النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ باب ٢٤ / ح ٥٧٠-٥٧١ كتاب مواقيت الصلاة وَّ ليلةً بالعِشاءِ حتَّى رَقَدَ النّاسُ واسْتَقَظُوا، وَرَقَدُوا واستَقَظُوا، فقامَ عمرُ بنُ الخَطَّاب فقال: الصلاةَ. قال عطاءٌ: قال ابنُ عبَّاسٍ: فخرجَ نبِيُّ الله ◌َّرِ كأنّ أَنظُرُ إليه الآنَ يَقْطُرُّ رَأْسُه ماءً واضِعاً يدَه على رَأْسِه فقال: ((لَوْلا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي، لَأَمَرتُهم أنْ يُصُّوها لهُكَذا)). فاستثَبَتُّ عطاءً كيفَ وَضَعَ النبيُّ نَّرَ على رَأْسِهِ يدَه كما أنبَ ابنُ عبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لي عطاءٌ بينَ أصابعِه شيئاً مِن تَبدِيدٍ، ثمَّ وَضَعَ أطرافَ أصابعِه على قَرْنِ الرَّأْس، ثمَّ ضمَّها يُمِرُّها كذلكَ على الرّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إبهامُه طَرَفَ الأَذْنِ ممَّ يَلِي الوَجْهَ على الصُّدْغ وناحيةِ اللِّحْية، لا يُقْصِّرُ ولا يَبْطِئُ إلا كذلكَ، وقال: ((لَوْلا أَنْ أشُقَّ على أُمَّتي، لَأمرتُهم أنْ يُصلُّوا هكذا)». [طرفه في: ٧٢٣٩] قوله: ((حدَّثْنا محمودٌ)) هو ابن غَيْلان. قوله: ((شُغِلَ عنها ليلةً فأخَّرَها)) هذا التأخير مُغايرٌ للتأخير المذكور في حديث جابر(١) وغيره المقيَّد بتأخير اجتماع المصلِّين، وسياقُهُ يُشعِرُ بأنَّ ذلك لم يكن من عادتِه. قوله: ((حتَّى رَقَدْنا في المسجد)) استدلَّ به مَن ذهبَ إلى أنَّ النومَ لا يَنقُضُ الوضوءَ، ولا ٥١/٢ دلالةَ فيه لاحتمال أنْ يكون الرّاقدُ منهم كان قاعداً مُتمكِّناً، أو لاحتمال أنْ يكون مُضطجِعاً لكنَّ توضَّأ وإنْ لم يُنقَل، اكتفاءً بما عُرِفَ من أنَّهم لا يُصلَّون على غير وضوء. قوله: ((وكان)) أي: ابن عمر ((يَرقُد قبلَها)) أي: قبل صلاة العِشاء، وهو محمولٌ على ما إذا لم يَخْشَ أنْ يَغْلِبَه النومُ عن وقتها كما صَرَّحَ به قبل ذلك حيثُ قال: ((وكان لا يبالي أَقَدَّمَها أم أخّرَها))، وروى عبد الرزاق عن مَعمَرٍ عن أيوبَ عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ كان ◌ُبَّما رَقَدَ عن العِشاء الآخرة ويأمُر أنْ يُوقِظوه (٢)، والمصنّ حمل ذلك في الترجمة على ما إذا غَلَبَه النوم، وهو اللائق بحال ابن عمر. (١) السالف عند البخاري برقم (٥٦٥). (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) برقم (٢١٤٦)، لكن وقع في المطبوع منه: عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع، وهذا أنسب لإسناد البخاري. ٥٦٢ باب ٢٤/ ح ٥٧٠-٥٧١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال ابن جُرَيج)) هو بالإسناد الذي قبلَه - وهو محمودٌ عن عبد الرزاق عن ابن جُرَيج - ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق، وقد أخرجه عبد الرزاق في ((مصنَّه)) (٢١١٢ و٢١١٥) بالإسنادين، وأخرجه من طريقه الطَّبرانيُّ (١١٤٢٤)، وعنه أبو نُعَيم في (مُستخرَجه)). قوله: ((فقامَ عمر فقال: الصلاةَ))، زاد في التمنِّي (٧٢٣٩): ((رَقَدَ النِّساءُ والصِّبْيانُ)) وهو مطابقٌ لحديث عائشة الماضي. قوله: ((واضِعاً يدَه على رَأْسِه)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَنيّ: ((على رَأْسِي)» وهو وَهْمٌ لما ذُكِرَ بعده من هيئة عَصْرِهِوَ ◌َّ شعرَه من الماء، وكأنَّه كان اغتسل قبلَ أنْ يَخْرُج. قوله: ((فاستَئِبَتُّ)) هو مَقُول ابن جُرَيج، وعطاء: هو ابن أبي رَبَاحِ، وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه ابن یَسَار. قوله: ((فبَدَّدَ)) أي: فرَّق. وقَزْنُ الرأس: جانبُه. قوله: ((ثمَّ ضَّها)) كذا له بالضّاد المعجَمة والميم، ولمسلم (٦٤٢): ((وصَبَّها)) بالمهمَلة الموخَّدة، وصَوَّبَه عِيَاضٍ، قال: لأنَّه يَصِفُ عصرَ الماء من الشَّعر باليد. قلت: ورواية البخاري مَوَجَّهَة، لأنَّ ضمَّ اليد صفةٌ للعاصر. قوله: ((حتَّى مَسَّتْ إبهامُه)) كذا بالإفراد للكُشْمِیھَنيّ، ولغيره: ((إبهامَيه)) وهو منصوب بالمفعوليَّة وفاعلُه: طرفُ الأُذُن، وعلى هذا فهو مرفوع، وعلى الرواية الأولى ((طرف)) منصوبٌ وفاعله ((إبهامه)) وهو مرفوع، ويؤيِّد رواية الأكثر رواية حَجّاجٍ عن ابن جُرَیج عند النَّسائيِّ (٥٣١) وأبي نُعَيم: ((حتَّى مَسَّت إبها ماه طرفَ الأُذُن)). قوله: ((لا يُقصِّرُ ولا يَبطِئُ)) أي: لا يُبطِئُ ولا يستعجلُ، و((يُقصِّرُ)) بالقاف للأكثر، ووقع عند الكُشْمِيهَنِيّ: ((لا يَعِصِرُ)) بالعين، والأُولى أصوَب. قوله: ((لَأمرتُهم أنْ يُصلُّوها)) كذا بيَّن ذلك في كتاب التمنِّي عند المصنِّف (٧٢٣٩) من رواية سفيان بن عُيَينةَ عن ابن جُرَيج وغيره في هذا الحديث وقال: ((إنَّه لَلوقتُ لولا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي)). ٥٦٣ باب ٢٥/ ح ٥٧٢ كتاب مواقيت الصلاة فائدة: وقع في الطَّبرانيّ (١١٠٢٣) من طريق طاؤُوسٍ عن ابن عبَّاس في هذا الحديث بمعناه قال: وذهبَ الناس إلَّا عثمانَ بن مَظْعون في ستَّةَ عشرَ رجلاً، فخرج النبيُّ ◌َل فقال: ((ما صلَّى هذه الصلاةَ أُمَّةٌ قبلكم))(١). ٢۵ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل وقال أبو بَرْزةَ: كان النبيُّ ◌َّهِ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَها. ٥٧٢- حدَّثنا عبدُ الرَّحِيم المُحارِبُّ، قال: حدّثنا زائدةُ، عن مُميدِ الطَّوِيل، عن أنسٍ قال: أخّرَ النبيُّ نَّهِ صلاةَ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيل، ثمَّ صَلَّى ثمَّ قال: ((قد صَلَّى النّاسُ ونامُوا، أمَا إِنَّكُم في صلاةٍ ما انتَظَرْتُمُوها)). وزادَ ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى بنُّ أيوبَ، حدَّثني مُميدٌ، سَمِعَ أنساً قال: كأنّ أنظُرُ إلى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيَلَنَئِذٍ. [أطرافه في: ٦٠٠، ٦٦١، ٨٤٧، ٨٦٩] قوله: ((باب وقت العِشاء إلى نِصْف اللَّيل)) في هذه الترجمة حديث صريح أخرجه مسلمٌ (١٧١/٦١٢) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص في بيان أوَّل الأوقات وآخرِها وفيه: ((فإذا صلَّيْتُم العشاءَ فإنَّه وَقْتٌ إلى نصف الليل))، قال النَّووي: معناه: وقتٌ لأدائها اختياراً، وأمَّا وقتُ الجواز فيَمتَدُّ إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قتادةَ عند مسلم (٦٨١): ((إنَّمَا التَّغْرِيطُ/ على مَن لم يُصلِّ الصلاة حتَّى يجيءَ وقتُ الصلاة الأُخرى))، وقال ٥٢/٢ الإصطَخْريُّ: إذا ذهبَ نصف الليل صارت قَضاءً. قال: ودليلُ الجُمْهور حديث أبي قتادة المذكور. قلت: وعموم حديث أبي قتادةَ مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعيّ الجديد في المغرب، وللإصطَخْريّ أنْ يقول: هو مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العِشاء، والله أعلم. (١) وفي إسناده من لا تُعرَف عدالتُه. ٥٦٤ باب ٢٦ / ح ٥٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال أبو بَرْزةَ)) هو طرفٌ من حديثه المتقدِّم (٥٤٧) في ((باب وقت العصر))، وليس فيه تصريحٌ بقَيدِ نصف الليل، لكنَّ أحاديثَ التأخير والتوقيت لمَّا جاءت مَرَّةً مُقِيَّدةً بالثُّلُثِ وأُخرى بالنِّصف، كان النِّصف غايةَ التأخير، ولم أرَ في امتداد وقت العِشاء إلى طلوع الفجر حديثاً صريحاً يَثْبُت. قوله: ((حدَّثنا عبد الرحيم المُحارِبُّ) كذا لأبي ذَرِّ، ووقع لأبي الوَقْت وغيره: عبد الرحيم، بغير صيغة أداءٍ، وهو عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمَّد المحاربيُّ الكوفيّ، يُكْنى أبا زياد، وهو من قُدَماء شيوخ البخاري، وليس له في ((الصحيح)) عنه غيرُ هذا الحديث الواحد. قوله: ((صلاةَ العِشاء)) زاد مسلم (٦٤٠): ((ليلةً))، وفيه إشعارٌ بأنَّه لم يكن يُواظِبُ على ذلك. قوله: ((قد صَلَّى النّاسُ)) أي: المعهودون ممَّن صلَّى من المسلمينَ إِذْ ذاك. قوله: ((وزاد ابن أبي مريمَ)) يعني سعيد بن الحكم المِصْري، ومراده بهذا التَّعْليق بيانُ سماع محُميدٍ للحديث من أنس. قوله: ((كأَّ أَنظُرُ ... )) إلى آخره، الجُمْلةُ في موضع المفعول لقوله: ((زاد)). وقد وقع لنا هذا التَّعْليق موصولاً عالياً من طريق أبي طاهر المخلِّص في الجزء الأوَّل من «فوائده)، قال: حدَّثنا البَغَويُّ حدَّثنا أحمدُ بن منصور حدَّثنا ابن أبي مريمَ بسنده، وأوَّلُه: «سئل أنس: هل اتَّخَذَ النبيُّ وَّرِ خاتماً؟ قال: نعم، أخّرَ العِشاء)) فذكره، وفي آخرِه: ((وكأنّ أنظُر إلى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَئِذٍ)). والوَبِيصُ بالموخَّدة والصاد المهمَلة: البَريقُ، وسيأتي الكلام على فضل انتظار الصلاة في أبواب الجماعة (٦٥٩)، وعلى الخاتم ولُبْسِه في كتاب اللِّباس (٥٨٦٩) إن شاء الله تعالى. ٢٦ - باب فضل صلاة الفجر ٥٧٣- حدَّثنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا قَيَسُ: قال لي جَرِيرُ بنُ عبدِ الله: كنَّا عندَ النبيِّ نَّهِ إِذْ نظرَ إلى القمرِ ليلةَ البَدْرِ فقال: ((أمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ ٥٦٥ باب ٢٦ / ح ٥٧٤ كتاب مواقيت الصلاة هذا لا تُضَامُونَ - أو لا تُضَاهُونَ - في رُؤْيِهِ، فإنِ استَطَعتُمْ أنْ لا تُغلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طُلُوع الشمسِ وقبلَ غُرُوبها فافعَلُوا، ثمَّ قال ف﴿سَيِّعٍ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقبْلَ غُرُوِبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. ٥٧٤- حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالٍ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثني أبو جَمْرةَ، عن أبي بَكْر عن أبيه، أَنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((مَن صَلَّى البَرْدَينِ دخلَ الجنَّةَ)». وقال ابنُ رَجاءٍ: حدَّثْنا همَّامٌ، عن أبي جَمْرةَ: أَنَّ أبا بَكْر بنَ عبدِ الله بنِ قَيْسٍ أخبَرَه ... بهذا. حدَّثنا إسحاقُ، عن حَبَّان، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثنا أبو جَمْرة، عن أبي بَكْر بنِ عبدِ الله، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّ ... مِثلَه. قوله: ((باب فضل صلاة الفجر)) وقع في رواية أبي ذرِّ بعد هذا: ((والحديث)) ولم يَظهَر ٥٣/٢ لقوله: ((والحديث)) توجيهٌ في هذا الموضع، ووَجَّهَه الكِرْمانيُّ بأنَّ الغَرَضَ منه: باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر. قلت: ولا يخفى بُعْدُه، ولم أرَ هذه الزيادة في شيء من المستَخْرَجات، ولا عَرَّجَ عليها أحدٌ من الشُّاح، فالظاهرُ أنَّهَا وَهْم، ويدلُّ لذلك أنَّه تَرجَمَ لحديث جَرِير أيضاً ((باب فضل صلاة العصر)) (٥٥٤) بغير زيادة، ويحتمل أنَّه كان فيه ((باب فضل صلاة الفجر والعصر)) فتحرَّفت الكلمةُ الأخيرةُ، والله أعلم. قوله: ((يحيى)) هو القَطّانُ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيسٌ: هو ابن أبي حازم. وقد تقدَّم الكلام علی حدیث جَرِیر في (٥٥٤) ((باب فضل صلاة العصر)). قوله: ((أبو جَمْرةَ)) بالجيم والرَّاء: وهو الضُّبَعيُّ، وشيخُه أبو بكرٍ: هو ابن أبي موسى الأشعَريِّ بدليل الرواية التي بعده حيثُ وقع فيها: ((أنَّ أبا بكر بن عبد الله بن قيس)) وعبد الله بن قيسٍ هو أبو موسى، وقد قيل: إنَّه أبو بكر بن عمارةَ بن رُوَيبةَ، والأوَّل أرجَحُ كما سيأتي آخرَ الباب. ٥٦٦ باب ٢٦ / ح ٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (مَن صَلَّى البَرْدَين)) بفتح الموحّدة وسكون الرّاء تَثْنية بَرْد، والمراد صلاةُ الفجر والعصر، ويدلّ على ذلك قوله في حديث جَرِير: ((صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غُروبها)) زاد في رواية لمسلم (٦٣٣): يعني العصر والفجر. قال الخطَّابي: سُمّيَتَا بَرْدَينٍ لأَّهما تُصلَّيان في بَرْدَي النهار: وهما طرفاه حين يَطيبُ الهواءُ وتذهبُ سَوْرةُ الحَر، ونُقِلَ عن أبي عُبيدٍ: أنَّ صلاة المغرب تَدخُلُ في ذلك أيضاً. وقال البَزَّار في توجيه اختصاص هاتَينِ الصلاتَينِ بدخول الجنَّة دون غيرهما من الصَّلَوات ما مُحُصَّلُه: إنَّ((مَن)) موصولةٌ لا شرطيّة، والمراد: الذين صَلَّوْهما أوَّل ما فُرِضَت الصلاة ثمَّ ماتوا قبل فرض الصَّلَوات الخمس، لأنَّها فُرِضَت أوَّلاً رَكْعَتَيْنِ بِالغَداة ورَكْعَتَيْنِ بالعَشي، ثمَّ فُرِضَت الصَّلَوات الخمس، فهو خبرٌ عن ناس مخصوصين لا عمومَ فیه. قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، والأوجَه أنَّ ((مَن)) في الحديث شرطيّة، وقوله: ((دخل)) جواب الشَّرْط، وعَدَلَ عن الأصل وهو فعلُ المضارع كأن يقول: يدخل الجنَّةَ، إرادةً للتأكيد في وقوعه بجَعْل ما سيقعُ كالواقع. قوله: ((وقال ابن رَجاءٍ)) هو عبد الله البصريُّ الغُدَانيُّ، وهو أحد شيوخ البخاري، وقد وَصَلَه محمَّد بن يحيى الذُّهْلُّ قال: ((حدَّثنا عبد الله بن رَجاء)) ورُويناه عالياً من طريقه في الجزءِ المشهور المرويِّ عنه من طريق السِّلَفيِّ، ولفظ المتن واحدٌ. قوله: ((حدَّثنا إسحاقُ)) هو ابن منصور، ولم يقع منسوباً في شيء من الروايات(١)، واستدلَّ أبو عليٍّ الغسَانُّ على أنَّه ابن منصور بأنَّ مسلماً روى عن إسحاق بن منصور عن حَبّانَ بن هِلال حديثاً غيرَ هذا(٢). قلت: رأيت في رواية أبي علي الشَّبُِّيِّ عن الفِرَبْريِّ في ((بابٌ البيِّعان بالخيار)) (٢١١٠): (١) في (س): من الكتب والروايات. (٢) روى له خمسة أحاديث، انظر: (٢٢٣) و(٩٣٤) و(١٦١٢) و(١٧٢٢) و(٢١٧٦). ٥٦٧ باب ٢٧ / ح ٥٧٥ -٥٧٦ كتاب مواقيت الصلاة حدَّثنا إسحاقُ بن منصور حدَّثنا حَبّان بن هِلال، فذكر حديثاً، فهذه القرينةُ أقوى من القَرينة التي في رواية مسلم. قوله: ((حدَّثْنا حَبّانُ)) هو ابن هِلال، وهو بفتح الحاء المهمَلة، فاجتمعت الروايات عن هَّام بأنَّ شيخَ أبي ◌َمْرةَ هو أبو بكر بن عبد الله، فهذا بخلاف مَن زَعَمَ أنَّه ابن عمارةَ بن رُوَيبة، وحديث عُمارةَ أخرجه مسلمٌ (٦٣٤) وغيره من طرق عن أبي بكر بن عُمارةَ عن أبيه، لكنَّ لفظه: ((لَنْ يَلِجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طُلوع الشمس وقبل غُروبها))، وهذا اللفظُ مُغايِرٌ للفظ حديث أبي موسى وإنْ كان معناهما واحداً، فالصوابُ أنَّهما حديثان. ٢٧ - باب وقت الفجر ٥٧٥- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ عاصِم، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادة، عن أنسٍ، أَنَّ زیدَ بنَ ثابتٍ حدَّثه: أنَّهم تَسَخَّرُوا/ مع النبيِّ وََّ، ثُمَّ قَامُوا إلى الصلاةِ. قلتُ: كَمْ كان بينَهما؟ قال: قَدْرُ ٥٤/٢ خمسينَ أو سِتِينَ؛ يعني آيَةً. [طرفه في: ١٩٢١] ٥٧٦- حدَّثْنَا حَسَنُ بنُ صَبَّاح، سَمِعَ رَوْحاً، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادة، عن أنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ وزيدَ بنَ ثابتٍ تَسَخَّرا، فلمَّا فَرَغا مِن سَحُورِهِما قامَ نبِيُّ الله ◌َّه إلى الصلاةِ فصَلَّيًا. قلنا لأنسٍ: كَمْ كان بينَ فَراغِهما مِن سَخُورِ هما ودخولِهما في الصلاةِ؟ قال: قَدْرُ ما يَقْرأُ الرجلُ خمسينَ آيَةً. [طرفه في: ١١٣٤] قوله: ((باب وقت الفجر)) ذكر فيه حديث: (تَسَخَّرَ زيد بن ثابت مع النبيّ ◌َّ)) من وجهين عن أنس، فأمَّا رواية همَّام عن قتادةَ فهي عن أنسٍ: أنَّ زيد بن ثابت حدَّثه، فجعله من مسند زيد بن ثابت، ووافَقَه هشامٌ عن قتادةَ كما سيأتي في الصّيام (١٩٢١)، وأمَّا رواية سعيد - وهو ابن أبي عَرُوبةَ - عن قتادةَ فهي عن أنس: أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ وزيدَ بنَ ثابتٍ تَسَخَّرا، وفي رواية السَّرَخْسيِّ والمُستَمْلي: ((تَسَخَّروا)) فجعله من مسند أنس، وأمَّا قوله: ٥٦٨ باب ٢٧ / ح ٥٧٥-٥٧٦ فتح الباري بشرح البخاري (تَسَخَّروا)) بصيغة الجمع فشاذَّة، وتَرَجَّحَ عند مسلم (١٠٩٧) روايةُ هَمَّام، فإنَّه أخرجها وأعرَضَ عن رواية سعيد، ويدلُّ على رُجْحانها أيضاً أنَّ الإسماعيليَّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: عن أنس عن زيد بن ثابت، والذي يَظهَر لي في الجمع بين الروايتين أنَّ أنساً حَضَرَ ذلك لكنَّه لم يَتَسَخَّرْ معهما، ولأجل هذا سأل زيداً عن مِقْدار وقت السُّحور كما سيأتي بعدُ، ثمَّ وجدت ذلك صريحاً في رواية النَّسائيِّ (٢١٦٧) وابن حِبَّانَ (١٤٩٧) ولفظُهما عن أنس قال: قال لي رسول الله وََّ: ((يا أنسُ، إنّي أُريدُ الصّيام، أطعِمْني شيئاً، فجِئْته بتَمْرِ وإناءٍ فيه ماء، وذلك بعدما أَذَّنَ بلال، قال: ((يا أنس، انظُرْ رجلاً يأْكُلُ معي)) فَدَعَوْت زيد بن ثابت، فجاء فتَسَخَّرَ معه، ثمَّ قام فصلَّ رَكْعتَین، ثمَّ خرج إلى الصلاة. فعلى هذا فالمراد بقوله: ((كم كان بين الأذان والسُّحور؟)) أي: أذان ابن ◌ُمّ مكتوم، لأنَّ بلالاً كان يُؤَذِّنُ قبلَ الفجر، والآخرُ يُؤْذِّنُ إذا طَلَع. قوله: ((قلت: كَمْ كان بينهما؟)) سَقَطَ لفظُ ((كان)) من رواية السَّرَخْسيِّ والمُستَمْلي، ووقع عند الإسماعيليِّ من رواية عَفّانَ عن همَّامٍ: ((قلنا لزيد)»، ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد: ((قال خالد: أنسُ هو القائلُ: كم كان بينهما؟))، ووقع عند المصنِّف (٥٧٦) من رواية رَوْحِ عن سعيد: ((قلت لأنس))، فهو مَقُولُ قتادة، قال الإسماعيليُّ: والروايتان صحيحتان بأنْ يكون أنس سأل زيداً، وقتادةُ سأل أنساً، والله أعلم. ٥٥/٢ قوله: ((قامَ نبِيُّ الله ◌َّ إلى الصلاة فصَلَّيًا)) كذا للكُشْمِيهَنِيِّ بصيغة التَّثْنية، ولغيره: ((فصَلَّينا)) بصيغة الجمع. وسيأتي الكلامُ على بقيَّة فوائد هذا الحديث في كتاب الصّيام (١٩٢١) إن شاء الله تعالی. واستدلَّ المصنِّف به على أنَّ أوَّلَ وقت الصبح طلوعُ الفجر، لأنَّه الوقت الذي يَحِرُمُ فيه الطَّعام والشَّراب، والمدَّة التي بين الفراغ من السُّحور والدُّخول في الصلاة - وهي قراءة الخمسينَ آيةً أو نحوها - قَدْرُ ثُلُثِ خُمُس ساعة، ولعلَّها مِقْدَارُ ما يَتَوضَّأ، فأشعَرَ ذلك بأنَّ أوَّل وقت الصبح أوَّل ما يَطلُع الفجر. ٥٦٩ باب ٢٧ / ح ٥٧٧-٥٧٨ كتاب مواقيت الصلاة وفيه: أَنَّهِ﴿ ﴿ كان يدخل فيها بغَلَس، والله أعلم. ٥٧٧- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ، عن أخيهِ، عن سليمانَ، عن أبي حازم: أنَّه سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ يقولُ: كنتُ أتسَخَّرُ في أَهلِي، ثمَّ يكونُ سُرْعةٌ بي أنْ أُدرِكَ صلاةَ الفجرِ مع رسولِ الله له. [طرافه في: ١٩٢٠] ٥٧٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ أخبَرَتْه قالت: كُنَّ نساءُ المؤمِناتِ يَشهَدْنَ مع رسولِ اللهِوَّ صلاةَ الفجرِ مُتَلفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثمَّ يَنْقَلِينَ إلى بُيُوتِنَّ حينَ يَقْضِينَ الصلاةَ لا يَعرِفُهنَّ أحدٌ مِن الغَلَسِ. قوله: ((عن أخيه)) هو أبو بكرٍ عبدُ الحميد، وسليمانُ: هو ابن بلال، وسيأتي الكلام على حديث سَهْل بن سَعْدٍ في الصّيام (١٩٢٠)، والغَرَضُ منه هنا الإشارةُ إلى مُبادَرة النبيِّ وَل بصلاة الصبح في أوَّل الوقت، وحديث عائشة تقدَّم (٣٧٢) في أبواب سَتْرِ العَوْرة ولفظه أصرحُ في مراده في هذا الباب من جهة التَّغْليس بالصبح وأنَّ سياقه يقتضي المواظَبة على ذلك، وأصرحُ منه ما أخرجه أبو داود (٣٩٤) من حديث أبي مسعود (١): أنَّه وَّهِ أَسفَرَ بالصبح مرَّةً ثمَّ كانت صلاته بعدُ بالغَلَس حتَّى مات، لم يَعُدْ إلى أنْ يُسِفِرَ. وأمَّا ما رواه أصحاب ((السُّنن))(٢) وصحَّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله وَلَّه: ((أَسِفِروا بالفجرِ، فإنَّه أعظمُ للأجر)) فقد حمله الشافعيّ وغيرُه على أنَّ المراد بذلك تَحقُّقُ طُلوع الفجر، وحمله الطَّحاويُّ على أنَّ المراد الأمرُ بتطويل القراءة فيها حتَّى يَخْرُج من الصلاة مُسِفِراً، وأبعَدَ مَن زَعَمَ أنَّه ناسخٌ للصلاة في الغَلَس. وأمَّا حديث ابن مسعود الذي أخرجه المصنّف (١٦٨٢) وغيره أنَّه قال: ((ما رأيت (١) تحرف في (س) والأصلين إلى: ابن مسعود. وهذا الحديث من رواية أبي مسعود عقبة بن عمرو البَذْري. (٢) أبو داود (٤٢٤)، وابن ماجه (٦٧٢)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (٥٤٨)، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (١٥٨١٩). ٥٧٠ باب ٢٧ / ح ٥٧٧ -٥٧٨ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله ﴿ صِلاَّها في غير وقتها غيرَ ذلك اليوم)) يعني الفجر يومَ المُزْدَلِفة، فمحمولٌ على أنَّه دخل فيها مع طلوع الفجر من غیر تأخیر، فإنَّ في حديث زيد بن ثابت وسَهْل بن سَعْد ما يُشعِرُ بتأخيرِ يسير، لا أنَّه صَلّاها قبل أنْ يَطْلُعَ الفجر، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله في حديث عائشة: ((كُنَّ)) قال الكِرْمانيُّ: هو مثلُ: أكَلوني البراغيثُ، لأنَّ قياسَه الإفرادُ وقد ◌ُع. قوله: ((نساءُ المؤمِنات)) تقديرُه: نساءُ الأنفُس المؤمنات، أو نحو ذلك، حتَّى لا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إنَّ ((نساء)) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجالُ القوم، أي: فُضَلاؤُهم. قوله: ((يَشهَدْنَ)) أي: تَحُزْن. وقوله: ((لا يَعْرِفُهُنَّ أحدٌ)) قال الدَّاووديُّ: معناه: لا يُعرَفْنَ أنساءٌ أم رجال، أي: لا يَظْهَرُ للرّائي إلَّ الأشباحُ خاصَّةً، وقيل: لا يُعرَفُ أعيائُهُنَّ فلا يُفرَّق بين خديجة وزينب. وضَعَّفَه النَّوويُّ بأنَّ المتَلَفِّعةَ في النهار لا تُعرَفُ عينُها فلا يَبقَى في الكلام فائدة، وتُعُقِّبَ بأنَّ المعرفة إنَّما تتعلَّق بالأعيان، فلو كان المراد الأوَّل لَعَبَّرَ بنفي العِلْم، وما ذكره من أنَّ المتَلَفِّعةَ بالنهار لا تُعرَفُ عينُها، فيه نظر، لأنَّ لكلِّ امرأةٍ هيئةٌ غيرُ هيئة الأُخرى في الغالب ولو كان بدُها مُغَطَّی. وقال الباحِيُّ: هذا يدلُّ على أنََّنَّ كُنَّ سافرات، إذْ لو كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تغطيةُ الوجه من مَعرِ فِتِهِنَّ لا الغَلَس. قلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبنيٌّ على الاشتباه الذي أشارَ إليه النَّوويُّ، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ لكلِّ واحدةٍ منهُنَّ هيئةً غالباً، فلا يَلْزم ما ذكر، والله أعلم. قوله: ((مُتَلَفِّعاتٍ)) تقدَّم شرحُه، والمُرُوطُ: جمعُ مِرْط، بكسر الميم: وهو كِساءٌ مُعلَّمٌ من خَزّ أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يُسمَّى مِرْطاً إلَّا إذا كان أخضرَ ولا يَلْبَسُه إلَّ النِّساءُ، وهو مردودٌ بقوله: مِرْطٌ من شعرٍ أسود. ٥٧١ باب ٢٨/ ح ٥٧٩ كتاب مواقيت الصلاة قوله: «یَنقَلِینَ» أي: یَرجِعْن. قوله: (مِنِ الغَلَس))، ((من)) ابتدائيَّةٌ أو تعليليَّة، ولا مُعارضةَ بين هذا وبين حديث أبي بَرْزةَ السابق (٥٤١): أنَّه كان ينصرفُ من الصلاة حين يَعِرِفُ الرجلُ جليسه، لأنَّ هذا إخبارٌ عن رُؤْية المتلفِّعة على بُعْد، وذاكَ إخبارٌ عن رُؤْية الجليس. وفي الحديث استحبابُ المبادرة بصلاة الصبح في أوَّل الوقت، وجوازُ خروج النِّساء إلى المساجد لشُهودِ الصلاة في الليل، ويُؤْخَذُ منه جوازُه/ في النهار من باب أولى، لأنَّ الليل ٥٦/٢ مَظِنَّةُ الرِّيبة أكثر من النهار، ومحلُّ ذلك إذا لم يُحْشَ عليهنَّ أو بهنَّ فِتْنَةٌ. واستَدلَّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مُخْتَمِرةَ الأنف والفَم، فكأنَّه جعل التَّلَفَّعَ صفةً لشُهودِ الصلاة. وتَعقَّبَه عِيَاضٌ بأنَّهَا إِنَّما أخبَرَت عن هيئة الانصراف، والله أعلم. ٢٨ - باب من أدرك من الفجر ركعةً ٥٧٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ وعن بُشِ ابنِ سعيدٍ وعن الأعرَجِ، يُحدِّثُونه عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّم قال: «مَن أدرَكَ مِن الصبحِ رَكْعَةً قبلَ أنْ تَطلُعَ الشمسُ، فقد أدرَكَ الصبحَ، ومَن أدرَكَ رَكْعَةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ، فقد أدرَكَ العصرَ)). قوله: ((باب مَن أدرَكَ من الفجر رَكْعة)) تقدَّم الكلام على الحِكْمة في حذف جواب الشَّرْط من الترجمة في ((باب مَن أدرَكَ من العصر رَكْعة))(١). قوله: ((يُحدِّثُونه) أي: يُحدِّثون زيدَ بنَ أسلَم. ورجالُ الإسناد كلُّهم مدنُّون. قوله: (فقد أدرَكَ الصبح)) الإدراكُ: الوصولُ إلى الشيء، فظاهرُه أنَّه يَكْتفي بذلك، وليس ذلك مراداً بالإجماع، فقيل: يُحِمَلُ على أنَّه أدرَكَ الوقت، فإذا صلَّى رَكْعة أُخرى فقد گمُلت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرَّحَ بذلك في روایة الدّراوزديِّ عن زيد بن أسلَمَ أخرجه البيهقيُّ (٣٧٨/١-٣٧٩) من وجهين ولفظُه: «مَن أدرَكَ من الصبحِ رَكْعة (١) وهو الباب السالف برقم (١٧). ٥٧٢ باب ٢٨ / ح ٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قبل أنْ تَطْلُعَ الشمسُ ورَكْعة بعدما تَطلُعُ الشمس، فقد أدرَكَ الصلاة))، وأصرحُ منه روايةٌ أبي غسَّانَ محمَّد بن مُطرِّفٍ عن زيد بن أسلمَ عن عطاءٍ - وهو ابن يسارٍ - عن أبي هريرة بلفظ: ((مَن صلَّى رَكْعة من العصر قبل أنْ تَغرُبَ الشمس، ثمَّ صلَّى ما بقي بعد غُروب الشمس، فلم يَقُتْه العصرُ))(١)، وقال مِثْلَ ذلك في الصبح، وقد تقدَّمت روايةُ المصنّفُ (٥٥٦) في (باب مَن أدرَكَ من العصر رَكْعة)) من طريق أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة وقال فيها: (فَلْيُثِّمَّ صلاتَه))، وللنَّسائيِّ (٥٥٨) من وجهٍ آخَر: ((مَن أدرَكَ رَكْعةً من الصلاة فقد أدرَكَ الصلاة كلَّها، إلّا أنَّه يَقْضى ما فاتَه))، وللبيهقيِّ (٣٧٩/١) من وجهٍ آخَر: ((مَن أدرَكَ رَكْعة من الصبح قبلَ أنْ تَطلُعَ الشمس فلْيُصلِّ إليها أُخرى)). ويُؤْخَذُ من هذا الردُّ على الطَّحاويِّ حيثُ خَصَّ الإدراكَ باحتلام الصَّبِيِّ وُهْرِ الحائض وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك نُصْرةَ مذهبه في أنَّ مَن أدرَكَ من الصبح ركعة تَّفسُدُ صلاته، لأنَّه لا يُكْمِلُها إلَّا في وقت الكراهة، وهو مبنيٌّ على أنَّ الكراهةَ تتناولُ الفرضَ والنَّفْلَ، وهي خلافيَّةٌ مشهورة. قال التِّرمِذيُّ: وبهذا يقول الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وخالفَ أبو حَنِيفة فقال: مَن طَلَعَت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بَطَلَت صلاته، واحتَجَّ لذلك بالأحاديث الواردة في النَّهي عن الصلاة عند طلوع الشمس(٢)، واذَّعَى بعضُهم أنَّ أحاديث النَّهي ناسخةٌ لهذا الحديث، وهي دَعْوَى تحتاجُ إلى دليل، فإنَّه لا يُصارُ إلى النَّسْخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين مُمكِنٌ بأنْ تُحمَلَ أحاديثُ النَّهي على ما لا سببَ له من النَّوافل، ولا شكَّ أنَّ التَّخْصيص أَولى من ادِّعاء النَّسْخ، ومفهومُ الحديث أنَّ مَن أدرَكَ أقلّ من رَكْعة لا يكون مُدرِكاً للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيلُ بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين (١) أخرجه من هذا الطريق أبو العباس السراج في ((مسنده)) (٩٣٧) وفي ((حديثه)) بتخريج الشحامي (١٢٠٥). وبنحو رواية أبي غسان هذه رواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عند ابن الأعرابي في «المعجم)» (١٥٩٧). (٢) ستأتي عند البخاري (٥٨١ -٥٨٤). ٥٧٣ باب ٢٩ / ح ٥٨٠ كتاب مواقيت الصلاة مُدرِك الجماعة ومُدرِك الوقت، وكذا مُدرِكُ الجمعة، ومِقْدارُ هذه الرَّكْعة قَدْرُ ما يُكبِّرُ للإحرام ويقرأْ أُمَّ القرآن ويَركَع ويَرفَع ويَسجُد سجدتَينِ بشروطِ كلِّ ذلك. وقال الرّافعيُّ: المعتبَرُ فيها أخفُّ ما يَقدِرُ عليه أحد، وهذا في حقِّ غير أصحاب الأعذار، أمَّا أصحاب الأعذار كمَن أفاقَ من إغماء، أو طَهُرَت من حَيضٍ أو غير ذلك، فإنْ بقي من الوقت هذا القَدْر كانت الصلاة في حقُّهم أداءً، وقد قال قوم: يكون ما أدرَكَ/ ٥٧/٢ في الوقت أداءً وبعده قَضاءً، وقيل: يكون كذلك لكنَّه يَلْتَحِقُ بالأداء حُكْماً، والمختار أنَّ الكلّ أداء، وذلك من فضل الله تعالى. ونَقَلَ بعضهم الاتِّفاق على أنَّه لا يجوز لمن ليس له عُذْرٌ تأخيرُ الصلاة حتَّى لا يَبقَى منها إلَّ هذا القَدْر، والله أعلم. لطيفة: أوَرَدَ المصنِّف (٥٥٦) في ((باب مَن أدرَكَ من العصر)) طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وفي هذا الباب طريق عطاء بن يسارٍ ومَن معه عن أبي هريرة، لأنَّه قَدَّمَ في طريق أبي سَلَمَةَ ذِكرَ العصر، وقَدَّمَ في هذا ذِكرَ الصبح، فناسَبَ أنْ يَذْكُرَ في كُلُّ منهما ما قَدَّمَ لما يُشعِرُ به التقديمُ من الاهتمام، والله الهادي للصواب. ٢٩ - باب من أدرك من الصلاة ركعةً ٥٨٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: «مَن أدرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ، فقد أدرَكَ الصلاة». قوله: ((باب مَن أدرَكَ من الصلاةَ رَكْعة)» هكذا تَرجَم، وساقَ الحديث بلفظ: ((مَن أدرَكَ رَكعةً من الصلاة فقد أدرَكَ الصلاة)) وقد رواه مسلم (٦٠٧) من رواية عُبيد الله العمريِّ عن الزّهْري، وأحالَ به على حديث مالك، وأخرجه البيهقيُّ (٢٠٢/٣) وغيره من الوجه الذي أخرجه منه مسلم ولفظه كلفظ ترجمة هذا الباب، قَدَّمَ قوله: ((من الصلاة)) على قوله: (رَكْعة))، وقد وَضَحَ لنا بالاستقراء أنَّ جميع ما يقع في تراجم البخاري ممَّا يُتَرجَم بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مُغايٍرٍ للفظ الحديث الذي يُورِدُه إلَّا وقد وَرَدَ من وجه آخر بذلك ٥٧٤ باب ٢٩ / ح ٥٨٠ فتح الباري بشرح البخاري اللفظ المغاير، فلله دَرُّه ما أكثرَ اطِّلَاعَه. والظاهر أنَّ هذا أعمُّ من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب، ويحتمل أنْ تكون اللّمُ عَهْدِيَّةٍ فيَتَّحِدا، ويؤيِّده أنَّ كُلَّ منهما من رواية أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة، وهذا مُطلَقٌ وذاكَ مُقيَّد، فيُحمَّلُ المطلَقُ على المقيَّد. وقال الكِرْمانيُّ: الفَرْق بينهما أنَّ الأوَّل فيمن أدرَكَ من الوقت قدرَ رَكْعة، وهذا فيمن أدرَكَ من الصلاة رَكْعة. كذا قال، وقال بعد ذلك: وفي الحديث أنَّ مَن دخل في الصلاة فصلّى رَكْعة وخرج الوقتُ كان مُدرِكاً لجميعها، وتكون كلُّها أداءً، وهو الصحيح. انتهى، وهذا يدلُّ على اتّحاد الحديثين عنده لجَعْلِهِما مُتَعلِّقَينِ بالوقت، بخلاف ما قال أوَّلاً. وقال الثَّيميُّ: معناه: مَن أدرَكَ مع الإمام رَكْعة فقد أدرَكَ فضل الجماعة. وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل غير ذلك. وقوله: ((فقد أدرَكَ الصلاةَ) ليس على ظاهره بالإجماع، لما قدَّمناه من أنَّه لا يكون بالرَّكْعة الواحدة مُدرِكاً لجميع الصلاة بحيثُ تَحصُل بَراءَة ذِمَّته من الصلاة، فإذا فيه إضمار تقديره: فقد أدركَ وقتَ الصلاة، أو حُكْم الصلاة، أو نحو ذلك، ويَلْزمُه إتمام بَقيّتِها. وقد تقدَّم بقيَّة مباحثه في الباب الذي قبله. ومفهوم التقييد بالرَّكْعة أنَّ مَن أدرَكَ دون الرَّكْعة لا يكون مُدرِكاً لها، وهو الذي استَقرَّ عليه الاتّفاق، وكان فيه شذوذٌ قديم منها: إدراك الإمام راكعاً يُجْزِئُ ولو لم يُدرِكْ معه الركوع، وقيل: يُدرِكُ الرَّكْعة ولو رَفَعَ الإمام رَأْسه ما لم يَرفَع بقيَّة مَن اثْتَمَّ به رؤوسهم ولو بقي واحد، وعن الثَّوْريّ وزُفَرَ (١): إذا كَبَّرَ قبل أنْ يَرفَع الإمام رأسَه، أدرَكَ إن وَضَعَ يديه على رُكْبتَيه قبل رَفْع الإمام، وقيل: مَن أدركَ تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرَكَ الرَّكْعة، وعن أبي العالية: إذا أدرَكَ السجود أكمَلَ بقيّة الرَّكْعة معهم ثمَّ يقوم فيَركَع فقط ما تجزِیه. (١) لفظة ((وزفر)) من (س) وحدها، وإثباتها صواب، فقد نقل عنه هذا الرأي مع الثوري أيضاً العينيُّ في ((عمدة القاري)) ٥٠/٥. ٥٧٥ باب ٣٠/ ح ٥٨١ كتاب مواقيت الصلاة ٥٨/٢ ٣٠ - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفعَ الشمس ٥٨١- حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادة، عن أبي العاليَةِ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: شَهِدَ عندي رجالٌ مَرْضِيُّونَ وأَرضاهُم عندي عمرُ: أنَّ النبيَّ ◌َل ◌َى عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ حتَّى تُشِقَ الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتَّى تَغْرُبَ. حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، عن شُعْبة، عن قَتَادةَ، سمعتُ أبا العاليةِ، عن ابنِ عبَّاس، قال: حدثني ناسِّ ... بهذا. قوله: ((باب الصلاة بعدَ الفجر حتَّى ترتفعَ الشمس)) يعني: ما حُكْمها؟ قال الزّينُ بن المنيِّر: لم يَتْبُتِ حُكْم النَّهي، لأنَّ تَعيُّنَ المنهيِّ عنه في هذا الباب ممَّا كَثُرَ فيه الاختلاف، وخَصَّ الترجمة بالفجرِ من اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر، لأنَّ الصبح هي المذكورة أوَّلاً في سائر أحاديث الباب. قلت: أو لأنَّ العصر وَرَدَ فيها كَوْنُهُ وَ لَّهِ صَّى بعدها، بخلاف الفجر. قوله: ((هشامٌ)) هو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائيّ. قوله: ((عن أبي العالية)) هو الرِّياحيُّ، بالياء التَّحْتَانيَّةِ، واسمُه رُفَيعٌ بالتَّصْغير، ووقع مُصرَّحاً به عند الإسماعيليِّ من رواية غُندَر عن شُعْبة. وأورَدَ المصنِّف طريق يحيى - وهو القَطّانُ - عن شُعْبةَ عن قتادة: سمعت أبا العالية، والسِّ فيها التصريح بسماع قتادةً له من أبي العالية، وإنْ كانت طريق هشام أعلى منها. قوله: (شَهِدَ عندي)) أي: أعلمَني أو أخبَرني، ولم يُرِدْ شهادةَ الحُكْم. قوله: ((مرضيُّونَ)) أي: لا شكَّ في صِدْقِهم ودينهم، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق يزيدَ بن زُرَيعِ عن هَّامٍ: شَهِدَ عندي رجال مرضيّون فيهم عمر، وله من رواية شُعْبة: حدّثني رجال أحبُّهم إليَّ عمر. قوله: ((ناسُ ... بهذا)) أي: بهذا الحديث بمعناه، فإنَّ مُسدَّداً رواه في ((مسنده)) ومن طريقه البيهقيُّ (٤٥٢/٢) ولفظه: ((حدَّثني ناس أعجبُهم إليَّ عمر)) وقال فيه: ((حتَّى تَطلُع ٥٧٦ باب ٣٠/ ح ٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري الشمس))، ووقع في التِّرمِذيّ (١٨٣) عنه: سمعت غير واحد من أصحاب النبيّ وَّ منهم عمر، وكان من أحبُّهم إليّ. ٥٩/٢ قوله: ((بعدَ الصبح)) أي: بعد صلاة الصبح لأنَّه لا جائز أنْ يكون الحُكْم فيه مُعلَّقاً بالوقت، إذْ لا بُدَّ من أداء الصبح، فتَعيَّنَ التقديرُ المذكور، قال ابن دَقِيق العيد: هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالفَ بعض المتقدِّمينَ وبعض الظاهريَّة من بعض الوجوه. قوله: ((حتَّى تُشرِقَ)) بضمٍّ أوَّله من: أَشرَق، يقال: أشرَقَت الشمس: ارتفعت وأضاءت، ويؤيِّده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ: ((حتَّى ترتفع الشمس)، ويُروَى بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه بوَزْن تَغْرُبُ، يقال: شَرَقَت الشمس، أي: طَلَعَت، ويؤيِّده رواية البيهقيِّ (٢/ ٤٥١-٤٥٢) من طريقٍ أُخرى عن أبي عمر شيخ البخاري فيه بلفظ: ((حتَّى تُشِرِقَ الشمس أو تَطلُع)) على الشَّك، وقد ذكرنا أنَّ في رواية مُسدَّد: ((حتَّى تَطلُع)) بغير شك، وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخرَ الباب بلفظ: ((حتَّى تَطلُع الشمس)) بالجَزْمِ، ويُجمَعُ بين الحديثين بأنَّ المراد بالطُّلوع طلوعٌ مخصوص، أي: حتَّى تَطلُع مرتفعةً. قال النَّووي: أجمعت الأُمَّة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهيِّ عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤدّاة فيها، واختلفوا في النَّوافل التي لها سبب كصلاة تَحِيَّة المسجد وسجود التِّلاوة والشُّكْر وصلاة العيد والكُسوف وصلاة الجنازة وقَضاء الفائتة، فذهبَ الشافعيُّ وطائفة إلى جواز ذلك كلّه بلا كراهة، وذهب أبو حَنِيفة وآخرون إلى أنَّ ذلك داخل في عموم النَّهي، واحتَجَّ الشافعيّ بأنَّه ◌ِ لَ قَضَى سُنَّةَ الظَّهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السُّنَّة الفائتة فالحاضرة أولى، والفريضة المقضيّة أولى، ويَلتَحِق ما له سبب. قلت: وما نَقَلَه من الإجماع والاتِّفاق مُتَعقَّب، فقد حكى غيره عن طائفة من السَّلَّف الإباحة مُطلَقاً وأنَّ أحاديث النَّهي منسوخة، وبه قال داودُ وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جَزَمَ ابن حَزْم، وعن طائفة أُخرى المنعِ مُطلَقاً في جميع الصَّلَوات، وصَحَّ عن أبي بَكْرةَ ٥٧٧ باب ٣٠/ ح ٥٨٢ كتاب مواقيت الصلاة وكَعْب بن عُجْرةَ المنعُ من صلاة الفرض في هذه الأوقات، وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة، وهو مُتَعقَّب بما سيأتي في بابه(١)، وما اذَّعاه ابن خَزْم وغيره من النَّسْخ مُستَنِداً إلى حديث: ((مَن أدرَكَ من الصبحِ رَكْعة قبل أنْ تَطلُعَ الشمس، فلْيُصلِّ إليها أُخرى)) فدَلَّ على إباحة الصلاة في الأوقات المنهيَّة، انتهى. وقال غيرهم: ادِّعاء التَّخْصيص أَولى من ادِّعاء النَّسْخ، فيُحمَلُ النَّهي على ما لا سبب له، ويُخَصُّ منه ما له سبب، جمعاً بين الأدلَّةُ(٢)، والله أعلم. وقال البيضاويُّ: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر وعند الطُّلوع والغُروب وعند الاستواء، فذهبَ داودُ إلى الجواز مُطلَقاً، وكأنَّه حمل النَّهيَ على التنزيه. قلت: بل المحكيُّ عنه أنَّه اذَّعَى النَّسْخ كما تقدَّم. قال: وقال الشافعيّ: تجوز الفرائض وما له سبب من النَّوافل، وقال أبو حَنِيفة: مَحِرُمُ الجميع سوى عَصْر يومه، وتحرُمُ المنذورة أيضاً، وقال مالك: تحرُمُ النَّوافل دون الفرائض، ووافَقَه أحمد، لكنَّه استثنى رَكْعَتَي الطَّواف. تنبيه: لم يقع لنا تسمية الرِّجال المرضيّينَ الذين حَدَّثوا ابن عبّاس بهذا الحديث، وبَلَغَني أنَّ بعض مَن تكلَّم على ((العُمْدة)) تَجَاسَرَ وزَعَمَ أنَّهم المذكورون فيها عند قول مصنِّفها: وفي الباب عن فلان وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسرُ خطأً بيِّناً، فلا حَوْل ولا قوَّة إلَّا بالله. ٥٨٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشام، قال: أخبرني أَبي، قال: أخبرني ابنُ عمَرَ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تَحَرَّوْا بصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشمسِ ولا غُرُوبَهَا)). [أطرافه في: ٥٨٥، ٥٨٩، ١١٩٢، ١٦٢٩، ٣٢٧٣] (١) انظر: كتاب الجنائز: ٥٦ - باب سنة الصلاة على الجنائز. (٢) هذا القول هو أصحُّ الأقوال، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه العلامة ابن القيِّم، وبه تجتمع الأخبار، والله أعلم. (س). ٥٧٨ باب ٣٠ / ح ٥٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ٥٨٣- وقال: حدَّثني ابنُ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إذا طَلَعَ حاجِبُ الشمسِ فأخّرُوا الصلاةَ حتَّى تَرتَفِعَ، وإذا غابَ حاجِبُ الشمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتَّى تَغِيبَ)). تابَعَه عَبْدُ. [طرفه في: ٣٢٧٢] قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوةَ بن الزُّبَير. قوله: ((لا تَحَرَّوْا)) أصله: لا تَتَحَرَّوْا، فحُذِفَت إحدَى التّاءَين، والمعنى: لا تَقصِدوا. واختلف أهل العِلْم في المراد بذلك، فمنهم مَن جعله تفسيراً للحديث السابق ومُبيِّناً ٦٠/٢ للمراد به فقال:/ لا تُكرَه الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلَّا لمن قَصَدَ بصلاته طلوعَ الشمس وغروبها، وإلى ذلك جَنَحَ بعض أهل الظاهر، وقَوّاه ابن المنذر واحتَجَّ له. وقد روى مسلم (٨٣٣) من طريق طاؤُوسِ عن عائشةَ قالت: وَهِمَ عمر، إنَّما نَهَى رسول الله وَ﴿ أَنَّ يُتْحَرَّى طلوعُ الشمس وغروبُها. انتهى، وسيأتي (٥٨٩) من قول ابن عمر أيضاً ما يدلُّ على ذلك قريباً بعد بابَين، ورُبَّما قَوَّى ذلك بعضهم بحديث: ((مَن أدرَكَ رَكْعة من الصبح قبل أنْ تَطلُع الشمس، فليُضِفْ إليها أُخرى))(١)، فأمر بالصلاة حينئذ، فدَلَّ على أنَّ الكراهة مُختصَّة بمَن قَصَدَ الصلاة في ذلك الوقت لا مَن وقع له ذلك اتِّفاقاً، وسيأتي لهذا مَزيدُ بیانٍ في آخر الباب الذي بعده. ومنهم مَن جعله نَهْياً مُستقِلًّا، وكَرِهَ الصلاة في تلك الأوقات، سواء قَصَدَ لها أم لم يَقصِدْ، وهو قول الأكثر، قال البيهقيُّ: إنَّما قالت ذلك عائشةُ لأنَّها رأت النبيّ ◌َلِ يُصلِّي بعد العصر، فحملت نهيه على مَن قَصَدَ ذلك لا على الإطلاق. وقد أُجيبَ عن هذا بأنَّه وَ إِنَّمَا صلَّى حينئذٍ قَضاءً كما سيأتي(٢)، وأمَّا النَّهيُ فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة غير عمر ته، فلا اختصاص له بالوَهْم، والله أعلم. (١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٧٢١٦) وغيره من حديث أبي هريرة. (٢) انظر الباب الآتي قريباً برقم (٣٣). ٥٧٩ باب ٣٠/ ح ٥٨٤ كتاب مواقيت الصلاة قوله: (وقال: حدَّثني ابن عمر)) هو مَقُول عُرْوة أيضاً، وهو حديث آخَر، وقد أفرَدَه الإسماعيليّ وذكر أنَّه وقع له الحديثان معاً من رواية عليٍّ بن مُسهِر وعيسى بن يونسَ ومحمَّد بن بِشْر ووكيع ومالك بن سُعيرٍ ومُحاضِر، كلَّهم عن هشام، وأنَّه وقع له الحديث الثاني فقط من رواية عبد الله بن نُمَير عن هشام. قوله: ((حتَّى تَرتَفِع)) جعل ارتفاعها غايةَ النَّهي، وهو يقوِّي رواية مَن روى الحديث الماضي بلفظ: ((حتَّى تُشِرِق)) من الإشراق: وهو الارتفاع كما تقدَّم. قوله: (تابَعَه عَبْدُ)) يعني ابن سليمان، والضمير يعود على يحيى بن سعيد وهو القَطّان، يعني: تابَعَ يحيى القَطّانَ على روايته لهذا الحديث عن هشام، ورواية عَبْدةَ هذه موصولة عند المصنِّف في بَدْء الخلق (٣٢٧٢-٣٢٧٣)، وفيه الحديثان معاً وقال فيه: ((حتَّى تَبرُز)) بدل: تَرتَفِع، وقال فيه: ((لاَحِيَّنوا)) بالياء التَّحْتانيَّة والنون، وزاد فيه: ((فإنَّهَا تَطْلُع بين قَرْنَي شيطان)»، وفيه إشارة إلى عِلَّة النَّهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين، وزاد مسلم (٨٣٢) من حديث عَمْرو بن عَبَسة: ((وحينئذٍ يَسجُد لها الكُفّار))، فالنَّهي حينئذٍ لتَرْكِ مُشابهة الكُفّار، وقد اعتبَرَ ذلك الشَّرْعُ في أشياء كثيرة. وفي هذا تَعقُّبٌّ على أبي محمَّد البَغَويِّ حيثُ قال: إنَّ النَّهي عن ذلك لا يُدرَكُ معناه، وجعله من قَبِيل التعبُّد الذي يجبُ الإيمان به. وسيأتي الكلام على المراد بقوله: ((بينَ قَرْنَي الشَّيطان)) في أوائل بَدْء الخلق إن شاء الله تعالى. قوله: ((حاجِبُ الشمس)) أي: طرفُ قُرْصها، قال الجَوْهَري: حواجب الشمس: نواحيها. ٥٨٤- حدَّثْنا عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيدِ الله، عن خُبَيْبٍ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصِم، عن أبي هُرَيرةَ: أَنَّ رسولَ الله ◌َل ◌َهَى عِن بَيْعَتَينِ، وعن لُبُسَتَين، وعن صلاتَينِ: نَهَى عن الصلاةِ بعدَ الفجرِ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتَّى تَغرُبَ الشمسُ، وعن اشتِمالِ الصَّاءِ، وعن الاحْتِباءِ في ثوبٍ واحدٍ يُفْضي بفَرْجِه إلى السَّماء، وعن المُنَابَذة والمُلامَسة. ٥٨٠ باب ٣١/ ح ٥٨٥-٥٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَريّ. قوله: ((حَفْص بن عاصم)) أي: ابن عمر بن الخطّاب، وهو جَدّ عبيد الله بن عمر المذکور في هذا الإسناد. قوله: ((وعن صلاتَين)) مُحصَّلُ ما في الباب أربعة أحاديث: الأوَّل والأخير يتعلَّقان بالفعل، والثاني والثالث يتعلَّقان بالوقت، وقد تقدَّم نقلُ اختلاف العلماء في ذلك. وسيأتي الكلام على البَيعتَينِ في كتاب البيع (٢١٤٦)، وعلى اللَّبستَينِ في كتاب اللِّباس(١). قوله: ((بعدَ الفجر)) أي: بعد صلاة الفجر كما تقدَّم. ٣١- بابٌ: لا تُتَحرَّى الصلاةُ قبل غروب الشمس ٥٨٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِوَ ل﴿ قال: ((لا يَتَحَرَّى أحدُكُمْ فِيُصلِّيَ عندَ طُلُوعِ الشمسِ، ولا عندَ غُرُوِها)). ٦١/٢ ٥٨٦- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن صالحٍ، عن ابنٍ شِهَاب، قال: أخبرني عطاءُ بنُ يزيدَ الجُندَعِيُّ، أَنَّه سَمِعَ أبا سعيدِ الخُدْرِي يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّ يقولُ: ((لا صلاةَ بعدَ الصبحِ حتَّى تَرتفِعَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ العصرِ حتَّى تَغِیبَ الشمسُ)). [أطرافه في: ١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥] قوله: ((باب لا تُتْحَرَّى)) بضمِّ المثنَّة الفَوْقانيَّة، والصلاةُ بالرفع لأنَّها في مقام الفاعل، أو بفتح المثنَّاة التَّحْتانيَّة، والصلاة بالنصب، والفاعل محذوفٌ أي: المصلِي، وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عمر في الباب الذي قبلَه، ولا تَنافيَ بين قوله في الترجمة: ((قبل الغُروب)) وبين قوله في الحديث: ((عند الغُروب)) لما نذكرُه قريباً. (١) بل تكلم عليهما عند حديث أبي سعيد الخدري السالف برقم (٣٦٧)، ولم يتكلم عليهما في كتاب اللباس وأحال هناك إلى الحدیث المذكور.