النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ٨ / ح ٦١٤
أبواب الأذان
ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودةَ المدعوَّ إليها حينئذٍ، وهو أظهَرُ.
قوله: ((الوسيلة)) هي ما يُتُقرَّبُ به إلى الكبير، يقال: تَوَسَّلت، أي: تَقرَّبت، وتُطلَقُ على
المنزلة العلميَّة، ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عَمْرو عند مسلم (٣٨٤) بلفظ: ((فإنَّهَا
مَنزِلة في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد الله)) الحديث، ونحوُه للبَزّار (٣٦٣) عن أبي
هريرة، ويُمكِنُ رَدُّها إلى الأوَّل بأنَّ الواصلَ إلى تلك المنزلة قريبٌ من الله، فتكون كالقُرْبة
التي يُتوسَّلُ بها.
قوله: ((والفضيلة)) أي: المرتبة الزَّائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون مَنزِلةً أُخرى
أو تفسيراً للوسيلة.
قوله: ((مَقاماً محموداً)) أي: يُحِمَدُ القائم فيه، وهو مُطلَقٌ في كلّ ما يَجِبُ الحمد من أنواع
الكرامات، ونُصِبَ على الظَّرفيَّة، أي: ابعَته يومَ القيامة فأقِمه مقاماً محموداً، أو ضَمَّنَ
((أبعثه)) معنى: أقِمه، أو على أنَّه مفعول به، ومعنى ((ابعثه)): أعطِهِ، ويجوز أن يكون حالاً أي:
ابعَتْه ذا مَقام محمود. قال النَّوَويّ: ثبتت الرواية بالتَّنكيرِ، وكأنَّه حكاية للفظ القرآن، وقال
الطِّييُّ: إِنَّا نَكَّرَه لأنَّه أفخَمُ وأجزَلُ، كأنَّه قيل: مقاماً - أيَّ مقام(١) - محموداً بكلِّ لسان.
قلت: وقد جاءَ في هذه الرواية بعينها من رواية عليّ بن عيَّاش شيخ البخاري فيه
بالتَّعريفِ عند النَّسائيِّ (٦٨٠)، وهي في ((صحيح)) ابن خُزيمة (٤٢٠)، وابن حِبَّان أيضاً
(١٦٨٩)، وفي الطَّحاويِّ (١٤٦/١) والطَّبرانيِّ في «الدُّعاء)» (٤٣٠) والبيهقيِّ (٤١٠/١)،
وفيه تَعَقُّبٌ على مَن أنكَرَ ذلك کالنَّوَويّ.
قوله: ((الذي وَعَدْتَه)) زاد في رواية البيهقيِّ: ((إِنَّك لا تُخُلِفُ الميعاد))(٢).
قال الطَّييُّ: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]،
(١) في (س): أي مقاماً، فجعل ((أي)) تفسيرية، وهو خطأ.
(٢) وقد تفرَّد بهذه الزيادة محمد بن عوف عن علي بن عياش، وهو ثقة إلا أنه لم يتابعه أحد من أصحاب ابن
عياش على هذه الزيادة، ومثل هذا يسمى عند بعض أهل العلم شاذاً، وانظر التعليق على الحديث في
«مسند أحمد)» (١٤٨١٧).

٤٢
باب ٨ / ح ٦١٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأطلقَ عليه الوعد لأنَّ ((عَسَى)) من الله واقعٌ كما صَحَّ عن ابن عُيَينةَ وغيره، والموصول إمَّا
بدلٌ أو عطفُ بيانٍ أو خبرٌ مُبْتَدَأ محذوف، وليس صفة للنَّكِرة، ووقع في رواية النَّسائيِّ وابنٍ
خُزَيمة وغيرهما: ((المقام المحمود)) بالألف واللّام فيَصِحُ وصفُه بالموصول، والله أعلم.
قال ابن الجَوْزيّ: والأكثر على أنَّ المراد بالمقام المحمود الشَّفاعة، وقيل: إجلاسه على
العرش(١)، وقيل: على الكُرسي. وحكى كلَّا من القولين عن جماعة، وعلى تقدير الصحّة لا
يُنافي الأوَّل لاحتمال أن يكون الإجلاسُ علامةَ الإذن في الشَّفاعة، ويحتمل أن يكون المراد
بالمقام المحمود الشَّفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبَّر عنها
بالوسيلة أو الفضيلة. ووقع في ((صحيح ابن حِبَّان)) (٦٤١٩) من حديث كعب بن مالك
مرفوعاً: ((يَبعَث الله الناس، فيَكْسوني رَبِّ حُلَّةً خضراء، فأقول ما شاءَ الله أن أقول)) فذلك
المقام المحمود، ويظهر أنَّ المراد بالقول المذكور هو الثَّناء الذي يُقدِّمُه بين يَدَي الشَّفاعة،
ويظهر أنَّ المقام المحمود هو مجموع ما يَحصُل له في تلك الحالة، ويُشعِرُ قوله في آخر
الحديث: ((حَلَّت له شفاعَتي)) بأنَّ الأمر المطلوب له الشَّفاعةُ، والله أعلم.
قوله: (حَلَّتْ له)) أي: اسْتَحقَّت ووَجَبَت أو نزلت عليه، يقال: حَلَّ يَخُلُّ بالضمِّ: إذا
نَزَل، واللّام بمعنى: على، ويؤيِّده رواية مسلم: ((حَلَّت عليه)(٢). ووقع في الطَّحاويِّ
(١٤٥/١) حديث ابن مسعود: ((وَجَبَت له))، ولا يجوز أن يكون ((حَلَّت)) من الحِلّ، لأنَّها لم
تکن قبلَ ذلك مُرَّمةً.
(١) قال الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله عنه الذهبي في ((العلو للعلي الغفار)) ص ١٧٠: فأما قضية قعود نبينا
على العرش فلم يثبت في ذلك نصّ، بل في الباب حديث واهٍ، وما فسَّر به مجاهد الآيةَ. قلنا: تفسير مجاهد
هذا قال عنه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٧/ ١٥٧: ومجاهد وإن كان أحد المقدَّمين في العلم بتأويل القرآن
فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجُوران عند العلماء مرغوب عنهما، أحدهما هذا. قلنا: إنما يتوجه
الاعتراض على القائل عند ثبوت القول إليه. ولم يثبت هذا القول عن مجاهد أصلاً، إذ إن مدار الروايات
عنه على ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف سيِّئع الحفظ.
(٢) بل هي رواية أحمد (٦٥٦٨)، والترمذي (٣٦١٤) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص،
ورواية مسلم وغيره عنه موافقة لرواية جابر.

٤٣
باب ٩ / ح ٦١٥
أبواب الأذان
قوله: ((شفاعتي)) استَشكَل بعضهم جعلَ ذلك ثواباً لقائلِ ذلك مع ما ثَبَتَ من أنَّ ٩٦/٢
الشَّفاعة للمُذِنِين، وأُجيبَ بأنَّ له وَّهِ شفاعاتٍ أُخرى: كَإدخال الجنَّة بغير حِساب،
وكَرفع الدَّرَجات فيُعطَى كلُّ واحدٍ ما يُناسبُه. ونقل عياض عن بعض شيوخه أنَّه كان
يَرَى اختصاص ذلك بمَن قاله مُخلِصاً مُستَحضِراً إجلالَ النبيِّي ◌َّةِ، لا مَن قَصَدَ بذلك مُجرَّدَ
الثَّواب ونحوَ ذلك، وهو تحكُّمٌ غيرُ مرضيّ، ولو كان أخرج الغافلَ اللّاهي لكان أشبه.
وقال المهلَّبُ: في الحديث الحضُّ على الدُّعاء في أوقات الصَّلَوات، لأنَّه حالُ رجاء
الإجابة، والله أعلم.
٩- باب الاستهام في الأذان
ويُذكَرُ أنَّ قوماً اختَلَفُوا في الأذان، فأقرَعَ بينهم سعدٌ.
٦١٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن سُميِّ مولى أبي بكرٍ، عن أبي
صالح، عن أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصفِّ الأوَّلِ، ثمَّ
لم يَجِدُوا إِلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عليه لَاستَهَمُوا، ولو يعلمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لاستبَقُوا إليه، ولو
يعلمونَ ما في العَتَمَةِ والصبحِ لأَتَوْهُما ولو حَبْواً».
[أطرافه في: ٦٥٤، ٧٢١، ٢٦٨٩]
قوله: ((باب الاستِهام في الأذان)) أي: الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ
اُلْمُدْخَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، قال الخطَّبيُّ وغيرُه: قيل له: الاستهام، لأنَّهم كانوا يَكتُبون
أسماءَهم على ◌ِهامِ إذا اختَلَفوا في الشيء، فمَن خرج سهمُهُ غَلَب.
قوله: ((ويَذكُر أنَّ قوماً اختَلَفُوا)» أخرجه سعيد بن منصور والبيهقيُّ (٤٢٨/١) من
طريق أبي عبيدٍ (١) كلاهما عن هُشَيمٍ عن عبد الله بن شُبْرمةَ قال: تَشاحَ الناسُ في الأذان
بالقادسيَّة، فاختَصَموا إلى سعد بن أبي وقَّاص، فأقرَعَ بينهم. وهذا منقطعٌ، وقد وَصَلَه
(١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) ٣/ ٤٥٦.

٤٤
باب ٩ / ح ٦١٥
فتح الباري بشرح البخاري
سيف بن عمر في ((الفتوح)) والطَّبَريُّ (١) من طريقه عنه عن عبد الله بن شُبْرمةَ عن شَقِيق
- وهو أبو وائل - قال: افتَتَحنا القادسيَّة صَدرَ النهار، فتَراجَعنا وقد أُصيبَ المؤذِّنُ؛
فذكره، وزاد: فخرجت القُرْعة لرجلٍ منهم فأذَّن.
فائدة: القادسيَّة مكانٌ بالعراق معروفٌ، نُسِبَ إلى قادسٍ؛ رجلٍ نزل به، وحكى
الجَوْهريُّ: أنَّ إبراهيم عليه السلام قدَّسَ على ذلك المكان، فلذلك صار مَنِزِلاً للحاج،
وكانت به وَقْعة للمسلمين مشهورة مع الفُرسِ، وذلك في خلافة عمر سنةً خمس عشرة،
وكان سعدٌ يومئذٍ الأميرَ على الناس.
قوله: ((عن سُميِّ)) بضمٍّ أوَّلِه بلفظ التصغير.
قوله: ((مَوْلى أبي بكرٍ)) أي: ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشامٍ.
قوله: (لو يعلم النَّاس)) قال الطِّيبيُّ: وَضَعَ المضارع موضعَ الماضي ليُفْيدَ استمرار العلم.
قوله: «ما في النِّداء)) أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السرَّاج (٦٩١) (٢).
قوله: ((والصفّ الأوَّل)) زاد أبو الشَّيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة:
((من الخير والبَرَكة))(٣). وقال الطِّيبِيُّ: أطلَقَ مفعولَ ((يعلمُ)) وهو ((ما)) ولم يُبيِّ الفضيلةَ ما
هي، ليُفيدَ ضَرباً من المبالغة، وأنَّه ممّا لا يدخلُ تحتَ الوَصف، والإطلاق إنَّما هو في قَدرِ
الفضيلة، وإلَّ فقد مُيِّزَت في الرواية الأُخرى بالخير والبَرَكة.
قوله: ((ثُمَّ لم يَجِدُوا)) في رواية المُستَمْلِي والحَقُِّيِّ: ((ثمّ لا يَجِدون)»، وحكى الكِرْمانيُّ
أنَّ في بعض الروايات: ((ثمَّ لا يَجِدوا)) ووجَّهَه بجواز حَذْف النُّون تخفيفاً، ولم أقِفْ على
هذه الرواية.
قوله: ((إلّا أنْ يَستَهمُوا)) أي: لم يَجِدوا شيئاً من وجوه الأولَويَّة، أمَّا في الأذان فبأن
(١) أخرجه الطبري في ((تاريخه)) ٥٦٦/٣.
(٢) وهو أيضاً عند ابن خزيمة (٣٩١).
(٣) أخرجه أبو الشيخ في ((ثواب الأعمال)) كما قال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ١٨١/١، ولم نقف
عليه مطبوعاً، وهو أيضاً عند ابن عدي في ((الكامل)) في ترجمة هارون بن هارون التيمي ٧/ ١٢٥.

٤٥
باب ٩ / ح ٦١٥
أبواب الأذان
يَسْتَووا في معرفة الوقت وحُسْنِ الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذِّن، / وأمَّا في الصفّ ٩٧/٢
الأوَّل فبأن يَصِلُوا دفعةً واحدةً، ويَستَووا في الفضل، فيُقْرَعَ بينهم إذا لم يَتَرَاضَوْا فيما بينهم
في الحالین.
واستدلَّ به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذِّن واحد، وليس بظاهرٍ لِصِحّة استهام
أكثر من واحد في مُقابلة أكثر من واحد، ولأنَّ الاستهام على الأذان يتوجَّه من جهة التّولية
من قِبَل الإمام لما فيه من المَزِيَّة.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ المراد بالاستهام هنا التَّرامي بالسِّهام، وأنَّه أُخرِجَ مخرج المبالغة،
واستأنسَ بحديثٍ لفظُه: (لتَجالَدوا عليه بالسُّيوف))، لكن الذي فهمَه البخاري منه أولى،
ولذلك استَشهَدَ له بقصَّة سعد، ويدلُّ عليه رواية لمسلم (٤٣٩): ((لكانت قُرعةً)).
قوله: ((عليه)) أي: على ما ذُكِرَ ليَشمَلَ الأمرَينِ: الأذان والصفّ الأوَّل، وبذلك يَصِحّ
تبويب المصنّف.
وقال ابن عبد البَرِّ: الهاء عائدةٌ على الصفِّ الأوَّل لا على النِّداء، وهو حقُّ الكلام، لأنَّ
الضَّميرَ يعود لأقربٍ مذكورٍ. ونازَعَه القُرطبيّ وقال: إنَّه يَلزَم منه أن يَبقَى النِّداء ضائعاً لا
فائدةَ له، قال: والضَّمير يعود على معنى الكلام المتقدِّم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: جميع ذلك.
قلت: وقد رواه عبد الرزاق (٢٠٠٧) عن مالك بلفظ: ((لاستَهَموا عليهما))(١)، فهذا
مُفصِح بالمراد من غير تكلُّفٍ.
قوله: ((التَّهجير)) أي: التَّبكير إلى الصلوات، قال الهَرَويُّ: وحمله الخليل وغيرُه على
ظاهره فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظَّهر في أوَّل الوقت، لأنَّ التَّهجير مشتقٌّ من
الهاجرة: وهي شِدَّة الحرِّ نصفَ النهار، وهو أوَّلُ وقت الظُّهر، وإلى ذلك مالَ المصنِّفُ كما
(١) هذه العبارة سقطت من ((المصنف)) ونقل المحقق عبارة ((الموطأ)) ٦٨/١، وهي موافقة لرواية البخاري،
لكن أخرجه أحمد في «مسنده» (٧٧٣٨) عن عبد الرزاق، باللفظ الذي أشار إليه الحافظ.

٤٦
باب ١٠ / ح ٦١٦
فتح الباري بشرح البخاري
سيأتي(١)، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعيَّة الإبراد لأنَّه أُريدَ به الرِّفق، وأمَّا مَن تركَ قائلتَه
وقَصَدَ إلى المسجد ليَنتَظرَ الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل.
قوله: ((لاستَبِقُوا إليه)) قال ابن أبي جَمْرة: المراد بالاستباق معنَى لا حِسّاً، لأنَّ المسابقة
على الأقدام حِسّاً تقتضي الشُّرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى، وسيأتي الكلام على بقيّة
الحديث في (٦٥٧) ((باب فضل صلاة العشاء في الجماعة)) قريباً إن شاء الله تعالى، ويأتي
الكلام على المراد بالصفِّ الأوَّل في أواخرٍ أبواب الإمامة (٧٢١) إن شاء الله تعالى.
١٠ - باب الكلام في الأذان
وتكلّم سليمانُ بنُّ صُرَدٍ في أذانِهِ.
وقال الحسنُ: لا بأسَ أنْ يَضْحَكَ وهو يؤذِّنُ أو يُقِيمُ.
٦١٦ - حذَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ وعبدِ الحميدِ صاحبِ الزِّباديِّ وعاصمِ
الأحوَلِ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ، قال: خَطَبَنَا ابنُ عبَّاسٍ في يومٍ رَزْغٍ، فلمَّا بَلَغَ المؤذِّنُ: حيَّ
على الصلاة، فأمَرَه أنْ يُناديَ: الصلاةَ في الرِّحال، فَنَظَرَ القومُ بعضُهم إلى بعضٍ، فقال: فَعَلَ
هذا مَن هو خيرٌ منه، وإِنَّا عَزْمٌ.
[طرفاه في: ٩٠١،٦٦٨]
قوله: ((باب الكلام في الأذان)) أي: في أثنائه بغير ألفاظه. وجَرَى المصنِّفُ على عادتِه في
عدمِ الجَزْمِ بالحكمِ الذي دلالته غيرُ صريحة، لكن الذي أورَدَه فيه يُشعِرُ بأنَّه يختار الجواز،
وحكى ابن المنذر الجواز مُطلَقاً عن عُرْوة وعطاء والحسن وقتادة، وبه قال أحمد، وعن
النَّخَعيِّ وابن سِيرِين والأوزاعيِّ الكراهة، وعن الثَّوريّ المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبَيَه
أنَّه خلاف الأَولِى، وعليه يدلَّ كلام مالك والشافعي، وعن إسحاق بن راهويه يُكرَه إلَّا إن
كان فيما يتعلَّق بالصلاة، واختاره ابن المنذر لظاهر حديث ابن عبّاس المذكور في الباب،
وقد نازعَ في ذلك الدَّاووديُّ فقال: لا حُجَّة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول
(١) يعني في تبويبه على حديث الباب كما سيأتي برقم (٦٥٢) فقال: باب فضل التهجير إلى الظهر.

٤٧
باب ١٠ / ح ٦١٦
أبواب الأذان
المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحلّ.
قوله: ((وتكلَّمَ سليمانُ بنُ صُرَدٍ في أذانه)) وَصَلَه أبو نُعيمٍ شيخ البخاري في ((كتاب ٩٨/٢
الصلاة)) له، وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) (١٢٢/١) عنه، وإسناده صحيح، ولفظه: أنَّه
كان يؤذِّن في العسكر فيأمُر غلامه بالحاجة في أذانه.
قوله: (وقال الحسن)) لم أرَه موصولاً، والذي أخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢١٢) وغيرُه من
طرق عنه جواز الكلام بغير قَيدِ الضَّحِك. قيل: مُطابَقَتُه للترجمة من جهة أنَّ الضَّحِك إذا
كان بصوتٍ قد يظهرُ منه حرفٌ مُفهِمٌ أو أكثرُ فتَفسُدُ الصلاة، ومَن مَنَعَ الكلام في الأذان
أراد أن يساويَه بالصلاة، وقد ذهب الأكثر إلى أنَّ تعمُّدَ الضَّحِك يُبطِلُ الصلاة ولو لم يظهر
منه حرف، فاستوى مع الكلام في بُطْلان الصلاة بعمده.
قوله: ((حَمَّد)) هو ابن زيد، وعبد الحميد: هو ابن دينار، وعبد الله بن الحارث: هو
البصريّ ابن عمٍّ محمد بن سيرين وزوج ابنته (١)، وهو تابعيٌّ صغير، ورواية الثلاثة عنه من
باب رواية الأقران، لأنَّ الثلاثة من صِغار التابعين، ورجالُ الإسناد كلُّهم بصريُّون، وقد
جمعهم حمّاد بن زيد، کمُسدَّدٍ كما هنا، وكذلك رواه سلیمانُ بن حرب عنه عند أبي عَوَانة وآبي
نُعيم في ((المستخرج))، و کان حمّاد ربّما اقتصر على بعضهم كما سيأتي قريباً في (٦٦٨) «باب هل
يُصلِّي الإمام بمَن حَضَر)) عن عبد الله بن عبد الوهّاب الحجَبيِّ عن حَمَّاد عن عبد الحميد
وعن عاصم فرَّقهما، ورواه مسلم (٦٩٩ / ٢٧) عن أبي الرَّبيع عن حَمَّاد عن أيوب وعاصم،
ومن طرق أُخرى منها وُهَيب عن أيوب (٣٠/٦٩٩)، وحُكيَ عن وُهَيب أنَّ أيوب لم
يسمعه من عبد الله بن الحارث، وفيه نظرٌ، لأنَّ في رواية سليمان بن حرب عن حمّاد عن
أيوب وعبد الحميد قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث، كذلك أخرجه الإسماعيليّ وغيرُه،
(١) الصواب أنه زوج أخته كريمة بنت سيرين وليس زوج ابنته، ثم إن قوله فيه: ابن عم محمد بن سيرين،
هذا قول سليمان بن حرب فيما نقله عنه ابن سعد في ((الطبقات)) ٧/ ٢٤٠، وقال الحافظ ابن حجر في
ترجمة عبد الله في (تهذيب التهذيب)): وتعقّب ذلك الدِّمیاطیُّ قال: بل هو خَتَنُه، وهو كما قال، لكن ما
المانع أن يكون ابنَ عمه من الأم أو من الرضاع، فلا يتخالف القولان!

٤٨
باب ١٠ / ح ٦١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ولمسدَّدٍ فيه شيخٌ آخرُ وهو ابنُ عُليَّةَ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الجمعة (٩٠١).
قوله: ((خَطَبَنا)) استدلَّ به ابن الجَوْزيّ على أنَّ الصلاة المذكورة كانت الجمعة، وفيه
نظرٌ. نَعَم، وقع التصريح بذلك في رواية ابن عُليَّةَ ولفظه: ((إنَّ الجمعة عَزْمةٌ)).
قوله: ((في يومٍ رَزْغٍ)) بفتح الرَّاء وسكون الزّاي بعدها غينٌ مُعجَمةٌ، كذا للأكثر هنا،
ولابنِ السَّكَن والكُشْمِيهنيّ وأبي الوَقْت بالدّال المهمَلة بدلَ الزّاي، وقال القُرطبي: إنَّهَا
أَشهَرُ، قال: والصواب الفتح فإنَّه الاسم، وبالسُّكون المصدر. انتهى، وبالفتحِ رواية
القابسي، قال صاحب ((المحكَم)): الرَّزَغُ: الماء القليل في الثِّماد، وقيل: إنَّه طين ووَحَل، وفي
((العين)): الرَّدَغَةُ: الوَحَل، والرَّزَغَة أَشَدُّ منها. وفي ((الجَمْهرة): والرَّدَغَة والرَّزَغَة: الطِّين
القليل من مَطَرٍ أو غيره.
تنبيه: وقع هنا: ((يوم رَزْغ)) بالإضافة، وفي رواية الحجَبيِّ الآتية (٦٦٨): ((في يوم ذي
رَزْغٍ)) وهي أوضحُ، وفي رواية ابن عُلِيَّةَ: ((في يومٍ مَطيرٍ)).
قوله: ((فلمَّا بَلَغَ المؤذِّن: حيَّ على الصلاة، فأمَرَه)) كذا فيه، وكأنَّ هنا حذفاً تقديرُه: أراد أن
يقولها فأمره، ويؤيِّدُه رواية ابن عُليَّةَ: ((إذا قلت: أشهَد أنَّ محمداً رسول الله، فلا تقل: حيَّ
على الصلاة))، وبَوَّبَ عليه ابن خُزيمة (١٨٦٥) وتَبِعَه ابن حِبَّان(١) ثمَّ المحِبّ الطَّبَرَيُّ:
((حذف حيَّ على الصلاة في يومٍ المطر))، وكأنَّه نَظَرَ إلى المعنى؛ لأنَّ ((حيَّ على الصلاة)) معناه:
هلمُّوا إلى الصلاة(٢)، و((الصلاة في الرِّحال)) و((صَلُّوا في بيوتِكم)) يُناقضُ ذلك، وعند
الشافعيَّة وجهٌ أنَّه يقول ذلك بعد الأذان، وآخرُ أنَّه يقوله بعد الحَيعَلتَين، والذي يقتضيه
الحديثُ ما تقدَّم.
وقوله: ((الصلاةَ في الرِّحال)) بنَصبِ الصلاة، والتقدير: صَلُّوا الصلاة، والرِّحالُ: جمع
(١) لم يخرج ابن حبان هذا الحديث من رواية ابن عباس، وإنما أخرجه من رواية ابن عمر وأسامة بن عُمير
وجابر في أبواب الأعذار المبيحة لترك الجماعة (٢٠٧٦ - ٢٠٨٤)، وليس في أي شيء منها الباب الذي
ذكره ابن حجر.
(٢) قوله: ((معناه: هلموا إلى الصلاة)) سقط من (س).

٤٩
باب ١٠ / ح ٦١٦
أبواب الأذان
رَحْلٍ، وهو مَسكَنُ الرجلِ وما فيه من أثاثه.
قال النَّوَويّ: فيه أنَّ هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر يعني
الآتي (٦٣٢) في ((باب الأذان للمسافر)) أنَّها تقال بعده، قال: والأمران جائزان كما نصَّ
عليه الشافعي، لكن بعده أحسنُ لَيَتِمَّ نظمُ الأذان. قال: ومن أصحابنا مَن قال: لا يقوله
إلَّا بعد الفراغ، وهو ضعيفٌ مخالف لصريح حديث ابن عبّاس. انتهى، وكلامه يدلُّ على
أنَّها تُزادُ مُطلَقاً إمَّا في أثنائه وإمَّا بعده، لا أنَّها بدلٌ من ((حيَّ على الصلاة))، وقد تقدَّم عن
ابن خُزيمة ما يخالفُه، وقد وَرَدَ الجمع بينهما في حديثٍ آخرَ أخرجه عبد الرزاق وغيره/ ٩٩/٢
بإسنادٍ صحيحٍ(١) عن نُعيمٍ بن النَّحّام قال: أَذَّنَ مؤذِّن النبيّ وَِّ للصُّبح في ليلةٍ باردة،
فتمنَّيت لو قال: ومَن قَعَدَ فلا حرجَ، فلمَّا قال: الصلاة خيرٌ من النوم، قالها.
قوله: ((فقال: فَعَلَ هذا)» كأنَّه فهمَ من نَظَرِهم الإنكارَ، وفي رواية الحجَبِيِّ: كأنَّهم أنكروا
ذلك، وفي رواية ابن عُليَّةَ: وكأنَّ الناس استنكروا ذلك.
قوله: ((مَن هو خير منه)) وللكُشْمِيهنيّ: ((منهم))، وللحَجَبيِّ: ((مِنّي)) يعني رسولَ الله
وَلّل، كذا في أصل الرواية، ومعنى رواية الباب: مَن هو خير من المؤذِّن، يعني: فَعَلَه مؤذِّنُ
رسول الله ◌َّه وهو خيرٌ من هذا المؤذِّن، وأمَّا رواية الكُشْمِيهنيِّ ففيها نظرٌ، ولعلَّ مَن أَذَّنَ
كانوا جماعة إن كانت محفوظةً، أو أراد جنسَ المؤذِّنين، أو أراد: خيرٌ من المنكرين.
قوله: ((وإنَّهَا)) أي: الجمعة كما تقدَّم ((عَزْمة)) بسكون الزّاي، ضدّ الرُّخصة، زاد ابن
عُليَّةَ: ((وإنِ كرهت أن أُخرِجَكم فتمشون في الطِّين))(٢)، وفي رواية الحجَبيِّ من طريق
عاصم: ((أن أُؤْتِّمَكم))، وهي تُرجِّحُ رواية مَن روى ((أُحرِجَكم)) بالحاء المهمَلة، وفي رواية
(١) أخرجه عبد الرزاق من طريقين: من طريق معمر، عن عُبيد الله بن عُمر، عن شيخ سماه، عن نعيم بن
النحّام برقم (١٩٢٦)، ومن طريق ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر، عن نعيم بن النحّام برقم
(١٩٢٧)، ولكن اللفظ الذي ذكره الحافظ ليس لأحد من هذين الطريقين، وإنما هو قريب من لفظ ابن
أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧٥٩).
(٢) ستأتي روايته برقم (٩٠١)، وذكر هذه الزيادة أيضاً حماد بن زيد في رواية عبد الله بن عبد الوهاب عنه، دون
قوله: ((فتمشون في الطين))، وستأتي برقم (٦٦٨). وأكثر روايات البخاري هناك: ((أُحرجكم)) من الحرج.

٥٠
باب ١١ / ح ٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
جَرِير عن عاصم عند ابن خُزيمة (١٨٦٤): ((أن أُخرِجَ الناس وأُكلِّفَهم أن يَحمِلوا الخَبَثَ
من طرقِهم إلى مسجدِكم)). وسيأتي الكلام على ما يتعلَّق بسقوط الجمعة بعُذْرِ المطرِ في
کتاب الجمعة (٩٠١) إن شاء الله تعالى.
ومُطابقةُ الحديث للترجمة أنكَرَها الدَّاووديُّ فقال: لا حُجَّةَ فيه على جواز الكلام في
الأذان، بل القول المذكور من جملة الأذان في ذلك المحَلِّ. وتُعُقِّبَ بأَنَّه وإن ساغ ذِكرُه في
هذا المحلِّ، لكنَّه ليس من ألفاظ الأذان المعهودة، وطريق بيان المطابقة أنَّ هذا الكلام لمَّاً
جازت زيادته في الأذان للحاجة إليه، دلَّ على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه.
١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره
٦١٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله، عن
أبيه: أنَّ رسولَ الله وَّةٍ قال: ((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يُناديَ ابنُ أمّ مكتومٍ)).
ثمَّ قال: وكان رجلاً أعمى لا يُنادي حتَّى يقال له: أصبَحْتَ أصبَحْتَ.
[أطرافه في: ٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨]
قوله: «باب أذان الأعمى» أي: جوازه.
قوله: ((إذا كان له مَن يخبرُه)) أي: بالوقت، لأنَّ الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة،
وعلى هذا القيد يُحْمَلُ ما روى ابن أبي شَيْبةٍ (٢١٧/١) وابن المنذر (٤٣/٣) عن ابن
مسعود وابن الزُّبَيرِ وغيرهما: أنَّهم كَرِهوا أن يكون المؤذِّن أعمى، وأمَّا ما نَقَلَه النَّوَويّ عن
أبي حنيفة وداود: أنَّ أذان الأعمى لا يَصِحّ، فقد تعقّبه السَّرُوجيُّ بأنَّه غَلِطَ على أبي حنيفة،
نَعَم في ((المحيط)) للحنفيَّة أنَّه يُكرَه.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمَةَ)) هو القَعْنبيُّ، قال الدَّارَقُطنيُّ: تَفرَّدَ القَعْنبيُّ بروايته
إيّاه في ((الموطَّأ)) موصولاً عن مالك، ولم يَذكُر غيرُه من رواة ((الموطَّأ)) (٧٤/١) فيه ابنَ
عمر، ووافَقَه على وصلِه عن مالكِ خارجَ ((الموطَّأ))، عبدُ الرحمن بن مَهْديّ وعبد الرزاق
ورَوحُ بن عُبادةَ وأبو قُرَّةَ وكامل بن طَلْحة وآخرون، ووَصَلَه عن الزُّهريّ جماعة من

٥١
باب ١١ / ح ٦١٧
أبواب الأذان
حُفّاظ أصحابه(١).
قوله: ((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ)) فيه إشعارٌ بأنَّ ذلك كان من عادتِه المستمرَّة، وزَعَمَ بعضُهم
أنَّ ابتداءَ ذلك كان باجتهادٍ منه، وعلى تقدير صِحَّته فقد أقرَّه النبيُّ وَّ على ذلك فصار في
حكم المأمور به، وسيأتي الكلام في تعيين الوقت الذي كان يؤذِّن فیه من الليل بعد بابٍ.
قوله: ((فكُلُوا)) فيه إشعارٌ بأنَّ الأذان كان علامةً عندهم على دخول الوقت، فبيَّن لهم أنَّ
أذانَ بلال بخلاف ذلك.
قوله: ((ابن أمّ مكتوم)) اسمه عَمْرو كما سيأتي موصولاً في الصيام(٢) وفضائل القرآن
(٤٩٩٠)، وقيل: كان اسمُه الحُصَين فسَّاه/ النبيُّ وَّهِ عبدَ الله، ولا يَمتَنِعُ أنَّه كان له اسمان، ١٠٠/٢
وهو قُرَشِيٌّ عامريٌّ، أسلمَ قديماً، والأشهَرُ في اسم أبيه قيسُ بن زائدة. وكان النبيّ وَّـ
يُكرِمُه ويَستَخلِفه على المدينة، وشَهِدَ القادسيَّة في خلافة عمر واستُشهِدَ بها، وقيل: رجع
إلى المدينة فمات. وهو الأعمى المذكور في سورة عَبَس، واسم أمّه عاتكة بنت عبد الله
المخزوميَّة. وزَعَمَ بعضهم أنَّه وُلِدَ أعمى فَكُنِّيَت أمُّه أَمَّ مكتومٍ، لانكتام نور بَصَرِه،
والمعروف أنَّه عَمِيَ بعد بدٍ بسنتين(٣).
قوله: ((وكان رجلاً أعمى)) ظاهره أنَّ فاعل ((قال)) هو ابن عمر، وبذلك جَزَمَ الشَّيخ
الموفَّقُ في ((المغني))، لكن رواه الإسماعيليّ عن أبي خليفةً(٤)، والطّحاويُّ (١/ ١٣٧) عن یزید
ابن ◌ِناٍ، كلاهما عن القَعْنبيِّ، فعيَّنّا أنَّه ابن شهاب، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحاق(٥)
ومعاذُ بن المثنَّى وأبو مسلم الكَجِّي الثلاثة عند الدَّارَقُطني، والخزاعيُّ عند أبي الشَّيخ،
(١) انظر تخريجه في ((المسند)) (٤٥٥١) و(٦٠٥١).
(٢) سيأتي في الصيام برقم (١٩١٨) إلا أنه لم يُسمَّ هناك.
(٣) قوله: ((والمعروف أنه ... إلخ)) ذهول بيِّن، وقد ذكر قبلُ أنه الأعمى المذكور في سورة عبس، وهي سورة
مكية باتفاق أهل العلم.
(٤) وكذلك أخرجه ابن حبان (٣٤٦٩) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب.
(٥) أخرجه من طريق إسماعيل بن إسحاق أيضاً البيهقي ١/ ٤٢٦.

٥٢
باب ١١ / ح ٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وتمتامٌ(١) عند أبي نُعيم، وعثمانُ الدّارميُّ عند البيهقيِّ (٣٨٠/١)، كلَّهم عن القَعْنبيّ. وعلى
هذا ففي رواية البخاري إدراجٌ. ويجاب عن ذلك بأنَّه لا يمنعُ كونُ ابنِ شهاب قاله أن
يكون شيخُه قاله، وكذا شيخ شيخه، وقد رواه البيهقيُّ (١/ ٣٨٠) من رواية الرَّبيع بن
سليمان عن ابن وَهْب عن يونسَ والليث جميعاً عن ابن شهاب وفيه: ((قال سالم، وكان
رجلاً ضريرَ البَصَر))، ففي هذا أنَّ شيخ ابن شهاب قاله أيضاً، وسيأتي في كتاب الصيام
(١٩١٨) عن المصنِّ من وجهٍ آخرَ عن ابن عمر ما يُؤدّي معناه، وسنذكر لفظه قريباً،
فثبتت صِحَّهُ وصله.
ولابنِ شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٤) عن مَعمَر عنه عن سعيد بن
المسيّب، وفيه الزِّيادة، قال ابن عبد البَرِّ: هو حديث آخرُ لابنِ شهاب، وقد وافَقَ ابنُ
إسحاق معمراً فیه عن ابن شهاب.
قوله: ((أصبَحْتَ أصبَحْتَ)) أي: دخلتَ في الصَّباح، هذا ظاهره، واستُشكِلَ لأنَّه جَعَلَ
أذانَه غايةً للأكل، فلو لم يؤذِّن حتَّى يدخلَ الصُّبح للَزِمَ منه جوازُ الأكلِ بعد طلوعِ الفجر،
والإجماع على خلافه إلَّا مَن شَذَّ كالأعمَش.
وأجاب ابن حبيب وابن عبد البَرِّ والأَصِيلِيُّ وجماعة من الشُّاح بأنَّ المراد: قارَبْتَ
الصَّباح، ويُعِّرُ على هذا الجواب أنَّ في رواية الرَّبيع التي قدَّمناها، ((ولم يكن يؤذِّن حتَّى
يقول له الناس حين يَنظُرُون إلى بُزوغ الفجر: أذِّن))، وأبلَغُ من ذلك أنَّ لفظَ رواية المصنَّف
التي في الصيام: ((حتَّى يؤذِّنَ ابنُ أمّ مكتوم، فإنَّه لا يؤذِّنُ حتَّى يَطلُعَ الفجرُ))، وإنَّما قلت: إنَّه
أبلَغُ، لكون جميعه من كلام النبيّ ◌َّه، وأيضاً فقوله: ((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ)) يُشعِرُ أنَّ ابن أمّ
مكتوم بخلافه، ولأنَّه لو كان قبلَ الصبح لم يكن بينه وبينَ بلال فرقٌ، لصِدقِ أنَّ كلَّ منهما
أَذَّنَ قبلَ الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال، وأقربُ ما يقال فيه: إنَّ أذانَه جُعِلَ
(١) تحرف في (س) إلى: تمام. وتمتام هذا هو محمد بن غالب البصري، المتوفى سنة (٢٨٣ هـ)، انظر ((سير
أعلام النبلاء)» ٣٩٠/١٣-٣٩٣. وأما تمّام فهو تمّام بن محمد الرازي صاحب ((الفوائد))، المتوفى سنة
(٤١٤ هـ)، انظر ((السير)» ٢٨٩/١٧-٢٩٣، والأول هو في طبقة من يروي عن القعنبي.

٥٣
باب ١١ / ح ٦١٧
أبواب الأذان
علامةً لتحريم الأكل والشُّرب، وكأنَّه كان له مَن يُراعي الوقتَ بحيثُ يكون أذانه مُقارناً
لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبُزوغ، وعند أخذِه في الأذان يعترضُ الفجرُ في الأُفق.
ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه لا يَلزَم من كون المراد بقولهم: ((أصبَحْت))، أي: قارَبتَ الصَّباح، وقوعُ
أذانه قبلَ الفجرِ، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزءٍ من الليل، وأذانُه يقع في
أوَّل جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مُستَبعَداً في العادة، فليس بمُستَبعَدٍ من مؤذِّنٍ
النبيِّ وَِّ المؤكَّدِ بالملائكة، ولا يُشاركُه فيه مَن لم يكن بتلك الصِّفة، وقد روى أبو قُرَّةَ من
وجه آخرَ عن ابن عمر حديثاً فيه: وكان ابن أمّ مكتوم يتوخَى الفجر فلا يُخْطِئُهُ(١).
وفي هذا الحديث جوازُ الأذان قبلَ طلوع الفجر، وسيأتي بعد باب، واستحباب أذان
واحد بعد واحد،/ وأمَّا أذان اثنين معاً فمَنَعَ منه قومٌ، ويقال: إنَّ أوَّل مَن أحدَثَه بنو أُميَّة، ١٠١/٢
وقال الشافعيَّة: لا يُكرَه إلَّا إن حَصَلَ من ذلك تهويشٌ، واستُدلَّ به على جواز اِّخاذ مؤذِّنینِ
في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأمَّا الزّيادة على الاثنين فليس في الحدیث تعرُّضُ
له. انتهى، ونصَّ الشافعيُّ على جوازه، ولفظه: ولا تضييقَ إن أذَّنَ أكثرُ من اثنين. وعلى
جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وفيه أو جُهُ، واختُلِفَ فيه الترجيح، وصحَّح
النَّوَويّ في كتبِه أنَّ الأعمى والبصير اعتمادَ المؤذِّن الثِّقة. وعلى جواز شهادة الأعمى،
وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات(٢).
وعلى جواز العمل بخيرِ الواحد، وعلى أنَّ ما بعد الفجر من حكم النهار، وعلى جواز
الأكل مع الشكّ في طلوع الفجر لأنَّ الأصل بقاءُ الليل، وخالَفَ في ذلك مالك فقال:
يجبُ القضاء. وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفاً به وإن لم يُشاهد
الراوي، وخالَفَ في ذلك شُعْبة لاحتمال الاشتباه. وعلى جواز ذِكْر الرجل بما فيه من
(١) أخرجه أبو قرة موسى بن طارق الزُّبيدي في كتابه ((السنن)) كما بيّنه الحافظ في ((الإصابة)) ٣٧٥/٤، ولم
نقف على هذا الكتاب مطبوعاً، وقد أخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٧/٤، وفي إسناده
موسى بن عُبيدة الرَّبدي، وهو ضعيف الحديث.
(٢) في باب رقم (١١): باب شهادة الأعمى.
٠

٥٤
باب ١٢ / ح ٦١٨
فتح الباري بشرح البخاري
العاهة إذا كان يقصد التَّعريف ونحوَه، وجواز نسبة الرجل إلى أمّه إذا اشتهرَ بذلك
واحتیجَ إليه.
١٢ - باب الأذان بعد الفجر
٦١٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ،
قال: أخبَرَتْني حفصةُ: أنَّ رسولَ الله وََّ كان إذا اعتكَفَ المؤذِّنُ للصبح، وبَدَا الصبحُ، صَلَّى
رَكْعَتَينِ خفيفتَينِ قبلَ أنْ تُقامَ الصلاةُ.
[طرفاه في: ١١٨١،١١٧٣]
قوله: ((باب الأذان بعد الفجر)) قال الزَّينُ بن المنيِّر: قدَّمَ المصنّفُ ترجمة الأذان بعد
الفجر على ترجمة الأذان قبلَ الفجر فخالَفَ الترتيب الوجودي، لأنَّ الأصل في الشَّرع أن
لا يُؤْذَّنَ إلَّا بعد دخول الوقت، فقدَّمَ ترجمة الأصل على ما نَدَرَ عنه. وأشارَ ابن بَطَّالٍ إلى
الاعتراض على الترجمة بأنَّه لا خلاف فيه بين الأئمّة، وإنَّما الخلاف في جوازه قبلَ الفجر.
والذي يظهرُ لي أنَّ مراد المصنِّف بالتَّرجمتين أن يُبيِّنَ أنَّ المعنى الذي كان يُؤذَّن لأجلِه قبلَ
الفجرِ غيرُ المعنى الذي كان يُؤذَّن لأجلِه بعد الفجر، وأنَّ الأذان قبلَ الفجر لا يُكتفَى به
عن الأذان بعده، وأنَّ أذان ابن أمّ مكتوم لم يكن يقع قبلَ الفجر، والله أعلم.
قوله: ((كان إذا اعتكَفَ المؤذِّنُ للصبح)» هكذا وقع عند جمهور رواه البخاري، وفيه نظرٌ،
وقد استَشكَله كثيرٌ من العلماء، ووَجَّهَه بعضهم كما سيأتي، والحديث في ((الموطَّأ)» (١٢٧/١)
١٠٢/٢ عند جميع رواته بلفظ: / كان إذا سَكَتَ المؤذِّن من الأذان لصلاة الصبح، وكذا رواه مسلم
(٧٢٣) وغيره، وهو الصواب، وقد أُصلِحَ في رواية ابن شَبّويه عن الفِرَبْريِّ كذلك، وفي
رواية الهَمْدانيِّ: كان إذا أذَّن، بدلَ: اعتكَف، وهي أشبه بالرواية المُصَوَّبة. ووقع في رواية
النَّسَفيِّ عن البخاري بلفظ: كان إذا اعتكَفَ وأَذَّنَ المؤذِّن. وهو يقتضي أنَّ صنيعَه ذلك
كان مُختصّاً بحال اعتكافه، وليس كذلك، والظاهر أنَّه من إصلاحه. وقد أطلَقَ جماعة من
الْحُفّاظ القول بأنَّ الوَهْمَ فيه من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري.

٥٥
باب ١٢ / ح ٦١٩
أبواب الأذان
ووَجَّهَه ابن بَطَّالٍ وغيرُه بأنَّ معنى ((اعتكَفَ المؤذِّن)) أي: لازمَ ارتقابَه ونَظَرَه إلى مَطَع
الصبح ليؤذِّنَ عند أوَّل إدراكه، قالوا: وأصلُ العُكوف لُزوم الإقامة بمكانٍ واحد. وتُعُقِّبَ
بأنَّه يَلزَمُ منه أنَّه كان لا يُصلّيهما إلَّا إذا وقع ذلك من المؤذِّن لما يقتضيه مفهومُ الشَّرط،
وليس كذلك لمواظَيتِهِ عليهما مُطلَقاً، والحَقّ أنَّ لفظ ((اعتكف)) مُرَّفٌ من لفظ ((سَكَت))،
وقد أخرجه المؤلِّفُ (١١٨١) في ((باب الرَّكعتين بعد الظُّهر)) من طريق أيوبَ عن نافع
بلفظ: كان إذا أذَّنَ المؤذِّن وطلع الفجر.
قوله: ((وَبَدَا الصبح)) بغير همٍ، أي: ظَهَر، وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فصحَّح أنَّه بالنُّون المكسورة
والهمز بعد المدِّ، وكأنَّه ظنَّ أنَّه معطوف على قوله: ((للصُّبح)) فيكون التقدير: اعتكفَ لنداء
الصبح، وليس كذلك، فإنَّ الحديث في جميع النسخ من ((الموطَّأ)» والبخاري ومسلم وغيرها
بالباء الموحَّدة المفتوحة وبعد الدّال ألفٌ مقصورةٌ، والواوُ فيه واوُ الحال لا واو العطف،
وبذلك تَتِمُّ مُطابقةُ الحديث للترجمة، وسيأتي بقيَّةُ الكلام عليه في أبواب التطوُّع (١١٧٣)
إن شاء الله تعالى.
٦١٩- حدّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن عائشةَ: كان
النبيُّ ◌َّه يُصلِّ رَكْعتَينِ خفيفتَينِ بينَ النِّداءِ والإقامةِ من صلاةِ الصبحِ.
[طرفه في: ١١٥٩]
قوله: ((عن یحیی)) هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((بين النِّداء والإقامة)) قال الزّينُ بن المنيِر: حديث عائشة أبعَدُ في الاستدلال به
للترجمة من حديث حفصة، لأنَّ قولها: ((بينَ النِّداء والإقامة)) لا يَستَلِزِم كَونَ الأذان بعد
الفجر. ثمَّ أجاب عن ذلك بما مُحُصَّلُه: أنَّها عَنَت بالرَّكعتين ركعتَي الفجر، وهما لا يُصلَّيان
إلَّا بعد الفجر، فإذا صلَّاهما بعد الأذان استلزَمَ أن يكون الأذان وقع بعد الفجر. انتهى،
وهو مع ما فيه من التكلَّف غيرُ سالم من الانتقاد. والذي عندي أنَّ المصنّف جَرَى على
عادتِه في الإيماء إلى بعض ما وَرَدَ في طرق الحديث الذي يَستدِلَّ به، وبيان ذلك فيما أورَدَه

٥٦
باب ١٢ / ح ٦٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
(٦٢٦) بعد بابينٍ من وجهٍ آخرَ عن عائشةَ ولفظُه: ((كان إذا سَكَتَ المؤذِّنُ، قامَ فَرَكَعَ
ركعتين خفيفتَينِ قبلَ صلاة الصبح بعد أن يستبينَ الفجرُ.
٦٢٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ
عمرَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِّه قال: ((إنَّ بلالاً يُنادي بليلٍ، فَكُلُوا واشَرَبُوا حتَّى يُناديَ ابنُ أمِّ مكتومٍ».
قوله: ((عن عبد الله بن دينار)) هذا إسنادٌ آخرُ لمالكِ في هذا الحديث، قال ابن عبد البَرِّ:
لم يُخْتَلَف عليه فيه. واعتَرَضَ ابن التَّيميِّ فقال: هذا الحديث لا يدلُّ على الترجمة، لجِعْلِه
غايةَ الأكل ابتداءَ أذان ابن أمِّ مكتوم، فدلَّ على أنَّ أذانَه كان يقع قبلَ الفجر بقليلٍ. وجوابه
ما تقدَّم تقريره في الباب الذي قبله.
وقال الزَّينُ بن المنيِر: الاستدلال بحديث ابن عمر أوجَهُ من غيره، فإنَّ قوله: ((حتَّى
يناديَ ابن أمّ مكتوم)» يقتضي أنَّه ينادي حين يَطلُعُ الفجر، لأنَّه لو كان ينادي قبلَه لكان
کېلالٍ ینادي بلیلٍ.
تنبيه: قال ابن مَندَه: حديث عبد الله بن دينار مُجمَعٌ على صِخَّته، ورواه جماعة من
أصحابه عنه، ورواه عنه شُعْبةُ فاختُلِفَ عليه فيه: رواه يزيدُ بن هارون عنه على الشكّ: «إنَّ
بلالاً - كما هو المشهور - أو إنَّ ابن أمّ مكتوم ينادي بليلٍ، فكلوا واشرَبوا حتَّى يؤذِّنَ بلالٌ))
قال: ولشُعْبةَ فيه إسنادٌ آخرُ، فإنَّه رواه أيضاً عن خُبَيْبٍ بن عبد الرحمن عن عَمَّتِه أُنيسة
فذكره على الشكِّ أيضاً، أخرجه أحمدُ عن غُندَر عنه (٥٤٩٨)، ورواه أبو داود الطَّيالسُّ
(١٧٦٦) عنه جازماً بالأوَّل، ورواه أبو الوليد عنه جازماً بالثاني، وكذا أخرجه ابن خُزيمة
(٤٠٥) وابن المنذر وابن حِبَّن(١) من طرق عن شُعْبة، وكذلك أخرجه الطَّحاويُّ (١٣٨/١)
والطَّبرانيُّ (٢٤/ ٤٨٢) من طريق منصور بن زاذانَ عن خُبِيبٍ بن عبد الرحمن.
١٠٣/٢ وادَّعَى ابن عبد البَرِّ وجماعة من الأئمّة بأنَّه مقلوب، وأنَّ الصواب حديث الباب،
وقد كنت أميلُ إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في ((صحيح ابن خُزَيمة)) من طريقَيْنِ آخرَينٍ
(١) لم يخرجه ابن حبان من طريق شعبة، وإنما أخرجه (٣٤٧٤) من طريق منصور بن زاذان عن خُبيب بن
عبد الرحمن.

٥٧
باب ١٢ / ح ٦٢٠
أبواب الأذان
(٤٠٣ و١٩٣٢) عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يُبعِدُ وقوع الوَهْم فيه، وهو قوله: ((إذا
أَذَّنَ عَمْرو فإنَّه ضرير البَصَر فلا يَغرَّنَّكم، وإذا أُذَّنَ بلالٌ فلا يَطعَمَنَّ أحدٌ))، وأخرجه أحمد
(٢٥٥٢١). وجاءَ عن عائشة أيضاً أنَّها كانت تُنكِرُ حديث ابن عمر وتقول: إِنَّه غلطٌ،
أخرج ذلك البيهقيُّ (٣٨٢/١) من طريق الدَّرَاوَرديِّ عن هشام عن أبيه عنها، فذكر
الحديث وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُصِر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غَلِطَ ابن
عمر، انتھی.
وقد جمع ابنُ خُزيمة والصِّبْغيُّ بين الحديثين بما حاصلُه: أنَّه يحتمل أن يكون الأذان
كان نَوْباً بين بلال وابن أمّ مكتوم، فكان النبيّ وَّهِ يُعلِمُ الناس أنَّ أذان الأوَّل منهما لا يُرِّمُ
على الصائم شيئاً، ولا يدلّ على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني. وجَزَمَ ابن حِبَّان
بذلك ولم يُبدِه احتمالاً، وأنكَرَ ذلك عليه الضُّياء وغيرُه.
وقيل: لم يكن نَوْباً، وإنَّما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإنَّ بلالاً كان في أوَّل ما شُرِعَ
الأذان يؤذِّنُ وحدَه، ولا يؤذِّنُ للصُّبح حتَّى يَطلُعَ الفجر، وعلى ذلك تُحمَلُ رواية عُرْوةً
عن امرأة من بني النَّجّار قالت: كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا
رأى الفجر تَمَطَّى ثمَّ أَذَّن، أخرجه أبو داود (٥١٩) وإسناده حسن، ورواية حميدٍ عن أنس:
أنَّ سائلاً سألَ عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله وَ ◌ّه بلالاً فأذَّنَ حين طلع الفجر،
الحديث، أخرجه النَّسائيُّ (٦٤٢) وإسناده صحيح. ثمَّ أُردِفَ بابنِ أمّ مكتوم، فكان يؤذِّن
بليلٍ واستَمَرَّ بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تُنَزَّل رواية أُنَيسةَ وغيرها، ثمَّ في آخر
الأمر أُخّرَ ابن أمّ مكتوم لضعفِه وؤُكِّلَ به مَن يُراعي له الفجر، واستقرَّ أذانُ بلال بليل.
وكان سبب ذلك ما رُوِيَ أنَّه ربَّما كان أخطأ الفجر فأذَّنَ قبلَ طلوعه، وأنَّه أخطأ مرَّةً
فأمره النبيُّ ◌َّ أَن يَرجِعَ فيقول: ((ألا إنَّ العبد نام)) يعني أنَّ غَلَبَةَ النوم على عينيه مَنَعَتْه من
تبيّنِ الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود (٥٣٢) وغيرُه من طريق حمّاد بن سَلَمة عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً، ورجاله ثقات حُفّاظ، لكن اتَّفَقَ أئمّة الحديث عليُّ
ابن المَدِينِيّ وأحمد بن حنبل والبخاري والذُّهْلِيُّ وأبو حاتم وأبو داود والتِّرمِذيُّ والأثرَمُ

٥٨
باب ١٣ / ح ٦٢١
فتح الباري بشرح البخاري
والدَّارَ قُطنيّ على أنَّ حَمَّاداً أخطأ في رفعِه، وأنَّ الصواب وقفُه على عمر بن الخطّاب، وأنَّه هو
الذي وقع له ذلك مع مؤذِّنِهِ، وأنَّ حَمَّاداً انفرد برفعِه.
ومع ذلك فقد وُجِدَ له متابعٌ، أخرجه البيهقيُّ (٣٨٣/١) من طريق سعيد بن زَرْبِيِّ
- وهو بفتح الزّاي وسكون الرَّاء بعدها مُوخَّدةٌ ثمَّ ياءٌ كياء النَّسَب - فرواه عن أيوبَ
موصولاً، لكنْ سعيدٌ ضعيفٌ. ورواه عبد الرزاق (١٨٨٨) عن مَعمَر عن أيوب أيضاً،
لكنَّه أعضَلَه فلم يَذكُر نافعاً ولا ابنَ عمر. وله طريق أُخرى عن نافع عند الدَّارَ قُطنيّ
(٩٥٨) وغيره اختُلِفَ في رفعِها ووَقِفِها أيضاً، وأُخرى مُرسَلة (٩٥٧) من طريق يونس بن
عبيدٍ وغيره عن حميد بن هلالٍ، وأُخرى (٩٦٠) من طريق سعيد عن قتادةً مُرسَلة،
ووَصَلها (٩٥٩) يونُس عن سعيد بذِكْر أنس، وهذه طرق يقوِّي بعضُها بعضاً قوَّةً ظاهرةً،
فلهذا - والله أعلم - استقرَّ بلالٌ يؤذِّن الأذان الأوَّل، وسنذكر اختلافَهم في تعيين الوقت
المراد من قوله: ((يؤذِّن بليلٍ)) في الباب الذي بعد هذا.
١٣ - باب الأذان قبلَ الفجر
٦٢١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا سليمانُ الَّيميُّ، عن أبي عثمانَ
النَّهْدِيِّ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((لا يَمْنَعَنَّ أحدكم - أو أحداً منكم - أذانُ
بلالٍ من سَحُورِهِ، فإِنَّه يؤذِّنُ - أو يُنادي - بليلٍ لِتَرجِعَ قائمَكم وليُبِّهَ نائمَكم، وليس أنْ يقولَ
٠٤/٢ ١الفجرُ أو الصبحُ)) وقال بأصابعِه ورفعها / إلى فوقُ وطَْطَأَ إلى أسفلُ حتَّى يقولَ هكذا.
وقال زهيرٌ: بسَبّابتَيّه إحداهما فوقَ الأخرَى، ثمَّ مَدَّها عن يمينه وشمالِه.
[طرفاه في: ٧٢٤٧،٥٢٩٨]
قوله: ((باب الأذان قبلَ الفجر)) أي: ما حكمُه؟ هل يُشرَع أو لا؟ وإذا شُرِعَ هل يُكتَفَى
به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ وإلى مشروعيَّتّه مُطلَقاً ذهب الجمهور، وخالَفَ
الثَّوريّ وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مُطلَقاً ذهب مالكٌ والشافعيّ وأحمد وأصحابهم،
وخالَفَ ابن خُزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث، وقال به الغَزاليّ في ((الإحياء))،
واذَّعَى بعضهم أنَّه لم يَرِدْ في شيء من الحديث ما يدلُّ على الاكتفاء، وتُعُقِّبَ بحديث
:

٥٩
باب ١٣ / ح ٦٢١
أبواب الأذان
الباب، وأُجيبَ بأنَّه مَسكوت عنه فلا يدلُّ على التنزُّل، فمحلُّه فيما إذا لم يَرِدْ نُطقٌ بخلافه،
وهنا قد وَرَدَ حديث ابن عمر وعائشة بما يُشعِرُ بعدم الاكتفاء، وكأنَّ هذا هو السُّ في إيراد
البخاري لحديثهما في هذا الباب عَقِبَ حديث ابن مسعود، نَعَم حديث زياد بن الحارث
عند أبي داود (٥١٤) يدلُّ على الاكتفاء، فإنَّ فيه: أنَّه أذَّنَ قبلَ الفجر بأمرِ النبيّ وَِّ، وأَنَّه
استأذَنه في الإقامة فمَنَعَه، إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكنْ في إسناده ضعفٌ. وأيضاً
فهي واقعةُ عينٍ وكانت في سفر، ومن ثَمَّ قال القُرطبيّ: إنَّه مذهبٌ واضحٌ، غيرَ أنَّ العملَ
المنقولَ بالمدينة على خلافه. انتهى، فلم يَرُدَّ إلَّا بالعملِ على قاعدة المالكيَّة.
وادَّعَى بعضُ الحنفيَّة - كما حكاه السَّرُوجيُّ منهم - أنَّ النِّداء قبلَ الفجر لم يكن بألفاظِ
الأذان، وإنَّما كان تذكيراً أو تسحيراً كما يقع للناس اليوم، وهذا مردودٌ، لأنَّ الذي يصنعُه
الناس اليومَ مُحدَثٌ قطعاً، وقد تظافَرَتِ(١) الطُّرُق على التعبير بلفظ الأذان، فحملُه على
معناه الشّرعيّ مُقدَّمٌ، ولأنَّ الأذان الأوَّل لو كان بألفاظِ مخصوصةٍ لمَا التَبَسَ على
السامعين. وسياق الخبر يقتضي أنَّه خَشِيَ عليهم الالتباس. واذَّعَى ابنُ القَطّان أنَّ ذلك
کان في رمضان خاصَّةً، وفيه نظرٌ.
قوله: ((زهير)) هو ابن معاويةَ الجُعْفيُّ.
قوله: ((عن أبي عثمانَ)) في رواية ابن خُزيمة (٤٠٢) من طريق مُعتمِر بن سليمان عن أبيه:
((حدَّثنا أبو عثمان))، ولم أرَ هذا الحديث من حديث ابن مسعود في شيء من الطُّرق إلّا من
رواية أبي عثمان عنه، ولا من رواية أبي عثمان إلَّا من رواية سليمان الشَّميِّ عنه. واشتهرَ عن
سليمان، وله شاهدٌ في ((صحيح مسلم)) (١٠٩٤) من حديث سَمُرةَ بن جُندُبٍ.
قوله: ((أحدَكم أو أحداً منكم)) شكٌّ من الراوي، وكلاهما يفيدُ العمومَ وإن اختلفت
الحيثيّةُ.
قوله: ((من سَحُورِه) بفتح أوَّلِهِ: اسمٌ لما يُؤْكَلُ في السَّحَر، ويجوزُ الضمُّ وهو اسم الفعل.
(١) في (س): تضافرت. وكلاهما صواب، يقال: تضافر القومُ وتظافَروا: إذا تعاونوا وتجمّعوا. انظر ((لسان
العرب» مادة (ضفر).

٦٠
باب ١٣ / ح ٦٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((لَيَرجِعَ)) بفتح الياء وكسر الجيم المخفَّفة، يُستَعمَلُ هذا لازماً ومتعدِّياً، يقال:
رجع زيدٌ، وَرَجَعتُ زيداً، ولا يقال في المتعدِّي بالتثقيل. فعلى هذا مَن رواه بالضمّ
والتثقيل أخطأ، فإنَّه يصيرُ من الترجيع: وهو التَّرَديدُ، وليس مراداً هنا، وإنَّما معناه: يردُّ
١٠٥/٢ القائمَ - أي: المتهجِّدَ - إلى راحَتِه ليقومَ إلى صلاة الصبح نشيطاً،/ أو يكون له حاجة إلى
الصيام فيتسخَّرُ، ويُوقِظ النائمَ ليتأهَّب لها بالغُسلِ ونحوه، وتمسّك الطَّحاويُّ بحديث ابن
مسعود هذا لمذهبِه، فقال: فقد أخبر أنَّ ذلك النِّداء كان لِمَا ذُكِرَ لا للصلاة. وتُعُقِّبَ بأنَّ
قوله: «لا للصلاة) زيادة في الخبر، ولیس فیه حصرٌ فیما ذُكر.
فإن قيل: تقدَّم في تعريف الأذان الشَّرعيّ أنَّه إعلامُ بدخول وقت الصلاة بألفاظِ
مخصوصةٍ، والأذان قبلَ الوقت ليس إعلاماً بالوقت، فالجواب: أنَّ الإعلام بالوقت أعمُّ من
أن يكون إعلاماً بأنَّه دخل أو قارَبَ أن يدخل، وإنَّما اختَصَّت الصبحُ بذلك من بينِ
الصَّلَوات، لأنَّ الصلاة في أوَّلِ وقتها مُرغَّبٌ فيه، والصبح يأتي غالباً عَقِبَ نومٍ، فناسَبَ أن
يُنصَّبَ مَن يُوقِظُ الناسَ قبلَ دخول وقتها، ليتأهَّبوا ويُدرِكوا فضيلةَ أوَّل الوقت، والله أعلم.
قوله: ((وليس أنْ يقول الفجرُ)) فيه إطلاقُ القول على الفعل أي: يظهرُ، وكذا قوله:
((وقال بأصابِعِه ورفعها)) أي: أشار، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بإصبعيه ورفعهما)).
قوله: ((إلى فوقُ)) بالضمِّ على البناء، وكذا ((أسفلُ)) لنيَّة المضاف إليه دون لفظه، نحو
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
قوله: ((وقال زهيرٌ)) أي: الراوي، وهي أيضاً بمعنى: أشار، وكأنَّه جمع بين إصبعيه ثمّ
فَّقَهما، لِيَحكيَ صفةَ الفجر الصادق، لأنَّه يَطلُعُ مُعتَرِضاً ثمَّ يَعُمُّ الأُفَقَ ذاهباً يميناً وشمالاً،
بخلاف الفجر الكاذِب، وهو الذي تُسمّيه العربُ ((ذَنَبَ السِّرْحان))، فإنَّه يظهرُ في أعلى
السَّماء ثمَّ ينخفضُ، وإلى ذلك أشارَ بقوله: رفع وطَأطاً، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق
عيسى بن يونس عن سليمان: ((فإنَّ الفجر ليس هكذا ولا هكذا، ولكنَّ الفجرَ هكذا))(١)،
(١) أخرجه من طريق عيسى بن يونس أيضاً ابنُ الجارود في ((المنتقى)) (١٥٤).