النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ باب ١٩ / ح ٦٣٤ أبواب الأذان الفلاح، بفَمِه لا ببَدَنِه كلِّه، قال: وإنَّما يُمكِنُ الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثمَّ ساقه من طريق وكيع أيضاً بلفظ: فجعلَ يقول في أذانه هكذا، ويَحِرِفُ رأسَه يميناً وشمالاً. وفي رواية عبد الرزاق (١٨٠٦) عن الثَّوريّ في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأُخرى: وضعُ الإصبع في الأُذُن، ولفظُه عند الِّرمِذيّ (١٩٧): رأيت بلالاً يؤذُّن ويَدورُ ويُتِبِعُ فاه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أُذَنَيه، فأمَّا قوله: ((ويدور)) فهو مُدَرَجٌ في رواية سفيانَ عن عَوْن، بيَّن ذلك يحيى بن آدمَ عن سفيان عن عَونٍ عن أبيه قال: رأيت بلالاً أَذَّنَ فَأتَبَعَ فاه هاهنا وهاهنا والتَّفَتَ يميناً وشمالاً. قال سفيان: كان حَجّاجٌ - يعني ابن أرطاةَ - يَذكُر لنا عن عَونٍ أَنَّه قال: فاستَدارَ في أذانِه. فلمَّا لَقِينَا عَوناً لم يَذْكُر فيه الاستدارة. أخرجه الطَّبرانيُّ (٢٢/ ٢٦١) وأبو الشَّيخ من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقيُّ من طريق عبدالله بن الوليد العَدَنيِّ عن سفيان، لكن لم يُسمِّ حَجّاجاً (١)، وهو مشهور عن حَجّاجِ، أخرجه ابن ماجَهْ (٧١١) وسعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (٢٠٩/١) وغيرهم من طريقه، ولم ينفرد به، بل وافَقَه إدريسُ الأَوْديُّ ومحمد العَرزَميُّ عن عَونٍ (٢)، لكنَّ الثلاثةَ ضُعَفاءُ، وقد خالَفَهم مَن هو مثلُهم أو أمثَلُ وهو قيسُ بن الرَّبيع فرواه عن عَوْن فقال في حديثه: ((ولم يستدِر)) أخرجه أبو داود (٥٢٠). ويُمكِنُ الجمع بأنَّ مَن أثبَتَ الاستدارة عَنَى استدارةَ الرَّأس، ومَن نَفاها عَنَى استدارة الجسد كلِّه، ومشى ابن بَطَّالٍ ومَن تَبِعَه على ظاهره، فاستَدلَّ به على جواز الاستدارة بالبَدَنِ كلِّه، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذِّينَ للإسماع عند التَّلَفُّظ بالخَيْعَلتَين، واختُلِفَ هل يستدير ببَدَنِهِ كلِّه أو بوجهِه فقط، وقَدَماه قارَّتان مُستَقْبِلَ القِبْلة؟ واختُلِفَ أيضاً: هل يستدير في الخَيعَلتَيْنِ الأُولَينِ مرَّةً وفي الثانيتَينِ مرَّةً، أو يقول: حيَّ على الصلاة عن يمينِه ثمَّ حيَّ على الصلاة عن شماله، وكذا في الأُخرى؟ قال: ورُجِّحَ الثاني، (١) لم يخرّجه البيهقي من طريق العَدَني، وإنما قال في ((السنن الكبرى)) ٣٩٦/١: وسفيان إنما روى هذه اللفظة في ((الجامع)) رواية العَدَني عنه، عن رجل لم يُسمِّه، عن عون. (٢) أخرجه الطبراني ٢٢ / (٢٤٥) من طريق إدريس الأودي عن عون. ٨٢ باب ١٩ / ح ٦٣٤ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّه يكون لكلِّ جهةٍ نصيبٌ منهما، قال: والأوَّل أقربُ إلى لفظ الحديث. وفي ((المغني)) عن أحمدَ: لا يَدورُ إلَّا إن كان على مَنارةٍ يقصدُ إسماعَ أهل الجهتين. وأمَّا وضعُ الإصبعينِ في الأُذُنينِ فقد رواه مُؤَمَّلٌ أيضاً عن سفيان، أخرجه أبو عَوَانة (٩٦٢)، وله شواهدُ ذَكَرتها في ((تغليق التَّعليق))، من أصحِّها ما رواه أبو داود (٣٠٥٥) وابن حِبَّان (٦٣٥١) من طريق أبي سَلّامِ الدِّمَشقيِّ أنَّ عبد الله الهَوَزَنيَّ حدَّثه قال: قلت لِلالٍ: كيف كانت نَفَقة النبيّ ◌َلّ؟ فذكر الحديث، وفيه: قال بلال: فجعلت إصبعي في أُذُني فأذَّنت (١)، ولا بنِ ماجَهْ (٧١٠) والحاكم (٦٠٧/٣-٦٠٨) من حديث سعدِ القَرَظِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ أمر بلالاً أن يجعلَ إصبعيه في أُذَيه. وفي إسناده ضعفٌ. قال العلماء: فى ذلك فائدتان: إحداهما: أنَّه قد يكون أرفَعَ لصوتِهِ، وفيه حديثٌ ضعيفٌ أخرجه أبو الشَّيخ من طريق سعدِ القَرَظِ عن بلال(٢). ١١٦/٢ ثانيهما: أنَّه علامة للمؤذِّنِ ليَعِرِفَ مَن رآه على بُعدٍ أو كان به صَمَمٌّ أنَّه يؤذِّن، ومن ثَمَّ قال بعضهم: يجعل يَدَه فوقَ أُذُنه حَسبُ، قال التِّرمِذيّ: استَحَبَّ أهلُ العِلم أن يُدخِلَ المؤذِّن إصبعَيه في أُذُنْيَه في الأذان، قال: واستَحَبَّه الأوزاعيُّ في الإقامة أيضاً. تنبيه: لم يَرِد تعيين الإصبع التي يُستَحبُّ وضعُها، وجَزَمَ النَّوَويّ بأنّها المُسَبِّحةُ، وإطلاق الإصبع مَجَازٌ عن الأَنْمُلة. تنبيه آخرُ: وقع في ((المغني)) للموفَّق نسبةُ حديث أبي جُحَيفةَ بلفظ: أنَّ بلالاً أذَّنَ ووَضَعَ إصبعيه في أُذُنيه، إلى تخريج البخاري ومسلم، وهو وَهْمٌ. (١) الذي في رواية ابن حبان (٦٣٥١): فجعلت إصبعيَّ في أذنيَّ، فناديت: من كان يطلب رسول الله ديناً فليحضر ... ، ولم يسق أبو داود (٣٠٥٥) لفظه بتمامه. وإنما قصد الحافظ رحمه الله حكاية هذه الهيئة في مطلق النداء، ومنه نداء الصلاة. (٢) وأخرجه أيضاً ابنُ ماجه (٧١٠)، لكن من حديث سعدِ القَرَظ: أن رسول الله وَّل أمر بلالاً .... ٨٣ باب ٢٠ / ح ٦٣٥ أبواب الأذان وساق أبو نُعيم في ((المستخرَج)) حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مَهْديٌّ وعبد الرزاق عن سفيان بلفظ عبد الرزاق من غير بيان، فما أجاد (١)، لإيهامه أنَّهما مُتَوافقَتان، وقد عَرَفتَ ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج، وسلامةً رواية عبد الرحمن من ذلك، والله المستعانُ. ٢٠ - باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة وكَرِهَ ابنُ سِيرِينَ أنْ يقول: فاتَتْنا الصلاةُ، ولكنْ لِيَقُل: لم نُدْرِك. وقولُ النبيِّ وَّ أَصَخُّ. ٦٣٥ - حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنَا شَيْبانُ، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادة، عن أبيه، قال: بينما نحنُ نُصلّي مع النبيِّ ◌َّهَ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرجال فلمَّا صَلَّى قال: «ما شَأَنْكُمْ؟» قالوا: اسْتَعْجَلْنا إلى الصلاة، قال: ((فلا تَفْعَلُوا، إذا أتيتُمُ الصلاةَ فعليكم بالسَّكِينةِ، فما أدرَكتُم فصَلُّوا وما فاتَّكم فأَتِمُّوا)). قوله: ((باب قول الرجل: فاتَتْنا الصلاة)) أي: هل يُكرَه أم لا؟ قوله: ((وكَرِهَ ابن سيرينَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٥٣٣/٢) عن أزهرَ عن ابن عَوْن قال: کان محمد - يعني ابن سيرين - يَكرَه، فذكره. قوله: ((وقولُ النبيّ ◌َ ﴿) هو بالرَّفعِ على الابتداء، و((أصحُ)) خبرُه. وهذا كلام المصنِّ راداً على ابن سيرين، ووجه الردّ أنَّ الشارع أطلَقَ لفظ الفَوَات، فدلَّ على الجواز، وابنُ سيرين مع كَونِهِ كَرِهَه فإنَّما هو من جهة اللَّفظ، لأنَّه قال: ((وليقل: لم نُدرِك))، وهذا مُحصَّلُ معنى الفَوات، لكنَّ قوله: لم نُدرِك، فيه نسبةُ عدم الإدراك إليه، بخلاف: فاتَتْنا، فلعلَّ ذلك هو الذي لَحَظَه ابن سیرین. وقوله: ((أصحُّ)) معناه: صحيحٌ، أي: بالنّسبة إلى قول ابن سيرين، فإنَّه غير صحيح لثبوتِ النصّ بخلافه. وعند أحمد (٢٢٥٧٥) من حديث أبي قتادةَ في قصَّة نومهم عن (١) لكن صنع ذلك أيضاً ابنُ المنذر في ((الأوسط)) ٢٦/٣ فجمع بين طريقي عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن الثوري، وساق الحديث بذكر الاستدارة ووضع الإصبعين !! ٨٤ باب ٢١ / ح ٦٣٦ فتح الباري بشرح البخاري الصلاة: فقلت: يا رسولَ الله، فاتَتنا الصلاة؛ ولم يُنكِرِ عليه النبيّ وَّ. وموقِعُ هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة: أنَّ المَرءَ عند إجابة المؤذِّن يحتمل أن يُدرِكَ الصلاة كلَّها أو بعضَها أو لا يُدرِكَ شيئاً، فاحتيجَ إلى جواز إطلاق الفَوَات، وكيفيَّة الإتيان إلى الصلاة، وكيفيَّة العمل عند فوات البعض، ونحو ذلك. قوله: «شَیْبانُ» هو ابن عبد الرحمن، ویحیی: هو ابن أبي کثیر. قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ عن أبيه)) في رواية مسلم (٦٠٣) من طريق معاوية بن سَلّامٍ عن يحيى بن أبي كثير التصريحُ بإخبار عبد الله له به، وبإخبار أبي قتادةَ لعبد الله. قوله: ((جَلَبةَ الرجال)» وفي رواية كَرِيمة والأَصِيليِّ: ((جَلَبة رجال» بغير ألفٍ ولام، وهما للعهدِ الذِّهني، وقد سُمّيَ منهم أبو بَكرةَ فيما رواه الطَّبرانيُّ من رواية يونس عن الحسن عنه في نحوِ هذه القصَّة(١). و((جَلَبة)) بجيمٍ ولامٍ ومُوخَّدةٍ مفتوحات، أي: أصواتَهم حالَ حَرَكَتِهِم. واستُدلَّ به على أنَّ الِفات خاطرِ المصلِّ إلى الأمر الحادث، لا يُفسِدُ صلاتَه، وسنذكر الكلام على المتنِ في الباب الذي بعده. ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ١١٧/٢ وقال: ((ما أدرَكُم فصَلُّوا وما فاتكم فأَتِّمُّوا))، وقاله أبو قَتَادة عن النبيِّ ◌َّ. ٦٣٦ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّهِ. وعن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّر قال: ((إذا سمعتُمُ الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاة وعليكم بالسَّكِينةِ والوَقَار، ولا تُسرِعُوا، فما أدرَكُم فصَلُّوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا)). [طرفه في: ٩٠٨] (١) فات الحافظَ عزوُ هذه القصة للبخاري (٦٨٣)، وأبي داود (٦٨٣) و(٦٨٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٤٦) حيث إنهم رووا عن زياد الأعلم - وهو ابن خالة يونس بن عُبيد - عن الحسن البصري، عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي وَّله وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي وَلّ، فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُد)). ولم نقف على رواية الطبراني هذه، ولم نجد أحداً رواه من طريق يونس. ٨٥ باب ٢١ / ح ٦٣٦ أبواب الأذان قوله: ((باب لا يَسْعَى إلى الصلاة ... )) إلى آخره، سَقَطَت هذه الترجمة من رواية الأَصِيلِيِّ ومن رواية أبي ذرِّ عن غير السَّرَخْسي، وثبوتها أصوبُ لقوله فيها: ((وقاله أبو قتادة))، لأنَّ الضَّمير يعود على ما ذُكِرَ في الترجمة، ولولا ذلك لعادَ الضَّمير إلى المتن السابق، فيكون ذِكرُ أبي قتادةَ تكراراً بلا فائدة، لأنَّه ساقه عنه. قوله: ((وعن الزُّهْريّ)) أي: بالإسناد الذي قبلَه، وهو آدم عن ابن أبي ذِئْب عنه، أي: أنَّ ابن أبي ذئب حدَّث به عن الزُّهريِّ عن شيخَينِ حَدَّثاه به عن أبي هريرة، وقد جمعهما المصنّفُ (٩٠٨) في ((باب المشي إلى الجمعة)) عن آدم فقال فيه: عن سعيد وأبي سَلَمة كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم (٦٠٢/ ١٥١) من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهريّ عنهما. وذكر الدَّارَ قُطنيُّ الاختلاف فيه على الزُّهريّ، وجَزَمَ بأنَّه عنده عنهما جميعاً قال: و کان ربّما اقتصر على أحدهما. وأمَّا التِّرمِذيُّ فإنَّه أخرجه (٣٢٧) من طريق يزيد بن زُرَيع عن مَعمَر عن الزّهريِّ عن أبي سَلَمة وحدَه، و(٣٢٨) من طريق عبد الرزاق عن مَعمَر عن الزّهريِّ عن سعيدٍ وحدَه، قال: وقول عبد الرزاق أصحُّ. ثمَّ أخرجه (٣٢٩) من طريق ابن عُيَينةَ عن الزُّهريِّ كما قال عبد الرزاق، وهذا عملٌ صحيحٌ لو لم يَثْبُت أنَّ الزُّهريَّ حدَّث به عنهما. وقد أخرجه المصنِّفُ (٩٠٨) في (باب المشي إلى الجمعة)) من طريق شعيبٍ، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من طريق يونسَ كلاهما عن الزُّهريِّ عن أبي سَلَمة وحدَه، فَتَرجَّحَ ما قال الدَّارَ قُطنيُّ. قوله: ((إذا سَمِعتُمُ الإقامةَ)) هو أخصُّ من قوله في حديث أبي قتادةَ: ((إذا أتيتُم الصلاة)) لكنَّ الظاهر أنَّه من مفهوم الموافقة، لأنَّ المُسرِعَ إذا أُقيمت الصلاة يَتَرجَّى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحوَ ذلك، ومع ذلك فقد نُّهيَ عن الإسراع، فغيرُه مَّن جاءَ قبلَ الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنَّه يتحقَّقُ إدراكَ الصلاة كلِّها، فيُنهى عن الإسراع من باب الأَولى. وقد لَحَظَ فيه بعضُهم معنَى غير هذا فقال: الحِكْمة في التقييد بالإقامة أنَّ المُسرِعَ إذا أُقيمت الصلاة يَصِلُ إليها وقد انبَهَرَ (١)، فيقرأ وهو في تلك الحالة فلا يحصُل له تمام الخشوع (١) انبهر: مِن البُهْر، وهو انقطاعُ النفَس من الإعياء. ٨٦ باب ٢١ / ح ٦٣٦ فتح الباري بشرح البخاري في التَّرتيل وغيره، بخلاف مَن جاءَ قبلَ ذلك، فإنَّ الصلاة قد لا تُقامُ حتَّى يَستَريح. انتهى، وقضيَّة هذا أنَّه لا يُكرَه الإسراع لمن جاءَ قبلَ الإقامة، وهو مخالفٌ لصريح قوله: ((إذا أتيتُم الصلاة))، لأنَّه يتناولُ ما قبلَ الإقامة، وإنَّما قَيَّدَ في الحديث الثاني بالإقامة، لأنَّ ذلك هو الحاملُ في الغالبِ على الإسراع. قوله: ((وعليكم بالسَّكينة)) كذا في رواية أبي ذَرّ، ولغيره: ((وعليكم السَّكينةُ)) بغير باء، وكذا في رواية مسلم (٦٠٢/ ١٥١) من طريق يونس، وضبطها القُرطبيّ شارحُه بالنصب على الإغراء، وضبطها النَّوَويّ بالرَّفع على أنَّها جملةٌ في موضع الحال، واستَشكَل بعضُهم دخولَ الباء قال: لأنَّ مُتَعدِّ بنفسه كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفيه نظرٌ لثبوتِ زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كَحديث: ((عليكم برُخصة الله)) (١)، وحديث: ((فعليهِ بالصومِ فإِنَّه له وِجاء)(٢)، وحديث: ((فعليك بالمرأة))(٣) قاله لأبي طَلْحةً في قصَّة ١١٨/٢ صَفيَّة، وحديث: عليك بعَيبَتِك (٤)، قالته عائشة لعمر،/ وحديث: ((عليكم بقيام الليل))(٥)، وحديث: ((عليك بخُوَيصَّة نفسِك))(٦) وغير ذلك. ثمّ إنَّ الذي عَلَّلَ به هذا المعترِضُ غيرُ موفٍ بمقصودِهِ، إذ لا يَلزَم من كَونِه يجوز أن يَتعدَّى بنفسه امتناعُ تَعَدّيه بالباء، وإذا ثَبَتَ ذلك فيدلُّ على أنَّ فيه لُغَتَينِ، والله أعلم. (١) أخرجه مسلم (١١١٥) من حديث جابر. (٢) سيأتي (١٩٠٥). (٣) سيأتي (٦١٨٥). (٤) أخرجه مسلم (١٤٧٩) في قصة اعتزال النبي وَل وزوجاته، وستأتي عند المصنف دون هذه اللفظة برقم (٤٩١٣). (٥) أخرجه أحمد (٢٤٩٤٥) من حديث عائشة، والترمذي (٣٥٤٩) من حديث بلال، وابن خزيمة (١١٣٥) من حديث أبي أمامة. (٦) أخرجه الترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤). ولفظ الترمذي: ((عليك بخاصة نفسك))، ولفظ ابن ماجه: ((عليك خُويصَّة نفسك)) من حديث أبي ثعلبة الخشني. وأخرجه أبو داود (٤٣٤١) بلفظ: «فعلیك - يعني - بنفسك)). ٨٧ باب ٢١ / ح ٦٣٦ أبواب الأذان فائدة: الحِكْمة في هذا الأمر تُستَفاد من زيادة وقعت في مسلم (٦٠٢/ ١٥١) من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر نحوَ حديث الباب، وقال في آخره: ((فإِنَّ أحدكم إذا كان يَعمِد إلى الصلاة فهو في صلاة)) أي: إنَّه في حكم المصلِي، فينبغي له اعتمادُ ما ينبغي للمصلِّي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلِّ اجتنابه. قوله: ((والوَقَار)) قال عياض والقُرطبيّ: هو بمعنى السَّكينة، وذُكِرَ على سبيل التأكيد. وقال النَّوَويّ: الظاهر أنَّ بينهما فرقاً، لأنَّ السَّكينة: التأنّي في الحركات واجتناب العَبَث، والوَقَار: في الهيئة، كغَضِّ البَصَر، وخفضِ الصوت، وعدمِ الالتفات. قوله: (ولا تُسرِعُوا» فيه زيادة تأکید، ويُستفاد منه الردّ على مَن أوَّل قوله في حديث أبي قتادةَ: ((لا تَفعَلوا)) بالاستعجال المُفْضي إلى عدمِ الوَقَار، وأمَّا الإسراع الذي لا يُنافي الوَقَارَ كمَن خافَ فوتَ التكبيرة فلا، وهذا تحكيٍّ عن إسحاق بن راهويه. وقد تقدَّمت رواية العلاء التي فيها: ((فهو في صلاة))، قال النَّوَويّ: نَبََّ بذلك على أنَّه لو لم يُدرِك من الصلاة شيئاً لكان مُحُصِّلاً لمقصودِهِ لكَونِه في صلاة، وعدم الإسراع أيضاً يَستَلِزِم كثرةً الخطا، وهو معنَى مقصودٌ لذاته، وَرَدَت فيه أحاديث كَحديث جابر عند مسلم (٦٦٤): ((إنَّ لك بكلِّ خُطوة درجةً))، ولأبي داود (٥٦٣) من طريق سعيد بن المسيّب عن رجل من الأنصار مرفوعاً: ((إذا تَوضَّأ أحدُكم فأحسنَ الوضوء، ثمَّ خرج إلى المسجد، لم يرفع قَدَمَه اليُمنَى إِلَّا كتب الله له حسنةً، ولم يَضَع قَدَمَه اليُسرَى إِلَّا حَطَّ الله عنه سيئةً، فإن أتى المسجد فصلّى في جماعة غُفِرَ له، فإن أتى وقد صَلَّوا بعضاً وبَقيَ بعضٌ فصلَّى ما أدرَكَ وأتمَّ ما بَقيَ، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صَلَّوا فأتمَّ الصلاة كان كذلك)). قوله: ((فما أدرَكْتُم فصَلُّوا)) قال الكِرْ مانيُّ: الفاء جوابُ شرط محذوف، أي: إذا بَيَّنْتُ لكم ما هو أولى بكم فما أدرَكُم فصَلّوا. قلت: أو التقدير: إذا فعلتُم فما أدرَكتُم، أي: فعلتُم الذي أمَرتُكم به من السَّكينة وتركِ الإسراع. واستدلَّ بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزءٍ من الصلاة لقوله: ((فما ٨٨ باب ٢١ / ح ٦٣٦ فتح الباري بشرح البخاري أدرَكْتُم فصَلّوا)»، ولم يَفصِل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تُدرَكُ الجماعة بأقلَّ من رَكعة للحديث السابق (٥٨٠): ((مَن أدرَكَ رَكعةً من الصلاة فقد أدرَك)) وقياساً على الجمعة، وقد قدَّمنا الجواب عنه في موضعه، وأنَّه وَرَدَ في الأوقات، وأنَّ في الجمعة حديثاً خاصّاً بها. واستدلَّ به أيضاً على استحباب الدُّخول مع الإمام في أيِّ حالةٍ وُجِدَ عليها، وفيه حديث أصرَحُ منه أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٥٣/١) من طريق عبد العزيز بن رُفَيعِ عن رجل من الأنصار مرفوعاً: ((مَن وَجَدَني راكعاً أو قائماً أو ساجداً، فليكن معي على حالتي التي أنا عليها)). قوله: ((وما فاتكم فأَتِمُّوا)) أي: أکمِلوا، هذا هو الصحيح في رواية الزُّهري، ورواه عنه ابن عُيَينَةَ بلفظ: ((فاقضُوا))، وحَكَمَ مسلم في (التَّمييز)) عليه بالوَهمِ في هذه اللَّفظة، مع أنَّه أخرج إسناده في ((صحيحه)) (١٥١/٦٠٢) لكن لم يَسُق لفظَه، وكذا روى أحمد (٨٢٢٣) عن عبد الرزاق عن مَعمَر عن همَّامٍ عن أبي هريرة فقال: ((فاقضُوا))، وأخرجه مسلم (٦٠٢ / ١٥٣) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بلفظ: ((فأتِّوا)). واختُلِفَ أيضاً في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور: ((فأتِّوا))، ووقع لمعاويةَ بن هشام عن شَيْبان(١): ((فاقضوا))، كذا ذكره ابن أبي شَيْبة عنه، وأخرج مسلم إسناده في ((صحيحه)) (٦٠٣) عن ابن أبي شَيْبة فلم يَسُق لفظه أيضاً، وروى أبو داود (٥٧٣) مثلَه عن سعدٍ بن إبراهيمَ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، قال: ووَقَعَت في رواية أبي رافع عن أبي هريرة، واختُلِفَ في حديث أبي ذرٍّ، قال: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: ((وليقض)). قلت: ورواية ابن سيرين عند مسلم (٦٠٢/ ١٥٤) بلفظ: ((صَلِّ ما أدرَكت، واقضٍ ١١٩/٢ ما سبقك))،/ والحاصل أنَّ أكثر الروايات وَرَدَ بلفظ: ((فأتِمّوا))، وأقلَّها بلفظ: ((فاقضوا))، وإِنَّمَا تَظْهَر فائدة ذلك إذا جَعَلنا بين الإتمام والقضاء مُغايَرةً، لكن إذا كان تَخَرَج الحديث (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: سفيان. ٨٩ باب ٢١ / ح ٦٣٦ أبواب الأذان واحداً، واختُلِفَ في لفظة منه وأمكَنَ رَدُّ الاختلاف إلى معنَى واحدٍ، كان أَولى، وهنا كذلك، لأنَّ القضاء وإن كان يُطلَقُ على الفائت غالباً، لكنَّه يُطلَقُ على الأداء أيضاً، ويَرِدُ بمعنى الفراغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ويَرِدُ لمعانٍ أُخَرَ، فيُحمَلُ قولُه هنا: «فاقضوا)) على معنى الأداء أو الفراغ، فلا يُغاِرُ قوله: (( فأتِّوا))، فلا حُجَّةَ فيه لمن تمسَّكَ برواية ((فاقضوا)) على أنَّ ما أدرَكَه المأموم هو آخرُ صلاته حتَّى استَحبَّ له الجهر في الرَّكعتين الأخيرَتَينِ وقراءة السورة وترك القُنوت، بل هو أوَّها وإن كان آخرَ صلاة إمامه، لأنَّ الآخِرِ لا يكون إلَّا عن شيء تقدَّمه، وأوضحُ دليلٍ على ذلك: أنَّه يجب عليه أن يتشهَّدَ في آخر صلاته على كلّ حال، فلو كان ما يُدرِكُه مع الإمام آخراً له، لما احتاجَ إلى إعادة التشهُّد، وقول ابن بَطَّالٍ: إنَّه ما تَشَهَّدَ إلَّا لأجل السلام، لأنَّ السلامَ يحتاج إلى سَبق تَشَهُّدٍ. ليس بالجواب الناهضِ على دَفعِ الإيراد المذكور، واستدلَّ ابن المنذر لذلك أيضاً على أنَّهم أجمعوا على أنَّ تكبيرةَ الافتتاح لا تكونُ إلَّا في الرَّكعة الأولى. وقد عَمِلَ بمُقتَضى اللَّفْظَينِ الجمهور، فإنَهم قالوا: إنَّ ما أدرَكَ المأموم هو أوَّل صلاته إلَّا أنَّه يَقضي مثلَ الذي فاتَه من قراءة السورة مع أمِّ القرآن في الرُّباعيَّة، لكن لم يَستَحِبّوا له إعادة الجهر في الرَّكعتين الباقيتَين، وكأنَّ الحُجَّةَ فيه قوله: ((ما أدرَكتَ مع الإمام فهو أوَّلُ صلاتك، واقضٍ ما سبقك به من القرآن)) أخرجه البيهقيُّ(١)، وعن إسحاق والمُزَنِيِّ: لا يقرأ إلَّا أمَّ القرآن فقط، وهو القياس. واستدلَّ به على أنَّ مَن أدرَكَ الإمام راكعاً لم تُحسَب له تلك الرَّكعة للأمرِ بإتمام ما فاتَه، لأنَّه فاتَه الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في ((القراءة خلفَ الإمام)) عن كلّ مَن ذهب إلى وجوب القراءة خلفَ الإمام، واختاره ابن خُزيمة والصِّبْغِيُّ وغيرهما من مُحُدِّثي الشافعيَّة، وقوّاه الشَّيخ تَقيُّ الدِّين السُّبكيُّ من المتأخّرين، (١) أخرجه في ((سننه)) ٢/ ٢٩٨ و٢٩٩ موقوفاً على عليٍّ بن أبي طالب. ٩٠ باب ٢٢ / ح ٦٣٧ فتح الباري بشرح البخاري والله أعلم. وحُجَّةُ الجمهور حديث أبي بَكْرةَ حيثُ رَكَعَ دون الصف، فقال له النبيّ ◌َّ. ((زادك الله حِرصاً ولا تَعُد)) ولم يأمره بإعادة تلك الرَّكعة، وسيأتي في أثناء صفة الصلاة (٧٨٣) إن شاء الله تعالى. ٢٢ - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة ٦٣٧ - حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: كَتَبَ إليَّ يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادة، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني». [طرفاه في: ٦٣٨، ٩٠٩] قوله: ((باب مَتَّى يقوم النَّاس إذا رَأوا الإمام عندَ الإقامة)» قيل: أورَدَ الترجمةَ بلفظ الاستفهام لأنَّ قوله في الحديث: ((لا تقوموا)) نَهيٌّ عن القيام، وقوله: ((حتَّى تَرَوني)» تسویغٌ للقيام عند الرُّؤية، وهو مُطلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ بشيءٍ من ألفاظ الإقامة، ومن ثَمَّ اختلف السَّلَف في ذلك کما سيأتي. قوله: (هشام)) هو الدّستُوائيُّ، وقد رواه أبو داود (٥٣٩) عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه هنا عن أبان العَطّار عن يحيى، فلعلَّ له فيه شیخان. قوله: ((كَتَبَ إِلَّ يحيى)) ظاهرٌ في أنَّه لم يسمعه منه، وقد رواه الإسماعيلي من طريق هُشَيمٍ عن هشامٍ وحَجّاجِ الصوافِّ كلاهما عن يحيى، وهو من تدليسِ الصِّيَغِ، وصَرَّحَ أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج))(١) من وجهٍ آخرَ عن هشام أنَّ يحيى كتب إليه أنَّ عبد الله بن أبي قتادةَ حدثه، فأُمِنَ بذلك تدلیسُ یحیی. قوله: ((إذا أُقيمَت)) أي: إذا ذُكِرَت ألفاظُ الإقامة. ١٢٠/٢ قوله: ((حتَّى تَرَوْني)) أي: خَرَجت، وصَرَّحَ به عبد الرزاق وغيرُه عن مَعمَر عن يحيى، أخرجه مسلم (٦٠٤). ولا بنِ حِبّان (٢٢٢٣) من طريق عبد الرزاق وحدَه: ((حتَّى تَرَوني (١) وهو في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) أيضاً (١٣٤٠). ٩١ باب ٢٢ / ح ٦٣٧ أبواب الأذان خَرَجت إليكم))، وفيه مع ذلك حذفٌ تقديرُه: فقوموا. وقال مالك في ((الموطَّأ)): لم أسمع في قيام الناس حين تُقامُ الصلاة بحَدٍّ محدود، إلّا أنّي أَرَى ذلك على طاقة الناس، فإنَّ منهم الثَّقيل والخفيف. وذهب الأكثرون إلى أنَّهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتَّى تَفرُغَ الإقامةُ، وعن أنس: أنَّه كان يقوم إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة، رواه ابن المنذر (١٦٦/٤) وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله، وعن سعيد بن المسيّب قال: إذا قال المؤذِّن: الله أكبر، وَجَبَ القيام، وإذا قال: حيَّ على الصلاة، عُدِّلت الصُّفوفُ، وإذا قال: لا إلهَ إلَّا الله، كَبَّرَ الإمام. وعن أبي حنيفةً: يقومون إذا قال: حيَّ على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة، كَبَّرَ الإمام. وأمَّا إذا لم يَكُن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنَّهم لا يقومون حتَّى يَرَوه، وخالَفَ مَن ذكرنا على التفصيل الذي شَرَحنا، وحديث الباب حُجَّةٌ عليهم. وفيه جواز الإقامة والإمام في مَنزِله إذا كان يسمعُها وتقدَّم إذنُه في ذلك. قال القُرطبيّ: ظاهر الحديث أنَّ الصلاة كانت تُقام قبلَ أن يَخْرُجَ النبيّ ◌َّ من بيته. وهو مُعارضٌ لحديث جابر بن سَمُرةَ: أنَّ بلالاً كان لا يُقيم حتَّى يَخْرُجَ النبيّ وَِّ، أخرجه مسلم (٦٠٦). ويُجمَعُ بينهما بأنَّ بلالاً كان يُراقبُ خروج النبيّ وَّةِ، فلأوَّلِ ما يراه يَشرَع في الإقامة قبلَ أن يراه غالبُ الناس، ثمَّ إذا رَأوه قاموا، فلا يقوم في مَقامه حتَّى تَعتَدِلَ صفوفُهم. قلت: ويشهد له ما رواه عبدُ الرزاق (٩٤٢) عن ابن جُرَيج عن ابن شهاب: أنَّ الناس كانوا ساعةَ يقول المؤذِّن: الله أكبر، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيّ ◌َّ مَقامَه حتَّى تَعتَدِل الصُّفوف. وأمَّا حديث أبي هريرة الآتي قريباً (٦٣٩) بلفظ: أُقيمَت الصلاة، فسَوَّى الناس صفوفَهم، فخرج النبيّ وَّةِ، ولفظُه في ((مُستخرَج أبي نُعيمٍ): فصَفَّ الناسُ صفوفَهم ثمَّ ٩٢ باب ٢٣ / ح ٦٣٨ فتح الباري بشرح البخاري خرج علينا، ولفظه عند مسلم (٦٠٥): أُقيمت الصلاة، فقُمنا فعَدَّلنا الصُّفوفَ قبلَ أن يَخْرُجَ إلينا النبيّ ◌ََّ، فأتى فقامَ مَقامَه، الحديث. وعنه في رواية أبي داود (٥٤١): أنَّ الصلاة كانت تُقام لرسول الله وَ ل﴿ فيأخذ الناسُ مَقامَهم قبلَ أن يجيءَ النبيُّ ◌َّرِ فُيُجمعُ بینه وبینَ حديث أبي قتادةً بأنَّ ذلك کان ربّما وقع لبيان الجواز، وبأنَّ صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سببَ النَّهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنَّهم كانوا يقومون ساعةَ تُقام الصلاة ولو لم يَخْرُج النبيّ ◌َّ﴾، فنهاهم عن ذلك، لاحتمال أن يقع له شُغلٌ يُبطِئ فيه عن الخروج، فيَشُقُّ عليهم انتظاره، ولا يردُّ هذا حديثُ أنس الآتي (٦٤٢): أنَّه قامَ في مَقامه طويلاً في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادراً، أو فَعَلَه لبيان الجواز. ٢٣ - بابٌ لا يقوم إلى الصلاة مستعجلاً، وليقم إليها بالسكينة والوَقَار ٦٣٨ - حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادة، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِلَّهِ: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني، وعليكم بالسَّكِينة)). تابَعَه عَليُّ بن المبارك. قوله: ((باب لا يقوم إلى الصلاة مُسْتَعْجِلاً، ولْيَقُمْ إليها بالسَّكينةِ والوَقَار)) كذا في رواية الحَقُّوِي، وفي رواية المُستَمْلي: ((باب لا يَسعَى إلى الصلاة)) وسَقَطَ من رواية الكُشْمِيهني، وجُمِعا في رواية الباقين بلفظ: ((باب لا يَسعَى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مُستَعجِلاً ... )) إلى آخره، قوله: ((لا يَسْعَى)) كأنَّه يشير بذلك إلى رواية ابن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم (٦٠٢ / ١٥٤)، ولفظه: ((إذا تُوِّبَ بالصلاة فلا يَسعَى إليها أحدُكم))، وفي رواية أبي ١٢١/٢ سَلَمة عن أبي هريرة عند المصنّف (٩٠٨)/ في ((باب المشي إلى الجمعة)) من كتاب الجمعة: ((إذا أُقيمَت الصلاة فلا تأتوها تَسعَون))، وسيأتي وجه الجمع بينه وبينَ قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((وعلیکم بالسّکینة» کذا في رواية أبي ذرٍّ وكريمة، وفي رواية الأصيليِّ وأبي ٩٣ باب ٢٤ / ح ٦٣٩ أبواب الأذان الوَقْتِ: ((وعليكم السَّكينة)) بحَذْف الباء، وكذا أخرجه أبو عَوَانة (١٣٣٩) من طرق عن شيبان. قوله: ((تابَعَه عليّ بن المبارك)) أي: عن يحيى، ومُتَابَعَته وصلها المؤلِّفُ في كتاب الجمعة (٩٠٩)، ولفظُه: ((عليكم السَّكينة)) بغير باءٍ أيضاً. وقال أبو العبَّاس الطَّرْقُّ: تَفرَّدَ شَيْبانُ وعليّ بن المبارَك عن يحيى بهذه الزّيادة، وتُعُقِّبَ بأنَّ معاوية بن سَلّام تابعهما عن يحيى، ذكره أبو داود (٥٣٩) عَقِبَ رواية أبان عن يحيى فقال: رواه معاوية بن سَلّامٍ وعليّ بن المبارَك عن يحيى، وقالا فيه: ((حتَّى تَرَوني وعليكم السَّكينة)). قلت: وهذه الرواية المعلّقةُ وصلها الإسماعيليّ(١) من طريق الوليد بن مسلم عن معاويةً ابن سَلّامٍ وشيبانَ جمیعاً عن یحیی، کما قال أبو داود. ٢٤ - باب هل يخرج من المسجد لعِلَّة ٦٣٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسان، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَّ﴾ خرج وقد أُقِیمَتِ الصلاةُ وعُدِّلتِ الصُّفوفُ، حتَّى إذا قامَ في مُصلَّاه انتَظَرْنا أنْ يُكبِّرَ، انصَرَفَ قال: ((على مكانِكم))، فمَكَثْنا على هَيْتَتِنا، حتَّى خرج إلينا يَنْطِفُ رَأْسُه ماء وقدِ اغتَسَلَ. قوله: ((باب هل يَخْرُج من المسجد لعِلَّةٍ)) أي: لضرورة، وكأنَّه يشير إلى تخصيص ما رواه مسلم (٦٥٥) وأبو داود (٥٣٦) وغيرهما من طريق أبي الشَّعثاء عن أبي هريرة: أنَّه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذَّنَ المؤذِّن، فقال: أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم ◌َِِّ، فإنَّ حديثَ الباب يدلُّ على أنَّ ذلك مخصوص بمَن ليس له ضرورةٌ، فيَلحَق بالجُنُبِ المُحدِثُ والرَّاعفُ والحاقنُ ونحوُهم، وكذا مَن يكون إماماً لمسجدٍ آخرَ ومَن في معناه. وقد أخرجه الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٨٤٢) من طريق سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﴾، فصَرَّحَ (١) ووصلها أيضاً الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٨٥٨) من طريق مروان بن محمد الطاطَري، عن معاوية ابن سلام. ٩٤ باب ٢٤ / ح ٦٣٩ فتح الباري بشرح البخاري برفعِه إلى النبيِّ ◌َّهِ وبالتَّخصيصِ، ولفظُه: ((لا يسمعُ النِّداءَ في مسجدي ثمَّ يَخرُج منه إلا لحاجةٍ ثمَّ لا يَرجِعُ إليه، إلَّا منافقٌ)). قوله: ((خرج وقد أُقيمت الصلاة)) يحتمل أن يكون المعنى: خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدَّمت خروجه، وهو ظاهر الرواية التي في الباب الذي بعده، لتَعقيبِ الإقامة بالتَّسوية، وتَعقيبِ التَّسوية بخروجه جميعاً بالفاء، ويحتمل أن يُجمع بين الروايتين بأنَّ الجُملتَينِ وقعتا حالاً، أي: خرج والحالُ أنَّ الصلاة أُقيمَت والصُّفوف عُدِّلْت، وقال الكِرْمانيُّ: لفظ ((قد)) يُقَرِّبُ الماضي من الحال، فكأنَّه خرج في حال الإقامة وفي حال التَّعديل، ويحتمل أن يكونوا إِنَّمَا شَرَعوا في ذلك بإذنٍ منه أو قرينةٍ تَدُلُّ عليه. قلت: وتقدَّم احتمال أن يكون ذلك سبباً للنَّهيٍ فلا يَلزَم منه مُخالَفْتُهم له، وقد تقدَّم الجمعُ بينه وبينَ حديث أبي قتادةَ (٦٣٧): ((لا تقوموا حتَّى تَرَوني)) قريباً. قوله: ((وعُدِّلتِ الصُّفوف)) أي: سُوّيَت. قوله: «حتَّى إذا قامَ في مُصلَّاه)) زاد مسلم (١٥٧/٦٠٥) من طريق يونس عن الزُّهريِّ: قبلَ أن يُكبِّرَ فانصَرَف، وقد تقدَّم (٢٧٥) في ((باب إذا ذَكر في المسجد أنَّه جُنُبٌ)) من أبواب الغُسل، من وجهٍ آخرَ عن يونس بلفظ: فلمَّا قامَ في مُصلَّاه ذكر، ففيه دليل على أنَّه انصَرَفَ قبلَ أن يدخلَ في الصلاة، وهو مُعارِضٌ لما رواه أبو داود (٢٣٣) وابن حِبَّان ١٢٢/٢ (٢٢٣٥) عن أبي بَكْرةَ: أنَّ النبيَّ وَ لِّدخل في صلاة الفجر، فكَبَّرَ ثمَّ أومَا إليهم. / ولمالكٍ (٤٨/١) من طريق عطاء بن يسارِ مُرسَلاً: أنَّه وَّهَ كَبَّرَ في صلاة من الصَّلَوات، ثمَّ أشارَ بيدِه أن امكُّثوا. ويُمكِنُ الجمع بينهما بحملِ قوله: ((كَبَّ)) على: أراد أن يُكبِّر، أو بأنَّهما واقعتان، أبْداه عياضٌ والقُرطبيُّ احتمالاً، وقال النَّوَويّ: إنَّه الأظهَر، وجَزَمَ به ابن حِبَّان كعادتِهِ، فإن ثَبَتَ وإلَّا فما في ((الصحيح)) أصحُ. ودعوى ابن بَطَّالٍ أنَّ الشافعيَّ احتَجَّ بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبلَ تكبير الإمام قال: فناقَضَ أصلَه واحتَجَّ بالمرسَل، مُتَعقَبَةٌ بأنَّ الشافعيَّ لا يَرُدُّ المراسيلَ مُطلَقاً، بل ٩٥ باب ٢٤ / ح ٦٣٩ أبواب الأذان يَحْتَجُ منها بما يَعتَضِدُ، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بَكْرةَ الذي ذكرناه. قوله: ((انْتَظَرْنا)» جملةٌ حاليَّةٌ. وقوله: «انصرَفَ)) أي: إلی حُجرته، وهو جواب ((إذا)). وقوله: ((قال)) استئنافٌ أو حالٌ. قوله: ((على مكانكم)) أي: كونوا على مكانكم. قوله: ((على هَيْتَتِنا)) بفتح الهاء بعدها ياءٌ تحتانيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٌ مفتوحةٌ ثمَّ مُثنَّةٌ، والمرادُ بذلك أنَّهم امتَثَلوا أمرَه في قوله: ((على مكانكم))، فاستَمَرّوا على الهيئة - أي: الكيفيَّة - التي تركَهم عليها، وهي قيامُهم في صفوفِهِم المعتدلة. وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((على هِينَِنا)) بكسر الهاء وبعد الياء نونٌ مفتوحةٌ، والحِينةُ: الرِّفُ، ورواية الجماعة أوجه. قوله: (يَنْطِفُ)) بكسر الطَّاء وضمِّها، أي: يَقطُرُ، كما صَرَّحَ به في الرواية التي بعد هذه. قوله: ((وقد اغتَسَلَ)) زاد الدَّارَ قُطنيُّ (١٣٦١) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة فقال: ((إنِّي كنت جُنُباً فنسيتُ أن أغتَسِل)). وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما مضى في كتاب الغُسل: جوازُ النِّسيان على الأنبياء في أمرِ العبادة لأجل التَّشريع. وفيه طهارةُ الماء المستَعمَلِ. وجوازُ الفصلِ بين الإقامة والصلاة، لأنَّ قوله: ((فصلَّ)) ظاهرٌ في أنَّ الإقامةَ لم تُعَد، والظاهر أنَّه مُقيَّدٌ بالضّرورة وبأمنٍ خروج الوقت، وعن مالكٍ: إذا بَعُدَت الإقامة من الإحرام تُعادُ، وينبغي أن يُحمَّلَ على ما إذا لم يكن عُذرٌ. وفيه أنَّه لا حياءَ في أمرِ الدّين، وسبيلُ مَن غُلِبَ أن يأتيَ بعُذْرٍ مُوهمٍ كأن يُمسِكَ بأنِه ليوهمَ أنَّه رعَفَ. وفيه جواز انتظار المأمومينَ مجيءَ الإمام قياماً عند الضَّرورة، وهو غير القيام المنهيِّ عنه في حديث أبي قتادة (٦٣٧). وأنَّه لا يجبُ على مَن احتَلَمَ في المسجد فأراد الخروج منه أن يَتِيمَّمَ كما تقدَّم في الغُسل(١). وجواز الكلام بين الإقامة والصلاة، وسيأتي (٦٤٣) في (١) عند شرح الحديث (٢٧٥). ٩٦ باب ٢٥ / ح ٦٤٠ فتح الباري بشرح البخاري بابٍ مُفرَدٍ. وجواز تأخير الجُنُبِ الغُسلَ عن وقت الحَدَث. تنبيه: وقع في بعض النسخ هنا: قيل لأبي عبد الله - أي: البخاري - إذا وقع هذا لأحدِنا، يفعل مثلَ هذا؟ قال: نَعَم. قيل: فيَنتَظرون الإمام قياماً أو قعوداً؟ قال: إن كان قبلَ التكبير فلا بأسَ أن يَقعُدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروا قياماً. ووقع في بعضها في آخر الباب الذي بعده. ٢٥ - باب إذا قال الإمام: مكانكم، حتى نَرجع، انتظروه ٦٤٠ - حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ فسَوَّى النَّاسُ صُفُونَهُم، فخرج رسولُ الله ◌َّهِ فَتَقدَّمَ وهو جُنُبٌ، ثمَّ قال: ((على مَكانِكم)، فَرَجَعَ فاغتَسَل، ثمَّ خرج ورَأْسُه يَقْطُرُ ماءً، فصَلَّى بهم. قوله: ((باب إذا قال الإمام: مکانکم)) هذا اللَّفظ في روایة یونس عن الزُّهريِّ کما مضى في الغُسل (٢٧٥) بلفظ: ((فقال لنا: مكانكم)) فحَذَف حرف الجرِّ. قوله: ((حتَّى نَرجِعَ)) بالنُّون للكُشْمِيهني، وبالهمزة للأَصِيلي، وبالتَّحتانيَّة للباقين. ١٢٣/٢ قوله: ((حدَّثنا إسحاقُ)) كذا في جميع الروايات غير منسوب، وجَوَّزَ ابن طاهر والجَيَّانيُّ أنَّه إسحاقُ بن منصور، وبه جَزَمَ الِزُِّّ، وكنت أُجوِّزُ أنَّه ابن راهويه لثبوتِه في ((مسنده)) عن الفِرْيابيِّ، إلى أن رأيت في سياقه له مُغايَرةً. ومحمد بن يوسفَ: هو الفريابيُّ، وقد أکثر البخاريُّ عنه بغیر واسطةٍ. قوله: ((عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة)) صَرَّحَ بالتَّحديث في الموضعينِ إسحاقُ بن راهويه في روايته له عن الفريابي، ومن طريقه أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)). قوله: ((فتَقدَّمَ وهو جُنُبٌّ)) أي: في نفس الأمر، لا أنَّهم الطَّلَعوا على ذلك منه قبلَ أن يُعلِمَهم، وقد تقدَّم في الغُسل (٢٧٥) في رواية يونس: فلمَّا قامَ في مُصلَّاه ذكر أنَّه جُنُبٌ، وفي رواية أبي نُعيمٍ: ذكر أنَّه لم يغتسل. ومضت فوائده في الباب الذي قبلَه. ٩٧ باب ٢٦ / ح ٦٤١ أبواب الأذان ٢٦- باب قول الرجل للنبي ٹ۔ ما صلَّينا ٦٤١ - حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، قال: سمعتُ أبا سَلَمة يقول: أخبرنا جابرُ بنُ عبدِ الله: أنَّ النبيَّ ◌ََّ جاءَه عمرُ بنُ الخطّاب يومَ الخندق، فقال: يا رسولَ الله، والله ما كِدْتُ أنْ أُصلَِّ حتَّى كادتِ الشمسُ تَغرُبُ، وذلك بعدَما أفطَرَ الصائمُ، فقال النبيُّ وَّ: ((والله ما صلَّيْتُها))، فنزل النبيُّ ◌َّهِ إِلى بُطْحانَ وأنا معه فتَوضَّأ، ثمَّ صَلَّى - يعني العصرَ - بعدَما غَرَبَتِ الشمسُ، ثمَّ صَلَّى بعدَها المغربَ. قوله: ((باب قول الرجل للنبيِّ وَّ: ما صلَّينا)) قال ابن بَطَّالٍ: فيه رَدُّ لقول إبراهيم النَّخَعَيّ: يُكرَه أن يقول الرجل: لم نُصلِّ، ويقول: نُصلّي. قلت: وكراهة النَّخَعيِّ إنَّما هي في حقِّ مُنتَظِرِ الصلاة، وقد صَرَّحَ ابنِ بَطَّالٍ بذلك، ومُنْتَظِرُ الصلاة في صلاة كما ثَبَتَ بالنَّص(١)، فإطلاق المنتَظِرِ: ((ما صلَّينا)» يقتضي نفيَ ما أثبتَه الشارع، فلذلك گرهه، والإطلاق الذي في حديث الباب إنّما کان من ناسٍ لها، أو مُشْتَغِلٍ عنها بالحرب، كما تقدَّم تقريرُه (٥٩٦) في ((باب مَن صلَّى بالناس جماعةً بعد خروج الوقت)» في أبواب المواقيت، فافتَرَقَ حکمُهما وتغایرا. والذي يظهر لي أنَّ البخاري أراد أن يُنْبِّهَ على أنَّ الكراهة المحكيَّة عن النَّخَعيِّ ليست على إطلاقها لما دلَّ عليه حديث الباب، ولو أراد الردّ على النَّخَعيِّ مُطلَقاً لَأفصَحَ به كما أفصَحَ بالردِّ على ابن سيرين في ترجمة ((فاتَّتنا الصلاة)(٢)، ثمَّ إِنَّ اللَّفِظَ الذي أورَدَه المؤلِّفُ وقع النَّفيُ فيه من قول النبيّ ◌َّ لا من قول الرجل، لكن في بعض طرقِه وقوعُ ذلك من الرجل أيضاً - وهو عمر - كما أورَدَه في المغازي(٣)، وهذه عادة معروفةٌ للمؤلّف، يُتْرِجِمُ ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يَسوقُه، ولو لم يقع في الطريق التي يُورِدُها في تلك (١) سلف عند البخاري برقم (١٧٦). (٢) سلف هذا الباب برقم (٢٠). (٣) بل في كتاب الخوف الحديث رقم (٩٤٥). ٩٨ باب ٢٧ / ح ٦٤٢ فتح الباري بشرح البخاري الترجمة، ويدخلُ في هذا ما في الطَّرانيِّ (١٧٢٢) من حديث جُندُبٍ في قصَّة النوم عن الصلاة: فقالوا: يا رسولَ الله، سَهَونا فلم نُصلِّ حتَّى طلعت الشمس، وبقيَّة فوائد الحديث تقدَّمت في المواقيت (٥٩٦). قوله: ((ما كِدْت أنْ أُصلِّيَ حتَّى كادت الشمس تَغُرُب)» وذلك بعدما أفطَرَ الصائم، قال الكِرْمانيُّ مُستَشكِلاً: كيف يكون المجيء بعد الغُروب؟ لأنَّ الصائم إنَّما يُفطِرِ حينئذٍ مع تصريحه بأنَّه جاءً في اليوم، ثمَّ أجاب بأنَّ المراد بقوله ((يومَ الخَندَق)): زمانُ الخَندَق، والمراد به بيان التاريخ لا خصوص الوقت. انتهى، والذي يظهر لي أنَّ الإشارة بقوله: ((وذلك بعدما أفطَرَ الصائم)) إشارةٌ إلى الوقت الذي خاطَبَ به عمرُ النبيَّ ◌َّ، لا إلى الوقت الذي صلَّى فيه عمر العصر، فإنَّه كان قريبَ الغُروب، كما تَدُلّ عليه ((كاد)). وأمَّا إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوص النهار، فھو کثیرٌ. ٢٧ - باب الإمام تَعرِض له الحاجةُ بعد الإقامة ١٢٤/٢ ٦٤٢- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ صُهَيبٍ، عن أنسٍ، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ والنبيُّ ټ یناجي رجلاً في جانب المسجدِ، فما قامَ إلى الصلاة حتَّى نامَ بعضُ القومِ. [طرفاه في: ٦٤٣، ٦٢٩٢] قوله: ((باب الإمام تَعرِضُ له الحاجةُ بعدَ الإقامة)) أي: هل يُباحُ له التَّشاغُلُ بها قبلَ الدُّخول في الصلاة أو لا؟ وتَعرِضُ بكسر الَّاء، أي: تَظھَر. قوله: ((عن أنس)) في رواية لمسلم (١٢٤/٣٧٦): سمع أنساً، والإسناد كلُّه بصريُّون. قوله: ((أُقيمت الصلاة)) أي: صلاة العشاء، بيَّنه حمَّاد عن ثابت عن أنس عند مسلم (١٢٦/٣٧٦). قوله: ((يناجي رجلاً) أي: يُحادِثُه، ولم أقِفْ على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشُّرّاح ٩٩ باب ٢٧ / ح ٦٤٢ أبواب الأذان أنَّه كان كبيراً في قومه فأراد أن يتألّفَه على الإسلام، ولم أقِفْ على مُستَنَدِ ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلَكاً جاءَ بوَحي من الله عَزَّ وجَل، ولا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال. قوله: ((حتَّى نامَ بعض(١) القوم)) زاد شُعْبةُ عن عبد العزيز: ثمَّ قامَ فصلَّى، أخرجه مسلم (١٢٤/٣٧٦)، وهو عند المصنِّف (٦٢٩٢) في الاستئذان. ووقع عند إسحاق بن راهويه في («مسنده)(٢) عن ابن عُليَّةَ عن عبد العزيز في هذا الحديث: ((حتَّى نَعَسَ بعض القوم)) وكذا هو عند ابن حِبَّان (٢٠٣٥) من وجه آخرَ عن أنس(٣)، وهو يدلُّ على أنَّ النومَ المذكور لم يكن مُستَغرِقاً، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة في ((باب الوضوء من النوم)) من كتاب الطَّهارة (٢١٢ و٢١٣). وفي الحديث جواز مُناجاة الواحد غيرَه بحَضْرة الجماعة، وتَرجَمَ عليه المؤلِّفُ في الاستئذان: ((طول النَّجْوَى))، وفيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أمَّا إذا كان لغير حاجة فإنه مكروهٌ، واستُدلَّ به للرّدِّ على مَن أطلَقَ من الحنفيَّة أنَّ المؤذِّنَ إذا قال: ((قد قامت الصلاة)) وجَبَ على الإمام التکبیرُ. قال الزَّينُ بن المنيِر: خَصَّ المصنِّفُ الإمام بالذِّكرِ مع أنَّ الحكمَ عامٌّ، لأنَّ لفظ الخَبَرَ يُشعِرُ بأنَّ المناجاة كانت لحاجة النبيِّ وَّ لقوله: والنبيّ نَّه يناجي رجلاً. ولو كان لحاجة الرجلِ لقال أنس: ورجل يناجي النبيَّ نَّهِ. انتهى، وهذا ليس بلازم، وفيه غَفْلةٌ منه عمّا في ((صحيح مسلم)) (١٢٦/٣٧٦) بلفظ: أُقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة، فقامَ النبيّ ◌َ﴾ يناجيه. والذي يظهر لي أنَّ هذا الحكمَ إنَّما يتعلَّقُ بالإمام، لأنَّ المأموم إذا عَرَضَت له الحاجة لا (١) كذا وقع في شرح الحافظ بزيادة لفظ ((بعض))، وليست هذه اللفظة في شيء من روايات ((الصحيح)) كما في اليونينية. (٢) وأخرجه من طريقه أبو عَوانة برقم (١٣٤٦). (٣) وهو بهذا اللفظ أيضاً عند أحمد (١٣١٣٤)، وأبي عوانة (٧٤٠)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٤٤٣) و(٣٤٤٦) وغيرهم من طريقين عن أنس. ١٠٠ باب ٢٨ / ح ٦٤٣ فتح الباري بشرح البخاري يتقيَّد به غيرُه من المأمومينَ بخلاف الإمام، ولمَّا أن كانت مسألة الكلام بين الإقامة والإحرام تَشمَل المأموم والإمام، أطلَقَ المؤلِّفُ الترجمة ولم يُقيِّدها بالإمام فقال: ٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة وأشارَ بذلك إلى الردِّ على مَن كَرِهَه مُطلَقاً. ٦٤٣- حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى، قال: حدَّثنا ◌ُميدٌ، قال: سألتُ ثابتاً البُنائيَّ عن الرجلِ يَتكلَّمُ بعدَما تُقامُ الصلاةُ، فحدَّثني عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّوَّهِ رِجِلٌ فِحَبَسَه بعدَما أُقِيمَتِ الصلاءُ(١). قوله: ((حدَّثنا عيَّاشُ بن الوليد)) هو الرَّقّامُ، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى الساميُّ ١٢٥/٢ بالمهملة، والإسناد كلّه بصريُّون أيضاً. وقول حميدٍ: / («سألتُ ثابتاً)) يُشعِرُ بأنَّ الاختلاف في حكم المسألة كان قديماً، ثمَّ إنَّه ظاهر في كَوْنه أخَذَه عن أنس بواسطة، وقد قال البَزّار: إنَّ عبد الأعلى بن عبد الأعلى تَفرَّدَ عن حميدٍ بذلك، ورواه عامَّة أصحاب حمیدٍ عنه عن أنس بغير واسطةٍ. قلت: كذا أخرجه أحمد (١٢١٢٨) عن يحيى القَطّان وجماعة عن حميد، وكذلك أخرجه ابن حِبَّان (٢٠٣٥) من طريق هُشَيمٍ عن حميد، لكن لم أقِفْ في شيء من طرقه على تصريح ے بسماعه له من أنس، وهو مُدلِّسٌ، فالظاهر أنَّ رواية عبد الأعلى هي المتَّصِلة. قوله: ((فحَبَسَه)) أي: مَنَعَه من الدُّخول في الصلاة، وزاد هُشَيمٌ في روايته: ((حتَّى نَعَسَ بعض القوم)»، ويدخلُ في هذا الباب ما سيأتي في الإمامة (٧١٩) من طريق زائدة عن حميدٍ قال: حدَّثنا أنس قال: أُقيمت الصلاة فأقبَلَ علينا رسول الله وَله بوجهِه - زاد ابن حِبَّان (٢١٧٣) : - قبل أن يُكبِّرَ فقال: ((أقيموا صفوفَكم وتَراصُوا))، لكن لمَّا كان هذا يتعلَّق (١) قال القَسطلّاني في «إرشاد الساري)) ٢٤/٢: زاد في غير رواية أبي ذرِّ والأَصيلي وابن عساكر هنا زيادةً ذكرها في الباب الآتي، وهو اللائق كما لا يخفى، وهي: ((وقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العِشاء في جماعة شفقةً لم يُطعها».