النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ٨٦ / ح ٧٣٩ أبواب صفة الصلاة وحكى الإسماعيليّ عن بعض مشائخِه أنَّه أومَأ إلى أنَّ عبد الأعلى أخطأ في رفعِه، قال الإسماعيليّ: وخالَفَه عبد الله بن إدريس وعبد الوهّاب الثّقَفيّ والمُعتمِر - يعني عن عُبيد الله - فرَوَوه موقوفاً عن ابن عمر. قلت: وَقَفَه مُعتمِر وعبد الوهّاب عن عُبيد الله عن نافع، كما قال، لكن رَفَعاه عن عبيد الله، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر، أخرجهما البخاري في ((جزءِ رفعٍ اليدين)) (٧٦) و(٧٩). وفيه الزّيادةُ. وقد توبِعَ نافعٌ على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبو داود (٧٤٣) وصحَّحه البخاري في الجزءِ المذکور (٢٥) من طريق محارب بن دِثارٍ، عن ابن عمر قال: كان النبيّ ◌ٍَّ إذا قامَ من الرَّكعتين كَبَّرَ ورفع يديه. وله شواهدُ منها حديث أبي حميد الساعديّ وحديث عليّ بن أبي طالب أخرجهما أبو داود، وصحَّحهما ابن خُزيمة وابنُ حِبّان(١)، وقال البخاري في الجزءِ المذكور: وما زاده ابن عمر وعليّ وأبو حميد في عَشَرةٍ من الصحابة من الرَّفع عند القيام من الرَّكعتين صحيحٌ، لأنَّهم لم يَحَكُوا صلاةً واحدةً فاختَلَفوا فيها، وإنَّما زاد بعضهم على بعض، والزّيادة مقبولة من أهل العِلم(٢). وقال ابن بَطَّال: هذه زيادة يجبُ قَبُولها لمن يقول بالرَّفع. وقال الخطّابِيّ: لم يقل به الشافعي، وهو لازمٌّ على أصلِه في قَبُول الزّيادة. وقال ابن خُزيمة: هو سُنٌَّ، وإن لم يذكره الشافعيّ، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا٢٢٣/٢ بالسُّنَّة ودَعُوا قولي. وقال ابن دَقِيق العيد: قياسُ نَظَرِ الشافعيِّ: أنَّه يُستَحبُّ الرَّفع فيه، لأنَّه أثبَتَ الرَّفْع (١) أخرجه من حديث أبي حميد الساعدي أبو داود (٧٣٠)، وابن خزيمة (٦٠٨)، وابن حبان (١٨٦٦). ومن حديث علي أخرجه أبو داود (٧٤٤)، وابن خزيمة (٥٨٤)، وأما ابن حبان فقد ذكر الحافظ كذلك في («إتحاف المهرة)) (١٤٦٠٩) أنه رواه أيضاً في الصلاة من ((صحيحه))، ولم نقف عليه في المطبوع. (٢) هذا قاله البخاريُّ بإثر الحديث (٩٨) من («جزئه))، لكن جاء في المطبوع منه نص البخاري بذكر أبي حميد دون ابن عمر وعليّ. مع أنه روى أحاديثهم جميعاً بالأرقام (١) و(٣) و(٩) و(٢٥) و(٧٩)! ٣٠٢ باب ٨٦ / ح ٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري عند الركوع والرَّفع منه، لكَونِه زائداً على مَن اقتصر عليه عند الافتتاح، والحُجَّةُ في الموضعينِ واحدة، وأوَّلُ راضٍ سِيرةً مَن يسيرُها. قال: والصوابُ إثباته، وأمَّا كَونُه مذهباً للشافعيِّ لكَونِه قال: إذا صَحَّ الحديثُ فهو مذهبي، ففيه نظرٌ. انتهى، ووجه النَّظر أنَّ محلّ العملِ بهذه الوَصيَّة ما إذا عُرِفَ أنَّ الحديث لم يَطَّلِعِ عليه الشافعي، أمَّا إذا عُرِفَ أنَّه الطَّلَعَ عليه ورَدَّه أو تأوَّلَه بوجهٍ من الوجوه فلا، والأمرُ هنا محتمل. واستَنْبَطَ البيهقيُّ من كلام الشافعيِّ أنَّه يقول به لقوله في حديث أبي حميد المشتمل على هذه السُّنَّة وغيرها: وبهذا نقولُ. وأطلَقَ النَّوَويّ في ((الرَّوضة)) أنَّ الشافعيَّ نصَّ عليه، لكنَّ الذي رأيت في ((الأمّ)) خلافَ ذلك فقال في («باب رفع اليدينِ في التكبيرِ في الصلاة)) (١٢٦/١) بعد أن أورَدَ حديث ابن عمر من طريق سالمٍ وتكلّم عليه: ولا نَأمُرُه أن يرفعَ يديه في شيءٍ من الذِّكرِ في الصلاة التي لها رُكوع وسجود، إلّ في هذه المواضعِ الثلاثة. وأمَّا ما وقع في أواخر البُوَيطيّ: يرفعُ يديه في كلِّ خَفْض ورَفْع، فيُحمَلُ الخَفْضُ على الركوع والرَّفعُ على الاعتدال، وإلَّا فحَمْلُه على ظاهرِه يقتضي استحبابه في السجودِ أيضاً، وهو خلافُ ما عليه الجمهور، وقد نَفاه ابنُ عمرَ. وأغرَبَ الشَّيخُ أبو حامد في ((تعليقَتِهِ))(١)، فنقل الإجماع على أنَّه لا يُشرَعُ الرَّفع في غير المواطنِ الثلاثة، وتُعُقِّبَ بصِحَّة ذلك عن ابن عمر وابن عبّاسٍ وطاووسٍ ونافع وعطاء كما أخرجه عبد الرزاق(٢) وغيرُه عنهم بأسانيدَ قويَّة، وقد قال به من الشافعيَّة ابن خُزيمة وابن المنذر وأبو عليّ الطَّبَريّ والبيهقيّ والبَغَويُّ، وحكاه ابن خُوَيزِ مَنداد عن مالكٍ، وهو شاذٌ. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: تعليقه. (٢) أخرج رواياتهم عبد الرزاق بالأرقام: (٢٥١٩) و(٢٥٢٠) و(٢٥٢٣) و(٢٥٢٥) و(٢٥٢٦) و(٢٥٢٧). ٣٠٣ باب ٨٦ / ح ٧٣٩ أبواب صفة الصلاة وأصحُّ ما وقفتُ عليه من الأحاديث في الرَّفع في السجودِ: ما رواه النَّسائيّ (ك ٦٧٦) من رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن نصرٍ بن عاصم عن مالك بن الحوَيرِثِ: أنَّه رأى النبيَّ ◌َّهِ يرفعُ يديه في صلاته إذا رَكَع، وإذا رفع رأسَه من رُكوعِه، وإذا سَجَد، وإذا رفع رأسَه من سجودِه حتَّى يُحاذيَ بهما فُروعَ أُذنَيه. وقد أخرج مسلم (٢٦/٣٩١) بهذا الإسناد طرفه الأخير كما ذكرناه في أوَّل الباب الذي قبلَ هذا. ولم ينفرد به سعيدٌ فقد تابعه همَّام عن قتادة عند أبي عَوَانة في ((صحيحه)) (١٥٩٠). وفي الباب عن جماعةٍ من الصحابة لا يَخُلُو شيءٌ منها عن مقال، وقد روى البخاري في ((جزءٍ رفع اليدين)) (٩) في حديث عليٍّ المرفوعِ: ولا يرفعُ يديه في شيءٍ من صلاته وهو قاعد. وأشارَ إلى تضعيفٍ ما وَرَدَ في ذلك. تنبيه: روى الطَّحاويّ حديث الباب في ((مُشكِلِه)) (٥٨٣١) من طريق نصر بن عليّ، عن عبد الأعلى بلفظ: كان يرفعُ يديه في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، ورُكوعٍ وسجودٍ، وقيامٍ وقعودٍ، وبينَ(١) السَّجدَتَيْنِ، ويَذْكُرُ أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يفعلُ ذلك. وهذه رواية شاذَّة، فقد رواه الإسماعيليّ عن جماعةٍ من مَشائخِه الحُفّاظِ عن نصر بن عليّ المذكور بلفظ عيَّاش شيخ البخاري، وكذا رواه هو وأبو نُعيمٍ من طريقٍ أُخرى عن عبد الأعلى كذلك. قوله: ((رواه حَمّاد بن سَلَمة عن أيوبَ)) إلى آخره، وَصَلَه البخاري في الجزءِ المذكور (٥١) عن موسى بن إسماعيل عن حَمَّاد مرفوعاً، ولفظُه: كان إذا كَبَّرَ رفع يديه، وإذا رَكَع، وإِذا رفع رأسه من الركوع». قوله: ((ورواه ابن طَهْمان)) يعني: إبراهيمَ، عن أيوب وموسَى بن عُقبة، وهذا وَصَلَه البيهقيّ (٢/ ٧٠) من طريق عمر بن عبد الله بن رَزين، عن إبراهيم بن طَهْمان، بهذا السَّنَدِ موقوفاً نحو حديث حمّاد، وقال في آخره: وكان رسولُ الله ◌َّهِ يفعلُ ذلك. واعتَرَضَ الإسماعيليّ فقال: ليس في حديث حمّاد ولا ابن طَهْمان الرَّفع من الرَّكعتين المَعقود لأجلِه (١) الذي في المطبوع من ((المشكل)): وقعود بين السجدتين! ٣٠٤ باب ٨٧ / ح ٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢٢٤/٢ الباب،/ قال: فلعلَّ المُحدِّث عنه دخل له بابٌ في باب. يعني أنَّ هذا التَّعليقَ يليقُ بحديث سالمٍ الذي في الباب الماضي. وأُجيبَ بأنَّ البخاريَّ قَصَدَ الردَّ على مَن جَزَمَ بأنَّ روايةَ نافع لأصل الحديث موقوفةٌ، وأنَّه خالَفَ في ذلك سالماً كما نَقَلَه ابن عبد البَرِّ وغيره، وقد تَبيَّنَ بهذا التَّعليق أنَّه اختُلِفَ على نافعٍ في وقفِه ورفعه لا خصوص هذه الزّيادة، والذي يظهرُ أنَّ السَّبَبَ في هذا الاختلاف أنَّ نافعاً كان يرويه موقوفاً ثمَّ يُعقِبُه بالرَّفع، فكأنَّه كان أحياناً يَقْتَصِرُ على الموقوفِ، أو يَقتَصِرُ عليه بعض الرُّواة عنه، والله أعلم. ٨٧- باب وضع الیمنی علی الیسری ٧٤٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: كان النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أنْ يَضَعَ الرجلُ اليَدَ الْيُمْنَى على ذِراعه اليُسْرَى في الصلاةِ. قال أبو حازم: لا أعلمُهُ إلَّا يَنْمي ذلك إلى النبيِّ ◌َِّ. وقال إسماعيلُ: يُنْمَى ذلك، ولم يَقُل: يَنْمِي. قوله: ((باب وضْع الْيُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاة)) أي: في حال القيام. قوله: ((كان النَّاس يُؤْمَرُونَ» هذا حكمُه الرَّفع، لأنَّه محمولٌ على أنَّ الْآمِرَ لهم بذلك هو النبيُّ پێے کما سيأتي. قوله: ((على ذِراعِه)) أبهَمَ موضعَه من الذِّراع، وفي حديث وائل عند أبي داود والنَّسائيّ: ثُمَّ وضَعَ يَدَه اليُمنَى على ظَهر كَفّه اليُسرَى والرُّسغ والساعدِ. وصحَّحه ابن خُزيمة وغيرُهُ(١)، وأصلُه في صحيح مسلمٍ (٤٠١) بدون الزّيادة، والرُّسغُ بضمِّ الرَّاء وسكون السِّين المهمَلة بعدها مُعجَمة: هو المفصِلُ بين الساعدِ والكَفّ، وسيأتي أثر عليٍّ نحوه في أواخرِ الصلاة، ولم يَذكُر أيضاً محلَّهما من الجسد. (١) أخرجه أبو داود (٧٢٧)، والنسائي (٨٨٩)، وابن خزيمة (٤٨٠)، وابن حبان (١٨٦٠). ٣٠٥ باب ٨٧ / ح ٧٤٠ أبواب صفة الصلاة وقد روى ابن خُزَيمة (٤٧٩) من حديث وائل: أنَّه وضَعَهما على صَدرِهِ، والبَزّار (٤٤٨٨) عند صَدرِهِ، وعند أحمدَ (٢١٩٦٧) في حديث هُلْب الطَّائيّ نحوَه - وهُلب بضمِ الهاء وسكون اللَّام بعدها مُوحَّدة - وفي ((زيادات المسند)) (٨٧٥) من حديث عليٍّ: أنَّه وضَعَهما تحتَ السُّرَّة. وإسنادُه ضعيف. واعتَرَضَ الدّانيُّ في ((أطراف الموطَّأ)) فقال: هذا معْلول، لأنَّه ظَنٍّ من أبي حازم، ورُدَّ بأنَّ أبا حازم لو لم يقل: لا أعلمُه ... إلى آخره، لكان في حكم المرفوع، لأنَّ قولَ الصحابيِّ: كنّا نُؤْمَرُ بكذا، يُصرَفُ بظاهرِه إلى مَن له الأمر وهو النبيُّ وَِّ، لأنَّ الصحابيَّ في مَقام تعريف الشَّرع، فيُحمَلُ على مَن صَدَرَ عنه الشَّرع، ومثلُه قولُ عائشة: كنَّا نُؤمَرُ بقضاء الصوم(١)، فإنَّه محمولٌ على أنَّ الآمِرَ بذلك هو النبيُّ ◌َله. وأطلَقَ البيهقيّ أنَّه لا خِلافَ في ذلك بين أهل النَّقْلِ، والله أعلم. وقد وَرَدَ في ((سنن أبي داود)) (٧٥٥) والنَّسائيّ (٨٨٨) و((صحيح ابن السَّكَن)) شيء يُستأنسُ به على تعيين الآمِرِ والمأمور، فُرُوي عن ابن مسعود قال: رآني النبيُّ نَّهِ واضعاً يديَ اليُسرَى على يدي اليُمنَى، فَزَعَها ووَضَعَ الْيُمنَى على اليُسرَى. إسناده حسن، قيل: لو كان مرفوعاً ما احتاجَ أبو حازم إلى قوله: لا أعلمُه ... إلى آخره، والجوابُ أنَّه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأوَّل لا يقال له: مرفوع، وإنَّما يقال: له حكمُ الرّفْع. قال العلماء: الحِكْمةُ في هذه الهيئة أنَّه صفة السائل الذَّليل، وهو أمنَعُ من العَبَثِ وأقربُ إلى الخشوع، وكأنَّ البخاريَّ لَحَظَ ذلك فعَقَّبَه بباب الخشوع. ومن اللَّطائفِ قول بعضهم: القلبُ موضع النيّة، والعادةُ أنَّ مَن احتَرَزَ على حِفظ شيءٍ جَعَلَ يديه عليه. قال ابن عبد البَرّ: لم يأتِ عن النبيِّ نَِّ فيه خلافٌ، وهو قولُ الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في ((الموطّأ))، ولم يَحَكِ ابن المنذر وغیرُه عن مالكٍ غیرَه. (١) أخرجه مسلم (٣٣٥)، وقد سلف أصله عند المصنف برقم (٣٢١). ٣٠٦ باب ٨٧ / ح ٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وروى ابن القاسم عن مالك الإرسالَ، وصار إليه أكثرُ أصحابه، وعنه التَّفْرِقة بين الفريضة والنافلة، ومنهم مَن كَرِهَ الإمساك، ونقل ابن الحاجِبِ أنَّ ذلك حيثُ يُمسِكُ مُعتمِداً لقَصدِ الرَّاحة. ٢٢٥/٢ قوله: ((قال أبو حازم)) يعني راويَه بالسَّنَدِ المذكور إليه «لا أعلَمُه)) أي: سهل بن سعد ((إلَّا يَنْمي) بفتح أوَّله وسكون النُّون وكسر الميم، قال أهل اللُّغة: نَمَيتُ الحديث إلى غيري: رَفَعتُه وأسنَدْتُه. وصَرَّحَ بذلك معن بن عيسى وابن يوسف عند الإسماعيليّ والدَّارَ قُطني، وزاد ابنَ وَهْب، ثلاثتُهم عن مالكِ بلفظ: ((يرفعُ ذلك))، ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: يَنميه، فمراده يرفعُ ذلك إلى النبيِّ ◌ََّ، ولو لم يُقَيِّده(١). قوله: ((وقال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم يَقُل: يَنْمي)) الأوَّل بضمٍّ أوَّلِه وفتح الميمِ بلفظ المجهول، والثاني وهو المنفيُّ كرواية القَعْنبي، فعلى الأوَّل الهاء ضمير الشَّأنِ فيكونُ مُرسَلاً، لأنَّ أبا حازم لم يُعيِّن مَن نَاه له، وعلى رواية القَعْنبيّ الضَّمير لسهلِ شَيخِه، فهو متصل. وإسماعيلُ هذا: هو ابن أبي أُوَيسٍ شيخ البخاري، كما جَزَمَ به الحميديّ في ((الجمع)). وقرأتُ بخطّ مُغَلْطاي: هو إسماعيل بن إسحاق القاضي، وكأنَّه رأى الحديث عند الجَوزَقيّ والبيهقيّ (٢٨/٢) وغيرهما من روايته عن القَعْنبِيّ، فظَنَّ أنَّه المرادُ، وليس كذلك، لأنَّ روايةَ إسماعيل بن إسحاق موافقةٌ لرواية البخاري، ولم يَذكُر أحدٌ أنَّ البخاريّ روى عنه وهو أصغَرُ سِنّاً من البخاريِّ وأحدَثُ سماعاً، وقد شارَكَه في كثيرٍ من مَشاِه البصريّينَ القُدَماءِ، ووافَقَ إسماعيلَ بنَ أبي أوَيس على هذه الرواية عن مالك سوَيدُ بن سعيدٍ فيما أخرجه الدَّارَ قُطنيّ في ((الغرائب)). تنبيه: حكى في ((المَطالع)) أنَّ رواية القَعْنبي بضمٌّ أوَّله: من أنمَى، قال: وهو غلط، وتُعُقِّبَ بأنَّ الزَّجّاجَ ذكر في كتاب ((فعلت وأفعلت)): نَمَيتُ الحديث وأنميته، و کذا حكاه ابن دُرَيد وغيرُه. ومع ذلك فالذي ضبطناه في البخاريِّ عن القَعْنبيِّ بفتح أوَّله من الثَّلاثي، (١) هذه الفقرة ليست في الأصلين، وأثبتناها من (س). ٣٠٧ باب ٨٨ / ح ٧٤١ - ٧٤٢ أبواب صفة الصلاة فلعلَّ الضمَّ رواية القَعْنبيّ في ((الموطَّأ))، والله أعلم. ٨٨- باب الخُشوع في الصلاة ٧٤١- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: «هل تَرَوْنَ قِبْلتي هاهنا؟ والله ما يَخْفَى عليَّ ركوعُكم ولا خُشُوعُكم، وإِنِّي لَأراكم وراءَ ظهِرِي)). ٧٤٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجودَ، فوالله إنِّي لَأراكم من بعدي - ورُبَّما قال: من بَعدِ ظهري - إذا رَكَعْتُم وسَجَدْتُم)). قوله: (باب الُشُوع في الصلاة)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ. والخشوعُ تارةً يكونُ من فعل القلب كالخَشْية، وتارة من فعل البَدَن كالسُّكون، وقيل: لا بُدّ من اعتبارهما، حكاه الفَخرِ الرَّازيّ في ((تفسیرِه)). وقال غيره: هو معنَى يقومُ بالنَّفْسِ يظهرُ عنه سكونٌ في الأطراف يُلائمُ مقصود العبادة. ويدلُّ على أنَّه من عمل القلبِ حديثُ عليّ: الخشوعُ في القلب. أخرجه الحاكمُ (٢/ ٣٩٣) (١). وأمَّا حديث: (لو خَشَعَ هذا خَشَعَت جَوارحُه))(٢)، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الظاهر عُنوان الباطن. حديث أبي هريرة من هذا الوجه سبق الكلامُ عليه في (باب عِظة الإمام الناسَ في إتمام الصلاة)) (٤١٨) من أبواب القِبْلة. وأورَدَ فيه أيضاً حديثَ أنس من وجهٍ آخرَ ببعض مُغايرة (٤١٩). (١) موقوفاً من قول عليٍّ ﴾. (٢) رُوي هذا مرفوعاً عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) كما في ((تخريج أحاديث الكشاف)) للزيلعي ٣٩٩/٢، وساقه بإسناده، وفيه رجل قد اتُّفق على ضعفه، ولفظه: «لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه))، وقد رُوي من قول ابن المسيب أيضاً عند ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٨٨)، وابن أبي شيبة ٢٨٩/٢، وفي إسناده رجل مبهم. ٣٠٨ باب ٨٨ / ح ٧٤١ - ٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن أنس)) عند الإسماعيليِّ من رواية أبي موسى عن غُندَر التصريحُ بقول قتادة: سمعت أنس بن مالك. قوله: ((أقيمُوا الرُّكُوع والسُّجود)) أي: أكمِلوهما. وفي رواية معاذ عن شُعْبةَ عند الإسماعيليِّ ((أتِمّوا)) بدلَ: ((أقيموا)). ٢٢٦/٢ قوله: ((فوالله إنِّ لَأراكم من بعدي)» تقدَّم الكلامُ على معنى هذه الرواية. وأغرَبَ الدَّاووديُّ الشارح فحمل البعديَّة هنا على ما بعد الوَفاة، يعني أنَّ أعمالَ الأمَّة تُعرَضُ عليه، وكأنَّه لم يتأمَّل سياق حديث أبي هريرة حيثُ بيَّن فيه سببَ هذه المقالة، وقد تقدَّم في الباب المذكور ما يدلُّ على أنَّ حديث أبي هريرة وحديث أنس في قصّة واحدة، وهو مُقتَضى صنيع البخاري في إيراده الحديثينِ في هذا الباب، وكذا أورَدَهما مسلم (٤٢٤ و٤٢٥) معاً. واستَشكَل إيراد البخاري لحديث أنس هذا لكَونِهِ لا ذِكْرَ فيه للخشوعِ الذي تَرجَمَ له. وأُجيبَ بأنَّه أراد أن يُنبِّهَ على أنَّ الخشوعَ يُدرَكُ بسكون الجوارحِ، إذ الظاهرُ عُنوان الباطن. وروى البيهقيّ (٢٨٠/٢) بإسنادٍ صحيح عن مجاهدٍ قال: كان ابن الزُّبَير إذا قامَ في الصلاة كأنَّه عودٌ، وحدَّث أنَّ أبا بكر الصِّدّيق كان كذلك. قال: وكان يقال: ذاكَ الخشوعُ في الصلاة. واستدلَّ بحديث الباب على أنَّه لا يجبُ، إذ لم يأمرهم بالإعادة، وفيه نظرٌ. نَعَم في حديث أبي هريرة من وجهٍ آخرَ عند مسلم (٣٢٣): صلَّى رسول الله ◌َّ يوماً ثمَّ انصَرَفَ فقال: ((يا فلان، ألا تُحسِنُ صلاتَك)). وله في روايةٍ أُخرى(١): ((أَتِمّوا الركوع والسجود))، وفي أُخرى: ((أقيموا الصُّفوف))(٢)، وفي أُخرى (٤٢٦): ((لا تَسِقوني بالركوع ولا (١) من حديث أنس برقم (٤٢٥) (١١١). (٢) سلف بهذا اللفظ عند المصنف برقم (٧١٨)، وهو عند مسلم أيضاً (٤٣٤)، لكن بلفظ: ((أتموا الصفوف». ٣٠٩ باب ٨٨ / ح ٧٤١ -٧٤٢ أبواب صفة الصلاة بالسجود)»، وعند أحمدَ (٩٧٩٦): صلَّى بنا الظُّهر وفي مُؤخَّرِ الصُّفوفِ رجل فأساءَ الصلاة. وعنده من حديث أبي سعيد الخُّدريّ، أنَّ بعضَ الصحابة تَعَمَّدَ المسابقةَ ليَنظُر هل يعلمُ به رسولُ الله ◌َّ أو لا؟ فلمَّا قَضَى الصلاة نهاه عن ذلك(١). واختلافُ هذه الأسباب يدلُّ على أنَّ جميعَ ذلك صَدَرَ من جماعةٍ في صلاةٍ واحدةٍ أو في صلوات، وقد حكى النَّوَويّ الإجماع على أنَّ الخشوعَ ليس بواجب، ولا يَرِدُ عليه قولُ القاضي حسين: إنَّ مُدافَعة الأخبَثَينِ إذا انتَهَت إلى حَدِّ يَذهَبُ معه الخشوعُ أبطَلتِ الصلاة، وقاله أيضاً أبو زيد المَروَزي، لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المرادُ بالإجماع أنَّه لم يُصرِّح أحدٌ بوجوبه، وكلاهما في أمرٍ يَحَصُلُ من مجموعِ المُدافَعة وتركِ الخشوع. وفيه تَعَقُّبٌ على مَن نَسَبَ إلى القاضي وأبي زيد أنَّهما قالا: إنَّ الخشوعَ شرط في صِحَّة الصلاة، وقد حكاه المحِبُّ الطَّبَريّ وقال: هو محمولٌ على أن يَحصُلَ في الصلاة في الجملة لا في جميعِها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضاً. وأمَّا قولُ ابن بَطَّالٍ: فإن قال قائل: فإنَّ الخشوعَ فرضٌ في الصلاة، قيل له: بحَسْبٍ الإنسان أن يُقبِلَ على صلاته بقلبِهِ ونَيَّتِه يريدُ بذلك وجه الله عزَّ وجلَّ، ولا طاقةً له بما اعتَرَضَه من الخواطر. فحاصل كلامه أنَّ القَدرَ المذكور هو الذي يجبُ من الخشوع، وما زاد علی ذلك فلا. وأنكَرَ ابن المنيِّرِ إطلاق الفرْضيَّة، وقال: الصوابُ أنَّ عدمَ الخشوع تابعٌ لما يظهرُ عنه من الآثار، وهو أمرٌ مُتفاوِتٌ، فإن أثَّرَ نقصاً في الواجبات كان حراماً وكان الخشوعُ واجباً، وإلَّ فلا. وقد سُئِلَ عن الحِكْمة في تحذيرِهم من النَّقْصِ في الصلاة بُرُؤيَتِه إيّاهم، دون تحذيرِهم برُؤية الله تعالى لهم، وهو مَقام الإحسان المُبيَّن في سؤال جِبْرِيلَ كما تقدَّم في كتاب الإيمان (٥٠): ((اعبد اللهَ كأنَّك تَراه، فإن لم تكن تَراه فإنَّه يَراك))، فأُجيبَ بأنَّ في التَّعليل بُرُؤيَتِهِ وَّه تنبيهاً على رؤية الله تعالى لهم، فإنَّهم إذا أحسنوا الصلاة لكون النبيّ وَّلـ (١) أخرجه برقم (١١٣٨٧)، وإسناده ضعيف. ٣١٠ باب ٨٩ / ح ٧٤٣ فتح الباري بشرح البخاري يراهم أيقَظَهم ذلك إلى مُراقَبة الله تعالى، مع ما تَضَمَّنَه الحديثُ من المُعجِزَة له وَ لِّ بذلك، ولكَونِه يُبعَثُ شَهيداً عليهم يومَ القيامة، فإذا عَلِموا أنَّه يراهم تَحَفَّظوا في عبادتِهِم، ليشهدَ لهم بحُسنٍ عبادتهم. ٨٩- باب ما يقولُ بعد التكبير ٧٤٣- حدَّثنا حفصُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَة، عن أنسِ: أنَّ النبيَّ ◌َّ وأبا بكرٍ وعمَرَ رضي الله عنهما كانوا يَفْتَتِحُونَ الصلاةَ ب﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾. ٢٢٧/٢ قوله: ((باب ما يقول بعدَ التكبير)) في رواية المُستَمْلي: ((باب ما يقرأُ)) بدلَ: ((ما يقول)»، وعليها اقتصر الإسماعيليّ. واستَشكَل إيراد حديث أبي هريرة إذ لا ذِكْرَ للقراءة فيه. وقال الزَّين بن المنيِّر: ضَمَّنَ قوله: ((ما يقرأُ)) ما يقول من الدُّعاء قولاً متصلاً بالقراءة، أو لمَّا كان الدُّعاء والقراءة يُقصَدُ بهما التقرُّب إلى الله تعالى استَغْنَى بذِكْر أحدهما عن الآخرِ كما جاءَ: عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً. وقال ابن رُشَيد: دعاءُ الافتتاح يتضمَّنُ مُناجاةَ الرَّبِّ والإقبالَ عليه بالسُّؤال، وقراءةُ الفاتحة تتضمَّنُ هذا المعنى، فظَهَرَتِ المناسَبة بين الحديثين. قوله: ((كانوا يَفْتَتِحُونَ الصلاة)) أي: القراءةَ في الصلاة، وكذلك رواه ابن المنذر (١١٩/٣) والجَوزَقيّ وغيرهما من طريق أبي عمر الدُّوريّ(١) - وهو حفص بن عمر شيخ البخاري فيه - بلفظ: كانوا يَفتَتِحون القراءة بالحمدُ لله رَبِّ العالمين. وكذلك رواه البخاري في ((جزء القراءة خلفَ الإمام)» (١١٨) عن عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبةَ، وذكر أنَّهَا أبيَنُ من رواية حفص بن عمر. قوله: ((بـ﴿الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾)) بضمِّ الدّال على الحكاية. واختُلِفَ في المراد (١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌ منه رحمه الله تعالى، والجواد ربما يعثُر، فإن حَفْصَ بن عُمر شيخ البخاري إنما هو الحَوضيُّ، لا الدُّوري، ولم يُذكر أن البخاريَّ روى عنه أصلاً، ولا روى هو عن شعبة. وإنما الرواية للحَوضي. ٣١١ باب ٨٩ / ح ٧٤٣ أبواب صفة الصلاة بذلك فقيل: المعنى كانوا يَفْتَّتِحون بالفاتحة، وهذا قول مَن أثبَتَ البسملة في أوَّلها. وتُعُقِّبَ بأنَّهَا إِنَّمَا تُسمَّى الحمدَ فقط، وأُجيبَ بمنع الحصر، ومُستنَده ثبوت تسميتها بهذه الجملة - وهي ((الحمدُ لله ربِّ العالمين)) - في ((صحيح البخاري)) أخرجه في فضائل القرآن (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المُعلَّ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال له: ((ألا أُعَلِّمُك أعظمَ سورة في القرآن)) فذكر الحديث. وفيه قال: (﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ هي السَّبع المَثاني)»، وسيأتي الكلامُ علیه إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى كانوا يَفْتَتِحون بهذا اللَّفظ تَسُّكاً بظاهر الحديث، وهذا قول مَن نَّفَى قراءة البسملة، لكن لا يَلزَمُ من قوله: كانوا يَفْتَتِحون بـ﴿الْحَمْدُ﴾)) أنَّهم لم يقرؤوا: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) سِرّاً، وقد أطلَقَ أبو هريرة السُّكوت على القراءة ◌ِرّاً كما في الحديث الثاني من الباب. وقد اختلف الرُّواةُ عن شُعْبةَ في لفظ الحديث: فرواه جماعةٌ من أصحابه عنه بلفظ: ((كانوا يَفْتَتِحون القراءة بِ﴿الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾))، ورواه آخرون عنه بلفظ: ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأُ بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، كذا أخرجه مسلم (٣٩٩/ ٥٠ و(٥) من رواية أبي داود الطَّيالسيّ ومحمد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيبُ(١) من رواية أبي عمر الدُّوريّ(٢) شيخ البخاري فيه، وأخرجه ابن خُزيمة (٤٩٢) من رواية محمد بن جعفر باللَّفظَين، وهؤلاء من أثبَتِ أصحاب شُعْبة. ولا يقال: هذا اضطرابٌ من شُعْبة، لأنّا نقولُ: قد رواه جماعةٌ من أصحاب قتادة عنه باللَّفظَين، فأخرجه البخاري في ((جزء القراءة» (١٢٧) والنَّسائيّ (٢٩٠٣) وابن ماجَهْ (٨١٣) من طريق أيوب، وهؤلاء، والتِّمِذيّ من طريق أبي عَوَانة، والبخاري فيه (٣)، (١) في مصنف له مفرد في مسالة الجهر بالبَسمَلة في الصلاة، أشار إليه الفخر الرازي في ((أحكام البسملة)) ص ٤٤. (٢) بل أبي عمر الحوضي، كما نبّهْنا عليه قريباً. (٣) أخرجه البخاري في ((جزء القراءة)) (١٢٤)، وابن ماجه (٨١٣)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي (٩٠٣) = ٣١٢ باب ٨٩ / ح ٧٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وأبو داود (٧٨٢) من طريق هشام الدَّستُوائيّ، والبخاري فيه (١٢٢) وابن حِبَّان (١٨٠٠) من طريق حمَّد بن سَلَمة، والبخاري فيه (١٢٣) والسَّاج(١) من طريق همَّامٍ، كلهم عن قتادة باللَّفظ الأوَّل. ٢٢٨/٢ وأخرجه مسلم (٣٩٩/ ٥٢) من طريق الأوزاعيّ عن قتادة بلفظ: لم يكونوا يَذكُرون ((بسم الله الرحمن الرَّحيم))، وقد قَدَحَ بعضُهم في صِخَّته بكون الأوزاعيّ رواه عن قتادة مُكاتَبَةً، وفيه نظرٌ، فإنَّ الأوزاعيّ لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى (٣٢٤٥) عن أحمدَ الدَّورقيّ، والسَّاج(٢) عن يعقوب الدَّورقيّ، وعبد الله بن أحمد(٣) عن أحمد(٤) بن عبد الله السلَميِّ، ثلاثتهم عن أبي داود الطَّيالسيّ، عن شُعْبةَ بلفظ: فلم يكونوا يَفْتَتِحون القراءة بـ(بِسمِ الله الرحمن الرَّحيم)). قال شُعْبةُ: قلتُ لقتادة: سمعتَه من أنس؟ قال: نحنُ سألناه. لكنَّ هذا النَّفَيَ محمول على ما قدَّمناه أنَّ المراد أنَّه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سِرّاً. ويؤيِّدُه رواية مَن رواه عنه بلفظ: فلم يكونوا يَجهَرون بـ((بسم الله الرحمن الرَّحيم)) كذا رواه سعيد بن أبي عَرُوبة عند النَّسائيِّ (٩٠٧) وابن حِبَّان (١٨٠٣)، وهَمَّامٌ عند الدَّارَقُطنيّ (١٢٠٤/١٢٠٣)، وشَيْبانُ عند الطَّحاويّ (٢٠٢/١) وابن حِبَّان (١٧٩٩)، وشُعْبة أيضاً من طريق وكيع عنه عند أحمدَ (١٢٨٤٥)، أربعتهم عن قتادة. ولا يقال: هذا اضطِراب من قتادة لأنّا نقولُ: قد رواه جماعةٌ من أصحاب أنسٍ عنه = من طريق أبي عوانة. (١) وهو في ((مسند أحمد)) (١٤٠٧٧)، و((مسند أبي يعلى)) (٢٨٨١). (٢) في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٢٥٤٠). (٣) في زوائده على ((المسند)) لأبيه (١٣٩٥٧). (٤) كذا في الأصلين و(س): أحمد بن عبد الله السُّلمي، والذي جاء في ((أطراف المسند)) (٧٨٢) وكذا في ((إتحاف المهرة)) (١٥٢١)، وكلاهما للحافظ: أبو عبد الله السُّلمي، وقد ترجم الخطيب في ((تاريخ بغداد)» ١٤/ ٤٠٤ لأبي عبد الله السُّلمي هذا في باب الكنى، ولم يسمّه، وكذا ترجم له ابن أبي يعلى الفراء في ((طبقات الحنابلة)) الترجمة (٥٦٥) في باب الكنى، ولم يسمّه. وعليه فما وقع هنا من تسميته ((أحمد)) سبق قلم، والله أعلم ٣١٣ باب ٨٩ / ح ٧٤٣ أبواب صفة الصلاة كذلك، فرواه البخاري في ((جزء القراءة)) (١٢٠) والسَّاج (١) وأبو عَوَانة في صحيحه (١٦٥٨) من طريق إسحاق بن أبي طَلْحة، والسَّاج (٢) من طريق ثابت البنانيّ، والبخاري فيه (١٢٨) من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس باللَّفظ الأوَّل. ورواه الطَّبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق إسحاق أيضاً، وابن خُزيمة (٤٩٧) من طريق ثابت أيضاً، والنَّسائيّ (٩٠٦) من طريق منصور بن زاذانَ، وابنُ حِبّان (١٨٠٢) من طريق أبي قِلابة(٣)، والطَّبرانيُّ من طريق أبي نَعامةَ(٤) كلّهم، عن أنس باللَّفظ النافي للجهر. فطريق الجمعِ بين هذه الألفاظِ حملُ نَفْيِ القراءة على نفيِ السَّماع، ونفيِ السَّماع على نفي الجهر، ويؤيِّدُه أنَّ لفظَ رواية منصور بن زاذانَ: فلم يُسمِعنا قراءة ((بسم الله الرحمن الَّحيم))، وأصرَحُ من ذلك رواية الحسنِ عن أنس عند ابن خُزيمة (٤٩٨) بلفظ: كانوا يُسِرّون ((بسم الله الرحمن الرَّحيم))، فاندَفَعَ بهذا تعليل مَن أعَلَّه بالاضطراب كابن عبد البَر، لأنَّ الجمعَ إذا أمكنَ تَعيَّنَ المَصیر إلیه. وأمَّا مَن قَدَحَ في صِحَّته: بأنَّ أبا مَسْلمة(٥) سعيد بن يزيد سألَ أنساً عن هذه المسألة فقال: إنَّك لتَسألُني عن شيءٍ ما أحفظُه ولا سألَني عنه أحدٌ قبلك، ودعوى أبي شامةَ أنَّ أنساً سُئِلَ عن ذلك سؤالَينٍ، فسؤال أبي مسلمة(٥): هل كان الافتتاح بالبسملة أو الحمدَلة؟ وسؤالُ قتادة: هل كان يَبدَأُ بالفاتحة أو غيرها؟ قال: ويدلُّ عليه قول قتادة في ((صحيح مسلم)) (٣٩٩/ ٥١): نحنُ سألناه. انتهى، فليس بجيِّد، لأنَّ أحمدَ روى في ((مسنده)) (١٢٨١٠) بإسناد ((الصحيحين)) أنَّ سؤال قتادة نَظِير سؤال أبي مسلمة(٥)، والذي في ((مسلم) إنَّما قاله عَقِبَ رواية أبي داود الطَّيالسيّ عن شُعْبة، ولم يُبيِّن مسلم صورةَ المسألة، (١) في ((حدیثه)) بتخريج الشحامي (٢٥٤٣-٢٥٤٥). (٢) المرجع السابق (٢٥٤٨). (٣) ومن طريقه أيضاً أخرجه البزار (٦٧٨٩). (٤) وأخرجه من طريقه أيضاً البزار (٦٧٩٠)، وأبو يعلى (٤٢٠٥)، والبيهقي ٥٢/٢. (٥) تحرف في (س) في المواضع كلها إلى: سلمة. ٣١٤ باب ٨٩ / ح ٧٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد بيَّنها أبو يعلى (٣٢٤٥) والسرَّاجُ(١) وعبد الله بن أحمد (١٣٩٥٧) في رواياتهم التي ذكرناها عن أبي داود: أنَّ السُّؤْالَ كان عن افتتاح القراءة بالبسملة. وأصرَحُ من ذلك رواية ابن المنذر (٣/ ١٢٠) من طريق أبي جابر عن شُعْبة عن قتادة قال: سألت أنساً: أيقرأُ الرجل في الصلاة ((بسم الله الرحمن الرحيم؟)) فقال: صلَّيت وراءَ رسول الله وَ﴿ وأبي بكر وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يقرأُ بـ ((بسم الله الرحمن الرَّحيم)) فِظَهَرَ اتّحادُ سؤال أبي مسلَمةَ(٢) وقتادة، وغايَتُه: أنَّ أنساً أجاب قتادةُ بالحكمِ دون أبي مسلمة (٢): فلعلَّه تَذَكَّرَه لمَّا سألَه قتادةُ، بدليل قوله في رواية أبي مسلمة(٢): ما سألَني عنه أحدٌ قبلك، أو قاله لهما معاً فحَفِظَه قتادة دون أبي مسلمة(٢)، فإنَّ قتادة أحفظُ من أبي مسلمة(٢) بلا نزاع. وإذا انتهى البحث إلى أنَّ مُحصَّل حديث أنس نفيُ الجهر بالبسملة على ما ظَهَرَ من طريق الجمعِ بين مختلفِ الروايات عنه، فمَتَى وُجِدَت روايةٌ فيها إثباتُ الجهر قُدِّمَت على نفيِهِ، لُجرَّد تقديم رواية المثبت على النافي، لأنَّ أنساً يَبعُدُ جدّاً أن يَصحَبَ النبيَّ ◌َِّ مُدَّةَ عشِرٍ سنينَ، ثمَّ يَصحَبَ أبا بكر وعمر وعثمانَ خمساً وعشرين سنةً فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاةٍ واحدة، بل لكون أنسٍ اعتَرَفَ بأنَّه لا يَحِفَظُ هذا الحكمَ كأنَّه لبُعدِ عهْدِه به، ثمَّ تَذَكَّرَ منه الجَزْم بالافتتاح بـ((الحمدُ)) جَهراً، ولم يَستَحِضِرِ الجهر بالبسملة، فيَتعيَّنُ الأخذُ بحديث مَن أثبَتَ الجهر. وسيأتي الكلام على ذلك في ((باب جَهر المأموم بالتأمين)) (٧٨٢) إن شاء الله تعالى قريباً. ٢٢٩/٢ وتَرجَمَ له ابن خُزيمة (٤٩٩) وغيرُه: ((إياحة الإسرار بالبسملة في الجهريَّة)) وفيه نظرٌ، لأنَّه لم يُخْتَلَف في إباحَتِه بل في استحبابه. واستدلَّ به المالكيَّة على ترك دعاء الافتتاح، وحديثُ أبي هريرة الذي بعده يَرُدُّ عليه، وكأنَّ هذا هو السرُّ في إيراده، وقد تَحرَّرَ أنَّ المراد بحديث أنس بيانُ ما تُفَتَحُ به القراءة، فليس فيه تعرُّضُ لنفي دعاء الافتتاح. (١) في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٢٥٤٠). (٢) تحرف في (س) في المواضع كلها إلى: سلمة. ٣١٥ باب ٨٩ / ح ٧٤٤ أبواب صفة الصلاة تنبيه: وقع ذِكْر عثمان في حديث أنس في رواية عَمْرو بن مرزوق، عن شُعْبةَ عند البخاريِّ في ((جزء القراءة»، وكذا في رواية حَجّاج بن محمد، عن شُعْبة عند أبي عَوَانة، وهو في رواية شَيْبان وهشام والأوزاعيّ. وقد أشَرْنا إلى روايتهم فيما تقدَّم. ٧٤٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زِيادٍ، قال: حدَّثنا عمارةُ بنُ القَعْقاع، قال: حدّثنا أبو زُرْعَةَ، قال: حدَّثنا أبو هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ◌ِّهِ يَسْكُتُ بينَ التَّكْبِيرِ وبينَ القراءةِ، إسكاتةً - قال: أحسبُه قال: هُنَيَّةً - فقلت: بأبي وأمّي يا رسولَ الله! إسكاتُكَ بينَ التَّكْبِير والقراءةِ، ما تَقُولُ؟ قال: ((أَقُولُ: اللهمَّ باعِدْ بيني وبينَ خَطايايَ كما باعَدْتَ بينَ المَشْرِق والمغربِ، اللهمَّ نَقِّني من الخَطايا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ من الدَّنَسِ، اللهمَّ اغسِلْ خَطايايَ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ)). قوله: ((حدَّثنا أبو زُرْعةَ)) هو ابن عَمْرو بن جَرِيرِ البَجَليّ. قوله: ((كان رسولُ الله ◌َّهِ يَسْكُتُ)) ضبطناه بفتح أوَّلِه من السُّكوت، وحكى الكِرْمانيّ عن بعض الروايات بضمٍّ أوَّله من الإسكات، قال الجَوْهريّ: يقال: تكلّم الرجلُ ثمَّ سَكَتَ، بغير ألف، فإذا انقطع كلامُه فلم يَتكلّم قلت: أسكَتَ. قوله: ((إسكاتةً)) بِكسر أوَّله بوزن ((إِفْعالة)) من السُّكوت، وهو من المصادرِ الشاذَّة نحو: أتيتُهُ إتيانَةً، قال الخطَّبيّ: معناه سُكوتٌ يقتضي بعده كلاماً مع قِصَرِ المدّة فيه، وسياق الحديث يدلُّ على أنَّه أراد السُّكوت عن الجهر لا عن مُطلَق القول، أو السُّكوتَ عن القراءة لا عن الذِّكر. قوله: «قال: أحسبُه قال: هُنَیَةً)) هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظَّن، ورواه جَرِیر عند مسلم (٥٩٨) وغيره، وابن فُضَيل عند ابن ماجَهْ (٨٠٥) وغيره بلفظ: سَكَتَ هُنَيَّة، بغير تَرَدُّد، وإنَّما اختارَ البخاري رواية عبد الواحد لوقوع التصريح بالتَّحديث فيها في جمیعِ الإسناد. ٣١٦ باب ٨٩ / ح ٧٤٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال الكِرْمانيّ: المرادُ أنَّه قال بدل ((إسكاتة)): ((هُنَيَّة)). قلت: وليس بواضح، بل الظاهر أنَّه شكَّ هل وصف الإسكاتةَ بكونها هُنَيَّة أم لا، وهُنَيَّة بالنُّون بلفظ التصغير، وهو عند الأكثر بتشديد الياء، وذكر عياض والقُرطبيّ أنَّ أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأمَّا النَّوَويّ فقال: الهمزُ خطأ. قال: وأصلُه هَنوة، فلمَّا صُغِّرَ صار هُنَيوة، فاجتمعت واو وياء وسُبقَت إحداهما بالسُّكون فقُلِبَت الواو ياء ثمَّ أُدغِمَت. قال غيره: لا يمنعُ ذلك إجازة الهمز، فقد تُقلَبُ الياء همزة. وقد وقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((هُنَيهَةً)) بقلبِها هاءً، وهي روايةُ إسحاق (١٦١) والحميديِّ في ((مُسنَدَیهما)(١) عن جَرِیر. قوله: ((بأبي وأمّي)) الباء متعلِّقة بمحذوفٍ، اسم أو فعل، والتقدير: أنتَ مَفديٌّ أو أفديك، واستُدلَّ به على جواز قول ذلك، وزَعَمَ بعضُهم أنَّه من خصائصِه ◌ِهِ. قوله: ((إسكاتُك)) بكسر أوَّلِه وهو بالرَّفع على الابتداء، وقال المَظْهَريُّ (٢) شارح ((المصابيح)): هو بالنصب على أنَّه مفعولٌ بفعلٍ مُقدَّرٍ، أي: أسألُك إسكاتَك، أو على نزع الخافض. انتهى، والذي في روايتنا بالرَّفعِ للأكثر، ووقع في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ بفتح الهمزة وضمِّ السِّين على الاستفهام، وفي رواية الحميديّ: ما تقول في سَكتَتِك بين التكبيرِ والقراءة، ولمسلم (٥٩٨): أرأيت سُكوتَك. وكلّه مُشعِرٌ بأنَّ هناك قولاً، لكَونِه قال: ما تقول؟ ولم يقل: هل تقول؟ نَبَّهَ عليه ابنَ دَقِيق العيد قال: ولعلَّه استدلَّ على أصل القول بحَرَكة الفم، كما استدلَّ غيره على القراءة باضطِراب اللِّحية. قلت: وسيأتي من حدیث خبّاب بعد باب (٧٤٦). ٢٣٠/٢ ونقل ابنُ بطَّالٍ عن الشافعيِّ أنَّ سببَ هذه السَّكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة، ثُمَّ اعتَرَضَه بأنَّه لو كان كذلك لقال في الجواب: أَسكُتُ لكَي يقرأَ مَن خَلْفي. (١) لم نقف عليه في مطبوع ((الحميدي))، لكن أخرجه من طريق الحميدي أبو عوانة (١٥٩٩) عن بشر بن موسى - راوية («مسنده)) - عنه، وأخرجه أيضاً ابن المنذر في ((الأوسط)) ٨٣/٣ و١١٧ عن حاتم بن میمون، عن الحميدي. (٢) هو الحُسين بن محمود بن الحَسن، مظهر الدين الزّيداني، ذكره صاحب ((كشف الظنون)) ١٦٩٩/٢. ٣١٧ باب ٨٩ / ح ٧٤٤ أبواب صفة الصلاة ورَدَّه ابن المنيِّر بأنَّه لا يَلزَمُ من كَونِه أخبره بصفة ما يقول أن لا يكون سببُ السُّكوتِ ما ذكر. انتهى، وهذا النَّقْلُ من أصلِه غير معروفٍ عن الشافعيِّ ولا عن أصحابه، إلّا أنَّ الغَزاليَّ قال في ((الإحياء)): إنَّ المأمومَ يقرأ الفاتحة إذا اشتَغَلَ الإمام بدعاء الافتتاح. وخُولفَ في ذلك، بل أطلَقَ المتولِّ وغيره كراهةَ تقديمِ المأمومِ قراءة الفاتحة على الإمام. وفي وجهٍ: إن قرأها قبلَه بَطَلت صلاته. والمعروف أنَّ المأمومَ يَقرؤُها إذا سَكَتَ الإمامُ بين الفاتحة والسورة، وهو الذي حكاه عياضٌ وغيره عن الشافعي، وقد نصَّ الشافعيّ على أنَّ المأمومَ يقول دعاءَ الافتتاح كما يقوله الإمامُ، والسَّكتةُ التي بين الفاتحة والسورة ثَبَتَ فيها حديث سَمُرة عند أبي داود (٧٧٧ - ٧٨٠) وغيره(١). قوله: ((باعِدْ)» المراد بالمباعَدة: مَحَوُ ما حَصَلَ منها والعِصمة عمّا سيأتي منها، وهو مَجَازِّ، لأنَّ حقيقةَ المباعَدة إنَّما هي في الزمان والمكان، وموقِع التشبيه أنَّ التِقاء المشرق والمغرب مُستَحيل، فكأنَّه أراد أنَّه لا يَبقَى لها منه اقتراب بالكُلّيَّة. وقال الكِرْمانيّ: كَرَّرَ لفظ ((بين)) لأنَّ العطفَ على الضَّميرِ المجرور يُعادُ فيه الخافض. قوله: (تَقِّني)) مجاز عن زوال الذُّنوبِ ومَحَوِ أثَرِها، ولمَّا كان الدَّنَس في الثَّوبِ الأبيضِ أَظهَرَ من غيره من الألوان وقع التشبيه به، قاله ابنُ دقيق العيد. قوله: ((بالماءِ والثَّلْج والبَرَد)) قال الخطَّبيّ: ذِكرُ الثَّلج والبَرَد تأكيدٌ، أو لأنَّهما ماءان لم تَمَسَّهما الأيدي، ولم يَمتَهِنهما الاستعمالُ. وقال ابن دَقِيق العيد: عَبَّرَ بذلك عن غاية المحو، فإنَّ الثَّوبَ الذي يتكرَّرُ عليه ثلاثةُ أشياءَ مُنَقّةٍ يكونُ في غاية النَّقاء، قال: ويحتمل أن يكون المراد أنَّ كلّ واحد من هذه الأشياء مَجَاز عن صفةٍ يقعُ بها المحوُ، وكأنَّه كقوله تعالى: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَآَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (١) أخرجه أيضاً أحمد (٢٠٠٨١)، وابن ماجه (٨٤٤) و(٨٤٥)، والترمذي (٢٥١)، وتعيين السكتة بما بين الفاتحة والسورة مختلَفٌ فيه بين رواة هذا الحديث، فلا يُجزَم به كما فعل الشارح. ٣١٨ باب ٨٩ / ح ٧٤٤ فتح الباري بشرح البخاري وأشارَ الطِّيبيّ إلى هذا بحثاً فقال: يُمكِنُ أن يكون المطلوب من ذِكْرِ الثَّلج والبَرَد بعد الماء ◌ُمولُ أنواع الرّحمة والمغفرة بعد العَفِ لإطفاء حَرارة عذاب النار التي هي في غاية الحَرارة، ومنه قولهم: بَرَّدَ الله مَضجعه، أي: رحمه ووَقاه عذاب النار، انتهى. ويؤيِّدُه وُرودَ وصفِ الماء بالبُرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفَ عند مسلم (٢٠٤/٤٧٦)، وكأنَّه جَعَلَ الْخَطايا بمَنزِلة جهنَّمَ لكَونها مُسَبَّبةً عنها، فعَبَّرَ عن إطفاء حَرارَتها بالغسلِ وبالغَ فيه باستعمال المُبرِّدات تَرَقّياً عن الماء إلى أبَدِ منه. وقال التُّورِبِشتيّ: خَصَّ هذه الثلاثة بالذِّكر، لأنَّهَا مُتَزَّلَةٌ من السَّماءِ. وقال الكِرْمانيّ: يحتمل أن يكون في الدَّعَوات الثَّلاث إشارةٌ إلى الأزمنة الثلاثة: فالمباعَدة للمُستَقبَل، والتَّنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى، وكأنَّ تقديم المستقبل للاهتمام بدَفعِ ما سيأتي قبلَ رفع ما حَصَل. واستدلَّ بالحديث على مشروعيَّة الدُّعاء بين التكبيرِ والقراءة خلافاً للمشهور عن مالك. ووَرَدَ فيه أيضاً حديث: ((وَجَّهتُ وجهيَ ... )) إلى آخره، وهو عند مسلم من حديث عليٍّ، لكن فَيَّدَه بصلاة الليل(١)، وأخرجه الشافعيّ وابن خُزيمة وغيرهما بلفظ: إذا صلَّى المكتوبة (٢)، واعتمده الشافعيّ في ((الأُم))، وفي التِّرمِذيّ و((صحيح ابن حِبَّان)) من حديث أبي سعيدِ الافتتاحُ بسبحانك اللهمَّ (٣). (١) أخرجه مسلم (٧٧١) ولم يقيده بصلاة الليل، ولعله انتقال نظر من الحافظ - رحمه الله - فحديث عائشة الذي قبله في مسلم مقیّد بصلاة الليل. (٢) أخرجه الشافعي في ((السنن المأثورة)) (٢٨٣)، وأبو داود (٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن خزيمة (٤٦٤). (٣) أخرجه أحمد (١١٤٧٣)، وأبو داود (٧٧٥)، وابن ماجه (٨٠٤)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٨٩٩) و (٩٠٠)، وابن خزيمة (٤٦٧)، وليس هو في ابن حبان، ولم ينسبه إليه الحافظ في («إتحاف المهرة)) (٥٥٧٩)، والحديث في إسناده مقال لکن له شواهد یتقوَّی بها. ٣١٩ باب ٩٠ / ح ٧٤٥ أبواب صفة الصلاة ونقل الساجيّ عن الشافعيِّ استحباب الجمع بين التَّوجيه والتَّسبيحِ، وهو اختيارُ ابن خُزيمة وجماعةٍ من الشافعيّة، وحديث أبي هريرة أصحّ ما وَرَدَ في ذلك. واستُدلَّ به على جواز الدُّعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافاً للحنفيَّة. ثمَّ هذا الدُّعاء صَدَرَ منه وَِّ على سبيل المبالغة في إظهار العُبودِيَّة، وقيل: قاله على سبيل التَّعليمِ لأمَّتِهِ، واعتُرِضَ بكَونِه لو أراد ذلك لجَهَرَ به، وأُجيبَ بُوُرودِ الأمرِ بذلك في حديث سَمُرة عند البَزّار (٤٦٣٨). وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تَتَبُّع أحوال النبيِّ وَّهُ فِي حَرَكاته وسكناته، وإسراره وإعلانه حتَّی حفظ الله بهم الدّین. واستدلَّ به بعض الشافعيَّة على أنَّ الثَّلجَ والبَرَدَ مُطَهِّران، واستَبعَدَه ابنُ عبد السلام، ٢٣١/٢ وأبعَدُ منه استدلالُ بعض الحنفيَّة به على نَجاسة الماء المستعمَل. ٩٠ - باب ٧٤٥ - حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا نافعُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكةً، عن أسماءَ بنتٍ أبي بكرٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ، فقامَ فأطالَ القِيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعِ، ثمَّ قامَ فأطالَ القِيامَ ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوع، ثمَّ رَفَعَ ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجود، ثمَّ رَفَعَ ثَمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجود، ثمَّ قامَ فأطالَ القِيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعِ، ثمَّ رَفَعَ فأطالَ القِيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعِ، ثمَّ رَفَعَ فسَجَدَ فأطالَ السُّجود، ثمَّ رَفَعَ، ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجود، ثمَّ انصَرَفَ فقال: «قد دَنَتْ منّي الجنَّةُ حتَّى لو اجترَأْتُ عليها ◌َتُكُم بقِطافٍ من قِطافها، ودَنَتْ منّي النَّارُ، حَتَّى قلت: أي رَبِّ، أَوَأْنا معهمْ؟! فإذا امرأةٌ - حَسِبتُ أنَّه قال - تَخْدِشُها مِرّةٌ، قلت: ما شَأْنُ هذه؟ قالوا: حَبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جُوعاً، لا هي أطعَمَتْها ولا أرسَلتْها تأكُلُ)) قال نافعٌ: حَسِبتُ أنَّه قال: ((مِن خَشِيشٍ - أو خَشاش - الأرضِ)). [طرفه في: ٢٣٦٤ ] ٣٢٠ باب ٩٠ / ح ٧٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب)) كذا في رواية الأَصِيليّ وكَرِيمة بلا ترجمة، وكذا قال الإسماعيليّ: (باب)) بلا ترجمة، وسَقَطَ من رواية أبي ذرِّ وأبي الوَقْت، وكذا لم يَذكُرُه أبو نعيمٍ. وعلى هذا فمُناسَبة الحديث غير ظاهرة للترجمة، وعلى تقديرِ ثبوتِ لفظ ((باب)) فهو كالفصلِ من الباب الذي قبلَه، كما قَرَّرناه غير مرَّةٍ، فله به تَعلُّق أيضاً. قال الكِرْمانيّ: وجه المناسبة: أنَّ دعاءَ الافتتاح مُستَلِزِمٌ لتطويل القيام، وحديث الكسوفِ فيه تطويل القيام، فتَنَاسَبَا. وأحسنُ منه ما قال ابن رُشَيد: يحتمل أن تكون المناسَبة في قوله: ((حتَّى قلت: أي رَبِّ أَوَ أنا معهم؟)) لأنَّه وإن لم يكن فيه دعاءٌ ففيه مُناجاة واستعطاف، فيجمعُه مع الذي قبلَه جوازُ دعاء الله ومُناجاته بكلِّ ما فيه خُضوع، ولا يختصُّ بما وَرَدَ في القرآن خلافاً لبعض الحنفيَّة. قوله: ((أَوَأْنا معهم؟!)) كذا للأكثر بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة وهي على مُقدَّر، وفي رواية كَرِيمة بحَذْف الهمزة وهي مُقدَّرة. قوله: ((حَسِبتُ أنَّه قال: تَخْدِشُها)) قائل ذلك هو نافع بن عمر راوي الحديث، بيَّنْه الإسماعيلي، فالضَّمير في ((أَنَّه)) لابن أبي مُلَيكة. قوله: ((لا هيَ أطعَمَتْها)) سَقَطَ لفظ ((هي)) من رواية الكُشْمِيهنيّ والحَقُّوِيّ. قوله: ((تأكُلُ من خَشيش - أو خَشاش - الأرض)) كذا في هذه الرواية على الشَّك، وكُلُّ من اللَّفْظَينِ بِمُعْجَمات مفتوح الأوَّل، والمراد حَشرات الأرض، وأنكَرَ الخطَّبيّ رواية (خَشيش))، وضبطها بعضُهم بضمٍّ أوَّله على التصغير من لفظ ((خَشاش))، فعلى هذا لا إنكار، ورواها بعضهم بحاءٍ مُهمَلة، وقال عياض: هو تصحيفٌ. وسيأتي الكلامُ على بقيَّة فوائده في كتاب الكسوف (٢٣٦٤)، وعلى قصَّة المرأة صاحبة الهِرَّة في كتاب بَدْء الخلق (٣٣١٨) إن شاء الله تعالى.