النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٤ / ح ٦٠٨ أبواب الأذان يَخْطُرَ بِينَ المَرْءِ وَنَفْسِه يقول: اذكُرْ كذا اذكُرْ كذا، لِما لم يكنْ يَذْكُرُ، حتَّى يَظَلَّ الرجلُ لا يدري کم صَلَّى)). [أطرافه في: ١٢٢٢، ١٢٣٢، ١٢٣٢، ٣٢٨٥] قوله: ((باب فضل التأذين)) راعَى المصنِّفُ لفظ ((التأذين)) لوُرودِه في حديث الباب، ٨٥/٢ وقال الَّينُ بن المنيِر: التأذينُ يتناول جميع ما يَصدُرُ عن المؤذِّن من قولٍ وفعلٍ وهيئة، وحقيقة الأذان تُعقَلُ بدون ذلك. كذا قال، والظاهر أنَّ التأذين هنا أُطلِقَ بمعنى الأذان لقوله في الحديث: ((حتَّى لا يسمع التأذين))، وفي روايةٍ لمسلم (١٦/٣٨٩): ((حتَّى لا يسمع صوتَه)) فالتقييد بالسَّماع لا يدلُّ على فعلٍ ولا هيئةٍ، مع أنَّ ذلك هو الأصل في المصدر. قوله: ((إذا نُوديَ للصلاة)) وَللنَّسائيِّ عن قُتيبةَ عن مالك: ((بالصلاة))، وهي روايةٌ لمسلم أيضاً (١)، ويُمكِنُ حملُهما على معنى واحدٍ. قوله: ((له ضُراطٌ)) جملة اسميَّة وَقَعَت حالاً بدون واوٍ لحصول الارتباط بالضَّمير، وفي رواية الأَصِيلِيِّ: ((وله ضُراط)) وهي للمصنِّ (٣٢٨٥) من وجهٍ آخرَ في بَدْء الخلق، قال عياض: يُمكِنُ حملُه على ظاهره، لأنَّه جسمٌ مُتَغَذِّ يَصِحّ منه خروج الرِّيح، ويحتملُ أنَّهَا عبارة عن شِدَّةِ نِفاره، ويُقوِّيه رواية لمسلم (٣٨٩/ ١٧): «له حُصاصٌ)) بمُهمَلاتٍ مضموم الأوَّل، فقد فسَّرَه الأصمَعيُّ وغيرُه بشِدَّة العَدْو. وقال الطِّييُّ: شَبَّهَ شَغْلَ الشيطانِ نفسَه عن سماع الأذان بالصوتِ الذي يَملَأْ السَّمع ويمنعه عن سماع غيره، ثمَّ سمّاه ضُراطاً تقبيحاً له. تنبيه: الظاهر أنَّ المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدلُّ كلام كثير من الشُّراح كما سيأتي، ويحتملُ أنَّ المراد جنس الشيطان، وهو كلَّ متمرِّد من الجنّ والإنس، لكنَّ المراد هنا شيطانٌ (١) في المطبوع للنسائي في ((المجتبى)) (٦٧٠) وفي ((الكبرى)) (١٦٤٦): للصلاة. ولم نقف عليه بهذا اللفظ في مسلم، وهو عند أحمد (٨١٣٩) من طريق همام، وأخرجه مسلم (٣٨٩) (٢٠) من هذا الطريق ولم يسق لفظه، وهي رواية المصنف في بدء الخلق (٣٢٨٥). ٢٢ باب ٤ / ح ٦٠٨ فتح الباري بشرح البخاري الجنّ خاصَّةً. قوله: ((حتَّى لا يسمع التأذين)) ظاهره أنَّه يتعمَّد إخراجَ ذلك إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بسماع الصوت الذي يُخْرِجُه عن سماع المؤذِّن، أو يصنع ذلك استخفافاً كما يفعله السُّفَهاءُ، ويحتملُ أن لا يتعمَّدَ ذلك بل يَحصُلُ له عند سماع الأذان شِدَّةُ خوفٍ تَحَدُث له ذلك الصوت بسببها، ويحتملُ أن يتعمَّدَ ذلك ليقابل ما يُناسب الصلاة من الطَّهارة بالحَدَث، واستدلَّ به على استحباب رَفْع الصوت بالأذان، لأنَّ قوله: ((حتَّى لا يَسمَع)) ظاهر في أنَّه يَبعُدُ إلى غايةٍ ینتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بیانُ الغاية في رواية لمسلم (٣٨٨) من حديث جابر فقال: ((حتَّى يكون مكانَ الرَّوْحاء))، وحكى الأعمش عن أبي سفيان راويه عن جابر: أنَّ بين المدينة والرَّوحاء ستَّةً وثلاثينَ مِيلاً، هذه رواية قُتيبةَ عن جَرِير عند مسلم، وأخرجه عن إسحاقَ عن جَرِير ولم يَسُق لفظه، ولفظ إسحاق في («مسنده): ((حتَّى يكون بالرَّوحاء، وهي ثلاثون ميلاً من المدينة)) فأدرَجَه في الخبر (١)، والمعتمَد رواية قُتيبة، وسيأتي حديث أبي سعيد في ((فضل رفع الصوت بالأذان)» بعدُ. قوله: ((قُضِيَ)) بضمِّ أوَّلِه، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويُروَى بفتح أوَّلِه على حَذْف الفاعل، والمراد المنادي. واستُدلَّ به على أنَّه كان بين الأذان والإقامة فصلٌ، خلافاً لمن شَرَطَ في إدراك فضيلة أوَّل الوقت أن ينطبقَ أوَّلُ التكبير على أوَّل الوقت. قوله: ((أقبَلَ)) زاد مسلم (١٦/٣٨٩) في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فَوَسَوَس)). قوله: ((إذا ثُوِّبَ)) بضمِّ المثلَّثة وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثابَ: إذا رَجَع، وقيل: من ثَوَّبَ: إذا أشارَ بثوبه عند الفراغ لإعلام غيره، قال الجمهور: المراد بالتَّثْوِيبِ هنا الإقامة، وبذلك جَزَمَ أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٩٧٥) والخطَّبيُّ والبيهقيُّ وغيرُهم، قال القُرطبيّ: ثُوِّبَ بالصلاة: إذا أُقيمَت، وأصلُهُ أَنَّه رجع إلى ما يُشبِهِ الأذان، وكلُّ مُردِّدٍ صوتاً (١) وكذلك جاء مُدرجاً في الخبر عند ابن أبي شيبة ٢٢٩/١، وأحمد (١٤٤٠٤)، وعبد بن حميد (١٠٣٢)، والبيهقي ٤٣٢/١ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش. ٢٣ باب ٤ / ح ٦٠٨ أبواب الأذان فهو مُثوِّبٌ، ويدلَّ عليه رواية مسلم (٣٨٩/ ١٦) في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فإذا سمع الإقامة ذهب)). وزَعَمَ بعضُ الكوفيّينَ أنَّ المراد بالتَّويبِ قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة: ((حيَّ على ٨٦/٢ الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة))، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفةَ وزَعَمَ أنَّه تَفرَّدَ به، لكن في ((سنن أبي داود)) عن ابن عمرَ: أنَّه كَرِهَ الَّثْويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلُّ على أنَّ له سَلَفاً في الجملة، ويحتملُ أن يكون الذي تَفرَّدَ به القول الخاص، وقال الخطَّبيُّ: لا يَعرِفُ العامَّةُ الَّتويبَ إلَّا قول المؤذِّن في الأذان: ((الصلاة خيرٌ من النوم))، لكنَّ المراد به في هذا الحديث الإقامةُ، والله أعلم. قوله: (أقبَلَ حتَّى يَخْطُرَ)) بضمِّ الطَّاء، قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرُّواة، وضبطناه عن المتقِنِينَ بالكسر، وهو الوجه، ومعناه: يُؤَسوِسُ، وأصلُه من: خَطَرَ البعيرُ بِذَنَبِهِ: إذا حَرَّكَه فضَرَبَ به فَخِذَيه، وأمَّا بالضمِّ فمن المُرور، أي: يدنو منه فيَمُرُّ بينه وبينَ قلبِهِ فِيَشْغَلُه، وضَعَّفَ الهَجَرُّ(١) في (نوادره)) الضمَّ مُطلَقاً، وقال: هو يَخْطِرُ بالكسر في كلِّ شيءٍ. قوله: ((بينَ المَرْء ونَفْسه)) أي: قلبه، وكذا هو للمصنَّف من وجه آخرَ في بَدْء الخلق، قال الباجيُّ: المعنى أنَّه يَحُولُ بين المَرْء وبينَ ما يريدُه من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها. قوله: ((يقول: اذكُرْ كذا اذكُرْ كذا» وقع في رواية کَرِیمة بواو العطف: ((واذکر کذا» وهي لمسلم (١٩/٣٨٩)، وللمصنِّف في صلاة السَّهو (١٢٣١) ((اذكُر كذا وكذا))، زاد مسلم (٨٤/٥٦٩) من رواية عبدٍ رَبّه عن الأعرَج: «فهَنّاه ومَنّاه وذَكَّرَه من حاجاته ما لم یکن یذکر)». قوله: ((لما لم يكنْ يَذكُر)) أي: لشيءٍ لم يكن على ذِكْره قبلَ دخوله في الصلاة، وفي رواية (١) تحرف في (س) إلى: الحجري. والهجري هذا: هو هارون بن زكريا أبو علي الهجري، ومن كتبه ((التعليقات والنوادر)) وبعضهم يسميه ((النوادر المفيدة)) وبعضهم يسميه ((الأمالي))، توفي قريباً من سنة ٣٠٠هـ، وللشيخ حمد الجاسر رحمه الله كتاب فيه اسمه ((أبو علي الهجري وأبحاثه في تحديد الموضع))، وهو مطبوع. وانظر ((الأعلام)) للزركلي ٨/ ٦٠. ٢٤ باب ٤ / ح ٦٠٨ فتح الباري بشرح البخاري المسلم (١٩/٣٨٩): ((لما لم يكن يَذكُر من قبلُ))، ومن ثَمَّ استَنْبَطَ أبو حنيفة للذي شَكا إليه أَنَّه دَفَنَ مالاً ثمَّ لم يَهَتَدِ لمكانه أن يُصلِّيَّ ويَحِرِصَ أن لا يُحدِّث نفسه بشيءٍ من أمر الدُّنيا، ففَعَل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خَصَّه بما يَعلمُ دون ما لا يَعلمُ لأنَّه يميل إلى ما يَعلمُ أكثر لتحقَّق وجودِهِ، والذي يظهر أنَّه لِأَعمَّ من ذلك، فيُذْكِره بما سبق له به عِلمٌ لِيَشتَغِلَ باله به، وبما لم يكن سبق له ليُوقِعه في الفكرة فيه، وهذا أعمُّ من أن يكون في أُمور الدُّنيا أو أُمور الدِّين كالعِلم، لكن هل يَشمَل ذلك التفكّر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يَبَعُد ذلك، لأنَّ غَرَضَه نقصُ خشوعه وإخلاصه بأيِ وجهٍ كان. قوله: (حتَّى يَظَلَّ الرجل)) كذا للجمهور بالظاء المشَالة المفتوحة، ومعنى ((يَظَلُّ)» في الأصل اتِّصاف المختَرِ عنه بالخبرِ نهاراً، لكنَّها هنا بمعنى: يصيرُ أو يَبقَى، ووقع عند الأَصِيليِّ: ((يَضِلَّ)) بكسر الساقطة، أي: ينسى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أو بفتحها(١)، أي: يُخْطِئ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢]، والمشهور الأوَّلُ. قوله: ((لا يَدري)) وفي رواية له في صلاة السَّهو (١٢٣١): ((إنْ يدري)) بكسر همزة ((إِنْ)) وهي نافية بمعنى: لا، وحكى ابن عبد البَرِّ عن الأكثر في ((الموطَّأ)) (٦٩/١ -٧٠) فتح الهمزة، ووجَّهه بما تعقّبه عليه جماعة، وقال القُرطبيُّ: ليست رواية الفتح بشيءٍ إلَّا مع رواية الضَّاد الساقطة، فتكون ((أنْ)) مع الفعل بتأويل المصدر ومفعول ((ضَلَّ)) أي (٢): بإسقاط حرف الجَّ، أي: يَضِلَّ عن دِرايَته. قوله: ((كم صَلَّ)) وللمصنّف في بَدْء الخلق (٣٢٨٥) من وجه آخرَ عن أبي هريرة: ((حتَّی لا يدري أثلاثاً صلَّى أم أربعاً)) وسيأتي الكلام عليه في أبواب السَّهو إن شاء الله تعالى. (١) أي: يَضَلّ، وهي لغة، والفصيحة بكسر الضاد، وأما استشهاد الشارح بالآية فللمعنى، وإلا فإن أحداً من القراء لم يقرأ: ((يَضَلُّ ربي)) بفتح الضاد. (٢) هكذا في (أ)، وفي (س) و(ع): ((أنْ) وكلاهما متوجّه. ٢٥ باب ٤ / ح ٦٠٨ أبواب الأذان وقد اختلف العلماء في الحِكْمة في هَرَب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذِّكرِ في الصلاة، فقيل: يَهرُب حتَّى لا يشهد للمؤذِّنِ يومَ القيامة، فإنَّه لا يسمع صوتَ المؤذِّن چِنّ ولا إنس إلَّا شَهِدَ له کما یأتي بعدُ، ولعلَّ البخاري أشار إلى ذلك بإيراده الحديث المذكور عَقِبَ هذا الحديث. ونقل عياض عن بعض أهل العِلم أنَّ اللَّفظ عامٌّ والمراد به خاصٌّ، وأنَّ الذي يشهد مَن تَصِحّ منه الشهادة كما سيأتي القول فيه في الباب الذي بعده. وقيل: إنَّ ذلك خاصُّ بالمؤمنينَ، فأمَّا الكفّار فلا تُقبل لهم شهادة، ورَدّه بما جاءَ من الآثار بخلافه، وبالغَ الزَّينُ بن المنيِّرِ في تقرير الأوَّل، وهو مقامُ احتمال. وقيل: يَهرُبُ نُفوراً عن سماع الأذان، ثمَّ يَرجِع مُوسوساً ليُفسِدَ على المصلِّي صلاته، ٨٧/٢ فصار رجوعه من جنس فِراره، والجامع بينهما الاستخفاف. وقيل: لأنَّ الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعَصَى بسببه، واعتُرِضَ بأنَّه يعود قبلَ السجود، فلو كان هَرَبُّه لأجلِه لم يَعُد إلَّا عند فراغه، وأُجيبَ بأنَّه يَهرُبُ عند سماع الدُّعاء بذلك ليُغالط نفسه بأنَّه لم يخالف أمراً، ثمَّ يَرجِع ليُفسِدَ على المصلِّ سجوده الذي أباه. وقيل: إنَّما يَهُرُب لاتِّفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحَقّ وإقامة الشّريعة، واعتُرِضَ بأنَّ الاتِّفاق على ذلك حاصل قبلَ الأذان وبعده من جميع مَن يُصلّى، وأُجيبَ بأنَّ الإعلان أخصُّ من الاتّفاق، فإنَّ الإعلان المختصّ بالأذان لا يُشاركُه فيه غيرُه من الجهر بالتكبيرِ والتِّلاوة مثلاً، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: ((ألقِه على بلال، فإنَّه أندى صوتاً منك))(١) أي: أقعَدُ في المدِّ والإطالة والإسماع، ليَعُمَّ الصوتُ ويَطُولَ أمَدُ التأذين، فيَكثُر الجمعُ ويفوتَ على الشيطان مقصودُه من إلهاء الآدميِّ عن إقامة الصلاة في جماعة، وإخراجها عن وقتها أو وقت فضيلتها، فيَفِرّ حينئذٍ وقد يَئِسَ عن أن يَرُدَّهم عمَّا أعلَنوا به ثمَّ يَرجِع لِمَا طُبعَ عليه من الأذى والوَسوَسة. (١) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، والترمذي (١٨٩). ٢٦ باب ٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن الجَوْزيّ: على الأذان هيبةٌ يشتدّ انزعاجُ الشيطان بسببها، لأنَّه لا یکاد یقعُ في الأذان رياءٌ ولا غَفْلةٌ عند النُّطق به، بخلاف الصلاة فإنَّ النَّفْس تَحَضُرُ فيها فيفتحُ لها الشيطان أبواب الوَسوَسة. وقد تَرجَمَ عليه أبو عَوَانة (٩٧٥): ((الدليل على أنَّ المؤذِّن في أذانه وإقامته مَنفيٌّ عنه الوَسَوَسة والرِّياء لتَباعُدِ الشيطان منه)). وقيل: لأنَّ الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظٍ هي من أفضل الذِّكرِ، لا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها، بل تقع على وَفْق الأمر، فِيَقُّ من سماعها، وأمَّا الصلاة فلما يقعُ من كثيرٍ من الناس فيها من التَّفريطِ، فيَتمكَّنُ الخبيثُ من المفرِّط، فلو قُدِّرَ أنَّ المصلِّيَّ وَلَّى بجميع ما أُمِرَ به فيها لم يَقرُبْه إذا كان وَحدَه، وهو نادر، وكذا إذا انضَمَّ إليه مَن هو مثلُه فإنَّه يكون أندر، أشارَ إليه ابن أبي جَمْرة نَفَعَ الله ببَرَكَتِهِ. فائدة: قال ابن بَطَّالٍ: يُشبِه أن يكون النَّجرُ عن خروج المَرءِ من المسجد بعد أن يؤذِّنَ المؤذِّنُ من هذا المعنى، لئلا يكون مُتَشَبِّهاً بالشيطان الذي يَفِرُّ عند سماع الأذان، والله أعلم. تنبيهان: الأوَّل: فَهِمَ بعض السَّلَف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم تُوجَد فيه شرائطُ الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك، ففي مسلم (١٨/٣٨٩) من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه أنَّه قال له: إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة؛ واستدلَّ بهذا الحديث، وروى مالك عن زيد بن أسلمَ نحوَه. الثاني: وَرَدَت في فضل الأذان أحاديث كثيرة ذكر المصنِّفُ بعضَها في مواضعَ أُخرى، واقتصر على هذا هنا، لأنَّ هذا الخبرَ تَضَمَّنَ فضلاً لا يُنالُ بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار، فإنَّ الثَّواب المذكور فيها يُدرَكُ بأنواع أُخرى من العبادات، والله أعلم. ٥- باب رفع الصوت بالنداء وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أذِّنْ أذاناً سَمْحاً، وإلَّا فاعتَزِلْنا. ٢٧ باب ٥ / ح ٦٠٩ أبواب الأذان ٦٠٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ عبدِ الله بنِ عبد الرحمن بنِ أبي صَعْصَعةَ الأنصاريِّ ثمَّ المازنيِّ، عن أبيه أنَّه أخبَرَه: أنَّ أبا سعيدِ الخُدْريَّ قال له: إنّ أراكَ تُحِبُّ الغنمَ والباديةَ، فإذا كنتَ في غَنَمِكَ أو باديَتِكَ فَأَذَّنْتَ بالصلاة فارفَعْ صوتَكَ بالنِّداءِ، فإِنَّه لا يَسمَعُ مَدى صوتِ المؤذِّن جنٍّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ، إلَّا شَهِدَ له يومَ القيامة. قال أبو سعیدٍ: سمعتُه من رسول الله ێ. [طرفاه في: ٣٢٩٦، ٧٥٤٨] قوله: ((باب رَفْع الصوت بالنِّداء)) قال الزَّينُ بن المنيِّر: لم يَنْصَّ على حكمِ رَفْع الصوتِ ٨٨/٢ لأنَّه من صفة الأذان، وهو لم يَنُصَّ في أصل الأذان على حكمٍ كما تقدَّم، وقد تَرجَمَ عليه النَّسائيُّ: باب الثَّواب على رفعِ الصوتِ بالأذان(١). قوله: ((وقال عمر بن عبد العزيز)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٢٩/١) من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ: أنَّ مؤذِّناً أَذَّنَ فطَرَّبَ في أذانه فقال له عمر بن عبد العزيز ... فذكره، ولم أقِفْ على اسم هذا المؤذِّن وأظنُّه من بني سعدِ القَرَظِ، لأنَّ ذلك وقع حيثُ كان عمر ابن عبد العزيز أميراً على المدينة، والظاهر أنَّه خافَ عليه من التَّطريب الخروجَ عن الخشوع، لا أنَّه نهاه عن رفع الصوت. وقد رُوِيَ نحوُ هذا من حديث ابن عبّاس مرفوعاً، أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (١٨٧٧) وفيه إسحاقُ بن أبي يحيى الكعبيُّ، وهو ضعيفٌ عند الدَّارَ قُطنيِّ وابن عَديّ، وقال ابنُ حِبّان: لا تَحِلُّ الرواية عنه، ثمَّ غَفَلَ فذكره في ((الثِّقات)). قوله: ((عن أبيه)) زاد ابن عُيَينَةَ: وكان يتيماً في حِجْرِ أبي سعيدٍ وكانت أمّه عند أبي سعيد، أخرجه ابن خُزَيمة (٣٨٩) من طريقه، لكن قَلَبَه ابنُ عُبَينَةَ فقال: عن عبد الرحمن بن عبد الله (٢)، والصحيح قول مالك، ووافَقَه عبد العزيز الماجِشُون. وزَعَمَ أبو مسعود في (١) الذي في المطبوع من ((المجتبي)) (٦٤٤) و((الكبرى)) (١٦٢٠): رفع الصوت بالأذان. دون ذكر الثواب. (٢) هذا سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله، وإنما أخطأ ابنُ عيينة في تسمية عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، حيث قلبه فسَمّاه: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، كذلك وقع في ((صحيح ابن خزيمة))، وقد نبّه على وهم ابن عُيينة فيه قبلَه ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢٣/١٩-٢٢٤، وساق = ٢٨ باب ٥ / ح ٦٠٩ فتح الباري بشرح البخاري (الأطراف)) أنَّ البخاري أخرج روايته، لكن لم نَجِدْ ذلك ولا ذكرها خَلَفٌ، قاله ابنُ عساكر. واسم أبي صَعصَعة عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن مَبْذول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النَّجّار، ماتَ أبو صعصعة في الجاهليّة، وابنه عبد الرحمن صحابي، روی ابن شاهين في ((الصحابة)) من طريق قيسٍ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعةً عن أبيه عن جدِّه حديثاً سمعه من النبيّ وَّه، وفي سياقه: أنَّ جدَّه كان بدريّاً، وفيه نظرٌّ لأنَّ أصحاب المغازي لم يَذْكُروه فيهم، وإنَّما ذكروا أخاه قيسَ بن أبي صَعصَعة. قوله: ((أنَّ أبا سعيد الخدريَّ قال له)) أي: لعبد الله بن عبد الرحمن. قوله: (تُحِبّ الغنم والبادية)) أي: لأجل الغنم، لأنَّ ◌ُحِبَّها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعَى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء التي لا عمارةَ فيها. قوله: ((في غَنَمِك أو باديَتِك)) يحتمل أن تكون ((أو)) شكّاً من الراوي، ويحتمل أن تكون للتَّويع، لأنَّ الغنم قد لا تكون في البادية، ولأنَّه قد يكون في البادية حيثُ لا غَنَم. قوله: ((فأذَّنتَ للصلاة)) أي: لأجل الصلاة، وللمصنّف في بَدْء الخلق (٣٢٩٦): ((بالصلاة)) أي: أعلمت بوقتها. قوله: ((فارفَعْ)) فيه إشعارٌ بأنَّ أذانَ مَن أراد الصلاة كان مُقرَّراً عندهم لاقتصاره على الأمر بالرَّفعِ دون أصل التأذين، واستدلَّ به الرَّافعيُّ للقول الصَّائر إلى استحباب أذان المنفرِد، وهو الرَّاجح عند الشافعيَّة بناءً على أنَّ الأذان حَقُّ الوقت، وقيل: لا يُستَحبّ، بناءً على أنَّ الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة، ومنهم مَن فَصَلَ بين مَن يرجو جماعةً أو لا. قوله: ((بالنِّداء)» أي: بالأذان. قوله: ((لا يَسمَع مَدى صوت المؤذِّن)) أي: غاية صوته، قال البيضاويّ: غايةُ الصوت تكونُ أخفَى من ابتدائه، فإذا شَهِدَ له مَن بَعُدَ عنه ووَصَلَ إليه مُنتَهى صوتِهِ، فَلَأنْ يشهدَ له مَن دَنَا منه وسمع مَبادِيَ صوتِه أولى. = الحديث من طريقه. ٢٩ باب ٥ / ح ٦٠٩ أبواب الأذان قوله: ((جِنّ ولا إنس ولا شيءٌ)) ظاهره يَشمَل الحيوانات والجمادات، فهو من العام بعد الخاص، ويؤيِّدُه ما في رواية ابن خُزيمة (٣٨٩): ((لا يسمع صوته شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جنٌّ ولا إنسٌ))، وله (٣٩٠) ولأبي داود (٥١٥) والنَّسائيِّ (٦٤٥) من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ: ((المؤذِّن يُغفَرُ له مَدى صوته، ويشهدُ له كلُّ رَطْبٍ ويابسٍ))، ونحوُه للنَّسائيِّ (٦٤٦) وغيره من حديث البراء وصحَّحه ابن السَّكَن، فهذه الأحاديث تُبيِّنُ المراد من قوله في حديث الباب: ((ولا شيء))، وقد تكلّم بعض مَن لم يَطَّلِع عليها في تأويله على غیر ما يقتضيه ظاهره. قال القُرطبيّ: قوله: ((ولا شيء)) المراد به الملائكة. وتُعُقِّبَ بأنَهم دخلوا في قوله: ((جِنٍ) ٨٩/٢ لأنَّهم يَستَخفون عن الأبصار. وقال غيرُه: المراد كلُّ ما يسمعُ المؤذِّنَ من الحيوان حتَّى ما لا یعقِلُ دون الجمادات. ومنهم مَن حمله على ظاهره، وذلك غيرُ ◌ُمْتَنِعِ عقلاً ولا شرعاً، قال ابن بَزِيزة: تَقَرَّرَ في العادة أنَّ السَّماع والشهادة والتَّسبيح لا يكون إلَّ من حي، فهل ذلك حكايةٌ عن لسان الحال، لأنَّ الموجودات ناطقة بلسان حالها بجَلال باريها، أو هو على ظاهره؟ وغيرُ مُمْتَنِعِ عقلاً أنَّ الله يَخِلُق فيها الحياة والكلام، وقد تقدَّم البحث في ذلك (٥٣٧) في قول النار: ((أكَلَ بعضي بعضاً))، وسيأتي (٢٣٢٤) في الحديث الذي فيه: ((أنَّ البقرة قالت: إنَّما خُلِقت للحَرْث)»، وفي مسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سَمُرةَ مرفوعاً: ((إنِّي لَأعرِفُ حَجَراً کان ◌ُسلِّمُ عليّ)، انتهى. ونقل ابن التِّين عن أبي عبدِ الملك: أنَّ قوله هنا: ((ولا شيءٌ)) نَظِيرُ قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وتعقَّبه بأنَّ الآيةَ مُخْتَلَفٌ فيها، وما عَرَفتُ وجهَ هذا التعقُّبٍ، فإنَّهما سواءٌ في الاحتمال ونَقْل الاختلاف، إلَّا أن يقول: إنَّ الآية لم يُخْتُلَف في كَونها على عمومها، وإنَّما اختُلِفَ في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث، والله أعلم. ٣٠ باب ٦ / ح ٦١٠ فتح الباري بشرح البخاري فائدة: السُّ في هذه الشهادة مع أنَّها تقعُ عند عالم الغيبِ والشهادة، أنَّ أحكامَ الآخرة جَرَت على نَعتِ أحكام الخلق في الدُّنيا من توجيه الدَّعوَى والجواب والشهادة، قاله الَّينُ ابن المنيِر. وقال التُّورِيِشْتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يومَ القيامة بالفضلِ وعُلوِّ الدَّرَجة، وكما أنَّ الله يَفضَحُ بالشهادة قوماً، فكذلك يُكرِمُ بالشهادة آخرين. قوله: ((إلّا شَهِدَ له)) للكُشْمِيهنيِّ: ((إلَّا يشهدُ له)) وتوجيههما واضحٌ. قوله: ((قال أبو سعيد: سمعتُه)) قال الكِرْمانيُّ: أي: هذا الكلام الأخير وهو قوله: إنَّه لا يسمع ... إلى آخره. قلت: وقد أورَدَ الرَّافعيّ هذا الحديث في الشَّرح بلفظ: أنَّ النبيَّ ◌َه قال لأبي سعيد: ((إنَّك رجلٌ تُحِبُّ الغنم)) وساقه إلى آخره، وسبقه إلى ذلك الغَزاليّ وإمامه والقاضي حسين وابن داود شارحُ ((المختصر)) وغيرهم، وتعقّبه النَّوَوي، وأجاب ابن الرِّفعة عنهم بأنَّهم فهموا أنَّ قول أبي سعيد: ((سمعته من رسول الله وََّ)) عائد على كلِّ ما ذُكِرَ. انتهى، ولا يخفى بُعدُه. وقد رواه ابن خُزيمة (٣٨٩) من رواية ابن عُيَينةَ ولفظه: قال أبو سعيد: إذا كنتَ في البوادي فارفَعْ صوتك بالنِّداء، فإِنِّي سمعت رسول الله وَ ل يقول: لا يسمع ... )) فذكره، ورواه يحيى القَطّانُ أيضاً عن مالك بلفظ: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إذا أذَّنتَ فارفَعْ صوتك، فإنَّه لا يسمع ... )) فذكره (١)، فالظاهر أنَّ ذِكْرَ الغنم والبادية موقوف، والله أعلم. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليَكثُرَ مَن يشهدُ له ما لم يُجِهِدْه أو يتأذَّى به. وفيه أنَّ حُبَّ الغنم والبادية ولا سيّما عند نُزول الفتنة من عمل السَّلَف الصالح. وفيه جوازُ التَّبَدِّي ومُساكنة الأعراب ومُشارَكَتهم في الأسباب بشرطِ حَظٍّ من العِلم وأَمْنٍ من غَلَبَة الْجَفَاء. وفيه أنَّ أذانَ الفَذِّ مندوبٌ إليه ولو كان في قَفْر، ولو لم يَرْجُ حضور مَن يُصلِّي معه، لأنَّه إن فاتَه دعاءُ المصلِّينَ فلم يَفْته استشهادُ مَن سمعه من غيرهم. ٦ - باب ما يُحِقَن بالأذان من الدماء ٦١٠ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حذَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسِ بنِ (١) أخرجه من طريق يحيى القطان عن مالكٍ ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢٣/١٩. ٣١ باب ٦ / ح ٦١٠ أبواب الأذان مالكٍ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان إذا غَزَا بنا قوماً لم يكنْ يُفِرْ بنا حتَّى يُصبِحَ ويَنظُرُ، فإنْ سَمِعَ أذاناً كَفَّ عَنْهُم، وإنْ لم يَسمَعْ أذاناً أغارَ عليهم، قال: فخرجنا إلى خَيْرَ فانتَهَيْنا إليهم ليلاً، فلمَّا أصبَحَ ولم يَسمَعْ أذاناً رَكِبَ وَرَكِيْتُ خلفَ أبي طَلْحَةَ وإنَّ قَدَمي لتَمَسُّ قَدَمَ النبيِّ وََّ، قال: فخَرَجُوا إلينا بمَكاتِلِهِم ومَساحِيهم، فلمَّا رَأْوًا النبيَّ نَّهِ قالوا: محمَّدٌ والله! محمَّدٌ والخَمِيسُ! قال: فلمَّا رآهم رسولُ اللهِ وَّه قال: ((الله أكبرُ الله أكبرُ، خَرِبَتْ خَيْبرُ، إِنَّا إذا نَزَلْنا بساحةِ قومٍ ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ اٌلْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧])). قوله: ((باب ما يُحُقَن بالأذان من الدِّماء)) قال الزّينُ بن المنيِرِ: قَصَدَ البخاري بهذه الترجمة ٩٠/٢ واللَّتين قبلها استيفاء ثَمرات الأذان، فالأُولى فيها فضلُ التأذين لقَصدِ الاجتماع للصلاة، والثانية فيها فضلُ أذان المنفرِد لإيداع الشهادة له بذلك، والثالثة فيها حَقْن الدِّماء عند وجودِ الأذان. قال: وإذا انتَفَت عن الأذان فائدةٌ من هذه الفوائد، لم يُشرَع إلَّا في حكايته عند سماعه، ولهذا عَقَّبَه بترجمة ((ما يقول إذا سمع المنادي)). انتهى كلامُه مُلخَّصاً. ووجه الاستدلال للترجمة من حديث الباب ظاهرٌ، وباقي المتنِ من متعلِّقات الجهاد، وقد أورَدَه المصنِّفُ هناك بهذا الإسناد، وسياقُّه أتمُّ ممّا هنا، وسيأتي الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى(١). وقد روى مسلم (٣٨٢) طرفَه المتعلِّق بالأذان وسياقُه أوضحُ، أخرجه من طريق حَمَّاد ابن سَلَمة عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله وَ ﴿ يُغِير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسَكَ وإلَّا أغار. قال الخطّابُّ: فيه أنَّ الأذان شِعَار الإسلام، وأنَّه لا يجوز تركُه، ولو أنَّ أهلَ بلد اجتَمَعوا على تركِه كان للسُّلطان قتالُهم عليه. انتهى، وهذا أحدُ أقوال العلماء كما تقدَّم، وهو أحدُ الأوجُه في المذهب، وأغرَبَ ابن عبد البَرِّ فقال: لا أعلمُ فيه خلافاً. (١) أورده المصنف في الجهاد (٢٩٤٤) بهذا الإسناد لكنه مختصر جداً وتكلم هناك على بعض فوائده وقال: سيأتي شرحه في غزوة خبير، وقد أورده مطولاً ومختصراً من طرق أخرى في الجهاد وغيره، انظر الإحالات عقب الحديث السالف برقم (٣٧١). ٣٢ باب ٧ / ح ٦١١ فتح الباري بشرح البخاري وأما قولُ أصحابنا: مَن نَطَقَ بالتشهُّد بالأذان حُكِمَ بإسلامه إلّا إن كان عِيسَويّاً، فلا يَرِدُ عليه مُطلَقُ حديث الباب، لأنَّ العِيسَويَّةَ طائفة من اليهود حَدَثَت في آخر دولة بني أُميَّةَ فاعتَرَفوا بأنَّ محمداً رسولُ الله وَّةِ، لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له: أبو عيسى، أحدَثَ لهم ذلك. تنبيه: وقع في سياق حديث الباب: ((لم يكن يُغِرْ بنا» واختُلِفَ في ضبطه، ففي رواية المُستَمْلِي: ((يُغِرْ)) من الإغارة، مجزومٌ على أنَّه بدلٌ من قوله: يكن، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يَغْدُ)) بإسكان الغين وبالدّال المهمَلة من الغُدوِّ، وفي رواية كَرِيمة: ((یغزو)) بزاي بعدها واوٌ من الغَزو، وفي رواية الأَصِيلِيِّ: ((يُغِيرُ)) كالأوَّل لكن بإثبات الياء، وفي رواية غيرهم بضمٌّ أوَّلِه وإسكان الغين من الإغراء، ورواية مسلم (٣٨٢) تشهد لرواية مَن رواه من الإغارة، والله أعلم. ٧- باب ما يقول إذا سمع المنادي ٦١١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ الليثيِّ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال: «إذا سمعتُمُ النِّداءَ فقولوا مثلَ ما يقول ـمؤذِّنُ)). ٩١/٢ قوله: ((باب ما يقول إذا سَمِعَ المنادي)) هذا لفظ رواية أبي داود الطَّيالسيِّ (٢٣٢٨) عن ابن المبارَكِ عن يونسَ عن الزُّهريِّ في حديث الباب، وآثرَ المصنِّفُ عَدَمَ الجَزْم بحكمِ ذلك لقوّة الخلاف فیہ کما سيأتي. ثمَّ ظاهر صنیعه يقتضي ترجيحَ ما علیه الجمهور، وهو أن يقول مثلَ ما يقول من الأذان إلَّ الحَيعَلتَين، لأنَّ حديث أبي سعيد الذي بدأً به عامٌّ، وحديث معاوية الذي تَلَاه به يُخْصِّصُه، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامّ(١). قوله: ((عن عطاء بن يزيد)) في رواية ابن وَهْب عن مالك ويونس عن الزُّهريِّ: أنَّ عطاء ابن يزيد أخبره، أخرجه أبو عَوَانة (٩٨٦). (١) قوله: ((والخاص مقدّم على العام)) لم يرد في (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س). ٣٣ باب ٧ / ح ٦١١ أبواب الأذان فائدة: اختُلِفَ على الزُّهريِّ في إسناد هذا الحديث، وعلى مالك أيضاً، لكنَّه اختلافٌ لا يَقْدَح في صِحَّته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عن سعيد عن أبي هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٧٧٨) وابن ماجَهْ (٧١٨)، وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والتِّرمِذيّ: حديث مالك ومَن تابعه أصحُ. ورواه يحيى القَطّانُ عن مالك عن الزُّهريِّ عن السائب بن يزيد أخرجه مُسدَّدٌ في ((مسنده)) عنه، وقال الدَّارَقُطنيُّ: إنَّه خطأ، والصواب الرواية الأولى، وفيه اختلاف آخرُ دون ما ذُكِرَ لا نطيلُ به. قوله: ((إذا سمعتُم) ظاهره اختصاص الإجابة بمَن يسمع، حتَّى لو رأى المؤذِّنَ على المنارة مثلاً في الوقت، وعَلِمَ أنَّه يؤذِّنُ، لكن لم يسمع أذانَه لبُعدٍ أو صَمَمٍ، لا تُشرَعُ له المتابَعَةُ، قاله النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب)). قوله: ((فقولوا مثلَ ما يقول المؤذِّنُ)) اذَّعَى ابنُ وَضّاح أنَّ قولَه: ((المؤذِّن)) مُدَرَجٌ، وأنَّ الحديث انتهى عند قوله: ((مثلَ ما يقول)). وتُعُقِّبَ بأنَّ الإدراجَ لا يَثْبُتُ بمُجرَّدِ الدَّعوَى، وقد اتَّفَقَت الرواياتُ في ((الصحيحين))(١) و((الموطَّأ)) (٦٧/١) على إثباتها، ولم يُصِب صاحبُ ((العُمدة))(٢) في حَذْفها. قوله: ((ما يقول)) قال الكِرْمانيُّ: قال: ((مثلَ ما يقول)» ولم يقل: مثلَ ما قال، ليُشعِرَ بأنَّه يجيبه بعد كلِّ كلمةٍ مثلَ کلمتِها. قلت: والصَّريح في ذلك ما رواه النَّسائيُّ (ك٩٧٨٠) من حديث أمّ حبيبةَ: أَنَّه ◌َِّ كان يقول كما يقول المؤذِّنُ حتَّى يَسكُت، وأمَّا أبو الفتح اليَعْمَرِيُّ فقال: ظاهرُ الحديث أنَّه يقول مثلَ ما يقول عَقِبَ فراغ المؤذِّن، لكنَّ الأحاديث التي تَضَمَّنَت إجابةَ كلِّ كلمةٍ عَقِبَها، دلَّت على أنَّ المراد المساوَقَةُ؛ يشير إلى حديث عمر بن الخطّاب الذي عند مسلم (٣٨٥) وغيره، فلو لم يُجاوِبْه حتَّى فَرَغَ استُحِبَّ له التَّدارُكُ إن لم يَطُل الفصل. قاله النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب)) بحثاً، وقد قالوه فيما إذا كان له عُذرٌ كالصلاة، وظاهرُ قوله: ((مثلَ)) أنَّه (١) رواية مسلم (٣٨٣). (٢) يريد الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه ((عمدة الأحكام)). ٣٤ باب ٧ / ح ٦١١ فتح الباري بشرح البخاري يقول مثلَ قوله في جمیع الكلمات، لكنَّ حديث عمر أيضاً وحديث معاويةً الآتي يدلّان على أنَّه يُستَثنى من ذلك ((حيَّ على الصلاة)) و((حيَّ على الفلاح)) فيقول بدلهما: ((لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله))، كذلك استدلَّ به ابن خُزيمة (٤١١)، وهو المشهور عند الجمهور، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارةً كذا وتارةً كذا. وحكى بعض المتأخّرين عن بعض أهل الأُصول: أنَّ الخاصَّ والعامَ إذا أمكنَ الجمعُ بينهما وَجَبَ إعمالُهما، قال: فلمَ لا يقال: يُستَحبُّ للسامع أن يجمع بين الحَيعَلة والحَوقَلة، وهو وجهٌ عند الحنابلة. أُجيبَ عن المشهور من حيثُ المعنى بأنَّ الأذكار الزائدة على الحَيْعَة يَشتَرِكُ السامع والمؤذِّن في ثوابها، وأمَّ الخَيعَةُ فمقصودُها الدُّعاءُ إلى الصلاة، وذلك يَحصُلُ من المؤذِّن، فعُوِّضَ السامع عمَّا يفوتُه من ثواب الخَيعَلة بثواب الحَوقَلة. ولقائلٍ أن يقول: يَحَصُلُ للمجيب الثَّوابُ لامتثاله الأمر، ويُمكِنُ أن يزداد استيقاظاً وإسراعاً إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرَّرَ على سمعِه الدُّعاءُ إليها من المؤذِّن ومن نفسِه. ويَقرُبُ من ذلك الخلافُ في قول المأموم: ((سمع الله لمن حَدَه)) كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. ٩٢/٢ وقال الطِّييُّ: معنى الخَعَلتينِ: هَلُمَّ بوجهِك وسَرِيرِك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنَّعيمِ آخِلاً، فناسَبَ أن يقول: هذا أمرٌ عظيمٌ لا أستطيع مع ضَعْفي القيام به إلَّا إذا وَفَّقَني الله بحولِه وقوَّتِه. وممّا لُوحِظَت فيه المناسَبةُ ما نقل عبد الرزاق (١٨٤٩) عن ابن مُجُرَيج قال: حُدِّئت أنَّ الناس كانوا يُنصِتون للمؤذِّن إنصاتهم للقرآن، فلا يقول شيئاً إلَّا قالوا مثلَه، حتَّى إذا قال: حيَّ على الصلاة، قالوا: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله، وإذا قال: حيَّ على الفلاح، قالوا: ما شاءَ الله. انتهى، وإلى هذا صار بعضُ الحنفيَّة. وروى ابن أبي شَيْبة (٢٢٦/١-٢٢٨) مثلَه عن عثمان، وروى عن سعيد بن جُبَيرٍ قال: يقول في جواب الحَيَعَلة: سمعنا وأطعنا. ووراءَ ذلك وجوه من الاختلاف أُخرى، قيل: لا يُجِيبُهُ إلَّا في التشهُّدَينِ فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يُضيف إلى ذلك الحَوْقَلةَ دون ما في آخره، وقيل: مَهْما أتى به مما يدلُّ ٣٥ باب ٧ / ح ٦١١ أبواب الأذان على التوحيد والإخلاص كَفَاه، وهو اختيار الطَّحاوي، وحَكَوْا أيضاً خلافاً: هل يجيبُ في الترجيعِ أو لا، وفيما إذا أذَّنَ مؤذِّن آخرُ هل يحِيبُه بعد إجابتِهِ الأوَّلَ أو لا؟ قال النَّوَويّ: لم أَرَ فيه شيئاً لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كلَّ واحدٍ بإجابةٍ لتَعدُّدِ السَّبَب، وإجابة الأوَّل أفضلُ، إلَّا في الصبح والجمعة فهما سواء، لأنَّهما مشروعان. وفي الحديث دليلٌ على أنَّ لفظ المثل لا يقتضى المساواة من كلّ جهة، لأنَّ قوله: ((مثلَ ما يقول)) لا يُقْصَدُ به رفعُ الصوت المطلوب من المؤذِّن، كذا قيل، وفيه بحثٌ، لأنَّ الماثَلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذِّن والمجيبِ في ذلك أنَّ المؤذِّنَ مقصودُه الإعلام، فاحتاجَ إلى رفعِ الصوت، والسامع مقصودُه ذِكرُ الله، فيكتفي بالسرِّ، أو الجهر لا مع الرَّفع. نَعَم، لا يكفيه أن يُجرِيَه على خاطرِه من غير تلفَّظِ لظاهر الأمرِ بالقول. وأغرَبَ ابن المنيِّر فقال: حقيقة الأذان جميع ما يَصدُرُ عن المؤذِّن من قول وفعلِ وهيئة. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأذان معناه الإعلام لغةً، وخَصَّه الشَّرعُ بألفاظِ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصة، فإذا وُجِدَتِ وُجِدَ الأذان، وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مُكمِّلاته(١)، ويُوجَد الأذان من دونها. ولو كان على ما أطلَقَ، لكان ما أُحدِثَ من التَّسبيح قبلَ الصبح وقبلَ الجمعة ومن الصلاة على النبيِّ وَلّ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغةً ولا شرعاً. واستدلَّ به على جواز إجابة المؤذِّن في الصلاة عملاً بظاهر الأمر، ولأنَّ المجيبَ لا يقصدُ المخاطَبة، وقيل: يؤخّرُ الإجابة حتَّى يَفرُغَ، لأنَّ في الصلاة شُغلاً، وقيل: يجيبُ إلَّا في الحَيعَلتَينِ لأَّهما كالخطاب للآدميّينَ والباقي من ذِكْر الله، فلا يُمنَعُ. لكن قد يقال: مَن يُبدِّلُ الحَيَعَةَ بالْحَوقَلة لا يُمنَعُ، لأنَّها من ذِكْر الله، قاله ابنُ دَقِيق العيد. وفَرَّقَ ابن عبد السلام في (فتاويه)) بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناءً على وجوب موالاتها، وإلّا فيجيبُ، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنَف، وهذا قاله بحثاً، والمشهور في المذهب (١) هذا فيه نظر، والصواب أن ما أحدثه الناس من رفع الصوت بالتسبيح قبل الأذان والصلاة على النبي وَ ي بعده - كما أشار إليه الشارح - بدعة يجب على ولاة الأمر إنكارها حتى لا يُدخل في الأذان ما ليس منه، وفيما شرعه الله غنية وكفاية عن المحدثات، فتنبّه. (س). ٣٦ باب ٧ / ح ٦١٢ فتح الباري بشرح البخاري كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخِّرها حتَّى يَفرُغ، وكذا في حال الجِماع والخَلَاء، لكن إن أجاب بالْحَيَعَة بَطَلت، كذا أطلَقَه كثيرٌ منهم، ونصَّ الشافعيُّ في ((الأمِّ)) على عَدَمِ فساد الصلاة بذلك. واستدلَّ به على مشروعيَّة إجابة المؤذِّن في الإقامة، قالوا: إلَّا في كلمتي الإقامة فيقول: ((أقامَها الله وأدامَها))، وقياس إبدال الحَيعَلة بالحَوقَلة في الأذان أن يجيءَ هنا، لكن قد يُفرَّقُ بأنَّ الأذان إعلام عامٌّ، فيَعسُرُ على الجميع أن يكونوا دُعاةً إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاصٌّ وعَدَدُ مَن يسمعُها محصور، فلا يَعسُرُ أن يدعوَ بعضُهم بعضاً. ٩٣/٢ واستدلَّ به على وجوب إجابة المؤذِّن، حكاه الطَّحاويُّ عن قوم من السَّلَف، وبه قال الحنفيَّة وأهل الظاهر وابن وَهْب، واستُدلَّ للجمهور بحديثٍ أخرجه مسلم (٣٨٢) وغيره: أَنَّهِ لَّ سمع مؤذٍّناً فلمَّا كَبَّرَ قال: ((على الفِطْرة))، فلمَّا تَشَهَّدَ قال: ((خرج من النار)) قال: فلمَّا قال عليه الصلاة والسلام غير ما قال المؤذِّن، عَلِمْنا أنَّ الأمر بذلك للاستحباب. وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس في الحديث أنَّه لم يقل مثلَ ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم يَنقُله الراوي اكتفاءً بالعادة، ونقل القول الزّائد، وبأنَّه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبلَ صُدور الأمر، ويحتملُ أن يكون(١) لمَّا أَمر لم يُرِدْ أن يُدخِلَ نفسَه في عموم مَن خُوطِبَ بذلك، قيل: ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يَرُدُّ هذا الأخيرَ أنَّ في بعض طرقِه أنَّه حضرته الصلاةُ. ٦١٢- حدّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثني عيسى بنُ طَلْحةَ: أنَّ سَمِعَ معاويةَ يوماً ... فقال مثلَه إلى قولِه: وأشهَدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله. حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدَّثنا هشامٌ: عن يحيى ... نحوَه. [طرفاه في: ٦١٣، ٩١٤] (١) في (س): أن يكون الرجل، بزيادة ((الرجل))، وهو خطأ، فإن المرادَ بالكلام هنا هو النبي ◌َ ٣٧ باب ٧ / ح ٦١٢ - ٦١٣ أبواب الأذان ٦١٣ - قال يحيى: وحدَّثني بعضُ إخواننا: أنَّه قال لمّا قال: حيَّ على الصلاة، قال: ((لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إِلَّ بالله))، وقال: هكذا سمعنا نبيَّكم يقول. قوله: «حدّثنا هشامٌ)) هو الدَّسْتُوائيُّ، ويحیی: هو ابن أبي کثیر. قوله: ((أَنَّ سَمِعَ معاويةَ يوماً ... فقال مثلَه، إلى قوله: وأشهد أنَّ محمَّداً رسول الله)) هكذا أورَدَ المتنَ هنا مختصراً، وقد رواه أبو داود الطَّيالسيُّ في («مسنده)) (١٠٥٢) عن هشامٍ ولفظه: كَّا عند معاوية فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثلَ ما قال، ثمَّ قال: هكذا سمعت نبيَّكم. ثمَّ قال البخاريّ: «حدَّثنا إسحاق حدَّثنا وهبُ بن جَرِير حدَّثنا هشامٌ عن يحيى نحوَه. قال يحيى: وحدَّثني بعض إخواننا: أنَّه لمَّا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حولَ ولا قوَّة إلَّا بالله، وقال: هكذا سمعْنا نبيَّكم يقول)) انتهى، فأحالَ بقوله: ((نحوَه)) على الذي قبلَه، وقد عَرَفتَ أنَّه لم يَسُق لفظَه كلَّه، وقد وقع لنا هذا الحديثُ من طرقٍ عن هشام المذكور تامّاً، منها للإسماعيليِّ من طريق معاذٍ بن هشام عن أبيه عن يحيى قال: حدَّثنا محمد بن إبراهيم حدَّثنا عيسى بن طَلْحة قال: دخلنا على معاوية، فنادى مُنادٍ بالصلاة، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاويةُ: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلَّ الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله، فقال: أشهَد أنَّ محمداً رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهَد أنَّ محمداً رسول الله. قال يحيى: فحدَّثني صاحبٌ لنا: أنَّه لمَّا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حولَ ولا قوَّةً إِلَّا بالله. ثمّ قال: هكذا سمعنا نبیکم، انتهى. فاشتمل هذا السياق على فوائد: إحداها: تصريح يحيى بن أبي كثير بالسَّماع له من محمد بن إبراهيم فأَمِنَ ما يُحْشَى من تدليسِه. ثانيها: بيان ما اختُصِرَ من روايتَي البخاري. ثالثها: أنَّ قوله في الرواية الأولى: («أنَّه سمع معاوية يوماً فقال مثلَه)» فيه حذفٌ تقديرُه: أنَّه سمع معاويةً سمع المؤذِّنَ يوماً فقال مثلَه. ٣٨ باب ٧ / ح ٦١٣ فتح الباري بشرح البخاري رابعها: أنَّ الزيادةَ في روایة وَهْب بن جَرِیرٍ لم ينفرد بها لُتابعة معاذٍ بن هشام له. خامسها: أنَّ قوله: ((قال يحيى)) ليس تعليقاً من البخاريِّ كما زَعَمَه بعضُهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق. وأبدى الحافظُ قُطْب الدِّين احتمالاً أنَّه عنده بالإسنادين، ثمَّ إنَّ إسحاقَ هذا لم يُنسَب، وهو ابن راهويه، كذلك صَرَّحَ به أبو نُعيمٍ في (مُستخرجه))، وأخرجه من طريق عبد الله بن شیرویه عنه. وأمَّا المبهَمُ الذي حدَّث يحيى به عن معاويةَ، فلم أقِفْ في شيءٍ من الطَّرُق على تعيينه، وحكى الكِرْمانيُّ عن غيره أنَّ المراد به الأوزاعيُّ، وفيه نظرٌ، لأنَّ الظاهر أنَّ القائل ذلك ليحيى حدَّثه به عن معاوية، وأينَ عَصر الأوزاعيِّ من عَصر معاويةً؟ وقد غَلَبَ على ظنِّي أنَّه علقمةٌ بن وَقّاصٍ إن كان يحيى بن أبي كثير أدرَكَه، وإلَّ فأحدُ ابنَيَه عبد الله بن علقمة أو عَمْرو بن علقمة، وإنَّما قلت ذلك لأنّني جمعت طرقَه عن معاويةً فلم أجد هذه الزّيادةَ في ذِكْر الحَوقَلة إلَّا من طريقين: أحدهما: عن تَهشَلَ التَّميميِّ عن معاويةً، وهو في الطَّبرانيِّ (٩٢٧) بإسنادٍ واه، والآخر: عن علقمة بن وَقّاصٍ عنه، وقد أخرجه النَّسائيُّ (٦٧٧) واللَّفظ له، وابن خُزيمة(١) وغيرهما من طريق ابن جُرَيج: أخبرني عَمْرو بن يحيى أنَّ عيسى بن عُمَر أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وَقّاصٍ عن أبيه قال: إنِّي ٩٤/٢ لعندَ معاويةَ إذ أَذَّنَ مؤذِّنٌ، فقال معاويةُ / كما قال، حتَّى إذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فلمَّا قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذِّن، ثمّ قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول ذلك. ورواه ابن خُزيمة (٤١٦) أيضاً من طريق يحيى القَطّان عن محمد بن عَمْرو بن علقمة عن أبيه عن جدِّه قال: كنت عند معاوية؛ فذكر مثله وأوضحَ سياقاً منه، وتَبيَّنَ بهذه الرواية أنَّ ذِكْرَ الحَوقَلة في جواب ((حيَّ على الفلاح)) اختُصِرَ في حديث الباب، بخلاف ما تمسَّكَ به مَن وَقفَ مع ظاهره، وأنَّ ((إلى)) في قوله في الطريق الأولى: ((فقال مثلَ قوله إلى: أشهدُ أنَّ محمداً رسول الله)) بمعنى: مع، (١) لم نقف على هذا الطريق في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وهو فيه برقم (٤١٦) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده، كما سيأتي لاحقاً. ٣٩ باب ٨ / ح ٦١٤ أبواب الأذان كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. تنبيه: أخرج مسلم (٣٨٥) من حديث عمر بن الخطّاب نحوَ حديث معاوية، وإنَّما لم يُخْرِجِه البخاري لاختلافٍ وقع في وَصلِه وإرساله كما أشارَ إليه الدَّارَ قُطنيُّ، ولم يُخِرِج مسلمٌ حديثَ معاويةَ، لأنَّ الزّيادة المقصودة منه ليست على شرطِ الصحيح للمُبهَمِ الذي فيها، لكن إذا انضَمَّ أحدُ الحديثينِ إلى الآخرِ قَوِيَ جدّاً. وفي الباب أيضاً عن الحارث بن نَوفَل الهاشميّ وأبي رافع، وهما في الطَّبرانيّ(١) وغيره، وعن أنس في البَزّار (٦٦٧٨) وغيره، والله أعلم. ٨- باب الدعاء عند النداء ٦١٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عيَّاشٍ، قال: حدَّثنا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن محمَّدِ بنِ المنگدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ الله: أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّه قال: ((مَن قال حينَ يَسمَعُ النِّداءَ: اللهمَّ ربَّ هذه الدَّعْوةِ التامَّةِ، والصلاةِ القائمة، آتِ محمَّداً الوَسِيلَةَ والفضيلةَ، وابعَثْه مَقاماً محموداً الذي وَعَدْتَه، حَلَّتْ له شفاعَتي يومَ القيامةِ)). [طرفه في: ٤٧١٩] قوله: ((باب الدُّعاء عندَ النِّداء)) أي: عند تمام النِّداء، وكأنَّ المصنّف لم يُقيِّده بذلك اتِّباعاً لإطلاق الحدیث کما سیأتي البحث فيه. قوله: ((حدَّثنا عليُّ بن عيَّاشٍ)) بالياء الأخيرة والشِّين المعجمة، وهو الحِمصُّ من كبار شيوخ البخاري، ولم يَلقَه من الأئمّة السِّنَّة غيرُه، وقد حدَّث عنه القُدَماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٤٨١٧) عنه، ورواه عليُّ بن المَدِينيّ شيخ البخاري - مع تقدُّمه - عن أحمد عنه، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه. قوله: ((عن محمَّد بن المنكَدِر)) ذكر التِّرمِذيّ (٢١١) أنَّ شعيباً تَفرَّدَ به عن ابن المنكَدِر، فهو غريب مع صِحَّته، وقد توبِعَ ابن المنكَدِر عليه عن جابر، أخرجه الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (١) حدیث الحارث عنده برقم (٣٢٦٦)، وحديث أبي رافع عنده برقم (٩٢٤)، وإسناداهما ضعيفان. ٤٠ باب ٨ / ح ٦١٤ فتح الباري بشرح البخاري (١٩٦) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر نحوَه(١)، ووقع في رواية الإسماعيليّ: أخبرني ابن المنكدر. قوله: ((مَن قال حين يسمع النِّداء)) أي: الأذان، واللّام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير: مَن قال حين يسمع نداء المؤذِّن. وظاهره أنَّه يقول الذِّكرَ المذكور حالَ سماع الأذان ولا يتقيَّدُ بفراغِه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النّداء تمامَه، إذ المطلَقُ يُحُمَلُ على الكامل. ويؤيِّده حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص عند مسلم (٣٨٤) بلفظ: ((قولوا مثلَ ما يقول، ثُمَّ صَلُّوا عليَّ، ثمَّ سَلُوا اللهَليَ الوسِيلةَ))، ففي هذا أنَّ ذلك يقال عند فراغ الأذان. واستدلَّ الطَّحاويُّ بظاهر حديث جابر على أنَّه لا يَتعيَّن إجابة المؤذِّن بمثل ما يقول، بل لو اقتصر على الذِّكر المذكور كَفَاه. وقد بيَّن حديث عبد الله بن عَمْرو المراد، وأنَّ الِحِينَ محمولٌ على ما بعد الفراغ، واستَدلَّ به ابن بَزِيزَ على عدم وجوب ذلك لظاهر إيراده، لكنَّ لفظَ الأمر في رواية مسلم قد يَتمسَّكُ به مَن يَدَّعي الوجوب، وبه قال الحنفيَّةُ وابنُ وَهب من المالكيَّة، وخالَفَ الطَّحاويُّ أصحابَه موافقاً للجمهور. ٩٥/٢ قوله: ((رَبَّ هذه الدَّعْوة) بفتح الدّال، زاد البيهقيُّ (١/ ٤١٠) من طريق محمد بن عَوْن عن عليّ بن عيَّاشِ: ((اللهمَّ إنِّي أسألُك بحَقِّ هذه الدَّعوة التامَّة))، والمرادُ بها دعوةُ التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ, دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. وقيل لدعوة التوحيد: ((تامَّةً)) لأنَّ الشِّرك نقصٌّ. أو التامَّةُ: التي لا يدخلُها تغييرٌ ولا تبديلٌ، بل هي باقيةٌ إلى يومِ النُّشور، أو لأنَّها هي التي تَسْتَحِقُّ صفةَ التَّام، وما سواها يَعرِضُ للفساد. وقال ابن التِّين: وُصفت بالتامَّة لأنَّ فيها أتمَّ القولِ وهو ((لا إلهَ إلَّ الله)). وقال الطِّييُّ: من أوَّلِه إلى قوله: ((محمد رسول الله)) هي الدَّعوة التامَّة، والحَيَعَلةُ هي الصلاة القائمة في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدُّعاء، وبالقائمة الدّائمة، مِن: قامَ على الشيء: إذا داوَمَ عليه، وعلى هذا فقوله: ((والصلاة القائمة)) بيانٌ للدَّعوة التامّة، (١) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً أحمد في ((مسنده)) (١٤٦١٩).