النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ باب ٥٣ / ح ٦٩١ أبواب الجماعة والإمامة حرف استفتاح مثلُ: ألا، وأصلُها النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام توبيخٍ. قوله: ((إذا رفع رَأْسه قبلَ الإمام)) زاد ابن خُزيمة (١٦٠٠) من رواية حمّاد بن زيد عن محمد بن زياد: ((في صلاته))، وفي رواية حفص بن عمر المذكورة: ((الذي يرفع رأسه والإمام ساجد» فتَبيَّنَ أنَّ المراد الرَّفع من السجود، ففیه تَعَقُّبٌ علی ابن دقیق العید حیث قال: إنَّ الحديث نصٌّ في المنع من تقدُّم المأموم على الإمام في الرَّفع من الركوع والسجود معاً، وإنَّما هو نصٌّ في السجود، ويَلتَحِقُ به الركوع لكَونِه في معناه، ويُمكِنُ أن يُفرَّقَ بينهما بأنَّ السجود له مزيد مَزيَّة لأنَّ العبد أقرب ما يكون فيه من رَبّه، لأنَّه غايةُ الخُضوع المطلوب منه، فلذلك خُصَّ بالتَّنصيصِ عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذِكْر أحد الشَّيئَينِ المشترِكَينِ في الحكم إذا كان للمذكور مَزِيَّة. وأمَّا التقدُّم على الإمام في الخَفْض في الركوع والسجود فقيل: يَلتَحِق به من باب الأَولى، لأنَّ الاعتدال والجلوس بين السَّجدَتَينِ من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلَّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجبَ فيما هو مقصِد. ويُمكِن أن يقال: ليس هذا بواضحٍ، لأنَّ الرَّفع من الركوع والسجود يَستَلِزِم قَطْعه عن غاية كمالهِ، ودخول النَّقص في المقاصد أشَدُّ من دخوله في الوسائل، وقد وَرَدَ الَّجر عن الخفض والرَّفع قبلَ الإمام في حديث آخرَ أخرجه البَزّار (٩٤٠٤) من رواية مَلِيح بن عبد الله السَّعديّ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يَخْفِض ويرفع قبلَ الإمام إنَّما ناصيته بيدٍ شيطان)). وأخرجه عبد الرزاق (٣٧٥٣) من هذا الوجه موقوفاً، وهو المحفوظ. قوله: ((أو يجعل الله صُورَته صُورةَ حمار)) الشكّ من شُعْبة، فقد رواه الطَّيالسيُّ (٢٤٩٠) عن حَمّد بن سَلَمة، وابنُ خُزيمة (١٦٠٠) من رواية حَمَّاد بن زيد، ومسلمٌ (١١٥/٤٢٧ و١١٦) من رواية يونس بن عبيدٍ، والرَّبيعِ بن مسلم، كلَّهم عن محمد بن زياد بغير تَرَدُّد، فأمَّا الحَّادان فقالا: ((رأس))، وأمَّا يونس فقال: ((صورة))، وأمَّا الرَّبيع فقال: ((وجه))، ٢٢٢ باب ٥٣ / ح ٦٩١ فتح الباري بشرح البخاري والظاهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة. قال عياض: هذه الروايات مُتَّفِقة لأنَّ الوجه في الرَّأس ومُعظَم الصورة فيه. قلت: لفظ الصورة يُطلَقُّ على الوجه أيضاً، وأمَّا الرَّأس فرواتُها أكثرُ، وهي أشمَلُ، فهي المعتمَدة، وخُصَّ وقوع الوعيد عليها لأنَّ بها وقعتِ الجِناية وهي أشمَلُ(١)، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرَّفع قبلَ الإمام لكَونِهِ تَوَعَّدَ عليه بالمَسخِ وهو أشَدُّ العقوبات، وبذلك جَزَمَ النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب))، ومع القول بالتحريمِ فالجمهور على أنَّ فاعلَه يأثَم وتُجزِئُّ صلاته، وعن ابن عمرَ: تَبطُلُ (٢)، وبه قال أحمد في رواية، وأهلُ الظاهر بناءً على أنَّ النَّهيَ يقتضي الفساد، وفي ((المغني)) عن أحمدَ أنَّه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لَرُجيَ له الثَّواب ولم يُحْشَ عليه العِقاب. واختُلِفَ في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يَرجِع ذلك إلى أمر معنَوي، فإنَّ الحمار مَوصوف بالبَلادة فاستُغيرَ هذا المعنى للجاهلِ بما يجب عليه من فرض الصلاة ١٨٤/٢ ومُتَابَعة الإمام، ويُرجِّحُ هذا المجاز(٣) / أنَّ التَّحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلُّ أنَّ ذلك يقع ولا بُدّ، وإنَّما يدلّ على كون فاعله مُتَعَرِّضاً لذلك، وكون فعله مُمكِناً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يَلزَم من التعرُّض للشيءٍ وقوع ذلك الشيء، قاله ابن دَقِیق العید. وقال ابن بَزِيزةَ: يحتمل أن يُراد بالتَّحويل: المَسخُ أو تحويلُ الهيئة الحِسّيَّة أو المعنَويَّة أو هما معاً. وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانعَ من جواز وقوع ذلك، وسيأتي في كتاب الأشربة (١) قوله: ((وهي أشمل)) سقط من الأصلين، وهو في (س)، ونقله علي القاري في (المرقاة)) عن الحافظ. (٢) أخرج ذلك عنه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ١٩٠ - ١٩١، وفي إسناده مبهمٌ. وأخرج ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠ عن محمد بن هارون البصري عن سليمان بن كندير قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فرفعت رأسي قبل الإمام، فأخذه فأعاده. ومحمد بن هارون هذا لم نتبيّنه. (٣) في (س): المجازيّ. ٢٢٣ باب ٥٣ / ح ٦٩١ أبواب الجماعة والإمامة (٥٥٩٠) الدليل على جواز وقوع المَسخ في هذه الأمَّة، وهو حديث أبي مالك الأشعريّ في المعازف(١)، فإنَّ فيه ذِكْرَ الخَسف وفي آخره: ((ويَمسَخ آخرين قِرَدةً وخَنازيرَ إلى يومِ القيامة))، وسيأتي مزيد لذلك في تفسير سورة الأنعام إن شاء الله تعالى(٢). ويقوِّي حملَه على ظاهره أنَّ في رواية ابن حِبَّان (٢٢٨٣) من وجهٍ آخرَ عن محمد بن زياد: ((أنْ يُحوِّلَ الله رأسَه رأسَ كلْبٍ)) فهذا يُبعِد المجاز لانتفاءِ المناسَبة التي ذكروها من بلادة الحمار. ومَّا يُبعِدُه أيضاً إيراد الوعيد بالأمرِ المستقبل، وباللَّفظ الدالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أُريدَ تَشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً: فرأسه رأس حمار، وإنَّما قلت ذلك لأنَّ الصِّفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فِعله المذكور، فلا تَحَسُن أن يقال له: يُحِشَى إذا فعلتَ ذلك أن تصير بليداً، مع أنَّ فِعله المذكور إنَّما نَشَأ عن البلادة. وقال ابن الجَوْزيّ في الرواية التي عَبَّرَ فيها بالصورة: هذه اللَّفظة تَمنَع تأويل مَن قال: المراد رأس حمار في البلادة. ولم يُبيِّن وجهَ المنع. وفي الحديث كمالُ شَفَقَتِهِ وَّهِ بِأمَّتِهِ وبيانه لهم الأحكامَ وما يَترتَبُ عليها من الثَّواب والعِقاب. واستُدلَّ به على جواز المقارنة، ولا دلالة فيه، لأنَّه دلَّ بمَنطوقِه على منع المسابقة، وبِمفهومِه على طلب المتابعة، وأمَّا المقارنة فمَسكوت عنها. وقال ابن بَزِيزةَ: استدلَّ بظاهرِه قومٌ لا يَعقِلون على جواز التَّنّاسُخ. قلت: وهو مذهبٌ رديءٌ مبنيّ على دَعاوَى بغير برهان، والذي استَدلَّ بذلك منهم إنَّما استدلَّ بأصل المَسْخِ (٣) لا بخصوصٍ هذا الحديث. لَطِيفة: قال صاحب ((القَبَس)»: ليس للتقدُّم قبلَ الإمام سبب إلَّا طلب الاستعجال، (١) تحرفت في (ع) و(س) إلى: المغازي. وهذه العبارة من قوله: وهو حديث أبي مالك ... إلى قوله: إن شاء الله تعالى، لم ترد في (أ) برُمَّتها. (٢) قال في تفسير سورة الأنعام (٤٦٢٨): سيأتي الكلام عليه في الأشربة. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: النسخ. ٢٢٤ باب ٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ودَواؤه أن يَستَحِضِرِ أنَّه لا يُسلِّمُ قبلَ الإمام فلا يَستَعجِل في هذه الأفعال، والله المستعان. ٥٤ - باب إمامة العبد والمَولى وكانت عائشةُ يؤمُّها عبدُها ذَكْوانُ من المُصْحَفِ. ووَلَدِ البَغِيِّ والأعرابيِّ والغلام الذي لم يَخْتَلِمْ لقول النبيِّ وَّةِ: ((يؤمُّهم أقرَؤُهم لكتاب الله)). ولا يُمنعُ العبدُ من الجماعة بغیر عِلَّةٍ. قوله: ((باب إمامة العبد والمَوْلى)) أي: العَتيق، قال الزَّينُ بن المنيِّر: لم يُفصِح بالجواز لكن لَوَّحَ به لإيراده أدَّتَه. ١٨٥/٢ قوله: ((وكانتْ عائشة)) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي داود(١) (٧٩٤) في كتاب ((المصاحف)) من طريق أيوب عن ابن أبي مُلَيكةً: أنَّ عائشة كان يؤمُّها غلامها ذَكوانُ في المُصحَف، ووَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢١٧/٢) (٢) قال: حدَّثنا وكيع عن هشام بن عُرْوة عن أبي بكر بن أبي مُلَيكة عن عائشة: أنَّها أعتَقَت غلاماً لها عن دُبُر، فكان يؤمُّها في رمضانَ في المُصحَف. ووَصَلَه الشافعيّ (١٩٢/١) وعبد الرزاق (٣٨٢٤) من طريق أُخرى عن ابن أبي مُلَيكة: أنَّه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي - هو وأبوه وعبيد بن عُمَير والمِسوَر بن مَخْرَمةَ وناس كثير - فيؤمُّهم أبو عَمْرو مولى عائشة وهو يومئذٍ غلام لم يُعْتَق. وأبو عَمْرو المذكور هو ذَكوانُ. وإلى صِحَّة إمامة العبد ذهب الجمهور. وخالَفَ مالك فقال: لا يؤمُّ الأحرارَ إلَّا إن كان قارئاً وهم لا يقرؤون فيؤمُّهم، إلَّا في الجمعة لأنَّها لا تَجِب عليه. وخالَفَه أشهَبُ واحتَجَّ بأنَّهَا تُجِزِتُه إذا حَضَرَها. قوله: ((في المُصْحَف)) استُدلَّ به على جواز قراءة المصلِّي من المُصحَف، ومَنَعَ منه (١) تحرف في (س) إلى: أبو داود. (٢) هو أيضاً في ((المصاحف)) لابن أبي داود (٧٩٥). ٢٢٥ باب ٥٤ أبواب الجماعة والإمامة آخرون لكَونِه عملاً كثيراً في الصلاة. قوله: ((ووَلَد البَغيّ)) بفتح الموحَّدة وكسر المعجَمة والتَّشديد، أي: الزّانية، ونقل ابن التِّين أنَّه رواه بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة والتخفيف، والأوَّل أولى، وهو معطوف على قوله: ((والمولى)) لكن فُصِلَ بين المتعاطفينِ بأثَرِ عائشة، وغَفَلَ القُرطبيّ في ((مختصر البخاري)) فجعلَه من بقيَّة الأثر المذكور. وإلى صِحَّة إمامة ولد الزِّنى ذهب الجمهور أيضاً، وكان مالك يَكرَه أن يُتَّخَذَ إماماً راتباً، وعِلَّتُه عنده أنَّه يصير مُعَرَّضاً لكلام الناس فيَأَثَمون بسببه، وقيل: لأنَّه ليس له (١) في الغالب مَن يُفقِّهُه فيغلب عليه الجهل. قوله: ((والأعرابيّ)) بفتح الهمزة، أي: ساكن البادية، وإلى صِحَّة إمامته ذهب الجمهور أيضاً، وخالَفَ مالك، وعِلَّتُه عنده غَلَبة الجهل على ساكن البوادي، وقيل: لأنَّهم يُديمون نقصَ السُّنَن وترْكَ حضور الجماعة غالباً. قوله: ((والغلام الذي لم يَخْتَلِم)) ظاهره أنَّه أراد المُراهق، ويحتمل الأعمّ، لكن يَخْرُج منه مَن كان دون سِنّ التَّمييز بدليلٍ آخر، ولعلَّ المصنّف راعَى اللَّفظ الوارد في النَّهي عن ذلك وهو فيما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عبّاس مرفوعاً(٢): ((لا يَؤُّ الغلام حتَّى يَحَتَلِم)» وإسناده ضعيف. وقد أخرج المصنّف في غزوة الفتح (٤٣٠٢) حديث عَمْرو بن سَلِمة - بكسر اللَّم - أنَّه كان يؤمُّ قومَه وهو ابن سبع سنين. وقيل: إنَّما لم يَستَدِلّ به هنا لأنَّ أحمد ابن حنبل تَوَقَّفَ فيه. فقيل: لأنَّه ليس فيه اطّلاع النبيّ وَّ على ذلك، وقيل: لاحتمال أن يكون أراد أنَّه كان يؤمُّهم في النافلة دون الفريضة. وأُجِيبَ عن الأوَّل: بأنَّ زمانَ نُزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابة النَّقرير على ما لا يجوز فعلُه، ولهذا استدلَّ أبو سعيد وجابر على جواز العَزْل بأنَّهم كانوا يَعِزِلون والقرآن ينزلُ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه (٥٢٠٨- ٥٢١٠)، وأيضاً فالوَفد الذين (١) كلمة ((له)) سقطت من (س). (٢) بل موقوف برقم (١٨٧٢) و(٣٨٤٧). ٢٢٦ باب ٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قدَّموا عَمْرو بن سَلِمة كانوا جماعةً من الصحابة، وقد نقل ابن حَزْمِ أنَّه لا يُعلَمُ لهم في ذلك مخالفٌ منهم. وعن الثاني: بأنَّ سياق رواية المصنّف تَدُلّ على أنَّه كان يؤمّهم في الفرائض لقوله فيه: ((صَلّوا صلاة كذا في حينِ كذا، فإذا حَضَرَت الصلاة)) الحديث. وفي رواية لأبي داود (٥٨٧) قال عمرو: فما شَهِدت مَشهَداً في جَرْمٍ(١) إلَّا كنت إمامَهم. وهذا يَعُمّ الفرائض والنَّوافل. ١٨٦/٢ واحتَجَّ ابن حَزْم على عدم الصحّة بأنَّه ◌ِّهِ أمر أن يؤمَّهم أقرَؤُهم قال: فعلى هذا إنَّما يؤمُّ مَن يتوجَّه إليه الأمر، والصبيّ ليس بمأمورٍ لأنَّ القَلَمْ رُفِعَ عنه فلا يَؤُم، كذا قال، ولا يخفى فساده لأنّا نقول: المأمور مَن يتوجَّه إليه الأمر من البالغينَ بأَّهم يُقدِّمون مَن اتَّصَفَ بكَونِه أكثرَ قُرآناً، فَبَطَلَ ما احتَجَّ به. وإلى صِحَّة إمامة الصبيّ ذهب أيضاً الحسن البصريّ والشافعيّ وإسحاق، وكَرِهَها مالك والثَّوري، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان، والمشهور عنهما الإجزاء في النَّوافل دون الفرائض. قوله: ((لِقول النبيّ ◌َّ: يؤمّهم أقرَؤُهم لكتابِ الله)) أي: فكُلّ مَن اتَّصَفَ بذلك جازت إمامَته من عبد وصبيّ وغيرهما، وهذا طرفٌ من حديث أبي مسعود الذي ذكرناه في ((باب أهل العِلم أحَقٌّ بالإمامة))(٢)، وقد أخرجه مسلم وأصحاب السُّنَن(٣) بلفظ: ((يؤمّ القوم أقرَؤُهم لكتاب الله)) الحديث. وفي حديث عَمْرو بن سَلِمة المذكور عن أبيه، عن النبيّ ◌َّه قال: ((وليؤمَّكم أكثرُكم قُرآناً»، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم (٦٧٢) أيضاً: ((إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم، (١) هي قبيلة عمرو بن سَلِمةً. (٢) بل ذكره في باب ((إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم)) (٦٨٥). (٣) أخرجه مسلم (٦٧٣)، وأبو داود (٥٨٢)، وابن ماجه (٩٨٠)، والترمذي (٢٣٥)، والنسائي (٧٨٠). ٢٢٧ باب ٥٤ / ح ٦٩٢ أبواب الجماعة والإمامة وأحَقّهم بالإمامة أقرَؤُهم)) واستدلَّ بقوله: ((أقرَؤُهم)) على أنَّ إمامة الكافر لا تَصِحّ، لأنَّه لا قراءةَ له. قوله: ((ولا يُمْنَعُ العبد من الجماعة)» هذا من كلام المصنِّ، وليس من الحديث المعلَّق. قوله: ((بغير عِلَّة)) أي: بغير ضرورةٍ لسَيِّدِه، فلو قَصَدَ تَفويت الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك، وسنذكر مُستنَدَه في الكلام على قصَّة سالم في أوَّلِ حديثَي الباب. ٦٩٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، قال: لمَّا قَدِمَ المهاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - موضعٌ بقُباءٍ - قبلَ مَقْدَم رسول الله ◌ِيل وكان يؤمُّهم سالمٌ مولى أبي حُذَيفة، وكان أكثرَهُم قرآناً. [طرفه في: ١٧٥ ٧] قوله: ((عن عُبيد الله)) هو العُمَريُّ. قوله: ((لَمّا قَدِمَ المهاجِرُونَ الأوَّلُونَ)) أي: من مكَّة إلى المدينة، وبه صَرَّحَ في رواية الطَّبرانيٌّ (٦٣٧٢). قوله: (العُصْبةَ)) بالنصب على الظَّرْفيَّة لقوله: (قَدِم))، كذا في جميع الروايات، وفي رواية أبي داود (٥٨٨): ((نَزَلوا العُصبة)) أي: المكان المسمَّى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهمَلة بعدها مُوخَّدةٌ، واختُلِفَ في أوَّله: فقيل: بالفتحِ، وقيل: بالضم بوزن جُملة، ثمَّ رأيت في ((النِّهاية)) ضبطه بعضُهم بفتح العين والصاد المُهمَلتَين، قال أبو عُبيد البَكْريُّ: لم يَضِطه الأَصِيليُّ في روايته، والمعروف ((المُعَصَّب)) بوزن محمَّد بالتَّشديد: وهو موضع بقُباء. قوله: ((وكان يؤمّهم سالمٌ مَوْلى أبي حُذَيفَة)) زاد في الأحكام (٧١٧٥) من رواية ابن جُرَيج عن نافع: ((وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سَلَمة - أي: ابن عبد الأسد- وزيد - أي: ابن حارثة - وعامر بن ربيعة)) واستُشكِلَ ذِكْر أبي بكر فيهم، إذ في الحديث أنَّ ذلك كان قبلَ مَقْدَم النبيّ وََّ وأبو بكر كان رفيقَه، ووَجَّهَه البيهقيُّ باحتمال أن يكون سالمٌ المذكور استَمَرَّ على الصلاة بهم فيَصِحّ ذِكْر أبي بكر، ولا يخفى ما فيه. ٢٢٨ باب ٥٤ / ح ٦٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ووجه الدلالة منه إجماع كبار الصحابة القُرَشيّينَ على تقديم سالم عليهم، وكان سالم المذكور مولى امرأة من الأنصار فأعتَقَتْه، وكأنَّ إمامَته بهم كانت قبلَ أن يَعتِقِ، وبذلك تَظْهَر مُناسَبة قول المصنّف: ((ولا يُمنَع العبد)). وإنَّما قيل له: مولى أبي حُذَيفة، لأنَّه لازمَ أبا ◌ُذَیفة بن عُتبةَ بن ربيعة بعد أن عَتَقَ فتبنّاه، فلمَّا مُهوا عن ذلك قيل له: مولاه، كما سيأتي في موضعه. واستُشهِدَ سالم باليمامة في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما. قوله: ((وكان أكثرَهم قرآناً) إشارةٌ إلى سبب تقديمهم له مع كَوْنهم أشرَفَ منه، وفي رواية للطَّبرانيّ (٦٣٧٢): «لأنّه كان أكثرهم قُرآنً». ٦٩٣- حدَّنا محمّدُ بنُ بشَارِ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثني أبو السَّاح، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّم قال: ((اسمَعُوا وأطِيعُوا، وإنِ استُعمِلَ حَبَشٌّ كأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبةٌ». [طرفاه في: ٧١٤٢،٦٩٦] قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّانُ. قوله: ((اسمَعُوا وأطيعُوا)) أي: فیما فيه طاعةٌ لله. قوله: ((وإن استُعمِلَ)) أي: جُعِلَ عاملاً، وللمصنّ في الأحكام (٧١٤٢) عن مُسدَّد عن يحيى: ((وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حَبَشِيّ)» وهو أصرَحُ في مقصود الترجمة، وذكره بعد باب (٦٩٦) من طريق غُندَر عن شُعْبة بلفظ: قال النبيّ ◌َ لَّ لأبي ذرِّ: ((اسمَعْ وأطِع)) الحديث، وقد أخرجه مسلم (١٨٣٧) من طريق غُندَر أيضاً لكن بإسنادٍ له آخرَ عن شُعْبة عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: إنَّ خليلي ◌َّ أوصاني أن: اسمَعْ وأطِعْ وإن كان عبداً حَبَشيّاً مُجُدَّع الأطراف، وأخرجه الحاكم والبيهقيُّ (٨٨/٣)(١) من هذا الوجه، وفيه قصَّة: أنَّ أبا ذرّ انتهى إلى الرَّبَذَة وقد أُقيمت الصلاة، فإذا عبدٌ ٨٧/٢ ١ يؤمُّهم، قال: فقيل: هذا أبو ذر،/ فذهب يتأخّر، فقال أبو ذرٍّ: أوصاني خليلي ◌َِّ، فذكر (١) رواية البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم، لكن لم نقف عليه في ((المستدرك))، فلعله في غيره، وقد فات الحافظَ عزوه لابن ماجه، وهو في «سننه)) برقم (٢٨٦٢). ٢٢٩ باب ٥٤ / ح ٦٩٣ أبواب الجماعة والإمامة الحدیث. وأخرج مسلم (١٨٣٨) أيضاً من طريق غُندَر أيضاً عن شُعْبة، عن يحيى بن الحُصَين قال: سمعت جَدَّتِي تُحدِّث أنَّها سمعتِ النبيَّ وَلِ يَخْطُب في حَجَّة الوداع يقول: ((ولو استُعمِلَ عليكم عبد يقودُكم بكتاب الله)) وفي هذه الرواية فائدتان: تعيين جهة الطّاعة، وتاريخ الحديث وأنَّه كان في أواخر عهد النبيِّ وَل. قوله: ((كأنَّ رأسَه زَبِيبةٌ)) قيل: شَبَّهَه بذلك لصِغَرِ رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل: لسَواده، وقيل: لِقِصَرِ شَعر رأسه وتَفَلْفُلِه. ووجه الدلالة فيه على صِحَّة إمامة العبد: أنَّه إذا أُمر بطاعَتِه فقد أُمر بالصلاة خلفَه، قاله ابن بَطَّال. ويحتمل أن يكون مأخوذاً من جهة ما جَرَت به عادتُهم أنَّ الأمير هو الذي يتولَّ الإمامة بنفسه، أو نائبُه. واستدلَّ به على المنع من القيام على السَّلاطينِ وإن جاروا، لأنَّ القيام عليهم يُفضي غالباً إلى أشَدَّ ممَّا يُنكَر عليهم، ووجه الدلالة منه: أنَّه أمر بطاعة العبد الحَبَشِيّ، والإمامة العُظمَى إِنَّما تكون بالاستحقاق في قُرَيشٍ فيكون غيرهم مُتغلّباً، فإذا أمر بطاعَتِهِ استَلزَمَ النَّهيَ عن مُخَالَفتِه والقیام علیه. ورَدَّه ابن الجَوْزيّ بأنَّ المراد بالعاملِ هنا: مَن يستعمله الإمام، لا مَن يَلِي الإمامة العُظمَى، وبأنَّ المراد بالطّاعة الطاعةُ فيما وافَقَ الحَقَّ، انتهى. ولا مانع من حمله على أعمَّ من ذلك، فقد وُجِدَ مَن وليَ الإمامةَ العُظمَى من غير قُرَيش من ذوي الشَّوكة مُتغلِّباً، وسيأتي بَسْطُ ذلك في كتاب الأحكام. وقد عَكَسَه بعضهم فاستَدلَّ به على جواز الإمامة في غير قُريش، وهو مُتَعقَّبٌ، إذ لا تَلازُمَ بين الإجزاء والجواز، والله أعلم. ٢٣٠ باب ٥٥ / ح ٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ٥٥- بابٌ إذا لم يُتِمَّ الإمام وأتمَّ مَن خلفه ٦٩٤- حدَّثنا الفضلُ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ موسى الأشيَبُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن زيدِ بنِ أسلَم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِّ قال: ((يُصلَّونَ لكم، فإنْ أصابُوا فلكم، وإنْ أخطَؤُوا فلكم وعليهم». قوله: ((باب إذا لم يُتِمَّ الإمام وأتمَّ مَن خلفَه)) يشير بذلك إلى حديث عُقبةَ بن عامر وغيره کما سيأتي. قوله: ((حدَّثْنا الفضل بن سَهْل)) هو البغداديّ المعروف بالأعرَجِ، من صِغار شيوخٍ البخاري، وماتَ قبلَه بسنةٍ. قوله: ((يُصلُّونَ)) أي: الأئمّة، واللَّام في قوله: ((لكم)) للتَّعليل. قوله: ((فإنْ أصابُوا فلكم)) أي: ثواب صلاتكم، زاد أحمد (٨٦٦٣) عن الحسن بن موسى بهذا السَّنَد: ((ولهم)) أي: ثواب صلاتهم، وهو يُغني عن تكلُّفِ توجيه حَذْفها. وتمسَّكَ ابن بَطَّالٍ بظاهر الرواية المحذوفة فَزَعَمَ أنَّ المراد بالإصابة هنا إصابة الوقت، واستدلَّ بحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((لعلَّكم تُدرِكون أقواماً يُصلُّون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدرَكتُموهم فصَلُّوا في بيوتكم في الوقت، ثمَّ صَلُّوا معهم واجعَلوها سُبْحَةً)) وهو حديث حسنٌ، أخرجه النَّسائيُّ وغيرُه(١)، فالتقدير على هذا: فإن أصابوا الوقت وإن أخطؤوا الوقت فلكم، يعني: الصلاة التي في الوقت. انتهى، وغَفَلَ عن الزّيادة التي في رواية أحمد، فإنَّهَا تَدُلّ على أنَّ المراد صلاتهم معهم لا عند الانفراد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعيم في ((مُستخرَجَيهما)) من طرق عن الحسن بن موسى. وقد أخرج ابن حِيَّان (٢٢٢٨) حديث أبي هريرة من وجه آخرَ أصرَحَ في مقصود الترجمة، ولفظُه: ((يكون أقوام يُصلُّون الصلاة، فإن أتمُّوا فلكم ولهم)) وروى أبو داود (٩٨٢٦) من حديث عُقبةَ بن عامر مرفوعاً: ((مَن أمَّ الناس فأصابَ الوقت فله ولهم)). وفي (١) أخرجه أحمد (٣٦٠١)، وابن ماجه (١٢٥٥)، والنسائي (٧٧٩)، وأصله في ((صحيح مسلم)) (٥٣٤). ٢٣١ باب ٥٥ / ح ٦٩٤ أبواب الجماعة والإمامة رواية أحمد (١٧٣٢٣) في هذا الحديث: ((فإن صَلَّوا الصلاة لوقتِها وأتمُّوا الركوع والسجود فهي لكم ولهم)) فهذا يُبيِّن أنَّ المراد ما هو أعمُّ من تركِ إصابة الوقت. قال ابن المنذر: هذا الحديث يَرُدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ صلاة الإمام إذا فسَدَت فسَدَت صلاة مَن خلفَه. قوله: ((وإنْ أخطَؤْوا)) أي: ارتَكَبوا الخطيئة، ولم يُرِد به الخطأ المقابلَ للعمدِ، لأنَّه لا ١٨٨/٢ إثمَ فیه. قال المهلَّبُ: فيه جواز الصلاة خلفَ البَرِّ والفاجر إذا خِيفَ منه. ووَجَّهَ غیرُه قوله: ((إذا خيفَ منه)) بأنَّ الفاجر إنَّما يؤمُّ إذا كان صاحبَ شوكةٍ. وقال البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)): فيه دليل على أنَّه إذا صلَّى بقومٍ مُحدِثاً أنَّه تَصِحّ صلاة المأمومينَ وعليه الإعادة. واستَدلَّ به غيره على أعمَّ من ذلك، وهو صِحَّة الائتمام بمَن يُحِلّ بشيءٍ من الصلاة رُكناً كان أو غيرَه إذا أتمَّ المأموم، وهو وجهٌ عند الشافعيَّة بشرطِ أن يكون الإمام هو الخليفةَ أو نائبَه، والأصحّ عندهم صِحَّة الاقتداء إلا بمَن عُلِمَ أنَّه تركَ واجباً. ومنهم مَن استدلَّ به على الجواز مُطلَقاً، بناءً على أنَّ المراد بالخطأ ما يقابلُ العَمْد، قال: ومحلُّ الخلاف في الأُمور الاجتهاديَّة، كمَن يُصلِّ خلفَ مَن لا يَرَى قراءة البسملة ولا أنَّها من أركان القراءة ولا أنَّها آيةٌ من الفاتحة، بل يَرَى أنَّ الفاتحة تُجْزِئُ بدونها قال: فإنَّ صلاة المأموم تَصِحّ إذا قرأ هو البسملة لأنَّ غاية حال الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ، وقد دلَّ الحديث على أنَّ خطأ الإمام لا يُؤثِّر في صِحَّة صلاة المأموم إذا أصاب. تنبيه: حديث الباب من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وفيه مقال، وقد ذكرنا له شاهداً عند ابن حِبَّان، وروى الشافعيّ (١٨٥/١) معناه من طريق صفوان بن سُلَيمٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((يأتي قوم فيُصلَّون لكم، فإن أتمُّوا كان لهم ولكم، وإِن نَقَصوا كان عليهم ولكم)). ٢٣٢ باب ٥٦ / ح ٦٩٥ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦ - باب إمامة المَفتون والمُبتدِع وقال الحسنُ: صَلِّ، وعليه بِدْعتُه. ٦٩٥ - قال أبو عبد الله: وقال لنا محمَّدُ بنُ يوسفَ: حدَّثْنا الأوزاعيُّ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن محميدٍ بنِ عبدِ الرحمن، عن عُبيد الله بنِ عَديٍّ بنِ خِيارٍ: أنَّه دخل على عثمانَ بنِ عقَّانَ ﴾ وهو محصورٌ فقال: إنَّكَ إِمامُ عامّةٍ، ونَزَلَ بكَ ما نَرَى، ويُصلِّ لنا إمامُ فِتْنَةٍ، ونتحرَّجُ، فقال: الصلاةُ أحسَنُ ما يعملُ النَّاسُ، فإذا أحسَنَ النَّاسُ فأحسِنْ معهم، وإذا أساؤُوا فاجتَنِبْ إساءَتَهم. وقال الزُّبَيدِيُّ: قال الزُّهْريُّ: لا نَرَى أنْ يُصلَّى خلفَ المختَّثِ إلَّا من ضَرُورةٍ لا بُدَّ منها. قوله: ((باب إمامة المفتون)) أي: الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام، ومنهم مَن فسَّرَه بما هو أعمُّ من ذلك. قوله: ((والمبتدع)) أي: مَن اعتَقَدَ شيئاً ممّا يخالف أهلَ السُّنّة والجماعة. قوله: ((وقال الحسن: صَلِّ وعليه بدعتُه)) وَصَلَه سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن حَسّانَ: أنَّ الحسن سُئِلَ عن الصلاة خلفَ صاحب البدعة، فقال الحسن: صَلِّ خلفَه وعلیه بدعتُه. قوله: ((وقال لنا محمَّد بن يوسف)) هو الفريابيُّ، قيل: عَبَّرَ بهذه الصِّيغة لأنَّه مَّا أخَذَه من شيخه في المُذاكرة فلم يقل فيه: حدَّثنا، وقيل: إنَّ ذلك ممَّا تَحمَّلَه بالإجازة أو المناوَلة أو العَرْضِ، وقيل: هو متصلٌ من حيثُ اللَّفظُ منقطعٌ من حيثُ المعنى. والذي ظَهَرَ لي بالاستقراء خلاف ذلك، وهو أنَّه متصلٌ لكنَّه لا يُعبِّرُ بهذه الصِّيغة إلَّا إذا كان المتنُ موقوفاً أو كان فيه راوٍ ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأوَّل، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من رواية محمد بن يحيى قال: حدَّثنا محمد بن يوسفَ الفِریابيُّ. ١٨٩/٢ قوله: ((عن مُميدٍ بن عبد الرحمن)) أي: ابن عَوْف، وفي رواية الإسماعيليّ: أخبرني حميدٌ. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق أُخرى عن الأوزاعي، وخالَفَه يونس بن يزيد فقال: عن الزُّهريِّ عن عُرْوة، أخرجه الإسماعيليّ أيضاً، وكذلك رواه مَعمَرٌ عن الزُّهريّ، أخرجه عمر ٢٣٣ باب ٥٦ / ح ٦٩٥ أبواب الجماعة والإمامة ابن شَبَّة في كتاب ((مَقتَل عثمان))(١) عن غُندَر عنه، ويحتمل أن يكون للزُّهريِّ فيه شيخان(٢). قوله: ((عن عُبيد الله بن عَديٍّ)) في رواية ابن المبارك عن الأوزاعيِّ عند الإسماعيليّ وأبي نُعيم: ((حدَّثني عبيد الله بن عَديِّ بن الخِيار من بني نَوفَل بن عبد مَنافٍ))(٣) وعبيد الله المذكور تابعيٍّ كبير معدود في الصحابة لكَونِهِ وُلِدَ في عهد النبيّ ◌َِّ، وكان عثمان من أقاربِ أمِّه كما سيأتي في موضعه. قوله: ((إِنَّك إِمامُ عامَّةٍ)) أي: جماعة، وفي رواية يونس: ((وأنتَ الإمام)) أي: الأعظم. قوله: ((ونزل بك ما نَرَى)) أي: من الحِصار. قوله: «وُصلِّ لنا» أي: يؤمُّنا. قوله: ((إمام فِتْنة)) أي: رئيسُ فتنة، واختُلِفَ في المشار إليه بذلك، فقيل: هو عبد الرحمن ابن عُدَيسِ البَلَويُّ أحد رؤوس المِصريّينَ الذين حَصَروا عثمان، قاله ابن وضَّاح فيما نَقَلَه عنه ابن عبد البَرِّ وغيره، وقاله ابن الجَوْزيّ وزاد: إنَّ كِنانةَ بن بشر أحد رؤوسِهم صلَّى بالناس أيضاً. قلت: وهو المراد هنا (٤)، فإنَّ سيف بن عمر روى حديث الباب في كتاب ((الفتوح)) من طريق أُخرى عن الزُّهريّ بسنده فقال فيه: ((دخلت على عثمان وهو محصور وكِنانةُ يُصلِّي (١) وهو في ((تاريخ المدينة المنورة)) لعمر بن شبة ١٢١٥/٤- ١٢١٦. (٢) بل له فيه أكثر من شيخين، فقد روى القصة عنه أيضاً يونس بن يزيد - في رواية ابن المبارك عنه - عند عمر بن شبة في «تاريخ المدينة)» ١٢١٧/٤ فقال: عن أبي سلمة، قال: دخل أبو قتادة الأنصاري ورجل آخر معه على عثمان ﴾ وهو محصور، فقال ... فذكر نحوه مختصراً. والرجل الآخر هو عُبيد الله بن عدي ابن الخیار کما توضحه الروايات الأخرى. (٣) رواية ابن المبارك عن الأوزاعي أيضاً عند عمر بن شبة ١٢١٦/٤ لكن ليس فيها ذكر قبيل عبيد الله. (٤) لكن الذي في ((تاريخ المدينة)) لعمر بن شبة ١٢١٥/٤-١٢١٦ من طريق معمر بن راشد عن الزهري: أن الذي كان يصلي بهم علي بن أبي طالب. وإسناده أصح من إسناد سيف بن عمر، لكن لم يَرِدْ في رواية معمر هذه عبارة: إمام فتنة. وأخرجه من طريق معمر أيضاً ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٨/ ٤٧ کروایة عمر بن شبّة. ٢٣٤ باب ٥٦ / ح ٦٩٥ فتح الباري بشرح البخاري بالناس فقلت: كيف تَرَى)) الحديث. وقد صلَّى بالناس يومَ حُصِرَ عثمان أبو أُمامةَ بن سَهْل ابن حُنيف الأنصاريّ لكن بإذنِ عثمان، ورواه عمر بن شَبَّة بسندٍ صحيح، ورواه ابن المَدِينيّ من طريق أبي هريرة (١). وكذلك صلَّى بهم عليّ بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل الْخُطَبي(٢) في ((تاريخ بغداد)) من رواية ثَعلَبةَ بن يزيد الحِمَّنيِّ قال: فلمَّا كان يوم عيد الأضحى جاءَ عليٌّ فصلَّى بالناس(٣). وقال ابن المبارك فيما رواه الحسن الحُلْوانيّ: لم يُصلِّ بهم غيرَها. وقال غيره: صلَّى بهم عِدَّة صلوات، وصلَّى بهم أيضاً سهل بن حُنَيف، رواه عمر بن شَبَّة بإسنادٍ قويٍّ. وقيل: صلَّى بهم أيضاً أبو أيوب الأنصاريّ وطَلْحة بن عبيد الله، وليس واحد من هؤلاءِ مراداً بقوله: ((إمام فتنة)). وقال الدَّاووديُّ: معنى قوله: ((إمام فتنة)) أي: إمامُ وقت فتنة، وعلى هذا لا اختصاص له بالخارجيّ. قال: ويدلُّ على صِحَّة ذلك أنَّ عثمان لم يَذكُر الذي أمَّهم بمكروهِ، بل ذكر أنَّ فعلَه أحسنُ الأعمال. انتهى، وهذا مُغاير لمراد المصنِّف من ترجمته، ولو كان كما قال لم يكن قوله: ((ونتحرَّج)) مُناسباً. قوله: ((ونتحرَّج)) في رواية ابن المبارك: ((وإنّا لنتحرَّجُ من الصلاة معه)) والتحرُّج: التأثُّمُ، أي: نَخاف الوقوع في الإثم، وأصلُ الحَرَج: الضِّيقُ، ثمَّ استُعمِلَ للإثم، لأنَّه ◌ُضیِّق على صاحبه. (١) وهو في ((تاريخ المدينة)) لعمر بن شبة ١٢١٨/٤. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: الخطي، ورُسم في (ع): ((الخطي)) دون إعجام، وهو إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخُطَبي، قال السمعاني في ((الأنساب)): ظنّي أن هذه النسبة إلى الخُطَب وإنشائها، وإنما ذُكر هذا لفصاحته ... قلنا: لم نجد أحداً ذكر أن له كتاباً اسمه ((تاريخ بغداد)) غير الحافظ هنا، ولعله سبق قلمٍ منه رحمه الله، فقد ذكر ابن ناصر الدين في ((توضيح المشتبه)) أن للمترجَم كتاباً اسمه («تاريخ الخلفاء))، وأما غير ابن ناصر ممن ترجم له فذكروا أن له تاريخاً كبيراً على ترتيب السنين، ولم يسمُّوه. (٣) وأصح منه ما سلفت الإشارة إليه في التعليق قريباً أنه عليُّ أيضاً. لكن ليس فيه التقييد بكونها صلاةً الأضحى. ٢٣٥ باب ٥٦ / ح ٦٩٥ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((فقال: الصلاة أحسَن)) في رواية ابن المبارك: إنَّ الصلاة أحسنُ، وفي رواية مَعِقِلٍ ابن زياد عن الأوزاعيِّ عند الإسماعيليّ: من أحسن. قوله: ((فإذا أحسَنَ النَّاس فأحسِن)) ظاهره أنَّه رَخَّصَ له في الصلاة معهم، كأنَّه يقول: لا يَضُرُّك كَونُه مفتوناً، بل إذا أحسنَ فوافِقْه على إحسانه واترُك ما افتَتَنَ به، وهو المطابق لسياق الباب، وهو الذي فهمَه الدَّاووديُّ حتَّى احتاجَ إلى تقدير حذف في قوله: ((إمام فتنة)). وخالَفَ ابنُ المنيِر فقال: يحتمل أن يكون رأى أنَّ الصلاة خلفَه لا تَصِحّ فحاد عن الجواب بقوله: ((إنَّ الصلاة أحسنُ))، لأنَّ الصلاة التي هي أحسنُ هي الصلاة الصحيحةُ، وصلاة الخارجيّ غيرُ صحيحة، لأنَّه إمَّا كافرٌ أو فاسقٌ. انتهى، وهذا قاله نُصرةً لمذهبِه في عدم صِحَّة الصلاة خلفَ الفاسق، وفيه نظرٌ، لأنَّ سيفاً روى في ((الفتوح)) عن سهل بن يوسفَ الأنصاريّ عن أبيه قال: كَرِه الناس الصلاة خلفَ الذين حَصَروا عثمان، إلَّا عثمان فإنَّه قال: مَن دعا إلى الصلاة فأجيبوه، انتهى. فهذا صريحٌ في أنَّ مقصوده بقوله: ((الصلاة أحسن)) الإشارة إلى الإذن بالصلاة خلفه، ١٩٠/٢ وفيه تأييد لما فهمَه المصنِّف من قوله ((إمام فتنة))، وروى سعيد بن منصور من طريق مكحول قال: قالوا لعثمانَ: إنّا نتحرَّجُ أن نُصلّيَ خلفَ هؤلاء الذين حصروك، فذكر نحوَ حديث الزُّهريّ. وهذا منقطعٌ إلَّا أنَّه اعتَضَد. قوله: ((وإذا أساؤُوا فاجتَنِب)) فيه تحذير من الفتنة والدُّخول فيها، ومن جميع ما يُنكَرُ من قول أو فعلٍ أو اعتقاد. وفي هذا الأثر الحضُّ على شهود الجماعة ولا سيّما في زَمَن الفتنة، لئلّا يزداد تَفُّقُ الكلمة. وفيه أنَّ الصلاة خلفَ مَن تُكرَه الصلاةُ خلفَه أولى من تعطيل الجماعة. وفيه رَدٌّ على زَعَمْ أنَّ الجمعة لا يجزئُ أن تُقامَ بغير إذنِ الإمام. قوله: «وقال الزُّبَيدِيُّ)) بضمِّ الزّاي: هو محمد بن الوليد. ٢٣٦ باب ٥٧ / ح ٦٩٦ -٦٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((المخنَّث)) رُويناه بكسر النُّون وفتحها، فالأوَّل المراد به: مَن فيه تكتُّرٌ وَثَنِّ وتَشَبُّهُ بالنِّساء. والثاني المراد به: مَن يُؤتَى، وبه جَزَمَ أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التِّين مُحْتَجّاً بأنَّ الأوَّل لا مانع من الصلاة خلفَه إذا كان ذلك أصلُ خِلقَتِهِ. ورُدَّ بأنَّ المراد مَن يتعمَّد ذلك فيَتَشَبَّه بالنِّساء، فإنَّ ذلك بدعةٌ قبيحةٌ، ولهذا جَوَّزَ الدَّاووديُّ أن يكون كلّ منهما مراداً. قال ابن بَطَّال: ذكر البخاري هذه المسألة هنا لأنَّ المخنَّث مُفتَتَنٌ في طريقتِه. قوله: ((إلَّا من ضَرُورة)) أي: بأن يكون ذا شوكةٍ أو من جِهَته فلا تُعطّلُ الجماعة بسببه، وقد رواه مَعمَر عن الزُّهريّ بغير قَيدٍ. أخرجه عبد الرزاق (٤٨٤٠) عنه ولفظه: قلت: فالمخَّث؟ قال: لا ولا كرامة، لا يُؤتَمُّ به. وهو محمول على حالة الاختيار. ٦٩٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبان، حدَّثنا غُندَرٌ، عن شُعْبة، عن أبي التَّاح، أنَّه سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ: قال النبيُّ ◌َّهِ لأبي ذرِّ: ((اسمَعْ وأَطِعْ، ولو لحبشيٍّ كأنَّ رأسَه زَبِيبٌ)). قوله: ((حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبانَ)) هو البَلْخِيُّ مُستَمْلي وكيعٍ، وقيل: الواسطيُّ، وهو مُتَمَلٌ، لكن لم نَجِدْ للواسطيِّ روايةً عن غُندَر بخلاف البَلْخي، وقد تقدَّم عنه بموضعٍ آخرَ في المواقيتٍ، وهذا جميعُ ما أخرج عنه البخارُّ. قوله: ((اسمَعْ وأُطِعْ)) تقدَّم الكلامُ علیه قبلُ ببابٍ. قال ابن المنيِّر: وجه دخوله في هذا الباب أنَّ الصِّفةَ المذكورةَ إنَّما تُوجَدُ غالباً في أعجَميِّ حديثٍ عهدٍ بالإسلام لا يَخْلُو من جهلٍ بدينِهِ، وما يَخْلُو مَن هذه صفتُه من ارتكاب البِدْعة، ولو لم يكن إلَّا افتتانُه بنفسه حتَّى تقدَّم للإمامة وليس من أهلها. ٥٧ - بابٌ يقوم عَن يمين الإمام بحذائه سواءً، إذا كانا اثنين ٦٩٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكمِ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيَر، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: بِتُّ في بيتٍ خالتي ميمونةَ، فصَلَّى رسولُ الله ◌َِله العِشاءَ، ثمَّ جاءَ فصَلَّى أربعَ رَكَعاتٍ، ثمَّ نامَ، ثمَّ قامَ، فجئتُ فقمتُ عن يسارِهِ، فجعلَني عن يمينه، فصَلَّى خمسَ رَكَعاتٍ، ثمَّ صَلَى رَكْعتَينِ، ثمَّ نامَ حتَّى سمعتُ غَطِيطَه - أو قال: خَطِيطَه - ٢٣٧ باب ٥٧ / ح ٦٩٧ أبواب الجماعة والإمامة ثُمَّ خرج إلى الصلاةِ. قوله: ((بابٌ يقومُ)) أي: المأمومُ ((عن يمينِ الإمام بحِذائه)) بكسر المهمَلة وذالٍ مُعجَمةٍ بعدها مَدَّةٌ، أي: بجنِهِ، فأخرج بذلك مَن كان خلفَه أو مائلاً عنه. وقوله: ((سواءً)) أخرج به مَن كان إلى جَنِهِ لكن على بُعدٍ عنه، كذا قال الَّينُ بن المنيِرِ، والذي يظهرُ أنَّ قوله: ((بحِذائه)) يُخْرِجُ هذا أيضاً. وقوله: ((سواءً)) أي: لا يتقدَّم ولا يتأخّرُ، وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورَدَه بُعدٌ، وقد قال أصحابنا: يُستَحبُّ أن يقفَ المأمومُ دونه قليلاً، وكأنَّ المصنّف أشارَ بذلك إلى ما وقع في بعض طرقِه، فقد تقدَّم في الطَّهارة من رواية مَخْرَمةَ عن كُرِيبٍ عن ابن عبّاسٍ (١٨٣) بلفظ: فقمتُ إلى جَنِه. وظاهرُه المساواة. وروى عبدُ الرزاق (٣٨٦١) عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ، نحواً من هذه القصَّة، وعن / ابن جُرَيج (٣٨٧٠) قال:١٩١/٢ قلتُ لعطاءٍ: الرجلُ يُصلِّ مع الرجلِ أينَ يكونُ منه؟ قال: إلى شِقِّه الأيمن. قلت: أيجاذي به حتَّى يَصُفَّ معه لا يفوتُ أحدُهما الآخرَ؟ قال: نَعَم. قلت: أُحِبُّ أن يساويَه حتَّى لا تكون بينهما فُرْجةٌ؟ قال: نَعَم. وفي ((الموطَّ))(١) عن عبدِ الله بن عُتَبةَ بن مسعودٍ قال: دخلتُ على عمرَ بن الخطّاب بالهاجرة فوجدتُه يُسبِّحُ، فقمتُ وراءَه فقَرَّبَني حتَّى جَعَلَني حذاءه عن یمینِه. قوله: ((إذا كانا)) أي: إماماً ومأموماً، بخلاف ما إذا كانا مأمومَينِ مع إمامٍ فلهما حكمٌ آخرُ. (١) كذا في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن الشيباني (١٧٦)، وبرواية أبي مصعب الزهري (٤٠٧)، وكذا هو في رواية ابن وهب كما رواه عنه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٠٧/١، وكذا في رواية القعنبي وابن بكير كما رواه عنهما يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)» ٤٧٤/٢، ومن طريقه البيهقي ٩٦/٣، وكذلك رواه الشافعي في ((الأم)) ١٩٥/٧ عن مالك، ووقع في مطبوع ((الموطأ)) برواية يحبى الليثي ١/ ١٥٤: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه قال: دخلتُ على عمر. وعبيد الله لم يدرك عمر، وإنما أبوه هو الذي أدرك عمر! ٢٣٨ باب ٥٨ / ح ٦٩٨ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: هكذا في جميعِ الروايات ((بابٌ)) بالتنوينِ ((يقومُ)) إلى آخره، وأورَدَه الَّينُ بن المنيِّر بلفظ: ((بابُ مَن يقومُ)) بالإضافة وزيادة ((مَن))، وشَرَحَه على ذلك، وتردَّدَ بین گونها موصولةً أو استفهاميَّةً، ثمَّ أطالَ في حِكْمة ذلك وأنَّ سببَه كونُ المسألة مُتَلَفاً فيها. والواقعُ أنَّ ((مَن)) محذوفة، والسياقُ ظاهرٌ في أنَّ المصنّف جازمٌ بحكم المسألة لا يتردّدُ، والله أعلم. وقد نقل بعضُهم الاتِّفاقَ على أنَّ المأمومَ الواحد يقفُ عن يمينِ الإمام إلَّا النَّخَعيَّ فقال: إذا كان الإمامُ ورجلٌ، قامَ الرجلُ خلفَ الإمام، فإن رَكَعَ الإمامُ قبلَ أن يجيءَ أحدٌ قام عن یمینه. أخرجه سعید بن منصور. ووَجَّهَه بعضُهم بأنَّ الإمامة (١) مَظِنَّةُ الاجتماع، فاعتُبِرَت في مَوقِف المأمومِ حتَّى يظهرَ خلافُ ذلك، وهو حسنٌ لكنَّه مخالفٌ للنَّص، فهو فاسدٌ، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ إبراهيمَ إنَّما كان يقول بذلك حيثُ يَظُنُّ ظناً قوياً مجيءَ ثانٍ، وقد روی سعید بن منصورٍ أيضاً عنه قال: ربّما قمتُ خلفَ الأسودِ وحدي حتَّى يجيءَ المؤذِّنُ. وذكر البيهقيُّ أنَّه يُستَفادُ من حديث الباب امتناعُ تقدُّم (٢) المأموم على الإمام خلافاً المالك، لما في رواية مسلم (٧٦٣/ ١٩٣): فقمتُ عن يساره، فأدارَني من خلفِه حتَّى جَعَلَني عن يمينه. فیه نظرٌ. ٥٨ - بابٌ إذا قام الرجل عن يَسار الإمام فحوَّله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما ٦٩٨ - حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثْنا عَمْرٌو، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، عن مَخْرَمَةَ بنِ سليمان، عن كُرَيبٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: نِمْتُ عندَ ميمونةَ والنبيُّ ◌َِّ عندَها تلكَ الليلة، فَتَوضَّأ ثمَّ قامَ يُصلِّي، فقمتُ على يسارِهِ فأخَذَني (١) تحرفت في (س) إلى: الإمام. (٢) تحرف في (س) إلى: تقدیم. ٢٣٩ باب ٥٩ / ح ٦٩٩ أبواب الجماعة والإمامة فجعلَني عن يمينِهِ، فصَلَّى ثلاث عشرةَ رَكْعَةً، ثمَّ نامَ حتَّى نَفَخ، وكان إذا نامَ نَفَخَ، ثمَّ أتاه المؤذِّنُ فخرجَ فصَلَّى، ولم يتوضَّأْ. قال عَمرٌّو: فحَدَّثتُ به بُکَیراً، فقال: حدَّثنِ كُرِيبٌ بذلكَ. قوله: ((بابٌّ إذا قامَ الرجلُ عن يسارِ الإمام)) إلى آخره، وجه الدلالة من حديث ابن عبَّاسِ المذكور: أنَّه ◌َِّه لم يُبطِل صلاة ابن عبّاسٍ مع كَونِهِ قامَ عن يساره أوَّلاً، وعن أحمدَ تَبطُلُ، لأنَّه ◌َِّه لم يُقِرَّه على ذلك، والأوَّلُ هو قولُ الجمهور، بل قال سعيد بن المسيب: إنَّ مَوقِفَ المأمومِ الواحدِ يكونُ عن يسار الإمام، ولم يُتابَع على ذلك. قوله: ((حدَّثنا أحمدُ)) لم أرَه منسوباً في شيءٍ من الروايات، لكن جَزَمَ أبو نُعيمٍ في (المستخرَج)) بأنَّه ابنُ صالح، وأخرجه من طريقه. قوله: ((عَمْرٌو)) هو ابنُ الحارثِ المِصريُّ، وكذا وقع عند أبي نُعيمٍ. قوله: ((عن عبدِ ربِّ)) بفتح الرَّاء وتشديد الموحّدة: وهو أخو يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ، وفي الإسناد ثلاثةٌ من التابعين مدنيُّون على نَسَقِ. قوله: ((نِمْتُ)) في رواية الكُشْمِيهنيُّ: ((بتُّ)). قوله: ((فأخَذَني فجعلَني)) قَد تقدَّم أنَّه أدارَه من خلْفِهِ، واستُدلَّ به على أنَّ مثلَ ذلك من العملِ لا يُفسِدُ الصلاة كما سيأتي. قوله: ((قال عَمْرٌو)) أي: ابنُ الحارثِ المذكورُ بالإسناد المذكورِ إليه، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه من تعليق البخاري، فقد ساقه أبو نُعيمِ مثلَ سياقه، وبُكَيرٌ المذكورُ في هذا: هو ابنُ عبدِ الله ابن الأشجِّ، واستفاد عَمْرو بن الحارثِ بهذه الرواية عنه العُلوَّ برجلٍ. ١٩٢/٢ ٥٩- باب إذا لم ينوِ الإمام أن يؤمّ ثم جاء قوم فأمَّهم ٦٩٩- حدَّثنا مُسَّدٌ، قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوب، عن عبدِ الله بنِ سعيدِ ابنِ مُبَيرٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: بِتُّ عندَ خالتي ميمونةَ، فقامَ النبيُّ ◌َلاَ يُصلِّ من ٢٤٠ باب ٥٩ / ح ٦٩٩ فتح الباري بشرح البخاري الليل، فقمتُ أُصلِّي معه، فقمتُ عن يساره، فأخَذَ بَرَأْسي فأقامَني عن يمينه. قوله: ((باب إذا لم يَنْوِ الإمامُ أنْ يؤمّ)) إلى آخره، لم يَجِزِم بحكم المسألة لما فيه من الاحتمال، لأنَّه ليس في حديث ابن عبّاسِ التصريحُ بأنَّ النبيَّ ◌َّه لم يَنِ الإمامة، كما أنَّه ليس فيه أنَّه نَوَى، لا في ابتداء صلاته ولا بعد أن قامَ ابن عبّاسٍ فصلَّى معه، لكن في إيقافه إيّاه منه مَوقِفَ المأمومِ ما يُشعِرُ بالثاني، وأمَّا الأوَّلُ فالأصلُ عدمُه. وهذه المسألةُ مُخْتَلَفٌ فيها، والأصحُّ عند الشافعيَّة لا يُشتَرطُ لصِحَّة الاقتداء أن ينويَ الإمامُ الإمامةَ. واستدلَّ ابنُ المنذِر أيضاً بحديث أنسٍ: أنَّ رسولَ الله وَّهِ صلَّى في شهر رمضانَ قال: فجئت فقمت إلى جَنِهِ، وجاءَ آخرُ فقامَ إلى جنبي حتَّى كنَّا رَهْطاً، فلمَّا أَحَسَّ النبيُّ وَّ بنا تجوَّزَ في صلاته، الحديث، وهو ظاهرٌ في أنَّه لم يَنِ الإمامةَ ابتداءً، وائتَمُّوا هم به وأقرَّهم، وهو حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مسلم (١١٠٤)، وعلَّقه البخاريُّ كما سيأتي في كتاب الصيام إن شاءَ الله تعالى(١). وذهب أحمدُ إلى التَّفرقة بين النافلة والفريضة، فشَرَطَ أن ينويَ في الفريضة دون النافلة، وفيه نظرٌّ، لحديث أبي سعيدٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّ رأى رجلاً يُصلِي وحدَه فقال: ((ألا رجلٌ يَتَصَدَّقُ على هذا فيُصلِّ معه)) أخرجه أبو داود (٥٧٤) وحَسَّنَه التِّرمِذيُّ (٢٢٠) وصحَّحه ابنُ خُزيمة (١٦٣٢) وابنُ حِبّان (٢٣٩٩) والحاكمُ (٢٠٩/١). قوله: ((عن عبدِ الله بنِ سعيدِ بنِ جُبَير)) هو من أقران أيوبَ الراوي عنه، ورجالُ الإسناد كلُّهم بصريُّون، وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد حديث ابن عبّاسِ المذكور في هذه الأبواب الثلاثة تامّاً في كتاب الوتر (٩٩٢) إن شاء الله تعالى. (١) بل في كتاب التمني بإثر حديث حميد عن ثابت عن أنس في وصال النبي ◌َّ آخرَ شهر رمضان، برقم (٧٢٤١)، ولم يسُق لفظه. :