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((يَخْتَلِسُ)) كذا للأكثر بحذف المفعول، وللكُشْمِيهنيِّ: ((يَخْتَلِسُه)) وهي روایةُ أبي
داودَ (٩١٠) عن مُسدَّد شيخ البخاريّ.
قيل: الِحِكْمةُ في جعل سجود السَّهوِ جابراً للمَشكوكِ فيه دون الالتفات وغيره ممّاً
يَنْقُصُ الخشوعَ، لأنَّ السَّهوَ لا يُؤَاخَذُ به المكلَّف، فشُرِعَ له الجَبرُ دون العمدِ ليَتَيقَّظَ العبدُ
له فيَجتَنِبَه.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ حدیثَ عائشة في قصَّة أنبجانيَّة أبي جهم، وقد تقدّم الکلامُ عليه في
(باب إذا صلَّ في ثوبٍ له أعلام)) (٣٧٣) في أوائل الصلاة. ووجه دُخولِه في الترجمة أنَّ
أعلام الخَميصة إذا لَخَظَها المصلِّي وهي على عاتقِه كان قريباً من الالتفات، ولذلك خَلَعَها
مُعلِّلاً بوقوعٍ بَصَرِه على أعلامها وسَّاه شَغلاً عن صلاته، وكأنَّ المصنِّف أشارَ إلى أنَّ عِلَّةً
كراهة الالتفات كونُه يُؤثِّرُ في الخشوع كما وقع في قصَّة الخَمِيصة. ويحتمل أن يكون أراد أنَّ
ما لا يُستَطاعُ دَفعُه مَعفوٌ عنه، لأنَّ لَمْحَ العينِ يَغلِبُ الإنسان، ولهذا لم يُعِدِ النبيّ وَّ تلك
الصلاة.
٧٥٢- حدَّثْنَا قُتَبةُ، قال: حدّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ
وَِّ صَلَّى في خَمِيصةٍ لها أعلامٌ، فقال: ((شَغَلَني أعلامُ هذه، اذهَبُوا بها إلى أبي جَهْمٍ وأَتُوني
بأنْبِجَانيّةٍ)).
قوله: ((شَغَلَني)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((شَغَلتني)) وهو أوجَهُ، وكذا اختَلَفوا في ((اذهبوا
بها)) أو ((به)).
قوله: (إلى أبي جھْم» کذا للأکثر وهو الصحیحُ، وللگُشْمِيهنيِّ: ((جُهَیم)) بالتصغير.
٩٤ - باب هل يلتفت لأمر يَنزِل به أو يَرى شيئاً أو بُصاقاً في القِبْلِةِ
وقال سَهْلٌ: التَّفَتَ أبو بكرٍ ﴾ فَرَأى النبيَّ ◌َّ.
٧٥٣- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا لَيثٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: رَأى

٣٢٨
باب ٩٤ / ح ٧٥٣ -٧٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله وَلّ نُخامةً في قِبْلةِ المسجدِ وهو يُصلِّ بينَ يَدَى النَّاس فحَتَّها، ثمَّ قال حينَ انصَرَفَ:
((إنَّ أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله قِبَلَ وجهِهِ، فلا يَتَنَجَّمَنَّ أحدٌ قِبَلَ وجهِه في الصلاةِ».
رواه موسى بنُ عُقْبةَ وابنُ أبي رَوّادٍ، عن نافعٍ.
٧٥٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، عن عُقَلٍ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: أخبرني أنس بن مالك، قال: بينما المسلمونَ في صلاةِ الفجرِ لم يَفْجَأْهُم إلَّا رسولُ الله ◌َال
كَشَفَ سِتْرَ حُجْرةٍ عائشةَ، فَنَظَرَ إليهم وهم صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، ونَكَصَ أبو بكرٍ ﴾
على عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ له الصفَّ، فظَنَّ أنَّه يُرِيدُ الخروجَ، وهَمَّ المسلمونَ أنْ يَفْتَيُِّوا في صلاتهم،
فأشارَ إليهم: أن أَتِمُّوا صلاتكم، وأَرْخَى السَّتْرَ وتُوُقّ من آخِرِ ذلك اليومِ.
قوله: ((باب هل يلتفتُ لأمرٍ ينزلُ به أو يَرَى شيئاً أو بُصاقاً في القِبْلة)) الظاهر أنَّ قوله:
((في القِبْلة)) يتعلَّقُ بقوله: ((بُصاقاً))، وأمَّا قوله: ((شيئاً)) فأعمُّ من ذلك، والجامع بين جميعٍ ما
ذُكر في الترجمة، حصولُ التأمُّل المُغايِرِ للخشوع، وأنَّ لا يَقدَحُ إلَّا إذا كان لغير حاجة.
٢٣٦/٢ قوله: ((وقال سَهْل)) هو ابن سعد، وهذا طرفٌ من حديثٍ تقدَّم موصولاً في ((باب مَن
دخل ليؤمَّ الناس)) (٦٨٤).
ووجه الدلالة منه أنَّه وَلّه لم يأمر أبا بكر بالإعادة، بل أشارَ إليه أن يَتَمَادى على إمامَتِه
وكان التِفاتُه لحاجةٍ.
قولُه في حديث ابن عمر: ((بينَ يَدَي النَّاس)) يحتمل أن يكون متعلِّقاً بقوله: ((وهو
يُصلّي))، أو بقوله: ((رأى نُخامة)).
قوله: ((فَتَّها ثمَّ قال حين انصَرَفَ)) ظاهره أنَّ الحَتَّ وقع منه داخلَ الصلاة، وقد تقدَّم
من رواية مالك عن نافع غيرَ مُقِيَّدٍ بحال الصلاة، وسبق الكلام على فوائده في أواخِرٍ
أبواب القِبْلة (٤٠٦)، وأورَدَه هناك أيضاً من رواية أبي هريرة وأبي سعيد (٤٠٨) وعائشة
(٤٠٧) وأنس (٤٠٥) من طرقٍ كلُّها غير مُقيّدةٍ بحال الصلاة.
قوله: (رواه موسی بن عُقْبة)) وَصَلَه مسلم (٥١/٥٤٧) من طريقه.

٣٢٩
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((وابن أبي رَوّاد)) اسمُ أبي رَوّادٍ ميمونٌ، ووَصَلَه أحمد (٤٩٠٨) عن عبد الرزاق(١)،
عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد المذكور. وفيه أنَّ الحَكَّ كان بعد الفراغ من الصلاة، فالغَرَض
منه على هذا المتابعة في أصل الحديث.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ أنسِ المتقدِّم في ((باب أهل العِلم والفضل أحَقّ بالإمامة)»
(٦٨٠).
قال ابن بَطَّال: وجه مُناسَبته للترجمة أنَّ الصحابةَ لمَّا كَشَفَ وَِّ السِّتَرَ التَفَتوا إليه،
ويدلُّ على ذلك قول أنس: ((فأشارَ إليهم)) ولولا التِفاتُهم لمَا رَأوا إشارَتَه. انتهى، ويوضحُه
كون الحُجْرة عن يسار القِبْلة فالناظِرِ إلى إشارة مَن هو فيها يحتاجُ إلى أن يَلتَفِت، ولم يأمرهم
وَإليه بالإعادة، بل أقرَّهم على صلاتهم بالإشارة المذكورة، والله أعلم.
٩٥- باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلِّها
في الحضَر والسفر، وما يُجهَر فيها وما يُحَافَت
٧٥٥- حدَّثنا موسى، قال: حدّثنا أبو عَوَانة، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن جابرِ
ابن سَمُرةَ، قال: شَكا أهلُ الكُوفةِ سعداً إلى عمرَ ﴾ فَعَزَّلَه، واستَعْمَلَ عليهم عَّراً، فشَكَوْهُ
حتَّى ذَكَرُوا أَنَّه لا يُحْسِنُ يُصلّى، فأرسَلَ إليه فقال: يا أبا إسحاقَ، إِنَّ هَؤُلاءٍ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لا
تُحْسِنُ تُصلّى، قال: أَمَّا أنا والله، فإنِّي كنتُ أُصلِّ بهم صلاةَ رسولِ الله ◌ِِّ، ما أخِرِمُ عنها،
أُصلِّي صلاةَ العِشاءِ فَأَركُدُ في الأُولَيْنِ وأُخِفُّ في الأُخرَيَيْنِ، قال: ذلكَ الظنُّ بكَ يا أبا
إسحاقَ، فأرسَلَ معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكُوفِةِ، فسَأَلَ عنه أهلَ الكُوفةِ، ولم يَدَعْ مسجداً
إلَّا سَأَلَ عنه ويُثْنُونَ مَعْرُوفَاً، حتَّى دخل مسجداً لبَنِي عَبْسٍ، فقامَ رجلٌ منهم يقال له: أُسامةُ
بنُ قَتَادةَ يُكنَى أبا سعدةَ، قال: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنا، فإنَّ سعداً كان لا يَسِيرُ بِالسَّرِيّةِ، ولا يَقْسِمُ
بالسَّوِيّةِ، ولا يَعْدِلُ في القَضِيّةِ، قال سعدٌ: أما والله لأدعُوَنَّ بثلاثٍ: اللهمَّ إنْ كان عبدُكَ هذا
كاذباً قامَ رِياءً وسُمْعَةً فأطِلْ عُمْرَه، وأطِلْ فَقْرَه، وعَرِّضْه بالفِتَنِ، قال: فكان بعدُ إذا سُئِلَ
(١) وهو في ((مصنفه)) برقم (١٦٨٢).

٣٣٠
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
يقول: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أصابَتْني دَعْوةُ سعدٍ.
قال عبدُ الملكِ: فأنا رأيتُه بعدُ قد سَقَطَ حاجِبهُ على عَيْنَهِ من الكِبَرِ، وإِنَّه لَيَتَعَرَّضُ
للجَوَاري في الطَّرِيقِ يَغْمِزُ هنَّ.
[طرفاه في: ٧٥٨، ٧٧٠]
٢٣٧/٢ قوله: ((باب وجوب القراءَةِ للإمام والمَأْمُوم في الصَّلَوات كلّها في الحضرِ والسفر)» لم
يَذكُر المنفرِدَ، لأنَّ حُكمَه حكمُ الإمام، وذكر السفرَ لئلّا يُتَخيَّل أنَّه يُتَرَخَّصُ فيه بتركِ
القراءة كما رُخِّصَ فيه بحذف بعض الرَّكَعات.
قوله: ((وما يُجِهَرُ فيها وما يُخافَتُ)) هو بضمٍّ أوَّل كلٍّ منهما على البناء للمجهول، وتقدير
الكلام: وما يُجِهَرُ به وما يُحْافَتُ، لأنَّه لازمٌ فلا يُبنَى منه.
قال ابن رُشَيد: قوله: ((وما يُجْهَرُ)) معطوف على قوله: ((في الصَّلَوات)) لا على القراءة،
والمعنى: وجوب القراءة فيما يُجِهَرُ فيه ويُحَافَتُ، أي: أنَّ الوجوبَ لا يختصُّ بالسّيَّة دون
الجهريَّة، خلافاً لمن فرَّقَ في المأمومِ، انتهى.
وقد اعتنى البخاري بهذه المسألة فصَنَّفَ فيها جزءاً مُفرَداً، سنذكر ما يُحتاجُ إليه في هذا
الشَّرحِ من فوائده إن شاء الله تعالى.
قوله: «حدّثنا موسی)) هو ابن إسماعيل.
قوله: ((عن جابر بن سَمُرة» هو الصحابيُّ، ولأبيه سَمُرة بن جُنادةَ صُحبة أيضاً. وقد
صَرَّحَ ابن عُيَينة بسماع عبد الملك له من جابر، أخرجه أحمد وغيرُه(١).
قوله: ((شَكا أهلُ الكُوفَةِ سعداً)) هو ابن أبي وقَّاص، وهو خالُ جابٍ بن سَمُرة الراوي
عنه، وفي رواية عبد الرزاق (٣٧٠٦) عن مَعمَر عن عبد الملك عن جابر بن سَمُرة قال:
كنت جالساً عند عمرَ إذ جاءَ أهلُ الكوفة يَشكون إليه سعدَ بن أبي وقَّاص، حتَّى قالوا: إنَّه
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٨)، والحميدي (٧٢).

٣٣١
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
أبواب صفة الصلاة
لا يُحسِنُ الصلاة، انتھی.
وفي قوله: ((أهل الكوفة)) تَجَازٌ، وهو من إطلاق الكلِّ على البعض، لأنَّ الذين شَكَوه
بعضُ أهل الكوفة لا كلَّهم، ففي رواية زائدةً عن عبد الملك في ((صحيح أبي عَوَانة))
(١٧٤٩): جَعَلَ ناسٌ من أهل الكوفة(١). ونحوه لإسحاق بن راهويه(٢) عن جَرِير عن
عبد الملك. وسُمّيَ منهم عند سيفٍ والطَّبرانيّ: الجرّاحُ بن سِنان وقَبيصةُ وأربَدُ الأسدیّون،
وذكر العسكريُّ في ((الأوائل)) أنَّ منهم الأشعث بن قيس.
قوله: ((فعَزَلَه)) كان عمر بن الخطّاب أمَّرَ سعد بن أبي وقَّاص على قتال الفُرسِ في سنة
أربعَ عشرةَ، ففَتَحَ الله العراقَ على يديه، ثمَّ اختَطَّ الكوفة سنة سبعَ عشرةَ، واستَمَرَّ عليها
أميراً إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خَيّاط، وعند الطَّبَريّ سنة عشرين، فوقع
له مع أهل الكوفة ما ذُكِرَ.
قوله: ((واستَعْمَلَ عليهم عمَّاراً)) هو ابن ياسر، قال خليفة: استَعمَلَ عمَّاراً على الصلاة، ٢٣٨/٢
وابنَ مسعود على بيتِ المال، وعثمانَ بن حُنَيف على مِساحة الأرض. انتهى، وكأنَّ
تخصيصَ عمَّر بالذِّكرِ لوقوعِ التصريحِ بالصلاة دون غيرها ممّ وقعت فيه الشَّكوَى.
قوله: ((فشَكَوْهُ)) ليست هذه الفاءُ عاطفةً على قوله: ((فعَزَّلَه)»، بل هي تفسيريَّة عاطفةٌ
على قوله: ((شَكا)) عطف تفسير، وقوله: ((فعَزَلَه واستَعمَل)) اعتراض إذ الشَّكوَى كانت
سابقةً على العَزل، وبَيَّنْه روايةُ مَعمَر الماضية.
قوله: ((حتَّى ذَكَرُوا أَنَّه لا يُحسِنُ يُصلّى)) ظاهره أنَّ جِهات الشَّكوَى كانت متعدِّدة،
ومنها قصَّة الصلاة. وصُرِّحَ بذلك في رواية أبي عَوْن الآتية قريباً (٧٧٠)، فقال عمر: لقد
شَكَوك في كلِّ شيءٍ حَتَّى في الصلاة. وذكر ابن سعد وسيف: أنَّهم زَعَموا أنَّه حابَى في بَيعِ
حُسٍ باعَه، وأنَّه صَنَعَ على داره باباً مُبَوَّباً من خشب، وكان السّوق ◌ُجَاوِراً له فكان يتأذَّى
(١) وكذلك عند النسائي (١٠٠٣) من طريق داود بن نصير الطائي، عن عبد الملك.
(٢) ومن طريق ابن راهويه أخرجه ابن حبان برقم (١٨٥٩)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٨٩/٦ -١٩٠.

٣٣٢
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
بأصواتهم، فَزَعَموا أنَّه قال: انقطع التَّصويتُ(١). وذكر سيف أنَّهم زَعَموا أنَّه كان يُلهِيه
الصَّيدُ عن الخروج في السّرایا.
وقال الزُّبَير بن بَكّارٍ في ((كتاب النَّسَب)): رفع أهل الكوفة عليه أشياء كَشَفَها عَمرُ
فَوَجَدَها باطلةً. انتهى، ويقوِّيه قولُ عمرَ في وصيَّتِه: فإنّي لم أعزِله من عَجْز ولا خيانة.
وسيأتي ذلك في مناقبٍ عثمان (٣٧٠٠).
قوله: ((فَأرْسَلَ إليه فقال)) فيه حذفٌ تقديرُه: فَوَصَلَ إليه الرسولُ فجاءَ إلى عمر،
وسيأتي تسمية الرسول.
قوله: ((يا أبا اسحاق)) هي كُنیةٌ سعد، كُنيَ بذلك بأكبرِ أولاده، وهذا تعظيم من عمر
له، وفيه دلالةٌ على أنَّه لم تَقدَح فيه الشَّكوَى عنده.
قوله: ((أمَّا أنا والله)) ((أمَّا)) بالتَّشديد وهي للتَّقْسيم، والقَسيمُ هنا محذوف تقديره: وأمَّا
هم فقالوا ما قالوا. وفيه القَسَمُ في الخيرِ لتأكيده في نفسِ السامع، وجواب القَسَم يدلُّ عليه
قوله: «فإنّ کنت أُصلِی بهم».
قوله: ((صلاةَ رسول الله ◌َّه)) بالنصب، أي: مثلَ صلاة رسولِ الله وَل.
قوله: ((ما أَخِرِمُ)) بفتح أوَّلِه وكسرِ الرَّاءِ، أي: لا أَنْقُصُ، وحكى ابنُ التِّين عن بعض
الرّواة أنَّه بضمٍّ أوَّله، فجَعَله(٢) من الرُّباعيِّ واستَضعَفَه.
قوله: ((أُصلِّي صلاةَ العِشاء)) كذا هنا بالفتح والمدِّ للجميع، غير الجُرجانيّ فقال:
((العَشِيّ))، وفي الباب الذي بعده ((صلاتَ العَشْتِيّ)) بالكسر والتَّشديد لهم إلَّا الكُشْمِيهنيّ،
ورواه أبو داود الطّيالسيّ في «مسنده)) (٢١٤) عن أبي عَوَانة بلفظ: ((صلاتَيِ العَشِيّ))، وكذا
في رواية عبد الرزاق عن مَعمَر، وكذا الزائدةَ في «صحيح أبي عَوَانة)»، وهو الأرجحُ، ويدلُّ
عليه التَّتنية، والمراد بهما الظُّهر والعصر، ولا يَبِعُدُ أن تقعَ التَّثنية في الممدودِ ويُرادَ بهما
(١) ورواه أحمد في مسنده)) (٣٩٠) بلفظ: انقطَعَ الصُّوَيتُ.
(٢) تحرف في (س) إلى: ففعله.

٣٣٣
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
أبواب صفة الصلاة
المغرب والعشاء، لكن يُعكِّرُ عليه قولُه: ((الأُخريَين))، لأنَّ المغربَ إنَّما لها أُخرى واحدة،
والله أعلم.
وأبدى الكِرْمانيّ لتخصيصِ العشاء بالذِّكرِ حِكْمةً، وهو أنَّه لمَّا أتقَنَ فعلَ هذه الصلاة
التي وقتُها وقتُ الاستراحة كان ذلك في غيرها بطريق الأَولى، وهو حسنٌ، ويقال مثلُه في
الظَّهر والعصر، لأنَّهما وقتُ الاشتغال بالقائلة والمعاش. والأولى أن يقال: لعلَّ شَكواهم
كانت في هاتينِ الصلاتَينِ خاصَّةً، فلذلك خَصَّهما بالذِّكر.
قوله: ((فَأَرْكُدُ في الأُولَين)) قال القَزّازُ(١): أركُدُ أي: أُقيمُ طويلاً، أي: أُطوِّلُ فيهما
القراءة. قلت: ويحتمل أن يكون التطويل بما هو أعمُّ من القراءة كالركوع والسجود، لكنَّ
المعهودَ في التَّفْرِقة بين الرَّكَعات إنَّما هو في القراءة، وسيأتي قريباً من رواية أبي عَونٍ (٧٧٠)
عن جابر بن سَمُرة: أمُّدُّ في الأولَيَين. والأولَيَينِ بتحتانيَّتينِ تثنية الأُولى، وكذا: الأُخريين.
قوله: ((وأُخِفُّ)) بضمِّ أوَّلِه وكسر الخاء المعجَمة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وأَحذِفُ))
بفتح أوَّله وسكون المهمَلة، وكذا هو في رواية عثمان بن سعيد الدّارميّ، عن موسى بن
إسماعيل شيخ البخاري فيه، أخرجه البيهقيّ (٢/ ٦٥)، وكذا هو في جميعٍ طرق هذا
الحديث التي وقفت عليها، إلّا أنَّ في رواية محمد بن كثير عن شُعْبة عند الإسماعيليِّ بالميم
بدلَ الفاء (٢)، والمراد بالحَذْف: حذْفُ التطويل لا حذْفُ أصل القراءة فكأنَّه قال: أحذِفُ
الرُّكودَ.
قوله: «ذلك الظنّ بك)) أي: هذا الذي تقول هو الذي كنَّا نَظُنُّه، زاد مِسعَرٌ عن عبد الملك٢٣٩/٢
وابنٍ عَونٍ معاً: فقال سعد: أتعلُّمُني الأعرابُ الصلاةَ، أخرجه مسلم (١٦٠/٤٥٣)، وفيه دلالةٌ
على أنَّ الذين شَكَوه لم يكونوا من أهل العِلم، وكأنَّهم ظنُّوا مشروعيَّةَ التَّسوية بين الرَّكَعات
(١) هو أبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني، له كتاب ((الجامع في اللغة))، ترجم له الذهبي في ((السير))
٣٢٦/١٧، وقال عن كتابه هذا: من نفائس الكتب.
(٢) يعني ((أحذِمُ)) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٧/٦: مِن حَذَمَ يَحِذِم حَذْماً: إذا أسرعَ، وأصل الخَذْم:
الإسراع في كل شيء.

٣٣٤
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
فأنكروا على سعد التَّفْرِقَةَ، فيُستَفادُ منه ذَمُّ القول بالرَّأي الذي لا يَستَنِدُ إلى أصل، وفيه أنَّ
القیاسَ في مُقابلة النصِّ فاسدُ الاعتبار.
قال ابن بَطَّل: وجه دخول حديث سعد في هذا الباب أنَّه لمَّا قال: ((أَركُدُ وأُخِفُّ)) عُلِمَ أنَّه
لا يَترُكُ القراءةَ في شيءٍ من صلاته، وقد قال: إنَّها مثلُ صلاة رسول الله وَّهِ، واختصره الكِرْمانيّ
فقال: رُكود الإمام يدلُّ على قراءتِه عادةً.
قال ابن رُشَيد: ولهذا أتبَعَ البخاريُّ في الباب الذي بعده حدیثَ سعدٍ بحديث أبي
قتادة کالمفسّرٍ له.
قلت: وليس في حديث أبي قتادة هنا ذِكرُ القراءة في الأُخريَين. نَعَم هو مذكور من
حديثه بعد عَشَرة أبواب (٧٧٦)، وإنَّما تَتِمُّ الدلالةُ على الوجوب إذا ضَمَّ إلى ما ذَكر قولَه
﴿َ: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي))(١)، فيَحصُلُ التَّطابُقُ بهذا لقوله: ((القراءة للإمام)) وما ذَكر
من الجهر والمُخافتة.
وأمَّا الحضرُ والسفرُ وقراءة المأمومِ فمِن غير حديث سعدٍ ممَّا ذُكِرَ في الباب، وقد يُؤخَذُ
السفرُ والحضرُ من إطلاق قوله بَّهِ، فإنَّه لم يَفصِل بين الحضرِ والسفر.
وأمَّا وجوبُ القراءة على الإمام فمن حديث عُبادةَ في الباب، ولعلَّ البخاريَّ اكتَفَى
بقوله ◌َّ للمُسيءٍ صلاته - وهو ثالثُ أحاديث الباب -: ((وافعَل ذلك في صلاتِكَ كلِّها))،
وبهذا التَّقْرِيرِ يندفعُ اعتراض الإسماعيليّ وغيرِهِ حيثُ قال: لا دلالةَ في حديث سعدٍ على
وجوب القراءة، وإنَّما فيه تخفيفها في الأُخرِيَينِ عن الأُولَيَين.
قوله: ((فأرْسَلَ معه رجلاً - أو رجالاً -)) كذا لهم بالشَّك، وفي رواية ابن عُيَينة: فَبَعَثَ
عمرُ رجلَين. وهذا يدلُّ على أنَّه أعاده إلى الكوفة ليَحصُلَ له الكشفُ عنه بحَضرَتِه ليكونَ
أبعد من التُّهمة، لكنَّ كلامَ سيف يدلُّ على أنَّ عمرَ إنَّما سألَه عن مسألة الصلاة بعدما عاد
به محمد بن مَسلَمة من الكوفة.
(١) سلف برقم (٦٣١).

٣٣٥
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
أبواب صفة الصلاة
وذكر سيفٌّ والطَّبَريّ أنَّ رسولَ عمرَ بذلك محمدُ بن مَسلَمة (١)، قال: وهو الذي كان
يَقْتَصُ آثار مَن شُكيَ من العُمّال في زَمَنِ عمرَ. وحكى ابنُ التّينِ أنَّ عمرَ أرسَلَ في ذلك
عبدَ الله بنَ أرقَم، فإن كان محفوظاً فقد عُرِفَ الرجلان.
وروى ابن سعد (٥/ ٦٢) من طريق مَليح بن عَوف السُّلَمَيّ قال: بَعَثَ عمرُ محمدَ بن
مَسلَمة، وأمرني بالمَسيرِ معه، وكنت دليلاً بالبِلاد، فذكر القصّةَ وفيها: وأقامَ سعداً في
مساجدِ الكوفة يسألُهُم عنه. وفي رواية إسحاق عن جَرِير (٢): فطِيفَ به في مساجدِ الكوفة.
قوله: (ويُثْنُونَ مَعْرُوفَاً)) في رواية ابن عُيَينة: فكلّهم يُثني عليه خيراً.
قوله: ((لِبَنِي عَبْس)) بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة بعدها مُهمَلة: قبيلة کبیرة من قیس.
قوله: «أبا سعدة)) بفتح المهملة بعدها مُهمَلة ساكنة، زاد سيف في روايته: فقال محمد بن
مَسلَمة: أَنْشُدُ اللهَ رجلاً يعلمُ حَقّاً إلَّا قال.
قوله: ((أمَّا)) بتشديد الميم، وقَسيمُها محذوف أيضاً.
قوله: (نَشَدْتَنا)) أي: طلبت منَّا القولَ.
قوله: ((لا يسيرُ بالسَّريَّة)) الباء للمُصاحَبة، والسَّريَّةُ بفتح المهمَلة وكسرِ الرَّاء المخفَّفة:
قِطعة من الجيش. ويحتمل أن يكون صفةً لمحذوفٍ، أي: لا يسيرُ بالطريقة السَّريَّة، أي:
العادلة، والأوَّل أولى لقوله بعد ذلك: ولا يَعدِلُ. والأصلُ عدمُ التَّكرار، والتأسيسُ أولى
من التأكيد. ويؤيِّدُه رواية جَرِير وسفيان بلفظ: ولا يَنْفِرُ في السَّرِيَّةِ (٣).
قوله: ((في القضيّة)) أي: الحُكومة، وفي رواية سفيان وسيف: في الرَّعيَّة.
(١) وأخرج أحمد (٣٩٠) طرفاً من قصة سعدٍ، وذكر محمد بن مسلمة.
(٢) وهي عند ابن حبان (١٨٥٩)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٨٩/٦ - ١٩٠.
(٣) أخرج هذه اللفظة من رواية جرير: الدَّورقيُّ في ((مسند سعد)) (٢)، والسرّاج (١٢١)، وابن حبان
(١٨٥٩)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٨٩/٦ - ١٩٠، أما رواية سفيان - وهو ابن عيينة - فهي عند
الحميدي (٧٢) و(٧٣)، ولفظها: ولا يخرُج في السَّريّة.

٣٣٦
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال سعد)) في رواية جَرِير: فَغَضِبَ سعدٌ. وحكى ابنُ التّينِ أنَّه قال: أعليَّ
تَسجَعُ.
قوله: ((أما والله)) بِتخفيف المیم، حرف استفتاح.
قوله: (لَأَدْعُوَنَّ بثلاثٍ)) أي: عليك، والحِكْمة في ذلك أنَّه نَفَى عنه الفَضائلَ الثَّلاثَ
٢٤٠/٢ وهي الشَّجاعةُ حيثُ قال: ((لا يَنْفِرُ))، والعِفَّة حيثُ قال: ((لا يَقسِمُ))، / والحِكْمة حيثُ قال:
((لا يَعدِلُ))، فهذه الثلاثة تتعلَّقُ بالنَّفسِ والمال والدّين، فقابَلها بمثلها: فطولُ العُمرِ يتعلَّقُ
بالنَّفس، وطولُ الفَقِ يتعلَّقُ بالمال، والوقوعُ في الفِتَنِ يتعلَّقُ بالدّين، ولمَّا كان في الشِّتَيْنِ
الأُولَيَينِ ما يُمكِنُ الاعتذارُ عنه دون الثالثة قابَلهما بأمرَينِ دُنيَويَّينِ والثالثة بأمر ديني،
وبيانُ ذلك أنَّ قوله: ((لا يَنْفِرُ بالسَّرِيَّة)) يُمكِنُ أن يكون حَقّاً لكن رأى المصلحةَ في إقامته
ليُرَتِّبَ مصالحَ مَن يغزو ومَن يُقيمُ، أو كان له عُذْر كما وقع له في القادسيَّة.
وقوله: ((لا يَقْسِمُ بالسَّوَّة)) يُمكِنُ أن يكون حَقّاً، فإنَّ للإمام تفضيلَ أهلِ الغَناء في
الحرب والقيام بالمصالح.
وقوله: ((لا يَعدِلُ في القضيَّة)) هو أشَدُّها، لأنَّه سَلَبَ عنه العَدلَ مُطلَقاً وذلك قَدْح في
الدّين، ومن أعجَبِ العَجَبِ أنَّ سعداً مع كون هذا الرجل واجَهَه بهذا وأغضَبَه حتَّى دعا
عليه في حال غَضَبِهِ، راعَى العَدل والإنصاف في الدُّعاء عليه، إذ علَّقه بشرطِ أن يكون
كاذِباً وأن يكون الحاملُ له على ذلك الغَرَضَ الدُّنيَويّ.
قوله: ((رياءً وسُمْعة)) أي: ليراه الناسُ ويسمعوه فيَشهَرُوا ذلك عنه، فيكون له بذلك
ذِكْر، وسيأتي مزيدٌ في ذلك في كتاب الرِّقاق (٦٤٩٩) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وأطِلْ فَقْرَه)) في رواية جَرِير: وشَدِّد فقره، وفي رواية سيف: وأكثِرِ عِيالَه.
قال الزَّينُ بن المنيِّر: في الدَّعَوات الثَّلاث مُناسَبة للحال، أمَّا طولُ عُمُرِه فِلِيراه مَن
سمع بأمرِه فيعلمَ كرامة سعد، وأمَّا طولُ فقرِه فِلِنَقيض مطلوبه، لأنَّ حالَه يُشعِرُ بأنَّه
طلبَ أمراً دُنيَويّاً، وأمَّا تعرُّضُه للِفِتَنِ فلكَونِهِ قامَ فيها ورَضيَها دون أهلٍ بلدِه.

٣٣٧
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((فكان بعدُ)) أي: أبو سعدة، وقائل ذلك عبد الملك بن عُمَير، بيَّنْه جَرِير في
روایته.
قوله: ((إذا سُئِلَ)) في رواية ابن عُيَينة: إذ قيل له: كيف أنت؟
قوله: (شَيْخ كَبير مَفْتُون)) قيل: لم يَذكُر الدَّعوةَ الأُخرى وهي الفَقرُ، لكنَّ عمومَ
قوله: ((أصابَتني دعوةُ سعد)» يدلُّ عليه.
قلت: قد وقع التصريحُ به في رواية الطَّبرانيّ (٣٠٨) من طريق أسد بن موسى، وفي
رواية أبي يعلى (٦٩٣) عن إبراهيم بن الحجّاج، كلاهما عن أبي عَوَانة ولفظُه: قال
عبد الملك: فأنا رأيته يَتَعَرَّضُ للإماء في السِّكَك، فإذا سألوه قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ، وفي
رواية إسحاق عن جَرِير: فافتَقَرَ وافتَتَنَ، وفي رواية سيف: فَعَمِيَ واجتَمع عنده عشر
بَنات، وكان إذا سمع بحِسِّ المرأة تَشَبَّثَ بها، فإذا أُنكِرَ عليه قال: دعوة المبارك سعد، وفي
رواية ابن عُيَينة: ولا تكونُ فتنة إلَّا وهو فيها، وفي رواية محمد بن جُحادةَ عن مُصعَب بن
سعد(١) نحوُ هذه القصَّة قال: وأدرَكَ فتنة المختار فَقُتِلَ فيها. رواه المخلِّصُ في ((فوائده))،
ومن طريقه ابن عساكر، وفي رواية سيف: أنَّه عاشَ إلى فتنة الجماجم، وكانت سنة ثلاث
وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غَلَبَ على الكوفة من سنة خمس وسِتّينَ إلى أن قُتِلَ سنة
سبع وِتّينَ.
قوله: (دَعْوة سعدٍ)) أفرَدَها لإرادة الجنسِ وإن كانت ثلاث دَعَوات، وكان سعد معروفاً
بإجابة الدَّعوة، روى الطَّبرانيّ (٣١٨) من طريق الشَّعبيّ قال: قيل لسعد: مَتَى أَصَبت
الدَّعوةَ؟ قال: يومَ بدر، قال النبيُّ وَّ: ((اللهمَّ اسْتَجِب لسعد)). وروى التِّرمِذيّ (٣٧٥١)
وابن حِبَّان (٦٩٩٠) والحاكمُ (٤٩٩/٣) من طريق قيس بن أبي حازم عن سعدٍ أنَّ النبيَّ وَل
(١) كذا جاء في (ع) و(س): محمد بن جحادة، عن مصعب بن سعد، ولم ترد هذه العبارة برُمَّتها في (أ). وقد
سقط من بين ابنِ جُحادة ومصعبٍ الزبير بن عدي، فقد أخرجه من هذا الطريق أبو بكر الدِّينَوري في
((المجالسة)) (١٢٩٤)، وكذلك أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٤٢/٢٠ -٣٤٣ من طريق أبي
طاهر المخلِّص، فذكرا فيه الزبيرَ بن عدي.

٣٣٨
باب ٩٥ / ح ٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال: ((اللهمَّ استَجِب لسعدٍ إذا دعاك)).
وفي هذا الحديث من الفوائد سوى ما تقدَّم: جوازُ عَزْل الإمام بعضَ عُماله إذا شُكيَ
إليه وإن لم يَتْبُت عليه شيءٌ إذا اقتَضَت ذلك المصلحةُ، قال مالك: قد عَزَلَ عمرُ سعداً وهو
أعدَلُ ثَمَّن(١) يأتي بعده إلى يوم القيامة. والذي يظهر أنَّ عمرَ عَزَلَه حَسْماً لمادَّة الفتنة، ففي
رواية سيف: قال عمر: لولا الاحتياطُ وأن لا يبقى من أميرٍ مثلٍ سعدٍ لمَا عَزَلتُه. وقيل:
عَزَلَه إيثاراً لقُربِه منه لكَونِه من أهل الشّورَى، وقيل: لأنَّ مذهبَ عمرَ أن لا يستمرَّ بالعاملِ
أکثر من أربع سنين.
وقال المازَرِيّ: اختَلَفوا هل يَعْزِلُ القاضي بشَكَوَى الواحدِ أو الاثنين أو لا يَعِزِلُ حتَّى
يجتمعَ الأكثر على الشَّكوَى منه؟ وفيه استفسارُ العاملِ عمَّا قيل فيه، والسُّؤالُ عمَّن شُكيَ في
موضع عملِهِ، والاقتصار في المسألة على مَن يُظَنُّ به الفضلُ.
٢٤١/٢ وفيه أنَّ السُّؤالَ عن عَدالة الشاهدِ ونحوِه يكونُ مَمَّن يُجَاوِرُه، وأنَّ تعريضَ العَدْلِ للكشفِ
عن حاله لا يُنافي قبول شهادتِه في الحال.
وفيه خطابُ الرجل الجليل بكُنيَتِهِ، والاعتذار لمن سُمِعَ في حَقِّه کلام یَسوؤُه.
وفيه الفَرقُ بين الافتراء الذي يُقصَدُ به السَّبُّ، والافتراء الذي يُقصَدُ به دَفعُ الضَّرَر،
فيُعَزَّرُ قائل الأوَّل دون الثاني. ويحتمل أن يكون سعد لم يَطلُب حَقَّه منهم أو عَفا عنهم واكتَفَى
بالدُّعاء على الذي كَشَفَ قِناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنَّه صار كالمنفرِدِ بأذّيَّتِهِ، وقد جاءَ
في الخبرِ: (مَن دعا على ظالِهِ فقد انتَصَر))(٢)، فلعلَّه أراد الشَّفَقةَ عليه بأن عَجَّلَ له العقوبة في
الدُّنيا، فانتَصَرَ لنفسِه وراعَى حال مَن ظَلَمَه لما كان فيه من وُفور الدّيانة. ويقال: إنَّه إنَّما دعا
عليه لكَونِهِ انتَهَكَ حُرمةَ مَن صَحِبَ صاحبَ الشَّريعة، وكأنَّه قد انتَصَرَ لصاحبِ الشَّريعة.
وفيه جوازُ الدُّعاء على الظالم المُعيَّنِ بما يَستَلِمُ النَّقْصَ في دينه، وليس هو من طلبٍ وقوع
(١) تحرّف في (أ) إلى: أعدل من أن يأتي بعده، وفي (س) تحرف إلى: أعدل من يأتي بعده.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٥٢)، وإسناده ضعيف.

٣٣٩
باب ٩٥ / ح ٧٥٦
أبواب صفة الصلاة
المعصية، ولكن من حيثُ إنَّه يُؤدّي إلى نِكاية الظالم وعقوبته. ومن هذا القبيل مشروعيّة طلبٍ
الشهادة وإن كانت تَستَلِزِمُ ظُهور الكافرِ على المسلم، ومن الأوَّلِ قول موسى عليه السلامُ:
﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
وفيه سُلوكُ الوَرَع في الدُّعاء. واستدلَّ به على أنَّ الأُولَيَينِ من الرُّباعيَّة مُتساويَتان في
الطّول، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده.
٧٥٦- حذَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حذَّثنا الزُّهْريُّ، عن محمودِ بنِ
الَّبِيعِ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((لا صلاةَ لمنْ لم يَقْرأْ بفاتحةِ الكتابِ».
قوله: ((عن محمود بن الرَّبيع))، في رواية الحميديّ (٣٨٦): عن سفيان حدَّثنا الزُّهريّ
سمعتُ محمودَ بن الرَّبيع، ولابن أبي عمر عن سفيان بالإسناد عند الإسماعيليِّ: سمعت
عُبادة بن الصامت، ولمسلم (٣٦/٣٩٤) من رواية صالح بن كَيْسانَ عن ابن شهاب: أنَّ
محمود بن الرَّبيع أخبره أنَّ عُبادة بن الصامت أخبره، وبهذا التصريحِ بالإخبار يندفعُ تعليل
مَن أعَلَّه بالانقطاع، لكون بعض الرُّواة أدخَلَ بين محمود وعُبادة رجلاً، وهي روايةٌ
ضعيفةٌ عند الدَّارَ قُطنيّ (١٢١٨).
قوله: ((لا صلاة لمن لم يَقْرأْ بفاتحة الكتاب)) زاد الحميديّ عن سفيان: فيها. كذا في
((مسنده). وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميدي، أخرجه البيهقيّ (٣٨/٢)(١). وكذا
لابن أبي عمر عند الإسماعيلي، ولقُتيبةَ وعثمان بن أبي شَيْبة عند أبي نعيمٍ في ((المستخرَج))(٣)،
وهذا يُعيِّنُ أنَّ المراد القراءة في نفسِ الصلاة.
قال عياض: قيل: يُحِمَلُ على نفي الذّات وصِفاتها، لكنَّ الذّاتَ غير مُنتَفيةٍ فيُخصُّ
بدليلٍ خارج. ونُوزعَ في تسليم عدم نفي الذّات على الإطلاق، لأنَّه إن ادَّعَى أنَّ المراد
(١) وهو في (المعرفة والتاريخ)) ليعقوب بن سفيان ٣٥٦/١.
(٢) وكذلك أخرجه ابن ماجه (٨٣٧) عن هشام بن عمار وسهْل بن أبي سهْل وإسحاق بن إسماعيل، ثلاثتهم
عن سفيان بن عيينة.

٣٤٠
باب ٩٥ / ح ٧٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالصلاة معناها اللَّغَويُّ فغير مُسلَّم، لأنَّ ألفاظَ الشارع محمولة على عُرفِهِ، لأنَّه المحتاجُ
إليه فيه، لكَونِه بُعِثَ لبيان الشَّرعيّات لا لبيان مَوضوعات اللّغة، وإذا كان المنفيّ الصلاة
الشَّرعيَّة استقامَ دعوى نفي الذّات، فعلى هذا لا يُحتاجُ إلى إضمار الإجزاء ولا الكمال، لأنَّه
يُؤدّي إلى الإجمال كما نُقِلَ عن القاضي أبي بكر وغيره حتَّى مالَ إلى التَّوَقُّف، لأنَّ نفي
الكمال يُشعِرُ بحصول الإجزاء فلو قُدِّرَ الإجزاء مُنتَفياً لأجل العموم قُدِّرَ ثابتاً لأجلِ
إشعار نفيٍ الكمال بثبوتِهِ فَيَتَنَاقَضُ، ولا سبيلَ إلى إضمارهما معاً، لأنَّ الإضمارَ إنَّما احتيجَ
إليه للضَّرورة، وهي مُندَفِعٌ بإضمار فرْدٍ فلا حاجةً إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما
ليست بأولى من الآخر. قاله ابنُ دَقیق العید.
وفي هذا الأخيرِ نظرٌ، لأنّا إن سَلَّمنا تَعَذُّرَ الحمْلِ على الحقيقة فالحَمْل على أقربِ
المجازَينِ إلى الحقيقة أولى من الحملِ على أبعَدِهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة
وهو السابقُ إلى الفَهم، ولأنَّه يَستَلِزِمُ نفي الكمال من غير عكسٍ فيكونُ أولى، ويؤيِّدُه
رواية الإسماعيليّ من طريق العبّاس بن الوليد النَّرْسِيّ أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا
الإسناد بلفظ: ((لا تُجُزِئُ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، وتابعه على ذلك زيادُ بن
أيوب أحد الأثبات، أخرجه الدَّارَ قُطنيّ (١)، وله شاهدٌ من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللَّفظ، أخرجه ابن خُزيمة وابن حِبَّان وغيرُهما (٢)، ولأحمدَ
٢٤ (٢٠٧٤١)/ من طريق عبدِ الله بن سَوَادة القُشَيريّ عن رجلٍ عن أبيه مرفوعاً: ((لا تُقبَلُ
صلاةٌ لا يُقرأُ فيها بأمّ القرآن)).
وقد أخرج ابن ◌ُخُزيمة (٤٨٨) عن محمد بن الوليد القُرَشيّ، عن سفيان حديثَ الباب
بلفظ: ((لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب))، فلا يَمْتَنِعُ أن يقال: إنَّ قوله: ((لا صلاة)) نفيٌ
بمعنى النَّهي، أي: لا تُصلُّوا إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب، ونَظِيرُه ما رواه مسلم (٥٦٠) من
طريق القاسم عن عائشة مرفوعاً: ((لا صلاة بحَضْرة الطَّعام))، فإنَّه في ((صحيح ابن حِبَّان))
(١) أخرجه في ((السنن)) (١٢٢٥)، وقال: هذا إسناد صحيح.
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠)، وابن حبان (١٧٨٩)، و(١٧٩٤). وإسناده صحيح.