النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٤٤ / ح ٦٧٦ أبواب الجماعة والإمامة باقي الأُمور. ومحلّ النصّ إذا اشتمل على وصفٍ يُمكِنُ اعتباره يَتعيَّنُ عدمُ إلغائه. - قوله: ((في مَهْنةِ أهله)) بفتح الميم وكسرِها وسكون الهاء فيهما، وقد فسَّرَها في الحديث بالخدمة، وهي من تفسير آدم بن أبي إياس شيخ المصنِّف، لأنَّه أخرجه في الأدَب (٦٠٣٩) عن حفص بن عمر، وفي النَّفَقات (٥٣٦٣) عن محمد بن عَرْعَرة، وأخرجه أحمد عن يحيى القَطّان (٢٤٢٢٦)، وغُندَر (٢٤٩٤٨)، والإسماعيليُّ من طريق ابن مَهدي، ورواه أبو داود الطَّالسُّ (١٤٨٠) کلهم عن شُعْبة بدونها. وفي ((الصِّحاح)): المَهْنة بالفتح: الخدمة، وهذا موافق لما قاله، لكن فسَّرَها صاحب ((الُحكَم)) بأخصَّ من ذلك، فقال: المهنة: الحِذْق بالخدمة والعمل. ووقع في رواية المُسْتَمْلِي وحدَه: ((في مَهنة بيت أهله))، وهي موَجَّهة مع شُذوذِها، والمراد بالأهلِ نفسُه أو ما هو أعمُّ من ذلك. وقد وقع مُفسَّراً في ((الشَّمائل)) (٣٣٥) للتِّرمِذيِّ من طريق عَمْرةَ عن عائشة بلفظ: ما كان إلَّا بَشراً من البَشَرِ: يَفْلِي ثوبَه، ويَحِلُبُ شاتَه، ويَخْدُم نفسَه. ولأحمدَ (٢٤٩٠٣) وابن حِبَّان (٥٦٧٦) من رواية عُرْوةَ عنها: يَخِيطُ ثوبَه، ويُخْصِفُ نَعلَه. وزاد ابن حِبَّان: ويَرَقَعُ دَلْوَه. زاد الحاكمُ في ((الإكليل)): ((ولا رأيتُهُ ضَرَبَ بيدِه امرأةً ولا خادماً)(١). قوله: ((فإذا حَضَرَتِ الصلاة)) في رواية ابن عَرْعَرَ: فإذا سمع الأذان. وهو أخصُّ، ووقع في الترجمة: ((فأُقْيَمَتِ الصلاة)). وهي أخصُّ، وكأنَّه أخَذَه من حديثها المتقدِّم (٦٢٦) في (باب مَن انتظرَ الإقامة)) فإنَّ فيه: حتَّى يأتيَه المؤذِّنُ للإقامة. واستُدلَّ بحديث الباب على أنَّه لا يُكرَه التَّشمير في الصلاة، وأنَّ النَّهيَ عن كَفِّ الشَّعرِ والثّياب للتَّنْزِيه، لكونها لم تَذكُر أنَّه أزاحَ عن نفسِه هيئةَ المَهنة، كذا ذكره ابن بَطَّال ومَن تَبِعَه، وفيه نظرٌ، لأنَّه يحتاج إلى ثبوت أنَّه كان له هيئتان، ثمَّ لا يَلزَم من تركِ ذِكْرِ التَّهِئة للصلاة عدم وقوعه. (١) هذه الزيادة جاءت في حديث آخر عند أحمد (٢٤٠٣٤)، ومسلم (٢٣٢٨)، وابن ماجه (١٩٨٤) والنسائي في ((الكبرى)) (٩١١٨) عن عروة عن عائشة. م ١٨٢ باب ٤٥ / ح ٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري وفيه التَّرغيب في التَّواضُع، وترك التَّكَبُّر، وخدمة الرجل أهله، وتَرجَمَ عليه المؤلِّف في الأدَب: ((كيف يكون الرجل في أهله)). ٤٥ - باب من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلِّمهم صلاةَ النبيِّ ◌َّ وسُنَتَه ٦٧٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ قال: جاءنا مالكُ بنُ الحُوَيرثِ في مسجدِنا هذا، فقال: إنِّي لأُصلِّي بكم وما أُرِيدُ الصلاةَ، أُصلِّي كيفَ رأيتُ النبيَّ ◌َلاَ يُصلّي، فقلتُ لأبي قلابة: كيفَ كان يُصلِّي؟ قال: مثلَ شَيْخِنا هذا، قال: وكان شَيْخاً يَجلِسُ إذا رفع رأسَه من السُّجودِ قبلَ أنْ يَنْهَضَ في الرَّكْعةِ الأولَى. [أطرافه في: ٨٠٢، ٨١٨، ٨٢٤] قوله: ((باب مَن صَلَّى بالنَّاس)) إلى آخره، والحديث مطابق للترجمة، وكأنَّه لم يَجِزِم فيها بالحكم لما سنبيِّته. قوله: ((حذَّثنا وُهَيب)) هو ابن خالد، والإسناد كلُّه بصریُّون. قوله: ((إنِّي لَأُصلِّي بكم وما أُريدُ الصلاة)) استُشكِلَ نفيُ هذه الإرادة لما يَلزَم عليها من وجودٍ صلاة بغير قُربةٍ، ومثلها لا يَصِح، وأُجيبَ بأنَّه لم يُرِد نفيَ القُربة وإنَّما أراد بيان السَّبَب الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاةٍ مُعيَّنَةٍ جماعةً، وكأنَّه قال: ليس الباعث لي على هذا الفعل حضور صلاة مُعيَّنَةٍ من أداء أو إعادة أو غير ذلك، وإنَّما الباعث لي عليه قَصد التَّعليم، وكأنَّه كان تَعيَّنَ عليه حينئذٍ لأَنَّه أحدُ مَن خوطِبَ بقوله: ((صَلّوا كما رأيتُموني أُصلِّ)(١) كما سيأتي، ورأى أنَّ التَّعليم بالفعل أوضحُ من القول، ففيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنَّه ليس من باب التَّشريك في العبادة. قوله: ((أُصلّى)) زاد في ((باب كيف يَعتَمِدُ على الأرض)» (٨٢٤) عن مُعلَّى عن وُهَيب: ولكنّي أُرِيدَ أن أُريَكم. قوله: ((مِثْلَ شَيْخنا)) هو عَمْرو بن سَلَمة كما سيأتي في ((باب اللُّبْث بين السَّجدَتَين)) (١) سلف هذا الحديث عند البخاري برقم (٦٣١). ١٨٣ باب ٤٦ / ح ٦٧٨ - ٦٨٠ أبواب الجماعة والإمامة (٨١٨)، وسياقه هناك أتمُّ، ونَذكُرُ فوائدَه هناك إن شاء الله تعالى. تنبيه: أخرج صاحب ((العُمدة)) هذا الحديث، وليس هو عند مسلم من حديث مالك ١٦٤/٢ ابن الحويرث. ٤٦ - بابٌ أهلُ العلم والفضل أحقُّ بالإمامة ٦٧٨ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، قال: حدَّثنا حُسَينٌ، عن زائدة، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، قال: حدَّثني أبو بُرْدة، عن أبي موسى قال: مَرِضَ النبيُّ ◌َ﴿ فاشتَّ مرضه، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) قالت عائشةُ: إِنَّه رجلٌ رَقِيقٌ إذا قامَ مَقامَكَ لم يَستَطِعْ أنْ يُصلَِّّ بَالنَّاس، قال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) فعادت، فقال: ((مُري أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس، فإنكنَّ صواحبُ يوسفَ)) فأتاه الرَّسُولُ، فصَلَّى بالنَّاس في حَياةِ النبيِّ ◌َّ. [طرفه في: ٢٣٨٥] ٦٧٩ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ رضي الله عنها أنَّها قالت: إنَّ رسولَ اللهَ وَ لَه قال في مرضه: «مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بِالنَّاس)) قالت عائشةُ: قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ من البكاءِ، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للنَّاس، فقالت عائشةُ: فقلتُ لحفصةَ: قُولي له: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ من البكاءِ فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للنَّاس، ففَعَلتْ حفصةُ، فقال رسولُ الله وَِّ: (مَه، إنكنَّ لأنتُنَّ صواحبُ يوسفَ، مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) فقالت حفصةٌ لعائشةً: ما كنتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خيراً. ٦٨٠ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكِ الأنصاريُّ - وكان تَبِعَ النبيَّ ◌َّهِ وخَدَمَه وصَحِبَه -: أنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّ لهم في وجَعِ النبيِّ وَلّ الذي تُؤُقَِّّ فيه حتَّى إذا كان يومُ الاثنَينِ وهم صُفُوفٌ في الصلاة، فَكَشَفَ النبيُّ وَّه ◌ِتْرَ الْحُجْرةِ يَنظُرُّ إلينا وهو قائمٌ كأنَّ وجهَه ورَقَةُ مُصْحَفٍ، ثمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنا أنْ نَفْتَتِنَ من الفَرَحِ بُرُؤْيةِ النبيِّ نَّهِ، فنكَصَ أبو بكرٍ على عَقِّه ليَصِلَ الصفَّ، وظَنَّ أنَّ النبيَّ وَّ خَارِجٌ ١٨٤ باب ٤٦ / ح ٦٧٨ - ٦٨٢ فتح الباري بشرح البخاري إلى الصلاة، فأشارَ إلينا النبيُّ وَ أَنْ أَتِّمُّوا صلاتكم وأرخَى السِّتْرَ، فَتُؤُنِّيَّ من يومِه. [أطرافه في: ٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥، ٤٤٤٨] ٦٨١ - حدَّثنا أبو مَعمَر، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ قال: لم يَخْرُجِ النبيُّ وَّهَ ثلاثاً، فأُقِيمَتِ الصلاةُ فَذَهَبَ أبو بَكرَ يَتَقَدّمُ فقال نبيُّ الله ◌َّهِ بِالحِجاب ١٦٥/٢ فرفعه، فلمَّا وضَحَ وجه النبيِّ وَّةِ، / ما رَأَيْنا مَنْظَراً كان أعجَبَ إلينا من وجه النبيِّ وََّ حِينَ وضَح لنا، فأومَأْ النبيُّ ◌ََّ بِيدِه إلى أبي بكرٍ أنْ يَتَقَدَّم، وأرخَى النبيُّ ◌ََّ الِحِجَابَ، فلم يُقْدَرْ علیه حتَّى ماتَ. ٦٨٢- حدَّثنا يحيى بنُ سليمان، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله، أنَّه أخبَرَه عن أبيه قال: لمَّا اشتَّ برسول الله ◌َّ﴾ وِ جَعُهُ قِيلَ له في الصلاة، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) قالت عائشة: إنَّ أبا بكرِ رجلٌ رَقِيقٌ إذا قرأ غَلَبَه البكاءُ، قال: ((مُرُوه فيُصلّي)) فعاوَدَتْه، قال: ((مُرُوه فيُصلّي، إنكنَّ صواحبُ يوسفَ)). تابَعَه الزُّبَيدِيُّ وابنُ أخي الزّهْريِّ وإسحاقُ بنُ يحيى الكَلْبِيُّ، عن الزُّهْريِّ. وقال عُقَيْلٌ ومَعمَرٌ: عن الزُّهْرِيِّ، عن حمزةَ، عن النبيِّ ◌َّ. قوله: ((باب أهل العِلْم والفضل أحَقُّ بالإمامة» أي: ممَّن ليس كذلك، ومُقتَضاه أنَّ الأعلم والأفضلَ أحَقُّ من العالمِ والفاضل، وذِكرُ الفضلِ بعد العِلم من العامِّ بعد الخاص، وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمّة بعد بابين. قوله: ((حدَّثنا حُسَين)) هو ابن عليّ الجُعْفُّ، والإسناد سوى الراوي عنه كلّهم كوفیّون، وأبو بُردةَ: هو ابن أبي موسى، ووَهمَ مَن زَعَمَ أنَّه هنا أخوه. قوله: ((رقيق)) أي: رقيقُ القلب. قوله: (لم يَستَطِع)) أي: من البكاء. قوله: «فأتاه الرَّسُول» هو بلال. قوله: ((فصَلَّى بالنَّاس في حَياة رسول الله وَ لَ)) أي: إلى أن مات، وكذا صَرَّحَ به موسى ابن عُقبةَ في ((المغازي)). ١٨٥ باب ٤٦ / ح ٦٧٨ - ٦٨٢ أبواب الجماعة والإمامة قوله: (عن أبيه عن عائشة)) كذا رواه جماعة عن مالك موصولاً، وهو في أكثر نُسَخِ ((الموطَّا)) مُرسَلاً ليس فيه عائشةُ(١). قوله: (مَه)) هي كلمة زَجْرِ بُنيَت على السُّكون. قوله: ((فليُصلِّ بالنَّاس)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((للناس)) وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذين الحديثينِ في ((باب حَدِّ المريض أن يشهدَ الجماعة)) (٦٦٤) والظاهر أنَّ حديث أبي موسى من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تلقَّاه عن عائشةً أو بلال. وحديث أنس من طريق الزُّهريّ سيأتي إن شاء الله تعالى في الوَفاة من آخر المغازي (٤٤٤٨). قوله: ((حدَّثنا أبو مَعمَرٍ)) هو عبد الله بن عمرو، لا إسماعيل بن إبراهيم، وعبد العزيز: هو ابن صُهَيبٍ. والإسناد كلُّه بصریُّون. قوله: ((ثلاثاً) كان ابتداؤُها من حينِ خرج النبيّ ◌َ ﴿ فصلَّى بهم قاعداً كما تقدَّم. قوله: ((فقال نبيُّ الله ◌َ ﴿ بالحجاب)) هو من إجراء قال مجرَى فعلٍ، وهو کثیرٌ. قوله: ((ما رأينا» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ما نَظَرنا. وقوله: ((فأومَأ بيدِه إلى أبي بكرٍ أن يتقدَّم)) ليس مخالفاً لقوله في أوَّلِه: فتقدَّم أبو بكرٍ، بل في السياق حذفٌ يظهرُ من رواية الزُّهريّ حيثُ قال فيها: فنكصَ أبو بَكر. والحاصل أنَّه تقدَّم ثمَّ ظنَّ أنَّ النبيَّ ◌َِّ خرج فتأخّر، فأشارَ إليه حينئذٍ أن يَرجِعَ إلى مكانه. فائدة: وقع في حديث ابن عبّاس في نحو هذه القصَّة أنَّه وسلم قال لهم في تلك الحالة: ((ألا وإنِي ثُهيتُ أن أقرأ راكعاً أو ساجداً)) الحديث، أخرجه مسلم (٤٧٩) من رواية عبد الله بن معبدٍ عنه. قوله: ((عن حمزةَ بن عبد الله)) أي: ابن عمر بن الخطّاب، وفي كلام ابن بَطَّالٍ ما يوهِمُ أنَّه حمزة بن عَمْرو الأسلَميُّ، وهو خطأ. (١) هو في رواية يحيى الليثي ١/ ١٧٠ موصول. ١٨٦ باب ٤٦ / ح ٦٧٨- ٦٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فعاوَدَتْه)) بفتح الدّال وسكون المثنَّاة، أي: عائشةُ، وبسكون الدّال وفتح النُّون، أي: هي ومَن معها من النِّساء. قوله: ((تابَعَه الزُّبَيدِيُّ)) أي: تابَعَ يونسَ بن يزيد، ومُتَابَعَتُه هذه وَصَلَها الطَّرانيُّ في ((مسند الشاميِّين)) (١٧٨٧) من طريق عبد الله بن سالم الحِمصيِّ عنه موصولاً مرفوعاً، وزاد فيه قولها: فمُرْ عمر، وقال فيه: فراجَعَتْه عائشة. ومُتَابَعة ابن أخي الزّهريّ وَصَلَها ابن عَديٍّ(١) من رواية الدَّراوَرْديِّ عنه، ومُتَابَعةُ إسحاقَ بن يحيى وَصَلَها أبو بكر بن شاذانَ البغداديّ(٢) في نسخة إسحاق بن يحيى في رواية يحيى بن صالح عنه. ١٦٦/٢ تنبيه: ظنَّ بعضُهم أنَّ قوله: ((عن الزُّهريّ)) أي: موقوفاً عليه، وهو فاسد لما بَيَّنّاه. قوله: ((وقال عُقَيلٌ ومَعمَرٌ .. )) إلى آخره، قال الكِرْمانيُّ: الفَرق بين رواية الزُّبيديّ وابن أخي الزُّهريّ وإسحاق بن يحيى، وبينَ رواية عُقَيل ومَعمَر: أنَّ الأولى مُتَابَعة، والثانية مُقاوَلة. انتهى، ومراده بالمقاولة الإتيان فيها بصيغة ((قال)) وليس في اصطلاح المحدِّثينَ صيغة مُقاوَلة، وإنَّما السُّ في تركه عطفَ رواية عُقَيل ومَعمَر على رواية يونس ومَن تابعه أَّهما أرسَلا الحديث وأولئك وَصَلوه، أي: أنَهما خالَفا يونس ومَن تابعه فأرسَلا الحديث، فأمَّا رواية عُقَيل فَوَصَلها الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهرِيّات))، وأمَّا مَعمَر فاختُلِفَ عليه، فرواه ابن المبارَك عنه مُرسَلاً كذلك، أخرجه ابن سعد (٢١٧/٢) وأبو يعلى من طريقه، ورواه عبد الرزاق (٩٧٥٤) عن مَعمَر موصولاً لكن قال: ((عن عائشة)) بدلَ قوله: ((عن أبيه)) كذلك أخرجه مسلم (٩٤/٤١٨)، وكأنَّه رَجَحَ عنده لكون عائشة صاحبةَ القصّة، ولقاءُ حمزة لها ◌ُمكِن، ورَجَحَ الأوَّلُ عند البخاري لأنَّ المحفوظ في هذا عن الزُّهريّ من حديث عائشة روايتُه لذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبةَ عنها، وممّا يؤيِّدُه أنَّ في رواية عبد الرزاق عن مَعمَر متصلاً بالحديث المذكور أنَّ عائشة قالت: لقد عاوَدتُه، وما حملني (١) ومن طريقه أخرجها الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٨٦/٢. (٢) ومن طريقه أخرجها الحافظ أيضاً في ((التغليق)) ٢٨٦/٢. ١٨٧ باب ٤٧ / ح ٦٨٣ أبواب الجماعة والإمامة على مُعاوَدَتِهِ إلَّا أنّ خَشِيتُ أن يتشاءَمَ الناس بأبي بكر، الحديث. وهذه الزّيادة إنَّا تُحِفَظ من رواية الزُّهريّ عن عبيد الله عنها (١) لا من رواية الزُّهريّ عن حمزة، وقد روى الإسماعيليّ(٢) هذا الحديث عن الحسن بن سفيانَ عن يحيى بن سليمان شيخ البخاري فيه مُفَصّلاً، فجعلَ أوَّلَه من رواية الزُّهريّ عن حمزة عن أبيه بالقَدرِ الذي أخرجه البخاري، وآخرَه من رواية الزُّهريّ عن عبيد الله عنها، والله أعلم. ٤٧ - باب من قام إلى جنْب الإمام لعِلَّة ٦٨٣ - حدَّثْنا زكريّا بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: أمَرَ رسولُ الله وَّ أبا بكرٍ أنْ يُصلِّيَّ بالنَّاس في مرضه فكان يُصلِّي بهم. قال عُرْوةُ: فَوَجَدَ رسولُ الله ◌ِهِ فِي نَفْسِه خِفّةً فخَرَج، فإذا أبو بكرٍ يؤمُّ النَّاسَ، فلمَّا رآه أبو بكرٍ استأخَر، فأشارَ إليه أنْ كما أنتَ، فجَلَسَ رسولُ الله ◌َّهَ حِذاءَ أبي بكرٍ إلى جَنْبِهِ، فكان أبو بكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسول الله وَِّ، والنَّاسُ يُصلُّونَ بصلاةِ أبي بكرٍ. قوله: ((باب مَن قامَ)) أي: صلَّى ((إلى جَنْب الإمام لعِلَّةٍ)) أي: سبب اقتَضَى ذلك، وقد تقدَّم ما فيه في «باب حَدِّ المريض» (٦٦٤). قوله: ((قال عُرْوةُ فَوَجَدَ)) هو بالإسناد المذكور، ووَهمَ مَن جَعَلَه مُعلَّقاً. ثمَّ إنَّ ظاهره الإرسال من قوله: ((فوَجَدَ ... )) إلى آخره، لكن رواه ابن أبي شَيْبة عن ابن نُمَير بهذا الإسناد متصلاً بها قبلَه، وأخرجه ابن ماجَهْ عنه (١٢٣٣)، وكذا وَصَلَه الشافعيّ (١١٣/١) عن يحيى بن حِبَّان، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن هشام، وكذا وَصَلَه غير(٣) عُرْوة عنها كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون عُرْوةُ أخَذَه عن عائشة وعن غيرها، فلذلك قطعه عن القَدر الأوَّل الذي أخَذَه عنها وحدَها. (١) رواية الزهري عن عبيد الله عند مسلم (٤١٨) (٩٣). (٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٨٦/٧. (٣) تحرفت كلمة ((غير)) في (ع) و(س) إلى: عن. ١٨٨ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري والأصل في الإمام أن يكون مُتَقدِّماً على المأمومينَ إلَّ إن ضاقَ المكان أو لم يكن إلَّا مأمومٌ واحد، وكذا لو كانوا عُراةً، وما عَدا ذلك يجوز ويُجزىءُ ولكن تَفوت الفضيلةُ. ٤٨- باب من دخل لِيؤمَّ الناسَ فجاء الإمامُ الأولُ فتأخر الأولُ ١٦٧/٢ أو لم يتأخّرْ، جازت صلاتُه فيه عائشةُ عن النبيِّ ◌َلّ. ٦٨٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازمِ بنِ دِينارٍ، عن سَهْل ابنِ سعدِ السّاعديِّ: أنَّ رسولَ الله وَِّ ذهبَ إلى بني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بينهم، فحانَتِ الصلاةُ، فجاءَ المؤذِّنُ إلى أبي بكرٍ، فقال: أتصلّي للنَّاس فأَقِيمَ؟ قال: نَعَم، فصَلَّى أبو بكرٍ فجاءً رسولُ اللهِ وَّهَ والنَّاسُ في الصلاة فتَخلَّصَ حتَّى وقفَ في الصفِّ، فصَفَّقَ النَّاسُ، وكان أبو بكرٍ لا يلتفتُ في صلاته، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ النَّصْفِيقَ التَّفَتَ فَرَأى رسولَ اللهِ وَلِّ، فأشارَ إليه رسولُ الله ◌َّهِ أَنِ امكُثْ مكانَك، فرفع أبو بكرٍ ﴾ يَدَيْه فحَمِدَ الله على ما أُمَرَه به رسولُ الله وَّه من ذلك، ثمَّ استأخَرَ أبو بكرٍ حتَّى استوى في الصفِّ، وتَقدَّمَ رسولُ اللهِوَّهِ فِصَلَّى، فلمَّا انصَرَفَ قال: ((يا أبا بكرٍ ما مَنَعَكَ أنْ تَنْبُتَ إِذْ أمرتُك؟))، فقال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافةً أنْ يُصلِّيَّ بِينَ يَدَيْ رسول الله وَّةِ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((ما لي رأيتُكم أكثرتُمُ التَّصْفِيقَ، مَن نابَهُ شيءٌ في صلاته فليُسبِّح، فإنَّه إذا سَبَّح التُّهِتَ إليه، وإنَّما التَّصْفِيقُ للِّساء)). [أطرافه في: ١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٧١٩٠،٢٦٩٣] قوله: ((باب مَن دخلَ)) أي: إلى الِحراب مثلاً ((ليؤمّ النَّاس فجاءَ الإمام الأوَّل)) أي: الرَّاتبُ ((فتأخَّرَ الأوَّل)) أي: الدّاخل، فكُلٌّ منهما أوَّلٌ باعتبارٍ، والمعرفةُ إذا أُعيدَت كانت عينَ الأولى إلَّا بقرينة، وقرينة كَوْنها غيرَها هنا ظاهرة. قوله: ((فيه عائشة)) يشير بالشِّقِّ الأوَّل، وهو ما إذا تأخّرَ، إلى رواية عُرْوةَ عنها في الباب الذي قبلَه حيثُ قال: ((فلمَّا رآه استأخَر))، وبالثاني، وهو ما إذا لم يَستأخِرْ، إلى رواية ١٨٩ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ أبواب الجماعة والإمامة عُبيد الله عنها حيثُ قال: فأراد أن يتأخّر(١)، وقد تقدَّمت في ((باب حَدِّ المريض))، والجواز مُستَفادٌ من التَّقرير، وكِلا الأمرَينِ قد وقَعا في حديث الباب. قوله: ((عن سَهْلِ بنِ سعد)) في رواية النَّسائيِّ (٥٤١٣) من طريق سفيانَ عن أبي حازم: سمعت سهلاً. قوله: ((ذَهَبَ إلى بني عَمْرو بن عَوْف)) أي: ابن مالك بن الأوس، والأوس أحدُ قبيلتي الأنصار وهما الأوس والخَزْرَج، وبنو عَمْرو بن عَوف بطن كبير من الأوس، فيه عِدَّة أحياء كانت منازلهُم بقُباء، منهم بنو أُميَّةَ بن زيد بن مالك بن عَوف بن عَمْرو بن عَوف، وبنو ضُبَيَعةً بن زيد، وبنو ثَعلَبَةَ بن عَمْرو بن عَوف، والسَّبَب في ذهابه ◌َّ إليهم ما في رواية سفيان المذكورة قال: وقع بين حيَّينِ من الأنصار كلام. وللمؤلِّف في الصُّلح (٢٦٩٣) من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم: أنَّ أهل قُباءَ اقتَتَلوا حتَّى تَرامَوا بالحِجارة، فأُخبِرَ رسول الله وَلَه بذلك، فقال: ((اذهبوا بنا نُصلِحْ بينهم)) وله فيه (٢٦٩٠) من رواية أبي غَسّانَ عن أبي حازم: فخرج في أُناس من أصحابه، وسَمَّى الطَّبرانيُّ (٥٩٧٩) منهم من طريق موسى بن محمد عن أبي حازم: أَبيَّ بنَ كعب وسُهَيلَ بن بيضاء، وللمؤلِّف في الأحكام (٧١٩٠) من طريق حمّاد بن زيد عن أبي حازم: أنَّ تَوَجُّهَه كان بعد أن صلَّى الظُّهر، وللطَّبرانيِّ (٥٩٥٨) من طريق عمر بن عليّ عن أبي حازم: أنَّ الخبر جاءَ بذلك وقد أَّنَ بلال لصلاة الظُّهر. قوله: ((فحانَتِ الصلاة)) أي: صلاة العصر، وصَرَّحَ به في الأحكام، ولفظه: فلمَّا ١٦٨/٢ حَضَرَت صلاة العصر أذَّنَ وأقامَ وأمر أبا بكر فتقدَّم. ولم يُسمِّ فاعلَ ذلك. وقد أخرجه أحمد (٢٢٨١٦) وأبو داود (٩٤١) وابن حِبَّان (٢٢٦١) من رواية حمّاد المذكورة فبيَّن الفاعلَ، وأنَّ ذلك كان بأمرِ النبيّ وَّهِ، ولفظه: فقال لبلالٍ: ((إن حَضَرَتِ العصرُ ولم آتِك (١) هذا لفظ رواية الأسود عن عائشة، وهي الرواية السالفة في باب حدِّ المريض، لا رواية عُبيد الله عنها. وستأتي رواية عُبيد الله برقم (٦٨٧) ولفظها: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فهي بمعنى رواية الأسود. ١٩٠ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري فمُر أبا بكر فليُصلِّ بالناس)) فلمَّا حَضَرَتِ العصرِ أَذَّنَ بلال، ثمَّ أقامَ ثمَّ أمر أبا بكر فتقدَّم. ونحوه للطَّبرانيِّ (٥٩٧٩) من رواية موسى بن محمد عن أبي حازم. وعُرِفَ بهذا أنَّ المؤذِّن بلال. وأمَّا قوله لأبي بكر: ((أتصلّي للناس؟)) فلا يخالف ما ذُكِرَ، لأنَّه يُحُمَلُ على أنَّه استفهَمَه هل يُبادِر أوَّلَ الوقت أو يَنْتَظِرُ قليلاً ليأتيَ النبيّ ◌ََّ؟ ورجَحَ عند أبي بكر المبادرةُ لأنَّها فضيلةٌ مُتَحقّقةٌ، فلا تُترَك لفضيلةٍ مُتَوَقَّةٍ. قوله: ((فأُقِيمَ)) بالنصب، ويجوزُ الرَّفع. قوله: ((قال: نَعَم)) زاد في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: إن شِئت. وهو في ((باب رفع الأيدي)) (١٢١٨) عند المؤلِّف، وإنَّما فوَّضَ ذلك له لاحتمال أن يكون عنده زيادة عِلم من النبيّ وَ﴾ في ذلك. قوله: ((فصَلَّى أبو بَكْر)) أي: دخل في الصلاة، ولفظ عبد العزيز المذكور: وتقدَّم أبو بكر فكَبَّر، وفي رواية المسعوديّ عن أبي حازم: فاستفتَحَ أبو بكر الصلاةَ، وهي عند الطَّبرانيّ (٥٩٧٦). وبهذا يجاب عن الفَرق بين المقامَينِ حيثُ امتَنَعَ أبو بكر هنا أن يستمرّ إماماً، وحيثُ اسْتَمَرَّ في مرض موته وَّه حين صلَّى خلفَه الرَّكعة الثانية من الصبح، كما صَرَّحَ به موسى بن عُقبة في ((المغازي))، فكأنَّه لمَّا أن مضى مُعظَمُ الصلاة حَسُنَ الاستمرار، ولمَّا أن لم يَمضِ منها إلَّا اليسيرُ لم يستمرّ. وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيثُ صلَّى النبيّ وَلـ خلفَه الرَّكعة الثانية من الصبح، فإنَّه استَمَرَّ في صلاته إماماً لهذا المعنى، وقصَّة عبد الرحمن عند مسلم (٢٧٤ / ٨١) من حديث المغيرة بن شُعْبة. قوله: ((فَتَخلَّصَ)) في رواية عبد العزيز: فجاءَ النبيّ وَّ يَمشي في الصُّفوفِ يَشُقّها شَقّاً حتَّى قامَ في الصفّ الأوَّل، ولمسلم (١٠٤/٤٢١): فخَرَقَ الصُّفوفَ حتَّى قامَ عند الصفِّ المقدَّم. قوله: (فصَفَّقَ النَّاس)) في رواية عبد العزيز: فأخَذَ الناس في التَّصفيح. قال سهل: أتدرون ما التَّصفيحُ؟ هو النَّصفيقُ. انتهى، وهذا يدلُّ على تَرادُفِهما عنده، فلا يُلتَفَتُّ إلى ما ١٩١ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ أبواب الجماعة والإمامة يخالفُ ذلك، وسيأتي البحث فيه في باب مُفْرَد (١٢٠٤). قوله: (وكان أبو بكر لا يلتفت)) قيل: كان ذلك لعِلْمه بالنَّهي عن ذلك، وقد صَحَّ أنَّه اختلاس يَخْتَلِسُه الشيطان من صلاة العبد، كما سيأتي في باب مُفرَد في صفة الصلاة (٧٥١). قوله: ((فلمَّا أكثر الناس التَّصفيق)) في رواية حمّاد بن زيد (٧١٩٠): فلمَّا رأى التَّصفيح لا يُمسَكُ عنه(١) التَفَت. قوله: ((فأشارَ إليه: أنِ امْكُثْ مكانَك)) في رواية عبد العزيز: ((فأشارَ إليه يأمره أن يُصلّي)) وفي رواية عمر بن عليّ: فدَفَعَ في صَدْره ليتقدَّم فأَبَّى(٢). قوله: ((فرفع أبو بكرٍ يَدَيْه فحَمِدَ الله)) ظاهرُه أنَّه تَلَفَّظَ بالحمد، لكن في رواية الحميديِّ (٩٦٧) عن سفيانَ: فرفع أبو بكر رأسه إلى السَّماء شُكراً لله ورجع القَهقَرَى. واذَّعَى ابن الجَوْزيّ أنَّه أشارَ بالشُّكرِ والحمدِ بيدِه، ولم يَتكلّم، وليس في رواية الحميديِّ ما يمنع أن يكون تَلَفَّظ، ويقوِّي ذلك ما عند أحمد (٢٢٨٦٣) من رواية عبد العزيز الماحِشُون عن أبي حازم: ((يا أبا بكر، لمَ رَفَعتَ يَدَيك وما مَنَعَك أن تَثْبُتَ حين أشرتُ إليك؟)) قال: رَفَعت يَدَيَّ لأَنّي حَمدت اللهَ على ما رأيت منك، زاد المسعوديّ: فلمَّا تَنَخَّى تقدَّم النبيّ وََّ(٣)، ونحوُه في روایة حمّاد بن زيد(٤). قوله: ((أنْ يُصلَّ بينَ يَدَيْ رسول اللهِ وَلَ)) في رواية الحَّدَينِ والماحِشُون: أن يؤمَّ النبيَّ صلىالله (٥) وَسَلـ قوله: ((أكثرتُم التَّصْفيق)) ظاهره أنَّ الإنكار إنَّما حَصَلَ عليهم لكثرته لا لُطلَقِه، وسيأتي . (١) كذا وقع في الأصلين و(س): ((عنه))، والذي في اليونينية والقسطلّاني: ((عليه)) دون خلاف. (٢) عند الطبراني (٥٩٥٨). (٣) عند الطبراني (٥٩٧٦). (٤) ستأتي برقم (٧١٩٠). (٥) رواية حماد بن زيد ستأتي برقم (٧١٩٠)، ورواية الماجشون ستأتي برقم (١٢١٨)، وأما رواية حماد بن سلمة فهي عند أحمد (٢٢٨٤٧). ١٩٢ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري البحث فيه. قوله: ((مَن نابَه)) أي: أصابَه. قوله: ((فليُسبِّح)) في رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم: ((فليقل: سبحانَ الله)) وسيأتي في ((باب الإشارة في الصلاة)) (١٢٣٤). قوله: ((الْتُفِتَ إليه)) بضمِّ المثنَّة على البناء للمجهول، وفي رواية يعقوب المذكورة: ((فإنَّه لا يسمعُه أحدٌ حين يقول: سبحان الله، إلَّ التَّفَت)). ١٦٩/٢ قوله: ((وإنَّما التَّصْفيق للنِّساء)) في رواية عبد العزيز: ((وإنَّمَا التَّصفيح للنِّساء)) زاد الحميديُّ (٩٦٧): ((والتَّسبيح للرجال)) وقد روى المصنّفُ هذه الجملة الأخيرة مُقتَصِراً عليها من رواية الثَّوريِّ عن أبي حازم كما سيأتي في ((باب التَّصفيق للنِّساء)) (١٢٠٤)، ووقع في رواية حمّاد بن زيد بصيغة الأمر ولفظه: ((إذا نابكم أمر فليُسبِّح الرجالُ ولُيُصَفِّحِ النِّساء)). وفي هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمع كلمة القبيلة وحَسم مادَّة القطيعة، وتَوَجُّه الإمام بنفسه إلى بعض رعيَّتَه لذلك، وتقديم مثل ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه. واستنِطَ منه تَوَجُّه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رَجَحَ ذلك على استحضارهم. وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامَينِ أحدهما بعد الآخر، وأنَّ الإمام الرَّاتب إذا غابَ يَسْتَخْلِفِ غيرَه، وأنَّه إذا حَضَرَ بعد أن دخل نائبُه في الصلاة يتخيَّر بين أن يأتمَّ به أو يؤمّ هو ويصير النائب مأموماً من غير أن يقطع الصلاة، ولا يُبطِلُ شيء من ذلك صلاةَ أحدٍ من المأمومين. وادَّعَى ابن عبد البَرِّ أنَّ ذلك من خصائص النبيّ ◌َّهِ، وادَّعَى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره وَّة، ونوقِضَ بأنَّ الخلافَ ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعيَّة الجواز، وعن ابن القاسم في الإمام يُحدِثُ فيَستَخلِفُ ثمَّ يَرجِعُ، فَيَخرُجُ المستخلَف ويُتِمّ الأوَّلُ، أنَّ الصلاة صحيحة. وفيه جواز إحرام المأموم قبلَ الإمام، وأنَّ المَرْء قد يكون في بعض صلاته إماماً وفي ١٩٣ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ أبواب الجماعة والإمامة بعضها مأموماً، وأنَّ مَن أحرَمَ مُنفرداً ثمّ أُقيمَتِ الصلاة جاز له الدُّخول مع الجماعة من غير قطعٍ لصلاته، كذا استَنْبَطَه الطَّبَرِيُّ من هذه القصَّة، وهو مأخوذٌ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم کما ذكرنا. وفيه فَضْل أبي بكر على جميع الصحابة. واستدلَّ به جمعٌ من الشُّرّاح ومن الفقهاء کالرُّویانیّ على أنَّ أبا بكر کان عند الصحابة أفضلهم لگونهم اختاروه دون غيره. وعلى جواز تقديم الناس لأنفُسِهم إذا غابَ إمامُهم، قالوا: ومحلُّ ذلك إذا أُمِنَت الفتنة والإنكار من الإمام، وأنَّ الذي يَتَقدَّم نيابة عن الإمام يكون أصلَحَهم لذلك الأمر وأقوَمَهم به، وأنَّ المؤذِّن وغيرَه يَعرِض التقدُّم على الفاضل، وأنَّ الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أنَّ ذلك برِضا الجماعة. انتهى، وكلُّ ذلك مبنيٌّ على أنَّ الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وقد قدَّمنا أنَّهم إنَّما فعلوا ذلك بأمرِ النبيّ ◌َلّ. وفيه أنَّ الإقامة واستدعاءَ الإمام من وظيفة المؤذِّن، وأنَّه لا يُقيم إلَّا بإذنِ الإمام، وأنَّ فعل الصلاة - لا سيَّما العصر - في أوَّل الوقت مُقدَّم على انتظار الإمام الأفضل. وفيه جواز التَّسبيح والحمد في الصلاة لأنَّه من ذِكْر الله، ولو كان مراد المُسَبِّح إعلامَ غيره بما صَدَرَ منه، وسيأتي في باب مُفْرَد (١٢٠١). وفيه رفع اليدينِ في الصلاة عند الدُّعاء والثَّناء، وسيأتي كذلك (١٢١٨). وفيه استحباب حَمدِ الله لمن تَجَدَّدَت له نِعمةٌ ولو كان في الصلاة. وفيه جواز الالتفات للحاجة وأنَّ مُخاطَبةَ المصلِّي بالإشارة أَولى من مُخَاطَبَتَه بالعبارة، وأنَها تقوم مَقامَ النُّطْق ◌ُعاتَبة النبيّ وَلِّ أبا بكر على مُخالَفة إشارته. وفيه جواز شَقِّ الصُّفوف والمشي بين المصلِّينَ لقَصدِ الوصول إلى الصفّ الأوَّل، لكنَّه مقصور على مَن یلیق ذلك به کالإمام أو مَن كان بصددِ أن يحتاجَ الإمامُ إلی استخلافه أو مَن أراد سَدَّ فُرجٍ في الصفّ الأوَّل أو ما يليه مع تركِ مَن يليه سَدَّها، ولا يكون ذلك معدوداً من الأذى. ١٩٤ باب ٤٨ / ح ٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قال المهلَّبُ: لا تَعارُضَ بين هذا وبينَ النَّهي عن التَّخَطّ، لأنَّ النبيَّ مَڅچ لیس کَغيره في أمر الصلاة ولا غيرها، لأنَّ له أن يَتَقدَّم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام. وأطالَ في تقرير ذلك. وتُعُقِّبَ بأنَّ هذا ليس من الخصائص، وقد أشارَ هو إلى المعتمد في ذلك فقال: لیس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي تَحَصُلُ من التَّخَطّي، وليس كمَن شَقَّ الصُّفوف والناسُ جلوس لما فيه من تخطَّي رِقابهم. وفيه كراهيَة التَّصفيق في الصلاة، وسيأتي في باب مُفرَد (١٢٠٣ و١٢٠٤). وفيه الحمد والشُّكر على الوجاهة في الدّين، وأنَّ مَن أُكرِمَ بكرامةٍ يتخيَّر بين القَبُول والتَّرْك إذا فهمَ أنَّ ذلك الأمر على غير جهة اللُّزوم، وكأنَّ القرينة التي بَيِّنَت لأبي بكر ذلك ١٧٠/٢ هي كَوْنه بَّهِ شَقَّ الصُّفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنَّه فهمَ من ذلك أنَّ مراده/ أن يؤمّ الناسَ، وأنَّ أمره إيّاه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتَّنْويه بقَدرِه، فسَلكَ هو طريقَ الأدَب والتَّواضُع، ورَجَّحَ ذلك عنده احتمالُ نُزول الوحي في حال الصلاة لتغييرِ حُكم من أحكامها، وكأنَّه لأجلِ هذا لم يَتَعَقَّب ◌َِّ اعتذارَه بَرَدِّ عليه. وفيه جواز إمامة المفضول للفاضل. وفيه سؤال الرّئيس عن سبب مُخالَفة أمرِه قبلَ الزَّجْر عن ذلك. وفيه إكرام الكبير بمُخاطَيَتِه بالكُنية، واعتماد ذِكْر الرجل لنفسِه بما يُشعِر بالتَّواضُعِ من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور، إذ كان حَدُّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي، فعَدَلَ عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قُحافة، لأنَّه أدَلُّ على التَّواضُع من الأوَّل. وفيه جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخّرٍ أبي بكر عن مقامه إلى الصفّ الذي يليه، وأنَّ مَن احتاجَ إلى مثل ذلك يَرجِعِ القَهِقَرَى، ولا يستدبِرُ القِبْلَةَ ولا ينحرف عنها. واستنْبَطَ ابن عبد البَرِّ منه جواز الفتح على الإمام، لأنَّ التَّسبيح إذا جاز جازت التِّلاوة من باب الأَولى، والله أعلم. ١٩٥ باب ٤٩ / ح ٦٨٥ أبواب الجماعة والإمامة ٤٩ - بابٌ إذا استوَوْا في القراءة فليؤمَّهم أكبرُهم ٦٨٥ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حَمَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالكِ بنِ الحُوَيرثِ قال: قَدِمْنا على النبيِّ وَّ﴿ ونحنُ شَبَبَةٌ، فَبِثْنا عندَه نَحْواً من عشرينَ ليلةً، وكان النبيُّ ◌َّه رحيماً فقال: ((لو رَجَعْتُم إلى بلادِكم فعَلَّمْتُمُوهُم، مُرُوهم فليُصلُّوا صلاةَ كذا في حِينِ كذا، وصلاةَ كذا في حِينٍ كذا، وإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، ولْيؤمّكم أکبرُ کم». قوله: ((باب إذا استووا في القراءة فليؤمَّهم أكبرُهم)) هذه الترجمة مع ما سأُبيِّنه من زيادة في بعض طرق حديث الباب مُنْتَزَعة من حديث أخرجه مسلم (٦٧٣ /٢٩١) من رواية أبي مسعود الأنصاريّ مرفوعاً: ((يؤمّ القومَ أقرَؤُهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواءً فليؤمَّهم أقدَمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فليؤمَّهم أكبرهم سِنّا)) الحديث. ومَداره على إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضَمْعَج عنه، وليسا جميعاً من شرط البخاري، وقد نقل ابن أبي حاتم في ((العِلَل)) عن أبيه: أنَّ شُعْبة كان يَتوقَّف في صِحَّة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يَصلُح للاحتجاج به عند البخاري، وقد علَّق منه طرفاً بصيغة الجزم كما سيأتي، واستَعمَلَه هنا في الترجمة، وأورَدَ في الباب ما يُؤدّي معناه، وهو حديث مالك بن الحوَيرِثِ. لكن ليس فيه التصريح باستواء المخاطَبينَ في القراءة، وأجاب الزّين بن المنيِّرِ وغيره بما حاصلُه: أن تَساويَ هِجْرتهم وإقامتهم وغَرَضهم بها، مع ما في الشَّباب غالباً من الفَهْم، ثَّ تَوَجُّهَ الخطابِ إليهم بأن يُعَلِّمُوا مَن وراءَهم من غير تخصيص بعضهم دون بعض، دالّ على استوائهم في القراءة والتَّفَقُّه في الدِّين. قلت: وقد وقع التصريح بذلك فيما رواه أبو داود (٥٨٩) من طريق مَسلَمةً بن محمد عن خالد الحَذّاء، عن أبي قلابةَ في هذا الحديث قال: وكنّا يومئذٍ مُتقاربينَ في العِلم. انتهى، وأظنُّ في هذه الرواية إدراجاً، فإنَّ ابن خُزيمة رواه (١٥١٠) من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّةَ ١٩٦ باب ٤٩ / ح ٦٨٥ فتح الباري بشرح البخاري عن خالد قال: قلت لأبي قِلابةَ: فأينَ القراءة؟ قال: إنَّهما كانا مُتقاربين. وأخرجه مسلم (٦٧٤/ ٢٩٣) من طريق حفص بن غياث عن خالد الحَذّاء وقال فيه: قال الحَذّاء: وكانا مُتقاربينِ في القراءة. ويحتمل أن يكون مُستَنَد أبي قلابةً في ذلك هو إخبار مالك بن الحَوَيرِث، كما أنَّ مُستنَد الخَذّاء هو إخبار أبي قلابةً له به، فينتفي(١) الإدراج عن الإسناد، والله أعلم. ١٧١/٢ تنبيه: ضَمْعَجُ والد أوس بفتح الضّاد المعجَمة وسكون الميم وفتح العين المهمَلة بعدها جيمٌ، معناه: الغَليظُ. وقوله في حديث أبي مسعود: ((أقرَؤُهم)) قيل: المراد به الأفقَه، وقيل: هو على ظاهره، وبِحَسَبِ ذلك اختلف الفقهاء. قال النَّوَويّ: قال أصحابنا: الأفقَه مُقدَّم على الأقرأ، فإنَّ الذي يُحتاج إليه من القراءة مَضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غيرُ مَضبوط، فقد يَعرِض في الصلاة أمرٌ لا يَقدِر على مراعاة الصلاة فيه إلَّا كاملُ الفقه، ولهذا قدَّمَ النبيّ وَلّ أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أَنَّهَ نصَّ على أنَّ غيره أقرأُ منه. كأنَّه عَنَى حديث: ((أقرَؤُكمْ أَبِيُّ))(٢). قال: وأجابوا عن الحديث بأنَّ الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقَه. قلت: وهذا الجواب يَلزَم منه أنَّ مَن نصَّ النبيّ وَّر على أنَّه أقرأ من أبي بكر كان أفقَه من أبي بكر، فيَفسُد الاحتجاج بأنَّ تقديم أبي بكر كان لأنَّه الأفقَه. ثمَّ قال النَّوَويّ بعد ذلك: إنَّ قوله في حديث أبي مسعود: «فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأقدمهم في الهجرة))(٣) يدلّ على تقديم الأقرأ مُطلَقاً. انتهى، وهو واضح للمُغايرة. وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضاً من وجه آخرَ عن إسماعيل بن رجاء (٦٧٢ / ٢٩١). ولا يخفى أنَّ محلّ تقديم الأقرأ إنَّما هو حيثُ يكون عارفاً بما يَتعيَّن معرفتُه من أحوال (١) تحرَّفت في (س) إلى: فينبغي. (٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٤)، والترمذي (٣٧٩١)، وأحمد (١٢٩٠٤) من حديث أنس. (٣) عند مسلم (٦٧٣) (٢٩٠). ١٩٧ باب ٤٩ / ح ٦٨٥ أبواب الجماعة والإمامة الصلاة، فأمَّا إذا كان جاهلاً بذلك فلا يُقدَّمُ اتَّفاقاً، والسَّبَب فيه أنَّ أهل ذلك العصر كانوا يَعرِفون معانيَ القرآن لكونهم أهلَ اللِّسان، فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقَهَ في الدّين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم. قوله: ((ونحنُ شَبَبة)) بفتح المعجَمة والموخَّدَتَينِ جمعُ شابٍّ، زاد في الأدَب (٦٠٠٨) من طريق ابن عُليَّةَ عن أيوب: (شَبَبَة مُتقاربون)) والمراد تَقارُبُهم في السِّن، لأنَّ ذلك كان في حال قُدومهم. قوله: (نَحْواً من عشرينَ)) في رواية ابن عُليَّةَ المذكورة الجَزم به، ولفظه: فأقَمنا عنده عشرين ليلةً. والمراد بأيامها، ووقع التصريح بذلك في روايته في خبر الواحد (٧٢٤٦) من طريق عبد الوهّاب عن أيوب. قوله: ((رحيماً فقال: لو رَجَعْتُم)) في رواية ابن عُليَّةَ وعبد الوهّاب: رَحيماً رقيقاً، فظَنَّ أَنّا اشتَقنا إلى أهلنا، وسألَنا عمَّن تركْنا بعدنا فأخبَرْناه فقال: ((ارجِعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعَلِّموهم)). ويُمكِنُ الجمع بينهما بأن يكون عَرَضَ ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله: ((لو رَجَعتُمْ)) إذ لو بدأهم بالأمرِ بالرجوعِ لَأمكَنَ أن يكون فيه تَنفير، فيحتمل أن يكونوا أجابوه بنَعَم، فأمرهم حينئذٍ بقوله: ((ارجِعوا))، واقتصار الصحابيّ على ذِكْر سبب الأمر برجوعِهم بأنَّ الشَّوق إلى أهليهم دون قَصد التَّعليم، هو لِمَا قامَ عنده من القرينة الدالّة على ذلك، ويُمكِنُ أن يكون عُرِفَ ذلك بصريحِ القول منه ريَّه وإن كان سبب تعليمهم قومَهم أشرَفَ في حقّهم، لكنَّه أخبر بالواقع ولم يَتَزَيَّن بما ليس فيهم، ولمَّا كانت نيّتهم صادقةً صادفَ شَوقُهم إلى أهلهم الحَظَّ الكامل في الدّين، وهو أهليَّة التَّعليم، كما قال الإمام أحمد في الحِرص على طلب الحديث: حَظٍّ وافَقَ حَقّاً. قوله: ((ولْيؤمَّكم أكْبَرُكم)) ظاهره تقديم الأكبر بكثيرِ السِّنّ وقليله، وأمَّا مَن جَوَّزَ أن يكون مراده بالكِبرِ ما هو أعمُّ من السِّنّ أو القَدْر كالتقدُّم في الفقه والقراءة والدّين، فبعيدٌ لما تقدَّم من فهمِ راوي الخبر، حيثُ قال للتابعيِّ: فأينَ القراءة. فإنَّه دالٌّ على أنَّه أراد كِبَرَ . ١٩٨ باب ٥٠ / ح ٦٨٦ فتح الباري بشرح البخاري السِّنِّ. وكذا دعوى مَن زَعَمَ أنَّ قوله: ((وليؤمَّكم أكبرُكم)) مُعارَضٌ بقوله: ((يؤمُّ القوم أقرَؤُهم))، لأنَّ الأوَّل يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسُه، ثمَّ انفَصَلَ عنه بأنَّ قصَّة مالك بن الحوَيرِثِ واقعةُ عينٍ قابلةٌ للاحتمال، بخلاف الحديث الآخر، فإنَّه تقریر ٧٢/٢ ١ قاعدة تُفيد التَّعميم، قال: فيحتمل أن يكون الأكبر منهم كان يومئذٍ هو الأفقَه، انتهى./ والتَّنصيص على تَقارُبِهِم في العِلم يَرُدُّ عليه، فالجمع الذي قدَّمْناه أَولِى، والله أعلم. وفي الحديث أيضاً فضل الهجرة والرِّحلة في طلب العِلم وفضل التَّعليم. وما كان عليه وَله من الشَّفَقة والاهتمام بأحوال الصلاة وغيرها من أُمور الدّين. وإجازة خبر الواحد وقيام الحُجَّة به. وتقدَّم الكلامُ على بقيَّة فوائده في ((باب مَن قال: يؤذِّنُ في السفر مؤذِّنٌ واحد)) (٦٢٨). ويأتي الكلام على قوله: ((صَلّوا كما رأيتُموني أُصلِّي)) في ((باب إجازة خبر الواحد)» (٧٢٤٦) إن شاء الله تعالى. ٥٠- باب إذا زار الإمام قوماً فَأَمَّهم ٦٨٦- حدّثنا معاذُ بنُ أسدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيعِ، قال: سمعتُ عِثْبانَ بنَ مالكِ الأنصاريَّ قال: استأذَنَ النبيُّ ◌َرَ فأِنْتُ له، فقال: ((أينَ تُحِبُّ أنْ أُصلِّيَ من بينِكَ؟)) فأشَرْتُ له إلى المكانِ الذي أُحِبُّ، فقامَ وصَفَفْنا خلفَه، ثُمَّسَلَّمَ وسَلَّمْنا. قوله: ((باب إذا زارَ الإمام قوماً فأمَّهم)) قيل: أشارَ بهذه الترجمة إلى أنَّ حديث مالك بن الحَوَيِرِثِ الذي أخرجه أبو داود (٥٩٦) والتِّرمِذيّ (٣٥٦) وحَسَّنَه مرفوعاً: ((مَن زارَ قوماً فلا يؤمَّهم، وليؤمَّهم رجلٌ منهم)) محمول على مَن عَدا الإمام الأعظم. وقال الزَّين بن المنيِر: مراده أنَّ الإمام الأعظم ومَن يَجري مجراه إذا حَضَرَ بمكانٍ مملوك لا يَتَقَدَّم عليه مالكُ الدّار والمنفَعة(١)، ولكن ينبغي للمالك أن يأذَنَ له ليجمع بين الحَقَّينِ: (١) في (ع): مالك الدار أو البُقعة. والمثبت من (أ)، كالذي في (س) غير أنه جاء فيها: أو المنفعة، وهذا المثبتُ أشملُ لدخول مالك المنفعة وهو المستأجر أيضاً. ١٩٩ باب ٥١ / ح ٦٨٧ أبواب الجماعة والإمامة حقّ الإمام في التقدُّم، وحَقّ المالك في منع التصرُّف بغير إذنه. انتهى مُلخَّصاً. ويحتمل أنَّه أشارَ إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدِّم(١): ((ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سُلطانه، ولا يُجلس على تَكْرِمَته، إلَّا بإذنِه)) فإنَّ مالك الشيء سُلطان عليه، والإمام الأعظم سُلطان على المالك، وقوله: ((إلَّا بإذنِه)) يُحِمَلُ عَودُه على الأمرَينِ: الإمامة والجلوس، وبذلك جَزَمَ أحمد كما حكاه الثِّرمِذيّ عنه، فَتَحصُلُ بالإذنِ مُراعاة الجانبين. قوله: ((حدَّثنا معاذ بن أسد)) هو مَروَزيٌّ سَكَنَ البصرة، وليس هو أخاً لمُعلَّى بن أسد أحد شيوخ البخاري أيضاً، كان معاذ المذكور كاتباً لعبد الله بن المبارك وهو شيخه في هذا الإسناد، وقد تقدَّم الكلام على حديث عِتبانَ مُستَوفَّى في ((باب المساجد التي في البيوت)) (٤٢٥). ٥١ - بابٌ ((إنما جُعِل الإمامُ ليؤتَمَّ به)) وصَلَّى النبيُّ ◌َّه في مرضِه الذي تُنّ فيه بالنَّاس وهو جالسٌ. وقال ابنُ مسعودٍ: إذا رَفَعَ قبلَ الإمام يَعُودُ فِيَمْكُثُ بِقَدْرٍ ما رَفَع، ثمَّ يَتْبَعُ الإمامَ. وقال الحسنُ فيمَن يَركَعُ مع الإمام رَكْعَتَينٍ ولا يَقْدِرُ على السُّجودِ: يَسجُدُ للَّكْعةِ الآخِرِةِ سَجْدَتَينٍ، ثمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأولَى بسجودِها. وفيمَن نَسِيَ سَجْدةً حتَّى قامَ: يَسجُدُ. ٦٨٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن موسى بنِ أبي عائشة، عن عُبيد الله ابنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ قال: دخلتُ على عائشةَ فقلتُ: ألا تُحدِّثِيني عن مرض رسول الله وَّ؟ قالت: بَلَى، ثَقُلَ النبيُّ وَله فقال: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قلنا: لا، هُم يَتَظِرُونَك، قال: ((ضَعُوني ماءً في المِخْضَب)) قالت: فَفَعَلْنا فاغتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَئُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاق، فقال ◌َّةِ: ((أصَلَّى النَّاسُ؟)) قلنا: لا، هُم يَنتَظِرُونَكَ يا رسولَ الله، قال: ((ضَعُوني ماءً في المِخْضَب)»/ قالت: ١٧٣/٢ فقَعَدَ فاغتَسَلَ، ثمَّ ذهبَ لَيُنُوءَ فَأَغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ فقال: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قلنا: لا، هُم يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ الله، فقال: ((ضَعُوني ماءً في المِخْضَب)) فقَعَدَ فاغتَسَلَ، ثمَّ ذهبَ ليَنُوءَ (١) تقدم تخريجه في شرحه للحديث السابق. ٢٠٠ باب ٥١ / ح ٦٨٧ فتح الباري بشرح البخاري فَأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ فقال: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فقلنا: لا، هُم يَنتَظِرُ ونَكَ يا رسولَ الله، والنَّاسُ عُكُوفٌ في المسجدِ يَنْتَظِرُونَ رسول اللهِ وَّه لصلاةِ العِشاءِ الآخِرةِ، فأرسَلَ النبيُّ ◌َلّه إلى أبي بكرٍ بأنْ يُصلِّ بالنَّاس، فأتاه الرّسُولُ فقال: إنَّ رسولَ الله وَّهِ يأمرُكَ أنْ تُصلِّيَّ بِالنَّاس، فقال أبو بكرٍ - وكان رجلاً رَقِقاً -: يا عمرُ صَلِّ بالنَّاس، فقال له عمرُ: أنتَ أحَقُّ بذلك، فصَلَّى أبو بكرِ تلكَ الأيامَ، ثُمَّ إِنَّ النبيَّ ◌َهِ وجَدَ من نَفْسِه ◌ِفّةً، فخرج بينَ رجلَينِ أحدُهما العَّاسُ لصلاةِ الظُّهر وأبو بكرٍ يُصلِّي بِالنَّاس، فلمَّا رآه أبو بكرٍ ذهبَ ليتأخّرَ، فأومَأ إليه النبيُّ وَّ بِأَنْ لا يتأخَّر، قال: ((أجلِساني إلى جَتْبِه)) فأجلَساه إلى جَنْبٍ أبي بكرٍ، قال: فجعلَ أبو بكرٍ يُصلِّي وهو قائمٌ بصلاةِ النبيِّ ◌َّةِ، والنَّاسُ بصلاةٍ أبي بكرٍ، والنبيُّ نَّ قاعدٌ. قال عُبيدُ الله: فدخلْتُ على عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ فقلتُ له: ألا أعرِضُ عليكَ ما حدَّثَتْني عائشةُ عن مرض النبيِّ وَِّ: قال: هاتِ فعَرَضْتُ عليه حَدِيثَها، فما أنكَرَ منه شيئاً غيرَ أنَّه قال: أسَمَّتْ لَكَ الرجلَ الذي كان مع العبّاس؟ قلت: لا، قال: هو عليٌّ. ١٧٤/٢ قوله: ((باب إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به)) هذه الترجمة قِطعة من الحديث الآتي في الباب، والمراد بها أنَّ الائتمام يقتضي مُتابَعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالَفة إلا ما دلَّ الدليل الشَّرعيّ عليه، ولهذا صَدَّرَ المصنّف الباب بقوله: ((وصلَّى النبيّ ◌َّ﴿ في مرضه الذي تُوقَّ فيه وهو جالس)) أي: والناس خلفه قياماً ولم يأمُرْهم بالجلوسِ كما سيأتي، فدلَّ على دخول التَّخصيص في عموم قوله: ((إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به)). قوله: ((وقال ابن مسعود ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠) بإسنادٍ صحيح وسياقه أتمُّ، ولفظه: لا تُبادِروا أئمَّتَكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليَسجُدْ، ثمَّ ليَمكُثْ قَدْرَ ما سبقه به الإمام. انتهى، وكأنَّه أخَذَه من قوله وَلَهُ: ((إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به)»، ومن قوله: ((وما فاتكم فأتِمّوا)). وروى عبد الرزاق عن عمر نحوَ قول ابن مسعود ولفظه: أيُّما رجلٍ رفع رأسَه قبلَ الإمام في ركوع أو سجود