النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة ٦٠ - باب إذا طوَّل الإمامُ وكان للرجل حاجةٌ فخرج وصلَّى ٧٠٠- حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرٍو، عن جابرِ بنِ عبدِ الله: أنّ معاذَ بنَ جبلٍ كان يُصلِّي مع النبيِّ وَِّ، ثُمَّ يَرجِعُ فيؤُ قومَه. [أطرافه في: ٧٠١، ٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦] ٧٠١- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرٍو، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله، قال: كان معاذُ بنُ جبلٍ يُصلِّ مع النبيِّ ◌َِّ، ثُمَّ يَرجِعُ فيؤُ قومَه، فصَلَّى العِشاءَ فقرأ بالبقرةِ، فانصَرَفَ الرجلُ، فكانَ معاذٌ يَنالُ منه، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ وَِّ، فقال: (فتّانٌ، فتّانٌ، فتّانٌ)) ثلاث مِرارٍ - أو قال: ((فاتِناً فاتِناً فاتِناً) - وأمَرَه بسورَتَينِ من أوسَطِ المفضَّلِ. قال عَمرٌّو: لا أحفظُهما. قوله: ((باب إذا طَوَّلَ الإمامُ وكان للرجل)) أي: المأموم ((حاجةٌ فخرج وصَلَّى)) وللكُشْمِيهنيٍّ: ((فصلَّ)) بالفاء. وهذه الترجمةُ عكسُ التي قبلها، لأنَّ في الأولى جواز الائتمام بمَن لم يَنِ الإمامة، وفي الثانية جواز قطعِ الائتمام بعد الدُّخول فيه. وأمَّا قولُه في الترجمة: ((فخرج)) فيحتملُ أنَّه خرج من القُدوة أو من الصلاة رأساً، أو ١٩٣/٢ من المسجد. قال ابنُ رُشَيد: الظاهرُ أنَّ المراد خرج إلى مَنزِلِه فصلَّ فيه، وهو ظاهرُ قوله في الحديث: ((فانصَرَفَ الرجلُ). قال: وكان سببُ ذلك قولُه وَّ الذي رآه يُصلِّي: ((أصلاتان معاً؟!))(١) كما تقدَّم. قلت: وليس الواقعُ كذلك، فإنَّ في رواية النَّسائيِّ (٨٣١): فانصَرَفَ الرجلُ فصلَّى في ناحية المسجد. وهذا يحتمل أن يكون قطع الصلاة أو القُدوة، لكن في مسلم (١٧٨/٤٦٥): فانحَرَفَ الرجلُ فسَلَّمَ، ثمَّ صلَی وحدَه. (١) عند ابن خزيمة (١١٢٦)، وانظر شرح الحديث السالف برقم (٦٦٣). ٢٤٢ باب ٦٠ / ح ٧٠٠ -٧٠١ فتح الباري بشرح البخاري واعلم أنَّ هذا الحديث رواه عن جابر عَمْرو بن دينار ومُحارب بن دِثار وأبو الزُّبَير وعبيد الله بن مِقسَم، فرواية عَمْرو للمصنّف هنا عن شُعْبةَ، وفي الأدَبِ (٦١٠٦) عن سَلِيم بن حيَّانَ، ولمسلم (١٧٨/٤٦٥) عن ابن عُيَينةَ ثلاثتهم عنه. ورواية محارِبٍ تأتي بعد بابَينِ (٧٠٥)، وهي عند النَّسائيِّ (٨٣١) مقرونةٌ بأبي صالح. ورواية أبي الزُّبَير عند مسلم (١٧٨/٤٦٥ و١٧٩)، ورواية عبيد الله عند ابن خُزيمة (١٦٣٣ و١٦٣٤)(١)، وله طرقٌ أُخرى غير هذه سأذكر ما يُحتاجُ إليه منها مَعزوّاً، وإنَّما قدَّمت ذِكْر هذه لتَسهُلَ الحَوَالة عليها. قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، والظاهر أنَّ روايتَه عن شُعْبة مختصرة كما هنا، وكذلك أخرجها البيهقيّ (٣/ ٨٥) من طريق محمد بن أيوب الرَّازيّ عنه. وقال الكِرْمانيّ: الظاهرُ من قوله: ((فصلَّى العشاءَ)) إلى آخره، داخل تحت الطريق الأولى، وكان الحامل له على ذلك أنَّها لو خَلت عن ذلك لم تُطابق الترجمة ظاهراً. لكن لقائلٍ أن يقول: مراد البخاري بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادتِه، واستفاد بالطريق الأولى عُلوّ الإسناد، كما أنَّ في الطريق الثانية فائدة التصريح بسماع عَمْرو من جابر. قوله: ((يُصلِّ مع النبيِّ وََّ)) زاد مسلمٌ (١٨٠/٤٦٥) من رواية منصور عن عَمرو: عشاء الآخرة. فكأنَّ العشاءَ هي التي كان يواظِبُ فيها على الصلاة مرَّتَين. قوله: ((ثُمَّ يَرجِعُ فيؤمُ قومه)) في رواية منصور المذكورة: ((فُيُصلِّ بهم تلك الصلاة))، وللمصنِّف في الأدَبِ: ((فيُصلِّ بهم الصلاة)) أي: المذكورة، وفي هذا رَدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ المراد أنَّ الصلاة التي كان يُصلّيها مع النبيِّ وَّلَ غير الصلاة التي كان يُصلّيها بقومِه، وفي رواية ابن عُيَينة: فصلّى ليلةً مع النبيِّ وَِّ العشاءَ، ثمّ أتى قومه فأمَّهم، وفي رواية الحميديّ (١) وفاته أن يعزوَه لأبي داود (٥٩٩). ٢٤٣ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة عن ابن عُيَينة: ثمَّ يَرجِعُ إلى بني سَلِمَةَ فيُصلّيها بهم))(١)، ولا مُخالَفةَ فيه، لأنَّ قومَه هم بنو سَلِمة، وفي رواية الشافعيِّ (٢٠٠/١) عنه: ثمَّ يَرجِعُ فيُصلّيها بقومِه في بني سَلِمة، ولأحمدَ (١٤٣٠٧): ثمَّ یَرجِعُ فیؤمُّنا. ((فصَلَّى العِشاء)» كذا في مُعظَمِ الروايات، ووقع في روايةٍ لأبي عَوَانة (١٧٨١) والطّحاويّ (١/ ٢١٣) من طريق محارب: صلَّى بأصحابه المغرب وكذا لعبد الرزاق (٣٧٢٥) من رواية أبي الزُّبَيرِ(٢)، فإن حُمِلَ على تَعدُّدِ القصَّة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أو على أنَّ المراد بالمغربِ العشاء مجازاً، وإلَّا فما في ((الصحيح)) أصحّ. قوله: ((فقرأ بالبقرة)) استُدلَّ به على مَن يَكرَه أن يقول: البقرةَ، بل يقول: سورة البقرة، لكن في رواية الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن بشّار شيخ البخاري فيه: فقرأ سورةَ البقرة، ولمسلم (١٧٨/٤٦٥) عن ابن عُيَينة نحوه، وللمصنّف في الأدَبِ: فقرأ بهم البقرة. فالظاهر أنَّ ذلك من تصرُّفات الرُّواة، والمرادُ أنَّ ابتَدَأ في قراءتِها، وبه صَرَّحَ مسلم ولفظُه: فافتتح سورة البقرة، وفي رواية تُحارب: فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، على الشَّك، وللسَّاج (١٧٦) من رواية مِسعَر عن محارب: فقرأ بالبقرة والنِّساءِ(٣). كذا رأيته بخطّ الَّكيّ البِرِزاليّ بالواو، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة وفي الثانية بالنِّساء، ووقع عند أحمدَ (٢٣٠٠٨) من حديث بُرَيدة بإسنادٍ قويٍّ: فقرأَ ﴿اقْتَتِ السَّاعَةُ﴾، وهي شاذَّةٌ إِلَّ إن حُلَ على التعدُّد. ولم يقع في شيءٍ من الطّرق المتقدِّمة تسمية هذا الرجل، لكن روى أبو داود الطَّيالسيّ (١) الذي في ((مسند الحميدي)) (١٢٤٦): ثم يرجع فيصليها بقومه. لكن أخرج الحديث أبو عوانة (١٧٧٥) عن بشر بن موسى راوية ((مسند الحميدي)»، عنه، باللفظ الذي أشار إليه الحافظ. (٢) كذا قال الحافظ مع أن رواية أبي الزبير عند عبد الرزاق وغيره كرواية المصنف أي: بذكر العشاء، فقد أخرجها مسلم أيضاً (٤٦٥) وابن ماجه (٩٨٦)، والنسائي (٩٩٨) كلهم بذكر العشاء. لكن روى الحديث بذكر المغرب حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عند الترمذي (٥٨٣)، وابن حبان (١٥٢٤). (٣) وهو عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٦٠٠) من طريق مسعر أيضاً بواو الجمع. ٢٤٤ باب ٦٠ / ح ٧٠٠ -٧٠١ فتح الباري بشرح البخاري في ((مسنده)) والبَزّار(١) من طريقه عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه قال: مَرَّ حَزْم بن أبي كَعْب(٢) بمعاذ بن جبل وهو يُصلِّ بقومِه صلاة العَتَمة، فافتتح بسورةٍ ١٩٤/٢ طويلةٍ ومع حَزمٍ ناضح له، الحديث. / قال البَزّار: لا نَعلَمُ أحداً سمّاه عن جابر إلَّا ابن جابر. انتهى، وقد رواه أبو داود في ((السُّنَن)) (٧٩١) من وجهٍ آخرَ عن طالبٍ فجعلَه عن ابن جابر عن حَزْم صاحب القصَّة، وابن جابر لم يُدرِك حَزْماً، ووقع عنده: صلاة المغرب. وهو نحوُ ما تقدَّم من الاختلاف في رواية محارب. ورواه ابنُ لَيعةَ عن أبي الزُّبَير عن جابر، فسمَّه حازماً وكأنَّه صَخَّفَه، أخرجه ابن شاهين من طريقه. ورواه أحمد والنَّسائيّ وأبو يعلى وابن السَّكَن بإسنادٍ صحيحٍ، عن عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس قال: كان معاذ يؤمُّ قومَه فدخل حرامٌ، وهو يريدُ أن يَسقيَ نَخْلَه(٣)، الحديث. كذا فيه براءٍ بعدها ألفٌ، وظَنَّ بعضُهم أنَّه حرام بن مِلْحانَ خال أنس، وبذلك جَزَمَ الخطيبُ في (المبهَمات))، لكن لم أرَه منسوباً في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحيفاً من حَزمٍ، فَتَجتَمِعُ هذه الرواياتُ، وإلى ذلك يُومِىُّ صنيع ابن عبد البَرِّ، فإنَّه ذكر في الصحابة حَرَام بن أبي كعب(٤) وذكر له هذه القصّة، وعَزا تسميَتَه لرواية عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس، ولم أقِفْ في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنَّه بَنَى على أنَّ اسمَه تصحَّف والأبُ واحد، سمّاه جابر ولم يُسمِّه أنس. وجاءَ في تسميته قول آخر أخرجه أحمد (٢٠٦٩٩) أيضاً من رواية معاذ بن رِفاعة عن رجلٍ من بني سَلِمة يقال له: سُلَيم: أنَّه أتى النبيَّ وَ لَه فقال: يا نبيّ الله، إنّا نَظَلُّ في أعمالنا، فنأتي حين نُمسي فنُصلّي، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه، فيُطوِّلُ علينا ... (١) في ((كشف الأستارعن زوائد البزار)) (٤٨٣)، ومن طريق أبي داود أيضاً أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٢١٧). ولم نقف عليه في المطبوع من ((مسند الطيالسي)). (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبي بن كعب. (٣) أخرجه أحمد (١١٩٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦١٠). (٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبي بن كعب. ٢٤٥ باب ٦٠ / ح ٧٠٠ -٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة الحديث. وفيه أنَّه استُشهِدَ بأُحُد، وهذا مُرسَل، لأنَّ معاذ بن رِفاعة لم يُدرِكه. وقد رواه الطَّحاويّ (٤٠٩/١) والطَّبرانيُّ (٦٣٩١) من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أنَّ رجلاً من بني سَلِمة، فذكره مُرسَلاً، ورواه البَزّار (١) من وجهٍ آخرَ عن جابر، وسمّه سُليماً أيضاً، لكن وقع عند ابن خَزْم(٢) من هذا الوجه أنَّ اسمَه سَلْمٌ بفتح أوَّله وسكون اللَّام، وكأنَّه تصحیف، والله أعلم. وجمع بعضُهم بين هذا الاختلاف بأنَّهما واقعتان، وأَيَّدَ ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاءُ أو المغربُ، وبالاختلاف في السورة هل هي البقرةُ أو ((اقتَرَبَت))، وبالاختلاف في عُذرِ الرجلِ: هل هو لأجل التطويل فقط، لكَونِه جاءَ من العملِ وهو تَعبان، أو لكَونِه أراد أن يَسقيَ نَخلَه إذ ذاكَ، أو لكَونِه خافَ على الماء في النَّخْلِ كما في حديث بُرَیدة. واستُشكِلَ هذا الجمع، لأنَّه لا يُظَنُّ بمعاذ أنَّهِ وَليهِ يأمرُه بالتخفيفِ ثمَّ يعودُ إلى التطويل، ويجابُ عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أوَّلاً بالبقرة، فلمَّ نهاه قرأ («اقتَرَبَت))، وهي طويلةٌ بالنّسبة إلى السّوَرِ التي أمره أن يقرأ بها كما سيأتي، ويحتمل أن يكون النَّهي أوَّلاً وقع لما يُحْشَى من تَنفيرِ بعض مَن يدخلُ في الإسلام، ثمَّ لمَّ اطمَأَنَّت نُفوسُهم بالإسلام ظنَّ أنَّ المانعَ زالَ فقرأ بـ((اقتربت))، لأنَّه سمع النبيّ وَّهِ يقرأُ في المغربِ بالطّور، فصادفَ صاحبَ الشُّغل. وجمع النَّوَويّ باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، فانصَرَفَ رجل، ثمَّ قرأ (اقْتَرَبَت)) في الثانية فانصَرَفَ آخرُ. ووقع في رواية أبي الزُّبَير عند مسلم (١٧٩/٤٦٥): فانطَلَقَ رجلٌ مِنّا. وهذا يدلُّ على أنَّه كان من بني سَلِمة، ويقوِّي رواية مَن سمّاه سُلِيماً، والله أعلم. (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٥٢٨). (٢) في ((المحلى)) ٢٣٠/٤ - ٢٣١، وقد وقع اسمه في المطبوع مصغّراً! ٢٤٦ باب ٦٠ / ح ٧٠٠ -٧٠١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «فانصَرَفَ الرجلُ» اللَّام فيه للعهدِ الذِّهني، ويحتمل أن يُراد به الجنس، فكأنَّه قال: واحد من الرجال، لأنَّ المُعرَّفَ تعريفَ الجنس كالنَّكِرة في مُؤَدّاه. ووقع في رواية الإسماعيليّ: فقامَ رجلٌ فانصَرَف، وفي رواية سَليم بن حيَّانَ(١): فتجوَّزَ رجل فصلّى صلاةً خفيفةً، ولابن عُيَينة عند مسلم (١٧٨/٤٦٥): فانحَرَفَ رجل فسَلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَه. وهو ظاهرٌ في أنَّه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقيّ أنَّ محمد بن عبَّاد شيخ مسلم تَفرَّدَ عن ابن عُيَينة بقوله: ثمَّ سَلَّم، وأنَّ الحُفّاظَ من أصحاب ابن عُيَينة، وكذا من أصحاب شيخِه عَمْرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر، لم يَذكُرُوا السلام، وكأنَّه فهمَ أنَّ هذه اللَّفظةَ تَدُلُّ على أنَّ الرجلَ قطع الصلاة، لأنَّ السلامَ يُتَحَلَّلُ به من الصلاة، وسائر الروايات تَدُلُّ على أنَّه قطع القُدوة فقط ولم يخرُج من الصلاة، بل استَمَرَّ فيها مُنفِرِداً. قال الرّافعيّ في ٩٥/٢ ١(شرح المسند) في الكلام/ على رواية الشافعيِّ عن ابن عُيَينة في هذا الحديث: فتَنَخَّى رجلٌ من خلفِه فصلَّى وحدَه: هذا يحتمل من جهة اللَّفظ أنَّه قطع الصلاة وتَنَخَّى عن موضع صلاته واستأنفَها لنفسِه، لكنَّه غيرُ محمولٍ عليه، لأنَّ الفرضَ لا يُقْطَعُ بعد الشُّروع فيه. انتهى، ولهذا استَدلَّ به الشافعيَّة على أنَّ للمأمومِ أن يقطعَ القُدوة ويُتِمَّ صلاتَه مُنفِرِداً. ونازعَ النَّوَويّ فيه، فقال: لا دلالةَ فيه، لأنَّه ليس فيه أنَّه فارَقَه وبَنَی علی صلاته، بل في الرواية التي فيها أنَّه سَلَّمَ دليل على أنَّه قطع الصلاة من أصلها ثمَّ استأنفَها، فيدلُّ على جواز قطعِ الصلاة وإبطالها لعُذر. قوله: ((فكان معاذٌ يَنالُ منه)) وَللمُستَملي: تَناوَلَ منه، وللكُشْمِيهنيٍّ: فكأنَّ - بهمزةٍ ونونٍ مشدّدةٍ - معاذاً تَناوَلَ منه. والأولى تَدُلُّ على كثرة ذلك منه بخلاف الثانية، ومعنى يَنالُ منه أو تَناوَلَه: ذكره بسوء، وقد فسَّرَه في رواية سَليم بن حيَّانَ ولفظُه: فَبَلَغَ ذلك معاذاً فقال: إنَّه منافق. وكذا لأبي الزُّبَير، ولابن عُيَينة: فقالوا له: أنافَقت يا فلان؟ قال: لا، والله لَآتَيَنَّ رسول الله - ◌َلهـ فِلَأُ خبِرَنَّه. وكأنَّ معاذاً قال ذلك أوَّلاً، ثمَّ قاله أصحابُ معاذ للرجل. (١) ستأتي في الأدب (٦١٠٦). ٢٤٧ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة قوله: (فَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ) بَيَّن ابن عُيَينة في روايته وكذا مُحارب وأبو الزُّبَير أنَّه الذي جاءَ فاشتَكَى من معاذ، وفي رواية النَّسائيّ (٨٣١): فقال معاذ: لَئِن أصبَحتُ لَأذكُرَنَّ ذلك لرسول الله وَ ﴿، فذكر ذلك له، فأرسَلَ إليه فقال: ((ما حملكَ على الذي صَنَعتَ؟)) فقال: يا رسول الله، عَمِلتُ على ناضح لي، فذكر الحديث، وكأنَّ معاذاً سبقه بالشَّكوَى، فلمَّا أرسَلَ إلیه جاءً فاشتگی من معاذ. قوله: ((فقال: فتّان)) في رواية ابن عُيَينة: ((أَفَتّان أنت)) زاد مُحارب: ثلاثاً. قوله: ((أو قال: فاتناً)) شٌّ من الراوي، وهو منصوبٌ على أنَّه خبرُ ((كان)) المقدَّرة، وفي رواية أبي الزُّبَيرِ: ((أَتُريدُ أن تكون فاتناً)، ولأحمدَ (٢٠٦٩٩) في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدِّم: ((يا معاذ لا تكن فاتناً)، وزاد في حديث أنس(١): ((لا تُطَوِّل بهم)) ومعنى الفتنة هاهنا: أنَّ التطويلَ يكونُ سبباً لخروجهم من الصلاة وللتَّكَرُّه للصلاة في الجماعة، وروى البيهقيّ في «الشُّعَب)) (٨١٣٩) بإسنادٍ صحيح عن عمرَ قال: لا تُبغِّضوا اللهَ إلى عباده(٢)، يكونُ أحدكم إماماً فيُطوِّلُ على القومِ الصلاةَ حتَّى يُبغِّضَ إليهم ما هم فيه. وقال الدَّاووديُّ: يحتمل أن يريدَ بقوله: ((فتّان)) أي: مُعَذِّب، لأنَّه عَذَّبَهم بالتطويل، ومنه قولُ الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عَذَّبوهم. قوله: ((وأمَرَه بسورَتَينِ من أوسَطِ المفضَّل. قال عَمْرو)) أي: ابن دينار: ((لا أحفظُهم)» وكأنَّه قال ذلك في حال تحديثه لشُعْبة، وإلَّا ففي رواية سَليم بن حيَّانَ عن عمرو: ((اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَصُحَنِهَا﴾ و﴿ سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوَهما)). وقال في رواية ابن عُيَينة عند مسلم: ((اقرأ بكذا واقرأ بكذا)) قال ابن عُيَينة: فقلتُ لعَمرو: إنَّ أبا الزُّبَير حدَّثنا عن جابر أنَّه قال: اقرأ ب﴿وَلَّمْسِ وَشُحَنِهَا﴾ و﴿ وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿ سَيِعٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال عَمْرو نحوَ هذا، وجَزَمَ بذلك محارِب في حديثه عن جابر، وفي رواية الليث عن أبي الزُّبَير عند مسلم (١) خرجناه قريباً في الهامش. (٢) وقع في (س): لا تبغّضوا إلى الله عباده، وهو خطأ. ٢٤٨ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ فتح الباري بشرح البخاري (١٧٩/٤٦٥) مع الثلاثة: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾. زاد ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير: ﴿وَالضُّحَى﴾، أخرجه عبد الرزاق(١)، وفي رواية الحميديّ (١٢٤٦) عن ابن عُيَينة مع الثلاثة الأُوَل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَلَِّ وَالطَّارِقِ﴾، وفي المراد بالمفصَّلِ أقوال ستأتي في فضائل القرآن (٢)، أصحّها أنَّه من أوَّل ﴿قَ﴾ إلى آخر القرآن. قوله: ((أوسَط)) يحتمل أن يريدَ به المتوَسِّط، والسّوَر التي مَثّلَ بها من قِصار المتوَسِّط، ويحتمل أن يريدَ به المعتدل، أي: المناسب للحال من المفصَّلِ والله أعلم. واستدلَّ بهذا الحديث على صِحَّة اقتداء المفتّرِضِ بالمتنفِّل، بناءً على أنَّ معاذاً كان ينوي بالأولى الفرضَ وبالثانية النَّفْلَ، ويدلُّ عليه ما رواه عبد الرزاق(٣) والشافعيّ (٢٠٠/١) والطَّحاويُّ (٤٠٩/١) والدَّارَ قُطنيُّ (١٠٧٥) و(١٠٧٦) وغيرُهم من طريق ابن جُرَيج، ١٩٦/٢عن عَمْرو بن دينار، عن جابر في حديث الباب زاد:/ هي له تطوُّع ولهم فريضة. وهو حديثٌ صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، وقد صَرَّحَ ابن جُرَيج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتَفَت تُهمة تدليسه، فقول ابن الجَوْزيّ: إنَّه لا يَصِحُّ، مردود، وتعليل الطَّحاويّ له بأنَّ ابن عُيَينة ساقه عن عَمْرو أتمّ من سياق ابن جُرَيج ولم يَذكُر هذه الزيادة، ليس بقادحٍ في صِحَّته، لأنَّ ابن جُرَيج أسَنُّ وأجَلُّ من ابن عُيَينة، وأقدم أخذاً عن عَمْرو منه، ولو لم يكن كذلك، فهي زيادةٌ من ثقةٍ حافظٍ ليست مُنافية لرواية مَن هو أحفظُ منه ولا أكثرُ عَدَداً، فلا معنى للتَّوَقُّفِ في الحكمِ بصِحَّتها. (١) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٢٥)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٩)، وابن ماجه (٨٣٦) و(٩٨٦)، والنسائي (٩٩٨). (٢) بل في باب الجهر بالمغرب عند شرح الحديث (٧٦٥)، وصحح الحافظ أنه من أول سورة (ق) برقم (٤٩٩٦). (٣) لم نقف عليه في ((المصنف)) من هذا الطريق، لكن الدار قطني أخرجه من طريقين عن ابن جريج، أحدهما عن عبد الرزاق بالإسناد الذي أشار إليه الحافظ، وفيه تصريح ابن جريج بسماعه من عمرو بن دينار أيضاً. وجاء في مطبوع ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٢٦٦) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن معاذ بن جبل. هكذا مرسلاً. ٢٤٩ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة وأمَّا رَدُّ الطَّحاويّ لها باحتمال أن تكون مُدرَجةً فجوابه: أنَّ الأصلَ عدم الإدراج حتَّى يَتْبُتَ التفصيلُ، فمَهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، ولا سيَّما إذا رُوِيَ من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإنَّ الشافعيَّ أخرجها (٢٠٠/١) من وجهٍ آخرَ عن جابر متابعاً لعَمْرو بن دینار عنه. وقول الطَّحاويّ: هو ظَنٌّ من جابر، مردودٌ، لأنَّ جابراً کان ممّن يُصلِّ مع معاذ، فهو محمولٌ على أنَّه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنَّه يخبرُ عن شخصٍ بأمرٍ غير مُشاهَدٍ إلَّا بأن يكون ذلك الشَّخصُ أطلَعَه عليه. وأمَّا احتجاجُ أصحابنا لذلك بقوله وَّةِ: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّ المكتوبة))(١) فليس بجيِّدٌ، لأنَّ حاصلَه النَّهي عن التَّلُّسِ بصلاةٍ غير التي أُقيمت من غير تعرُّضٍ لنيَّة فرض أو نَفل، ولو تَعيِّنَت نَيَّة الفريضة لامتَنَعَ على معاذ أن يُصلّيَّ الثانية بقومِه، لأنَّها ليست حينئذٍ فرضاً له، وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يُظَنُّ بمعاذ أن يَترُكَ فضيلة الفرض خلفَ أفضل الأئمَّة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنَّه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالفِ أن يقول: إذا كان ذلك بأمرِ النبيِّ وَله لم يَمتَنِعِ أن يَحَصُلَ له الفضلُ بالاتِّباع، وكذلك قول الخطَّبيّ: إنَّ العشاءَ في قوله: كان يُصلِّ مع النبيِّي وَلـ العشاء. حقيقةٌ في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوُّع، لأنَّ لمخالفِه أن يقول: هذا لا يُنافي أن ينويَ بها التنقُّل. وأمَّا قول ابن حَزْمٍ: إنَّ المخالفينَ لا يُجيزون لمن عليه فرض إذا أُقيمَ أن يُصلّيَه مُتَطَوِّعاً، فكيف يَنسُبون إلى معاذ ما لا يجوزُ عندهم؟ فهذا إن كان كما قال نَقْضٌ قويٌّ، وأسلَمُ الأجوبة التمسُّك بالزّيادة المتقدِّمة. وأمَّا قولُ الطَّحاويّ: لا حُجَّةَ فيها، لأنَّها لم تكن بأمرِ النبيِّ وٍَّ ولا تقريره. فجوابه أنَّهم لا يختلفون في أنَّ رأيَ الصحابيِّ إذا لم يخالفه غيرُه حُجَّة، والواقعُ هنا كذلك، فإنَّ (١) انظر ما سلف برقم (٦٦٣). ٢٥٠ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ فتح الباري بشرح البخاري الذين كان يُصلِّ بهم معاذ كلهم صحابةٌ، وفيهم ثلاثون عَقَبِيّاً وأربعون بدريّاً، قاله ابن حَزْم، قال: ولا يُحفَظُ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر، وابن عمر وأبو الدَّرداء وأنس وغيرُهم. وأمَّا قولُ الطَّحاويّ: لو سَلَّمْنا جميع ذلك لم يكن فيه حُجَّة، لاحتمال أنَّ ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصلَّى مرَّتَينٍ، أي: فيكونُ منسوخاً، فقد تعقَّبه ابنُ دَقِيق العيد بأنَّه يتضمَّنُ إثبات النَّسخ بالاحتمال وهو لا يَسُوغُ، وبأنَّه يَلزَمُه إقامة الدليل على ما ادَّعاه من إعادة الفريضة. انتهى، وكأنَّه لم يقف على كتابه، فإنَّه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديثُ ابن عمر رفعه: ((لا تُصلُّوا الصلاة في اليومِ مرَّتَين))(١)، ومن وجهٍ آخرَ مُرسَل: إِنَّ أهل العالية كانوا يُصلُّون في بيوتِهِم ثمَّ يُصلُّون مع النبيِّ ◌َِّ، فَبَلَغَه ذلك فنهاهم، ففي الاستدلال بذلك على تقديرٍ صِحَّته نظرٌ، لاحتمال أن يكون النَّهي عن أن يُصلُّوها مرَّتَينِ على أنَّها فريضة، وبذلك جَزَمَ البيهقيّ جمعاً بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النَّهيُ منسوخ بحديث معاذ، لم يكن بعيداً، ولا يقال: القصَّة قديمة لأنَّ صاحبَها استُشهِدَ بأُحُد، لأَنّا نقولُ: كانت أُحُد في أواخرِ الثالثة، فلا مانعَ أن يكون النَّهي في الأولى والإذن في الثانية(٢) مثلاً، وقد قال ◌َّه للرجلَينِ اللَّذَينِ لم يُصلّيا معه: ((إذا صلَِّتُما في رِ حالكما، ثمَّ أتيتُما مسجد جماعةٍ، فصَلِيا معهم فإنَّها نافلة)) أخرجه أصحابُ ((السُّنَن))(٣) من حديث يزيد بن ١٩٧/٢ الأسودِ العامريّ،/ وصحَّحه ابن خُزيمة وغيرُه، وكان ذلك في حَجَّة الوداع في أواخرٍ حياة النبيِّ وَّهِ، ويدلُّ على الجواز أيضاً أمره وَّه لمن أدرَكَ الأئمّة الذين يأتون بعده ويؤخِّرون الصلاة عن ميقاتها أن: ((صَلّوها في بيوتِكم في الوقت، ثمَّ اجعلوها معهم نافلة)) (٤). (١) أخرجه أحمد (٤٦٨٩)، وأبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٦٠)، والطحاوي ٣١٦/١، وإسناده حسن. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: الثالثة. (٣) أخرجه أحمد (١٧٤٧٤)، وأبو داود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨)، وابن خزيمة (١٦٣٨). (٤) أخرجه مسلم (٦٤٨) من حديث أبي ذر. ٢٥١ باب ٦٠ / ح ٧٠٠-٧٠١ أبواب الجماعة والإمامة وأمَّا استدلالُ الطَّحاويّ على أنَّهِ وَّ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سُلَيمٍ بن الحارث: ((إمَّا أن تُصلّيَ معي وإمَّا أن تُخَفِّفَ عن قومِك)) ودَعواه أنَّ معناه: إمَّا أن تُصلّيَ معي ولا تصلِّ(١) بقومِك، وإمَّا أن تُخَفِّفَ بقومِك ولا تصلِّ(١) مَعي، ففيه نظرٌ، لأنَّ لمخالِفِه أن يقول: بل التقدير: إمَّا أن تُصلّي معي فقط إذا لم تُخَفِّف، وإمَّا أن تُخَفِّفَ بقومِك فتُصلّي مَعي، وهو أولى من تقديرِه، لما فيه من مُقابَلة التخفيفِ بتركِ التخفيف، لأنَّه هو المسؤولُ عنه المتنازع فيه. وأمَّا تقويةُ بعضهم كونَه منسوخاً بأنَّ صلاة الخوفِ وقعت مِراراً على صفةٍ فيها مُخالَفةٌ ظاهرٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفتَرِضِ خلفَ المتنفِّلِ لَصلَّى النبيُّ وَ له بهم مرَّتَينِ على وجهٍ لا تقعُ فيه المنافاةُ، فلمَّا لم يفعل ذلك دلَّ على المنع. فجوابه أنَّه ثَبَتَ أنَّه ◌َلّهِ صلَّى بهم صلاة الخوفِ مرَّتَينِ، كما أخرجه أبو داود (١٢٤٨) عن أبي بَكْرةَ صريحاً، ولمسلم (٨٤٠) عن جابر نحوه، وأمَّا صلاتُه بهم على نوع من المخالَفة، فلبيان الجواز. وأمَّا قولُ بعضهم: كان فعل معاذ للضَّرورة لقِلَّة القُرّاء في ذلك الوقت. فهو ضعيفٌ كما قال ابن دَقِيق العيد، لأنَّ القَدرَ المُجزِئَ من القراءة في الصلاة کان حافظوہ کثیراً، وما زاد لا يكونُ سبباً لارتكاب أمرٍ ممنوعٍ منه شرعاً في الصلاة. وفي حديث الباب من الفوائد أيضاً: استحباب تخفيفِ الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأمَّا مَن قال: لا يُكرَه التطويل إذا عَلِمَ رِضا المأمومينَ، فيُشكِّلُ عليه أنَّ الإمامَ قد لا يعلمُ حالَ مَن يأتي فيأتمُّ به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يُكرَه التطويل مُطلَقاً، إلَّا إذا فُرِضَ في مُصَلَّ بقومٍ محصورين راضينَ بالتطويل في مكانٍ لا يدخلُه غيرُهم. وفيه أنَّ الحاجةَ من أُمور الدُّنيا عُذر في تخفيفِ الصلاة، وجواز إعادة الصلاةِ الواحدة في اليومِ الواحدِ مرَّتَينٍ، وجواز خروج المأمومِ من الصلاة لعُذر، وأمَّا بغيرِ عُذرٍ فاستَدلَّ (١) تحرفت في (س) في الموضعين إلى: تصلِّ. ٢٥٢ باب ٦١ / ح ٧٠٢ فتح الباري بشرح البخاري به بعضهم، وتُعُقِّب. وقال ابن المنيِر: لو كان كذلك لم يكن لأمرِ الأئمّة بالتخفيفِ فائدة. وفيه نظرٌ، لأنَّ فائدة الأمر بالتخفيفِ المحافظةُ على صلاة الجماعة، ولا يُنافي ذلك جوازَ الصلاة مُنفرداً، وهذا كما استدلَّ بعضهم بالقصَّة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحوُ هذا النّظر. وفيه جواز صلاة المنفردِ في المسجد الذي يُصلّى فيه بالجماعة إذا كان بعذر. وفيه الإنكارُ بلُطفٍ، لوقوعِه بصورة الاستفهام، ويُؤْخَذُ منه تعزير كلّ أحدٍ بحَسَبِهِ، والاكتفاء في التَّعزير بالقول، والإنكار في المكروهات، وأمَّا تَكرارُه ثلاثاً فللتأكيد، وقد تقدَّم في العِلم أَنَّه ◌ِ وََّـ كان يُعيدُ الكلمةَ ثلاثاً لتُفهَمَ عنه (٩٤). وفيه اعتذارُ مَن وقع منه خطأٌ في الظاهر، وجواز الوقوع في حَقِّ مَن وقع في محذور ظاهراً وإن كان له عُذرٌ باطنٌ للتََّغيرِ عن فعل ذلك، وأنَّه لا لَومَ على مَن فعل ذلك مُتأوّلاً، وأنَّ التخلُّفَ عن الجماعة من صفة المنافق. ٦١ - باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود ٧٠٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: سمعتُ قَيْساً، قال: أخبرني أبو مسعودٍ: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنِّ لأتأخّرُ عن صلاةِ الغَداةِ من أجلٍ فلانٍ، ممَّا يُطِيلُ بنا، فما رأيتُ رسولَ الله وَلَ فِي مَوْعِظةٍ أَشَدَّ غَضَباً منه يومئذٍ، ثمَّ قال: ((إنَّ منكم مُنفِّرِينَ، فأيُّكم ما صَلَّى بالنَّاس فليَتَجَوَّزْ، فإنَّ فيهم الضَّعِيفَ والكبيرَ وذا الحاجةِ)). ١٩٨/٢ قوله: ((باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الرُّكُوع والسُّجود)) قال الكِرْمانيّ: الواوُ بمعنى ((مع)) كأنَّه قال: باب التخفيف بحيثُ لا يفوتُه شيء من الواجبات، فهو تفسيرٌ لقوله في الحديث: ((فليَتَجَوَّز))، لأنَّه لا يأمرُ بالتَّجَوُّزِ المُؤَدّي إلى فساد الصلاة. قال ابن المنيِرِ وتَبِعَه ابن رُشَيد وغيره: خُصَّ التخفيفُ في الترجمة بالقيام مع أنَّ لفظَ الحديث أعمّ حيثُ قال: ((فليَتَجوَّز))، لأنَّ الذي يَطولُ في الغالبِ إنَّما هو القيامُ، وما عَدَاه ٢٥٣ باب ٦١ / ح ٧٠٢ أبواب الجماعة والإمامة لا يَشُقُّ إتمامُه على أحد، وكأنَّه حمل حديثَ الباب على قصَّة معاذ، فإنَّ الأمرَ بالتخفيفِ فيها مُختصّ بالقراءة، انتهى مُلخَّصاً. والذي يظهرُ لي أنَّ البخاريَّ أشارَ بالترجمة إلى بعض ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث كعادتِهِ، وأمَّا قصَّةُ معاذ فمُغايرة لحديث الباب، لأنَّ قصَّةَ معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذاً، وكانت في مسجد بني سَلِمة. وهذه كانت في الصبحِ وكانت في مسجد قُباء، ووَهمَ مَن فسَّرَ الإمامَ المبهمَ هنا بمعاذ، بل المراد به اُبُّ بن كعب کما أخرجه أبو يعلى (١٧٩٨) بإسنادٍ حسنٍ(١) من رواية عيسى بن جارية - وهو بالجيم - عن جابر قال: كان أُيُّ بن كعب يُصلِّ بأهل قُباء، فاستفتَحَ سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلمَّا سمعه استفتَحَها انفَتَلَ من صلاته، فغَضِبَ أُبيّ فأتى النبيّ ◌َّهِ يَشكو الغلامَ، وأتى الغلام يَشكو أُبيّاً، فغَضِبَ النبيُّ نَّهِ حَتَّى عُرِفَ الغَضَب في وجهِه، ثمَّ قال: ((إنَّ منكم مُنفِّرين، فإذا صلَّيْتُم فأوجِزوا، فإنَّ خلفَكم الضَّعيفَ والكبير والمريضَ وذا الحاجة)). فأبانَ هذا الحديثُ أنَّ المراد بقوله في حديث الباب: ممَّا يُطيلُ بنا فلان، أي: في القراءة، واستفيد منه أيضاً تسمية الإمام، وبأيِّ موضعٍ كان. وفي الطَّرانيّ (٢٢٢/١٧)(٢) من حديث عَديّ بن حاتم: ((مَن أمَّنا فليُتِمَّ الركوع والسجود)). وفي قول ابن المنيِّر: إنَّ الركوعَ والسجودَ لا يَشُقُّ إتمامُهما، نظرٌّ، فإنَّه إن أراد أقلّ ما يُطلَقُ عليه اسم تمام فذاكَ لا بُدَّ منه، وإن أراد غاية التَّام فقد يَشُقُّ، فسيأتي حديث البراء قريباً (٧٩٢) أنَّه ◌َلِّ كان قيامُهُ ورُكوعُه وسجودُه قريباً من السَّواء. قوله: ((حدَّثْنا زهير)) هو ابن معاوية الجُعْفيُّ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، وأبو مسعود: هو الأنصاريّ البَدْري، والإسناد كلُّه كوفيّون. (١) كذا قال الحافظ، والصواب أن إسناده ضعيف لتفرُّد عيسى بن جارية به، وهو ضعيف. (٢) فات الحافظَ أن يعزوَه إلى ((مسند أحمد)»، وهو فيه برقم (١٨٢٦١). وإسناده صحيح. ٢٥٤ باب ٦١ / ح ٧٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ رجلاً)) لم أقِفْ على اسمِه، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه حَزْمُ بن أبي كَعْب(١)، لأنَّ قِصَّتَہ کانت مع معاد لا مع اُبيّ بن كعب. قوله: ((إنِّي لَأتأخَر عن صلاة الغداة)) أي: فلا أحضُرُها مع الجماعة لأجل التطويل، وفي رواية ابن المبارك في الأحكام (٧١٥٩): والله إنِّي لَأَتأخّرُ. بزيادة القَسَم، وفيه جوازٌ مثلٍ ذلك، لأنَّه لم يُنكِرِ عليه، وتقدَّم في كتاب العِلم في ((باب الغَضَبِ في العِلم)) (٩٠) بلفظ: إنِّي لا أكادُ أُدرِكُ الصلاة. وتقدَّم توجيهه. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أنَّ الذي ألفَه من تطويله اقتَضَى له أن يتشاغلَ عن المجيءِ في أوَّل الوقت وُثوقاً بتطويله، بخلاف ما إذا لم يكن يُطوِّلُ فإنَّه كان يحتاجُ إلى المبادَرة إليه أوَّلَ الوقت، وكأنَّه يَعْتَمِدُ على تطويله فيتشاغلُ ببعض شُغلِه، ثمَّ يتوجَّه فيُصادفُ أنَّه تارةً يُدرِكُه وتارةً لا يُدرِكُه، فلذلك قال: لا أكادُ أُدُ مًا يُطوِّلُ بنا، أي: بسبب تطويله. واستدلَّ به على تسمية الصبح بذلك، ووقع في رواية سفيان الآتية قريباً (٧٠٤): عن الصلاة في الفجر. وإِنَّمَا خَصَّها بالذِّكر، لأنَّهَا تُطَوَّلُ فيها القراءة غالباً، ولأنَّ الانصرافَ منها وقتَ التَّوَُّه لمن له حرفة إليها. قوله: (أشَدّ)) بالنَّصْبِ، وهو نَعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: غَضَباً أشَد، وسببُه إمَّا لمخالفة ١٩٩/٢ المَوعِظة أو للتَّقصيرِ في تَعلُّم ما ينبغي تَعلُّمُه، كذا قال ابنُ دَقِيق العيد. / وتعقَّبه تلميذُه أبو الفتح الْيَعْمَريّ بأنَّه يَتوقَّفُ على تقدُّم الإعلام بذلك، قال: ويحتمل أن يكون ما ظَهَرَ من الغَضَبِ لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه، ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعودَ مَن فعل ذلك إلى مثله. وأقولُ: هذا حسنٌ(٢) في الباعثِ على أصل إظهار الغَضَب، أمَّا كَونُه أشَدَّ، فالاحتمال الثاني أوجَه ولا يَرِدُ عليه التعقّب المذكور. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبي بن كعب. (٢) تحرف في (س) إلى: أحسن. ٢٥٥ باب ٦١ / ح ٧٠٢ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((إنَّ منكم مُنفِّرِينَ)) فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ: ((أفَتّان أنت؟!)) ويحتمل أن تكون قصَّة أُبيِّ هذه بعد قصَّة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصَّة معاذٍ واجَهَه وحدَه بالخطاب، وكذا ذكر في هذا الغَضَبَ، ولم يَذكُرْه في قصَّة معاذ، وبهذا يتوجَّه الاحتمال الأوَّل لابنِ دَقِيق العید. قوله: ((فأتْكم ما صَلَّى)) ما زائدة، ووقع في رواية سفيان: ((فمَن أمَّ الناس)). قوله: ((فليُخفِّف))(١) قال ابن دَقِيق العيد: التطويلُ والتخفيفُ من الأُمور الإضافيّة، فقد يكونُ الشيءُ خفيفاً بالنّسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنّسبة إلى عادة آخرين. قال: وقولُ الفقهاء: لا يزيدُ الإمامُ في الركوع والسجودِ على ثلاث تسبيحاتٍ، لا يخالفُ ما وَرَدَ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه كان يزيدُ على ذلك(٢)، لأنَّ رَغبةَ الصحابة في الخير تقتضي ألّا یکون ذلك تطويلاً. قلت: وأولى ما أُخِذَ حَدّ التخفيفِ من الحديث الذي أخرجه أبو داود (٥٣١) والنَّسائيّ (٦٧٢) عن عثمان بن أبي العاص، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال له: «أنتَ إمامُ قومِك، واقدُر القومَ بأضعَفِهم)) إسناده حسنٌ(٣)، وأصلُه في مسلم (٤٦٨). قوله: ((فإنَّ فيهم)) في رواية سفيان: «فإنَّ خلفَه)) وهو تعليلُ الأمرِ المذكور، ومُقتَضاه أنَّه مَتَى لم يكن فيهم مُتَّصِفٌ بصفةٍ من المذكورات لم يَضُرَّ التطويلُ، وقد قدَّمتُ ما يَرِدُ عليه في الباب الذي قبلَه من إمكان مجيءٍ مَن يَتَّصِفُ بأحدها. (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، والظاهر أنه سبق قلم، وإلا فحق العبارة أن تكون: قوله: ((فليتجوز)) أي: فليخفِّف، قال ابن دقيق العيد ... ، وإنما قلنا ذلك لأن الحافظ نفسه قد أشار عند شرح الترجمة أن لفظ الحديث: ((فليتجوّز))، ومن ثَمَّ لم نجد اختلافاً بين روايات البخاري في هذه اللفظة حسب اليونينية والقسطلاني. (٢) من ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان: أن النبي وَ لّ قام من الليل فقرأ البقرة وآل عمران والنساء، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم سجد فكان سجوده قريباً من قيامه. أخرجه مسلم (٧٧٢). (٣) اللفظ الذي ذكره المصنف ليس لأبي داود والنسائي، وإنما هو عند أحمد (١٧٩١٠)، وابن ماجه (٩٨٧) لكن فيه: ((واقدر الناسَ بأضعفهم))، ولفظه عند أبي داود والنسائي: ((واقتَدِ بأضعفهم)). ٢٥٦ باب ٦٢ / ح ٧٠٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال اليَعْمَريّ: الأحكامُ إِنَّمَا تُناطُ بالغالبِ لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمَّة التخفيفُ مُطلَقاً. قال: وهذا كما شُرِعَ القصرُ في صلاة المسافرِ، وعُلِّلَ بالمشقّة، وهو مع ذلك يُشرَعُ ولو لم يَشُقَّ، عملاً بالغالب، لأنَّه لا يُدرَى ما يَطرَأُ عليه، وهنا كذلك. قوله: ((الضَّعيف والكَبير)) كذا للأكثر، ووقع في رواية سفيان في العِلم (٩٠): «فإنَّ فيهم المريضَ والضَّعيفَ)) وكأنَّ المراد بالضَّعيفِ هنا: المريضُ، وهناك مَن يكونُ ضعيفاً في خِلْقَتِهِ، كالنَّحیفِ والمُسِنِّ، وسيأتي في الباب الذي بعده مزید قولٍ فيه. ٦٢ - باب إذا صلى لنفسه فليُطوِّل ما شاء ٧٠٣ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إذا صَلَّى أحدُكم للنَّاس فليُخفِّف، فإنَّ فيهم الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ والكَبِير، وإذا صَلَّى أحدُكم لتَفْسِه فليُطوِّلْ ما شاءَ)). قوله: ((باب إذا صَلَّى لنَفْسِه فليُطوِّلْ ما شاءَ)) يريدُ أنَّ عمومَ الأمرِ بالتخفيفِ مُختصّ بالأئمّة، فأمَّا المنفرِدُ فلا حَجْرَ عليه في ذلك. لكن اختُلِفَ فيما إذا أطالَ القراءة حتَّى خرج الوقت كما سنذكره. قوله: ((فإنَّ فيهم)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيِّ: ((فإنَّ منهم)). قوله: ((الضَّعيف والسَّقيم)) المرادُ بالضَّعيفِ هنا: ضعيف الخِلْقة، وبالسَّقيمِ: مَن به مرض، زاد مسلم (١٨٣/٤٦٧) من وجهٍ آخرَ عن أبي الزّناد: ((والصغير والكبير))، وزاد الطَّبرانيّ (٨٣٧٩) من حديث عثمان بن أبي العاص: ((والحامل والمُرضِع))، وله (١٧/ ٢٢٢) من حديث عَديّ ابن حاتم: ((والعابر السَّبيل))، وقولُه في حديث أبي مسعود الماضي: ((وذا الحاجة)) هي أشمَلُ الأوصاف المذكورات. قوله: ((فليُطُوِّلْ ما شاءَ)) ولمسلم (١٨٣/٤٦٧): «فليُصلِّ كيف شاء)) أي: مُخفِّفاً أو مُطوِّلاً. ٢٥٧ باب ٦٣ / ح ٧٠٤ -٧٠٥ أبواب الجماعة والإمامة واستُدلَّ به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقتُ، وهو المُصَحَّحُ عند بعض ٢٠٠/٢ أصحابنا، وفيه نظرٌ، لأنَّه يعارضُه عموم قوله في حديث أبي قتادةَ: ((إنَّما التَّفريطُ أن يؤخّرَ الصلاة حتَّى يدخلَ وقتُ الأُخرى)) أخرجه مسلم (٦٨١)، وإذا تَعارَضَت مصلحةُ المبالغة في الكمال بالتطويل، ومَفسَدة إيقاع الصلاة في غير وقتها، كانت مُراعاة تركِ المفسدة أَولى. واستدلَّ بعمومه أيضاً على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَين. ٦٣ - باب من شكا إمامَه إذا طوَّل وقال أبو أُسَيْدٍ: طَوَّلْتَ بنا يا بُنَّيَّ. ٧٠٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسف، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بنِ أبي حازم، عن أبي مسعودٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله، إنّ لأَنْأَخَّرُ عن الصلاة في الفجرِ مَّاً يُطِيلُ بنا فلانٌ فيها، فغَضِبَ رسولُ اللهِ وََّ ما رأيتُهُ غَضِبَ في موضع كان أشَدَّ غَضَباً منه يومئذٍ، ثمَّ قال: ((يا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ منكم مُنفِّرِين، فمَن أمَّ النَّاسَ فليَتَجَوَّز، فإنَّ خلْفَه الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذا الحاجة)). ٧٠٥- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا مُحارِبُ بنُ دِثارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاري، قال: أقبَلَ رجلٌ بناضِحَيْنِ وقد جَنَحَ الليلُ، فوافَقَ معاذاً يُصلّى، فتركَ ناضِحَه، وأقبَلَ إلى معاذٍ فقرأ بسورة البقرةِ - أو النِّساءِ - فانطَلَقَ الرجلُ، وبَلَغَه أنَّ معاذاً نالَ منه، فأتى النبيَّ ◌َِّ فِشَكا إليه معاذاً، فقال النبيُّ وَِّ: ((يا معاذُ، أفَتّانٌ أنتَ؟)) أو ((أفاترٌ؟)) ثلاث مرات ((فَلَوْلا صلَّتَ ب﴿سَيِّعَ أَسْمَ رَيْكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ ﴿وَالَتْلِ إِذَا يَغْثَى﴾، فإِنَّه يُصلِّي وراءَكَ الكَبِيرُ والضَّعِيف وذُو الحاجة)). أحسَبُ هذا في الحديثِ. تابَعَه سعيدُ بنُ مَسْرُوقٍ ومِسْعَرٌ والشَّيْبانيُّ. قال عَمْرٌو وعُبيدُ الله بنُ مِقْسَم وأبو الزُّبَيرِ، عن جابرٍ: قرأ معاذٌ في العِشاءِ بالبقرةِ. ٢٥٨ باب ٦٣ / ح ٧٠٤ -٧٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وتابَعَه الأعمَشُ، عن محاربٍ. قوله: ((باب مَن شَكا إمامَه إذا طَوَّلَ)) فيه حديث أبي مسعود وهو ظاهرٌ في الترجمة، وكذا حديث جابر، والتَّعليق عن أبي أُسَيدٍ - وهو الأنصاريُّ - وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢١٩/٢) من رواية المنذر بن أبي أُسَيدٍ قال: كان أبي يُصلِّ خلفي، فرُبَّما قال: يا بُنَّ طَوَّلت بنا اليوم. واستُفيدَ منه تسمية الابنِ المذكور. وفيه حُجَّةٌ على مَن كَرِهَ للرجلِ أن يؤمَّ أباه كعطاء، ورأيت بخطّ البدر الزَّرْكَشِيّ أنَّه رأى في بعض نُسَخِ البخاري: وكَرِهَ عطاءٌ أن يؤمَّ الرجل أباه، فإن ثَبَتَ ذلك فقد وَصَلَ ابن أبي شَيْبة (٢١٩/٢) هذا التَّعليق، وكأنَّ المنذِرَ كان إماماً راتباً في المسجد. تنبيه: وقع في رواية المُستَمْلي: ((أبو أسيدٍ)) بفتح الهمزة، والصوابُ الضم كما للباقين. قولُه في حديث مُحارِبٍ عن جابر: (أقبَلَ رجلٌ بناضِحَين)) الناضح بالنُّون والضّاد المعجَمة والحاء المهمَلة: ما استُعمِلَ من الإبلِ في سَقىِ النَّخلِ والَّرع. قوله: ((وقد جَنَحَ الليل)) أي: أقبَلَ بظُلمَتِهِ، وهو يؤيِّدُ أنَّ الصلاة المذكورةَ كانت العشاءَ كما تقدَّم (٧٠١). قوله: ((بسورة البقرةِ أو النِّساء)) زاد أبو داود الطَّالسيّ (١٨٣٤) عن شُعْبة: شكَّ مُحارب. وفي هذا رَةٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ الشكَّ فيه من جابر(١). قوله: ((فَلَوْلا صلَّيت)) أي: فهَلَّا صلَّيت. قوله: ((فإنَّه يُصلِّي وراءَك)) تقدَّم شرحُه في الباب الذي قبلَه، فكان هذا هو الحاملَ لمن ٢٠١/٢ وَخَّدَ بين القِصَّتَين، / لكن في ثبوتِ هذه الزّيادة في هذه القصَّة نظرٌ، لقوله بعدها: ((أحسَبُ هذا في الحديث)) يعني: هذه الجملةَ الأخيرةَ ((فإنَّه يُصلِّ)) إلى آخره، وقائل ذلك هو شُعْبة (١) وجاء في رواية الطيالسي كذلك أن محارباً شكّ أيضاً فقال: ﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أو ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُّحَنَهَا﴾. ٢٥٩ باب ٦٤ / ح ٧٠٦ أبواب الجماعة والإمامة الراوي عن مُحارب، بَّنْه أبو داود الطيالسي أيضاً (١)، وقد رواه غير شُعْبةَ من أصحاب مُحاربٍ عنه بدونها، وكذا أصحاب جابر (٢). قوله: ((تابَعَه سعيد بن مَسْرُوق)) هو والدُ سفيان الثَّوري، وروايتُه هذه وَصَلَها أبو عَوَانة (١٧٨١) من طريق أبي الأحوَصِ عنه، ومُتَابَعة مِسعَرٍ وَصَلَها السرَّاجُ (١٧٦) من رواية أبي نُعيمٍ عنه، ومُتابَعة الشَّيبانيّ - وهو أبو إسحاق - وَصَلَها البَزّار(٣) من طريقه، كلهم عن مُحارب، والمراد أنَّهم تابَعُوا شُعْبةَ عن محارِبٍ في أصل الحديث لا في جميعٍ ألفاظِهِ. قوله: ((قال عَمْرو)) هو ابن دينار، وقد تقدَّمت روايته قبلُ ببابينِ (٧١٠)، ورواية عُبيد الله بن مِقسَمٍ وَصَلَها ابن خُزَيمة (٦٣٣) من رواية محمد بن عَجْلانَ عنه، وهي عند أبي داود (٥٩٩) باختصار، ورواية أبي الزُّبَيرِ وَصَلَها عبد الرزاق (٣٧٢٥) عن ابن جُرَيج عنه، وهي عند مسلم (١٧٩/٤٦٥) من طريق الليث عنه، لكن لم يُعيِّن أنَّ السورةَ البقرة. قوله: (وتابَعَه الأعمش عن مُحارِب)) أي: تابَعَ شُعْبة، وروايته عند النَّسائيِّ (٨٣١) من طريق محمد بن فُضَيلٍ، عن الأعمَشِ، عن محاربٍ وأبي صالح كلاهما، عن جابر بطوله، وقال فيه: فيُطوِّل بهم معاذ. ولم يُعيِِّ السورة. ٦٤ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها ٧٠٦- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ، قال: كان النبيُّ وَّهِ يُوجِزُ الصلاةَ ويُكْمِلُها. قوله: ((باب الإيجاز في الصلاة وإِكْمالها)) ثبتت هذه الترجمةُ عند المُستَمْلي وكَرِيمة، وكذا ذكرها الإسماعيلي، وسَقَطَت للباقين، وعلى تقديرِ سقوطِها فمُناسَبة حديث أنس للترجمة من جهة أنَّ من سلك طريقَ النبيِّ ټځ في الإيجاز والإتمام لا يُشگی منه تطویل، وروى ابن (١) من قوله: ((بيَّنْه)) إلى هنا سقط من (ع) و(س). (٢) انظر تفصيل هذه الطرق في ((مسند أحمد)) (١٤١٩٠). (٣) فات الحافظَ أن يعْزُو متابعة مِسْعَرٍ للنسائي في ((الكبرى))، وهي فيه برقم (١١٦٠٠). ٢٦٠ باب ٦٥ / ح ٧٠٧ - ٧١٠ فتح الباري بشرح البخاري أبي شَيْبة (٢/ ٥٧) من طريق أبي مِجْلَز قال: كانوا - أي: الصحابةُ - يُتِمّون ويُوجِزون ويُبادِرون الوَسوَسة، فبيَّن العِلَّةَ في تخفيفِهم، ولهذا عَقَّبَ المصنِّفُ هذه الترجمة بالإشارة إلى أنَّ تخفيفَ النبيِّ وَّه لم يكن لهذا السَّبَبِ لعِصمَتِهِ من الوَسوَسة، بل كان يُحْقِّفُ عند حُدوثٍ أمرٍ يقتضيه کبکاء صبيٍّ. قوله: ((عبد العزيز)) هو ابن صُهَيب، والإسناد كلّه بصريُّون. والمرادُ بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقلِّ ما يُمكِنُ من الأركان والأبعاض. ٦٥ - باب مَن أخفَّ الصلاةَ عند بكاء الصبيّ ٧٠٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى ابنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادة، عن أبيه أبي قَتَادة، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إنِّي لأَقُومُ في الصلاة أُرِيدُ أنْ أُطوِّلَ فيها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ فَأَتْجُوَّزُ في صلاتي، كراهيَةَ أنْ أشُقَّ على أمِّه)). تابَعَهُ بِشرُ بنُ بكرِ وابنُ المبارَكِ وبقيَّةُ، عن الأوزاعيِّ. [طرفه في: ٨٦٨] ٧٠٨- حدَّثنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثْنِي شَرِيكُ بنُ عبدِ الله، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: ما صلَّيتُ وراءَ إمام قَطُّ أَخَفَّ صلاةً ولا أتمَّ من النبيِّ ◌َّه، وإنْ كان لَيَسمَعُ بكاءَ الصبيِّ فيُخفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُقْتَنْ أَنُّه. ٢٠٢/٢ ٧٠٩ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، قال: حدّثنا قَتَادَةُ، أنَّ أنسَ بنَ مالكِ حدَّثه، أنَّ النبيَّ ◌َِّ، قال: «إنِّي لأَدخُلُ في الصلاة وأنا أُرِيدُ إطالتَها فأسمعُ بكاء الصبيِّ، فَأَتجوّزُ في صلاني مما أعلمُ من شِدّةِ وَجْدِ أمِّه من بكائه)). [طرفه في: ٧١٠] ٧١٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَديٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتَادة، عن أنسِ ابنِ مالكِ، عن النبيِّ بَّهِ، قال: ((إنّ لأَدخُلُ في الصلاة فأُرِيدُ إطالتَها فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ،