النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
باب ٢٨ / ح ٦٤٣
أبواب الأذان
بمصلحة الصلاة كان الاستدلال بالأوَّلِ أظهَرُ في جواز الكلام مُطلَقاً، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعةٍ وأربعينَ حديثاً:
المعلَّق منها ستَّةُ أحاديث، المكرَّر فيه وفيما مضى ثلاثةٌ وعشرون والخالصُ أربعةٌ وعشرون،
وافَقَه مسلم على تخريجها سوى أربعة أحاديثَ: حديث أبي سعيد: ((لا يسمع مَدى صوت
المؤذِّن))، وحديث معاويةَ وجابر في القول عند سماع الأذان، وحديث بلال في جعْلِ إصبعيه
في أُذنيه.
وفيه من الآثار عن الصحابة ومَن بعدهم ثمانيةُ آثار، والله أعلم.

١٠٣
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب الجماعة والإمامة
ولم يُفرِده البخاري بكتابٍ فيما رأينا من نُسَخِ كتابه، بل أتبَعَ به كتابَ الأذان لتَعُّقِه به،
لكن تَرجَمَ عليه أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج)): كتاب صلاة الجماعة، فلعلّها رواية شيخه أبي
أحمد الجُرْجانيّ.
٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
وقال الحسنُ: إنْ مَنَعتْه أُّه عن العِشاءِ في الجماعةِ شَفَقَةً لم يُطِعْها.
٦٤٤ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((والذي نَفْسي بيدِه، لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُخْطَبَ، ثمَّ
آمُرَ بالصلاة فيُؤْذَّنَ لها، ثمَّ آمُرَ رجلاً فيؤمَّ النَّاس، ثمَّ أُخالفَ إلى رجالٍ فَأَحرِّقَ عليهم بيوتهم،
والذي نَفْسي بيدِه لو يعلمُ أحدُهم أنَّه يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أو مِرْماتَينِ حسنتَينِ لَشَهِدَ العِشاءَ)).
[أطرافه في: ٦٥٧، ٢٤٢٠، ٧٢٢٤]
قوله: ((باب وجوب صلاة الجماعة)) هكذا بَتَّ الحُكمَ في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوَّة
دليلها عنده، لكن أطلَقَ الوجوب وهو أعمُّ من كَوْنه وجوب عينٍ أو كِفاية، إلَّا أنَّ الأثر
الذي ذكره عن الحسن يُشعِر بكَونِه يريد أنَّه وجوبُ عين، لما عُرِفَ من عادتِه أنَّه يستعمل
الآثار في التَّراجم لتوضيحِها وتكميلها وتعيين أحد المحتملات في حديث الباب، وبهذا
يجاب مَن اعتَرَضَ عليه بأنَّ قول الحسن يُستَدَلّ له لا به، ولم يُنبِّه أحد من الشُّاح على مَن
وَصَلَ أثرَ الحسن(١)، وقد وجدتُه بمعناه وأتمَّ منه وأصرَحَ في كتاب ((الصيام)) للحسينِ بن
الحسن المَرَوَزيّ بإسنادٍ صحيح عن الحسن: في رجل يصوم - يعني تطوُّعاً - فتأمُرُه أمّه أن
(١) نبّه عليه قبلَه ابنُ رجب في ((شرحه)) ٧/٤، وعزاه لإبراهيم الحربي في كتاب ((البر)).

١٠٤
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
يُفطِر، قال: ليُفطِرْ ولا قضاءَ عليه، وله أجر الصوم وأجر البِرّ، قيل: فتنهاه أن يُصلِّيَ العشاء
في جماعة، قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.
١٢٦/٢ وأمَّا حديث الباب فظاهر في كونها فرضَ عين، لأنَّها لو كانت سُنَّة لم يُهدِّد تاركها
بالتحريق، ولو كانت فرضَ كِفاية لكانت قائمة بالرسول ومَن معه. ويحتمل أن يقال:
التَّهديد بالتحريق المذكور يُمكِن أن يقع في حقٌّ تاركي فرضِ الكفاية كمشروعيَّة قتال
تاركي فرضَ الكفاية، وفيه نظرٌ، لأنَّ التحريق الذي قد يُفضي إلى القتل أخصّ من المقاتلة،
ولأنَّ المقاتلة إنَّا تُشرَع فيما إذا تَمَالَأ الجميع على التَّرك.
وإلى القول بأنَّا فرضُ عين ذهب عطاء والأوزاعيُّ وأحمد، وجماعة من مُحدِّثي
الشافعيَّة كأبي ثور وابن خُزَيمة وابن المنذر وابن حِبَّن، وبالغَ داودُ ومَن تَّبِعَه فجعلها
شرطاً في صِحَّة الصلاة، وأشارَ ابن دَقِيق العيد إلى أنَّه مبنيٌّ على أنَّ ما وَجَبَ في العبادة كان
شرطاً فيها، فلما كان الهَمُّ المذكور دالًّا على لازمه وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً
على لازمه وهو الاشتراط، ثَبَتَ الاشتراط بهذه الوسيلة، إلّا أنَّه لا يَتِمُّ إلَّ بتسليم أنَّ ما
وَجَبَ في العبادة كان شرطاً فيها، وقد قيل: إنَّه الغالب. ولمَّا كان الوجوب قد يَنفَقُّ عن
الشَّرطيَّة قال أحمد: إنَّها واجبة غير شرط، انتهى.
وظاهر نصِّ الشافعيّ أنَّها فرضُ كِفاية، وعليه جمهور المتقدِّمينَ من أصحابه، وقال به
كثير من الحنفيَّة والمالكيَّة، والمشهور عند الباقين أنَّهَا سُنَّة مؤكّدة، وقد أجابوا عن ظاهر
حديث الباب بأجوبةٍ: منها ما تقدَّم.
ومنها - وهو ثانيها :- ونَقَلَه إمام الحرمينِ عن ابن خُزيمة، والذي نَقَلَه عنه النَّوَويّ
الوجوبُ حَسبَما قال ابن بَزِيزةَ: إنَّ بعضهم استَبَطَ من نفس الحديث عدم الوجوب،
لِكَونِهِ وَّلِ هَمَّ بِالتَّوَجُّه إلى المتخلِّفينَ، فلو كانت الجماعة فرضَ عين ما هَمَّ بتركِها إذا تَوَجَّه.
وتُعُقِّبَ بأنَّ الواجب يجوز تركُه لما هو أوجَبُ منه. قلت: وليس فيه أيضاً دليل على أنَّه لو
فعل ذلك لم يَتَدارَكْها في جماعة آخرين.

١٠٥
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
ومنها - وهو ثالثها - ما قال ابن بَطَّالٍ وغيره: لو كانت فرضاً لقال حين تَوَعَّدَ
بالإحراق: مَن تَخَلَّفَ عن الجماعة لم تُجزِئه صلاته، لأنَّه وقت البيان. وتعقّبه ابن دقيق العيد
بأنَّ البيان قد يكون بالتَّنصيصِ وقد يكون بالدلالة، فلما قال وَّ: ((لقد هَمَمت ... )) إلى
آخره، دلَّ على وجوب الحضور، وهو کافٍ في البيان.
ومنها - وهو رابعها - ما قال الباجيُّ وغيره: إنَّ الخبر وَرَدَ مَورِدَ الَّجر وحقيقته غیر
مرادة، وإنَّما المراد المبالغة، ويُرشِد إلى ذلك وعيدُهم بالعقوبة التي يُعاقَب بها الكفّار، وقد
انعَقَدَ الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأُجيبَ بأنَّ المنع وقع بعد نَسخِ التَّعذيب
بالنار، وكان قبل ذلك جائزاً بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد (٣٠١٦) الدالٌّ على
جواز التحريق بالنار ثمَّ على نَسخِه، فحملُ التَّهديد على حقيقته غير مُمتَنِعِ.
ومنها - وهو خامسها - كَوْنه وَّ لِ تركَ تحريقهم بعد التَّهديد، فلو كان واجباً ما عَفَا
عنهم، قال القاضي عياض ومَن تَبِعَه: ليس في الحديث حُجَّة، لأنَّه عليه الصلاة والسلام
هَمَّ ولم يفعل، زاد النَّوَويّ: ولو كانت فرضَ عين لمَا تركَهم، وتعقّبه ابن دقيق العيد
فقال: هذا ضعيف، لأنَّه وَّهِ لا يَهمّ إلَّا بما يجوز له فعلُه لو فَعَلَه، وأمَّا الَّرك فلا يدلُّ على
عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزَجَروا بذلك وتركوا التخلُّف الذي ذَمَّهم بسببه، على
أنَّه قد جاءَ في بعض الطُّرق بيان سبب التَّرك، وهو فيما رواه أحمد (٨٧٩٦) من طريق سعيد
المَقبُريِّ عن أبي هريرة بلفظ: ((لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرّيَّة، لَأَقَمت صلاة
العشاء، وأمَرتُ فِتياني يُحرِّقون)) الحديث(١).
ومنها - وهو سادسها - أنَّ المراد بالتَّهديد قوم تركوا الصلاة رأساً لا مُجرَّد الجماعة،
وهو مُتَعقَّبٌ بأنَّ في رواية مسلم (٢٥٢/٦٥١): ((لا يشهدون الصلاة)) أي: لا يَحِضُرون،
وفي رواية عَجْلانَ عن أبي هريرة عند أحمد (٧٩١٦): ((لا يشهدون العشاء في الجميع)) أي:
في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجَهْ (٧٩٥) مرفوعاً: ((لِيَنْتَهِيَنَّ رجال عن
(١) لكن في إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّنْدي، وهو ضعيف.

١٠٦
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
تركِهم الجماعات، أو لَأُحرِّفَنَّ بيوتهم)).
ومنها - وهو سابعها - أنَّ الحديث وَرَدَ في الحثّ على مُخالَفة فعل أهل النِّفاق، والتَّحذير
من التشبُّه بهم، لا لخصوصِ تركِ الجماعة، فلا يَتِمُّ الدليل، أشارَ إليه الَّين بن المنيِّرِ، وهو
قريب من الوجه الرَّابع.
١٢٧/٢ ومنها - وهو ثامنها - أنَّ الحديث وَرَدَ في حقِّ المنافقين، فليس التَّهديد لتركِ الجماعة
بخصوصِه، فلا يَتِمّ الدليل، وتُعُقِّبَ باستبعاد الاعتناء بتأديبِ المنافقين على تركِهم الجماعة
مع العلم بأنَّه لا صلاة لهم، وبأنَّه كان مُعرِضاً عنهم وعن عقوبتهم مع عِلمه بطَوِيَّتهم، وقد
قال: ((لا يَتَحَدَّث الناس أنَّ محمداً يَقتُل أصحابه))(١). وتعقّب ابنُ دَقِيق العيد هذا التَّعقيب
بأنَّه لا يَتِمُّ إلَّا إن ادُّعِيَ أنَّ تركَ مُعاقَبة المنافقين كان واجباً عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا
ثَبَتَ أَنَّه كان مُخيَّراً، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب تركِ عقوبتهم، انتهى.
والذي يظهر لي أنَّ الحديث وَرَدَ في المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة
أبواب (٦٥٧): ((ليس صلاةٌ أثقَلَ على المنافقين من العشاء والفجر)) الحديث، ولقوله: ((لو
يعلم أحدُهم ... )) إلى آخره. لأنَّ هذا الوصف لائق بالمنافق لا بالمؤمنِ الكامل، لكن المراد
به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عَجْلانَ: ((لا يشهدون العشاء في
الجميع))، وقوله في حديث أُسامة: ((لا يشهدون الجماعة))(٢)، وأصرَح من ذلك قوله في
رواية يزيد بن الأصَمّ عن أبي هريرة عند أبي داود (٥٤٩): «ثمَّ آتي قوماً يُصلُّون في بيوتهم
ليست بهم عِلَّة))، فهذا يدلُّ على أنَّ نِفاقهم نِفاق معصية لا كُفر، لأنَّ الكافر لا يُصلِّ في بيته
إنَّما يُصلِّي في المسجد رياءً وسُمعة، فإذا خَلا في بيته كان كما وَصَفَه الله تعالى به من الكفر
والاستهزاء، نَبَّهَ عليه القُرطبيّ.
وأيضاً فقوله في رواية المَقبُريِّ: ((لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرِّيَّة)) (٣) يدلُّ على
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٣٥١٩).
(٢) وقد سلف تخريجهما قريباً.
(٣) وقد سلف تخريجه قريباً، وبيّنا أن إسناده ضعيف.

١٠٧
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
أنَّهم لم يكونوا كفَّاراً، لأنَّ تحريق بيت الكافر إذا تَعيَّنَ طريقاً إلى الغَلَبة عليه، لم يمنع ذلك
وجودُ النِّساء والذُّرِّيَّة في بيته.
وعلى تقدير أن يكون المراد بالنِّفاق في الحدیث نِفاق الكفر، فلا يدلُّ على عدم الوجوبُ،
لأَنَّه يتضمَّن أَنَّ ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نُهينا عن التشبُّه بهم، وسياق الحديث
يدلُّ على الوجوب من جهة المبالغة في ذَمّ مَن تَّخَلَّفَ عنها، قال الطّيبيّ: خروج المؤمن من
هذا الوعيد ليس من جهة أنَّهم إذا سمعوا النِّداء جاز لهم التخلّف عن الجماعة، بل من جهة
أنَّ التخلُّف ليس من شأنهم بل هو من صِفات المنافقين، ويدلَّ عليه قول ابن مسعود: لقد
رأيتُنا وما يتخلَّف عن الجماعة إلا منافق، رواه مسلم (٦٥٤)، انتهى كلامه ..
وروى ابن أبي شَيْبة (٣٣٢/١) وسعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن أبي عُمَير بن أنس
قال: حدَّثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله وَليه: ((ما يشهدهما منافق)) يعني
العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدلُّ على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه، لانتفاء أن يكون
المؤمن قد يتخلَّف، وإنَّما وَرَدَ الوعيد في حقِّ مَن تَخَلَّفَ، لأنّ أقول: بل هذا يقوِّي ما ظَهَرَ لي
أوَّلاً أنَّ المراد بالنِّفاق نِفاق المعصية لا نِفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل
لا العاصي الذي يجوز إطلاق النِّفاق عليه مجازاً، لما دلَّ عليه مجموعُ الأحاديث.
ومنها - وهو تاسعها - ما ادَّعاه بعضهم أنَّ فرضيَّة الجماعة كان في أوَّل الإسلام لأجلِ
سَدّ باب التخلّف عن الصلاة على المنافقين ثمَّ نُسِخَ، حكاه عياض. ويُمكِنُ أن يتقوَّى
بثبوتِ نَسْخِ الوعيد المذكور في حقُّهم، وهو التحريق بالنار كما سيأتي واضحاً في كتاب
الجهاد (٣٠١٦)، وكذا ثبوت نَسْخِ ما يتضمَّنُه التحريق من جواز العقوبة بالمال.
ويدلُّ على النَّسخ الأحاديثُ الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ كما سيأتي
بيانه في الباب الذي بعد هذا، لأنَّ الأفضليَّة تقتضى الاشتراكَ في أصل الفضل، ومن لازم
ذلك الجواز.
ومنها - وهو عاشرها -: أنَّ المراد بالصلاة الجمعة لا باقي الصَّلَوات، ونَصَرَه

١٠٨
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
القُرطبي(١)، وتُعُقِّبَ بالأحاديث المصرِّحة بالعشاء، وفيه بحثٌ، لأنَّ الأحاديث اختلفت
في تعيين الصلاة التي وقع التَّهديدُ بسببها هل هي الجمعة، أو العشاء، أو العشاء والفجر
معاً؟ فإن لم تكن أحاديثَ مختلفةً، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وقفَ الاستدلال(٢)،
لأنَّه لا يَتِمّ إلَّا إن تَعيَّنَ كَونُها غير الجمعة، أشارَ إليه ابن دَقِيق العيد(٣)، ثمّ قال: فليُتْأمَّل
الأحاديث الواردة في ذلك، انتهى.
١٢٨/٢ وقد تأمَّلتُها فرأيت التَّعيين وَرَدَ في حديث أبي هريرة، وابن أمّ مكتوم وابن مسعود، أمّا
حديث أبي هريرة فحديث الباب من رواية الأعرَج عنه يُومِىُّ إلى أنَّها العشاء لقوله في
آخره: «لَشَهِدَ العشاء)»، وفي رواية مسلم (٢٥١/٦٥١): ((يعني العشاء))، ولهما (٤) من رواية
أبي صالح عنه أيضاً الإيماءُ إلى أنَّها العشاء والفجر، وعَيَّنها السرَّاج(٥) في رواية له من
هذا الوجه العشاءَ، حيثُ قال في صدر الحديث: أخَّرَ العشاء ليلةً فخرج فوَجَدَ الناس
قليلاً فغَضِب، فذكر الحديث، وفي رواية ابن حِبَّان (٢٠٩٧) من هذا الوجه: ((يعني
الصلاتَينِ العشاء والغَداة))، وفي رواية عَجْلانَ والمَقبُريّ عند أحمد (١٩١٦ و٨٧٩٦)
التصريحُ بتعيين العشاء، ثمَّ سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورَدَه مسلم
(١) في كتابه: ((المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم))، وكلامه هذا فيه، وتحرف في (ع) إلى: الذهبي.
(٢) في (أ): وإلا وقف الاستدلال، بزيادة ((إلا))، وهذا لا يتفق مع سياق الكلام، حيث ينعكس المعنى بزيادة
(إلا))، فيصبح: فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض أمكن الاستدلال، وإلا
وقف. وهذا خطأ، لأنه إذا لم يكن بعضها أرجح من بعض لا يمكن الاستدلال، لتساقط الأدلة حينئذٍ،
على أنه في اختصار الحافظ هنا لكلام ابن دقيق العيد ما يحتاج إلى توضيح سنبينه.
(٣) ونص عبارة ابن دقيق العيد في كتابه: ((إحكام الأحكام)) ١/ ١١٨ : فإن كانت أحاديثَ مختلفةً قيل بكل
واحد منها، وإن كان حديثاً واحداً اختلف فيه الطرق فقد يتم هذا الجواب إن عدم الترجيح بين بعض
تلك الروايات وبعض، وعدم إمكان أن يكون الجميع مذكوراً فترك بعضُ الرواة بعضَه ظاهراً، بأن
يقال: إن النبي ◌ُّير أراد إحدى الصلاتين، أعني الجمعة أو العشاء - مثلاً - فعلى تقدير أن تكون هي
الجمعة لا يتم الدليل، وعلى تقدير أن تكون هي العشاء يتم، وإذا تردد الحالُ وقف الاستدلالُ.
(٤) البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢).
(٥) في «مسنده» (٦٨٩).

١٠٩
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
(٢٥٣/٦٥١) من طريق وكيع عن جعفر بن بُرقانَ عن يزيد بن الأصَمّ عنه، فلم يَسُق
لفظه، وساقه التِّرمِذيّ (٢١٧) وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرَّاج
وغيره عن طرق عن جعفر.
وخالَفَهم مَعمَر عن جعفر فقال: ((الجمعة))، أخرجه عبد الرزاق (١٩٨٦) عنه(١)،
والبيهقيّ (٥٦/٣) من طريقه، وأشارَ إلى ضعفها لشُذوذِها، ويدلُّ على وَهِه فيها رواية أبي
داود (٥٤٩) والطَّبراني في «الأوسط)) (١٠٦٥) من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد
بن الأصَمّ، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصَمّ: يا أبا عَوف، الجمعةَ عَنَى أو
غيرَها؟ قال: صُمَّت أُذُنايَ إن لم أكُن سمعت أبا هريرة يأْثُرُه عن رسول الله ێ، ما ذكر
جمعة ولا غيرها. فظَهَرَ أنَّ الرَّاجح في حديث أبي هريرة أنَّها لا تَخْتَصُّ بالجمعة.
وأمَّا حديث ابن أمّ مكتوم فسأذكره قريباً وأنَّه موافق لأبي هريرة.
وأمَّا حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم (٦٥٢)، وفيه الجَزْم بالجمعة، وهو حديث
مُستَقِلّ، لأنَّ ◌َخَرَجه مُغايِرٍ لحديث أبي هريرة، ولا يَقدَح أحدهما في الآخِرِ، فيُحمَل على
أَهما واقعتان، كما أشارَ إليه النَّوَويّ والمحِبّ الطَّبَري.
وقد وافَقَ ابنُ أمّ مكتوم أبا هريرة على ذِكْر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خُزَيمة
(١٤٧٩) وأحمد (١٥٤٩١) والحاكم (٢٤٧/١) من طريق خُصَين بن عبد الرحمن عن
عبد الله بن شدَّاد عن ابن أمّ مكتوم: أنَّ رسول الله وَّهِ استَقبَلَ الناس في صلاة العشاء
فقال: ((لقد هَمَمتُ أن آتيَ هؤلاء الذين يتخلَّفون عن الصلاة فأُحرِّقَ عليهم بيوتهم)) فقامَ
ابن أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله، قد عَلِمتَ ما بي، وليس لي قائد - زاد أحمد: وإنَّ بيني
وبين المسجد شجراً ونَخلاً، ولا أقدر على قائد كلَّ ساعة - قال: ((أتَسمَعُ الإقامة؟)) قال:
نَعَم. قال: «فاحضُرها)) ولم يُرخّص له، ولابنِ حِبّان (٢٠٦٣) من حديث جابر قال:
(أَتَسمَعُ الأذان؟)) قال: نَعَم، قال: ((فَأْتِها ولو حَبْواً).
(١) لكنه لم يسُق لفظه، وساقه البيهقي من طريق عبد الرزاق، فذكرها.

١١٠
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد حمله العلماء على أنَّه كان لا يَشُقّ عليه التصرُّف بالمشي وحده ككثيرٍ من العُميان.
واعتمد ابن خُزَيمة وغيره حديث ابن أمّ مكتوم هذا على فَرْضيّة الجماعة في الصَّلَوات كلّها،
ورَجَّحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالّة على الرُّخصة في التخلّف عن الجماعة، قالوا:
لأنَّ الرُّخصة لا تكون إلَّا عن واجب، وفيه نظرٌ، ووراء ذلك أمر آخر ألزَمَ به ابنُ دَقِيق العيد
مَن يَتمسَّك بالظاهر ولا يتقيَّد بالمعنى، وهو أنَّ الحديث وَرَدَ في صلاة مُعيَّنَةٍ، فيدلُّ على
وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشارَ إلى الانفصال عنه بالتمسُّكِ بدلالة العموم، لكن
١٢٩/٢ نُوزِعَ في كون القول بما ذُكِرَ أوَّلاً ظاهريَّة مَخْضة، فإنَّ قاعدة حمل المطلق على المقيَّد تقتضيه،/
ولا يَستَلِزِم ذلك تركَ اتِباع المعنى، لأنَّ غير العشاء والفجر مَظِنَّة الشُّغل بالتَّكَسُّبِ وغيره،
أمَّا العصران فظاهر، وأمَّا المغرب فلأنَّها في الغالب وقتُ الرجوع إلى البيوت والأكل، ولا
سيَّما للصائمِ مع ضِيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر فليس للمُتَخلِّفِ عنهما عُذر غير
الكَسَل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضاً انتظام الأُلفة بين المتجاورين في طرفي
النهار، وليَختِموا النهار بالاجتماع على الطّاعة ويَفْتَتِحوه كذلك.
وقد وقع في رواية عَجْلانَ عن أبي هريرة عند أحمد (٧٩١٦) تخصيص التَّهديد بمَن
حولَ المسجد، وسيأتي توجيه كون العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما. وقد
أَطَلْتُ في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل
بالوجوب عَشَرة أجوبة لا تُوجَد مجموعة في غير هذا الشَّرح.
قوله: ((عن الأعرج)) في رواية السرَّاج (٦٨٦) من طريق شعيب عن أبي الزناد سمع
الأعرَجَ.
قوله: ((والذي نَفْسي بيدِه)) هو قَسَمٌ كان النبيّ وَِّ كثيراً ما يُقْسِمُ به، والمعنى: أنَّ أمرَ
نُفوس العباد بيدِ الله تعالى، أي: بتقدیرِه وتَدبیره(١).
(١) وذلك لأنه سبحانه مالكُها والمتصرف فيها. وفي ذلك من الفوائد مع ما ذكر إثبات اليد لله سبحانه على
الوجه الذي يليق به، كالقول في سائر الصفات، وهو سبحانه مُنَّه عن مشابهة المخلوقات في كل شيء،
موصوف بصفات الكمال اللائق به، فتنبه. (س).

١١١
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
وفيه جواز القَسَم على الأمر الذي لا شكَّ فيه، تنبيهاً على عِظَم شأنِه، وفيه الردّ على
مَن كَرِهَ أن يَحِلِفَ بالله مُطلَقاً.
قوله: ((لقد هَمَمْتُ)) اللّم جواب القَسَم، والهمُّ: العَزْم، وقيل: دونه، وزاد مسلم
(٢٥١/٦٥١) في أوَّله: أنَّه وَ ﴿ فقد ناساً في بعض الصَّلَوات فقال: ((لقد هَمَمت))، فأفاد ذِكْرَ
سبب الحدیث.
قوله: ((بخَطَبٍ لِيُحطَبَ)) كذا للحَمُّوِيِّ والمُستَمْلِي بلام التَّعليل، وللكُشْمِيهنيّ
والباقين(١): (فيُحطَب)) بالفاء، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (١٢٩/١-١٣٠). ومعنى ((يُطَبُ)):
يُكسَرُ ليَسهُلَ اشتعال النار به. ويحتمل أن يكون أُطلِقَ عليه ذلك قبلَ أن يَتَّصِفَ به تَجُّزاً،
بمعنى: أنَّه سيتَّصف به.
قوله: ((ثمَّ أُخالفَ إلى رجالٍ)) أي: آتيهم من خلفِهم، وقال الجَوْهريّ: خالَفَ إلى فلان،
أي: أتاه إذا غابَ عنه، أو المعنى: أُخالفُ الفعلَ الذي أظهَرتُ من إقامة الصلاة فأترُكُه
وأسيرُ إليهم، أو أُخالفُ ظنَّهم في أتي مشغول بالصلاة عن قَصْدي إليهم، أو معنى
((أُخالف)): أتَخلَّف، أي: عن الصلاة إلى قَصْدي المذكورين، والتقييدُ بالرجال يُخْرِجُ النِّساءَ
والصَّبيان.
قوله: ((فأُحرِّقَ)) بالتَّشديد، والمرادُ به التَّكثير، يقال: حَرَّقَه: إذا بالغَ في تحريقه.
قوله: ((عليهم)) يُشعِرُ بأنَّ العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين،
والبيوتُ تبعٌ للقاطنينَ بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: ((فَأُحرِّقَ بيوتاً على مَن
فيها)»(٢) .
(١) قال القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٤٢/٢: ولابن عساكر وأبي ذر: يتحَطّب، بضم التحتية وفتح
الفوقية والطاء، ولابن عساكر أيضاً: فيحطّب، بالفاء وتشديد الطاء، ولأبي الوقت: فَيُتَحطّب، بالفاء
ومثناة فوقية مفتوحة بعد التحتية المضمومة وتشديد الطاء أيضاً، وفي رواية: فَيَخْتَطِب، بالفاء ومثناة
فوقية مفتوحة بعد الحاء الساكنة، وحطب واحتطب بمعنی واحد.
(٢) بل هي رواية هّام بن منِّه عند مسلم (٦٥١) (٢٥٣)، ولفظها نصاً: ((ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم =

١١٢
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والذي نَفْسي بيدِه)) فيه إعادةُ اليمين للمُبالغة في التأكيد.
قوله: ((عَرْقاً)) بفتح العين المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها قافٌ، قال الخليل: العُراق:
العظم بلا لحم، فإن كان عليه لحم فهو عَرْقٌ. وفي ((المحكم)) عن الأصمَعيّ: العَرْقُ
بسكون الرَّاء: قطعة لحم. وقال الأزهريُّ: العَرْقُ واحد العُراق: وهي العظام التي يُؤْخَذ
منها هَبْرُ اللَّحم، ويَبقَى عليها لحم رقيق، فيُكسَرُ ويُطبَخُ ويُؤكّل ما على العظام من لحم
رقيق، وتُمَشْمَشُ (١) العظام، يقال: عَرَقتُ اللَّحم واعتَرَقتُه وتَعَرَّقتُه، إذا أخذت اللَّحم منه
◌َهشاً، وفي ((المحكَم)): جمعُ العَرْق على عُراقٍ بالضمِّ عزيزٌ، وقولُ الأصمَعيّ هو اللَّائق هنا.
قوله: ((أو مِرْماتَين)) تثنية مِرماة بكسر الميم وحُكيَ الفتح، قال الخليل: هي ما بين ظِلْفَي
الشاة، وحكاه أبو عبيدٍ، وقال: لا أدري ما وجهُه. ونَقَلَه المُستَمْلي في روايته في كتاب
الأحكام (٧٢٢٤) عن الفِرَبْريِّ قال: قال يونس عن محمد بن سليمان عن البخاريّ: المِرماةُ
بكسر الميم، مثلُ مِنْسَاةٍ(٢) ومِيضَاةٍ: ما بين ظِلْفَي الشاة من اللَّحم، قال عياض: فالميم على
هذا أصليّة، وقال الأخفَشُّ: الِرماة: لُعبةٌ كانوا يَلعَبونها بنِصالٍ محدَّدة يرمونها في كَوْمٍ من
تراب، فأيُّهُم أثبَتَها في الكَوْمِ غَلَب، وهي المِرماة والمِدحاة.
١٣٠/٢ قلت: ويَبعُدُ أن يكون هذا مرادَ الحديث لأجل التَّنية، وحكى الحربيُّ(٣) عن الأصمعيّ
أنَّ المِرماة سهم الهَدَف، قال: ويؤيِّده ما حدَّثني ... ثمَّ ساق من طريق أبي رافع عن أبي
هريرة نحوَ الحديث، بلفظ: (لو أنَّ أحدهم إذا شَهِدَ الصلاة معي كان له عظمٌ من شاة
سمينة أو سهمان(٤)، لَفَعَل))، وقيل: المِرماة: سهم يُتعلَّمُ عليه الرَّمْي، وهو سهم دقيق مُستَوِ
تَحَرَّق بيوت على من فيها)). أما رواية أبي صالح عنده (٦٥١) (٢٥٢) فهي موافقة لرواية الأعرج عند
=
البخاري.
(١) يقال: امتَشَّ العظمَ وتَشَّشَه وتَشْمَشَهُ، أي: مصَّهُ ممضوغاً.
(٢) تحرف في (س) إلى: مسناة، بتقديم السين، والمنساة: هي العصا، الهمزة مسهَّلة.
(٣) في ((غريب الحديث)) ١/ ٩٦.
(٤) الذي في مطبوع ((غريب الحديث)): سهمٌ، بالإفراد!

١١٣
باب ٢٩ / ح ٦٤٤
أبواب الجماعة والإمامة
غير مُحدَّد، قال الزّينُ بن المنيِر: ويدلُّ على ذلك الَّثنية، فإنَّهَا مُشعِرةٌ بتكرار الَّمي بخلاف
السِّهام المحدَّدة الحربيّة، فإنَّها لا يتكرَّر رَميُها. وقال الزَّمخشريُّ: تفسير المِرماة بالسَّهمِ ليس
بوَجِيه، ويَدِفَعه ذِكْرِ العَرْق معه. ووَجَّهَه ابن الأثير بأنَّه لمَّا ذكر العظم السَّمينَ وكان ممَّاً
يُؤْكَل، اتبَعَه بالسّهمَینِ لأنَّهما ممّا يُلھی به، انتھی.
وإنَّما وصف العَرْقَ بالسِّمَنِ والمِرماةَ بالْحُسنِ، ليكون ثَمَّ باعثٌ نفسانيٌّ على تحصيلهما.
وفيه الإشارة إلى ذَمِّ المتخلِّينَ عن الصلاة بوَصِفِهم بالحِرصِ على الشيء الحقير من مطعوم
أو ملعوب به، مع التَّفريط فيما يَحَصُّل به رفيعُ الدَّرَجات ومنازلُ الكرامة.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً تقديم الوعيد والتَّهديد على العقوبة، وسِرُّه أنَّ المفسدةَ
إذا ارتَفَعَت بالأهوَنِ من الزَّجر اكتُفيَ به عن الأعلى من العقوبة، نَبَّهَ علیه ابن دقيق العيد.
وفيه جواز العقوبة بالمال، كذا استدلَّ به كثير من القائلينَ بذلك من المالكيَّة وغيرهم، وفيه
نظرٌ لما أسلفناه، ولاحتمال أنَّ التحريق من باب ما لا يَتِمُّ الواجب إلَّا به، إذ الظاهر أنَّ
الباعث على ذلك أنَّهم كانوا يَخْتَفون في بيوتهم فلا يُتَوَصَّلُ إلى عقوبتهم إلَّا بتحريقِها
عليهم. وفيه جواز أخذِ أهل الجرائم على غِرَّةٍ، لأنَّه ◌َ ﴿ هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِدَ
منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يَبغَتَهم في الوقت الذي يتحقَّقون أنَّه لا
يَطُقُهم فيه أحدٌ.
وفي السياق إشعار بأنَّه تقدَّم منه زَجرُهم عن التخلُّف بالقول حتَّى استَحقّوا التَّهديد
بالفعل، وتَرجَمَ عليه البخاري في كتاب الإشخاص(١) (٢٤٢٠) وفي كتاب الأحكام
(٧٢٢٤): ((باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَبِ من البيوت بعد المعرفة))، يريد أنَّ مَن طُلِبَ
منهم بحَقِّ فاختَفَى أو امتَنَعَ في بيته لَدَداً(٢) ومَطْلاً، أُخرِجَ منه بكلِّ طريق يُتَوَصَّل إليه بها،
كما أراد ◌َّه إخراج المتخلِّفينَ عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.
(١) هو كتاب الخصومات ذاتُه.
(٢) في (ع): لِداداً، وكلاهما صحيح في شدة الخُصومة.

١١٤
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ به ابن العربيّ وغيره على مشروعيَّة قَتلِ تاركِ الصلاة مُتَهاوِناً بها، ونُوزِعَ في
ذلك، ورواية أبي داود (٥٤٩) التي فيها أنَّهم كانوا يُصلّون في بيوتهم كما قدَّمناه تُعَكِّرُ
عليه. نَعَم يُمكِنُ الاستدلال منه بوجهٍ آخرَ: وهو أنَهم إذا استَحقّوا التحريق بتركِ صفةٍ
من صِفات الصلاة خارجةٍ عنها سواء قلنا: واجبة أو مندوبة، كان مَن تركَها أصلاً أو
رأساً أحَقُّ بذلك، لكن لا يَلزَم من التَّهديد بالتحريق حصولُ القتل لا دائماً ولا غالباً، لأنَّه
يُمكِنُ الفِرار منه أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزَّجر والإرهاب. وفي قوله في
رواية أبي داود: ((ليست بهم عِلَّة)) دلالة على أنَّ الأعذار تُبِيح التخلّف عن الجماعة ولو
قلنا: إنَّها فرضٌ، وكذا الجمعة.
وفيه الرُّخصة للإمام أو نائبه في تركِ الجماعة لأجلِ إخراج مَن يستخفي في بيته
ويَترُكُها، ولا بُعدَ في أن تَلحَقَ بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلُّف عنها
خوفَ فوات الغريم، وأصحابُ الجرائم في حقِّ الإمام كالغُرَماءِ. واستُدلَّ به على جواز
إمامة المفضول مع وجودِ الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بَزِيزةَ: وفيه نظرٌ، لأنَّ
الفاضل في هذه الصورة يكون غائباً، وهذا لا يُخْتلَفُ في جوازه. واستَدلَّ به ابن العربيّ على
جواز إعدام محلِّ المعصية كما هو مذهب مالك، وتُعُقِّبَ بأنَّه منسوخٌ كما قيل في العقوبة
بالمال، والله أعلم.
١٣١/٢
٣٠- باب فضل صلاة الجماعة
وكان الأسودُ إذا فاتَتْه الجماعةُ ذهبَ إلى مسجد آخرَ.
وجاءَ أنسُ إلى مسجد قد صُلِيَّ فيه، فأذَّنَ وأقامَ وصَلَّى جماعةً.
٦٤٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((صلاةُ الجماعةِ تَفضُلُ صلاةَ الفَذِّ بسبع وعشرينَ درجةً)».
[طرفه في: ٦٤٩]

١١٥
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
أبواب الجماعة والإمامة
قوله: ((باب فضل صلاة الجماعة)) أشارَ الزَّينُ بن المنيِّرِ إلى أنَّ ظاهر هذه الترجمة يُنافي
الترجمة التي قبلها، ثمَّ أطالَ في الجواب عن ذلك، ويكفي منه أنَّ كونَ الشيء واجباً لا
يُنافي كَونَه ذا فضيلة، ولكنَّ الفَضائل تَتَفاوَت، فالمراد منها بيان زيادة ثواب الجماعة على
صلاة الفَذّ.
قوله: ((وكان الأسود)) أي: ابن يزيد النَّخَعيُّ أحدُ كبار التابعين، وأثرُه هذا وَصَلَه ابن
أبي شَيْبة (٢/ ٢٠٥) بإسنادٍ صحيح ولفظه: إذا فاتَته الجماعة في مسجد قومه. ومُناسَبته
للترجمة أنَّه لولا ثبوت فضيلة الجماعة عنده لما تركَ فضيلة أوَّل الوقت والمبادرة إلى
خلاص الذِّمَّة وتَوَجَّهَ إلى مسجد آخر، كذا أشارَ إليه ابن المنيِر، والذي يظهر لي أنَّ
البخاري قَصَدَ الإشارة بأثَرِ الأسود وأنس إلى أنَّ الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور
على مَن جمع في المسجد دون مَن جمع في بيته مثلاً، كما سيأتي البحث فيه في الكلام على
حديث أبي هريرة، لأنَّ التَّجميع لو لم يكن مُختصّاً بالمسجد لجَمَّعَ الأسودُ في مكانه ولم ينتقل
إلى مسجد آخرَ لطلبِ الجماعة، ولمَا جاءَ أنس إلى مسجد بني ◌ِفاعةً كما سنبيِّنْه.
قوله: ((وجاءَ أنس)) وَصَلَه أبو يعلى في («مسنده)) (٤٣٥٥) من طريق الجَعْد أبي عثمانَ
قال: مَرَّ بنا أنس بن مالكٍ في مسجد بني ثَعلَبة، فذكر نحوَه، قال: وذلك في صلاة الصبح،
وفيه: فأمر رجلاً فأذَّنَ وأقامَ، ثمَّ صلَّى بأصحابه. وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٢١/٢) من
طرق عن الجَعْد، وعند البيهقيِّ (٣/ ٧٠) من طريق أبي عبد الصمد العَمِّيِّ عن الجَعْد
نحوُه، وقال: مسجد بني رِفاعة، وقال: فجاء أنس في نحو عشرين من فِتیانه. وهو يؤيِّد ما
قلناه من إرادة التَّجميع في المسجد.
قوله: ((صلاة الجماعة تَفضُل صلاة الفَذّ)) بالمعجَمة أي: المنفرد، يقال: فذَّ الرجلُ من
أصحابه: إذا بقيَ مُنفرِداً وحدَه. / وقد رواه مسلم (٦٥٠/ ٢٥٠) من رواية عبيد الله بن ١٣٢/٢
عمر عن نافع، وسياقه أوضحُ ولفظه: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحدَه)).

١١٦
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بسبعٍ وعشرينَ درجةً)) قال التِّرمِذيّ: عامَّة مَن رواه قالوا: خمساً وعشرين، إلَّا
ابن عمر، فإنَّه قال: سبعاً وعشرين.
قلت: لم يُخْتُلَف عليه في ذلك إلّا ما وقع عند عبد الرزاق (٢٠٠٥) عن عبد الله
العُمَرِيِّ(١) عن نافع فقال فيه: خمس وعشرون. لكنَّ العمريَّ ضعيفٌ، ووقع عند أبي عَوَانة
في («مُستخرجه)) (١٢٥١) من طريق أبي أُسامةَ عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنَّه قال فيه:
بخمسٍ وعشرين. وهي شاذَّة مخالفة لرواية الحُفّاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب
نافع، وإن كان راويها ثقةً. وأمَّا ما وقع عند مسلم (٦٥٠/ ٢٥٠) من رواية الضَّحّاك بن
عثمان عن نافع بلفظ: ((بضع وعشرين)) فليست مُغايرة لرواية الحُفّاظ لصِدق البِضع
على السَّبع.
وأمَّا غير ابن عمر فصَخَّ عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود
عند أحمد (٣٥٦٤) وابن خُزَيمة (١٤٧٠)، وعن أبيِّ بن كعب عند ابن ماجَهْ (٧٩٠)
والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السرَّاج(٢)، ووَرَدَ أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذٍ
وصُهَيبٍ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلُّها عند الطَّبرانيّ(٣)، واتَّفَقَ الجميع على ((سبع
وعشرين)) سوى رواية أبيّ فقال: ((أربع أو خمس)) على الشَّك، وسوى رواية لأبي هريرة
عند أحمد (١٠٧٩٨) قال فيها: ((سبع وعشرون)). وفي إسنادها شَريكٌ القاضي وفي حِفظه
ضعفٌ، وفي رواية لأبي عَوَانة (١٢٥٢): ((بضعاً وعشرين))، وليست مُغايرةً أيضاً لصِدق
-
(١) في المطبوع من ((المصنَّف)): عُبيد الله بن عمر، مصغراً، وقال محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي: كذا
في الأصل! قلنا: وعُبيد الله ثقة.
(٢) في («مسنده))، لكن حديث عائشة عنده (٦٦٢) بلفظ: ((خمس وعشرين درجة))، وهو في ((مسند أحمد)»
أيضاً (٢٤٢٢١)، وأما حديث أنس فهو عنده (٦٨٢) غير أنه موقوف، لكن رواه الضياء في ((المختارة»
(١٨٣٦) مرفوعاً، ورواه البزار (٧٤٤٦)، والطبراني في «الأوسط)) (٢١٧٨) من حديثه مرفوعاً أيضاً،
لكن بلفظ: «خمساً وعشرين صلاة».
(٣) حديث معاذ عنده في ((الكبير)) ٢٠/ (٢٨٣)، وحديث صهيب (٧٣٠٦)، وحديث زيد بن ثابت
(٤٩٣٦)، وأما حديث عبد الله بن زيد فهو عنده في ((الأوسط)) (٥٠٦٧).

١١٧
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
أبواب الجماعة والإمامة
البِضع على الخمس، فَرَجَعَت الرواياتُ كلُّها إلى الخمس والسَّبع إذ لا أثَرَ للشَّك.
واختُلِفَ في أيِّهما أرجحُ فقيل: رواية الخمس، لكثرة رواتها، وقيل: رواية السَّبع، لأنَّ
فيها زيادة من عَدلٍ حافظ.
· ووقع الاختلاف في موضع آخرَ من الحديث، وهو ◌ُميِّزُ العدد المذكور، ففي الروايات
كلِّها التعبير بقوله: ((درجةً)) أو حذفُ المميِّز، إلَّا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها:
((ضِعفا)، وفي بعضها: ((جزءاً)، وفي بعضها: ((درجةً))، وفي بعضها: ((صلاةً))، ووقع هذا
الأخير في بعض طرق حديث أنس(١)، والظاهر أنَّ ذلك من تصرُّفِ الرُّواة، ويحتمل أن
يكون ذلك من التفتُّن في العبارة. وأمَّا قول ابن الأثير: إنَّما قال: درجةً، ولم يقل: جزءاً ولا
نصيباً ولا حَظّاً ولا نحوَ ذلك، لأنَّه أراد الثَّواب من جهة العُلوّ والارتفاع، فإنَّ ذلك فوقَ
هذه بكذا وكذا درجةً، لأنَّ الدَّرَجات إلى جهة فوقُ، فكأنَّه بَنَاه على أنَّ الأصل لفظ
((درجة))، وما عدا ذلك من تصرُّفِ الرُّواة، لكنَّ نفيَه وُرودَ ((الجزء)) مردودٌ، فإنَّه ثابت،
وكذلك الضِّعف، وقد جُمِعَ بين روايتَي الخمس والسَّبع بوجوهٍ:
منها: أنَّ ذِكْرَ القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول مَن لا يَعتَبِرِ مفهوم العدد، لكن قد قال
به جماعة من أصحاب الشافعيّ وحُکيَ عن نصِّه.
وعلى هذا فقيل - وهو الوجه الثاني -: لعلَّه وَّ أخبر بالخمس، ثمَّ أعلمَه الله بزيادة
الفضل فأخبر بالسَّبع، وتُعُقِّبَ بأَنَّه يحتاج إلى التاريخ، وبأنَّ دخول النَّسخ في الفضائل
مُخْتَلَفٌ فيه، لكن إذا فرَّعنا على المنع تَعيَّنَ تقدُّمُ الخمس على السَّبع من جهة أنَّ الفضلَ من
الله يَقبَلُ الزّيادة لا النَّقْص.
ثالثُها: أنَّ اختلاف العددَينِ باختلاف ◌ُميِّزِهما، وعلى هذا فقيل: الدَّرَجة أصغَر من
الجزء، وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي رُوِيَ عنه الجزءُ رُوِيَ عنه الدَّرَجةُ. وقال بعضهم: الجزء في الدُّنيا
والدَّرَجة في الآخرة، وهو مبنيٌّ على التَّغايُر.
(١) سلف بيانها قريباً.

١١٨
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
رابعها: الفَرق بقُربِ المسجد وبُعدِه.
خامسها: الفَرق بحال المصلِّ كأن يكون أعلمَ أو أخشَع.
سادسُها: الفَرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.
سابعها: الفَرق بالمنتَظِرِ للصلاة وغيره.
ثامنها: الفَرق بإدراكها كلِّها أو بعضها.
تاسعها: الفَرق بكثرة الجماعة وقلَّتِهم.
عاشرها: السَّبع مُختصَّةٌ بالفجرِ والعشاء، وقيل: بالفجرِ والعصر، والخمس بما عَدَا ذلك.
حادي عشرها: السَّبعُ مُختصَّةٌ بالجهريَّة والخمس بالسرّيَّة، وهذا الوجه عندي أوجَهُها
لما سأُبيِّنه. ثمَّ إِنَّ الِحِكْمَةَ في هذا العدد الخاصّ غير مُحقَّقة المعنى.
١٣٣/٢ ونقل الطِّييُّ عن التُّورِشْتي ما حاصلُه: إنَّ ذلك لا يُدرَكُ الرَّأي، بل مَرجِعُه إلى عِلم
النُّوَّة التي قَصَرَتْ عُلُومُ الألِيّاء عن إدراك حقيقتها كلِّها، ثمَّ قال: ولعلَّ الفائدةَ هي
اجتماع المسلمين مُصطَفّينَ كصفوفِ الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام
وغيرُ ذلك، وكأنَّه يشيرُ إلى ما قدَّمته عن غيره، وغَفَلَ عن مراد مَن زَعَمَ أنَّ هذا الذي ذكره
لا يفيدُ المطلوب، لكن أشارَ الكِرْمانيُّ إلى احتمال أن يكون أصلُهُ كَونَ المكتوبات خمساً
فَأُريدَ المبالغةُ في تكثيرها، فضُرِبَت في مثلها فصارت خمساً وعشرين. ثمَّ ذكر للسَّبعِ مُناسَبةً
أيضاً من جهة عَدَد رَكَعات الفرائض ورواتبها.
وقال غيرُه: الحسنة بعشرِ للمصلِّي مُنفِرِداً، فإذا انضَمَّ إليه آخرُ بلَغَت عشرين ثمَّ زِيدَ
بقَدرِ عَدَد الصَّلَوات الخمس، أو يُزادُ عَدَد أيام الأسبوع، ولا يخفى فسادُ هذا.
وقيل: الأعدادُ عشرات ومِئون وأُلُوفٌ، وخيرُ الأُمور الوَسَط فاعتُبِرَت المئةُ، والعددُ
المذكور رُبعُها، وهذا أشَدُّ فساداً من الذي قبله.
وقرأت بخطِّ شيخِنا البُلقينيِّ فيما كتب على «العُمدة)): ظَهَرَ لي في هذينِ العددَينِ شيءٍ

١١٩
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
أبواب الجماعة والإمامة
لم أُسبَق إليه، لأنَّ لفظ ابن عمر: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذّ)) ومعناه: الصلاة في
الجماعة، كما وقع في حديث أبي هريرة: ((صلاة الرجل في الجماعة))، وعلى هذا فكُلّ واحد
من المحكوم له بذلك صلَّى في جماعة، وأدنَى الأعداد التي يتحقَّقُ فيها ذلك ثلاثة حتَّى
يكون كلُّ واحد صلَّى في جماعة، وكُلّ واحد منهم أتى بحسنةٍ وهي بعَشَرةٍ، فيَحصُلُ من
مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزّائد وهو سبعةٌ وعشرون دون الثلاثة
التي هي أصلُ ذلك، انتھی.
وظَهَرَ لي في الجمع بين العددَينِ: أنَّ أقلَّ الجماعة إمامٌ ومأمومٌ، فلولا الإمام ما سُمّيَ
المأموم وكذا عكسُه، فإذا تَفَضَّلَ الله على مَن صلَّى جماعةً بزيادة خمسٍ وعشرين درجة
◌ُلَ الخبر الوارد بلفظِها على الفضل الزّائد، والخبر الوارد بلفظ سبع وعشرين على
الأصل والفضل.
وقد خاضَ قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدَّرَجات المذكورة، قال ابن الجوزيّ:
وما جاؤوا بطائلٍ. وقال المحِبّ الطَّبَرُّ: ذكر بعضهم أنَّ في حديث أبي هريرة - يعني
ثالث أحاديث الباب - إشارةً إلى بعض ذلك، ويُضاف إليه أُمور أُخرى وَرَدَت في ذلك،
وقد فصَّلها ابن بَطَّالٍ وتَبِعَه جماعةٌ من الشارحين، وتعقّب الزَّينُ بن المنيِّر بعضَ ما ذكره،
واختارَ تفصيلاً آخرَ أورَدَه، وقد نَقَّحتُ ما وقفت عليه من ذلك، وحَذَفت ما لا يختصّ
بصلاة الجماعة:
فأوَّلُهُا: إجابة المؤذِّن بنيّة الصلاة في الجماعة. والتَّبكير إليها في أوَّل الوقت. والمشي إلى
المسجد بالسَّكينة. ودخول المسجد داعياً. وصلاة التَّحيَّة عند دخوله، كلُّ ذلك بنيّة
الصلاة في الجماعة.
سادسها: انتظار الجماعة.
سابعها: صلاة الملائكة علیه واستغفارهم له.
ثامنها: شهادتهم له.

١٢٠
باب ٣٠ / ح ٦٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
تاسعها: إجابة الإقامة.
عاشرها: السلامة من الشيطان حين يَفِرُّ عند الإقامة.
حادي عَشَرِها: الوقوفُ مُنتَظِراً إحرامَ الإمام أو الدُّخول معه في أيِّ هيئة وَجَدَه عليها.
ثاني عشرها: إدراكُ تكبيرة الإحرام کذلك.
ثالث عشرها: تسوية الصُّفوف وسَدُّ فُرَجِها.
رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حَمِدَه.
خامس عشرها: الأمنُ من السَّهو غالباً، وتنبيه الإمام إذا سَها بالتَّسبيحِ أو الفتح عليه.
سادس عشرها: حصولُ الخشوع والسلامةُ عمَّا يُلهي غالباً.
سابع عشرها: تَحسينُ الهيئة غالباً.
ثامن عشرها: احتفافُ الملائكة به.
تاسع عشرها: التَّدَرُّبُ على تَجويدِ القراءة، وتَعلُّمُ الأركان والأبعاض.
العشرون: إظهار شعائر الإسلام.
الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتَّعاوُن على الطَّاعة،
ونشاط المتكاسِل.
الثاني والعشرون: السلامة من صفة النِّفاق، ومن إساءة غيره الظنَّ بأنَّه تركَ الصلاة
رأساً.
الثالث والعشرون: نيَّةُ رَدِّ السلام على الإمام.
الرَّابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدُّعاء والذِّكر وعَودُ بَرَكة الكامل منهم
على الناقص.
الخامس والعشرون: قيام نِظام الأُلفة بين الجيران، وحصول تَعاهُدِهم في أوقات
الصَّلَوات.