النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٦٥ / ح ٧٠٧ - ٧١٠
أبواب الجماعة والإمامة
فَأَنجوَّزُ مَّا أعلمُ من شِدةِ وَجْدِ أمِّه من بكائه)).
وقال موسى: حدَّثنا أبانُ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدّثنا أنسٌ، عن النبيِّ وَِّ، مثلَه.
قوله: ((باب مَن أخَفَّ الصلاة عندَ بكاءِ الصبيّ)) قال الزّين بن المنيِر: التَّراجمُ السابقةُ
بالتخفيفِ تتعلَّقُ بحَقِّ المأمومين، وهذه الترجمة تتعلَّقُ بقَدْرٍ زائدٍ على ذلك، وهو مصلحةٌ
غير المأموم، لكن حيثُ تتعلَّقُ بشيءٍ يُرجَعُ إليه.
قوله: (عن يحيى بن أبي كثير)) في رواية بشر بن بكر الآتية (٨٦٨) عن الأوزاعيّ:
حدَّثني یحیی.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ)) في رواية ابن سَمَاعةَ عن الأوزاعيِّ عند الإسماعيليِّ:
حدَّثني عبد الله بن أبي قتادة.
قوله: ((إِنِّي لَأَقُومُ في الصلاة أُريدُ)) في رواية بشر بن بكر: «لَأَقومُ إلى الصلاة وأنا أُريدُ)).
قوله: ((تابَعَه بِشْر بن بَكْر)) هي موصولةٌ عند المؤلِّف في ((باب خروج النِّساء إلى
المساجد))(١) قُبيلَ كتاب الجمعة.
ومُتَابَعة ابن المبارَك وَصَلَها النَّسائيّ (٨٢٥)، ومُتابَعة بقيَّة - وهو ابنُ الوليد - لم
أقِفْ عليها.
واستدلَّ بهذا الحديث على جواز إدخال الصِّبيان المسجدَ، وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون
الصبيّ كان مُلَّفاً في بيتٍ يَقرُبُ من المسجد بحيثُ يُسمَعُ بکاؤُه.
وعلى جواز صلاة النِّساء في الجماعة مع الرجال. وفيه شَفَقةُ النبيِّ وَّ على أصحابه،
ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير.
قوله: ((حدَّثْنِي شَريك بن عبد الله)) أي: ابن أبي نَمِر، والإسناد كلّه مدنُّون غير خالدٍ
فهو كوفيّ سَكَنَ المدینة.
(١) بل هي الباب الذي يلي الباب المذكور: وهو باب انتظار الناس قيام الإمام العالم (٨٦٨).

٢٦٢
باب ٦٥ / ح ٧٠٧ - ٧١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخَفَّ صلاة ولا أنمَّ)) إلى هنا أخرج مسلم (٤٦٩) من هذا الحديث، من رواية
إسماعيل بن جعفر عن شَريك، ووافَقَ سليمانَ بن بلال على تَكمِلتِهِ أبو ضَمْرة عند
الإسماعيليّ(١).
قوله: ((فيُخفِّفُ)) بيَّن مسلم (٤٧٠) في رواية ثابتٍ عن أنسٍ محلّ التخفيف، ولفظه:
فيقرأُ بالسورة القصيرة.
وبيَّن ابن أبي شَيْبة (٢/ ٥٧) من طريق عبد الرحمن بن سابط مِقدارَها، ولفظه: أنَّه ◌ِه
قرأ في الرَّكعة الأولى بسورةٍ طويلةٍ، فسمع بكاء صبيٍّ، فقراً في الثانية بثلاث آيات. وهذا
مُرسَل.
قوله: (أنْ تُفتَنَ أمّه)) أي: تلتهي عن صلاتها لاشتغال قلبها بیکائه، زاد عبد الرزاق من
مُرسَلٍ عطاءٍ: ((أو تَترُكه فيَضيع))(٢).
قوله: ((حدَّثنا سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة، والإسناد كلّه بصريُّون، وكذا ما بعده
موصولاً ومُعلَّقاً.
قوله: ((وأنا أُريدُ إطالتَها)) فيه أنَّ مَن قَصَدَ في الصلاة الإتيانَ بشيءٍ مُستحَبِّ لا يجبُ
عليه الوفاءُ به، خلافاً لأشهَبَ حيثُ ذهب إلى أنَّ مَن نَوَى التطوُّع قائماً ليس له أن يُتِمَّه
جالساً.
قولُه في رواية ابن أبي عَديّ: ((مََّ أعلَمُ)) وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لِمَا أعلمُ)).
قوله: ((وَجْدِ أمِّه)) أي: حُزنِها. قال صاحب ((المحكَم)): وَجَدَ يَجِدُ وَجداً - بالسُّكون
والتحريك -: حَزِن، وكأنَّ ذِكرَ الأمِّ هنا خرج تَخَرَج الغالب، وإلّا فمَن كان في معناها
مُلتَحِق بها.
قوله: ((وقال موسى)) أي: ابن إسماعيل، وهو أبو سَلَمة التَّبُوذَكي، وأبانُ: هو ابن يزيد
(١) وهو عند البزار أيضاً (٦١٩١).
(٢) هو عنده برقم (٣٧٢٢)، لكن بلفظ: ((خشية أن تَفْتَتِن أمُّه)).

٢٦٣
باب ٦٦ / ح ٧١١
أبواب الجماعة والإمامة
العَطّار، / والمراد بهذا بيان سماع قتادةَ له من أنس. وروايتُه هذه وَصَلَها السَّاجُ(١) عن ٢٠٣/٢
عبيد الله بن جَرِير، وابن المنذر (١٩٩/٤) عن محمد بن إسماعيل كلاهما عن أبي سَلَمة.
ووقع التصريحُ أيضاً عند الإسماعيليِّ من رواية خالد بن الحارث عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أنَّ
أنس بن مالكِ حدَّثه.
قال ابن بَطَّال: احتَجَّ به مَن قال: يجوزُ للإمام إطالة الركوع إذا سمع بحِسِّ داخلٍ
ليُدرِكه. وتعقَّبه ابن المنيِرِ بأنَّ التخفيفَ نَقيض التطويل فكيف يقاسُ عليه؟ قال: ثمَّ إنَّ فيه
مُغايَرةً للمطلوب، لأنَّ فيه إدخالَ مَشقَّة على جماعةٍ لأجلٍ واحد، انتهى.
ويُمكِنُ أن يقال: محلٌّ ذلك ما لم يَشُقَّ على الجماعة، وبذلك قَيَّدَه أحمدُ وإسحاق وأبو
ثور. وما ذكره ابن بَطَّل سبقه إليه الخطَّبيّ، ووَجَّهَه بأنَّه إذا جاز التخفيف لحاجةٍ من
حاجات الدُّنيا كان التطويل لحاجةٍ من حاجات الدّينِ أجوز.
وتعقّبه القُرطبيُّ بأنَّ في التطويل هنا زيادةَ عملٍ في الصلاة غيرِ مطلوب، بخلاف
التخفيف فإنَّه مطلوب، انتهى.
وفي هذه المسألة خلاف عند الشافعيَّة وتفصيل، وأطلَقَ النَّوَويّ عن المذهبِ استحباب
ذلك، وفي ((التَّجريد)) للمَحامليّ نقل كَراهيَته عن الجديد، وبه قال الأوزاعيّ ومالك وأبو
حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شِركاً.
٦٦ - باب إذا صلَّى ثم أمَّ قوماً
٧١١ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ وأبو النُّعْمان، قالا: حدَّثنا حمّادُ بنُ زیدٍ، عن أيوب، عن
عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن جابرٍ، قال: كان معاذٌ يُصلِّ مع النبيِّ ◌َِّ، ثمّ یأتي قومه فيُصلِّ بهم.
قوله: (باب إذا صَلَّى ثمَّ أَمَّ قوماً) قال الزَّين بن المنيِر: لم يَذكُر جواب ((إذا)) جَرياً على
عادتِه في تركِ الجَزْمِ بالحكمِ المختلَفِ فيه، وقد تقدَّم البحث في ذلك قريباً، وتقدَّم الحديثُ
من وجهٍ آخرَ عن عَمْرو (٧٠١).
(١) في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٥٨٤).

٢٦٤
باب ٦٧-٦٨ / ح ٧١٢
فتح الباري بشرح البخاري
٦٧ - باب مَن أسمع الناسَ تكبيرَ الإمام
٧١٢ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ داود، قال: حدَّثْنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ،
عن الأسودِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا مَرِضَ النبيُّ ◌َّل مرضه الذي ماتَ فيه أتاه
بلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلّ)) قلت: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أسِيفٌ، إنْ يَقُمْ
مَقامَكَ يَبْكِ فلا يَقْدِرُ على القراءةِ، قال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلّ)) فقلتُ مثلَه، فقال في الثالثةِ أو
الرّابعة: ((إنكنَّ صواحبُ يوسف، مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلّ)) فصَلَّى، وخرج النبيُّ وَّلِ يُّهادى بينَ
رجلَينٍ، كأنّي أنظُرُ إليه يَخُطُّ بِرِجْلَيْه الأرضَ، فلمَّا رآه أبو بكرٍ ذهبَ يتأخّرُ، فأشارَ إليه: أنْ
صَلِّ، فتأخّرَ أبو بكرٍ ه، وفَعَدَ النبيُّ نَّه إلى جَتْبِهِ، وأبو بكرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ.
تابَعَهُ مُحاضِرٌ، عن الأعمَشِ.
قوله: ((باب مَن أسمع النَّاسَ تَكْبير الإمام)» تقدَّم الكلامُ على حديث عائشة في ((باب حَدِّ
المريضِ أن يشهدَ الجماعة)) (٦٦٤) والشاهد فيه قوله: وأبو بكر يُسمِعُ الناسَ التكبير. وهذه
اللَّفظة مُفسِّرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية: وكان أبو بكر يُصلِّي بصلاة
٢٠٤/٢ النبيِّ وََّ، والناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكر. وقد ذكر البخاري أنَّ مُحاضِراً / تابَعَ عبدَ الله بن
داود على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده.
قال ابن مالك: وقع في بعض الروايات هنا: إن يَقُم مَقامك يَبكي، و((مُروا أبا بكر
فليُصَلِّي)) بإثبات الياء فيهما (١)، وهو من قبيل إجراء المعتلّ مجرى الصحيحِ والاكتفاء
بحذف الخَرَكة، ومنه قراءةُ مَن قرأ ((إنَّه مَنْ يَتِّقي ويَصبِرْ)) [يوسف: ٩٠](٢).
تنبيه: سَقَطَ مِنْ رواية أبي زيد المَرَوَزيّ من هذا الإسناد: ((إبراهيم)) ولا بُدَّ منه.
٦٨ - باب الرجل يأْتُمُّ بالإمام ويأتمُّ الناسُ بالمأموم
ويُذكِّرُ عن النبيِّ وَّهِ: ((اتْتَمُّوا بي ولْيَأْتُمَّ بكم مَن بعدَكم)).
(١) هي رواية عائشة السالفة برقم (٦٧٩)، والرواية التالية (٧١٣).
(٢) وهي قراءة ابن كثير الدِّمشقي في رواية قُبُل.

٢٦٥
باب ٦٨ / ح ٧١٣
أبواب الجماعة والإمامة
٧١٣ - حدَّثَنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن
الأسودِ، عن عائشة، قالت: لمَّا ثَقُلَ رسولُ اللهِوَ لَ جاءَ بلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة، فقال: «مُرُوا أبا
بكرٍ يُصلِّى بِالنَّاس)) فقلت: يا رسولَ الله إنَّ أبا بكرِ رجلٌ أسِيفٌ، وإِنَّه مَتَى يقوم مَقامَكَ لا يُسْمِعُ
النَّاسَ، فلو أمرتَ عمر، فقال: ((مُرُوا أبا بكرِ يُصلِّي بِالنَّاس)) فقلتُ لحفصةَ: قُولي له: إنَّ أبا بكرٍ
رجلٌ أسِيفٌ، وإنَّه مَتَى يقوم مَقامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاس، فلو أمرتَ عمرَ، قال: ((إنكنَّ لأنتُنَّ
صواحبُ يوسف، مُرُوا أبا بكرٍ أنْ يُصلِّيَ بالنَّاس)) فلمَّا دخل في الصلاة وجَدَ رسولُ الله ێ في
نَفْسِه ◌ِفَةً، فقامَ يُهادَى بينَ رجلَينِ ورِجْلاه ◌َخُطّان الأرضِ حتَّى دخل المسجدَ، فلمَّا سَمِعَ أبو
بكرٍ حِسَّه، ذهبَ أبو بكرٍ بتأخّرُ، فأومَاً إليه رسولُ اللهِوَّةِ، فجاءَ رسولُ اللهِوَِّ حَتَّى جَلَسَ عن
يسار أبي بكرٍ، فكان أبو بكرٍ يُصلِّي قائماً، وكان رسولُ الله وَّهِ يُصلِّيّ قاعداً يَقْتَدي أبو بكرٍ بصلاةٍ
رسول الله وَّةِ، والنَّاسُ مُقْتَدُونَ بصلاةٍ أبي بكرٍ ﴾.
قوله: ((باب الرجل يأتُّ بالإمام ويَأْتُمُّ النَّاسُ بالمَأْمُوم)) قال ابن بَطَّال: هذا موافقٌ لقول
مسروقٍ والشَّعبيّ: إنَّ الصُّفوفَ يؤمُّ بعضُها بعضاً، خلافاً للجمهور. قلت: وليس المراد
أنَّهم يأتمّون بهم في التَّبليغِ فقط كما فهمَه بعضهم، بل الخلاف معنَوي، لأنَّ الشَّعْبيَّ قال
فيمن أحرَمَ قبلَ أن يرفعَ الصفّ الذي يليه رُؤوسهم من الرَّكعة: إنَّه أدرَكَها ولو كان
الإمام رفع قبلَ ذلك، لأنَّ بعضَهم لبعضٍ أئمَّة. انتهى، فهذا يدلّ على أنَّه يَرَى أنَّهم
يَتَحمَّلون عن بعضهم بعضَ ما يَتَحمَّلُه الإمامُ.
وأثرُ الشَّعبيّ الأوَّل وَصَلَه عبد الرزاق (٣٦٤٠)، والثاني وَصَلَه ابن أبي شَيْبة
(٢٤٣/١).
ولم يُفصِح البخاري باختياره في هذه المسألة، لأنَّه بدأ بالترجمة الدالّة على أنَّ المراد
بقوله: ((ويأتمُّ الناس بأبي بكر)) أي: أنَّه في مَقام المُبلِّغ، ثمَّ ثَنّى بهذه الرواية التي أطلَقَ فيها
اقتداء الناس بأبي بكر، ورَشَحَ ظاهرَها بظاهر الحديث المعلَّق، فيحتمل أن يكون يَذْهَبُ
إلى قول الشَّعبيّ ويَرَى أنَّ قوله في الرواية الأولى: يُسمِعُ الناس التكبير، لا ينفي كَونَهم

٢٦٦
باب ٦٨ / ح ٧١٣
فتح الباري بشرح البخاري
يأتمُّون به، لأنَّ إسماعَه لهم التكبيرَ جزء من أجزاء ما يأتمُّون به فيه، وليس فيه نفيٌّ لغيره،
ويؤيِّدُ ذلك رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن داود المذكور(١) ووكيع، جميعاً عن
الأعمَشِ، بهذا الإسناد، قال فيه: والناس يأتمُّون بأبي بكر، وأبو بكر يُسمِعُهم.
قوله: ((ويُذكَرُ عن النبيِّي ◌َّ) هذا طرفٌ من حديث أبي سعيد الخُّدريّ قال: رأى
٢٠٥/٢ رسول الله وَّ في أصحابه تأخّراً فقال: / ((تَقدَّموا وائتَمّوا بي، وليأتمّ بكم مَن بعدَكم))
الحديث، أخرجه مسلم وأصحاب السُّنَنِ من رواية أبي نَضْرةَ عنه(٢).
قيل: وإنَّما ذكره البخاري بصيغة التَّمريض، لأنَّ أبا نَضْرةَ ليس على شرطِه لضعفٍ
فيه، وهذا عندي ليس بصواب، لأنَّه لا يَلزَمُ من كَونِه على غير شرطه أنَّه لا يَصلُحُ عنده
للاحتجاج به، بل قد يكونُ صالحاً للاحتجاج به عنده وليس هو على شرطِ ((صحيحه))
الذي هو أعلى شروطِ الصحَّة. والحَقُّ أنَّ هذه الصِّيغةَ لا تَخْتَصُّ بالضَّعيفِ بل قد تُستَعمَلُ
في الصحيحِ أيضاً، بخلاف صيغة الجَزم فإنَّها لا تُستَعمَلُ إلَّا في الصحيح. وظاهره يدلُّ
لمذهب الشَّعبيّ.
وأجاب النَّوَويّ بأنَّ معنى: ((وليأتمّ بكم مَن بعدَكم)) أي: يَقتَدي بكم مَن خلفَكم،
مُستَدِلِينَ على أفعالي بأفعالكم. قال: وفيه جواز اعتماد المأمومِ في مُتَابَعة الإمام الذي لا يراه
ولا يَسمعُه على مُبلِّغ عنه أو صَفِّ قُدّامَه يراه متابعاً للإِمام. وقيل: معناه تَعَلَّمُوا مِنّي
أحكامَ الشَّريعة، وليَتَعلَّمْ منكمُ التابعون بعدَكم، وكذلك أتباعهم إلى انقِراض الدُّنيا.
قوله: «مُرُوا أبا بكر يُصلّي)) كذا فيه بإثبات الياء، وقد تقدَّم توجيه ابن مالك له. ووقع
في رواية الگُشْمِیھنيّ: ((أن يُصلّي)).
قوله: ((مَتَى يقومُ)) كذا وقع للأكثر في الموضعينِ بإثبات الواو، ووَجَّهَه ابن مالك بأنَّه
شَبَّهَ ((مَتَى)) بـ((إذا)) فلم يجزِمْ، كما شَبَّهَ ((إذا)) بـ((مَتَى)) في قوله: ((إذا أخذتما مضاجعكما
(١) الذي سلفت روايته عند المصنف برقم (٧١٢).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣٨)، وأبو داود (٦٨٠)، وابن ماجه (٩٧٨)، والنسائي (٧٩٥).

٢٦٧
باب ٦٩ / ح ٧١٤ -٧١٥
أبواب الجماعة والإمامة
تُكَبِرًا أربعاً وثلاثين))(١) فحَذَفَ الُّون. ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَتَى ما يَقُم))، ولا
إشكالَ فیھا.
قوله: (تَخُطّان الأرض)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُخُطّان في الأرض)). وقد تقدَّمت بقيّة
مباحث الحديث في ((باب حَدِّ المريض)) (٦٦٤) وقولُه في السَّنَدِ: ((الأعمَش عن إبراهيمَ
عن الأسود)) كذا للجميع وهو الصوابُ، وسَقَطَ إبراهيمُ بين الأعمَشِ والأسودِ من رواية
أبي زيد المَروَزيّ، وهو وهمٌّ. قاله الجَيَّانيّ.
٦٩ - باب هل يأخذُ الإمامُ إذا شكَّ بقول الناس
٧١٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن أيوبَ بنِ أبي تميمةَ السَّخْتِيانيِّ،
عن محمَّدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ انصَرَفَ مِنِ اثنتَينٍ، فقال له ذُو اليدينِ:
أقْصِرَتِ الصلاةُ أمْ نَسِيتَ يا رسولَ الله؟ فقال رسولُ الله وَّةِ: ((أصَدَقَ ذُو اليدينِ؟)) فقال
النَّاسُ: نَعَم، فقام رسولُ اللهِوَّهِفِصَلَّى اثنتَيْنِ أُخرَيَيْنِ، ثمَّ سَلَّمَ ثمَّ كَبَّ، فسَجَدَ مثلَ سجودِه أو
أطولَ.
٧١٥ - حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن سَعْد(٢) بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمة، عن
أبي هريرة، قال: صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ الظُّهرَ رَكْعَتَيْنِ، فِقِيلَ: صلَّيتَ رَكْعَتَيْنٍ، فصَلَّى رَكْعتَينٍ، ثمَّ
سَلَّم، ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَينِ.
قوله: ((باب هل يأخذُ الإمام إذا شكَّ بقول النَّاس)) أورَدَ فيه قصَّةَ ذي اليدينِ في السَّهو،
وسيأتي الكلام عليها في موضعه (١٢٢٧-١٢٢٩).
قال الزَّين بن المنيِّر: أراد أنَّ محلّ الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمام شاكّاً، أمَّا
إذا كان على يقينٍ من فعل نفسِه فلا خلافَ أنَّه لا يَرجِعُ إلى أحد، انتهى.
وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون ﴿ ﴿ شكَّ بإخبار ذي اليدينِ، فسألهم إرادة تَيقُّن أحد
(١) سيأتي برقم (٣٧٠٥).
(٢) تحرف في (س) إلى: سعيد.

٢٦٨
باب ٧٠ / ح ٧١٦
فتح الباري بشرح البخاري
الأمرَين، فلمَّا صَدَّقوا ذا اليدينِ عَلِمَ صِحَّةَ قوله، قال: وهذا الذي أراد البخاريُّ بتبويِهِ.
وقال ابن بَطَّال بعد أن حكى الخلاف في هذه المسألة: حمل الشافعيُّ رجوعه عليه
الصلاةُ والسلامُ على أنَّه تَذَكَّرَ فَذَكر، وفيه نظرٌّ، لأنَّه لو كان كذلك لَبَّنه عليه الصلاة
والسلام لهم ليرتفع اللَّبسُ، ولو بيَّنَه لَنُقِل، ومَن ادَّعَى ذلك فليَذكُرْه.
قلت: قد ذكره أبو داود (١٠١٢) من طريق الأوزاعيّ، عن الزّهريِّ، عن سعيد
وعُبيد الله، عن أبي هريرة بهذه القصَّة قال: ولم يَسجُد سَجدَتَ السَّهو حتَّى يَقَّنَه الله ذلك.
٧٠ - باب إذا بَكى الإمامُ في الصلاة
٢٠٦/٢
وقال عبدُ الله بنُ شدَّادٍ: سمعتُ نَشِيجَ عمرَ وأنا في آخِرِ الصُّفوفِ يَقْرَأُ ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَغِى
وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: ٨٦].
٧١٦- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن
عائشةَ أمِّ المؤمنين، أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّه قال في مرضِه: ((مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّ بالناس)) قالت عائشةُ:
قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ من البكاءِ، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ بالناس، فقال:
((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ للنَّاس)) فقالت عائشةُ: فقلتُ لحفصةَ: قُولي له: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في
مَقامك، لم يُسْمِعِ النَّاسَ من البكاءِ، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للنَّاس، ففَعَلتْ حفصةُ فقال رسولُ الله
وَّه: «مَهْ! إنكنَّ لأنتُنَّ صواحبُ يوسفَ! مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ للنَّاس)) فقالت حفصةُ لعائشةً:
ما كنتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خيراً.
قوله: ((باب إذا بَكَى الإمام في الصلاة)) أي: هل تَفسُدُ أو لا؟ والأثرُ والخبرُ اللَّذان في
الباب يدلَّان على الجواز، وعن الشَّعبيِّ والنَّخَعيِّ والثَّوريِّ: أنَّ البكاءَ والأنينَ يُفسِدُ
الصلاة، وعن المالكيَّة والحنفيَّة: إن كان لِذِكْر النار والخوفِ لم يُفسِد، وفي مذهبٍ
الشافعيِّ ثلاثة أوجُه: أصحّها إن ظَهَرَ منه حرفان أفسَدَ، وإلا فلا.
ثانيها - وحُكيَ عن نصّه في ((الإملاء)) -: أنَّه لا يُفسِدُ مُطلَقاً، لأنَّه ليس من جنسِ
الكلام، ولا يكادُ يَبينُ منه حرفٌ مُقَّق، فأشبَهَ الصوتُ الغَفَلَ.

٢٦٩
باب ٧٠ / ح ٧١٦
أبواب الجماعة والإمامة
ثالثُها: عن القَفّال إن كان فمُه مُطبقاً لم يُفسِد، وإلَّا أَفسَدَ إِن ظَهَرَ منه حرفان، وبه قطع
المتولِي. والوجه الثاني أقوى دليلاً.
فائدة: أطلَقَ جماعةٌ التَّسويةَ بين الضَّحِكِ والبكاء، وقال المتولِّ: لعلَّ الأظهَرَ في
الضَّحِكِ البُطْلَانُ مُطلَقاً، لما فيه من هَتْكِ حُرمة الصلاة، وهذا أقوى من حيثُ المعنى،
والله أعلم.
قوله: ((وقال عبد الله بن شدَّاد)) أي: ابن الهاد، وهو تابعيُّ كبيرٌ، له رُؤية ولأبيه صُحبة.
قوله: ((سمعت نَشيجَ عمرَ)) النَّشيج بفتح النُّون وكسر المعجَمة وآخره جيم، قال ابن
فارس: نَشَجَ الباكي يَنشِجُ نَشيجاً: إذا غَصَّ بالبكاء في حَلْقِه من غير انتحاب. وقال
الفَرَويُّ: النَّشيجُ: صوت معه ترجيعٌ، كما يُرَدِّدُ الصبيُّ بكاءَه في صَدرِه. وفي ((المحكم)):
هو أشَدُّ البكاء.
وهذا الأثرُ وَصَلَه سعید بن منصور(١) عن ابن ◌ُیینة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد،
سمع عبد الله بن شدَّاد بهذا، وزاد: في صلاة الصبح. وأخرجه ابن المنذر (٢٥٦/٣ -٢٥٧)
من طريق عبيد بن عُمَير، عن عمر نحوَه، وقد تقدَّم الكلامُ على حديث أبي بكر (٦٦٤)
وقولُه فيه: من البكاء، أي: لأجل البكاء.
وفي الباب حديث عبد الله بن الشِّخّير: رأيت رسولَ الله وَّه يُصلِّي بنا وفي صَدْرِهِ أزيزٌ
كأزيز المِرِجَل من البكاء، رواه أبو داود (٩٠٤) والنَّسائيّ (١٣/٣) والتِّرمِذيُّ في ((الشَّمائل))
(٣١٥)، وإسناده قويٌّ، وصحَّحه ابن خُزيمة (٩٠٠) وابن حِبَّان (٦٦٥) والحاكمُ
(٢٦٤/١)، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ مسلماً أخرجه. والمِرِجَلُ بكسر الميمِ وفتح الجيمِ: القِدر إذا
غَلت، والأزيزُ بفتح الهمزة بعدها زايٌ ثمَّ تحتانيَّة ساكنة ثمَّ زايٌ أيضاً: هو صوتُ القِدْرِ
إذا غَلَت، وفي لفظ: كأزيز الرَّحَى.
(١) وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٧١٦) من هذا الطريق، وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥٥/١ عن ابن
عُليّة، عن إسماعيل بن محمد. وأخرجه من طريق سعيد بن منصور البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) (٢٠٥٧).

٢٧٠
باب ٧١ / ح ٧١٧
فتح الباري بشرح البخاري
٧١- باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
٧١٧ - حذَّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثني شُعْبةُ، قال: حدَّثني عَمُرُو بنُ
مُرّة، قال: سمعتُ سالمَ بنَ أبي الجَعْدِ، قال: سمعتُ النُّعْمانَ بنَ بشيرٍ يقول: قال النبيُّ ◌َّ:
(لتُسَوِّنَّ صُفُوفَكم، أو لَيُّخالِفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم)).
٢٠٧/٢ قوله: ((باب تَسْوية الصُّفوف عندَ الإقامةِ وبعدَها)) ليس في حديثَي الباب دلالة على
تقييد التَّسوية بما ذَكَر، لكن أشارَ بذلك إلى ما في بعض الطّرق كعادتِهِ، ففي حديث النُّعمان
عند مسلم (٤٣٦ /١٢٨): أنَّه ◌ِ لّه قال ذلك عندما كاد أن يُكبِّرِ، وفي حديث أنسٍ في الباب
الذي بعد هذا: أُقيمت الصلاةُ فأقبَلَ علينا فقال.
قوله: (لتُسَوُّنَ)) بضمِّ التاء المثنَّاة وفتح السِّين وضمِّ الواو المشدّدة وتشديد النُّون،
وللمُستَمْلِي: ((لتُسَوّون)) بواوَين. قال البَيْضاويّ: هذه اللََّّمُ هي التي يُتلقَّى بها القَسَمُ،
والقَسَمُ هنا مُقدَّر، ولهذا أكَّدَه بالنُّون المشدَّدة. انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى من رواية
أبي داود (٦٦٢) قريباً إبراز القَسَمِ في هذا الحديث.
قوله: ((أو لَيُخالفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم)) أي: إن لم تُسَوّوا، والمراد بتسوية الصُّفوف:
اعتدال القائمينَ بها على سَمْتٍ واحد، أو يُرادُ بها سَدّ الخَلَل الذي في الصفِّ كما سيأتي.
واختُلِفَ في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقتِهِ، والمرادُ تسوية الوجه بتحويل خَلْقِه
عن وضعِه بجَعْلِه موضع القَفَا أو نحو ذلك، فهو نَظِيرُ ما تقدَّم من الوعيد فيمن رفع رأسه
قبلَ الإمام أن يجعلَ الله رأسَه رأس حمار (٦٩١).
وفيه من اللَّطائفِ: وقوع الوعيد من جنسِ الجِناية وهي المخالَفةُ، وعلى هذا فهو
واجب، والتَّفريطُ فيه حرامٌ، وسيأتي البحث في ذلك في ((باب إثمٍ مَن لم يُتِمَّ الصُّفوف))
قريباً (٧٢٤)، ويؤيِّدُ حملَه على ظاهرِهِ حديثُ أبي أُمامةَ بلفظ: ((لتُسَوُّنَّ الصُّفوف أو
لتُطْمَسَنَّ الوجوهُ))، ولهذا قال ابن الجَوْزيّ: الظاهرُ أنَّه مثلُ الوعيد المذكور في قوله تعالى:
﴿مِّن قَبْلِ أَن تَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَىَ أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. وحديث أبي أُمامةَ أخرجه

٢٧١
باب ٧١ / ح ٧١٨
أبواب الجماعة والإمامة
أحمد (٢٢٢٢٥)، وفي إسناده ضعفٌ، ومنهم مَن حمله على المجاز.
قال النَّوَويّ: معناه يُوقِعُ بينكم العَداوة والبغضاء واختلافَ القُلوب، كما تقول: تَغيَّر
وجهُ فلانٍ عليَّ، أي: ظَهَرَ لي من وجهِه كراهية، لأنَّ مُخَالَفتَهم في الصُّفوفِ مُخالَفةٌ في
ظواهرِهم، واختلافَ الظَّواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيِّدُه رواية أبي داود وغيره
بلفظ: ((أو ليُخالفَنَّ الله بين قُلوبِكم))(١) كما سيأتي قريباً.
وقال القُرطبيّ: معناه تفترقون فيأخذُ كلُّ واحدٍ وجهاً غيرَ الذي أخَذَ صاحبُه، لأنَّ
تقدُّمَ الشَّخصِ على غيره مَظِنَّةٌ للكِبْرِ المُفسِد للقلبِ الدّاعي إلى القطيعة.
والحاصلُ أنَّ المراد بالوجه إن مُلَ على العضوِ المخصوصِ فالمخالَفة إمَّا بحَسَبٍ
الصورة الإنسانيَّة أو الصِّفة أو جعْل القُدّام وراءً، وإن حُلَ على ذات الشَّخصِ فالمخالفة
بِحَسَبِ المقاصد. أشار إلى ذلك الکِرْمانيّ.
ويحتمل أن يُراد بالمخالَفة في الجزاء فيجازي المسوِّيَ بخيرٍ ومَن لا يُسوِّي بشرِّ.
٧١٨- حدّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهِيَبٍ، عن أنسٍ،
أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((أَقِيمُوا الصُّفوفَ، فإنّ أراكم خلفَ ظهرِي)).
[طرفه في: ٧٢٥،٧١٩]
قولُه في حديث أنس: ((أَقِيمُوا)) أي: عَدِّلوا، يقال: أقامَ العودَ: إذا عَدَّلَه وسَوّاه.
قوله: ((فإنّ أراكم)) فيه إشارة إلى سبب الأمرِ بذلك، أي: إنَّما أمَرْتُ بذلك لأنّ تَحَقَّقت
منكم خلافَه. وقد تقدَّم القولُ في المراد بهذه الرواية في ((باب عِظة الإمام الناسَ في إتمام
الصلاة)) (٤١٨)، وأنَّ المختارَ حملُها على الحقيقة، خلافاً لمن زَعَمَ أنَّ المراد بها خَلْقُ عِلمٍ
ضروريّ له بذلك ونحو ذلك.
قال الزَّين بن المنيِّر: لا حاجةَ إلى تأويلها، لأنَّه في معنى تعطيل لفظ الشارعِ من غير
(١) أخرجه بهذا اللفظ غيرُ أبي داود (٦٦٢): أحمدُ (١٨٤٣٠)، وابن خزيمة (١٦٠)، وابن حبان (٢١٧٦)،
والبيهقي ٧٦/١ و١٠٠/٣.

٢٧٢
باب ٧٢-٧٣ / ح ٧١٩ -٧٢١
فتح الباري بشرح البخاري
ضرورة. وقال القُرطبيّ: بل حَملُها على ظاهرِها أَولى، لأنَّ فيه زيادةً في كرامة النبيِّ وَلّ.
٢٠٨/٢
٧٢ - باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف
٧١٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رجاءٍ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدّثنا زائدةُ بنُ
قُدامة، قال: حدَّثنا مُميدٌ الطَّويلُ، حدَّثنا أنس بن مالك، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فأقبَلَ علينا
رسولُ الله ◌َّه بوجهِهِ، فقال: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُوا، فإنِّي أراكم من وراءِ ظهرِي)).
قوله: ((باب إقبال الإمام على النَّاس عندَ تَسْوية الصُّفوف)) أورَدَ فيه حديثَ أنس الذي
في الباب قبله، وقد تقدَّم الكلامُ علیه فيه.
قوله: ((حدَّثنا معاوية بن عَمْرو)» هو من قُدَماء شيوخ البخاري، وروی له هنا بواسطة،
فكأنَّه لم يسمعْه منه، وإنَّما نزل فيه لما وقع في الإسناد من تصريح حميدٍ بتحديث أنسٍ له،
فأُمِنَ بذلك تدليسه.
قوله: ((وتَراصُوا)) بتشديد الصاد المهمَلة، أي: تَلاصَقوا بغير خَلَل، ويحتمل أن يكون
تأكيداً لقوله: ((أقيموا))، والمراد بـ((أقيموا)): سَوُّوا، كما وقع في رواية مُعتَمِر (١) عن حميدٍ عند
الإسماعيليِّ بدلَ ((أقيموا)): ((اعتَدِلو!)).
وفيه جوازُ الكلام بين الإقامة والدُّخول في الصلاة، وقد تقدَّم في بابٍ مُفرَد (٦٤٣)،
وفيه مُراعاةُ الإمام لرعيَّتِه، والشَّفَقَةُ عليهم، وتحذيرُهم من المخالَفة.
٧٣ - باب الصفّ الأول
٧٢٠ - حدَّثنا أبو عاصم، عن مالكِ، عن سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال
النبيُّ نَّةَ: ((الشُّهَداءُ: الغَرِقُ، والمطعُونُ، والمبطُونُ، والهَدِمُ».
٧٢١ - وقال: لو يعلمونَ ما في التَّهْجِيرِ لاستَبَقُوا إليه، ولو يعلمونَ ما في العَتَمةِ والصُّبح
لأَنَوْهُما ولو حَبْواً، ولو يعلمونَ ما في الصفِّ المقدَّمِ لاستَهَمُوا)).
(١) في (ع) و(س): مَعْمَر، وكلاهما يروي عن حميد الطويل، وهما ثقتان.

٢٧٣
باب ٧٤ / ح ٧٢٢ - ٧٢٣
أبواب الجماعة والإمامة
قوله: ((باب الصفّ الأوَّل)) المراد به ما يَلِي الإمامَ مُطلَقاً، وقيل: أوَّلُ صَفِّ تامّ يَلِي
الإمام، لا ما تَخلَّلَه شيءٌ كمقصورة. وقيل: المراد به مَن سبق إلى الصلاة ولو صلَّى آخرَ
الصُّفوف، قاله ابن عبد البَرِّ، واحتَجَّ بالاتّفاق على أنَّ مَن جاءَ أوَّلَ الوقت ولم يدخل في
الصفِّ الأوَّلِ فهو أفضلُ ممَّن جاءَ في آخره وزاحَمَ إلیه، ولا حُجَّةً له في ذلك كما لا يخفى.
قال النَّوَويّ: القولُ الأوَّلُ هو الصحيحُ المختارُ، وبه صَرَّحَ المحقّقون، والقولان
الآخران غلطٌ صریح، انتهى.
وكأنَّ صاحبَ القول الثاني لَحَظَ أنَّ المطلَقَ ينصرفُ إلى الكامل، وما فيه خَلَلٌ فهو
ناقص، وصاحب القول الثالثِ لَحَظَ المعنى في تفضيل الصفِّ الأوَّلِ دون مراعاة لفظه.
وإلى الأوَّلِ أشارَ البخاري، لأنَّه تَرجَمَ بالصفِّ الأوَّل، وحديث الباب فيه الصفّ المقدَّمُ
وهو الذي لا يَتَقدَّمُه إلَّا الإمامُ، قال العلماءُ: في الحضِّ على الصفِّ الأوَّل المسارَعةُ إلى
خلاص الذِّمَّة، والسَّبقُ لدخول المسجد، والقُرب من الإمام، واستماع قراءته والتعلُّم منه،
والفتح عليه، والتَّبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارَّة بين يديه، وسلامة البال من رُؤية
مَن يكونُ قُدّامَه، وسلامة موضع سجودِه من أذيال المصلِّين.
٧٤- بابٌ إقامةُ الصفِّ من تمام الصلاة
٢٠٩/٢
٧٢٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّامِ،
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َِّ، أَنَّه قال: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتلِفُوا عليه، فإذا
رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا،
وإذا صَلَّى جالساً فصَلُّوا جلوساً أجمعُون، وأقِيمُوا الصُّفوف في الصلاة، فإنَّ إقامةَ الصفِّ
من حُسْنِ الصلاةِ».
[طرفه في: ٧٣٤]
٧٢٣- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن قَتَادة، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال:
((سَوُوا صُفُوفَكم، فإنَّ تَسْوِيةَ الصُّفوفِ من إقامةِ الصلاةِ)).

٢٧٤
باب ٧٤ / ح ٧٢٢ - ٧٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ إقامة الصفِّ من تمام الصلاة)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ
ليُؤتَمَّ به)) وسيأتي الكلامُ عليه في ((باب إيجاب التكبير)) قريباً (٧٣٤)، وفي آخره هنا:
((وأقيموا الصُّفوف)) إلى آخره، وهو المقصودُ بهذه الترجمة، وقد أفرَدَه مسلم (٤١٤ و ٤٣٥)
وأحمد (٨١٥٦ و٨١٥٧) وغيرهما من طريق عبد الرزاق المذكورة عمّا قبلَه، فجعلوه حدیثین.
قوله: ((من حُسْن الصلاة)) قال ابن رُشَيد: إنَّما قال البخاري في الترجمة: ((من تمام
الصلاة)) ولفظ الحديث: ((من حُسْن الصلاة)) لأنَّه أراد أن يُبيِّنَ أنَّه المرادُ بالحُسن هنا، وأنَّه
لا يعني به الظاهرَ المرئيّ من الترتيب، بل المقصود منه الحُسن الخُكميّ بدلیل حديث
أنس، وهو الثاني من حديثَي الباب حيثُ عَبَّرَ بقوله: ((من إقامة الصلاة)).
قولُه في حديث أنس: ((فإنَّ تَسْوية الصُّفوف)) وفي رواية الأَصِيليِّ: ((الصفّ)) بالإفراد،
والمراد به الجنس.
قوله: ((من إقامة الصلاة)) هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد، وذكره غيرُه عنه بلفظ:
((من تمام الصلاة)). كذلك أخرجه الإسماعيليّ عن أبي خليفة(١)، والبيهقيُّ (٩٩/٣) من
طريق عثمان الدّارميّ كلاهما عنه، وكذلك أخرجه أبو داود (٦٦٨) عن أبي الوليد
وغيره(٢)، وكذا مسلم وغيره من طريق جماعةٍ عن شُعْبة(٣)، وزاد الإسماعيليّ(٤) من طريق
أبي داود الطَّالسيّ: قال: سمعت شعبة يقول: داهَنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة:
أسمعتَه من أنس أم لا؟ انتهى. ولم أرَه عن قتادة إلَّا مُعَنعَناً(٥)، ولعلَّ هذا هو السرُّ في إيراد
(١) تحرف في (ع) إلى: أبي حنيفة، وفي (س) إلى: ابن حذيفة. وقد أخرجه أيضاً ابن حبان (٢١٧٤) عن أبي
خليفة، وهو الفضل بن الحباب.
(٢) يعني: سليمان بن حرب.
(٣) أخرجه مسلم (٤٣٣)، وأحمد (١٢٨١٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) ومن طريق أبي داود الطيالسي أخرجه أيضاً أبو يعلى (٣٢١٣)، وفيه قول شعبة المذكور.
(٥) لكن رواه أحمد (١٣٧٣٥)، والنسائي (٨١٥) من طريق أبان بن يزيد العطّار، عن قتادة، قال: حدثنا
أنس، أن نبي الله پے قال: «رامُّوا صفوفکم، وحاذوا بالأعناق)). زاد أحمد في روايته: «فوالذي نفس
محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خَلَلِ الصفِّ كأنها الحَذَفُ)).

٢٧٥
باب ٧٥ / ح ٧٢٤
أبواب الجماعة والإمامة
البخاري لحديث أبي هريرة معه في الباب تقويةً له.
واستدلَّ ابن حَزْم بقوله: ((إقامة الصلاة)) على وجوب تسوية الصُّفوف، قال: لأنَّ
إقامةَ الصلاة واجبة، وكلَّ شيءٍ من الواجبِ واجبٌ. ولا يخفى ما فيه، ولا سيّما وقد بَيّنّا
أنَّ الرُّواةَ لم يَتَّفِقوا على هذه العبارة.
وتمسَّكَ ابن بَطَّل بظاهر لفظ حديث أبي هريرة فاستَدلَّ به على أنَّ التَّسويةَ سُنَّةٌ، قال:
لأنَّ حُسنَ الشيءِ زيادة على تمامه، وأورَدَ عليه رواية: ((من تمام الصلاة)).
وأجاب ابن دَقِيق العيد فقال: قد يُؤْخَذُ من قوله: ((تمام الصلاة)) الاستحبابُ، لأنَّ تمامَ
الشيءٍ في العُرفِ أمر زائد على حقيقتِه التي لا يَتحقَّقُ إلَّا بها، وإن كان يُطلَقُ بحَسَبٍ
الوَضْع على بعض ما لا تَتِمُّ الحقيقةُ إِلَّ به، كذا قال، وهذا الأخذ بعيد، لأنَّ لفظَ الشارعِ لا
يُحمَلُ إِلَّا على ما دلَّ عليه الوَصْع في اللِّسان العربي، وإنَّما يُحمَلُ على العُرفِ إذا ثَبَتَ أنَّه
عُرْفُ الشارعِ لا العرفُ الحادثُ.
تنبيه: لفظ الترجمة أورَدَه عبد الرزاق (٢٤٢٥) من حديث جابر.
٧٥ - باب إثم من لم يُتمَّ الصفوف
٢١٠/٢
٧٢٤- حدَّثنا معاذُ بنُ أسدٍ، قال: أخبرنا الفضلُ بنُ موسى، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ عُبيدٍ
الطَّائِيُّ، عن بُشَسيِرِ بنِ يسارِ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّه قَدِمَ المدينة، فقِيلَ له: ما أنكَرْتَ
منذُ يومٍ عَهِدْتَ رسولَ الله ◌ََّ؟ قال: ما أنكَرْتُ شيئاً إِلَّا أَنَّكم لا تُقِيمُونَ الصُّفوفَ.
وقال عُقْبةُ بنُ عُبيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ: قَدِمَ علينا أنسُ بنُ مالكِ المدينةَ، بهذا.
قوله: ((باب إثمٍ مَن لم يُتِمَّ الصُّفوفَ)) قال ابن رُشَيد: أورَدَ فيه حديث أنس: ما أنكَرت
شيئاً إلَّا أنَّكم لا تُقِيمون الصُّفوف. وتُعُقِّبَ بأنَّ الإنكارَ قد يقعُ على تركِ السُّنَّة فلا يدلُّ
ذلك على حصول الإثم، وأُجيبَ بأنَّه لعلَّه حمل الأمرَ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرٍِ﴾ [النور: ٦٣] على أنَّ المراد بالأمرِ الشَّأنُ والحالُ، لا مُجرَّدُ الصِّيغة، فيَلزَمُ

٢٧٦
باب ٧٥ / ح ٧٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
منه أنَّ مَن خالَفَ شيئاً من الحال الذي كان ◌َّ عليها أن يأثَمَ، لما يدلَّ عليه الوعيدُ المذكورُ
في الآية، وإنكار أنس ظاهرٌ في أنَّهم خالَفوا ما كانوا عليه في زَمَنِ رسول الله وَلّم من إقامة
الصُّفوف، فعلى هذا تَستَلِمُ المخالَفةُ التأثيمَ. انتهى كلامُ ابن رُشَيد مُلخَّصاً، وهو ضعيفٌ،
لأنَّه يُفضي إلى أن لا يَبقَى شيءٌ مسنون، لأنَّ التأثيمَ إِنَّمَا يَحَصُلُ عن تركِ واجبٍ.
وأمَّا ما قال ابن بَطَّالٍ: إنَّ تسوية الصُّفوف لمَّا كانت من السُّنَنِ المندوب إليها التي
يَسْتَحِقُّ فاعلُها المدحَ عليها دلَّ على أنَّ تاركَها يَستَحِقُّ الذمَّ. فهو مُتَعقَّبٌ من جهة أنَّه لا
يَلْزَمُ من ذَمِّ تاركِ السُّنَّة أن يكون آثماً. سَلَّمنا، لكن يَرِدُ عليه التعقُّب الذي قبلَه. ويحتمل
أن يكون البخاري أخَذَ الوجوب من صيغة الأمرِ في قوله: ((سَوُّوا صفوفَكم)) (١)، ومن
عموم قوله: ((صَلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّ))(٢)، ومن وُرودِ الوعيد على ترْكِهِ(٣)، فَرَجَحَ عنده
بهذه القرائنِ أنَّ إنكارَ أنس إنَّما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكارُ قد يقعُ على تركِ
السُّنَن، ومع القول بأنَّ التَّسويةَ واجبة فصلاة مَن خالَفَ ولم يُسَوِّ صحيحةٌ لاختلاف
الجهتين، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ أنساً مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وأفرَطَ ابن حَزْم فجَزَمَ بالبُطْلان، ونازَعَ مَن اذَّعَى الإجماع على عدمِ الوجوب بما صَحَّ
عن عمر أنَّ ضَرَبَ قَدَمَ أبي عثمان النَّهْديّ لإقامة الصفِّ(٤)، وبما صَحَّ عن سُوَيدِ بن غَفَلَةَ
قال: كان بلالٌ يُسوِّي مَناكبنا ويضربُ أقدامَنا في الصلاة(٥). فقال: ما كان عمر وبِلال
يضربان أحداً على تركِ غير الواجبِ، وفيه نظرٌ، لجواز أنَّهما كانا يَرَيان التَّعزيرَ على تركِ
السُّنَّة.
قوله: ((ُشَير)) هو بالمعجَمة مُصفَّر.
(١) سلف برقم (٧٢٣).
(٢) سلف برقم (٦٣١).
(٣) سلف برقم (٧١٧).
(٤) وانظر ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٤٣٦)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥٢/١.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٤٣٥)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٥٢. ومُسَدَّدٌ كما في ((إتحاف الخيرة)) (١٧٥٥).

٢٧٧
باب ٢٦ / ح ٧٢٥
أبواب الجماعة والإمامة
قوله: ((ما أنكَرْتَ منذُ يوم عَهِدْت)) في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ: ما أنكَرتَ منَّا
منذُ عَهِدتَ.
قوله: ((وقال عُقْبة بن عُبيد)) هو أبو الرَّحّال بفتح الرَّاء وتشديد الحاء المهمَلة، وهو أخو
سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبلَه، وليس لعُقبةَ في البخاريِّ إلَّاهذا الموضع المعلَّق،
وأراد به بيان سماع بُشَير بن يسار له من أنس، وقد وَصَلَه أحمد في ((مسنده) (١٢١٢٤) عن
يحيى القَطّان عن عُقبة بن عبيد الطَّائيّ حدَّثني بُشَير بن يسار قال: جاءَ أنس إلى المدينة
فقلنا: ما أنكَرت منَّا من عهدٍ رسول الله وََّ؟ قال: ما أنكَرتُ منكم شيئاً غير أنَّكم لا
تُقيمون الصُّفوف.
تنبيه: هذه القَدْمة لأنسٍ غيرُ القَدْمة التي تقدَّم ذِكرُها في ((باب وقت العصر)) (٥٤٨)،
فإنَّ ظاهر الحديث فيها أنَّه أنكَرَ تأخير الظُّهر إلى أوَّلِ وقت العصر كما مضى، وهذا الإنكار
أيضاً غيرُ الإنكار الذي تقدَّم ذِكْره في ((باب تضييع الصلاة عن وقتها)) (٥٢٩) حيثُ قال:
لا أعرِفُ شيئاً مَّا كان على عهدِ النبيِّي ◌َّهِ إِلَّا الصلاة، وقد ضُيِّعَت. فإنَّ ذاكَ كان بالشام
وهذا بالمدينة، وهذا يدلُّ على أنَّ أهلَ المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثَلَ من غيرهم في
التمسُّكِ بالسُّنَن.
٧٦- باب إلزاق المنَكِب بالمنكِب والقدَم بالقدم في الصفِّ
٢١١/٢
وقال التُّعمانُ بنُ بشيرٍ: رأيتُ الرجلَ منَّا يُلزِقُ كعبَه بکعبٍ صاحبِهِ.
٧٢٥ - حدَّثنا عَمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّ، قال:
(أَقِيمُوا صُفُوفَكم، فإنّ أراكُم من وراءِ ظهري))، وكان أحدُنا يُلزِقُ مَنكِبَه بمَنكِبٍ صاحبِهِ،
وقَدَمَه بِقَدَمِه.
قوله: ((باب إِلْزاق المَنكِب بالمَنكِبِ والقَدَمِ بالقَدَمِ في الصف» المراد بذلك المبالغة في
تعديل الصفّ وسَدِّ خَلَلِه، وقد وَرَدَ الأمرُ بسَدِّ خَلَلِ الصفّ والتَّرغيب فيه في أحاديثَ
كثيرةٍ، أجمعُها حديث ابن عمر عند أبي داود (٦٦٦) وصحَّحه ابن خُزَيمة (١٥٤٩)

٢٧٨
باب ٢٦ / ح ٧٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
والحاكمُ (٢١٣/١) ولفظُه: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قال: ((أقيموا الصُّفوف، وحاذُوا بين
المناكبِ، وسُدُّوا الْخَلَل، ولا تَذَروا فُرُجاتٍ للشيطان، ومَن وَصَلَ صَفّاً وَصَلَه الله، ومَن
قطع صَفّاً قطعه الله)).
قوله: ((وقال النُّعْمان بن بَشِير)) هذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه أبو داود (٦٦٢) وصحَّحه
ابن خُزيمة (١٦٠) من رواية أبي القاسم الجَدَلِيِّ - واسمُه حسين بن الحارث(١) - قال:
سمعت النُّعمان بن بشير يقول: أقبَلَ رسولُ اللهِ وَّر على الناس بوجهِه فقال: ((أقيموا
صفوفكم - ثلاثاً - والله لتُقيمُنَّ صفوفكم أو لَيخالفَنَّ الله بين قُلوبِكم)) قال: فلقد رأيتُ
الرجلَ منَّا يُلِزِقُ مَنكِبه بمَنکِبٍ صاحبِه و کعبَه بكعبِه.
واستُدِلَّ بحديث التُّعمان هذا على أنَّ المراد بالكعب في آية الوضوءِ: العظم الناتئ في
جانبَي الرِّجلِ - وهو عند مُلتَقَى الساق والقَدَم - وهو الذي يُمكِنُ أن يَلزقَ بالذي بجَنِهِ،
خلافاً لمن ذهب إلى(٢) أنَّ المراد بالكعب مُؤخَّر القَدَم، وهو قولٌ شاذٌّ يُنسَبُ إلى بعض
الحنفيَّة، ولم يُثبِته مُحقِّقوهم، وأثبَتَه بعضهم في مسألة الحجِّ لا الوضوء، وأنكَرَ الأصمَعيّ
قول مَن زَعَمَ أنَّ الكعبَ في ظَهر القَدَم.
قوله: ((عن أنس)) رواه سعيد بن منصور عن هُشَيمٍ فصَرَّحَ فيه بتحديث أنس لحميدٍ (٣)،
وفيه الزّيادةُ التي في آخره، وهي قوله: وكان أحدنا ... )) إلى آخره(٤). وصَرَّحَ بأنَّها من قول
أنس. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية مَعمَر عن حميدٍ بلفظ: قال أنس: فلقد رأيت أحدنا))
إلى آخره، وأفاد هذا التصريحُ أنَّ الفعلَ المذكور كان في زَمَنِ النبيِّي وَلِّهِ، وبهذا يَتِمُّ
(١) تحرف في الأصلين إلى: حريث. وجاء في (س) على الصواب.
(٢) كلمة ((إلى)) سقطت من (س).
(٣) وكذلك وقع تصريح حميد بسماعه له من أنس عند أحمد (١٣٧٧٨)، لكن دون الزيادة التي في آخره من
قول أنس.
(٤) وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٥١ عن هشيم بن بشير، قال: أخبرنا حميد، عن أنس. كرواية معمر
تماماً.

٢٧٩
باب ٧٧ / ح ٧٢٦
أبواب الجماعة والإمامة
الاحتجاجُ به على بيان المراد بإقامة الصفِّ وتسويَتِهِ، وزاد مَعمَرٌ في روايته: ولو فعلتُ
ذلك بأحدهم اليومَ لنَفَرَ كأَنَّه بَغلٌ شَمُوس (١).
٧٧ - بابٌ إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوَّله الإمامُ
خلفه إلی یمینه ثمَّت صلاتُه
٧٢٦ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعیدٍ، قال: حدّثنا داودُ، عن عمرو بنِ دِینارٍ، عن گُرَیبٍ مولى ابنِ
عَّاسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: صلَّيتُ مع النبيِّ وَّ ذاتَ ليلةٍ فقمتُ عن يساره،
فأخَذَ رسولُ الله ◌َِّ بَرَأْسي من ورائي، فجعلَني عن يمينِهِ، فصَلَّى وَرَقَد، فجاءَه المؤذِّنُ فقامَ
وصَلَّى ولم يتوضَّأْ.
قوله: ((باب إذا قامَ الرجلُ عن يسارِ الإمام وحَوَّلَه الإمامُ خلفَه إلى يمينِه تَمَّت صلاتُه)) تقدَّم
أكثرُ لفظ هذه الترجمة قبلُ بنحوٍ من عشرين باباً (٦٩٨) لكن ليس هناك لفظ: ((خلفَه)) وقال
هناك: (لم تَفسُد صلاتُهما)) بدلَ قولِه: (تَمَّت صلاتُه))، وأخرج هناك حديث ابن عبَّاسٍ هذا
لكن من وجهٍ آخر عنه، ولم يُنبِّ أحد من الشُّاح على حِكْمة هذه الإعادة، بل أسقَطَ بعضهم
الكلامَ على هذا الباب. والذي يظهرُ لي أنَّ حُكمَهما مختلفٌ لاختلاف الجوابين، فقوله: (لم
تَفسُد صلاتُهما)»/ أي: بالعمل الواقع منهما لكَونِه خفيفاً وهو من مصلحة الصلاة.
٢١٢/٢
وقوله: ((تمَّت صلاته)) أي: المأموم، ولا يَضُرُّ وقوفُه عن يسار الإمام أوَّلاً مع كَونِه في
غير موقفه، ولأنَّه معذورٌ بعدمِ العِلم بذلك الحكم. ويحتمل أن يكون الضَّمير للإمام
وتوجيهه أنَّ الإمامَ وحدَه في مَقام الصفِّ، ومُحاوَلته لتحويل المأموم فيه التِفات ببعض
بَدَنِهِ، ولكن ليس تركاً لإقامة الصفِّ للمصلحة المذكورة، فصلاته على هذا لا نقصَ فيها
من هذه الجهة، والله أعلم.
وقال الكِرْمانيّ: ويحتمل أن يكون الضَّمير للرجل، لأنَّ الفاعلَ وإن تأخّرَ لفظاً لكنَّه
مُتَقدِّمٌ رُتبةً، فلكُلِّ منهما قُرْب من وجه.
(١) أخرجه أبو يعلى (٣٧٢) من طريق هشيم، عن حميد.

٢٨٠
باب ٧٨ / ح ٧٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: لكن إذا عاد الضَّميرُ للإمام أفاد أنَّه احتَرَزَ أن يُحوِّلَه من بينِ يديه لئلا يصيرَ
کالمارِّ بین یدیه، والله أعلم.
٧٨ - باب المرأة وحدها تكون صفّاً
٧٢٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إسحاقَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال:
صلَّيتُ أنا ويتيمٌّ في بيتِنا خلفَ النبيِّ ◌َِِّ، وأمّي أمُّ سُلَيمٍ خَلْفَنا.
[طرفه: ٨٧٤]
قوله: ((باب المرأةِ وحدَها تكونُ صَفّا)) أي: في حكم الصف، وبهذا يندفعُ اعتراض
الإسماعيليّ حيثُ قال: الشّخصُ الواحد لا يُسمَّى صَفّاً، وأقلّ ما يقومُ الصفّ باثنين. ثمَّ
إنَّ هذه الترجمةَ لفظ حديث أخرجه ابن عبد البَرِّ من حديث عائشة مرفوعاً: ((والمرأةُ
وحدَها صَفٌّ))(١).
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفي، وإن كان عبد الله بن محمد بن أبي شَيْبة قد
روى هذا الحديث أيضاً عن سفيان، وهو ابن عُيَينة(٢).
قوله: ((عن إسحاق عن أنس)) في رواية الحميديّ(٣) عند أبي نُعيمٍ، وعليّ بن المَدِينيّ
عند الإسماعيليِّ كلاهما عن سفيان قال: حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة أنَّه سمع
أنس بن مالكٍ.
قوله: ((صلَّيت أنا ويتيم)) كذا للجميع، وكذا وقع في ((جزء يحيى بن يحيى)) المشهور(٤)
(١) هذا لم يخرجه ابن عبد البر، ولكنه أورده في ((التمهيد)) ١ / ٢٦٨، وقال فيه: في هذا الباب حديث موضوع
وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ... فذكره،
وقال: وهذا لا يُعرف إلا بإسماعيل هذا.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٨ عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن
أنس، عن أنس
(٣) هو في «مسنده)) (١١٩٤).
(٤) هو الليثي الأندلسي.