النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ٧٨ / ح ٧٢٧
أبواب الجماعة والإمامة
من روايته عن ابن عُيَينة. ووقع عند ابن فَتْحونٍ فيما رواه عن ابن السَّكَن بسنده في الخيرِ
المذكور: صلَّيت أنا وسُلَيم - بسينٍ مُهمَلةٍ ولام مُصغَّراً - فتصحَّفت على الراوي من لفظ
(يتيم))، ومشى على ذلك ابنُ فَتْحونٍ فقال في ((ذيله على الاستيعاب)): سُلَیمٌ غيرُ منسوبٍ،
وساق هذا الحديث.
ثُمَّ إِنَّ هذا طرفٌ من حديثٍ اختصره سفيان وطَوَّلَه مالكٌ كما تقدَّم في ((باب الصلاة
على الحصير)) (٣٨٠).
واستُدِلّ بقوله: فصَفَفتُ أنا واليتيم وراءَه، على أنَّ السُّنَّةَ في موقف الاثنين أن يَصُفّا
خلفَ الإمام، خلافاً لمن قال من الكوفيّين: إنَّ أحدَهما يقفُ عن يمينِه والآخرَ عن يساره،
وحُجَّتُهم في ذلك حديث ابن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيرُه عنه: أنَّه أقامَ علقمة
عن يمينِه والأسودَ عن شمالِهِ(١)، وأجاب عنه ابنُ سيرين بأنَّ ذلك كان لضيق المكان، رواه
الطَّحاويّ.
قوله: ((وأمّي أُّ سُلَيم خلْفَنا)) فيه أنَّ المرأةَ لا تَصُفُّ مع الرجال، وأصلُه ما يُخشَى من
الافتتان بها، فلو خالَفَت أجزَأت صلاتها عند الجمهور، وعن الحنفيَّة تَفسُدُ صلاةُ الرجلِ
دون المرأة، وهو عَجيبٌ وفي توجيهِه تَعَسُّف حيثُ قال قائلهم: دليلُه قول ابن مسعود:
أخِّروهُنَّ من حيثُ أَخَّرَهُنَّ الله (٢)، والأمر للوجوب، و((حيثُ)) ظرف مكان، ولا مكان
يجبُ تأخّر هنَّ فيه إلّا مكان الصلاة، فإذا حاذَت الرجلَ فسَدَت صلاةُ الرجل، لأنَّه ترَكَ ما
أُمِرَ به من تأخيرِها. وحكاية هذا تُغني عن تكلُّفِ جوابه، والله المستعان. فقد ثَبَتَ النَّهي
عن الصلاة في الثَّوبِ المغصوبِ وأُمِرَ لابسُه أن يَنِزِعَه، فلو خالَفَ فصلَّى فيه ولم يَنِزِعِه أثِمَ
وأجزَأَته صلاته، فلمَ لا يقال في الرجل الذي حاذَتْه المرأةُ ذلك؟ وأوضحُ منه لو كان لِباب
المسجد صُفَّةٌ مملوكةٌ فصلَّى فيها شخصٌ بغير إذنِه مع اقتداره على أن ينتقلَ عنها إلى أرضٍ
المسجد بخُطوةٍ واحدةٍ، صَحَّت صلاتُه وأثِمَ، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذَتْه ولا
(١) أخرجه أحمد (٣٩٢٧) و(٤٠٣٠)، وأبوداود (٦١٣)، والنسائي (٧٩٩)، وإسناده صحيح.
(٢) قول ابن مسعود هو عند ابن خزيمة (١٧٠٠)، والطبراني (٩٤٨٤) و(٩٤٨٥).

٢٨٢
باب ٧٩ / ح ٧٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
سيَّما إن جاءَت بعد أن دخل في الصلاة فصَلَّت بجَنِه.
٢١٣/٢ وقال ابن رُشَيد: الأقربُ أنَّ البخاريَّ قَصَدَ أن يُبيِّنَ أنَّ هذا مُستثنى من عمومِ الحديث
الذي فيه: ((لا صلاة لمنفرِدٍ خلفَ الصفّ)) يعني أنَّه مُختصِّ بالرجال، والحديث المذكورُ
أخرجه ابنُ حِبّان(١) (٢٢٠٢ ٢٢٠٣) من حديث عليّ بن شَيْبان، وفي صِحَّته نظرٌ، كما
سنذكره في «باب إذا رَكَعَ دون الصفّ)) (٧٨٣).
واستدلَّ به ابن بَطَّال على صِحَّة صلاة المنفرِدِ خلفَ الصفِّ خلافاً لأحمد، قال: لأنَّه
لمَّا ثَبَتَ ذلك للمرأة كان للرجلِ أَولى. لكن لمخالفِه أن يقول: إنَّما ساغ لها ذلك، لامتناع
أن تَصُفَّ مع الرجال، بخلاف الرجلِ فإنَّ له أن يَصُفَّ معهم وأن يُزاحمَهم وأن يَحِذِبَ
رجلاً من حاشية الصفِّ فيقومَ معه، فافتَرَقا. وباقي مباحثِه تقدَّمت في ((باب الصلاة على
الحصير)) (٣٨٠).
٧٩ - باب مَيمنة المسجد والإمام
٧٢٨- حدَّثنا موسى، حدَّثنا ثابتُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا عاصمٌ، عن الشَّعِي، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: قمتُ ليلةً أُصلِّيّ عن يسار النبيِّ ◌ََّ، فَأَخَذَ بيدي أو بعَضُدي حتَّى أقامَني
عن يمينه، وقال بيده من ورائي.
قوله: ((باب مَيْمَنة المسجد والإمام)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عبّاسٍ مختصراً، وهو موافقٌ
للترجمة: أمَّا للإِمام فبالمطابقة، وأمَّا للمسجدِ فباللُّزوم. وقد تُعُقِّبَ من وجهٍ آخر، وهو أنَّ
الحديث إِنَّمَا وَرَدَ فيما إذا كان المأموم واحداً، أمَّا إذا كَثُروا فلا دليلَ فيه على فضيلة مَيمَنة
المسجد. وكأنَّه أشارَ إلى ما أخرجه النَّسائيّ بإسنادٍ صحيح عن البَراء قال: كنّا إذا صلَّينا
(١) وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة ١٩٣/٢، وأحمد (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (١٠٠٣) وابن خزيمة (١٥٦٩).
وقول الحافظ بأن في صحته نظراً، غير مسلّم له، ولم يُعلَّه بشيء في الموضع الذي أحال عليه، وإسناده
صحيح. وله شاهد من حديث وابصة بن معبد عند أحمد (١٨٠٠٢)، وأبي داود (٦٨٢)، وابن ماجه
(١٠٠٤)، والترمذي (٢٣٠)، وإسناده صحيح أيضاً.

٢٨٣
باب ٨٠ / ح ٧٢٩
أبواب الجماعة والإمامة
خلفَ النبيِّ وَّهِ أَحَبَينا أن نكون عن يمينِهِ(١)، ولأبي داود (٢) بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة
مرفوعاً: ((إنَّ اللهَ وملائكته يُصلُّون على مَيامن الصُّفوف)). وأمَّا ما رواه ابن ماجَهْ (١٠٠٧)
عن ابن عمر قال: قيل للنبيِّ وَّهِ: إِنَّ مَيسَرة المسجد تَعَطَّلت، فقال: ((مَن عَمَّرَ مَيسَرة
المسجد كُتِبَ له كِفْلان من الأجر)» ففي إسناده مقال. وإن ثَبَتَ فلا يعارضُ الأوَّل، لأنَّ ما
وَرَدَ لمعنَّى عارضٍ يزولُ بزواله.
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي، وعاصم: هو ابن سليمان.
قوله: ((وقال بيدِه)) أي: تَناوَل، ويدلُّ عليه رواية الإسماعيليّ: فأخَذَ بيدي.
قوله: ((من ورائي)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((من ورائه)) وهو أوجَه.
٨٠- باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سُترة
وقال الحسنُ: لا بأسَ أنْ تُصلِّيَّ وبينَكَ وبينه نَهٌ.
وقال أبو مِجْلَزٍ: يأْتُمُّ بالإمام وإنْ كان بينهما طريقٌ أو جِدارٌ إذا سَمِعَ تكبيرَ الإمام.
٧٢٩- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عبدةُ، عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ، عن عَمْرةَ، عن
عائشة، قالت: كان رسولُ الله وَّلِ يُصلِّي من الليل في حُجْرته وجِدارُ الحُجْرةِ قَصِيرٌ، فَرَأى
النَّاسُ شَخْصَ النبِّ وَّةِ، فقامَ ناسٌ يُصلُّونَ بصلاتِهِ، فأصبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بذلك، فقامَ ليلةً
الثانيةِ فقامَ معه أُناسٌ يُصلُّونَ بصلاتِهِ، صَنَعُوا ذلك ليلتَينِ أو ثلاثةً، حتَّى إذا كان بعدَ ذلك
جَلَسَ رسولُ الله ◌ٍَّ فلم يَخْرُج، فلمَّا أصبَحَ ذَكَرَ ذلك النَّاسُ، فقال: ((إنِّي خَشِيتُ أنْ تُكتَبَ
علیکم صلاةُ الليل)).
[أطرافه في: ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١]
(١) أخرجه مسلم (٧٠٩)، وأبو داود (٦١٥)، وابن ماجه (١٠٠٦)، والنسائي (٨٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٦٧٦)، وابن ماجه (١٠٠٥)، ولكنه شاذٌّ بهذا اللفظ، فقد أخرجه أحمد (٢٥٢٧٠)
وغيره بلفظ: ((يُصُّون على الذين يَصِلُون الصفوفَ)) وهو المحفوظ، وانظر تمام الكلام عليه في ((مسند
أحمد)) (٢٤٣٨١) و(٢٥٢٧٠).

٢٨٤
باب ٨٠ / ح ٧٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
٢١٤/٢ قوله: ((باب إذا كان بينَ الإمام وبينَ القوم حائط أو سُتْرة)) أي: هل يَضُرُّ ذلك بالاقتداء
أو لا؟ والظاهرُ من تصرُّفِه أنَّه لا يَضُرُّ كما ذهب إليه المالكيَّةُ، والمسألة ذات خلافٍ شَهِیر،
ومنهم مَن فَرَّقَ بين المسجد وغيره.
قوله: ((وقال الحسن)» لم أرَه موصولاً بلفظه، وروی سعید بن منصور بإسنادٍ صحيح
عنه في الرجلِ يُصلِّ خلفَ الإمام أو فوقَ سطحِ یأتُّ به: لا بأس بذلك.
قوله: ((وقال أبو مِجْلَزِ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٢٣/٢) عن مُعتمِرٍ، عن ليث بن أبي
سُلَيمٍ، عنه بمعناه، وليثٌ ضعيفٌ، لكن أخرجه عبد الرزاق (٤٨٨٤) عن ابن التَّيميّ -
وهو مُعتمِرٌ - عن أبيه عنه، فإن كان مضبوطاً فهو إسنادٌ صحيحٌ.
قوله: ((حدَّثْني محمَّد)) هو ابنُ سَلام، قاله أبو نُعيمٍ، وبه جَزَمَ ابن عساكر في روايته،
وعبدة: هو ابن سلیمان.
قوله: «في حُجْرته)) ظاهره أنَّ المراد حُجْرة بيته، ويدلُ علیه ذِكرُ چدار اُجْرة، وأوضحُ
منه رواية حمَّد بن زيد عن يحيى عند أبي نُعيم بلفظ: كان يُصلِّي في حُجْرةٍ من حُجَرٍ
أزواجه. ويحتمل أنَّ المراد الحُجْرة التي كان احتَجَرَها في المسجد بالحصيرِ كما في الرواية
التي بعد هذه، وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده، ولأبي داود (١٣٧٤) ومحمد بن
نصر (١) من وجهينٍ آخرَينٍ عن أبي سَلَمة عن عائشة: أنَّها هي التي نَصَبَت له الحصير على
باب بيتها، فإمَّا أن يُحمَلَ على التعدُّد، أو على المجاز في الجدار وفي نِسْبة الحُجْرة إليها.
قوله: ((فقامَ ناس)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فقامَ أُناس)). وهذا موضع الترجمة، لأنَّ
مُقتَضاہ أنهم كانوا يُصلُّون بصلاته وهو داخلُ الحُجْرة وهم خارجها.
قوله: ((فقامَ ليلة الثانية)) كذا للأكثر، وفيه حذفٌ تقديرُه: ليلة الغَدَاة الثانية. وفي رواية
الأَصِيلي: فقامَ الليلة الثانية.
قوله: ((فلمَّا أصبَحَ ذَكَرَ ذلك النَّاسُ)) أي: له، وأفاد عبد الرزاق أنَّ الذي خاطَبَه بذلك
(١) في ((قيام رمضان)) كما في ((مختصره)) للمقريزي (٧).

٢٨٥
باب ٨١ / ح ٧٣٠
أبواب الجماعة والإمامة
عمر ، أخرجه (٧٧٤٦) عن مَعمَر عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عنها.
قوله: ((أنْ تُكتَبَ عليكم)) أي: تُفرَض، وهي روايةُ حَمَّاد بن زيد عند أبي نُعيم، وكذا
رواه عبد الرزاق عن ابن جُرَيج عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عنها (١)، وستأتي بقيَّةُ مباحثِه في
كتاب التهجُّد (١١٢٩) إن شاء الله تعالى.
٨١- باب صلاة الليل
٧٣٠ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثْنا ابنُ أبي فُدَیكِ، قال: حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن
المَقيُرِيِّ، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان له
حصيرٌ يَبَسُطُه بالنهار ويَحتجِرُه بالليل، فثابَ إليه ناسٌ فصَلَّوْا وراءَه.
قوله: ((باب صلاة الليل)) كذا وقع في رواية المُستَمْلي وحدَه، ولم يُعرِّج عليه أكثرُ ٢١٥/٢
الشُّاح ولا ذكره الإسماعيلي، وهو وجهُ السياق، لأنَّ التَّراجمَ متعلِّقة بأبواب الصُّفوفِ
وإقامتها، ولمَّا كانت الصلاة بالحائل قد يُتَخيَّلُ أنَّها مانعة من إقامة الصفِّ تَرجَمَ لها
وأورَدَ ما عنده فيها، فأمَّا صلاةُ الليل بخصوصِها، فلها كتابٌ مُفرَدٌ سيأتي في أواخرِ
الصلاة، وكأنَّ النُّسخةَ وقع فيها تكريرُ لفظ: ((صلاة الليل)) وهي الجملةُ التي في آخر
الحديث الذي قبله، فظَنَّ الراوي أنَّها ترجمةٌ مُستَقِلَّةٌ فصَدَّرَها بلفظ: ((باب)) وقد تَكلَّفَ ابن
رُشَيد توجيهها بما حاصله: أنَّ مَن صلَّى بالليل مأموماً في الظُّلمة كانت فيه مُشابهة بمَن
صلَّى وراء حائل. وأبعَدُ منه مَن قال: يريدُ أنَّ مَن صلَّى بالليل مأموماً في الظُّلمة كان كمَن
صلَّى وراءَ حائط. ثمَّ ظَهَرَ لي احتمالُ أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحَذَفَ لفظَ
((جماعة)). والذي يأتي في أبواب التهجُّد إنَّما هو حكمُ صلاة الليل وكيفيّتها في عَدَدِ
الرَّكَعات أو في المسجد أو البيت وهو ذلك.
قوله: (عن المقبريّ)) هو سعید، والإسناد کلّه مدنُّون.
(١) هي رواية معمر عن الزهري السالفة. أما رواية ابن جريج - وقد قرن به معمراً - عن الزهري (٧٧٤٧)
فهي بلفظ: ((ولكني خشيت أن يفرض عليكم)).

٢٨٦
باب ٨١ / ح ٧٣١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويَحتجِرُه)) كذا للأكثر بالرَّاءِ، أي: يَتَّخِذُه مثلَ الحُجْرة، وفي رواية الكُتْمِيهنيّ
بالزّاي بدلَ الرَّاء، أي: يجعلُه حاجزاً بينه وبينَ غيره.
قوله: ((فئابَ)) كذا للأكثر بمثلَّئةٍ ثمَّ مُوخَّدة، أي: اجتَمَعوا، ووقع عند الخطَّبيِّ: ((آبُوا))،
أي: رَجَعوا، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ والسَّرَخْسيّ: ((فثار)) بالمثلَّثة والرّاء، أي: قاموا.
قوله: ((فصَلَّوْا وراءَه)) كذا أورَدَه مختصراً، وغَرَضه بيان أنَّ الحُجْرةَ المذكورةَ في الرواية
التي قبلَ هذه كانت حصيراً. وقد ساقه الإسماعيليّ من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي ذئب تامّاً،
وسنذكر الكلامَ على فوائده في كتاب التهجُّد (١١٢٩) إن شاء الله تعالى.
٧٣١ - حذَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثْنَا وُهَيبٌ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُقْبة، عن
سالمٍ أبي النَّضْرِ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّةِ الَّخَذَ حُجْرةً - قال:
حَسِبتُ أنَّه قال: من حصيرٍ - في رمضانَ فصَلَّى فيها ليالي، فصَلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه،
فلمَّا عَلِمَ بهم جَعَلَ يَقعُدُ، فخرج إليهم فقال: ((قد عَرَفْتُ الذي رأيتُ من صَنِيعِكم، فصَلُّوا
أَيُّهَا النَّاسُ في بيوتِكم، فإنَّ أفضَلَ الصلاة صلاةُ المَرْءِ في بيتِهِ، إلَّ المكتوبةَ)).
قال عفَّانُ: حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا موسى، سمعتُ أبا النَّضْرِ، عن بُسْرٍ، عن زيدٍ، عن
النبيِّ ێ.
[طرفاه في: ٧٢٩٠،٦١١٣]
قوله: ((عن سالم أبي النَّضْر)) كذا لأكثر الزُّواة عن موسى بن عُقبة، وخالَفَهم ابن ◌ُرَيج
عن موسى، فلم يَذكُر أبا النَّضرِ في الإسناد، أخرجه النَّسائيّ(١)، ورواية الجماعة أولى. وقد
وافَقَهم مالك في الإسناد لكن لم يرفعه في ((الموطَّأ)) (١٣٠/١)، ورُوِيَ عنه خارجَ ((الموطَّأ)»
مرفوعاً (٢). وفيه ثلاثةٌ من التابعين مدنيُّون على نَسَقِ، أوَّلُم موسى المذكور.
(١) أخرجه في ((الكبرى)) (١٢٩١) مختصراً: بلفظ ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)).
(٢) أخرجه ابن المظفر في ((غرائب حديث مالك)) (١٣١)، والخطيب في ((المتفق والمفترق)) (١٩٢) من طريق
أبي الحسن بن جَوْصا الحافظ، عن إسماعيل بن أبان بن محمد بن حُوَيّ السَّكْسَكيّ، عن أبي مُسهِر، عن =

٢٨٧
باب ٨١ / ح ٧٣١
أبواب الجماعة والإمامة
قوله: (حُجْرة)) کذا للأكثر بالرّاء، وللگُشْمِیھنیِّ أيضاً بالزّاي.
قوله: ((من صَنيعِكم)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيِّ بضمِّ الصاد وسكون النُّون، وليس المراد
به صلاتهم فقط، بل كَوْنهم رَفَعوا أصواتَهم وسَبَّحوا به ليَخرُج إليهم، وحَصَبَ بعضهم
الباب لظَنِّهم أنَّه نائمٌ، كما ذكر المؤلِّف ذلك في الأدبِ (٦١١٣) وفي الاعتصام (٧٢٩٠)،
وزاد فيه: ((حتَّى خَشِيتُ أن يُكتَبَ عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قمتُم به))، وقد استَشكل
الخطَّابيّ هذه الخشية كما سنوضحُه في كتاب التهجُّد إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أفضَل الصلاة صلاة المَرْءِ في بيتِهِ إلَّا المكتوبة)) ظاهره أنَّه يَشمَلُ جميع النَّوافل،
لأنَّ المراد بالمكتوبة المفروضة، لكنَّه محمولٌ على ما لا يُشرَعُ فيه التَّجميع، وكذا ما لا يَخُصُّ
المسجد كركعتَي التَّحيَّة، كذا قال بعض أئمَّتِنا. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يُشرَعُ
في البيت وفي المسجد معاً، فلا تَدخُلُ تحيَّة المسجد، لأنَّها لا تُشرَعُ في البيت، وأن يكون
المراد بالمكتوبة ما تُشرَعُ فيه الجماعةُ. وهل يدخلُ ما وَجَبَ بعارضٍ كالمنذُورة؟ فيه نظرٌ،
والمراد بالمكتوبة الصَّلَوات الخمس، لا ما وجَبَ بعارضٍ كالمنذُورة، والمرادُ بالمَرءِ جنس
الرجال، فلا يَرِدُ استثناءُ النِّساء لثبوتِ قوله ◌َِّ: ((لا تَنَعوهُنَّ المساجد وبيوتهنَّ خير لهنَّ»
أخرجه مسلم (٤٤٢).
قال النَّوَويّ: إنَّما حثَّ على النافلة في البيت لكَونِه أخفَى وأبعَدَ من الرّياء، وليَتَبَرَّك ٢١٦/٢
البيتُ بذلك فَتَنزِلَ فيه الرَّحمةُ ويَنِفِرَ منه الشيطان، وعلى هذا يُمكِنُ أن يَخْرُجَ بقوله: ((في
بيته)) بيتُ غيره ولو أمِنَ فيه من الرِّیاء.
قوله: ((قال عقَّانُ)) كذا في رواية كَرِيمة وحدَها، ولم يَذكُره الإسماعيليّ ولا أبو نُعيم،
وذكر خَلَفٌ في ((الأطراف)) أنَّ في رواية حَمَّاد بن شاكر: ((حدَّثنا عفَّانُ)) وفيه نظرٌ، لأنَّه
= مالك، به. وقال فيه أبو الحسن بن جَوصا: لم يتابع إسماعيلَ بن أبان أحدٌ على رفع هذا الحديث. لكن قال
الحافظ في («إتحاف المهرة)) (٤٧٢٩): رواه الدارقطني من حديث زيد بن الحباب وأبي مُسهِر، كلاهما عن
مالك مرفوعاً! كذا قال مع أن الدارقطني ذكره في ((الأحاديث التي خولف فيها مالك)) (٥٠)، ولم يُشر
إلی روایتیه هاتین عن مالك.

٢٨٨
باب ٨١ / ح ٧٣١
فتح الباري بشرح البخاري
أخرجه في كتاب الاعتصام بواسطةٍ بينه وبينَ عفَّانَ. ثمَّ فائدة هذه الطريق بيان سماع
موسى بن عُقبة له من أبي النَّضرِ، والله أعلم.
خاتمة: اشتملت أبواب الجماعة والإمامة من الأحاديث المرفوعة على مئة واثنين
وعشرين حديثاً، الموصول منها ستَّة وتسعون، والمعلَّق ستَّة وعشرون، المكرَّر منها فيه
وفيما مضى تسعون حديثاً، الخالص اثنان وثلاثون، وافَقَه مسلم على تخريجِها سوى تسعة
أحاديثَ، وهيَ: حديثُ أبي سعيد في فضل الجماعة، وحديث أبي الدَّرداءِ: ((ما أعرِفُ
شيئاً))، وحديث أنس: ((كان رجل من الأنصار ضَخْماً))، وحديث مالك بن الحَوَيرِثِ في
صفة الصلاة، وحديث ابن عمر: ((لمَّا قَدِمَ المُهاجرون))، وحديث أبي هريرة: ((يُصلَّون
فإن أصابوا))، وحديث التُّعمان المعلَّق في الصُّفوف، وحديث أنس: ((كان أحدُنا يُلزِقُ
مَنکِیه))، وحديثه في إنكاره إقامة الصُّفوف.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عَشَرَ أثراً، كلّها مُعلَّقة إلَّا أثر ابن عمر:
أنَّه كان يأكُلُ قبلَ أن يُصلّى، وأثر عثمان: الصلاة أحسن ما يعملُ الناسُ، فإنَّهما موصولان،
والله سبحانه وتعالى أعلمُ.

٢٨٩
باب ٨٢ / ح ٧٣٢ -٧٣٤
أبواب صفة الصلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب صفة الصَّلاة
٨٢- باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة
٧٣٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ
الأنصاريُّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ رَكِبَ فَرَساً فحُحِشَ شِقُّه الأيمَنُ، قال أنسُ ﴾: فصَلَّى لنا
يومئذٍ صلاةً من الصَّلَوات وهو قاعدٌ فصلَّينا وراءَه فُعُوداً، ثمّ قال لمَّا سَلَّمَ: ((إِنَّا جُعِلَ الإمامُ
لِيُؤْثَمَّ به، فإذا صَلَّى قائماً فصَلُّوا قياماً، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ
الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ)).
٧٣٣ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، قال: حدَّثنَا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّه قال: خَرَّ
رسولُ اللهِ وَّهَ عِن فَرَسٍ فحُحِشَ، فصَلَّى لنا قاعداً، فصلَّينا معه قُعُوداً، فلما انصَرَفَ فقال:
(إنَّما الإمامُ - أو إنَّما جُعِلَ الإمامُ - ليُؤْتَمَّ به، فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفع
فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا لَكَ الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا)).
٧٣٤ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، قال: حدَّثني أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْثَمَّ به، فإذا كَبَّرَ فَكَبِّروا، وإذا رَكَعَ
فاركَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا ربَّنا ولكَ الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا، وإذا
صَلَّى جالساً فصَلُّوا جلوساً أجمعُونَ)).
قوله: ((باب إيجابٍ التكبير وافْتِتاح الصلاة)) قيل: أطلَقَ الإيجاب والمراد الوجوب تجوُّزاً،
لأنَّ الإيجابَ خطاب الشارع، والوجوبَ ما يتعلَّقُّ بالمكلَّفِ، وهو المرادُ هنا.
ثمَّ الظاهر أنَّ الواوَ عاطفة إمَّا على المضاف وهو إيجاب، وإمَّا على المضاف إليه وهو ٢١٧/٢
التكبيرُ، والأوَّل أولى إن كان المراد بالافتتاح الدُّعاءُ، لكنَّه لا يجب، والذي يظهر من سياقه

٢٩٠
باب ٨٢ / ح ٧٣٢ -٧٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ الواوَ بمعنى مع، وأنَّ المراد بالافتتاح: الشُّروعُ في الصلاة. وأبعَدَ مَن قال: إنَّها بمعنى
الموحّدة أو اللَّام، وكأنَّه أشارَ إلى حديث عائشة: كان النبيُّ وَّه يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتكبير (١).
وسيأتي بعد بابينِ حديثُ ابن عمر: رأيت النبيَّ وَّ افتتح التكبير في الصلاة (٧٣٦).
واستُدلَّ به وبِحديث عائشة على تَعيُّنِ لفظ التكبير دون غيره من ألفاظِ التَّعظيم، وهو قولُ
الجمهور، ووافَقَهم أبو يوسف. وعن الحنفيّة: تَنعَقِدُ بكلِّ لفظٍ يُقصَدُ به التَّعظيم.
ومن حُجَّة الجمهور حديث رِفاعة في قصَّة المُسيءٍ صلاتَه أخرجه أبو داود (٨٥٧)
بلفظ: ((لا تَتِمُّ صلاةُ أحدٍ منَ الناس حتَّى يتوضَّأ، فيَضَعَ الوضوءَ مواضعَه، ثمَّ يُكبِّ))،
ورواه الطَّبرانيّ (٤٥٢٦) بلفظ: ((ثمَّ يقول: الله أكبرُ))، وحديث أبي حميد: كان رسول الله
وَّ إذا قامَ إلى الصلاة اعتَدَلَ قائماً ورفع يديه، ثمَّ قال: ((الله أكبرُ)) أخرجه ابن ماجَهْ (٨٦٢)
وصحَّحه ابن خُزيمة (١٨٦٥) وابنُ حِبّان (١٨٧٠)، وهذا فيه بيان المراد بالتكبيرِ، وهو
قول: ((الله أكبرُ)).
وروى البَزّار (٥٣٦) بإسنادٍ صحيح على شرط مسلم عن عليٍّ: أنَّ النبيَّ ◌َلِّ كان إذا
قامَ إلى الصلاة قال: ((الله أكبرُ))، ولأحمَدَ (٦٣٩٧) والنَّسائيّ (١٣٢٠) من طريق واسعٍ بن
حَبَّانَ أنَّه سألَ ابن عمر عن صلاة رسول الله - وَلّهِ - فقال: الله أكبرُ كلَّما وضَعَ ورَفَع. ثمَّ
أو رَدَ المصنّفُ حديثَ أنس: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ لْيُؤْتَمَّ به)) من وجهينٍ، ثمَّ حديث أبي هريرة
في ذلك.
واعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: ليس في الطريق الأوَّلِ ذِكْر التكبيرِ، ولا في الثاني والثالثِ
بيانُ إيجابٍ التكبيرِ، وإنَّما فيه الأمر بتأخيرِ المأمومِ عن الإمام. قال: ولو كان ذلك إيجاباً
للتكبيرِ لكان قوله: ((فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ)) إيجاباً لذلك على المأموم.
وأُجيبَ عن الأوَّلِ بأنَّ مراد المصنِّف أن يُبيِّنَ أنَّ حديثَ أنس من الطريقَينِ واحدٌ،
اختصره شعيب وأتمَّه الليث، وإنَّما احتاجَ إلى ذِكْر الطريق المختصرة لتصريح الزّهريّ فيها
(١) أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٨٣) و(١٥٤٧)، وابن حبان (١٧٦٨).

٢٩١
باب ٨٢ / ح ٧٣٢ -٧٣٤
أبواب صفة الصلاة
بإخبار أنسٍ له، وعن الثاني بأنَّه ◌َ ﴿ فعل ذلك، وفعلُه بيانٌ لمُجمَل الصلاة، وبيانُ الواجب
واجبٌ، کذا وجَّهَه ابن رُشید.
وتُعُقِّبَ بالاعتراض الثالثِ وليس بواردٍ على البخاريِّ، لاحتمال أن يكون قائلاً
بوجوبه كما قال به شيخه إسحاق بن راهويه. وقيل في الجواب أيضاً: إذا ثَبَتَ إيجاب
التكبيرِ في حالةٍ من الأحوال طابَقَ الترجمة، ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث، وأمَّا
الإمامُ فمسكوت عنه.
ويُمكِنُ أن يقال: في السياق إشارة إلى الإيجاب لتعبيرِه بـ((إذا)) التي تَخْتَصُ بما يُجزَمُ
بوقوعه.
وقال الكِرْمانيّ: الحديثُ دالٌّ على الجزءِ الثاني من الترجمة، لأنَّ لفظ: ((إذا صلَّى قائماً))
مُتَنَاوِل لكون الافتتاح في حال القيام فكأنَّه قال: إذا افتتح الإمامُ الصلاة قائماً فافتَتِحوا أنْتُم
أيضاً قياماً. قال: ويحتمل أن تكون الواو بمعنى مع، والمعنى: باب إيجاب التكبير عند
افتتاح الصلاة، فحينئذٍ دلالته على الترجمة مُشکِل، انتھی.
ومُحصَّلُ كلامه أنَّه لم يظهر له توجيه إيجاب التكبيرِ من هذا الحديث، والله أعلم.
وقال في قوله: ((فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ)) لولا الدليلُ الخارجيُّ وهو الإجماعُ على عدمِ
وجوبه لكان هو أيضاً واجباً، انتهى.
وقد قال بوجوبه جماعة من السَّلَفِ منهم الحميديّ شيخ البخاري، وكأنَّه لم يَطَّلِع على
ذلك. وقد تقدَّم الكلامُ على فوائد المتنِ المذكور مُستَوقَى في ((باب إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمّ به))
(٦٨٩).
ووقع في رواية المُستَمْلي وحدَه في طريق شعيب عن الزُّهريِّ: ((وإذا سَجَدَ فاسجدوا))،
ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ في طريق الليث: ثُمَّ انصَرَف، بدلَ قولِهِ: فلمَّ انصَرَف، وزيادة
الواو في قوله: ((رَبّنا لك الحمد)). وسَقَطَ لفظ (جُعِل)) عند السَّرَخْسيِّ في حديث أبي هريرة
من قوله: ((إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به)).

٢٩٢
باب ٨٣ / ح ٧٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
فائدة: تكبيرة الإحرام رُكنٌ عند الجمهور، وقيل: شرطٌ، وهو عند الحنفيَّة، ووجهٌ عند
٢١٨/٢الشافعيَّة، وقيل: سُنَّة. قال ابن المنذر: لم يقل به أحدٌ غير الزُّهري،/ ونَقَلَه غيره عن سعيد
ابن المسيّب والأوزاعيّ ومالك، ولم يَتْبُت عن أحدٍ منهم تصريحاً، وإنَّما قالوا فيمن أدرَكَ
الإمامَ راكعاً: تُّجِزِتُه تكبيرة الركوع. نَعَم نَقَّلَه الكَرْخِيّ من الحنفيَّة عن إبراهيم ابن عُليَّة
وأبي بكر الأصَمّ، ومُخالَفتهما للجمهور كثيرة.
تنبيه: لم يُخْتَلَف في إيجاب النّيَّة في الصلاة، وقد أشارَ إليه المصنِّفُ في أواخرِ الإيمان
حيثُ قال: ((باب ما جاءَ في قول النبيِّ وَّهِ: الأعمال بالنيَّة)) (٥٤) فدخل فيه الإيمانُ
والوضوءُ والصلاةُ والزّكاة ... إلى آخر كلامه.
٨٣- باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواءً
٧٣٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله، عن
أبيه: أنَّ رسولَ الله وَلَّ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكِبَيْه إذا افتَتَحَ الصلاةَ، وإذا كَبَّرَ للزُّكُوعِ، وإذا
رفع رأسَه من الرُّكُوعِ رفعهُما كذلك أيضاً، وقال: ((سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَهُ، ربَّنا ولكَ الحمدُ)) وكان
لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجودِ.
[أطرافه في: ٧٢٦، ٧٣٨، ٧٣٩]
قوله: ((باب رَفْعِ اليدينِ في التكبيرةِ الأُولى مع الافْتِتاح سواءً» هو ظاهرُ قوله في حديث
الباب: يرفعُ یدیه إذا افتتح الصلاة، وفي رواية شعیب الآتية بعد باب: یرفعُ یدیه حین
يُكبِّ. فهذا دليل المقارنة.
وقد وَرَدَ تقدیمُ الرَّفع علی التکبیرِ وعکسُه أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب عنده
(٣٩٠) من رواية ابن جُرَيج وغيره عن ابن شهاب بلفظ: رفع یدیہ ثمَّ کَبَّ، وفي حديث
مالك بن الحوَيرِثِ عنده (٣٩١): گَبَّرَ ثمَّ رفع یدیه.
وفي المقارنة وتقديم الرَّفع على التكبيرِ خلاف بين العلماء، والمرجَّح عند أصحابنا
المقارنة، ولم أرَ مَن قال بتقديم التكبير على الرَّفع، ويُرجِّحُ الأوَّلَ حديثُ وائل بن حُجر

٢٩٣
باب ٨٣ / ح ٧٣٥
أبواب صفة الصلاة
عند أبي داود بلفظ: رفع يديه مع التكبير. وقضيَّة المعيَّة أنَّه ينتهي بانتهائه، وهو الذي
صحَّحه النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب))، ونَقَلَه عن نصِّ الشافعي، وهو المرجَّحُ عند المالكيَّة.
وصَحَّح في ((الرَّوضة)) - تَبَعاً لأصلها - أنَّه لا حَدَّ لانتهائه.
وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفيَّة: الأصُّ يرفعُ ثمَّ يُكبِّر، لأنَّ الرَّفعَ نفيُ صفة
الكِبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنَّفي سابق على الإثبات كما في كلمة
الشهادة. وهذا مبنيٌّ على أنَّ الِحِكْمةَ في الرَّفع ما ذُكِرَ.
وقد قال فريق من العلماء: الحِكْمةُ في اقترانهما أن يراه الأصَمُّ ويسمعه الأعمى. وقد
ذُكِرَت في ذلك مُناسَباتٌ أُخَرُ، فقيل: معناه الإشارة إلى طَرْح الدُّنيا والإقبال بكُلَّتِه على
العبادة، وقيل: إلى الاستسلام والانقياد ليُناسب فعلُه قولَه: الله أكبرُ، وقيل: إلى استعظام
ما دخل فيه، وقيل: إشارة إلى تمام القيام، وقيل: إلى رفع الحِجاب بين العبد والمعبود،
وقيل: ليَستَقْبِل بجميعِ بَدَنِهِ، قال القُرطبيّ: هذا أنسَبُها، وتُعُقِّبَ، وقال الرَّبيع: قلتُ
للشافعيّ: ما معنى رفعِ اليدينِ؟ قال: تعظيمُ الله واتّباعُ سُنَّة نبيِّه.
ونقل ابن عبد البَرِّ عن ابن عمر أنَّه قال: رفعُ اليدينِ من زينة الصلاة. وعن عُقبة بن
عامر قال: بكلِّ رفعٍ عشرُ حسنات، بكلِّ إصبعٍ حسنة.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة)» هو القَعْنبي، وفي روایته هذه عن مالكِ خلافُ ما في
روايته عنه في ((الموطَّأ))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من روايته بلفظ ((الموطأ)). قال الدَّارَقُطنيّ:
رواه الشافعيّ (٧/ ٢١١) والقَعْنبي، وسَرَدَ جماعةً من رواة ((الموطَّأ)» فلم يَذكُروا عنه فيه
الَّفِعَ عند الركوع. قال: وحدَّث به عن مالكِ في غير ((الموطَّأ)) ابنُ المبارَك وابنُ مَهْديّ
والقَطّان وغيرهم بإثباتهِ (١).
وقال ابن عبد البَرِّ: كلَّ مَن رواه عن ابن شهاب أثبَتَه غير مالكٍ في ((الموطَّأ)) خاصَّة.
(١) انظر تخريجه في ((مسند أحمد» (٤٥٤٠) و(٤٦٧٤).

٢٩٤
باب ٨٣ / ح ٧٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢١٩/٢ قال النَّوَويّ في ((شرح مسلم)): أجمعتِ الأمَّةُ على استحباب رفع اليدينِ عند تكبيرة
الإحرام، ثمَّ قال بعد أسطُر: أجمعوا على أنَّه لا يجب شيء من الرَّفع، إلّا أنَّه حُكِيَ وجوبُه
عند تكبيرة الإحرام عن داود، وبه قال أحمد بن سَيّار من أصحابنا، انتهى.
واعتُّرِضَ عليه بأنَّه تَنَاقُضٌ، وليس كما قال المعترض، فلعلَّه أراد إجماعَ مَن قبلَ
المذكورين أو لم يَثْبُت عنده عنهما، أو لأنَّ الاستحبابَ لا يُنافي الوجوب.
وبالاعتذار الأوَّل يندفعُ اعتراض مَن أورَدَ عليه: أنَّ مالكاً قال في روايته عنه: إنَّه لا
يُستَحِبُّ، نَقَلَه صاحب ((التَّبَصِرة)) منهم، وحكاه الباجيّ عن كثيرٍ من مُتَقَدِّميهم.
وأسلَمُ العِبارات قول ابن المنذر: لم يختلفوا أنَّ رسولَ الله وَ لَّكان يرفعُ يديه إذا افتتح
الصلاة. وقولُ ابن عبد البَرّ: أجمع العلماءُ على جواز رفعِ اليدينِ عند افتتاح الصلاة. ومَّن
قال بالوجوب أيضاً الأوزاعيّ والحميديّ شيخ البخاري، وابن خُزيمة من أصحابنا نَقَلَه
عنه الحاكم في ترجمة محمد بن عليّ العَلَوي، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد.
وقال ابن عبد البَرّ: كُلُّ مَن نُقِلَ عنه الإيجاب لا يُبطِلُ الصلاةَ بترْكِهِ إلَّا في روايةٍ عن
الأوزاعيّ والحميديّ.
قلت: ونقل بعضُ الحنفيَّة عن أبي حنيفة: يأَثَمُ تاركُه، وأمَّا قول النَّوَويّ في ((شرح
المهذَّب)): أجمعوا على استحبابه، ونَقَلَه ابن المنذر، ونقل العبدَريّ عن الَّيدِيَّة: أنَّه لا يرفعُ،
ولا يُعتَدُّ بخلافهم، ونقل القَفّال عن أحمد بن سَيّار أنَّه أوجَبَه، وإذا لم يرفع لم تَصِحَّ
صلاتُه، وهو مردودٌ بإجماع مَن قبلَه.
وفي نَقْل الإجماع نظرٌ، فقد نُقِلَ القولُ بالوجوب عن بعض مَن تقدَّمه، ونَقَلَه القَفّال في
((فتاويه)) عن أحمد بن سَيّار الذي مضى. ونَقَلَه القُرطبيّ في أوائل ((تفسيرِه)) عن بعض
المالكيَّة، وهو مُقتَضى قول ابن خُزيمة: إنَّه رُكنٌ.
واحتَجَّ ابن خَزْم بمُواظَبة النبيِّ وَّ على ذلك، وقد قال: ((صَلّوا كما رأيتُموني

٢٩٥
باب ٨٤ / ح ٧٣٦
أبواب صفة الصلاة
أُصلِّي))(١). وسيأتي ما يَرِدُ عليه في ذلك في الباب الذي يليه، ويأتي الكلام على نهاية الرَّفعِ
بعدُ ببابٍ.
٨٤- باب رفع الیدین إذا كبّر وإذا ركع وإذا رفع
٧٣٦- حدَّنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرَنا يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ،
أخبرني سالم بنُ عبدِ الله، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّ إذا قامَ في الصلاة رفع بَدَيْه حتَّى
يَكُونا حَذْوَ مَنكِبَيْهِ، وكان يَفْعَلُ ذلك حينَ يُكبِر للزُّكُوعِ، ويَفْعَلُ ذلك إذا رفع رأسَه من
الرُّكُوعِ، ويقول: ((سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه)) ولا يَفْعَلُ ذلك في السُّجودِ.
قوله: ((باب رَفْعِ اليدينِ إذا كَبَّرَ وإذا رَكَعَ وإذا رفع)) قَدّ صَنَّفَ البخاري في هذه المسألة
جزءاً مُنفرِداً، وحكى فيه عن الحسنِ وحميد بن هلال (٢٩) و(٣٠): أنَّ الصحابةَ كانوا
يفعلون ذلك. قال البخاريّ: ولم يَستَثْنِ الحسنُ أحداً (٢).
وقال ابن عبد البَرّ: كلَّ مَن رُوِيَ عنه تركُ الرَّفع في الركوع والرَّفع منه رُوِيَ عنه فعلُه،
إلَّا ابنَ مسعودٍ.
وقال محمد بن نصر المَرْوَزيّ: أجمع علماءُ الأمصار على مشروعيَّة ذلك إلَّا أهلَ ٢٢٠/٢
الكوفة.
وقال ابن عبد الحكم: لم يروِ أحد عن مالك ترك الرَّفع فيهما إلَّا ابنُ القاسم. والذي
نَأْخُذُ به الرَّفع على حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابنُ وَهْب وغيرُه عن مالك. ولم يَكِ
التِّرمِذيّ عن مالكِ غیرَه.
ونقل الخطَّبيّ وتَبِعَه القُرطبيّ في ((المُفهم)) أنَّه آخرُ قولي مالك وأصخُّهما، ولم أرَ
للمالكيَّة دليلاً على تركِه ولا مُتمسَّكاً إِلَّا بقول ابن القاسم. وأمَّا الحنفيَّةُ فعَوَّلوا على رواية
مجاهدٍ: أنَّه صلَّى خلفَ ابن عمر، فلم يَرَه يفعلُ ذلك.
(١) سلف برقم (٦٣١).
(٢) لفظ البخاري: فلم يستثْن الحسنُ وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي وَّ دون أحد.

٢٩٦
باب ٨٤ / ح ٧٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجيبوا بالطَّعْنِ في إسناده، لأنَّ أبا بكر بن عيَّاش راويه ساءَ حِفْظُه بأَخَرةٍ، وعلى تقدیرِ
صحّته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه، وستأتي رواية نافع بعد بابينِ (٧٣٩)،
والعددُ الكثير أولى من واحد، لاسيّما وهم مُثبِتون وهو ناف، مع أنَّ الجمعَ بين الروايتين
مُمكِّنٌ، وهو أنَّه لم يكن يراه واجباً ففَعَلَه تارةً وتركَه أُخرى. ومما يدلُّ على ضعفِه ما رواه
البخاري في ((جزء رفع اليدين)) (١٤) عن نافع(١): أنَّ ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفعُ
يديه إذا رَكَعَ وإذا رفع رَماه بالحَصَى. واحتَجّوا أيضاً بحديث ابن مسعود: أنَّه رأى النبيَّ
وَّ يرفعُ يديه عند الافتتاح ثمَّ لا يعودُ. أخرجه أبو داود (٧٤٨ و٧٤٩)(٢)، ورَدَّه الشافعيّ
بأنَّه لم يَثْبُت، قال: ولو ثَبَتَ لكان المثبِتُ مُقدَّماً على النافي، وقد صحَّحه بعضُ أهل
الحديث، لكنَّه استدلَّ به على عدم الوجوب، والطَّحاويّ إنَّا نَصَبَ الخلاف مع مَن يقول
بوجوبه، كالأوزاعيّ وبعض أهل الظاهر.
ونقل البخاري عَقِبَ حديث ابن عمر في هذا الباب عن شيخِه عليّ بن المَدِينيّ قال:
حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرَّفعِ منه لحديث ابن عمر هذا، وهذا
في رواية ابن عساكر. وقد ذكره البخاري في ((جزء رفع اليدين))، وزاد: وكان عليٌّ أعلمَ
أهل زمانه.
ومُقابلُ هذا قول بعض الحنفيَّة: إنه يُطِلُ الصلاة. ونَسَبَ بعضُ مُتأخّري المغاربة
فاعِلَه إلى البدعة، ولهذا مالَ بعض مُحُقِّقيهم كما حكاه ابنُ دَقِيق العيد إلى ترْكِه دَرْءاً لهذه
المفسدة. وقد قال البخاري في ((جزءٍ رفع اليدين)): مَن زَعَمَ أنَّه بدعةٌ فقد طَعَنَ في
الصحابة، فإنَّه لم يَثْبُت عن أحدٍ منهم ترْكُه. قال: ولا أسانيدَ أصحّ من أسانيدِ الرَّفع. انتهى،
والله أعلم.
(١) تحرف في (س) إلى: مالك.
(٢) وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٥٧)، والنسائي (١٠٥٨)، واللفظ عندهم جميعاً عن ابن مسعود: قال: ألا
أصلي بكم صلاة رسول الله وَل﴿، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرةً. وقال بعضهم: إلا مرة واحدة. وانظر
كلام مَن ضعّفهُ مِن الأئمة في ((مسند أحمد)» (٣٦٨١).

٢٩٧
باب ٨٤ / ح ٧٣٦
أبواب صفة الصلاة
وذكر البخاري أيضاً أنَّه رواه سبعةَ عَشَرَ رجلاً من الصحابة، وذكر الحاكم وأبو
القاسم بن مَندَهْ مَمَّن رواه العَشَرةُ المُبَشَّرة، وذكر شيخُنا أبو الفضل الحافظُ أنَّه تَتَبَّعَ مَن
رواه من الصحابة فبَلَغوا خمسينَ رجلاً.
قوله: ((أخبَرَنا عبد الله)) هو ابنُ المبارَك، ويونسُ: هو ابن يزيدَ. وأفادت هذه الطريقُ
تصریح الزُّهريّ بإخبار سالم له به.
قوله: ((عن أبيه)) سمَّه غير أبي ذرِّ فقالوا: عن عبد الله بن عمر.
قوله: ((حين يُكبِّر للرُّكُوع)) أي: عند ابتداء الركوع، وهو مُقْتَضى رواية مالك بن
الحَوَيرِث المذكورة في الباب حيثُ قال: وإذا أراد أن يركعَ رفع يديه. وسيأتي (٧٨٩) في
((باب التكبير إذا قامَ من السجود)) من حديث أبي هريرة: ثمَّيُكبِّ حین یرکمُ.
قوله: ((وَيَفْعَلُ ذلك إذا رفع رَأْسه من الزُّكُوع)) أي: إذا أراد أن يرفع. ويؤيِّدُه رواية أبي
داود (٧٢٢) من طريق الزُّبَيديّ، عن الزُّهريِّ بلفظ: ثمَّ إذا أراد أن يرفعَ صُلْبه رفعهما حتَّى
يكونا حَذْو مَنكِبَيَه. ومُقتَضاه أنَّه يَبْتَدِئُ رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع، وأمَّا روايةٌ
ابن عُيَينة عن الزُّهريِّ التي أخرجها عنه أحمدُ (٤٥٤٠)، وأخرجها عن أحمد أبو داود (٧٢١)
بلفظ: وبعدما يرفعُ رأسَه من الركوع، فمعناه: بعدما يَشرَعُ في الرَّفْعِ، لَتَّفِقَ الرواياتُ.
قوله: «ولا یفْعَلُ ذلك في السُّجود» أي: لا في اهُويِّ إلیه ولا في الرَّفع منه، کما في رواية
شعيب في الباب الذي بعده حيثُ قال: حين يَسجُدُ ولا حين يرفعُ رأسَه. / وهذا يَشمَلُ ما ٢٢١/٢
إذا نَهَضَ من السجودِ إلى الثانية والرَّابعة والتشهُّدَين، ويَشمَلُ ما إذا قامَ إلى الثالثة أيضاً
لكن بدون تَشَهُّدِ لكَونِه غيرَ واجبٍ، وإذا قلنا باستحباب جَلْسة الاستراحة لم يدلَّ هذا
اللَّفظ على نفي ذلك عن القيام منها إلى الثانية والرَّابعة، لكن قد روى يحيى القَطّان عن
مالكِ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعاً هذا الحديث، وفيه: ولا يرفعُ بعد ذلك. أخرجه
الدَّارَقُطْنيّ في ((الغرائب)) بإسنادٍ حسنٍ(١). وظاهرُه يَشمَلُ النَّفي عمَّا عَدَا المواطن الثلاثة،
(١) لكن نقل ابن رجب في ((شرحه)) ٣١٦/٤ أن العقيلي والدار قطني قالا: لا يتابَع رزقُ الله على رفعه.
ورزق الله هذا هو راويه عن يحيى القطان. وهو رزق الله بن موسى، وحديثه هذا أخرجه كذلك =

٢٩٨
باب ٨٥/ ح ٧٣٧ -٧٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
وسیأتي إثبات ذلك في مَوطِن رابع بعدُ ببابٍ.
٧٣٧- حدَّثنا إسحاقُ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ:
أنَّه رَأى مالكَ بنَ الحُوَيرثِ إذا صَلَّى كَبَّرَ ورفع يَدَيْه، وإذا أراد أنْ يَركَعَ رفع ◌َدَيْه، وإذا رفع
رأسَه من الزُُّوعِ رفعٍ يَدَيْه، وحدَّث أنَّ رسولَ الله ◌َِّصَنَعَ هكذا.
قوله: ((عن خالدٍ)) هو الحَذّاءُ، وفي رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسيّ: حدَّثنا خالد.
قوله: ((إذا صَلَّى كَبَّرَ ورفع يَدَيْه)) في رواية مسلم (٢٤/٣٩١): ثمَّ رَفَع. وزاد مسلم
(٢٥/٣٩١) من رواية نصر بن عاصم، عن مالك بن الحوَيرِث: حتَّى يُحاذيَ بهما أُذَنَيه.
ووَهمَ المُحِبُّ الطَّبَيّ فعزاه للمُتَّفَقِ.
قوله: ((وحدَّث)) أي: مالك بن الحَوَيرِث، وليس معطوفاً على قوله: ((رأى)). فيَبقَى
فاعلُه أبو قلابة فيصيرُ مُرسَلاً.
٨٥ - باب إلى أين يرفع يديه
وقال أبو مُميدٍ في أصحابه: رفع النبيُّ ◌َّ حَذْوَ مَنكِبَيْه.
٧٣٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرنا سالم بنُ عبدِ الله،
أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّ افتَتَحَ التَّكْبِيرَ في الصلاة، فرفع ◌َدَيْه
حينَ يُكبِّ حتَّى يجعلَهُمَا حَذْوَ مَنكِبَيْهِ، وإذا كَبَّرَ للُّكُوعِ فَعَلَ مثلَه، وإذا قال: ((سَمِعَ الله لمنْ
◌َمِدَه)) فَعَلَ مثلَه، وقال: ((رَبَّنا ولكَ الحمدُ))، ولا يَفْعَلُ ذلك حينَ يَسجُدُ، ولا حينَ يَرْفَعُ رأسَه
من السُّجودِ.
قوله: ((باب إلى أينَ يَرْفَعُ يَدَيْه)) لم يَجِزِم المصنِّفُ بالحكم كما جَزَمَ به قبلُ وبعدُ، جَرْياً على
عادتِه فيما إذا قَوِيَ الخلافُ، لكنَّ الأرجحَ عنده محاذاة المنكِينِ، لاقتصاره على إيراد دليله.
قوله: ((وقال أبو مُميد ... )) إلى آخره، هذا التَّعليق طرفٌ من حديثٍ سيأتي في ((باب سُنَّة
= العقيلي في ((الضعفاء)) ٦٨/٢. وقد جزم بوهمه فيه أيضاً الذهبي في ((الميزان)) ٤٨/٢.

٢٩٩
باب ٨٥ / ح ٧٣٨
أبواب صفة الصلاة
الجلوسِ في التشهُّد)) (٨٢٨) وسنذكر هناك مَن عَرَفنا اسمَه من أصحابه المذكورين إن شاء
الله تعالى.
قوله: ((حَذْو مَنكِبَيْه)) بفتح المهمَلة وإسكان الذّال المعجَمة، أي: مُقابلَهما، والمَنكِبُ:
تَجَمَع عظم العَضُدِ والكَتِف. وبهذا أخَذَ الشافعيّ والجمهورُ.
وذهب الحنفيَّةَ إلى حديث مالك بن الحَوَيرِثِ المقدَّمِ ذِكرُه عند مسلم، وفي لفظٍ له عنه
(٢٦/٣٩١): حتَّى يُحاذيَ بهما فُروعَ أُذَنَيه. وعند أبي داود (٧٢٦) من رواية عاصم بن كُلَيب،
عن أبيه، عن وائل بن حُجر بلفظ: حتَّى حاذَتا أُذنَيه. ورُجِّحَ الأوَّل لكون إسناده أصحّ.
وروى أبو ثورٍ عن الشافعيِّ أنَّه جمع بينهما، فقال: يُحاذي بظَهر كَفَّيه المنكِينِ وبأطراف
أناملِهِ الأُذُنين. ويؤيِّدُه رواية أُخرى عن وائل عند أبي داود (٧٢٤) بلفظ: حتَّى كانتا حِيالَ
مَنْكِبَيه، وحاذَى بإبهامَيه أُذْنَيه. وبهذا قال المتأخِّرون من المالكيَّة فيما حكاه ابن شاسٍ في
((الجواهر)).
لكن روى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان يرفعُ يديه حَذْو مَنكِبَيه في الافتتاح،
وفي غيره دون ذلك. أخرجه أبو داود (٧٤٢)(١). ويعارضُه قول ابن جُرَيجٍ: قلتُ لنافعٍ:
أكان ابنُ عمر يجعلُ الأولى أرفَعَهُنَّ؟ قال: لا. ذكره أبو داود أيضاً(٢) وقال: لم يَذْكُر رَفْعَهما
دون ذلك غیرُ مالكٍ، فیما أعلمُ.
قوله: ((وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه فَعَلَ مثلَه)) ظاهره أنَّه يقول التَّسميعَ في ابتداء
ارتفاعه من الركوع، وسيأتي الكلامُ علیه بعد أبوابٍ قليلة (٧٩٥).
فائدة: لم يَرِدِ ما يدلُّ على التَّرِقة في الرَّفِعِ بين الرجلِ والمرأة، وعن الحنفيَّة يرفعُ الرجل٢٢٢/٢
إلى الأُذُنِينِ والمرأةُ إلى المَنكِيين، لأنَّه أستَرُ لها. والله أعلم.
(١) هو في ((الموطأ)) ١/ ٧٧.
(٢) ذكره أبو داود بإثر الحديث (٧٤١)، وقد أخرجه عبد الرزاق (٢٥٢٠)، والبخاري في ((رفع اليدين))
(٣٨).

٣٠٠
باب ٨٦ / ح ٧٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
٨٦- باب رفع اليدين إذا قام من الرَّكعتين
٧٣٩- حدَّثنا عيَّاشٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ: أنَّ ابنَ
عمرَ كان إذا دخل في الصلاة كَبَّرَ ورفع يَدَيْهِ، وإذا رَكَعَ رفع يَدَيْهِ، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ
◌َّدَه، رفع يَدَيْه، وإذا قامَ من الرَّكْعتَينِ رفعٍ يَدَيْهِ. وَرفع ذلك ابنُ عمَرَ إلى النبيِّ ◌ِّ.
رواه خَّدُ بنُّ سَلَمة، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َلّ.
وَرواه ابنُ طَهْمان، عن أيوبَ وموسى بنِ عُقْبةَ، مُخْتَصَراً.
قوله: ((باب رَفْعِ اليدينِ إذا قامَ من الرَّكْعتَين)) أي: بعد التشهُّد، فيَخرُجُ ما إذا تركَه
ونهَضَ قائماً من السجودِ لعموم قوله في الرواية التي قبلَه: ولا حين يرفعُ رأسَه من
السجود. ويحتمل حملُ النَّفي هناك على حالة رفع الرَّأس من السجودِ لا على ما بعد ذلك
حين يَستَوي قائماً. وأبعَدَ مَن استَدلَّ بقول سالم في روايته: ولا يفعلُ ذلك في السجود، على
موافقة رواية نافع في حديث هذا الباب حيثُ قال: ((وإذا قامَ من الرَّكعتين)) لأنَّه لا يَلزَمُ
من كَونِه لم يَنِفِه أنَّه أثبَتَه بل هو ساكتٌ عنه. وأبعَدَ أيضاً مَن استَدلَّ برواية سالمٍ على ضعفِ
رواية نافع، والحَقُّ أنَّه ليس بين روايتَي سالم ونافعٍ تَعارُض، بل في رواية نافع زيادة لم
يَنِفِها سالمٌّ، وستأتي الإشارة إلى أنَّ سالماً أثبتها من وجهٍ آخرَ.
قوله: ((حدَّثنا عيَّاش)) هو بالمثنَّاة التَّحتانيَّة وبالمعجَمة: وهو ابنُ الوليد الرَّقّامُ، وعبد
الأعلى. هو ابنُ عبد الأعلى، وعبيدُ الله: هو ابن عمر بن حفص.
قوله: ((ورفع ذلك ابنُ عمَرَ إلى النبيِّ وَّ) في رواية أبي ذرٍّ: إلى نبيِّ ◌َّ. قال أبو داود:
رواه الثَّقَفيّ - يعني عبد الوهّاب - عن عبيد الله، فلم يرفعه وهو الصحیحُ، وكذا رواه
الليث بن سعد وابن جُرَيج ومالك - يعني - عن نافع موقوفاً(١)، وحكى الدَّارَقُطنيّ في
((العِلَل)) الاختلافَ في وقِفِه ورفعِه، وقال: الأشبه بالصواب قولُ عبد الأعلى.
(١) قاله أبو داود بإثر الحديث (٧٤١)، وانظر الاختلاف في رفع الحديث ووقفه في تخريج ((مسند أحمد))
(٥٧٦٢).