النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ أبواب الجماعة والإمامة مسألة معروفة في أُصول الفقه، وأجاب المانعون بأنَّ المعنى: بلِّغوا أبا بكر أنّ أمرْتُه. وفصل النِّراعِ: أنَّ النافيَ إن أراد أنَّه ليس أمراً حقيقةً فمُسلَّمٌ، لأنَّه ليس فيه صيغةُ أمر للثاني، وإن أراد أنَّه لا يَسْتَلِزِمه فمردودٌ، والله أعلم. قوله: ((فقيلَ له)) قائلُ ذلك عائشةُ كما سيأتي. قوله: ((أَسِيفٌ)) بِوزن فعيل، وهو بمعنى فاعلٍ، من الأسَفِ: وهو شِدَّة الحُزْن، والمراد أنَّه ١٥٣/٢ رقيق القلب. ولابنٍ حِبّان (٢١١٨) من رواية عاصم عن شَقِيق عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث: قال عاصم: والأَسيفُ: الرَّقيق الرَّحيم، وسيأتي بعد ستَّة أبواب (٦٨٢) من حديث ابن عمر في هذه القصَّة: فقالت له عائشة: إنَّه رجل رقيق، إذا قرأ غَلَبَه البكاءُ. و(٦٧٨) من حديث أبي موسى نحوُه، و(٦٧٩) من رواية مالك عن هشامٍ عن أبيه عنها بلفظ: قالت عائشة: قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ. قوله: ((فأعادُوا له)) أي: مَن كان في البيت، والمخاطِب بذلك عائشة كما تَرَى، لكن ◌ُمعَ لأنَّهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك. ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد، ولفظه: فعادت، ولا بن عمر: فعاوَدَته. قوله: ((فأعاد الثالثةَ، فقال: إنكنَّ صواحبُ يوسفَ)) فيه حذْفٌ بيَّنْه مالك في روايته المذكورةَ، وأنَّ المخاطِبَ له حينئذٍ حفصةُ بنت عمر بأمرٍ عائشة، وفيه أيضاً: فمُر عمر، ... فقال: ((مَهْ، إنكنَّ لَأنْتُنَّ صواحبُ يوسف))، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد أنهنَّ مثلُ صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. ثمَّ إنَّ هذا الخطّاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد، وهي عائشة فقط، كما أنَّ ((صواحب)) صيغة جمع، والمراد زَلِيخا فقط. ووجه المشابهة بينهما في ذلك أنَّ زَلِيخا استَدعَتِ النِّسوةَ وأظهَرَت لهنَّ الإكرام بالضّيافة، ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أن يَنظُرْنَ إلى حُسْن يوسفَ ويَعذُرْنَها في محبَّته، وأنَّ عائشة أظهَرَت أنَّ سبب إرادتها صَرْفَ الإمامة عن أبيها لكونه لا يُسمِعُ المأمومينَ القراءة لبكائه، ومرادها زيادةٌ على ذلك، وهو أن لا يتشاءَم الناس به. وقد صَرَّحَتْ هي فيما ١٦٢ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري بعدُ بذلك فقالت: لقد راجَعتُه، وما حملني على كثرة مُراجَعَته إلّا أنَّه لم يقع في قلبي أن يُحِبَّ الناسُ بعده رجلاً قامَ مَقامَه أبداً، الحديث. وسيأتي بتمامه في ((باب وفاة النبيّ ◌َّ) (٤٤٤٢) في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضاً (٩٤,٩٣/٤١٨). وبهذا التَّقرير يندفع إشكال مَن قال: إنَّ صواحب يوسف لم يقع منهُنَّ إظهارُ ما (١) يخالف ما في الباطن. ووقع في مُرسَل الحسن عند ابن أبي خَيْئمةَ: أنَّ أبا بكرٍ أمر عائشةَ أن تُكلِّمَ النبيّ ◌َّ أن يَصِرِفَ ذلك عنه، فأرادتِ النبيَّ وَ(٢) بكلِّ طريق فلم يَتِمَّ. ووقع في ((أمالي ابن عبد السلام)): أنَّ النِّسوة أتَينَ امرأة العزيز يُظهِرْنَ تعنيفَها، ومقصودُهنَّ في الباطن أن يَدْعِين يوسفَ إلى أنفُسِهِن. كذا قال! وليس في سياق الآية ما يساعدُ ما قال. فائدة: زاد حمّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث: أنَّ أبا بكرٍ هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله بَ ◌ّه بأن يأمرَ عمر بالصلاة، أخرجه الدَّورقيُّ في ((مسنده))(٣)، وزاد مالك في روايته التي ذكرناها (٦٧٩): فقالت حفصةُ لعائشةَ: ما كنت لأُصيبَ منك خيراً. ومثلُه للإسماعيليِّ في حديث الباب، وإنَّما قالت حفصة ذلك لأنَّ كلامها صادفَ المرّة الثالثة في المعاوَدة، وكان النبيّ وَّه لا يُراجَع بعد ثلاث(٤)، فلمَّا أشارَ إلى الإنكار عليها بما ذكر من كَوضِنَّ صواحبَ يوسف، وَجَدَت حفصةُ في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتُها بذلك، ولعلَّها تَذَكَّرَت ما وقع لها معها أيضاً في قصَّة المغافيرِ كما سيأتي في موضعه (٥٢٦٧و ٥٢٦٨). قوله: ((فليُصلِّ بالنَّاس)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((للناس)). (١) لفظة ((ما)) سقطت من (أ) و(س). (٢) في (س): فأرادتِ التوصُّل إلى ذلك. (٣) هو أيضاً في ((الآثار)) (٢٨٣) لأبي يوسف القاضي، ولكنه مرسلٌ، ليس فيه ذكر الأسود بن يزيد راويه عن عائشة. (٤) لما رواه أحمد (١٤٨٦٤) عن جابر قال: كنا نراجعه - يعني النبيَّ ◌َّ - مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمرنا الثالثةَ لم نراجعه. وإسناده صحيح. ١٦٣ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ أبواب الجماعة والإمامة قوله: «فخرج أبو بكرٍ)» فيه حذْفٌ دلَّ عليه سياق الكلام، وقد بيَّنه في رواية موسی بن أبي عائشة المذكورة (٦٨٧)، ولفظه: فأتاه الرسول، أي: بلال، لأنَّه هو الذي أعلمَ بحضور الصلاة فأُجيبَ بذلك، وفي روايته أيضاً: فقال له: إنَّ رسول الله وَّه يأمرُك أن تُصلّيَّ بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً -: يا عمر، صَلِّ بالناس، فقال له عمر: أنتَ أحقّ بذلك، انتھی. وقول أبي بكر هذا لم يُرِدْ به ما أرادت به عائشة، قال النَّوَويّ: تأوَّلَه بعضهم على أنَّه قاله تَواضُعاً، وليس كذلك، بل قاله للعُذرِ المذكور وهو كَونُه رقيق القلب كثيرَ البكاء، فخشي أن لا يُسمِعَ الناس، انتھی. ويحتمل أن يكون رضي الله عنه فهمَ من الإمامة الصُّغرَى الإمامةَ العُظمَى، وعَلِمَ ما ١٥٤/٢ في تَحمُّلها من الخَطَرِ، وعَلِمَ قوَّة عمر على ذلك، فاختارَه. ويؤيِّده أنَّه عند البيعة أشارَ عليهم أن يُبَايِعوه أو يُبابِعوا أبا عبيدةَ بن الجرّاح، والظاهر أنَّه لم يَطَّلِعِ على المُراجَعة المتقدِّمة، وفَهمَ من الأمر له بذلك تَفويضَ الأمر له في ذلك سواء باشَرَ بنفسه أو استخلف. قال القُرطبيّ: ويُستَفاد منه أنَّ للمُستَخلَفِ في الصلاة أن يَسْتَخْلِفَ ولا يَتوقَّف على إذنٍ خاصٍّ له بذلك. قوله: ((فصَلَّى)) في رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسيِّ: ((يُصلّي)) وظاهره أنَّه شَرَعَ في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه تَهيّأ لها، وسيأتي إن شاء الله تعالى في رواية أبي معاويةً عن الأعمَش (٧١٣) بلفظ: «فلمَّا دخل في الصلاة))، وهو محُتَمَلٌ أيضاً بأن يكون المراد دخل في مكان الصلاة، ويأتي البحث مع مَن حمله على ظاهره. قوله: ((فَوَجَدَ النبيُّ ◌َِّهِ مِن نَفْسِه ◌ِفَّةً)) ظاهره أنَّه ◌َِّ وجَدَ ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذْفٌ كما تقدَّم مثله في قوله: ((فخرج أبو بكر))، وأوضحُ منه رواية موسى بن أبي عائشة المذكورة (٦٨٧): فصلّى أبو بكر تلك الأيام، ثمَّ إنَّ رسول الله وَلِّ وجَدَ من نفسه خِفَّة. وعلى هذا لا يَتعيَّن أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء. ١٦٤ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يُهادَى)) بضمٍّ أوَّله وفتح الدّال، أي: يَعتَمِد على الرجلَينِ مُتَمايِلاً في مَشِه من شِدَّة الضَّعف، والتَّهادي: التَّايُل في المشي البَطيء. وقوله: ((تُخُطّان الأرض)) أي: لم يكن يَقدِر على تمكينهما من الأرض، وسَقَطَ لفظ: ((الأرض)) من رواية الكُشْمِيهنيّ، وفي رواية عاصم المذكورة عند ابن حِبَّان (٢١١٨): إنِّي لَأَنظُرُ إلى بُطون قَدَمَیه. قوله: ((بين رجلين)) في الحديث الثاني من حديثَي الباب أنَّهما العبّاس بن عبد المطَّلِب وعليّ بن أبي طالب، ومثله في رواية موسى بن أبي عائشة، ووقع في رواية عاصم المذكورة: (وَجَدَ خِفَّة من نفسه فخرج بين بَرِيرةَ ونُوبة)). ويُجمَع كما قال النَّوَويّ بأنَّه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمَّ إلى مَقام الصلاة بين العبّاس وعلي، أو يُحمَلُ على التعدُّد، ويدلُّ عليه ما في رواية الدَّارَقُطنيِّ (١٥٠٠): أنَّه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العبَّاس. وأمَّا ما في مسلم: أنَّه خرج بين الفضل بن العبَّاس وعليٍّ. فذاكَ في حال مَجَيئِه إلى بيت عائشة(١). تنبيه: نُوبَةُ، بضمِّ النُّون وبالموخَّدة، ذكره بعضهم في النِّساء الصحابيّات فوَهِمَ، وإنَّما هو عبدٌ أسودُ كما وقع عند سيف في كتاب ((الرِّدَّة))، ويؤيِّده حديث سالمٍ بن عبيدٍ في ((صحيح ابن خُزيمة)) (١٥٤١ و١٦٢٤) بلفظ: خرج بين بَريرةً ورجل آخر. قوله: ((فأراد أبو بكر)) زاد أبو معاوية عن الأعمش: فلمَّا سمع أبو بكر حِسَّه ذهب يتأخر. وفي رواية أرقَمَ بن شُرَحبيلَ عن ابن عبّاس في هذا الحديث: فلمَّا أحَسَّ الناس به سَبّحوا. أخرجه ابن ماجهْ وغيره بإسنادٍ حسن(٢). قوله: ((أنْ مکانَك)) في رواية عاصم المذكورة: (أن اثبتْ مکانك))، وفي رواية موسی بن أبي عائشة: ((فأومَاً إليه بأن لا يتأخّر)). (١) هذا ظاهر رواية الزهري عن عُبيد الله بن عبدالله بن عُتبة عنده برقم (٤١٨) (٩١ و٩٢)، أما رواية موسى بن أبي عائشة عنده برقم (٤١٨) (٩٠) فخروجه بينهما كان لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس. (٢) أخرجه أحمد (٣٣٥٥)، وابن ماجه (١٢٣٥). ١٦٥ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((ثُمَّ أَتيَ به)) كذا هنا بضمِّ الهمزة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة أنَّ ذلك كان بأمرٍه، ولفظه: فقال: ((أجلساني إلى جَنبِه)) فأجلَساه. وعَيَّنَ أبو معاوية عن الأعمَش في إسناد حديث الباب - كما سيأتي بعد أبواب - مكان الجلوس فقال في روايته: حتَّى جَلَسَ عن يسار أبي بكر. وهذا هو مقام الإمام، وسيأتي القول فيه. وأغرَبَ القُرطبيُّ شارحُ ((مسلم)) لمَّا حكى الخلاف: هل كان أبو بكر إماماً أو مأموماً؟ فقال: لم يقع في ((الصحيح)) بيان جلوسه ◌َّي هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره. انتهى، ورواية أبي معاويةَ هذه عند مسلم أيضاً (٩٥/٤١٨)، فالعَجَب منه كيف يَغفُلُ عن ذلك في حال شرحه له! قوله: ((فقيلَ للأعمَشِ)) إلى آخره، ظاهرُها الانقطاع، لأنَّ الأعمَشَ لم يُسنِده، لكن في رواية أبي معاويةً عنه ذِكرُ ذلك متصلاً بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها. قوله: ((رواه أبو داودَ)) هو الطَّالسُّ. قوله: ((بعضَه)) بالنصب وهو بدلٌ من الضَّمير، وروايته هذه وَصَلَها البَزّار(١) قال: ١٥٥/٢ حدَّثنا أبو موسى محمد بن المثنَّى قال: حدَّثنا أبو داود به. ولفظه: كان رسول الله وَ ﴿ المقدَّم بين يدي أبي بكر. كذا رواه مختصراً، وهو موافق لقضيَّة حديث الباب. لكن رواه ابن خُزيمة (١٦١٨) في ((صحيحه) عن محمد بن بشَّار عن أبي داود بسنده هذا عن عائشة قالت: مِن الناس مَن يقول: كان أبو بكر المقدَّم بين يَدَي رسول الله بَّ في الصف، ومنهم مَن يقول: كان رسول الله وَّ هو المقدَّم. ورواه مسلم بن إبراهيم عن شُعْبة بلفظ: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى خلفَ أبي بكر. أخرجه ابن المنذِر (٢٠٣/٤)، وهذا عكسُ رواية أبي موسی، وهو اختلافٌ شديدٌ. (١) لم نقف عليه فيما طبع من ((مسند البزار))، وقد أخرجه من هذا الطريق نفسه أبو الحسين بن المظفر في ((حديث شعبة)) (٣١)، ومن طريقه أخرجه الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٢/ ٢٨٢. ١٦٦ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري ووقع في رواية مسروق عنها أيضاً اختلاف، فأخرجه ابن حِبَّان (٢١١٨) من رواية عاصم عن شَقِيق عنه بلفظ: كان أبو بكر يُصلِّي بصلاته، والناس يُصلَّون بصلاة أبي بكرٍ. وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٦٢) والنَّسائيُّ (٧٨٦) وابن خُزيمة (١٦٢٠) من رواية شُعْبةَ عن نُعيم بن أبي هند عن شَقِيق بلفظ: أنَّ النبيَّ ◌َّ صلَّى خلفَ أبي بكر. وظاهر رواية محمد بن بشّار أنَّ عائشة لم تُشاهد الهيئةَ المذكورة، ولكن تضافرتِ الروايات عنها بالجَزْم، بما يدلُّ على أنَّ النبيَّ نَّهِ كان هو الإمامَ في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها ففيها: فجعلَ أبو بكر يُصلِّي بصلاة النبيّ وَّ والناس بصلاة أبي بكر. وهذه روايةٌ زائدةَ بن قُدامةَ عن موسى. وخالَفَه شُعْبة أيضاً فرواه عن موسى بلفظ: أنَّ أبا بكر صلَّى بالناس ورسول الله وَ لّ في الصفّ خلفَه (١). فمن العلماء مَن سَلكَ الترجيح فقدَّمَ الرواية التي فيها أنَّ أبا بكر كان مأموماً للجَزمِ بها، ولأنَّ أبا معاوية أحفظُ في حديث الأعمَش من غيره، ومنهم مَن سَلكَ عكسَ ذلك ورَجَّحَ أنَّه كان إماماً، وتمسَّكَ بقول أبي بكر في ((باب مَن دخل ليؤمَّ الناس)) (٦٨٤) حيثُ قال: ما كان لابنٍ أبي قُحافةَ أن يَتَقدَّم بين يَدَي رسول الله ◌َلَ. ومنهم مَن سَلكَ الجمعَ فحمل القصَّة على التعدُّد. وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابه، ويؤيِّده اختلاف النَّقل عن الصحابة غيرَ عائشة، فحديث ابن عبّاس فيه: أنَّ أبا بكر كان مأموماً، كما سيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة، وكذا في رواية أرقَمَ بن شُرَ حبيلَ التي أشرنا إليها عن ابن عبّاس، وحديث أنس فيه: أنَّ أبا بكر كان إماماً، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٦٣) وغيره من رواية حميدٍ عن ثابت عنه بلفظ: آخر صلاة صلَّاها النبيّ وَلّخلفَ أبي بكر في ثوبٍ، وأخرجه النَّسائيُّ (٧٨٥) من وجهٍ آخرَ عن حميد عن أنس فلم يَذكُر ثابتاً، وسيأتي (٦٨٧) بيان ما تَرتَّبَ على هذا الاختلاف من الحكم في ((باب إنَّما جُعِلَ الإمام لیُؤتَمَّ به)) قريباً إن شاء الله تعالى. (١) رواية زائدة ستأتي برقم (٦٨٧)، ورواية شعبة أخرجها النسائي (٧٩٧)، وابن خزيمة (١٦٢١). ١٦٧ باب ٣٩ / ح ٦٦٥ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((وزاد أبو معاوية - يعني عن الأعمش -: جَلَسَ عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكرٍ يُصلِي قائماً)) يعني: روى الحديثَ المذكور أبو معاوية عن الأعمَش، كما رواه حفص بن غياث مُطوَّلاً وشُعْبة مختصراً، كلهم عن الأعمَش بإسناده المذكور، فزاد أبو معاوية ما ذُكِر. وقد تقدَّمت الإشارة إلى المكان الذي وَصَلَه المصنّف فيه. وغَفَلَ مُغَلْطاي ومَن تَبِعَه فنَسَبوا وصلَه إلى رواية ابن نُمَير عن أبي معاوية في ((صحيح ابن حِبَّان)»، وليس بجيِّدٍ من وجهين: أحدهما: أنَّ روايةَ ابن نُمَير ليس فيها: عن يسار أبي بكر، والثاني: أنَّ نِسبَتَه إلى تخريج صاحب الكتاب أولى من نسبتِه لغيره فيه. ٦٦٥ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن مَعمٍَ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، قال: قالت عائشةُ: لمَّا ثَقُلَ النبيُّ وَّهِ واشتَدَّ وَجَعُه استأذَنَ أزواجَه أنْ يُمَرَّض في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج بينَ رجلَينِ تَخُطَّ رِجْلاه الأرضَ، وكان بينَ العِبَّاس ورجلٍ آخرَ. قال عُبيدُ الله: فذكرتُ ذلك لابن عبّاسٍ ما قالت عائشةُ، فقال لي: وهل تَذْري مَنِ الرجلُ الذي لم تُسمّ عائشةُ؟ قلت: لا، قال: هو عليٌّ بنُ أبي طالبٍ. قوله في الحديث الثاني: ((لَمّا ثَقُلَ النبيُّ ◌َِّ) أي: اشتَلَّ به مرضه، يقال: ثَقُلَ في مرضه: إذا رَكَدَت أعضاؤه عن خِفَّة الحركة. قوله: ((فأذِنَّ له)) بفتح الهمزة وكسر المعجَمة وتشديد النُّون، أي: الأزواج، وحكى الكِرْمانيُّ أنَّه رُوِيَ بضمِّ الهمزة وكسر الذّال وتخفيف النُّون على البناء للمجهول، واستدلَّ به على أنَّ القَسْمَ كان واجباً علیه ێ، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد تقدَّم حديث الزُّهريِّ هذا (١٩٨) في ((باب الغُسل والوضوء من المِخْضَب)) وفيه زيادة على الذي هنا، وسيأتي (٦٨٧) في رواية ابن أبي عائشة عن عبيد الله شيخ الزُّهريِّ، وسياقه أتمُّ من سياق الزُّهريّ. ١٦٨ باب ٣٩ / ح ٦٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال: هو عليّ بن أبي طالب)) زاد الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق عن مَعمَر: ١٥٦/٢ ولكنَّ عائشة لا تَطيبُ نفساً له بخيرٍ (١)، ولابن إسحاق في ((المغازي)) عن الزُّهريّ: ولكنَّها لا تَقدِرُ على أن تَذكُرَه بخيرٍ. ولم يقف الكِرْمانيُّ على هذه الزّيادة فعَبَّرَ عنها بعبارةٍ شَنيعة، وفي هذا رَدٌّ على مَن تَنَطَّعَ فقال: لا يجوز أن يُظَنَّ ذلك بعائشة، ورَدٌّ على مَن زَعَمَ أنََّا أبَهَمَتِ الثاني لكَونِه لم يَتعيَّن في جميع المسافة، إذ كان تارةً يَتوكَّأ على الفضل وتارةً على أسامة وتارةً على علي، وفي جميع ذلك الرجلُ الآخرُ هو العبّاس، واختُصَّ بذلك إكراماً له، وهذا تَوهُمِّ مَمَّن قاله والواقع خلافه، لأنَّ ابن عبّاس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأنَّ المبهم عليٌّ فهو المعتمَد، والله أعلم. ودعوى وجودِ العبّاس في كلّ مرَّة والذي يَتَبَدَّل غیرُه مردودٌ، بدليل رواية عاصم التي قدَّمتُ الإشارةَ إليها وغيرها، صريحٌ في أنَّ العبّاس لم يكن في مرَّة ولا في مرَّتَينِ منها، والله أعلم. وفي هذه القصَّة من الفوائد غيرُ ما مضى: تقديم أبي بكر، وترجيحه على جميع الصحابة، وفضيلة عمر بعده، وجواز الثَّناء في الوجه لمن أُمِنَ عليه الإعجاب، ومُلاطَفة النبيّ وَّ لأزواجه وخصوصاً لعائشة، وجواز مُراجَعة الصغير الكبير، والمشاورة في الأمر العام، والأدَب مع الكبير هَمِّ أبي بكر بالتأخَّرِ عن الصف، وإكرام الفاضل لأنَّه أراد أن يتأخّر حتَّى يَستَويَ مع الصفّ، فلم يَتْرُكُه النبيُّ ◌َّهِ يَتَزَحْزَح عن مَقامه. وفيه أنَّ البكاء ولو كَثُرَ لا يُبطِلُ الصلاة، لأَنَّه وَِّ بعد أن عَلِمَ حالَ أبي بكر في ◌ِقَّه القلب وكثرة البكاء لم يَعدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء. وأنَّ الإيماء يقوم مَقامَ النُّطْق، واقتصار النبيّ وَل ◌ّ على الإشارة يحتمل أن يكون لضعفٍ صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأنَّ مُخاطَبةٍ مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النُّطْقِ. وفيه تأكيدُ أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشَدِّ، وإن كان المرض يُرخّص في تركها، (١) هو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٩٧٥٤). ١٦٩ باب ٣٩ / ح ٦٦٥ أبواب الجماعة والإمامة ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشَدِّ وإن كانت الرُّخصة أولى. وقال الطََّرِيُّ: إنَّما فعل ذلك لئلا يَعذُرَ أحدٌ من الأئمّة بعده نفسَه بأدنَى عُذْر فيتخلَّفَ عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قَصَدَ إفهام الناس أنَّ تقديمه لأبي بكر كان لأهليَّتِه لذلك، حتَّى إِنَّه صلَّی خلفَه. واستدلَّ به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة لصنيع أبي بكر، وعلى جواز مُخَالَفة مَوقِف المأموم للضَّرورة، كمَن قَصَدَ أن يُبَلِّغَ عنه (١)، ويَلْتَحِق به مَن زُحِمَ عن الصف. وعلى جواز ائتمام بعض المأمومينَ ببعضٍ، وهو قول الشَّعبيِّ واختيار الطََّرَيِّ، وأومَأ إليه البخاري كما سيأتي (٧١٣). وتُعُقِّبَ بأنَّ أبا بكر إنَّما كان مُبلِّغاً كما سيأتي (٧١٢) في ((باب من أسمع الناسَ التکبیرَ)) من رواية أُخرى عن الأعمش، وكذا ذكره مسلم (٤١٨/ ٩٦) على هذا، فمعنى الاقتداء اقتداؤُهم بصوتِه، ويؤيِّده أنَّه ◌َّل كان جالساً وكان أبو بكر قائماً، فكان بعضُ أفعاله يخفى على بعض المأمومينَ، فمن ثَمَّ كان أبو بكر كالإمام في حَقِّهم، والله أعلم. وفيه اتِّباع صوت المُكَبِّر، وصِحَّة صلاة المستمِعِ والسامع، ومنهم مَن شَرَطَ في صِحَّته تقدُّمَ إذن الإمام. واستدلَّ به الطَّبَرِيُّ على أنَّ للإمام أن يقطعَ الاقتداء به، ويَقْتَديَ هو بغيره من غير أن يقطعَ الصلاة، وعلى جواز إنشاء القُدوة في أثناء الصلاة، وعلى جواز تقدُّم إحرام المأموم على الإمام بناءً على أنَّ أبا بكر كان دخل في الصلاة ثمَّ قطع القُدوة وائتَمَّ برسول الله وَّ، وقد قدَّمنا أنَّه ظاهر الرواية. ويؤيِّده أيضاً أنَّ في رواية أرقَمَ بن شُرَحْبيلَ عن ابن عبّاس: فابتَدَأْ النبيّ ◌َّ القراءة من حيثُ انتهى أبو بكر. واستدلَّ به على صِحَّة صلاة القادر على القيام قائماً خلفَ القاعد خلافاً للمالكيَّة (١) أي: عن الإمام. ١٧٠ باب ٤٠ - ٤١ / ح ٦٦٦-٦٦٨ فتح الباري بشرح البخاري مُطلَقاً، ولأحمدَ حيثُ أوجَبَ القعودَ على مَن يُصلِّ خلفَ القاعد كما سيأتي الكلام عليه (٦٨٧) في ((باب إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به)) إن شاء الله تعالى. ٤٠ - باب الرخصة في المطر والعلّة أن يصليَ في رَحْله ٦٦٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ أَّنَ بالصلاة في ليلةٍ ذات/ بَرْدٍ ورِيحِ، ثمَّ قال: أَلَا صَلُّوا في الرِّحَال، ثمَّ قال: إنَّ رسولَ الله وَلَ كان يأمرُ ١٥٧/٢ المؤذِّنَ إذا كانتْ ليلةٌ ذاتُ بَرْدٍ ومَطَرٍ يقول: ((ألا صَلُّوا في الرِّحال)). ٦٦٧- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن محمودٍ بِنِ الرَّبِيعِ الأنصاريِّ: أنَّ عِثْبانَ بنَ مالكِ كان يؤمُ قومَه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله ◌َّ: یا رسولَ الله، إنَّها تكونُ الظُّلْمَةُ والسَّيلُ، وأنا رجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فصَلِّ يا رسولَ الله في بيتي مكاناً أنَّخِذْهِ مُصلَّى، فجاءَه رسولُ الله ◌َِّ فقال: ((أينَ تُحِبُّ أنْ أَصلِّيَّ؟)) فأشارَ إلى مكانٍ من البيتِ، فصَلَّى فيه رسولُ الله ◌ِ﴾. قوله: ((باب الرُّخْصَة في المَطَر والعِلَّةِ أنْ يُصلِّيَّ في رَحْله)) ذِكرُ العِلَّة من عطف العامِّ على الخاصِّ، لأنَّها أعمُّ من أن تكون بالمطرِ أو غيره، والصلاة في الرَّحْل أعمُّ من أن تكون بجماعةٍ أو مُنفرِداً، لكنَّها مَظِنَّةُ الانفراد، والمقصود الأصليّ في الجماعة إيقاعُها في المسجد، وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عمر (٦٣٢) في كتاب الأذان، وعلى حديث عِتبانَ (٤٢٥) في ((باب المساجد في البيوت))، وسياقه هناك أتمُّ. وإسماعيل شيخه هنا: هو ابن أبي أُوَيسٍ. ٤١ - بابٌ هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطُب يوم الجمعة في المطر؟ ٦٦٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، قال: حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد صاحبُ الزِّياديِّ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ الحارثِ، قال: خَطَبَنَا ابنُ عبَّاسٍ في يومٍ ذِي رَدْغٍ، ١٧١ باب ٤١ / ح ٦٦٨ أبواب الجماعة والإمامة فأمَرَ المؤذِّنَ لمَّا بَلَغَ: ((حيَّ على الصلاة)) قال: قُل: الصلاةَ في الرِّحال، فَتَظَرَ بعضُهم إلى بعضٍ، فكأنَّهم أنكَرُوا، فقال: كأنَّكم أنكَرْتُم هذا! إنَّ هذا فعَلَه مَن هو خيرٌّ منّي، يعني النبيَّ ◌َّهِ، إِنَّهَا عَزْمةٌ وإِّ كَرِهْتُ أنْ أُخْرِجَكم. وعن حَمَّادٍ، عن عاصم، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ، عن ابنِ عبَّاسٍ نَحْوَه، غيرَ أنَّه قال: كَرِهْتُ أنْ أُؤْثِّمَكمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إلى رُكَِكم. قوله: (باب هل يُصلِّي الإمام بمَن حَضَرَ)) أي: مع وجود العِلَّة المرخّصة للتخلُّف، فلو ١٥٨/٢ تَكلَّفَ قومٌ الحضورَ فصلَّى بهم الإمام لم يُكرَه، فالأمر بالصلاة في الرِّحال على هذا للإباحة لا للنَّدب. ومُطابقة ذلك لحديث ابن عبّاس من قوله فيه: ((فَنَظَرَ بعضهم إلى بعض)) لمَّا أمر المؤذِّن أن يقول: ((الصلاةَ في الرِّحال)) فإنَّه دالٌّ على أنَّ بعضهم حَضَرَ وبعضهم لم يَحَضُر، ومع ذلك خَطَبَ وصلَّى بمَن حَضَر، وأمَّا قوله: ((وهل يَخْطُب يومَ الجمعة في المطر)) فظاهرٌ من حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم الكلام عليه في الأذان أيضاً (٦١٦)، وفيه أنَّ ذلك كان يومَ الجمعة، وأنَّ قوله: ((إِنَّهَا عَزْمةٌ)) أي: الجمعة(١). وأمَّا مُطابَقة حديث أبي سعيد، فمن جهة أنَّ العادة في يوم المطر أن يتخلَّف بعض الناس، وأمَّا قول بعض الشُّاح: يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة فمردود، لأنَّه سيأتي في الاعتكاف (٢٠٢٧) أنَّها كانت في صلاة الصبح. وحديث أنس لا ذِكْرَ للخُطبة فيه، ولا يَلَزَم أن يدلَّ كلّ حديث في الباب على كلّ ما في الترجمة. قوله: ((وعن حماد)) هو معطوف على قوله: ((حدثنا حماد بن زيد)) وليس بمعلَّق، وقد تقدم في الأذان (٦١٦) عن مسَّد عن حماد، عنهما جميعاً. قوله: ((نحوه)) أي: بمعظم لفظِهِ، وجميع معناه، ولهذا استثنى منه لفظ: ((أُحرجكم)) وأن في هذا بدلها: ((أُؤْثِّمُكم)) إلى آخره، ويحتمل أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متفقان في (١) هو صريح رواية إسماعيل ابن عليَّة الآتية برقم (٩٠١). ١٧٢ باب ٤١ / ح ٦٦٩ -٦٧٠ فتح الباري بشرح البخاري المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة. قوله: ((فتجيئُون)) كذا للأكثر بإثبات النون، وهو على حذف مقدر، وللكُشمِیھَنيّ: ((فتجيئوا))، وقد تقدمت مباحثُ هذا الحديث في كتاب الأذان. ٦٦٩ - حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، قال: سألتُ أبا سعيدٍ الخُذْريَّ، فقال: جاءَتْ سَحابةٌ فمَطَرَتْ حَتَّى سالَ السَّقْفُ - وكان من جَرِيدِ النَّخْلِ - فَأُقِيمَتِ الصلاةُ، فرأيتُ رسولَ الله وَِّ يَسجُدُ في الماءِ والطِّينِ، حتَّى رأيتُ أثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهِتِهِ. [أطرافه في: ٨١٣، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠] وحديث أبي سعيد يأتي في الاعتكاف. ومسلم شيخه فيه هنا: هو ابن إبراهيم، وهشام: هو الدَّستُوائي، ويحيى: هو ابن أبي کثیر، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن. قوله: ((سألتُ أبا سعيد)) أي: عن ليلة القَدْر. ٦٧٠ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ سِيرِين، قال: سمعتُ أنساً يقول: قال رجلٌ من الأنصار: إنِّي لا أستَطِيعُ الصلاةَ معك - وكان رجلاً ضَخْماً - فصَنَعَ للنبيِّ وَلّ طعاماً فدَعَاه إلى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ له حصيراً، ونَضَحَ طَرَفَ الحصيرِ، فصَلَّى عليه رَكْعَتَيْنِ، فقال رجلٌ من آل الجارُودِ لأنسٍ: أكان النبيُّ ◌َّه يُصلِّيّ الضُّحَى؟ قال: ما رأيتُهُ صلَّاها إلَّا يومئذٍ. [طرفاه في: ١١٧٩، ٦٠٨٠] قوله في حديث أنس: ((قال رجل من الأنصار)) قيل: إنَّه عِتبانُ بن مالك، وهو مُحُتمَّلٌ التَقارُبِ القِصَّتَين، لكن لم أرَ ذلك صريحاً. وقد وقع في رواية ابن ماجه الآتية أنَّه بعض عمومة أنس، وليس عِتبانُ عّاً لأنسٍ إلَّا على سبيل المجاز، لأنَّهما من قبيلةٍ واحدة وهي الخزرج، لکنْ کلّ منهما من بَطْن. قوله: ((معك)) أي: في الجماعة في المسجد. ١٧٣ باب ٤١ / ح ٦٧٠ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((وكان رجلاً ضَخْرًا)) أي: سميناً، وفي هذا الوَصف إشارة إلى عِلَّة تَخْلُّفِه، وقد عَدَّه ابن حِبَّان من الأعذار المُرَخِّصة في التأخّر عن الجماعة، وزاد عبد الحميد عن أنس: وإِنِّي أُحِبّ أن تأكُل في بيتي وتُصلّيَّ فيه(١). قوله: ((فَبَسَطَ له حصيراً)) سبق الكلام فيه في حديث أنس في أوائل الصلاة في ((باب الصلاة على الحصير)) (٣٨٠). قوله: ((فصَلَّى عليه رَكْعتَين)) زاد عبدُ الحميدِ في آخره: ((فصلَّى وصلَّینا معه)). قوله: ((فقال رجل من آل الجارُود)) في رواية عليٍّ بن الجَعْدِ عن شُعْبةَ الآتية للمصنّف في صلاة الضُّحَى (١١٧٩): فقال فلان بن فلان بن الجارود. وكأنَّه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود البصري، وذلك أنَّ البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شُعْبة، وأخرجه في موضع آخر (٦٠٨٠) من رواية خالد الحَذّاء، كلاهما عن أنس بن سيرين(٢) عن أنس. وأخرجه ابن ماجَهْ (٧٥٦) وابن حِبَّان (٥٢٩٥) من رواية عبد الله بن عَوْن عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس. فاقتَضَى ذلك أنَّ في رواية البخاري انقطاعاً، وهو مُندَفِع بتصريح أنس بن سيرين عنده بسماعه من أنس، فحينئذٍ رواية ابن ماجَهْ إمَّا من المَزِيد في متَّصل الأسانيد، وإمَّا أن يكون فيها وهمٌّ، لكون ابن الجارود کان حاضراً عند أنس لمَّا حدَّث بهذا الحديث وسألَه عَّا سألَه من ذلك، فظَنَّ بعض الرُّواة أنَّ له فیه روایةً. وسیأتي الكلام على فوائده في «باب صلاة الضُّحَی)). ومُطابَقَته لهذه الترجمة إمَّا من جهة ما يَلزَم من الرُّخْصة لمن له عُذْر أن يتخلَّف عن ١٥٩/٢ الحضور، فإنَّ ضرورة مواظَبته بَّه على الصلاة بالجماعة أن يُصلّيَ بمَن بَقي، وإمَّا من جهة ما وَرَدَ في طريق عبد الحميد المذكورة، حيثُ قال أنس: ((فصلَّى وصلَّينا معه))، فإنَّه مطابق لقوله: ((هل يُصلِّ بمَن حَضَر))، والله أعلم. (١) سيأتي تخريجها قريباً. (٢) جاء بعد هذا في (س): عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، وهي زيادة مقحمة. ١٧٤ باب ٤٢ / ح ٦٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٤٢ - باب إذا حضر الطعام وأُقيمتِ الصلاةُ وكان ابنُ عمرَ يَبْدَأُ بِالعَشاءِ. وقال أبو الدَّرْداءِ: من فِقْهِ المَرْءِ إقبالُه على حاجتِهِ، حتَّى يُقْبِلَ على صلاته وقلبُه فارٌ. ٦٧١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حذَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثني أبي، قال: سمعتُ عائشةَ، عن النبيِّ وَ أَنَّه قال: ((إذا وُضِعَ العَشاءُ وأُقِيمَتِ الصلاةُ فابدَؤُوا بالعَشاء)». [طرفه في: ٥٤٦٥] قوله: ((باب إذا حَضَرَ الطَّعام وأُقيمَتِ الصلاة)) قال الزَّين بن المنيِّرِ: حُذِفَ جواب الشَرط في هذه الترجمة إشعاراً بعدمِ الجَزم بالحكمِ لقوَّة الخلاف. انتهى، وكأنَّه أشارَ بالأثَرَينِ المذكورينِ في الترجمة إلى مَنزع العلماء في ذلك، فإنَّ ابن عمر حمله على إطلاقه، وأشارَ أبو الدَّرداء إلى تقييده بما إذا كان القلب مشغولاً بالأكل، وأثرُ ابن عمر مذكور في الباب بمعناه، وأثر أبي الدَّرداء وَصَلَه ابن المبارك في كتاب ((الزُّهد)) (١١٤٢) وأخرجه محمد بن نصر المَرَوَزيُّ في كتاب ((تعظيم قَدْر الصلاة)) (١٣٤) من طريقه. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وقد أخرجه السَّاج من طريق يحيى بن سعيد الأُمَويّ، عن هشام بن عُزْوة أيضاً لكن لفظه: ((إذا حَضَر))، وذكره المصنِّف في كتاب الأطعمة (٥٤٦٥) من طريق سفيان عن هشام بلفظ: ((إذا حَضَر)) وقال بعده: قال يحيى ابن سعيد ووُهَيبٌ عن هشامٍ(١): ((إذا وُضع)). انتهى، ورواية وُهَيب وَصَلَها الإسماعيلي، وأخرجه مسلم (٥٥٨) من رواية ابن نُمَير وحفص ووكيع بلفظ: ((إذا حَضَر)) ووافَقَ كلَّا ١٦٠/٢ جماعةٌ / من الرُّواة عن هشام، لكنَّ الذين رَوَوْه بلفظ: ((إذا وُضع)) - كما قال الإسماعيليّ - أكثرُ، والفَرْق بين اللَّفظَينِ أنَّ الحضور أعمُّ من الوَضْع، فيُحمَلُ قوله: ((حَضَر)) أي: بين يديه لتأَتَلِفَ الرِّوايتان(٢)، لاتِّحاد المَخرَج، ويؤيِّده حديث أنس الآتي بعده بلفظ: ((إذا قُدِّمَ (١) تحرَّفت في (س) إلى: هشیم. (٢) في (س): الروايات. ١٧٥ باب ٤٢ / ح ٦٧٢ أبواب الجماعة والإمامة العَشاء))، ولمسلم (٥٥٧): ((إذا قُرِّب))، وعلى هذا فلا يُناط الحكمُ بما إذا حَضَرَ العَشاءُ لكنَّه لم يُقَرَّب للأكلِ، كما لو لم يُقرَّب. قوله: ((وأُقيمَتِ الصلاة)) قال ابن دقيق العيد: الألف واللَّام في ((الصلاة)) لا ينبغي أن تُحمَلَ على الاستغراق ولا على تعريف الماهيَّة، بل ينبغي أن تُحمَلَ على المغرب، لقوله: ((فابدَؤُوا بالعَشاء))، ويَتَرجَّح حملُه على المغرب لقوله في الرواية الأُخرى: «فابدَؤُوا به قبلَ أن تُصلُّوا المغرب))، والحديث يُفسِّر بعضُه بعضاً، وفي رواية صحيحة: ((إذا وُضِعَ العَشاءُ وأحدُكم صائم)(١). انتهى، وسنذكر مَن أخرج هذه الرواية في الكلام على الحديث الثاني. وقال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم نَظَراً إلى العِلَّة وهي التَّشويش المُفضي إلى تركِ الخشوع، وذِكرُ المغرب لا يقتضي حصراً فيها، لأنَّ الجائع غيرَ الصائم قد يكون أشوَقَ إلى الأكل من الصائم. انتهى، وحملُه على العموم إنَّما هو بالنَّظَرِ إلى المعنى إلحاقاً للجائعِ بالصائمٍ، وللغَداء بالعَشاء، لا بالنَّظرِ إلى اللَّفظ الوارد. قوله: «فابدَؤُوا بالعَشاء)» حمل الجمهور هذا الأمر على النَّذْب، ثمَّ اختَلَفوا: فمنهم مَن قَيَّدَه بمَن كان محتاجاً إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعيَّة، وزاد الغَزاليّ ما إذا خَشِيَ فساد المأكول، ومنهم مَن لم يُقيِّدْه، وهو قول الثَّوريّ وأحمد وإسحاق، وعليه يدلّ فعلُ ابن عمر الآتي، وأفرَطَ ابن حَزْم فقال: تَبطُلُ الصلاة. ومنهم مَنِ اختارَ البَداءَة بالصلاة إلَّا إن كان الطَّعام خفيفاً، نَقَلَه ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل: قالوا: يَبدَأ بالصلاة إن لم يكن متعلّقَ النَّفْسِ بالأكل، أو كان متعلِّقاً به لكن لا يُعْجِلُه عن صلاته(٣)، فإن كان ذلك يُعْجِلُه بدأ بالطَّعام، واستُحِبَّت له الإعادةُ. ٦٧٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إذا قُدِّمَ العَشاءُ فابدَؤُوا به قبلَ أنْ تُصلَّوا صلاةَ المغربِ، ولا (١) سيأتي تخريجها قريباً. (٢) يعني: عن إيفاء حق الصلاة. ١٧٦ باب ٤٢ / ح ٦٧٣ -٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري تَعْجَلُوا عن عَشائكم)). [طرفه في: ٥٤٦٣] قوله: ((عن عُقَيلٍ)) في رواية الإسماعيليّ: ((حدَّثَني عُقَيل)) وعنده أيضاً عن ابن شهاب: ((أخبرني أنس)). قوله: ((إذا قُدِّمَ العَشاء)) زاد ابن حِبَّان (٢٠٦٨) والطَّبرانيُّ في «الأوسط)) (٥٠٧٥) من رواية موسى بن أعْيَنَ عن عَمْرو بن الحارث عن ابن شهاب: ((وأحدُكم صائمٌ))، وقد أخرجه مسلم (٥٥٧) من طريق ابن وَهْب عن عَمْرو بدون هذه الزّيادة، وذكر الطَّبرانيُّ أنَّ موسى بن أعيَنَ تَفرَّدَ بها. انتهى، وموسى ثقة مُتَّفَقٌ عليه. قوله: ((ولا تَعْجَلُوا)) بضمِّ المثنَّاة وبِفتحها والجيم مفتوحة فيهما، ويُروَى بضمٍّ أوَّلِه وکسر الجیم. ٦٧٣- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله وَّ: ((إذا وُضِعَ عَشاءُ أحدِكم وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فابدَؤُوا بالعَشاءِ، ولا يَعْجَلْ حتَّى يَفْرُغَ منه)). وكان ابنُ عمَرَ يُوضَعُ له الطَّعامُ وتُقامُ الصلاةُ، فلا يأتيها حتَّى يَفْرُغَ، وإِنَّه يَسْمَعُ قِراءةَ الإمام. [طرفاه في: ٦٧٤، ٥٤٦٤] ٦٧٤ - وقال زهيرٌ ووَهْبُ بنُ عثمان، عن موسى بنِ عُقْبة، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((إذا كان أحدُكم على الطَّعام فلا يَعْجَلْ حتَّى يَقْضِيَ حاجتَه منه، وإنْ أُقِيمَتِ الصلاة». رواه إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، عن وَهْبٍ بنِ عثمانَ. ووَهْبٌ مَدِينيٌّ. قوله في حديث ابن عمر: ((إذا وُضِعَ عَشاء أحدكم)) هذا أخصُّ من الرواية الماضية حيثُ قال: ((إذا وُضِعَ العَشاء)) فيُحمَل العَشاء في تلك الرواية على عَشاء مَن يريد الصلاة، فلو وُضِعَ عَشاء غيرِه لم يدخل في ذلك، ويحتمل أن يقال بالنَّظرِ إلى المعنى: لو كان جائعاً ١٧٧ باب ٤٢ / ح ٦٧٣-٦٧٤ أبواب الجماعة والإمامة واشتَغَلَ خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيلُه أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناولَ مَأْكولاً يُزيل شَغْلَ باله ليدخلَ في الصلاة وقلبُه فارغٌ، ويؤيِّد هذا الاحتمالَ عمومُ قوله في رواية مسلم (٥٦٠) من طريق أُخرى عن عائشة: ((لا صلاة بحَضْرة طعام)) الحديث، وقول أبي الدَّرداء الماضي: إقباله على حاجته. قوله: (ولا يَعْجَل)) أي: أحدكم المذكور أوَّلاً، وقال الطِّييُّ: أفرَدَ قوله: ((يَعْجَل)) نَظَراً إلى لفظ أحد، وجمع قوله: «فابدَؤُوا)) نَظَراً إلى لفظ: كم، وقال: والمعنى إذا وُضِعَ عَشاء أحدكم فابدَؤُوا أنتُم بالعَشاء ولا یَعجَل هو حتَّى يَفْرُغَ معكم منه، انتھی. قوله: ((وكان ابن عمر)) هو موصول عَطْفاً على المرفوع، وقد رواه السرَّاج(١) من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع، فذكر المرفوع، ثمَّ قال: قال نافع: وكان ابن عمر / ١٦١/٢ إذا حَضَرَ عَشاؤُه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لم يَقُم حتَّى يَفرُغ. ورواه ابن حِيَّان (٢٠٦٧)(٢) من طريق ابن جُرَيج عن نافع: أنَّ ابن عمر كان يُصلِّ المغرب إذا غابَتِ الشمس، وكان أحياناً يَلقاه وهو صائم فيُقدَّمُ له عشاؤُه وقد نوديَ للصلاة، ثمَّ تُقام وهو يسمع فلا يَترُكُ عشاءَه، ولا يَعجَل حتَّى يَقضيَ عشاءَه، ثمَّ يخرُجَ فيُصلّي. انتھی، وهذا أصرَحُ ما وَرَدَ عنه في ذلك. قوله: ((وإِنَّه يَسمَعِ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((وإِنَّه لَيسمع)) بزيادة لام التأكيد في أوَّله. قوله: ((وقال زهير)) هو ابن معاوية الجُعْفيُّ، وطريقه هذه موصولة عند أبي عَوَانة في ((مُستخرَجه)) (١٢٩٣)، وأمَّا رواية وَهْب بن عثمان فقد ذكر المصنّف أنَّ إبراهيم بن المنذِر رواها عنه، وإبراهيم من شيوخ البخاري. وقد وافَقَ زُهَيراً ووَهْباً أبو ضَمْرة عند مسلم (٥٥٩)، وأبو بدر عند أبي عَوَانة (١٢٩٢)، والدَّراوَرْديّ عند السرَّاج، كلّهم عن موسى بن عُقبة. (١) فات الحافظَ أن يعزوه لأبي داود، وهو عنده برقم (٣٧٥٧). (٢) فات الحافظَ أن يعزوه لأحمد، وهو عنده برقم (٦٣٥٩). ١٧٨ باب ٤٢ / ح ٦٧٣ -٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قال النَّوَويّ: في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحَضرة الطَّعام الذي يريد أكلَه، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويَلتَحِقُ به ما في معناه ممَّا يَشغَلُ القلب، وهذا إذا كان في الوقت سَعةٌ، فإن ضاقَ صلَّى على حاله مُحَافَظةً على حُزْمة الوقت، ولا يجوز التأخير، وحكى المتولِّي وجهاً أنَّه يَبدَأ بالأكلِ وإن خرج الوقت، لأنَّ مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوتُه. انتهى، وهذا إنَّما يجيء على قول مَن يُوجِب الخشوع، ثمَّ فيه نظرٌ، لأنَّ المفسدَتَينِ إذا تَعارَضَتَا اقْتُصِرَ على أخَفِّهما، وخروج الوقت أشَدُّ من تركِ الخشوع، بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صَخَّت مع الكراهة، وتُستَحَبُّ الإعادة عند الجمهور. وادَّعَى ابن حَزْم أنَّ في الحديث دلالةً على امتداد الوقت في حقِّ مَن وُضِعَ له الطَّعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثلَ ذلك في حقِّ النائم والناسي. واستدلَّ النَّوَويّ وغيرُه بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، واعتَرَضَه ابن دَقِيق العيد بأنَّه إن أُريدَ بذلك التَّوسِعةُ إلى غُروب الشَّفَقِ ففيه نظرٌّ، وإن أُريدَ به مُطلَقُ التَّوسِعة فمُسلَّمٌ، ولكن ليس محلّ الخلاف المشهور، فإنَّ بعض مَن ذهب إلى ضيق وقتها جَعَلَه مُقدَّراً بزَمَنٍ يدخلُ فيه مقدارُ ما يتناولُ لُقَيماتٍ يَكسِرُ بها سَوْرةَ الجوع. واستدلَّ به القُرطبيّ على أنَّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجب، لأنَّ ظاهره أنَّه يَشْتَغِل بالأكلِ وإن فاتَته الصلاة في الجماعة، وفيه نظرٌ، لأنَّ بعض مَن ذهب إلى الوجوب كابنٍ حِبّان جَعَلَ حضور الطَّعام عُذْراً في تركِ الجماعة، فلا دليلَ فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مُطلَقاً. وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أوَّل الوقت. واستدلَّ بعض الشافعيَّة والحنابلة بقوله: ((فابدؤوا)) على تخصيص ذلك بمَن لم يَشرَع في الأكل، وأمَّا مَن شَرَعَ ثمَّ أُقيمَتِ الصلاة فلا يَتَمادى بل يقوم إلى الصلاة. قال النَّوَويّ: وصنيع ابن عمر يُبطِلُ ذلك، وهو الصواب. وتُعُقِّبَ بأنَّ صنيع ابن عمر اختيار له، وإلّا فالنَّظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنَّه يكون قد أخَذَ من الطَّعام ما دَفَعَ شَغْلَ البال به، ويؤيِّد ذلك حديث عَمْرو بن أُميَّةَ المذكور في الباب بعده، ولعلَّ ذلك هو ١٧٩ باب ٤٣ / ح ٦٧٥ أبواب الجماعة والإمامة السُّ في إيراد المصنِّف له عَقِبَه، وروى سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٢١) بإسنادٍ حسن(١) عن أبي هريرة وابن عبّاس: أنَّهما كانا يأكُلان طعاماً، وفي التَّنُّور شِواءٌ، فأراد المؤذِّن أن يُقيمَ، فقال له ابن عبّاس: لا تَعجَل لا نَقومُ وفي أنفُسِنا منه شيءٌ. وفي رواية ابن أبي شَيْبة: لِئَلَّا يَعرِضَ لنا في صلاتنا، وله (٢/ ٤٢١) عن الحسن بن عليّ قال: العَشاء قبلَ الصلاة يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوّامة. وفي هذا كلّه إشارة إلى أنَّ العِلَّة في ذلك تشوُّق النَّفْس إلى الطَّعام، فينبغي أن يُدارَ الحكم مع عِلَّتِهِ وجوداً وعدماً، ولا يُنقيّدُ بكُلِّ ولا بعض، ويُستَئنى من ذلك الصائم فلا تُكرَه صلاته/ بحَضرة الطَّعام، إذ الممتَنِعُ بالشَّرْع لا يَشغَل العاقلُ نفسَه به، لكن إن غَلَبَ ١٦٢/٢ استُحِبَّ له التَّحَوُّل من ذلك المكان. فائدتان: الأُولى: قال ابن الجَوْزيّ: ظنَّ قوم أنَّ هذا من باب تقديم حقّ العبد على حقّ الله، وليس كذلك، وإنَّما هو صيانةٌ حَقِّ الحَقّ ليدخل الخلق في عبادته بقُلوبِ مُقبلةٍ، ثمَّ إنَّ طعام القوم كان شيئاً يسيراً لا يقطع عن لتحاق الجماعة غالباً. الثانية: ما يقع في بعض كتب الفقه: إذا حَضَرَ العَشاء والعِشاء فابدَؤوا بالعَشاء. لا أصلَ له في كتبٍ الحديث بهذا اللَّفظ، كذا في ((شرح التِّرمِذيّ)) لشيخِنا أبي الفضل، لكن رأيت بخطِّ الحافظ قُطبِ الدّين أنَّ ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٢٠) أخرج عن إسماعيل وهو ابن عُليَّةَ عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني عبد الله بن رافع عن أمّ سَلَمة مرفوعاً: ((إذا حَضَرَ العَشاءُ وحَضَرَتِ العِشاء فابدَؤُوا بالعَشاء)) فإن كان ضَبَطَه فذاك، وإلَّا فقد رواه أحمد (٢٦٤٩٩) في ((مسنده)) عن إسماعيل بلفظ: ((وحَضَرَت الصلاة))، ثمَّ راجَعتُ ((مصنَّف ابن أبي شَيْبة)) فرأيت الحديثَ فيه كما أخرجه أحمد، والله أعلم. ٤٣- باب إذا دُعي الإمامُ إلى الصلاة وبيده ما يأكل ٦٧٥ - حذَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحِ، عن ابنِ شِهابٍ، (١) هو عند ابن أبي شيبة عن ابن عباس وحده، وإسناده ضعيف. ١٨٠ باب ٤٣-٤٤ / ح ٦٧٥ - ٦٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قال: أخبرني جعفرُ بنُ عَمْرِو بنِ أُميّةَ، أنَّ أباه قال: رأيتُ رسولَ اللهَوَّهِ يَأْكُلُ ذِراعاً يَحْتَزُّ مِنْها، فِدُعِيَ إلى الصلاة، فقامَ فطَرَحَ السِّكِّينَ، فصَلَّى ولم يتوضَّأ. قوله: ((باب إذا دُعيَ الإمام إلى الصلاة وبيدِه ما يأكلُ)) قيل: أشارَ بهذا إلى أنَّ الأمر الذي في الباب قبلَه للنَّذْبِ لا للوجوب، وقد قدَّمْنا قول مَن فضَّلَ بين ما إذا أُقيمَتِ الصلاة قبلَ الشُّروع في الأكل أو بعده، فيحتمل أنَّ المصنّف كان يَرَى التفصيل، ويحتمل تقييدُه في الترجمة بالإمام أنَّه كان يَرَى تخصيصَه به، وأمَّا غيره من المأمومينَ فالأمر مُتَوَجِّهٌ إليهم مُطلَقاً، ويؤيِّدُه قولُه فيما سبق: ((إذا وُضِعَ عَشاءُ أحدِكم)). وقد قدَّمْنا تقريرَ ذلك مع بقيَّة فوائد الحديث في «باب مَن لم يتوضَّأ من لحم الشاة)) (٢٠٨) من كتاب الطَّهارة. وقال الزَّين بن المنيِّر: لعلَّه ◌َ ل﴿ أَخَذَ في خاصَّة نفسه بالعزيمة فقدَّمَ الصلاة على الطَّعام، وأمر غيرَه بالرُّخصة، لأنَّه لا يقوى على مُدافعة الشَّهوة قوَّتَه، واُكم يملك إربه، انتھی. ويُعكِّر على مَن استدلَّ به على أنَّ الأمر للنَّذْبِ، احتمالُ أن يكون اتُّفِقَ في تلك الحالة أنَّه قَضَى حاجته من الأكل فلا يَتِمُّ الدلالةُ به. وإبراهيم المذكور في الإسناد: هو ابن سعد، وصالحُ: هو ابن كَيْسان، والإسناد كلُّه مدنُّون. ٤٤ - باب من كان في حاجةٍ أهله فأقيمتِ الصلاةُ فخرج ٦٧٦ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا الحكَمُ، عن إبراهيم، عن الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: ما كان النبيُّ وٍَّ يَصْنَعُ في بيتِه؟ قالت: كان يكونُ في مَهْنِ أهلِهِ - تعني في خِدْمةَ أهلِه - فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ خَرَج إلى الصلاةِ. [طرفاه في: ٥٣٦٣، ٦٠٣٩] قوله: ((باب مَن كان في حاجة أهله)) كأنَّه أشارَ بهذه الترجمة إلى أنَّه لا يَلحَق بحكمٍ الطَّعام كلُّ أمرٍ يكون للنَّفْسِ تَشَوُّفٌ إليه، إذ لو كان كذلك لم يَبقَ للصلاة وقتٌّ في الغالب. ١٦٣/٢ وأيضاً فوضْعُ الطَّعام بین یَدَي الآكِل فيه زیادة/ تَشَوُّف، وكُلَّما تأخّرَ تناوله ازداد، بخلاف