النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ أبواب الجماعة والإمامة عن مالك بواو العطف، جَعَلَه عنهما، وتابعه مُصعَبٌ الزُّبَيرِيُّ(١)، وشَذّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أنَّ عُبيدَ الله حَفِظَه لكَونِه لم يَشُكّ فیه، ولگونِه من رواية خاله وجَدِّه، والله أعلم. قوله: ((سبعة)) ظاهره اختصاص المذكورين بالثَّواب المذكور، ووَجَهَه الکِرْمانُّ بما مُحصِّلُه: أنَّ الطَّاعة إمَّا أن تكون بين العبد وبينَ الرَّبّ، أو بينه وبينَ الخلق: فالأوَّل(٢) باللِّسان وهو الذاكِرُ(٣)، أو بالقلبٍ وهو المعلَّق بالمسجد، أو بالبَدَنِ وهو الناشِئ في العبادة. والثاني عامّ وهو العادل، أو خاصّ بالقلبٍ وهو التَّحاب، أو بالمال وهو الصَّدَقة، أو بالبَدَنِ وهو العِقَّة. وقد نَظَمَ السَّبعة العَلَّامة أبو شامةَ عبد الرحمن بن إسماعيل، فيما أنَشَدَناه أبو إسحاق التَّنوخيُّ إذناً عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعاً من لفظه قال: وقال النبيّ المُصطَفَى: إنَّ سبعةً يُظِلُّهِمُ الله الكريمُ بِظِلِّهِ مُحِبُّ عَفِيفٌ ناشئٌ مُتَصَدِّقٌ وباكِ مُصَلِّ والإمامُ بعَدِلِهِ ووقع في ((صحيح مسلم) من حديث أبي اليَسَر (٣٠٠٦) مرفوعاً: ((مَن أَنظَرَ مُعسِراً أو ١٤٤/٢ وضَعَ له أظَلَّه الله في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلَّه))، وهاتان الحَصلتان غيرِ السَّبعة الماضية، فدلَّ على أنَّ العدد المذكور لا مفهوم له. وقد ألقَيت هذه المسألة على العالم شَمسِ الدّين بن عطاء الرَّازيِّ المعروف بالهَرَويِّ، لمَّا قَدِمَ القاهرةَ وادَّعَى أنَّه يَحَفَظ ((صحيح مسلم))، فسألته بحَضْرة الملك المؤيَّدِ عن هذا وعن غيره فما استَحضَرَ في ذلك شيئاً. (١) روايته عن مالك أخرجها ابن شاهين في ((الترغيب)) (٢٢٦)، وابن عساكر في ((معجمه)) (٥٣٣) غير أنه جاء فيهما أن روايته على الشك أيضاً! (٢) تحرف في (س) إلى: فالأولى. (٣) تحرف في (س) إلى: الذكر. ١٤٢ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري ثمَّ تَتَبَّعتُ بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال، وقد انتَقَيت منها سبعة وَرَدَت بأسانيدَ جيادٍ ونَظَمْتُها في بيتَينِ تَذييلاً على بيتَي أبي شامة وهما: وزِد سبعةً: إظلالَ غازٍ وعَونَهُ وإنظارَ ذي عُسْر وتخفيفَ حْلِهِ وإرفادَ ذي غُزْم وعَونَ مُكاتَب وتاجرَ صِدقٍ في المقال وفعلِهِ فأمَّا إظلال الغازي فرواه ابن حِبَّان (٤٦٢٨) (١) وغيره من حديث عمر، وأمَّا عَوْن المجاهد فرواه أحمد (١٥٩٨٧) والحاكم (٨٩/٢-٩٠) من حديث سَهْل بن حُنَيَف، وأمَّا إنظار المُعسِر والوَضِيعة عنه ففي ((صحيح مسلم)) كما ذكرنا، وأمَّا إرفادُ الغارم وعَون المكاتب فرواهما أحمد والحاكم من حديث سَهْل بن حُنَيفٍ المذكور، وأمَّا التاجر الصَّدوق فرواه البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة))(٢) من حديث سلمانَ، وأبو القاسم التَّيميُّ (٣) من حديث أنس، والله أعلم. ونَظَمته مرَّةً أُخرى فقلت في السَّبعة الثانية: وتَحسينُ خُلْقِ معْ إعانةٍ غارمِ خفيفِ يَدٍ حتَّى مُكاتَبُ أهلِهِ وحديث تحسين الخُلُق أخرجه الطَّبرانيُّ (٤) من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيف. ثُمَّ تَتَبَّعت ذلك فجمعت سبعة أُخرى ونَظَمتها في بيتَينِ آخرَينٍ وهما: وزِد سبعةً: حُزنٌ ومَشِيٌّ لمسجدٍ وكَرهُ وضوءٍ ثمَّ مَطعَمُ فَضلِهِ وآخِذُ حقٌّ باذِلٌ ثمَّ كافلٌ وتاجرُ صِدقٍ في المقالِ وفِعِلِهِ ثمَّ تَتَبَّعت ذلك فجمعت سبعة أُخرى، ولكنَّ أحاديثَها ضعيفةٌ، وقلت في آخر البيت: تَرَبَّعْ بِهِ السَّبْعاتُ من فَيضٍ فضِلِهِ (١) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٢٦). (٢) أورده البغوي بغير إسناد ٢/ ٣٥٥، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٢٢)، ومن طريقه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٧١ عن معمر، عن قتادة، عن سلمان موقوفاً، وإسناده منقطع، قتادة لم يسمع من سلمان. (٣) ومن طريقه أخرجه الحافظ في ((الأمالي المطلقة)) ص ١٠٩، وقال الحافظ هناك: حديث غريب تفرد به يحيى بن شبيب، وهو منكر الحديث متَّهم عند الأئمة. (٤) في ((المعجم الأوسط)) (٦٥٠٦). ١٤٣ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ أبواب الجماعة والإمامة وقد أورَدت الجميع في ((الأمالي))، وقد أفرَدتُه في جزءٍ سَمَّيته ((معرفة الخِصال الموصلة إلى الظِّلال)». قوله: ((في ظِلّه)) قال عياض: إضافة الظُّلّ إلى الله إضافة مِلك، وكُلّ ظِلّ فهو مِلكُه. كذا قال، وكان حَقّه أن يقول: إضافةُ تَشريف، ليَحصُلَ امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة: بيت الله مع أنَّ المساجد كلّها مِلكُه. وقيل: المراد بظِلِّه: كرامَته وحِمايَته، كما يقال: فلانٌ في ظِلّ الملك، وهو قول عيسى بن دينار وقوّاه عیاض. وقيل: المراد ظِلّ عَرشه، ويدلُّ عليه حديث سلمانَ(١) عند سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن: ((سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّ عَرشِه)) فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظِلّ العرش استَلزَمَ ما ذُكِرَ من كَونِم في كَنَفِ الله وكرامَته من غير عكسٍ فهو أرجحُ، وبه جَزَمَ القُرطبي، ويؤيِّده أيضاً تقييد ذلك بيومِ القيامة كما صَرَّحَ به ابنُ المبارَك في روايته عن عُبيد الله بن عمر، وهو عند المصنِّف (٦٨٠٦) في كتاب الحُدود، وبهذا يندفعُ قول مَن قال: المراد ظِلّ طُوبَى أو ظِلّ الجنَّة، لأنَّ ظِلَّهما إنَّما يَحصُلُ لهم بعد الاستقرار في الجنَّة، ثمّ إن ذلك مُشترَك لجميعِ مَن يدخلُها، والسياق يدلّ على امتياز أصحاب الخِصال المذكورة، فيُرجَّح أنَّ المراد ظِلّ العرش، وروى التِّرمِذيّ (١٣٢٩) وحَسَّنَه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((أحَبُّ الناس إلى الله يومَ القيامة، وأقربهم منه مَجَلِساً، إمام عادل)). قوله: ((الإمام العادل)) اسم فاعل مشتقٌ من العَدل، وذكر ابن عبد البَرِّ أنَّ بعض الرُّواة عن مالك رواه بلفظ: ((العَدل)) قال: وهو أبلَغُ، لأنَّه جَعَلَ المسمَّى نفسَه عَدْلاً، والمراد به صاحب الولاية العُظمَى،/ ويَلتَحِقُ به كلُّ مَن وليَ شيئاً من أُمور المسلمين فعَدَلَ فيه، ١٤٥/٢ (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((سنن سعيد بن منصور))، لكن أخرجه من الطريق نفسه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب ((العرش)) (٥٦)، وإسناده ضعيف. وتحسين الحافظ له تساهل منه رحمه الله. ولو أنه استدل لصحة هذا القول بحديث أبي هريرة عند أحمد (٨٧١١)، والترمذي (١٣٠٦) لكان أحسن، فإن فيه تقييد الظل بأنه ظل العرش، وإسناده صحيح، ولفظه: ((من أنظر مُعسراً أو وضع له أظله الله في ظل عرشه يوم القيامة)). وبه استدل ابن رجب في ((شرحه)) على هذا القول. ١٤٤ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري ويؤيِّده رواية مسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عَمْرو رفعه: ((إنَّ المُقسِطِينَ عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يَعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا)) وأحسن ما فُشِّرَ به العادل: أنَّه الذي يَتَبعُ أمر الله بوضعِ كلّ شيء في موضعه بغير (١) إفراط ولا تَفريط. وقدَّمَه في الذِّكرِ لعموم النَّفع به. قوله: ((وشابٌ)) خَصَّ الشابّ لكَونِهِ مَظِنَّةَ غَلَبة الشَّهوة، لما فيه من قوَّة الباعث على مُتَابَعة الهَوَى، فإنَّ مُلازمة العبادة مع ذلك أشَدُّ وأدَلّ على غَلَبة التَّقْوَى. قوله: ((في عبادة رَبّه)) في رواية الإمام أحمد (٩٦٦٥) عن يحيى القَطّان: ((بعبادة الله))، وهي رواية مسلم (١٠٣١)، وهما بمعنّى. زاد حمَّد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: ((حتَّى تؤثَّ على ذلك)) أخرجه الجَوزَقيُّ(٢). وفي حديث سلمانَ: ((أَفَنَى شَبابه ونشاطه في عبادة الله))(٣). قوله: ((مُعلَّق في المساجد)) هكذا في ((الصحيحين))، وظاهره أنَّه من التَّعليق، كأنَّه شَبَّهَه بالشيءٍ المعلَّق في المسجد كالقِنديل مثلاً، إشارةً إلى طول المُلازمة بقلبِهِ وإن كان جَسَده خارجاً عنه، ويدلُّ عليه رواية الجَوزَقيِّ: ((كأَنَما قلبُهُ مُعلَّقٌّ في المسجد))، ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شِدَّة الحُب، ويدلُّ عليه رواية أحمد: ((مُعلَّق(٤) بالمساجد))(٥)، وكذا رواية الحَمُّوِيُّ والمُستَمْلي: ((متعلّق)) بزيادة مُثنَّاة بعد الميم وكسر اللَّام، زاد سلمان: ((من حُبّها)»، وزاد مالك (٩٥٢/٢-٩٥٣): «إذا خرج منه حتَّی یعود إلیه)). (١) في (س): من غير. (٢) وأخرجه أيضاً الآجرّي في ((الأربعين)) (٤٣)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٩) و(٧٣٥٧) وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨١/٢ - ٢٨٢ من طريق حماد بن زيد، غير أن هذه الزيادة لم ترد إلا عند الآجري وابن عبد البر. (٣) هو الحديث الذي أشار الحافظ إليه قريباً، وعزاه لسعيد بن منصور. (٤) الذي في ((مسند أحمد)»: مُتَعلِّق. (٥) وقع هنا في (س) بعد ذكر رواية أحمد: وكذا رواية سلمان: ((من حبّها)). قلنا: وهي زيادة مكررة لا داعي لها. ١٤٥ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ أبواب الجماعة والإمامة وهذه الخَصلةُ هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة، ومُناسَبتها للُّكنِ الثاني من الترجمة - وهو فضلُ المساجد - ظاهرةٌ، وللأوَّلِ من جهة ما دلَّ عليه من المُلازمة للمسجدِ واستمرار الكون فيه بالقلبٍ وإِن عَرَضَ للجَسَدِ عارضٌ. قوله: (تَحَابًا)) بتشديد الباء وأصلُه تَحَابَيا، أي: اشتركا في جنس المحبَّة، وأحَبَّ كلّ منهما الآخرَ حقيقةً لا إظهاراً فقط، ووقع في رواية حمّاد بن زيد: ((ورجلان قال كلٌّ منهما للآخرِ: إنِّي أُحِبُّك في الله فصَدَرا على ذلك))، ونحوه في حديث سلمان(١). قوله: ((اجتَمَعا على ذلك وتَفرَّقا عليه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((اجتَمَعا عليه))، وهي رواية مسلم، أي: على الحُبّ المذكور، والمراد أنَّهما داما على المحَبَّة الدّينيّة ولم يقطعاها بعارضٍ دُنيَويٌّ، سواء اجتَمَعا حقيقةً أم لا، حتَّى فَرَّقَ بينهما الموت. ووقع في ((الجمع)) للحميديٍّ: ((اجتَمَعا على خيرٍ))، ولم أرَ ذلك في شيء من نُسَخ ((الصحيحين))، ولا غير هما من المستخرَجات، وهي عندي تحريفٌ. تنبيه: عُدَّت هذه الخَصلة واحدةً مع أنَّ مُتَعاطيَها اثنان، لأنَّ المحَبَّةَ لا تَتِمُّ إِلَّ باثنين، أو لمَّا كان المتحابّان بمعنَى واحد كان عَدُّ أحدهما مُغنياً عن عَدِّ الآخر، لأَنَّ الغَرَضِ عَدُّ الخِصال لا عَدُّ جميع مَن اتَّصَفَ بها. ٠٠ قوله: ((ورجل طَلَبَتْه ذاتُ مَنصِب) بيَّن المحذوفَ أحمدُ (٩٦٦٥) في روايته عن يحيى القَطّان فقال: «دَعَتْه امرأة)»، وكذا في رواية كَرِيمة، ومسلمٌ (١٠٣١)، وهو للمصنّف في الحُدود (٦٨٠٦) عن ابن المبارك، والمراد بالمنصِبِ: الأصل أو الشَّرَف، وفي رواية مالكٍ: ((دَعَتْه ذات حَسَبٍ))، وهو يُطلَقُ أيضاً على الأصل وعلى المال أيضاً، وقد وصفَها بأكمَل الأوصاف التي جَرَت العادة بمزيدِ الرَّغبة لمن تَحصُلُ فيه، وهو المنصِب الذي يَستَلِزِمُه الجاه والمال مع الجمال، وقَلَّ مَن يجتمع ذلك فيها من النِّساء، زاد ابن المبارك: ((إلى نفسَها))، (١) سلفت إشارة الحافظ إلى رواية حماد هذه وحديث سلمان قريباً. ولفظ رواية حماد هذه عند الآجري في ((الأربعين)) أيضاً، وليست عند باقي المخرجين الذين أشرنا إليهم. ١٤٦ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري وللبيهقيِّ في ((الشُّعَب)) (٧٩٤) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: ((فَعَرَضَت نفسَها عليه))(١). والظاهر أنَّهَا دَعَته إلى الفاحشة، وبه جَزَمَ القُرطبيّ ولم يَحَكِ غيرَه، وقال بعضهم: يحتمل أن تكون دَعَتْه إلى التَّزَوُّج بها فخافَ أن يَشتَغِلَ عن العبادة بالافتتان بها، أو خافَ أن لا يقوم بحَقِّها لشُغلِه بالعبادة عن التَّكَسُّب بما يليقُ بها، والأوَّل أظهَرُ، ويؤيِّده وجودُ الكناية في قوله: ((إلى نفسها))، ولو كان المراد التَّزويجَ لَصَرَّحَ به، والصَّبر عن المَوصوفة بما ذُكِرَ من أكمل المراتب لكثرة الرَّغبة في مثلها وعُسرٍ تحصيلها، لا سيّما وقد أغنَت عن(٢) مَشاقٌّ التَّوَصُّل إليها بمُراوَدةٍ ونحوِها. ١٤٦/٢ قوله: ((فقال: إنِّي أخاف الله)) زاد في رواية كَرِيمة: ((رَبَّ العالمين))، والظاهر أنَّه يقول ذلك بلسانه، إمَّا لِيَزْجُرَها عن الفاحشة، أو ليَعتَذِرَ إليها. ويحتمل أن يقوله بقلبِه، قاله(٣) عياض. قال القُرطبيُّ: إنَّما يَصدُرُ ذلك عن شِدَّة خوف من الله تعالى ومَتینِ تقوّى وحياءٍ. قوله: (تَصَدَّقَ أخفَى)) بلفظ الماضي، قال الكِرْمانيُّ: هو جملة حاليَّة بتقديرِ: قد، ووقع في رواية أحمد (٩٦٦٥): ((تَصَدَّقَ فأخفَى)) (٤)، وكذا للمصنّف في الزّكاة (١٤٢٣) عن مُسدَّد عن يحيى: ((تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها))، ومثلُه لمالكِ في («الموطَّأ)» (٩٥٢/٢-٥٣ فالظاهر أنَّ راوي الأولى حَذَفَ العاطف، ووقع في رواية الأَصِيلِيِّ: ((تَصَدَّقَ إخفاءً)» بكسر الهمزة ممدوداً، على أنَّه مصدر أو نَعتٌ لمصدرٍ محذوف، ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل، أي: مُفياً، وقوله: ((بصَدَقةٍ)) نَكَّرَها ليَشْمَلَ كلَّ ما يُتَصَدَّقُ به من قليل أو كثير، وظاهره أيضاً يَشمَل المندوبةَ والمفروضة، لكن نقل النَّوَويّ عن العلماء أنَّ إظهار المفروضة أولى من إخفائها. قوله: ((حتَّى لا تَعْلَمَ)) بضمِّ الميم وفتحها. (١) سيأتي تضعيفه لهذه الرواية قريباً. (٢) تحرفت في (س) إلى: من. (٣) تحرف في (س) إلى: قال. (٤) كذا قال الحافظ، والذي في ((مسند أحمد)): ((تصدق بصدقة أخفاها)). ١٤٧ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((شمالُه ما تُنفِق يمينُه)) هكذا وقع في مُعظَم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره، ووقع في ((صحيح مسلم)) (١٠٣١) مقلوباً: ((حتَّى لا تَعلَمَ يمينُهُ ما تُنفِق شمالُه))، وهو نوع من أنواع عُلوم الحديث أغفلَه ابن الصلاح وإن كان أفرَدَ نوعَ المقلوب، لكنَّه قَصَرَه على ما يقع في الإسناد، ونَبَّهَ عليه شيخُنا في (محاسن الاصطلاح)، ومَثَّلَ له بحديث: ((إنَّ ابن أمّ مكتوم يؤذِّن بليلٍ))(١)، وقد قدَّمنا الكلام عليه في كتاب الأذان (٦٢٠)، وقال شيخنا: ينبغي أن يُسمَّى هذا النوع المعكوسَ. انتهى، والأولى تسميته مقلوباً، فيكون المقلوب تارةً في الإسناد وتارةً في المتن، كما قالوه في المدرَج سواءً، وقد سمّاه بعضُ مَن تقدَّم مقلوباً. قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وَصَلت إلينا من ((صحيح مسلم)) وهو مقلوب، والصواب(٢) الأوَّل، وهو وجه الكلام، لأنَّ السُّنَّةَ المعهودة في الصَّدَقة إعطاؤها باليمين، وقد تَرجَمَ عليه البخاري في كتاب الزّكاة ((باب الصَّدَقة باليمين)). قال: ويُشبِه أن يكون الوَهْم فيه مَمَّن دون مسلم، بدليل قوله في رواية مالكٍ لمَّ أورَدَها عَقِبَ روایة عبيد الله بن عمرَ: فقال بمثل حديث عبيد الله. فلو كانت بينهما مُالَفةٌ لَبيَّنها، كما نَبَّهَ على الزّيادة في قوله: ((ورجل قلبه مُعلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يعود إليه))، انتهى. ولیس الوَهْم فیه ممَّن دون مسلم ولا منه، بل هو من شیخه أو من شیخ شيخه یحیی القَطّان، فإنَّ مسلماً أخرجه عن زُهَير بن حرب وابن ثُمَير كلاهما عن يحيى، وأشعَرَ سياقُه بأنَّ اللَّفظ لزُهَير، وكذا أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) عن زُهَير (٣)، وأخرجه الجَوزَقيُّ في (مُستخرَجه)) عن أبي حامد بن الشَّرْقَيِّ عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى (١) أخرجه ابن خزيمة (٤٠٦) من حديث عائشة. (٢) في (س): أو الصواب، وهو خطأ. (٣) وكذلك أخرجه من طريق زهير بن حرب البيهقيُّ ٤/ ١٩٠، وأخرجه أيضاً من طريق محمد بن بشار ومحمد بن المثنى كرواية زهير، حيث قال بعد أنه ساق الحديث من هذين الطريقين: كذا قالوا عن يحيى القطان عن عُبيد الله: ((لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وسائر الرواة عن يحيى القطان عن عُبيد الله قالوا فيه :.. ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). قلنا: فأصبح الذين رووه عن يحيى القطان مقلوباً جماعةٌ، فاحتمل أن يكون يحيى القطان كان يرويه على الوجهين، يهم فيه أحياناً كما قال ابن الشرقي. ١٤٨ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري القَطّان كذلك، وعَقَّبَه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشَّرقيِّ يقول: يحيى القَطّانُ عندنا واهم في هذا، إنَّما هو ((حتَّى لا تَعلَم شماله ما تُنفِقُ يمينُه)). قلت: والجَزْم بكون يحيى هو الواهم فيه نظرٌ، لأنَّ الإمام أحمد قد رواه عنه (٩٦٦٥) على الصواب، وكذلك أخرجه البخاري هنا عن محمد بن بشَّارٍ، وفي الزَّكاة (١٤٢٣) عن مُسدَّد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق يعقوب الدَّورقيِّ وحفص بن عمرو، كلُّهم عن يحيى، وكأنَّ أبا حامد لمَّا رأى عبد الرحمن قد تابَعَ زُهَيراً تَرجَّحَ عنده أنَّ الوَهم من يحيى، وهو مُتَمَلٌ بأن يكون منه لمَّا حدَّث به هذينٍ خاصَّةً، مع احتمال أن يكون الوَهم منهما تَوارَدا علیه. وقد تَكلَّفَ بعض المتأخِّرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيِّدٍ، لأنَّ المَخرَج مُتَّحِدٌ، ولم يُخْتَلَف فيه على عُبيد الله بن عمر شيخ يحيى فيه، ولا على شيخه خُبِيبٍ، ولا على مالكٍ رفیق ◌ُبيد الله بن عمر فیه. وأمَّا استدلال عياض على أنَّ الوَهْم فيه مَمَّن دون مسلم بقوله في رواية مالك: ((مثلَ عبيد الله))، فقد عَكَسَه غيره فواخَذَ مسلماً بقوله: ((مثلَ عبيد الله)) لكونهما ليستا مُتساويتَين، والذي يظهر أنَّ مسلماً لا يَقصُرُ لفظ المثل على المساوي في جميع اللَّفظ والترتيب، بل هو في المُعظَم إذا تساوَيا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع إنَّما هو إخفاء الصَّدَقة، والله أعلم. ولم نَجِد هذا الحديثَ من وجه من الوجوه إلَّا عن أبي هريرة، إلَّا ما وقع عند مالك من ١٤٧/٢ التََّدُّد هل هو عنه/ أو عن أبي سعيد؟ كما قدَّمناه قبلُ، ولم نَجِده عن أبي هريرة إلَّا من رواية حفص، ولا عن حفص إلَّا من رواية خُبَيَبٍ. نَعَم أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٧٩٤) من طريق سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، والراوي له عن سُهَيل عبدُ الله بن عامر الأسلَميِّ، وهو ضعيف لكنَّه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات، ووافَقَ في قوله: (تَصَدَّقَ بيمينِه))، وكذا أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمانَ الفارسيِّ بإسنادٍ ١٤٩ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ أبواب الجماعة والإمامة حسن(١) موقوفاً علیه، لکن حکمُه الرَّفعُ. وفي «مُسنَد أحمد» (١٢٢٥٣) من حديث أنس بإسنادٍ حسن(٢) مرفوعاً: ((إنَّ الملائكة قالت: يا رَبِّ هل من خلقك شيء أشَدّ من الجِبال؟ قال: نَعَم الحديد، قالت: فهل أشَدّ من الحديد؟ قال: نَعَم النار، قالت: فهل أشَدّ من النار؟ قال: نَعَم الماء، قالت: فهل أشَدّ من الماء؟ قال: نَعَم الرّيح، قالت: فهل أشَدّ من الرّيح؟ قال. نَعَم ابنُ آدم، يَتَصَدَّق بیمینه فيُخفیها عن شماله)). ثمّ إنَّ المقصود منه المبالغة في إخفاء الصَّدَقة، بحيثُ إنَّ شماله مع قُربِها من يمينه وتَلازُمِهما لو تُصُوِّرَ أنَّها تَعلَمْ لَمَا عَلِمَت ما فعلتِ اليمين لشِدَّة إخفائها، فهو على هذا من مَجَاز التشبيه. ويؤيِّده رواية حمّاد بن زيد(٣) عند الجَوزَفيِّ: ((تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ كأَنَّما أخفَى يمينه من شماله)). ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير: حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله. وأبعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ المراد بشماله نفسه، وأنَّه من تسمية الكُلّ باسم الجزء، فإنَّه يَنحَلُ إلى أنَّ نفسَه، لا تَعلَمُ ما تُنفِقُ نفسُه، وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله مَن على شماله من الناس، كأنَّه قال: مُجَاوِرُ شماله، وقيل: المراد أنَّه لا يُرائي بصَدَقَتِه فلا یکتُبها كاتب الشِّمال. وحكى القُرطبيّ عن بعض مَشائِه أنَّ معناه: أن يَتَصَدَّقَ على الضَّعيف المُكتَسِب في صورة الشِّراء لتَرويجِ سِلعَتِهِ أو رَفْع قيمَتِها واستَحسَنَه، وفيه نظرٌّ إن كان أراد أنَّ هذه الصورة مراد الحديث خاصَّةً، وإن أراد أنَّ هذا من صور الصَّدَقة المَخفيَّة فمُسَلَّمٌ، والله أعلم. قوله: (ذَكَرَ الله)) أي: بقلبِه من التَّذَكُّر، أو بلسانه من الذِّكر، و((خاليا)) أي: من الخُلوّ، (١) أسلفنا أنه ضعيف، وأن تحسين الحافظ له تساهل منه، وأنه أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه ((العرش)) (٥٦). (٢) تحسين الحافظ لهذا الحديث تساهل منه أيضاً رحمه الله، وإلا ففي إسناده رجل مجهول، وقال الترمذي بعد أن أخرجه (٣٣٦٩): غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. (٣) تقدم أن بيّنّا أيضاً أنه عند الآجري في ((الأربعين))، والطبراني في ((الدعاء))، والبيهقي في ((الشعب))، وابن عبد البر في ((التمهيد))، ولفظه عند الآجري: ((ورجل إذا تصدق أخفى صدقة يمينه عن شماله))، ولفظ الباقين قريب من لفظ المصنف. ١٥٠ ـسمـ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري لأَنَّه يكون حينئذٍ أبعَدَ من الرّياء، والمراد خالياً من الالتفات إلى غير الله ولو كان في مَلَأ، ويؤيِّده رواية البيهقيِّ: (ذَكَرَ الله بين يديه))(١) ويؤيِّد الأوَّل رواية ابن المبارك وحمّاد بن زيد: ((ذكر الله في خَلاء))(٢) أي: في موضع خالٍ، وهي أصُّ. قوله: ((ففاضَتْ عَيْناه) أي: فاضَت الدُّموع من عينيه، وأُسنِدَ الفَيضُ إلى العين مُبالغةً، كأنَّهَا هي التي فاضَت، قال القُرطبيّ: وفَيض العين بحَسَبِ حال الذّاكر وبِحَسَبِ ما يُكشَفُ له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خَشْية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشَّوق إليه. قلت: قد خُصّ في بعض الروايات بالأوَّل، ففي رواية حَمَّاد بن زيد عند الجَوزَقِيِّ (٣) ((ففاضت عيناه من خَشْية الله))، ونحوُه في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم (٤/ ٢٦٠) من حديث أنس مرفوعاً: ((مَن ذكر الله ففاضت عيناه من خَشْية الله حتَّى يصيبَ الأرض من دُموعه لم يُعَذَّب يومَ القيامة))(٤). تنبيهان: الأوَّل: ذِكْر الرجال في هذا الحديث لا مفهومَ له، بل يَشتَرِك النِّساء معهم فيما ذُكِر، إلّا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامةَ العُظمَى، وإلَّا فيُمكِنُ دخول المرأة حيثُ تكون ذاتَ عيالٍ فَتَعدِلُ فيهم. وتَخرُج خَصْلة مُلازمة المسجد، لأنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشارَكة حاصلةٌ لهنَّ، حتَّى الرجلُ الذي دَعَته المرأة فإنَّه (١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٤): ((ذكر الله في بريّة))، والبريّة الخَلْق. فهذا الأليق لاستدلال الحافظ. (٢) رواية ابن المبارك ستأتي عند المصنف برقم (٦٨٠٦)، ورواية حماد سلفت إشارة الحافظ إليها وبينا هناك من أخرجها غير الجوزقي، لكن أحداً منهم لم يذكر هذا اللفظ، وإنما اللفظ عندهم كالمصنف، فلعله في رواية الجوزقي وحده. (٣) وهو عند الآجري في ((الأربعين)) (٤٣) من طريق حماد بن زيد، بهذا اللفظ. (٤) وإلى هذا ذهب الإمام البخاري رحمه الله: أن البكاء من خشية الله، فقد ذكر في كتاب الرقاق: باب البكاء من خشية الله. وأورد هذا الحديث (٦٤٧٩) مقتصراً على موضع الشاهد منه. ١٥١ باب ٣٧ / ح ٦٦١ - ٦٦٢ أبواب الجماعة والإمامة يُتَصَوَّر في امرأة دعاها مَلِكٌ جميل مثلاً فامتَنَعَت خوفاً من الله تعالى مع حاجتها، أو شابٌ جميل دعاه مَلِكٌ إلى أن يُزوِّجَه ابنتَه مثلاً فخَشِيَ أن يَرتَكِبَ منه الفاحشة، فامتَنَعَ مع حاجته إليه. الثاني: استَوعَبتُ شرحَ هذا الحديث هنا وإن كان مخالفاً لما شَرَطت، لأنَّ أليَقَ المواضع به كتابُ الرِّقاق، وقد اختصرهُ المصنِّفُ حيثُ أورَدَه فيه، وساقه تامّاً في الزَّكاة والحُدود، فاستَوفَيْتُه هنا لأنَّ للأوَّلِيَّة وجهاً من الأولَويَّة. ٦٦١ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، قال: سُئِلَ أنس: هل النَّخِذَ ١٤٨٧ رسولُ اللهِوَّهِ خاتماً؟ فقال: نَعَم، أخَّرَ ليلةً صلاةَ العِشاءِ إلى شَطْرِ الليل، ثمَّ أقبَلَ علينا بوجهِه بعدَما صَلَّى، فقال: ((صَلَّى النَّاسُ ورَقَدُوا، ولم تَزالُوا في صلاةٍ منذُ انتَظَرتُوها))، قال: فكأنّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ خاتَمِهِ. قوله: ((سُئِلَ أنس)) تقدَّم التصريح بسماع حميدٍ له منه في ((باب وقت العشاء)) (٥٧٢). قوله: ((صَلَّى النَّاس)) أي: غير المخاطَبِينَ ممّن صلَّى في داره أو مسجد قبيلتِه، ويُستأنَسُ به لمن قال بأنَّ الجماعة غيرُ واجبةٍ. قوله: ((ولم تَزالُوا في صلاة)) أي: في ثواب صلاةٍ كما تقدَّم. قوله: ((وَبِيص)) بكسر الموخَّدة وبالمهمَلة، أي: بَرِيقه ولَمَعانه، وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في ((باب وقت العشاء))، ويأتي الكلام على الخاتم في كتاب اللِّباس (٥٨٦٩) إن شاء الله تعالى. ٣٧- باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح ٦٦٢ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ، عن زيدٍ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَِّ، قال: «مَن غَدَا إلى المسجدِ وراحَ، أُعَدَّ الله له نُزُلَه من الجنَّةِ كلَّما غَدَا أو راحَ)). ١٥٢ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب فضل مَن غَدَا إلى المسجدِ ومَن راحَ)» هكذا للأكثر موافقاً للفظ الحديث في الغُدوّ والرَّواحِ، ولأبي ذرِّ بلفظ: ((خرج)) بدلَ ((غَدَا))، وله عن المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ بلفظ: ((مَن يَخَرُج)) بصيغة المضارع، وعلى هذا فالمراد بالغُدوِّ: الذَّهاب، وبالرَّواح: الرجوع، والأصل في الغُدوّ: المُضيّ من بُكرة النهار، والرَّواح بعد الَّوال، ثمَّ قد يُستَعمَلان في كلِّ ذهاب ورجوع توسُّعاً. قوله: ((أعَدَّ) أي: هَيَّ. قوله: ((نُزُله)) للكُشْمِيهنيِّ: ((نُزُلاً) بالتَّنكيرِ، والنُّؤُل بضمِّ النُّون والزّاي: المكانُ الذي يُهيّأُ للتُّزول فيه، وبسكون الزّاي، ما يُهيُّ للقادم من الضّيافة ونحوِها، فعلى هذا ((من)) في قوله: ((من الجنَّة)) للتَّبعيضِ على الأوَّل وللتَّبينِ على الثاني، ورواه مسلم (٦٦٩)، وابن خُزَيمة (١٤٩٦)، وأحمد (١٠٦٠٨) بلفظ: ((نُزُلاً في الجنَّة)) وهو مُتَمِلٌ للمعنيَين. قوله: ((كُلَّا غَدَا أو راحَ)) أي: بكلِّ غَدْوة ورَوْحة. وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مُطلَقاً، لكنَّ المقصودَ منه اختصاصه بمَن يأتيه للعبادة، والصلاةُ رأسها، والله أعلم. ٣٨- باب إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاة إلا المكتوبة ٦٦٣ - حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن حفصٍٍ ابن عاصمٍ، عن عبدِ الله بنِ مالكِ ابنِ بُحَيْنة، قال: مَرَّ النبيُّ ◌َّ برجلٍ. قال: وحدَّثني عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا شُعْبَةُ، قال: أخبرني سعدُ ابنُ إبراهيمَ، قال: سمعتُ حفصَ بنَ عاصمٍ، قال: سمعتُ رجلاً من الأزْدِ يقال له: مالكُ ابنُ بُحَيْنَةَ: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ رَأى رجلاً وقد أُقِيمَتِ الصلاةُ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ، فلمَّا انصَرَفَ رسولُ الله ◌ََّ لاثَ به النَّاسُ، وقال له رسولُ الله ◌َّةِ: «الصُّبحَ أربعاً؟! الصُّبحَ أربعاً؟!». تابَعَه غُندَرٌ ومعاذٌ، عن شُعْبةَ في: مالكٍ. وقال ابنُ إسحاقَ: عن سعدٍ، عن حفصٍ، عن عبدِ الله ابنِ بُحَينةَ. ١٥٣ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ أبواب الجماعة والإمامة ٠٠ وقال حَمَّدٌ: أخبرنا سعدٌ، عن حفصٍ، عن مالكٍ. قوله: ((باب إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة)) هذه الترجمة لفظُ حديثٍ أخرجه١٤٩/٢ مسلم وأصحاب ((السُّنَن)) وابن خُزيمة وابن حِبَّان من رواية عَمْرو بن دينار، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هريرة(١)، واختُلِفَ على عَمْرو بن دينار في رفعِه ووَقِه، وقيل: إنَّ ذلك هو السَّبَب في كون البخاري لم يُخرِّجه، ولمَّا كان الحكمُ صحيحاً ذكره في الترجمة وأخرج في الباب ما يُغني عنه، لكنَّ حديث الترجمة أعمُّ من حديث الباب، لأنَّه يَشْمَلُ الصَّلَواتِ كلَّها، وحديث الباب يختصُّ بالصبح كما سنوضحُه، ويحتمل أن يقال: اللَّام في حديث الترجمة عهديَّةٌ فيَتَّفِقان، هذا من حيثُ اللَّفظُ، وأمَّا من حيثُ المعنى فالحكم في جميع الصَّلَوات واحدٌ، وقد أخرجه أحمد من وجه آخرَ بلفظ: ((فلا صلاة إلَّا التي أُقيمَت))(٢). قوله: ((إذا أُقيمَت)) أي: إذا شُرِعَ في الإقامة، وصَرَّحَ بذلك محمد بن جُحادةً عن عَمْرو ابن دينار فيما أخرجه ابن حِبَّان (٢١٩٠) بلفظ: «إذا أخَذَ المؤذِّن في الإقامة)»(٣). وقوله: ((فلا صلاة)) أي: صحيحة أو كاملة، والتقدير الأوَّل أولى لأنَّه أقرب إلى نفيٍ الحقيقة، لكن لمَّا لم يقطع النبيُّ ◌َّهِ صلاة المصلِّ واقتصر على الإنكار دلَّ على أنَّ المراد نفيُ الكمال. ويحتمل أن يكون النَّفي بمعنى النَّهي، أي: فلا تُصلُّوا حينئذٍ، ويؤيِّده ما رواه البخاري في ((التاريخ)) (١٨٥/١) والبَزّار (٦١٩٤) وغيرُهما من رواية محمد بن عَّار عن شَريك بن أبي نَمِرٍ عن أنس مرفوعاً في نحو حديث الباب، وفيه: ((ونهى أن تُصلَّيا إذا أُقيمَت الصلاة))، ووَرَدَ بصيغة النَّهي أيضاً فيما رواه أحمد (٢٢٩٢٧) من وجه آخرَ عن ابن بُحَينَةَ (١) أخرجه مسلم (٧١٠)، وأبو داود (١٢٦٦)، وابن ماجه (١١٥١)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي (٨٦٥)، وابن خزيمة (١١٢٣). وابن حبان (٢٤٧٠). وانظر الاختلاف في رفعه ووقفه عند أحمد (٨٣٧٩). (٢) أخرجه أحمد (٨٦٢٣)، وإسناده ضعيف. (٣) لكن أخرجه البزار في «مسنده)) (١٠٦٧)، وأبو عوانة (١٣٥٩) من طُرق عن زياد بن عبد الله البگَّائي عن محمد بن جُحادة بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة)). ١٥٤ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري في قِصَّته هذه فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة مثلَ الظُّهر واجعَلوا بينهما فصلاً))، والنَّهي المذكور للتَّنزيه لما تقدَّم من كَوْنه لم يقطع صلاتَه. قوله: ((إلَّا المكتوبة)) فيه منعُ التنفُّل بعد الشُّروع في إقامة الصلاة سواءٌ كانت راتبةً أم لا، لأنَّ المراد بالمكتوبة المفروضة، وزاد مسلم بن خالد عن عَمْرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول الله، ولا ركعتَي الفجر؟ قال: ((ولا ركعتَي الفجر)»، أخرجه ابن عَديٍّ (٢٤٦/٧) في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب، وإسنادُه حسنٌ(١)، والمفروضة تَشمَل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصَرَّحَ بذلك أحمد والطَّحاويُّ من طريق أُخرى عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّ التي أُقِيمَت))(٢). قوله: ((مَّ النبيُّ ◌َّه برجلٍ)) لم يَسُق البخاري لفظَ رواية إبراهيم بن سعد، بل تَحوَّلَ إلى رواية شُعْبةَ فأوهَمَ أَّهما مُتَوافقَتان، وليس كذلك فقد ساق مسلمٌ (٦٥/٧١١) روايةً إبراهيم بن سعد بالسَّنَدِ المذكور ولفظه: مَرَّ برجلٍ يُصلِّي وقد أُقيمَت صلاة الصبح، فَكَلَّمَه بشيءٍ لا ندري ما هو، فلمَّ انصَرَفنا أحَطْنا به نقول: ماذا قال لك رسول ◌َّ؟ قال: قال لي: «يُوشِكُ أحدُكم أن يُصلّيَ الصبح أربعاً؟!»، ففي هذا السِّياق ◌ُخالَفةٌ لسياق شُعْبة في كَوْنه ◌َّهَكَلَّمَ الرجل وهو يُصلّي، ورواية شُعْبة تقتضي أنَّ كَلَّمَه بعد أن فَرَغ، ويُمكِنُ الجمعُ بينهما بأنَّه كلَّمه أوَّلاً سِرّاً، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثمَّ كلَّمه ثانياً جَهْراً فسمعوه، وفائدة التّكرار تأكید الإنكار. قوله: ((حدَّثني عبد الرحمن)) هو ابن بشرِ بن الحكم، كما جَزَمَ به ابن عساكرَ، وأخرجه الجوز قيُّ من طريقه. (١) كذا حَسَّنَه الحافظُ مع أن هذه الزيادة تفرّد بها مُسلم بن خالد - وهو الزّنجي - وهو ضعيف عند أكثر الأئمة، وضعَّف زيادته هذه ابن عدي والبيهقي والنووي وغيرهم. (٢) هو الحديث الذي سلف تضعيفه قريباً، وهو عند أحمد (٨٦٢٣)، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٤١٢٨) و(٤١٢٩) من طريق أبي تميم الزهري عن أبي هريرة. أما طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، فهي عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) ٣٧٢/١، والطبراني في «الأوسط)) (٨٦٥٤)، وليس هو عند أحمد من هذا الطريق كما أشار المصنف. ١٥٥ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ أبواب الجماعة والإمامة قوله: ((سمعت رجلاً من الأزْه)) في رواية الأَصِيليِّ: ((من الأَسْد)) بالمهمَلة الساكنة بدلَ الزّاي الساكنة، وهي لغةٌ صحيحٌ. قوله: ((يقال له: مالك ابن بُحَيْنَ)» هكذا يقول شُعْبة في هذا الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عَوَانة وحَمَّاد بن سَلَمة، وحَكَمَ الُفّاظُ: يحيى بن مُعين وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسائيُّ والإسماعيليّ وابن الشَّرْقِي والدَّارَقُطنيّ وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوَهْمِ فيه في موضعين، أحدُهما: أنَّ بُحَينةَ والدة عبد الله لا مالك، وثانيهما: أنَّ الصُّحبة والرواية لعبد الله لا لمالك، وهو عبد الله بن مالك بن القِشْبٍ بكسر القاف وسكون المعجَمة بعدها مُوخَّدةٌ، وهو لَقَبٌّ، واسمه جُندُبُ بن نَضلةَ بن عبد الله. قال ابن سعد: قَدِمَ مالكُ بن القِشْبِ مَّةَ - يعني في الجاهليَّة - فحالَفَ بني المطَّلِبِ بن عبد مَنافٍ، وَتَزَوَّجَ بُحَينةَ بنتَ الحارث بن المطَّلِب / واسمها عَبْدة، ويُحَينةُ لَقَبٌّ، وأدرَكَتْ ١٥٠/٢ بُحَينةُ الإسلام فأسلمَت وصَحِبَت، وأسلمَ ابنُها عبد الله قديماً، ولم يَذكُر أحدٌ مالكاً في الصحابة إلَّا بعضُ من (١) تلقَّاه من هذا الإسناد ممَّن لا تمييزَ له، وكذا أغرَبَ الدَّاووديُّ الشارح فقال: هذا الاختلاف لا يَضُرّ، فأيَّ الرجلَينِ كان فهو صاحبٌ، وحكى ابن عبد البَرِّ اختلافاً في بُحَينةَ هل هي أمُّ عبد الله أو أمُّ مالك؟ والصواب أنَّها أمّ عبد الله كما تقدَّم، فينبغي أن يُكتَبَ ابنُ بُحَينةَ بزيادة ألف، ويُعرَب إعراب عبد الله، كما في عبد الله بن أُيِّ ابنٍ سَلُولَ ومحمد بن عليٍّ ابن الحنفيّة. قوله: «رأی رجلاً» هو عبد الله الراوي كما رواه أحمد (٢٢٩٢٧) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبانَ عنه: أنَّ النبيَّ وَ﴿ مَرَّ به وهو يُصلِّ، وفي روايةٍ أُخرى (٢٢٩٣٤): خرج وابن القِشْبِ يُصلِّي. ووقع لبعض الرُّواة هنا: ((ابن أبي القِشب))، وهو خطأ كما بيَّنْتُه في كتاب الصحابة (٢٦/١). ووقع نحوُ هذه القصّة أيضاً لابنِ عبَّاس قال: كنت أُصلِّي وأخَذَ المؤذِّنُ في الإقامة، فجَذَبَنِي النبيُّ وَّه وقال: ((أتصلِّي الصبح أربعاً؟!)) أخرجه ابن خُزيمة (١١٢٤) وابن حِبَّان (١) تحرف في (س) إلى: ممن. ١٥٦ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري (٢٤٦٩) والبَزّار (٥١٨) والحاكم (١ /٣٠٧) وغيرُهم، فيحتمل تَعدُّدَ القصَّة. قوله: ((لاثَ)) بمثلَّةٍ خفيفة، أي: أدارَ وأحاط. قال ابن قُتِيبةَ: أصلُ اللَّوثِ الطَّي، يقال: لاثَ عِمامتَه: إذا أدارها. قوله: ((به النَّاس)) ظاهره أنَّ الضَّمير للنبيِّ وَّةِ، لكنَّ طريق إبراهيم بن سعد المتقدِّمة تقتضي أنَّه للرجل. قوله: ((الصُّبحَ أربعاً؟!)) بهمزةٍ ممدودة في أوَّله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكار، وأعاده تأكيداً للإنكار. والصبح بالنصب بإضمار فعل تقديرُه: أتصلِّي الصبحَ؟ وأربعاً منصوب على الحال، قاله ابن مالك. وقال الكِرْمانيُّ: على البَدَليَّة، قال: ويجوز رفعُ الصبح، أي: الصبحُ تُصَلَّى أربعاً؟! واختُلِفَ في حِكْمة هذا الإنكار، فقال القاضي عياض وغيره: لئلّا يَتَطاوَل الزمان فيُظَنَّ وجوبُها. ويؤيِّدُه قوله في رواية إبراهيم بن سعد: ((يُوشِك أحدُكم))، وعلى هذا إذا حَصَلَ الأمنُ لا يُكرَه ذلك، وهو مُتَعقَّبٌ بعموم حديث الترجمة. وَقيل: لئلا تَلْتَبِس صلاة الفرض بالنَّفل. وقال النَّوَويُّ: الحِكْمةُ فيه أن يَتَفَرَّغَ للفريضة من أوَّلها فيَشرَعَ فيها عَقِبَ شُروع الإمام، والمحافظةُ على مُكمِّلات الفريضة أولى من التَّشاغُل بالنافلة. انتهى، وهذا يليق بقول مَن يَرَى بقضاء النافلة، وهو قولُ الجمهور، ومن ثَمَّ قال مَن لا يَرَى بذلك: إذا عَلِمَ أنَّه يُدرِكُ الرَّكعة الأولى مع الإمام. وقال بعضهم: إن كان في الأخيرة لم يُكرَه له التَّشاغُل بالنافلة، بشرطِ الأمن من الالتباس كما تقدَّم، والأوَّل عن المالكيَّة، والثاني عن الحنفيّة، ولهم في ذلك سَلَفٌ عن ابن مسعود وغيره. وكأنَّهم لمَّا تَعارَضَ عندهم الأمر بتحصيل النافلة والنَّهي عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرينِ بذلك. وذهب بعضهم إلى أنَّ سبب الإنكار عدمُ الفَصْل بين الفرض والنَّفْل لئلّا يَلْتَبِسا، وإلى ١٥٧ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ أبواب الجماعة والإمامة هذا جَنَحَ الطَّحاويُّ واحتَجَّ له بالأحاديث الواردة بالأمرِ بذلك، ومُقتَضاه أنَّه لو كان في زاوية المسجد لم يُكرَه، وهو مُتَعقَّبٌ بما ذُكِرٍ، إذ لو كان المراد مُجرَّدَ الفَصْل بين الفرض والنَّقْل لم يَحصُل إنكارٌ أصلاً، لأنَّ ابن بُحَينةَ سَلَّمَ من صلاته قطعاً ثمَّ دخل في الفرض، ويدلُّ على ذلك أيضاً حديث قيسٍ بن عَمْرو الذي أخرجه أبو داود وغيرُه(١): أنَّه صلَّى ركعتَي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلمَّا أخبر النبيَّ ◌َّ حين سألَه لم يُنكِرِ عليه قضاءَهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها، فدلَّ على أنَّ الإنكار على ابن بُحَينةَ إِنَّما كان للتنفُّلِ حالَ صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة. وقد فهمَ ابن عمر اختصاص المنع بمَن يكون في المسجد لا خارجاً عنه، فصَحَّ عنه أنَّه كان يَحِصِبُ مَن يتنفَّل في المسجد بعد الشُّروع في الإقامة، وصَحَّ عنه أنَّه قَصَدَ المسجد فسمع الإقامة فصلَّ ركعتَي الفجر في بيت حفصة ثمَّ دخل المسجد فصلّى مع الإمام(٢). قال ابن عبد البَرِّ وغيره: الحُجَّةُ عند التَّنَازُعِ السُّنَّةُ، فمَن أدلى بها فقد أفلَح، وتركُ التنقُّل عند إقامة الصلاة، وتَدارُكُها بعد/ قضاء الفرض أقربُ إلى اتّباع السُّنَّة، ويتأيَّد ذلك ١٥١/٢ من حيثُ المعنى بأنَّ قوله في الإقامة: ((حيَّ على الصلاة)) معناه: هَلُمّوا إلى الصلاة، أي: التي يقام لها، فأسعَدُ الناس بامتثال هذا الأمر مَن لم يتشاغل عنه بغيره، والله أعلم. واستدلَّ بعموم قوله: ((فلا صلاة إلَّا المكتوبة)) لمن قال: يقطعُ النافلةَ إذا أُقيمَت الفريضة، وبه قال أبو حامد وغيرُه من الشافعيَّة، وخَصَّ آخرون النَّهيَ بمَن يُنشِئ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَ نَبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد:٣٣]، وقيل: يُفرَّقُ بين مَن يخشى فَوْتَ الفريضة في الجماعة فيقطعُ وإلّا فلا. واستُدِلَّ بقوله: (التي أُقيمت))(٣) بأنَّ المأموم لا يُصلِّ فرضاً ولا نَفْلاً خلف مَن يُصلِّي (١) أخرجه أحمد (٢٣٧٦٠)، وأبو داود (١٢٦٧)، وابن ماجه (١١٥٤)، والترمذي (٤٢٢). (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٣٢/٥ غير أن في إسناده عبد الكريم بن أبي المُخارِق، وهو ضعيف، لكن أخرج عبد الرزّاق (٤٠١٧) بإسناد صحيح بلفظ: كان ابنُ عمر إذا أقيمتِ الصلاة وهو في الطريق، صلّاها في الطريق. (٣) لكن سلف أن هذه اللفظة في الحديث لا تصح، فبطل الاستدلال بها. ١٥٨ باب ٣٨ / ح ٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري فرضاً آخر، كالظُّهر مثلاً خلف مَن يُصلِّي العصر، وإن جازت إعادة الفرض خلف مَن يُصلِّ ذلك الفرض. قوله: ((تابَعَه غُندَرٌ ومعاذٌ عن شُعْبة في: مالكٍ)) أي: تابَعا بهزَ بنَ أسدٍ في روايته عن شُعْبة بهذا الإسناد، فقالا: عن مالك ابن بُحَينة، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((عن شُعْبة عن مالك)) أي: بإسناده، والأوَّل: يقتضي اختصاص المتابعة بقوله: ((عن مالك ابن بُحَينة)) فقط، والثاني: يَشمَل جميع الإسناد والمتن، وهو أولى لأنَّه الواقع في نفس الأمر. وطريق غُندَر وَصَلَها أحمد في ((مسنده)) (٢٢٩٢٨) عنه كذلك، وطريق معاذٍ - وهو ابن معاذِ العَنْبرِيُّ البصريُّ - وَصَلَها الإسماعيليّ(١) من رواية عبيد الله بن معاذٍ عن أبيه، وقد رواه أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده)) (١٤٤١) عن شُعْبة (٢)، وكذا أخرجه أحمد (٣) عن يحيى القَطّان وحَجّاج، والنَّسائيُّ(٤) من رواية وَهْب بن جَرِير، والإسماعيليّ من رواية يزيد ابن هارون، كلُّهم عن شُعْبة كذلك. قوله: ((وقال ابن إسحاقَ)) أي: صاحب ((المغازي)) ((عن سعد)) أي: ابن إبراهيم، وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الرَّاجحةُ. قوله: ((وقال حمَّاد)) يعني: ابن سَلَمة، كما جَزَمَ به المِزِّيُّ وآخرون، وكذا أخرجه الطَّحاويُّ (١/ ٣٧٢) وابن مَندَهُ موصولاً من طريقه، ووَهِمَ الكِرْمانيُّ في زَعمِه أنَّه حمّاد بن زيد، والمراد أنَّ حَمَّاداً وافَقَ شُعْبة في قوله: عن مالك ابن بُحَينة. وقد وافَقَهما أبو عَوَانة فيما أخرجه الإسماعيليّ عن جعفر الفِريابيِّ عن قُتيبةَ عنه، لكن أخرجه مسلم (٦٦/٧١١) والنَّسائيُّ (٧٦٨) عن قُتيبةَ فوقع في روايتهما: ((عن ابن بُحَينةَ)» مُبهَماً، وكأنَّ ذلك وقع من قُتيبة في وقتٍ عمداً ليكون أقربَ إلى الصواب. (١) ومن طريقه أخرجه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٧٩/٢. (٢) غير أنه جاء فيه: عن ابن بحينة، لم يُسمّه. (٣) أما طريق يحيى القطان فهي عنده برقم (٢٢٩٢١)، وأما طريق حجاج فبرقم (٢٢٩٢٨). (٤) وعزاه للنسائي أيضاً المزي في ((تحفة الأشراف)) (٩١٥٥). ١٥٩ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ أبواب الجماعة والإمامة قال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: ((عبد الله ابن بُحَينَ))، وأهل العراق يقولون: «مالك ابن بُحینة))، والأوَّل هو الصواب. انتھی، فیحتمل أن یکون السَّهو فيه من سعد بن إبراهيم لمَّا حدَّث به بالعراق. وقد رواه القَعْنبيُّ عن إبراهيم بن سعد على وجهٍ آخرَ من الوَهْم قال: ((عن عبد الله بن مالك ابنِ بُحَينةَ عن أبيه))، قال مسلم في ((صحيحه)) (٦٥/٧١١): قوله ((عن أبيه)) خطأ. انتهى، وكأنَّه لمَّا رأى أهل العراق يقولون: عن مالك ابن بُحَينة، ظنَّ أنَّ رواية أهل المدينة مُرسَلة فوَهِمَ في ذلك، والله أعلم. ٣٩- باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة ٦٦٤- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيم، عنٍ: الأسودِ، قال: كنَّا عندَ عائشةَ رضي الله عنها، فذَكَرْنا المواظَّةَ على الصلاة والتَّعْظِيمَ لها، قالت: لمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ وَِّ مرضه الذي ماتَ فيه، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فَأَذِّن، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) فِقِيلَ له: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ، إذا قامَ في مَقامكَ لم يَسْتَطِعْ أنْ يُصلَِّّ بالنَّاس، وأعادَ فأعادُوا له، فأعادَ الثالثةَ، فقال: ((إنكنَّ صواحبُ يوسفَ، مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاس)) فخرج أبو بكرٍ فصَلَّى، فَوَجَدَ النبيُّ ◌َّهِ مِن نَفْسِه ◌ِفَةً، فخرج يُهَادَى بينَ رجلَينٍ، / كأنّي أنظُرُ رِجْلَيه تَخُطّان الأرضَ من الوَجَعِ، فأراد أبو بكرٍ أنْ يتأخّر، ١٥٧/٢ فأومَأْ إليه النبيُّ ◌َّهِ: أنْ مكانَك، ثمّ أُتيَ به حتَّى جَلَسَ إلى جَنْبِهِ. فقيل للأعمَشِ: وكان النبيُّ ◌َّهِ يُصلّى، وأبو بكرٍ يُصلِّي بصلاته، والنَّاسُ يُصلُّونَ بصلاةٍ أبي بكرٍ؟ فقال برَأْسِه: نَعَم. رواه أبو داودَ، عن شُعْبة، عن الأعمَشِ، بعضه. وزاد أبو معاويةً: جَلَسَ عن يسارِ أبي بكرٍ، فكان أبو بكرٍ يُصلِّي قائماً. قوله: ((باب حَدّ المريض أنْ يشهدَ الجماعة)) قال ابن التِّن تَبَعاً لابنِ بطَّالٍ: معنى الحَدّ هنا: الحِدَّةِ، وقد نَقَلَه الكِسائي، ومثله قول عمرَ في أبي بكرٍ: «كنت ◌ُداري(١) منه بعض (١) تحرفت في (س) إلى: أرى. وسيأتي قول عمر هذا في حديث ابن عباس الآتي عند البخاري (٦٨٣٠). ١٦٠ باب ٣٩ / ح ٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري الحَدّ)) أي: الحِدَّة، قال: والمراد به هنا: الحضُّ على شهود الجماعة، قال ابن التِّين: ويَصِحُ أن يقال: هنا ((جِدٌّ) بكسر الجيم: وهو الاجتهاد في الأمر، لكن لم أسمع أحداً رواه بالجيم. انتهى، وقد أثبَتَ ابن قُرقولٍ رواية الجيم وعَزَاها للقابِسيّ. وقال ابن رُشَيد: إنَّما المعنى ما يُحُدُّ للمريضِ أن يشهد معه الجماعة، فإذا جاوَزَ ذلك الحَدَّ لم يُستَحبَّ له شهودُها. ومُناسَبة ذلك من الحديث خروجه وَّ مُتوكُّئاً على غيره من شِدَّة الضَّعف، فكأنَّه يشيرُ إلى أنَّه مَن بلغَ إلى تلك الحال لا يُستَحبُّ له تكلُّفُ الخروج للجماعة إلَّ إذا وَجَدَ مَن يَتوكَّأُ عليه. وأنَّ قوله في الحديث الماضي (٦٥٤): ((لَأَتَوهما ولو حَبْواً)) وقع على طريق المبالغة لا لمشروعيّة الخَبْو لمن لا يقدر على المشي(١)، قال: ويُمكِنُ أن يقال: معناه: باب الحدّ الذي للمريضِ أن يأخذ فيه بالعزيمة في شهود الجماعة. انتهى مُلخَّصاً. قوله: ((مرضه الذي ماتَ فيه)) سيأتي الكلام عليه مُبيّناً في آخر المغازي (٤٤٤٢) في سببه ووقتِ ابتدائه وقدره، وقد بيَّن الزُّمريُّ في روایته ۔ کما في الحدیث الثاني من هذا الباب - أنَّ ذلك كان بعد أن اشتَدَّ به المرض واستقرَّ في بيت عائشة. قوله: ((فحَضَرَتِ الصلاة)) هي العشاء كما في رواية موسى بن أبي عائشةَ الآتية قريباً (٦٨٧) في ((باب إنَّمَا جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به))، وسنذكر هناك الخلافَ في ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: ((فأَذِّنَ)) بضمِّ الهمزة على البناء للمفعول، وفي رواية الأَصِيليِّ: ((وأُذِن)) بالواو، وهو أوجَه، والمراد به أذان الصلاة. ويحتمل أن يكون معناه: أُعلِم، ويقوِّيه رواية أبي معاوية عن الأعمَش الآتية (٧١٣) في ((باب الرجل يأتمُّ بالإمام)» ولفظه: جاءَ بلال يُؤذِنُه بالصلاة. واستُفيدَ منه تسمية المبهم. وسيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة: أنَّه ◌ِ لّ بدأ بالسُّؤال عن حضور وقت الصلاة، وأنَّه أراد أن يَتَهيَّأ للخروج إليها فأغمي عليه ... الحديث. قوله: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ)) استُدلَّ به على أنَّ الآمِرِ بالأمرِ بالشيءٍ يكون آمِراً به، وهي (١) من قوله: ((لا لمشروعية)) إلى هنا، من (ع) وحدها.