النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٥١ / ح ٦٨٧ أبواب الجماعة والإمامة فليَضَعْ رأسه بقَدْرِ رفعه إيّاه. وإسناده صحيح(١). قال الزَّين بن المنيِّر: إذا كان الرَّافع المذكور يُؤمَر عنده بقضاء القَدْر الذي خرج فيه عن الإمام، فأَولى أن يَتْبَعَه في جملة السجود فلا يَسجُد حتَّى يَسجُد، وظَهَرَت بهذا مُناسَبة هذا الأثر للترجمة. قوله: «قال الحسنُ)) إلى آخره، فیه فرعان: أمَّ الفَرْع الأوَّل: فَوَصَلَه ابن المنذر في كتابه الكبير، ورواه سعيد بن منصور عن هُشَیمٍ عن يونس عن الحسن ولفظه: في الرجل يركع يومَ الجمعة فيَزْحَمه الناس فلا يقدر على السجود، قال: فإذا فرَغوا من صلاتهم سَجَدَ سَجدَتَينِ لركعتِه الأولى، ثمَّ يقوم فيُصلِّي رَكعة وسَجدَتَين. ومُقتَضاه أنَّ الإمام لا يَتَحمَّل الأركان، فمَن لم يَقدِر على السجود معه لم تَصِحّ له الرَّکعة. ومُناسَبته للترجمة من جهة أنَّ المأموم لو كان له أن ينفرد عن الإمام، لم يستمرَّ متابعاً في صلاته التي اختَلَّ بعضُ أركانها حتَّى يحتاج إلى تَدارُكِه بعد فراغ الإمام. وأمَّا الفَرع الثاني: فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٤/٢) وسياقه أتمُّ ولفظه: في رجل نَسِيَ سجدة من أوَّل صلاته فلم یَذكُرْها حتَّی کان آخرُ رَکعة من صلاته، قال: یَسجُد ثلاث سَجَدات، فإن ذكرها قبلَ السلام يَسجُد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يَستأنِف الصلاة. وقد تقدَّم الكلام على حديث عائشة الأوَّل في ((باب حَدّ المريض أن (١) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٥٨)، وفي إسناده عبدُ الوهّاب بن مجاهد، وهو متروك، لكن تابعه أبو داود الطيالسي عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ١٤ /٢٨، إلا أنه قال فيه: عن ابن أبي ذئب، عمن سمع يعقوب بن عبد الله بن الأشج. ورواه محمد بن إسحاق عن يعقوب عند ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠ لكنه مدلس وقد عنعنه. وخالف هؤلاء الثلاثة يزيد بن أبي حبيب وجعفر بن ربيعة عند الطحاوي ١٤/ ٢٧-٢٨، فروياه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، دون ذكر مُلَّد والد الحارث. ويؤيد قولهما أن ابن المنذر قد رواه في «الأوسط)» ١٩١/٤ من طريق عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد. دون ذكر مخلَّد فيه. ولا يُظَن سماع الحارث من عمر. ٢٠٢ باب ٥١ / ح ٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري يشهد الجماعة)) (٦٦٤) وقد ذكرنا مُناسَبته للترجمة قبلُ. وقوله فيه: ((ضَعُوني ماءً)) كذا للمُستَملي والسَّرَخْسيّ بالنُّون، وللباقين: ((ضَعوالي)) وهو أوجَه، وكذلك أخرجه مسلم (٤١٨) عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه، والأوَّل كما قال الكِرْمانيُّ: محمول على تَضمين الوضع معنى الإعطاء، أو على نزع الخافض، أي: ضَعوني في ماء. والمِخْضَبُ تقدَّم الكلام عليه في أبواب الوضوء، وأنَّ الماء الذي اغتَسَلَ به كان من سبْع قِرَب، وذَكَرتُ حِكْمةً ذلك هناك (١٩٨). قوله: ((فَذَهَبَ)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: ثمَّ ذهب (لِيَنُوءَ)) بضمِّ النُّون بعدها مَدَّةٌ، أي: لینهضَ بجُهدٍ. قوله: ((فأُعْمَيَ عليه)) فيه أنَّ الإغماء جائز على الأنبياء، لأنَّ شَبيه بالنوم، قال النَّوَويّ: جاز عليهم لأنَّه مرض من الأمراض، بخلاف الجُنون فلم يَحُزْ عليهم لأنَّه نقص. قوله: ((يَتَظِرُونَ رسول الله وَّهِ لصلاةِ العِشاء)» كذا للأكثر بلام التَّعليل، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسي (١): ((الصلاة(٢) العشاء الآخرة))، وتوجيهه أنَّ الراويَ كأنَّه فسَّرَ الصلاة المسؤول عنها في قوله وَله: ((أصلَّى الناس؟)) فذكره، أي: الصلاة المسؤول عنها هي العشاء الآخرة. قوله: (فخرج بینَ رجلین)» کذا للگُشْمِیھنیٍّ، وللباقین: «وخرج» بالواو. قوله: (لِصلاةِ الظُّهر)) هو صريح في أنَّ الصلاة المذكورة كانت الظُّهرَ، وزَعَمَ بعضهم أنَّها الصبح، واستدلَّ بقوله في رواية أرقَمَ بن شُرَحبيلَ عن ابن عبّاس: وأخَذَ رسولُ الله وَلَّه القراءة من حيثُ بلَغَ أبو بكر. هذا لفظ ابن ماجَهْ (١٢٣٥) وإسناده حسن، لكن في ١٧٥/٢ الاستدلال به نظرٌ، لاحتمال/ أن يكون وَ ﴿ سمع لمَّا قَرُبَ من أبي بكر الآيةَ التي كان (١) كذا في (س)، وهو الذي نقله مُلا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) عن الحافظ ابن حجر، وهو الموافق لليونينية والقسطلّاني. وفي الأصلين عندنا: والكُشمِيهني، وهو الموافق لما في ((عُمدة القاري)) للعيني. (٢) في (س): لصلاة، وهو خطأ. ٢٠٣ باب ٥١ / ح ٦٨٧ أبواب الجماعة والإمامة انتهى إليها خاصَّةً، وقد كان هو ◌َّهِ يُسمِعُ الآيَةَ أحياناً في الصلاة السِّرِّية كما سيأتي (٧٥٩) من حديث أبي قتادة، ثمَّ لو سُلِّمَ لم يكن فيه دليل على أنَّها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثَبَتَ في ((الصحيحين))(١) عن أمّ الفضل بنت الحارث قالت: سمعت رسول الله وَله يقرأ في المغرب بـ((المرسَلات عُرفاً)، ثمَّ ما صلَّى لنا بعدها حتَّى قَبَضَه الله. وهذا لفظ البخاري، وسيأتي في ((باب الوَفاة)) من آخر المغازي (٤٤٢٩)، لكن وجَدت بعدُ في النَّسائيِّ (٩٨٥) أنَّ هذه الصلاة التي ذكرتها أمّ الفضل كانت في بيته، وقد صَرَّحَ الشافعيّ بأنَّهَ وَ ◌ّهلم يُصلِّ بالناس في مرض موته في المسجد إلَّ مرَّةً واحدةً، وهي هذه التي صلَّى فيها قاعداً، وكان أبو بكر فيها أوَّلاً إماماً ثمَّ صار مأموماً يُسمِعُ الناسَ التكبيرَ. قوله: ((فجعلَ أبو بكرٍ يُصلِّي وهو قائم)) كذا للأكثر، وللمُستَملي والسَّرَخْسِيّ: ((وهو يأتمُّ)) من الائتمام. واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ استخلاف الإمام الرَّاتب إذا اشتگی أولى من صلاته بهم قاعداً، لأنَّه ◌َلِّ اسْتَخلَفَ أبا بكر ولم يُصلِّ بهم قاعداً غيرَ مَرَّة واحدة. واستُدلَّ به على صِحَّة إمامة القاعد المعذور بمثلِه وبالقائم أيضاً، وخالَفَ في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطَّحاويُّ، ونُقِلَ عنه أنَّ ذلك خاصٌّ بالنبِّ ◌َّةٍ، واحتَجَّ بحديث جابر عن الشَّعبيّ مرفوعاً: ((لا يؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً)(٢). واعتَرَضَه الشافعيّ فقال: قد عَلِمَ مَن احتَجَّ بهذا أن لا حُجَّةَ فيه لأنَّه مُرسَل، ومن رواية رجل يَرغَب أهلُ العِلم عن الرواية عنه - يعني جابراً الجُعْفي ... وقال ابن بَزِيزةَ: لو صَحَّ لم يكن فيه حُجَّة لأنَّه يحتمل أن يكون المراد منعَ الصلاة بالجالس، أي: يُعرَبُ قوله: ((جالساً)) مفعولاً لا حالاً. وحكى عياض عن بعض مَشائِهم أنَّ الحديث المذكور يدلّ على نَسْخ أمره المتقدِّم لهم (١) البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢). (٢) عند عبد الرزاق (٤٠٨٧) و(٤٠٨٨). ٢٠٤ باب ٥١ / ح ٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري بالجلوسِ لمَّ صَلَّوا خلفَه قياماً. وتُعُقِّبَ بأنَّ ذلك يحتاج لو صَحَّ إلى تاريخ، وهو لا يَصِحّ. لكنَّه زَعَمَ أنَّه تَقَوَّى بأنَّ الخلفاء الرَّاشِدينَ لم يفعلْه أحدٌ منهم، قال: والنَّسخ لا يَثْبُت بعد النبيّ ◌ََّ، لكن مواظَبتهم على تركِ ذلك تَشْهَدُ لصِحَّة الحديث المذكور. وتُعُقِّبَ بأنَّ عدم النَّقَل لا يدلّ على عدم الوقوع، ثمَّ لو سُلِّمَ لا يَلزَم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتَفَوا باستخلاف القادر على القيام، للاتِّفاق على أنَّ صلاة القاعد بالقائمِ مَرجُوحة بالنِّسبة إلى صلاة القائم بمثلِه، وهذا كافٍ في بيان سبب تركِهم الإمامةَ من قعود. واحتُجَّ أيضاً بأنَّه وَّهِ إِنَّمَا صلَّى بهم قاعداً لأنَّه لا يَصِحّ التقدُّم بين يديه لنَهيِ الله عن ذلك، ولأنَّ الأئمّة شُفَعاء ولا یکون أحد شافعاً له. وتُعُقِّبَ بصلاته وَِّ خلفَ عبد الرحمن بن عَوْف(١)، وهو ثابت بلا خلاف فيه. وصَحَّ أيضاً أنَّه صلَّى خلفَ أبي بكر كما قدَّمناه. والعَجَب أنَّ عُمدة مالكٍ في منع إمامة القاعد قولُ ربيعة: إنَّ النبيَّ ◌َّ كان في تلك الصلاة مأموماً خلفَ أبي بكر، وإنكاره أن يكون وَ ل﴿ أَمَّ في مرض موته قاعداً، کما حكاه عنه الشافعيّ في ((الأَم))، فكيف يَدَّعي أصحابه عدمَ تَصوير أنَّه صلَّى مأموماً؟ وكأنَّ حديث إمامَته المذكور لمَّا كان في غاية الصخَّة ولم يُمكِّنْهم رَدُّ سَلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة، وقد تَبيَّنَ بصلاته خلفَ عبد الرحمن بن عَوف أنَّ المراد بمنْع التقدُّم بين يديه في غير الإمامة، وأنَّ المراد بكون الأئمّة شُفَعاءَ، أي: في حقِّ مَن يحتاج إلى الشَّفاعة. ثمَّ لو سُلِّمَ أنَّه لا يجوز أن يؤمَّه أحدٌ لم يدلّ ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أمَّ قاعداً جماعةٌ من الصحابة بعده وَ لّ منهم: أُسَيدُ بن حُضَيرٍ وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة وغيرهم(٢)، بل (١) عند مسلم (٢٧٤) (٨١) من حديث المغيرة بن شعبة. (٢) انظر ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٥٨/٢-٤٦٣، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٢٥/٢-٣٢٧، و((الأوسط)) = ٢٠٥ باب ٥١ / ح ٦٨٧ أبواب الجماعة والإمامة ادَّعَى ابن حِبَّان وغيرُه إجماع الصحابة على صِحَّة إمامة القاعد كما سيأتي. وقال أبو بكر بن العربيّ: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبيّ وَّ يَخْلُّص عن الشّكِّ(١)، واتّباع السُّنَّة أولى، والتَّخصيص لا يَثْبُت بالاحتمال. قال: إلَّا أنّ سمعت بعض الأشياخ يقول: الحالُ أحد/ وجوه التَّخصيص، وحال النبيّ وَّه والتبرُّك به وعدم العِوَض ١٧٦/٢ عنه يقتضي الصلاة معه على أيّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضاً فنقصُ صلاة القاعد عن القائم لا يُتَصَوَّر في حقِّه، ويُتَصَوَّر في حقِّ غيره. والجواب عن الأوَّل: رَدُّه بعموم قوله وَيِّ: ((صَلّوا كما رأيتُموني أُصلِي))، وعن الثاني: بأنَّ النَّقص إنَّما هو في حقِّ القادر في النافلة، وأمَّا المعذور في الفريضة فلا نَقْصَ في صلاته عن القائم. واستُدَلَّ به على نَسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلَّى الإمام قاعداً لكَونِهِ وَّ أقرَّ الصحابة على القيام خلفَه وهو قاعد، هكذا قَرَّرَه الشافعي، وكذا نَقَلَه المصنّف في آخر الباب عن شيخه الحميديِّ وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعيُّ، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك. وأنكَرَ أحمد نَسخَ الأمر المذكور بذلك وجمع بين الحديثَينِ بتنزيلهما على حالتين: إحداهما: إذا ابتَدَأ الإمام الرَّاتب الصلاة قاعداً لِرَضٍ يُرجَى بُرُؤُه، فحينئذٍ يُصلُّون خلفَه قعوداً. ثانيَتهما: إذا ابتَدَأ الإمام الرَّاتب قائماً لَزِمَ المأمومينَ أن يُصلُّوا خلفَه قياماً، سواء طَرَأ ما يقتضي صلاةَ إمامهم قاعداً أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موت النبيّ وَّهِ، فإنّ تقريره لهم على القيام دلَّ على أنَّه لا يَلزَمهم الجلوسُ في تلك الحالة، لأنَّ أبا بكر ابْتَدَأْ = لابن المنذر ٢٠٦/٤ -٢٠٧. وسيأتي تخريجها بعد قليل، إلا أنس بن مالك فلم نقف على أثر يدل على فعله ذلك، ولکنه روي عنه قصةُ النبي ◌ّێ أنه صلى جالساً والناس قياماً خلفه. (١) في (أ) و(س): يخلُص عند السَّبْك. والمثبت من (ع) كالذي في ((عارضة الأحوذي) لابن العربي. ٢٠٦ باب ٥١ / ح ٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري الصلاة بهم قائماً وصَلَّوا معه قياماً، بخلاف الحالة الأولى فإنَّهِوَّ ابِتَدَأ الصلاة جالساً فلمَّا صَلَّوا خلفَه قياماً أنكَرَ علیھم. ويقوِّي هذا الجمع أنَّ الأصل عدم النَّسخ، لا سيَّما وهو في هذه الحالة يَستَلِزِم دعوى النَّسخ مرَّتَين، لأنَّ الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يُصلّيَ قاعداً، وقد نُسِخَ إلى القعود في حقِّ مَن صلَّى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النَّسخ مرَّتَيْنِ وهو بعيدٌ، وأبعَدُ منه ما تقدَّم عن نَقل عياض، فإنَّه يقتضي وقوع النَّسخ ثلاث مرَّات. وقد قال بقول أحمد جماعةٌ من مُحدِّثْي الشافعيَّة كابنٍ خُزيمة وابن المنذر وابن حِبَّان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبةٍ أُخرى: منها: قول ابن خُزيمة: إنَّ الأحاديث التي وَرَدَت بأمرِ المأموم أن يُصلِّيَ قاعداً تَبَعاً الإمامه لم يُخْتَلَف في صِخَّتها ولا في سياقها، وأمَّا صلاته بَِّ قاعداً فاختُلِفَ فيها هل كان إماماً أو مأموماً. قال: وما لم يُخْتلَفْ فيه لا ينبغي تركُه لُختَلَفٍ فيه. وأُجيبَ بدَفع الاختلاف، والحَمْل على أنَّه كان إماماً مرَّة ومأموماً أُخرى. ومنها: أنَّ بعضهم جمع بين القِصَّتَينِ بأنَّ الأمر بالجلوسِ كان للنَّذْب، وتقريره قيامَهم خلفَه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر مَن أمَّ قاعداً لعُذْرٍ تَخَيَّرَ مَن صلَّى خلفَه بين القعود والقيام، والقعود أولى لثبوتِ الأمر بالائتمام والاتِّباع وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وأجاب ابن خُزيمة عن استبعاد مَن استَبْعَدَ ذلك بأنَّ الأمر قد صَدَرَ من النبيّ ◌َّ بذلك، واستَمَرَّ علیه عمل الصحابة في حیاته وبعده، فروی عبد الرزاق (٤٠٨٤) بإسنادٍ صحيح عن قيس بن قَهد - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاريّ: أنَّ إماماً لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله وَ ل﴿ قال: فكان يؤمُّنا وهو جالس ونحنُ جلوس. وروى ابن المنذر (٢٠٦/٤) بإسنادٍ صحيح عن أُسَيدِ بن حُضَیرِ: أنَّه کان یؤُّ قومه، فاشتگی، فخرج إليهم بعد شَكْواه، فأمَروه أن يُصلّيَ بهم، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أُصلَِّ قائماً فاقعُدوا، ٢٠٧ باب ٥١ / ح ٦٨٧ أبواب الجماعة والإمامة فصلّى بهم قاعداً وهم قعود. وروى أبو داود (٦٠٧) من وجه آخر عن أُسَيدِ بن حُضَيرٍ أنَّه قال: يا رسول الله إنَّ إمامَنا مريض، قال: ((إذا صلَّى قاعداً فصَلّوا قعودا))، وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شَيْبةٍ (٣٢٦/٢) بإسنادٍ صحيح عن جابر: أنَّه اشتَکَی، فحَضَرَتِ الصلاة فصلَّى بهم جالساً وصَلَّوا معه جلوساً، وعن أبي هريرة: أنَّه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضاً. وقد ألزَمَ ابن المنذر مَن قال بأنَّ الصحابيّ أعلم بتأويل ما رَوَى، بأن يقول بذلك، لأنَّ أبا هريرة وجابراً رَوَيا الأمر المذكور، واستَمَرًا على العمل به والفُتيا بعد النبيّ ◌َِّ، ويَلَزَم ذلك مَن قال: إنَّ الصحابيَّ إذا روى وعَمِلَ بخلافه أنَّ العِبرة بما عَمِلَ، من باب الأولى، لأنَّه هنا عَمِلَ بوَفْق ما روى. وقد ادَّعَى ابن حِبَّان الإجماع على العمل به، وكأنَّه أراد السُّكُوتيَّ، لأنَّه حكاه عن أربعة ١٧٧/٢ من الصحابة الذين تقدَّم ذِكرُهم، وقال: إنَّه لا يُحفَظُ عن أحد من الصحابة غيرهم القولُ بخلافه، لا من طریق صحیح ولا ضعيف. وكذا قال ابن حَزْمٍ: إنَّه لا يُحِفَظُ عن أحدٍ من الصحابة خلافُ ذلك، ثمَّ نازعَ في ثبوت كون الصحابة صَلَّوا خلفَه ◌َّه وهو قاعدٌ قياماً غير أبي بكر، قال: لأنَّ ذلك لم يَرِد صريحاً، وأطالَ في ذلك بما لا طائلَ فيه. والذي اذَّعَى نفيَه قد أثبتَه الشافعيّ، وقال: إنَّه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة. ثمَّ وجَدتُّه مُصرَّحاً به أيضاً في ((مصنَّف عبد الرزاق)) (٤٠٧٤) عن ابن جُرَيج أخبرني عطاء فذكر الحديث، ولفظه: فصلَّى النبيّ وَّ قاعداً وجَعَلَ أبا بكر وراءَه بينه وبينَ الناس وصلَّى الناس وراءَه قياماً. وهذا مُرسَل يَعتَضِدُ بالرواية التي علَّقها الشافعيّ عن النَّخَعي، وهذا هو الذي يقتضيه النَّظر، فإنَّهم ابتَدَؤوا الصلاة مع أبي بكر قياماً بلا نِزاع، فمَن اذَّعَی أنَّهم قَعَدوا بعد ذلك فعليه البيان. ثمَّ رأيت ابن حِبَّان استدلَّ على أنَّهم قَعَدوا بعد أن كانوا قياماً بما رواه (٢١٢٢) من ٢٠٨ باب ٥١ / ح ٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: اشتَكَى رسول الله وَلّهِ، فصلَّينا وراءَه وهو قاعد وأبو بكر يُسمِعُ الناس تكبيره، قال: فالتَفَتَ إلينا فرآنًا قياماً فأشارَ إلينا فقَعَدنا، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((إن كِدْتُم لتَفْعَلون فعلَ فارسَ والرّوم، فلا تَفْعَلوا)) الحديث. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٤١٣)، لكنَّ ذلك لم يكن في مرض موته، وإنَّما كان ذلك حيثُ سَقَطَ عن الفَرَس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضاً قال: رَكِبَ رسول الله وَ ◌ّهَ فَرَساً بالمدينة فصَرَعَه على جِذع نَخلة فانفَكَّت قَدَمُه، الحديث. أخرجه أبو داود (٦٠٢) وابن خُزيمة (١٦١٥) بإسنادٍ صحيح، فلا حُجَّة على هذا لما ادَّعاه، إلَّا أنَّه تمسّكَ بقوله في رواية أبي الزُّبَير: وأبو بكر يُسمِعُ الناس التكبير. وقال: إنَّ ذلك لم يكن إلَّا في مرض موته، لأنَّ صلاته في مرضه الأوَّل كانت في مَشرُبة عائشة ومعه نَفَر من أصحابه لا يحتاجون إلى مَن يُسمِعُهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته فإنَّها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة فاحتاجَ أبو بكر أن يُسمِعهم التكبير. انتهى، ولا راحة له فيما تمسّكَ به لأنَّ إسماع التكبير في هذا لم يُتابع أبا الزُّبَير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنَّه حَفِظَه فلا مانع أن يُسمِعَهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة، لأنَّه يُحمَلُ على أنَّ صوته وَّ كان خفيّاً من الوَجَع، وكان من عادتِه أن يَجھَر بالتکبیرِ فکان أبو بکر یجھَر عنه بالتکبیرِ لذلك. ووراءَ ذلك كلّه أنَّه أمر مُحتمَلٌ لا يُترَكُ لأجلِه الخبرُ الصَّريح بأنَّهم صَلَّوا قياماً كما تقدَّم في مُرسَل عطاء وغيره، بل في مُرسَل عطاء: أنَّهم استَمَرّوا قياماً إلى أن انقَضَتِ الصلاة. نَعَم وقع في مُرسَل عطاء المذكور متصلاً به بعد قوله: ((وصلَّى الناس وراءَه قياماً)): فقال النبيّ وَّ: ((لو استَقبَلتُ من أمري ما استَدبَرتُ ما صلَّيْتُم إلَّا قعوداً، فصَلّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلَّى قائماً فصَلّوا قياماً، وإن صلَّى قاعداً فصَلُّوا قعوداً)) وهذه الزّيادة تُقَوّي ما قال ابن حِبَّان: إنَّ هذه القصَّة كانت في مرض موت النبيّ وََّ، ويُستَفاد منها نَسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومينَ قعوداً إذا صلَّى إمامهم قاعداً، لأنَّه وَلّه لم يأمرهم في هذه المرّة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نُسِخَ الوجوب يَبقَى الجواز، والجواز لا يُنافي ٢٠٩ باب ٥١ / ح ٦٨٨ أبواب الجماعة والإمامة الاستحباب، فيُحمَلُ أمرُه الأخير بأن يُصلُّوا قعوداً على الاستحباب لأنَّ الوجوب قد رُفِعَ بتقريره لهم وترك أمرهم بالإعادة. هذا مُقتَضى الجمع بين الأدلَّة، وبالله التوفيق، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على باقي فوائد هذا الحديث في ((باب حَدّ المريض أن يشهدَ الجماعة)) (٦٦٤). ٦٨٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةَ أمِّ المؤمنين، أنَّها قالت: صَلَّى رسولُ اللهِوَّهِ في بيته وهو شاكٍ، فصَلَّى جالساً وصَلَّى وراءَه قومٌ قِياماً، فأشارَ إليهم أنِ اجلِسُوا، فلمَّا انصَرَف قال: ((إِنَّا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمن ◌َمِدَهُ، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ، وإذا صَلَّى جالساً فصَلُّوا جلوساً)). [أطرافه في: ١١١٣، ١٢٢٦، ٥٦٥٨] قوله: ((في بيته)) أي: في المَشرُبة التي في حُجْرة عائشة كما بيَّه أبو سفيان عن جابر(١)، وهو دالٌّ على أنَّ تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنَّه ◌ِِّ عَجَزَ عن الصلاة بالناس في المسجد فكان يُصلِّ في بيته بمَن حَضَر، لكنَّه لم يُنقَل أنَّه استَخلَف، ومن ثَمَّ قال عياض: إنَّ الظاهر أنَّه صلَّى في حُجْرة عائشة وائتَمَّ به/ مَن حَضَرَ عنده ومَن كان في المسجد، وهذا١٧٨/٢ الذي قاله مُتَمَل، ويحتمل أيضاً أن يكون استَخلَفَ وإن لم يُنقَل، ويَلزَم على الأوَّل صلاة الإمام أعلى من المأمومينَ، ومذهب عياض خلافُه، لكن له أن يقول: محلّ المنع ما إذا لم یکن مع الإمام في مکانه العالي أحد وهنا کان معه بعض أصحابه. قوله: ((وهو شاكٍ)) بِتخفيفِ الكاف بوزن قاضٍ من الشِّكاية: وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس المذكور بعده أنه سَقَطَ عن فرَس. قوله: ((فصَلَّى جالساً)) قال عياض: يحتمل أن يكون أصابَه من السَّقْطَة رَضِّر في الأعضاء مَنَعَه من القيام. قلت: وليس كذلك، وإنَّما كانت قَدَمُهُ وَلِ انفَكَّت كما في رواية بِشْرِ بن (١) سلف تخريجه قريباً. ٢١٠ باب ٥١ / ح ٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري المفضَّل، عن حميدٍ، عن أنس عند الإسماعيلي(١)، وكذا لأبي داود (٦٠٢) وابن خُزَيمة (١٦١٥) من رواية أبي سفيان عن جابر كما قدَّمناه. وأمَّا قوله في رواية الزُّهريّ عن أنس ابن مالك: ((جُحِشَ شِقَّه الأيمن))(٢) وفي رواية يزيد عن حميدٍ عن أنس: ((جُحِشَ ساقُه)) أو (كَتِفُه)) كما تقدَّم في «باب الصلاة على السُّطوح)» (٣٧٨) فلا يُنافي ذلك كَونُ قَدَمِه انفَكَّت لاحتمال وقوع الأمرَين، وقد تقدَّم تفسير الجَحْش بأنَّه الخَدْش، والخَدْش: قَشْرُ الجِلد، ووقع عند المصنّف (٨٠٥) في ((باب يهوي بالتكبير)) من رواية سفيان عن الزُّهريّ عن أنس قال سفيان: حَفِظت من الزُّهريّ: شِقَّه الأيمن، فلمَّا خرجنا قال ابن جُرَيجِ: ساقه الأيمن. قلت: ورواية ابن جُرَيج أخرجها عبد الرزاق (٤٠٧٩) عنه، وليست مُصَحَّفةً كما زَعَمَ بعضُهم لموافقة رواية حميدِ المذكورة لها، وإنَّما هي مُفسِّرةٌ لمحلِّ الخَدْش من الشِّقّ الأيمن، لأَنَّ الْخَدْشَ لم يَستَوعِبْه. وحاصلُ ما في القصَّة أنَّ عائشةَ أبَهَمَتِ الشَّكوَى، وبيَّن جابر وأنس السَّبَب وهو الشُّقوط عن الفَرَس، وعَيَّنَ جابر العِلَّةَ في الصلاة قاعداً وهي انفِكاك القَدَم، وأفاد ابن حِبَّان أنَّ هذه القصَّة كانت في ذي الحِجَّة سنةَ خمسٍ من الهجرة. قوله: ((وصَلَّى وراءَه قومٌ قياماً)) ولمسلم (٤١٢) من رواية عبدةَ عن هشام: فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، الحديث. وقد سُمّيَ منهم في الأحاديث أنسُ كما في الحديث الذي بعده عند الإسماعيلي، وجابر كما تقدَّم، وأبو بكر كما في حديث جابر، وعمر كما في رواية الحسن مُرسَلاً عند عبد الرزاق (٤٠٨١). قوله: ((فأشارَ إليهم)) كذا للأكثر هنا من الإشارة، وكذا لجميعِهم في الطِّبّ (٥٦٥٨) من رواية يحيى القَطّان عن هشام، ووقع هنا للحَمُّوِيِّ: ((فأشارَ عليهم)) من المَشُورةِ، والأوَّل أصحّ، فقد رواه أيوب عن هشام بلفظ: ((فأومأ إليهم))، ورواه عبد الرزاق (٤٠٨٠) عن (١) وهو في ((مسند أحمد)) (١٣٠٧١) عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس. (٢) في الحديث التالي. ٢١١ باب ٥١ / ح ٦٨٨ أبواب الجماعة والإمامة مَعمَر عن هشام بلفظ: ((فأخلَفَ بيدِه يُومِئ بها إليهم))، وفي مُرسَل الحسن: ((ولم يَبلِّغ بها الغاية))(١). قوله: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإمام ليُؤْتَّمَّ به)) قال البيضاويّ وغيرُه: الائتمامُ: الاقتداء والاتِّباع، أي: جُعِلَ الإمام إماماً ليُقْتَدى به ويُتَبَع، ومن شأن التابع أن لا يَسبِقِ مَتبوعه ولا يساويَه ولا يَتَقدَّم عليه في موقفه، بل يُراقب أحواله ويأتي على أثَره بنحوِ فعله، ومُقتَضى ذلك أن لا يخالفَه في شيء من الأحوال. وقال النَّوَويّ وغيره: مُتَابَعةُ الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نَبَّهَ عليها في الحديث فذكر الركوع وغيرَه، بخلاف النّيَّة فإنَّها لم تُذكَر وقد خرجت بدليلٍ آخر، وكأنَّه يعني قصَّةَ معاذٍ الآتية (٧٠٠). ويُمكِنُ أن يُستَدلَّ من هذا الحديث على عدم دخولها لأنَّه يقتضي الحصرَ في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله، كما لو كان مُحدِثاً أو حامل نَجاسة، فإنَّ الصلاة خلفَه تَصِحّ لمن لم يعلم حالَه على الصحيح عند العلماء، ثمَّ مع وجوب المتابعة ليس شيءٌ منها شرطاً في صِحَّة القُدوة إلَّا تكبيرة الإحرام. واختُلِفَ في السلام(٣)، والمشهور عند المالكيَّة اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهُّد الأوَّل، وخالَفَ الحنفيَّة/ فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأنَّ معنى الائتمام: الامتثال ومَن ١٧٩/٢ فَعَل مثلَ فعْل إمامه عُدَّ ◌ُمَثِلاً، وسيأتي بعد بابِ الدليلُ على تحريم التقدُّم على الإمام في الأركان. قوله: ((فإذا رَكَعَ فاركَعُوا)) قال ابن المنيِر: مُقتَضاه أنَّ رُكوع المأموم يكون بعد رُكوع الإمام إمَّا بعد تمام انحنائه، وإمَّا أن يَسبِقه الإمام بأوَّلِه فيَشرَع فيه بعد أن يَشرَع، قال: وحديث أنس أتمُّ من حديث عائشة، لأنَّه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً (٣). (١) هو عند عبد الرزاق (٤٠٨١)، ولفظه: وأشار بيده إلى ورائه من غير أن يرفعها إلى عاتقه. (٢) تحرف في (س) إلى: الائتمام. (٣) سيذكر الحافظ قريباً أن زيادة المتابعة في القول هي أيضاً في حديث عائشة. ٢١٢ باب ٥١ / ح ٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قلت: قد وقعتِ الزّيادة المذكورة وهي قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حَمِدَه)) في حديث عائشة أيضاً. ووقع في رواية الليث عن الزُّهريّ عن أنس زيادة أُخرى في الأقوال وهي قوله في أوَّله: «فإذا كَبَّرَ فَكَبِّروا)) وسيأتي في ((باب إيجاب التكبير)) (٧٣٣)، وكذا فيه (٧٣٤) من رواية الأعرج عن أبي هريرة. وزاد في رواية عَبْدةَ عن هشام في الطِّبّ: ((وإذا رفع فارفَعوا، وإذا سَجَدَ فاسجدوا))(١) وهو يتناول الرَّفع من الركوع والرَّفع من السجود وجميع السَّجَدات، وكذا وَرَدَت زيادة ذلك في حديث أنس الذي في الباب. وقد وافَقَ عائشة وأنساً وجابراً على رواية هذا الحديث دون القصّة التي في أوَّله أبو هريرة، وله طرق عنه عند مسلم (٤١٤)، منها: ما اتَّفَقَ عليه الشَّيخان من رواية همَّام عنه كما سيأتي في «باب إقامة الصفّ)) (٧٢٢)، وفيه جميع ما ذُكِرَ في حديث عائشة وحديث أنس بالزّيادة. وزاد أيضاً بعد قوله: ((ليُؤْتَمَّ به)): ((فلا تَخْتَلِفُوا عليه)) ولم يَذْكُرها المصنّف في رواية أبي الزِّناد عن الأعرج عنه من طريق شعيب عن أبي الزناد في ((باب إيجاب التكبير)) (٧٣٤) لكن ذكرها السَّاجِ(٢) والطَّبرانيُّ في ((الأوسط))(٣)، وأبو نُعيم في ((المستخرَج)) عنه من طريق أبي اليَمَان شيخ البخاري فيه، وأبو عَوَانة (١٦٢٨) من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه شيخ أبي اليَمَان، ومسلم (٤١٤) من رواية مُغيرةً بن عبد الرحمن، والإسماعيليّ من رواية مالك ووَزْقاء، كلهم عن أبي الزِّناد شيخ شعيب. وأفادت هذه الزّيادة أنَّ الأمر بالاتِّباع يَعُمُّ جميعَ المأمومينَ ولا يكفي في تحصيل الائتمام (١) الذي في الطب (٥٦٥٨) هو رواية يحيى بن سعيد عن هشام، وليس عبدة، وليس فيها: ((وإذا سجد فاسجدوا))، أما رواية عبدة عن هشام، فأخرجها مسلم (٨٢/٤١٢)، وابن ماجه (١٢٣٧) وليس فيها أيضاً: ((وإذا سجد فاسجدوا)). لكن سلفت هذه الزيادة في حديث أنس برقم (٣٧٨). (٢) في ((حديثه)) بتخريج الشَّحامي (١١٧٥). (٣) بل هو في «مسند الشامیین)) (٣٢٥٤). ٢١٣ باب ٥١ / ح ٦٨٨ أبواب الجماعة والإمامة اتّباعُ بعضٍ دون بعض، ولمسلم (٤١٥) من رواية الأعمَش عن أبي صالح عنه: ((لا تُبادروا الإمامَ، إذا كَبَّرَ فَكَبِّروا)) الحديث، زاد أبو داود (٦٠٣) من رواية مُصعَب بن محمد عن أبي صالح: ((ولا تركَعوا حتَّى يركع، ولا تَسجُدوا حتَّى يَسجُد)) وهي زيادة حسنة تَنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: ((إذا کَبَّرَ فكَبِّروا)). فائدة: جَزَمَ ابن بَطَّال ومَن تَبِعَه حتَّى ابنُ دَقِيق العيد أنَّ الفاء في قوله: ((فكَبِروا)) للتَّعقيب، قالوا: ومُقتَضاه الأمر بأنَّ أفعال المأموم تقع عَقِبَ فعل الإمام، لكن تُعُقِّبَ بأنَّ الفاء التي للتَّعقيبِ هي العاطفة، وأمَّا التي هنا، فهي للرَّبطِ فقط لأنَّها وقعت جواباً للشَّرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخّرَ أفعال المأموم عن الإمام إلَّا على القول بتقدُّم الشَّرط على الجَزاء، وقد قال قوم: إنَّ الجَزاء يكون مع الشَّرط، فعلى هذا لا تَنْتُفي المقارنة. لكنَّ رواية أبي داود هذه صريحة في انتفاء التقدُّم والمقارنة، والله أعلم. قوله: ((فقولوا: ربَّنا ولك الحمد)) كذا لجميع الرُّواة في حديث عائشة(١) بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة (٢) وأنس إلَّا في رواية الليث عن الزُّهريّ في ((باب إيجاب التكبير)» (٧٣٣)، فللكُشْمِيهنيّ بحَذْف الواو، ورُجِّحَ إثبات الواو بأنَّ فيها معنَّى زائداً لكونها عاطفة على محذوف تقديره: ربَّنا استَجِب أو ربَّنا أطَعناك ولك الحمد، فيَشتَمِل على الدُّعاء والثَّناء معاً، ورَجَّحَ قوم حذفَها لأنَّ الأصل عدم التقدير فتكونُ عاطفة على كلام غير تامٍّ، والأوَّل أو جَه كما قال ابن دقيق العيد. وقال النَّوَويّ: ثبتتِ الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، وسيأتي في أبواب صفة الصلاة (٧٩٥) الكلامُ على زيادة: ((اللهُمّ)) قبلَها. ونقل عياض عن القاضي عبد الوهّاب أنَّه استدلَّ به على أنَّ الإمام يَقتَصِر على قوله: (١) ذكر القسطلّاني في (إرشاد الساري)) أن عبارة: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) زيادة عند أبي ذر وابن عساكر. (٢) الآتي برقم (٧٢٢) و(٧٣٤). ٢١٤ باب ٥١ / ح ٦٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ((سمع الله لمن حَمِدَه)) وأنَّ المأموم يَقتَصِر على قوله: ((رَبَّنا ولك الحمد)) وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك، لأنَّ السُّكوت عن الشيء لا يقتضي تركَ فعله، نَعَم مُقتَضاه أنَّ ١٨٠/٢ المأموم يقول: / ((رَبَّنا لك الحمد)) عَقِبَ قول الإمام: ((سمع الله لمن حَدَه))، فأمَّا منع الإمام من قول: ((رَبَّنا ولك الحمد)) فليس بشيءٍ لأَنَّه ثَبَتَ أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يجمع بينهما كما سيأتي في ((باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع)) (٧٩٥)، ويأتي باقي الكلام عليه هناك. ٦٨٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أَنَّ رسولَ الله وَّهِ رَكِبَ فَرَساً فصُرِعَ عنه، فحُحِشَ شِقُهُ الأَيْمَنُ، فصَلَّى صلاةً من الصَّلَوات وهو قاعدٌ، فصلَّينا وراءَه فُعُوداً، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((إنَّا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا صَلَّى قائماً فِصَلُّوا قياماً، فإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ، وإذا صَلَى قائماً فصَلُّوا قِياماً، وإذا صَلَّى جالساً فصَلُّوا جلوساً أجمعُونَ)). قال أبو عبد الله: قال الحُمَيديُّ: قوله: ((إذا صَلَّى جالساً فصَلُّوا جلوساً))، هو في مرضه القَدِيمِ، ثمَّ صَلَّى بعدَ ذلك النبيُّ ◌َّهِ جالساً والنَّاسُ خلفَه قياماً لم يأمرْهُم بالفُعُودِ، وإنَّما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ من فِعْل النبيِّ يَّ. قوله: ((عن أنس)) في رواية شعيب عن الزُّهريّ: أخبرني أنس(١). قوله: ((فصَلَّى صلاة من الصَّلَوات)) في رواية سفيان عن الزُّهريّ: فحَضَرَتِ الصلاة (٣)، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. قال القُرطبيّ: اللَّام للعهدِ ظاهراً، والمراد الفرض، لأنَّها التي عُرِفَ من عادتِهِم أَّهم يجتمعون لها بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم: أنَّها كانت نَفْلاً، وتُعُقِّبَ بأنَّ في رواية جابر عند ابن خُزيمة (١٦١٥) وأبي داود (٦٠٢) الجَزْمَ بأنَّها فرض كما سيأتي، لكن لم أقِفْ على تعيينها، (١) ستأتي (٧٣٢). (٢) ستأتي (٨٠٥) و(١١١٤). ٢١٥ باب ٥١ / ح ٦٨٩ أبواب الجماعة والإمامة إلّا أنَّ في حديث أنس: ((فصلَّى بنا يومئذٍ)) فكأنَّها نهاريَّةٌ، الظَّهر أو العصر. قوله: ((فصلَّينا وراءَه قُعُوداً)) ظاهره يخالفُ حديث عائشة، والجمع بينهما أنَّ في رواية أنس هذه اختصاراً، وكأنَّه اقتصر على ما آلَ إليه الحالُ بعد أمرِه لهم بالجلوس، وقد تقدَّم في (باب الصلاة في السُّطوح)) (٣١٨) من رواية حميدٍ عن أنس بلفظ: فصلَّى بهم جالساً وهم قيام، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((إنَّما جُعِلَ الإمام ... ))، وفيها أيضاً اختصار، لأنَّه لم يَذكُر فيه قوله لهم: «اجلسوا)). والجمع بينهما أنَّهم ابتَدَؤوا الصلاة قياماً فأومَأ إليهم بأن يَقعُدوا فقَعَدوا، فنقل كلٌّ من الزُّهريّ وحميدٍ أحدَ الأمرَين، وجمعتْهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم (٤١٣)، وجمع القُرطبيّ بين الحديثينِ باحتمال أن يكون بعضهم فَعَدَ من أوَّل الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قامَ حتَّى أشارَ إليه بالجلوسِ، وهذا الذي حَكَتْه عائشة. وتُعُقِّبَ باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنِهِ وَّةِ، لأنَّه يَستَلِزِمِ النَّسْخَ بالاجتهاد، لأنَّ فرضَ القادر في الأصل القيامُ. وجمع آخرون بينهما باحتمال تَعدُّدِ الواقعة وفيه بُعْدٌ، لأنَّ حديث أنس إن كانت القصّة فيه سابقة لَّزِمَ منه ما ذكرنا من النَّسخ بالاجتهاد، وإن كانت مُتأخّرة لم يَحَتَجْ إلى إعادة قول: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به)) إلى آخره، لأنَّهم قد امتَثَلوا أمرَه السابق وصَلَّوا قعوداً لكَونِهِ قاعداً. فائدة: وقع في رواية جابر عند أبي داود (٦٠٢): أنَّهم دخلوا يعودونه مرَّتَينِ فصلَّ بهم فيهما. لكن بيَّن أنَّ الأولى كانت نافلةً وأقرَّهم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضة وابتَدَؤوا قياماً فأشارَ إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميدٍ عن أنس عند الإسماعيليّ نحوُه. قوله: ((وإذا صَلَّ جالساً) استُدلَّ به على صِحَّة إمامة الجالس كما تقدَّم. واذَّعَى بعضهم أنَّ المراد بالأمرِ أن يَقتَديَ به في جلوسه في التشهُّد وبينَ السَّجدَتَين، لأنَّه ذَكر ذلك عَقِبَ ٢١٦ باب ٥٢ / ح ٦٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ذِكْر الركوع والرَّفع منه والسجود، قال: فيُحمَلُ على أنَّه لمَّا جَلَسَ للتشهُّدِ قاموا تعظيماً له فأمرهم بالجلوسِ تَواضُعاً، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله في حديث جابر: ((إن كِدْتُم أن تَفعَلوا فعل فارسَ والرّوم، يقومون على مُلوكِهم وهم قُعود، فلا تَفعَلوا)) وتعقّبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأنَّ سياق طرق الحديث تأباه، وبأنَّه لو كان المراد الأمرَ بالجلوسِ في الرُّكن لقال: وإذا جَلَسَ فاجلِسوا، ليُناسبَ قوله: ((وإذا سَجَدَ فاسجدوا))، فلمَّا عَدَلَ عن ذلك إلى قوله: ((وإذا صلَّى جالساً) كان كقوله ((وإذا صلَّى قائماً)) فالمراد بذلك جميع الصلاة. ويؤيِّد ذلك قول أنس: ((فصلَّينا وراءَه قعوداً)). قوله: ((أجمعُونَ)) كذا في جميع الطّرق في ((الصحيحين)) بالواو، إلَّ أنَّ الرُّواة اختَلَفوا في رواية همَّام عن أبي هريرة كما سيأتي في ((باب إقامة الصفّ)) (٧٢٢) فقال بعضهم: ((أجمعين)) بالياء. والأوَّل تأكيدٌ لضميرِ الفاعل في قوله: ((صَلّوا))، وأخطأ مَن ضَعَّفَه، فإنَّ المعنى عليه، والثاني نَصْبٌ على الحال، أي: جلوساً مُجْتَمِعين، أو على التأكيد لضميرٍ مُقدَّر منصوب كأنَّه قال: أعنيكم أجمعين. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: مشروعيَّة رُكوب الخيل والتَّدَرُّب على أخلاقها والتأسّي لمن يَحَصُل له سقوط ونحوُه بما اتَّفَقَ للنبيِّ نَّهِ في هذه الواقعة، وبه الأَسوة الحسنة. ١٨١/٢ وفيه أنَّه يجوز عليه وسليه ما يجوز على البَشَر من الأسقام ونحوها من غير نَقْصٍ في مقداره بذلك، بل ليزداد قَدْره رِفعةً ومَنصِبُهُ جَلالةً. ٥٢ - باب متى يسجد مَن خلف الإمام قال أنسٌُّ: فإذا سَجَدَ فاسجُدُوا. ٦٩٠ - حدّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، قال: حدَّثني أبو إسحاق، قال: حذَّثني عبدُ الله بنُ يزيد، قال: حدَّثني البَرَاءُ، وهو غيرُ كَذُوبٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَله إذا قال: ((سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه)) لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه حتَّى يقعَ النبيُّ ◌َّهِ ساجِداً، ثمَّ نَقَعُ ٢١٧ باب ٥٢ / ح ٦٩٠ أبواب الجماعة والإمامة سجوداً بعده. حدَّثنا أبو نُعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، نَحْوَه. [طرفاه في: ٨١١،٧٤٧] قوله: ((باب مَتَى يَسجُد مَن خلفَ الإمام)) أي: إذا اعتَدَلَ أو جَلَسَ بين السَّجدَتَين. قوله: ((وقال أنس)) هو طرف من حديثه الماضي في الباب قبلَه، لكن في بعض طرقه دون بعض، وسيأتي في ((باب إيجاب التكبير)) (٧٣٢) من رواية الليث عن الزُّهريّ بلفظِهِ، ومُناسَبتُه لحديث الباب ممَّا قدَّمناه أنَّه يقتضي تقديم ما يُسمَّى رُكوعاً من الإمام بناءً على تقدُّم الشَّرط على الجَزاء وحديث الباب يُفسِّرُه. قوله: ((عن سُفْيان)) هو الثَّوري، وأبو إسحاق: هو السَّبيعيُّ، وعبد الله بن يزيد: هو الخَطْميُّ، كذا وقع منسوباً عند الإسماعيليّ في رواية لشُعْبةَ عن أبي إسحاق، وهو منسوب إلى خَطمةَ بفتح المعجَمة وإسكان الطَّاء بطن من الأوس، وكان عبد الله المذكور أميراً على الكوفة في زَمَن ابن الزُّبَيرِ، ووقع للمصنِّف (٧٤٧) في ((باب رفع البَصَر في الصلاة)) أنَّ أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يَخْطُّب، وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البَراء ابن عازب لكنَّه سمع هذا عنه بواسطةٍ. وفيه لطيفة وهي رواية صحابيّ ابن صحابيّ عن صحابيّ ابن صحابيّ، من الأنصار ثمَّ من الأوس، وكلاهما سَكَنَ الكوفة. قوله: ((وهو غير كذُّوب)) الظاهر أنَّه من كلام عبدِ الله بن يزيد، وعلى ذلك جَرَى الحميديُّ في ((جمعِه)) وصاحب ((العُمدة))، لكن روى عبَّاس الدُّوريُّ في ((تاريخه)) عن يحيى ابن مَعِين أنَّه قال: قوله: ((هو غير كذوب)) إنَّما يريد عبد الله بن يزيد الراويَ عن البَراء لا البَراء. ولا يقال لرجلٍ من أصحاب رسول الله وص له: غير كذوب، يعني أنَّ هذه العبارة إنَّما تَحسُنُ في مَشكوك في عَدالته والصحابة كلَّهم عُدولٌ لا يحتاجون إلى تزكية. وقد تعقَّبه الخطَّبيُّ فقال: هذا القول لا يُوجِب تُهمةً في الراوي، إنَّما يُوجِب حقيقةً الصِّدق له، قال: وهذه عادتُهم إذا أرادوا تأکید العلم بالراوي والعمل بما روى، كان ٢١٨ باب ٥٢ / ح ٦٩٠ فتح الباري بشرح البخاري أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادق المَصدوق. وقال ابن مسعود: حدَّثني الصادق المصدوق. وقال عياض وتَبِعَه النَّوَويّ: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة، لأنَّه لم يُرِد به التَّعديل، وإنَّما أراد به تقويةَ الحديث إذ حدَّث به البَراء وهو غير مُتَّهَم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخَولانيّ: حدَّثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة فذكرهما. قال: وهذا قالوه تنبيهاً على صِحَّة الحديث لا أنَّ قائله قَصَدَ به تعديل راويه. وأيضاً فتنزيه ابن مَعين للبَراء عن التَّعديل لأجلِ صُحبَته ولم يُنزِّه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإنَّ عبد الله بن یزید معدود في الصحابة. انتهى كلامه. وقد عَلِمتَ أنَّه أخَذَ كلام الخطَّابِيِّ فبَسَطَه واستَدرَكَ عليه الإلزامَ الأخير، وليس بواردٍ لأَنَّ يحيى بن معين لا يُثبِتُ صُحبةَ عبد الله بن يزيد، وقد نَفاها أيضاً مُصعَب الزَّبيري، وتَوَقَّفَ فيها أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود، وأثبَتَها ابن البَرْقِيّ والدَّارَقُطنيّ وآخرون. ١٨٢/٢ وقال النَّوَويّ: معنى الكلام: حدَّثني البَرَاء وهو غير مُتَّهَم كما عَلِمتُمْ فِثِقوا بما أُخبِرُكم به عنه. وقد اعتَرَضَ بعضُ المتأخّرين على التَّنظير المذكور فقال: كأنَّه لم يُلِمَّ بشيءٍ من عِلم البيان، للفَرق الواضح بين قولنا: فلان صَدوق، وفلان غير كذوب، لأنَّ في الأوَّل إثباتَ الصِّفة للمَوصوف، وفي الثاني نفيَ ضِدِّها عنه، فهما مُفتَرِقان. قال: والسّ فيه أنَّ نفيَ الصِّدّ كأنَّه يقع جواباً من أثبته بخلاف(١) إثبات الصِّفة، انتهى. والذي يظهر لي أنَّ الفَرقَ بينهما أنَّه يقع في الإثبات بالمطابقة وفي النَّفي بالالتزام، لكنَّ التَّنظيرَ صحيح بالنّسبة إلى المعنى المراد باللَّفْظَين، لأنَّ كلَّ منهما يَرِدُ عليه أنَّه تزكية في حَقِّ مقطوعٍ بِتَزَكَيَتِه، فيكون من تحصيل الحاصل، وتَحصُلُ الانفصال عن ذلك بما تقدَّم من أنَّ المراد بكُلٌّ منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع. وذكر ابن دَقِيق العيد أنَّ بعضهم (١) تحرف في (س) إلى: يخالف. ٢١٩ باب ٥٢ / ح ٦٩٠ أبواب الجماعة والإمامة استدلَّ على أنَّه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يَخْطُب يقول: حدَّثنا البَراء وكان غير كذوب. قال: وهو مُتمَل أيضاً. قلت: لكنَّه أبعَدُ من الأوَّل. وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد وفيه قوله أيضاً: حدَّثنا البراء وهو غير كذوب. أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (١٨٥٠) من طريق محارِب بن دِثارٍ قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المِنْبَرَ يقول ... فذكره. وأصله في مسلم (١٩٩/٤٧٤)، لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب. وهذا يقوِّي أنَّ الكلام لعبد الله بن يزيد، والله أعلم. فائدة: روى الطَّرانيُّ في مُسنَد عبد الله بن يزيد(١) هذا شيئاً يدلّ على سبب روايته لهذا الحديث، فإنَّه أخرج من طريقه أنَّه كان يُصلِّي بالناس بالكوفة، فكان الناس يَضَعون رؤوسهم قبلَ أن يَضَعَ رأسه، ويرفعون قبلَ أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره علیھم. قوله: ((إذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه)) في رواية شُعْبة: إذا رفع رأسه من الركوع (٢)، ولمسلم من رواية مُحارِبٍ بن دِثارٍ: فإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حَمِدَه، لم نَزَلْ قياماً. قوله: (لم يَجْنِ)) بفتح التَّحتانيَّة وسكون المهمَلة، أي: لم يَثْن، يقال: حَنَيتُ العودَ: إذا ثَنَيتَه، وفي رواية لمسلم (٤٧٤ / ٢٠٠): ((لا يَحِنُو))، وهي لغة صحيحة يقال: حَنَيَت وحَنَوت بمعنَی. قوله: ((حتَّى يقع ساجِداً)) في رواية إسرائيلَ عن أبي إسحاق: حتَّى يَضَعَ جَبْهتَه على الأرض، وسيأتي في ((باب سجود السَّهو)) (٨١١)، ونحوه لمسلم (١٩٧/٤٧٤) من رواية زُهَير عن أبي إسحاقَ، ولأحمدَ (١٨٥١١) عن غُندَر عن شُعْبة: حتَّى يَسجُد ثمَّ يَسجُدون. (١) مسند عبد الله بن يزيد ليس في المطبوع من الطبراني، وقد أخرجه عنه أبو نعيم الأصبهاني في ((أخبار أصبهان)) ٦٦/١-٦٧، وتمامه: فلما انصرف التفت إليهم فقال: أيها الناس، لم تأثمون وتُؤثِمون، صليتُ بكم صلاة رسول الله وَ ل﴿ لا أَخرِم عنها. (٢) ستأتي (٧٤٧). ٢٢٠ باب ٥٣ / ح ٦٩١ فتح الباري بشرح البخاري واستدلَّ به ابن الجَوْزيّ على أنَّ المأموم لا يَشرَع في الرُّكْن حتَّى يُتِمَّه الإمام، وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس فيه إلَّ التأخّر حتَّى يَتَلَبَّس الإمام بالرُّكنِ الذي ينتقل إليه بحيثُ يَشرَع المأموم بعد شُروعه وقبلَ الفراغ منه. ووقع في حديث عَمْرو بن حُرَيثٍ عند مسلم (٤٧٥): فكان لا يَجني أحد منَّا ظَهرَه حتَّى يَستَتِمَّ ساجداً. ولأبي يعلى (٤٠٨٢) من حديث أنس: حتَّى يَتمكَّن النبيّ وََّ من السجود. وهو أوضحُ في انتفاء المقارنة. واستدلَّ به على الطُّمَأنينة وفيه نظرٌ، وعلى جواز النّظر إلى الإمام لاتِّباعه في انتقالاته. قوله: ((حدَّثنا أبو نُعيم، حدّثنا سُفْيان، نَحْوه)) هكذا في رواية المُستَمْلي وكَرِيمة(١)، وسَقَطَ للباقين. وقد أخرجه أبو عَوَانة (١٨٥٢) عن الصّاغاني وغيره عن أبي نُعيم ولفظه: كنَّا إذا صلَّيْنا خلفَ النبيّ وَّه لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظَهرَه حتَّى يَضَعَ رسول اللهِوَّ جَبْهْتَه. ٥٣ - باب إثم من رفع رأسَه قبل الإمام ٦٩١ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ زِيادٍ، سمعتُ أبا هريرة، عن النبيِّ وَ ﴿ قال: ((أما يَخْشَى أحدُكم إذا رفع رأسه قبلَ الإمام أن يجعلَ الله رأسه رأسَ حمارٍ - أو يجعلَ الله صُورَتَه صُورةً حماٍ -)). ١٨٣/٢ قوله: ((باب إثم مَن رفع رَأْسه قبلَ الإمام)) أي: من السجود كما سيأتي بيانُه. قوله: ((عن محمّد بن زياد)) هو الجُمَحيُّ، مدنيٌّ سَكَنَ البصرة، وله في البخاري أحاديث عن أبي هريرة، وفي التابعين أيضاً محمد بن زياد الألهانيُّ الِمصُّ، وله عنده حدیث واحد عن أبي أُمامةَ في المُزارَعة (٢٣٢١). قوله: ((أُمَا يَخْشَى أحدُكم)) في رواية الكُتْمِيهنيِّ: ((أَوَلا يخشى))، ولأبي داود (٦٢٣) عن حفص بن عمر عن شُعْبة: ((أما يخشى أو ألا يخشى)) بالشكّ. و((أمَا)) بتخفيفِ الميم (١) قال الحافظ في («النكت الظراف)) (١٧٧٢): هو ثابت في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة، أي: المُستَمْلي والسَّرَخْسي والكُشمِيهني، وكذا هو في روايتي كريمة بنت أحمد وأبي الوقت.