النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
باب ١٧ / ح ٥٥٨
كتاب مواقيت الصلاة
وأمَّا ما وقع من المخالفة بين سياق حديث ابن عمر وحديث أبي موسى، فظاهرهما أنَّهما
قضيتان، وقد حاول بعضهم الجمع بينهما فتَعسَّف.
وقال ابن رُشَيد ما حاصله: إنَّ حديث ابن عمر ذُكِرَ مِثالاً لأهل الأعذار لقوله:
((فِعَجَزوا))، فأشارَ إلى أنَّ مَن عَجَزَ عن استيفاء العمل من غير أنْ يكون له صنيع في ذلك
أنَّ الأجر يَحصُل له تامّاً فضلاً من الله. قال: وذُكِرَ حديث أبي موسى مِثالاً لمن أخَّرَ بغير
عُذْر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم: ((لا حاجة لنا إلى أجرٍك)) فأشارَ بذلك إلى أنَّ مَن أَخَّرَ
عامداً لا يَحَصُل له ما حَصَلَ لأهل الأعذار.
قوله في حديث أبي موسى: ((فقال: أكْمِلُوا)) كذا للأكثر بهمزة قَطْع وبالكاف، وكذا وقع
في الإجارة (٢٢٧١)، ووقع هنا للكُشْمِيهَنيّ: «اعمَلوا)» بهمزة وَصْلٍ وبالعين.
قولُه في حديث ابن عمرَ: ((ونحنُ كَّ أكثرَ عَمَلاً) تمسَّكَ به بعض الحنفيّة كأبي زيد في
كتاب ((الأسرار)) إلى أنَّ وقت العصر من مَصِير ظِلِّ كلّ شيءٍ مِثلَيه، لأنَّه لو كان من مَصِير
ظِلّ كلّ شيءٍ مِثْلَه لكان مُساوياً لوقتِ الظُّهر، وقد قالوا: كنَّا أكثر عملاً، فدَلَّ على أنَّه دون
وقت الظُّهر. وأُجيبَ بمَنْع المساواة، وذلك معروف عند أهل العِلْم بهذا الفَنِّ، وهو أنَّ
المدَّة التي بين الظُّهر والعصر أطولُ من المدَّة التي بين العصر والمغرب، وأمَّا ما نَقَلَه بعض
الحنابلة من الإجماع على أنَّ وقت العصر رُبْع النهار، فمحمول على التَّقْريب إذا فَرَّعْنا على
أنَّ أوَّل وقت العصر مَصِير الظُّل مثلَه كما قال الجُمْهور، وأمَّا على قول الحنفيّة فالذي من
الظُّهر إلى العصر أطول قَطْعاً، وعلى التنزّل لا يَلْزم من التمثيل والتشبيه التَّسْوية من كلّ
جهة، وبأنَّ الخبر إذا وَرَدَ في مَعنّى مقصودٍ لا تُؤْخَذ منه المعارضةُ لما وَرَدَ في ذلك المعنى
بعينِه مقصوداً في أمر آخرَ، وبأنَّه ليس في الخبر نصٌّ على أنَّ كُلَّا من الطّائفتَينِ أكثر عملاً،
الصِدْق أنَّ كلَّهم مُجُتِمِعينَ أكثر عملاً من المسلمين، وباحتمال أنْ يكون أطلَقَ ذلك تغليباً،
وباحتمال أنْ يكون ذلك قولَ اليهود خاصَّةً فَيَندَفِعُ الاعتراض من أصلِه كما جَزَمَ به
بعضهم، وتكون نِسْبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادة، بل هو عموم أُريدَ به
الخصوص، وباحتمال أن يكون أطلقَ ذلك تغليباً، وبأنَّه لا يَلْزم من كَوْنهم أكثرَ عملاً أنْ

٥٤٢
باب ١٨ / ح ٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
يكونوا أكثر زماناً، لاحتمال كَوْن العمل في زمنهم كان أشَقَّ، ويؤيِّدُه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا
وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وهمّا يؤيِّدِ كَوْن المراد كثرةَ العمل وقِلَّتَه لا بالنّسبة إلى طول الزمان وقِصَره، كَوْنُ أهل
الأخبار مُتَّفِقين على أنَّ المَدَّة التي بين عيسى ونبيِّنَا وَ ◌َّ دون المدَّة التي بين نبيِّنَا وَّ وقيام
الساعة، لأنَّ جُمْهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إنَّ مُدَّةَ الفَتْرة بين عيسى ونبيِّنا نَّهِ سِتُّ
مئة سنةٍ، وثبت ذلك في ((صحيح البخاري)) (٣٩٤٨) عن سَلْمان، وقيل: إنَّها دون ذلك،
حتَّى جاء عن بعضهم أنَّها مئةٌ وخمسٌ وعِشْرون سنةً، وهذه مُدَّة المسلمينَ بالمشاهدة أكثرُ
من ذلك، فلو تمسّكْنا بأنَّ المراد التمثيل بطول الزمانَينِ وقِصَرِهما، لَلَزِمَ أنْ يكون وقت
العصر أطولَ من وقت الظُّهر، ولا قائل به، فدَلَّ على أنَّ المراد كثرةُ العمل وقِلَّته، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
١٨ - باب وقت المغرب
وقال عطاءٌ: يَجمَعُ المريضُ بينَ المغربِ والعِشاء.
٥٥٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مِهْرانَ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدّثنا أبو
النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رافعٍ بنِ خَدِيج - هو عطاءُ بن صُهَيب - قال: سمعتُ رافعَ بنَ خَدِيج يقولُ:
كنّا نُصلِّي المغربَ مع النبيِّ وَّهَ فَيَنْصَرِفُ أحدُنا وإِنَّه لَيُّبِصِرُ مَواقِعَ نَبْلِهِ.
قوله: ((باب وَقْت المغرب. وقال عطاء: يَجمَع المريض بين المغرب والعشاء)) أشارَ بهذا
الأثر في هذه الترجمة إلى أنَّ وقت المغرب يَمتَدّ إلى العِشاء، وذلك أنَّه لو كان مُضيَّقاً
لانفَصَلَ عن وقت العِشاء، ولو كان مُنْفَصِلاً لم يَجمَع بينهما كما في الصبح والظَّهر، ولهذه
النُّكْتة خُتِمَ الباب بحديث ابن عبّاس الدَّالِّ على أنَّه وََّ جمع بين الظَّهر والعصر في وقت
إحداهما، وبين المغرب والعِشاء في وقت إحداهما، وأمَّا الأحاديث التي أورَدَها في الباب
فليس فيها ما يدلُّ على أنَّ الوقت مُضيَّق، لأَنَّه ليس فيها إلَّا مُجرَّد المبادرة إلى الصلاة في أوَّل
وقتها، وكانت تلك عادتَه وَله في جميع الصَّلَوات إلَّا فيما ثبت فيه خلافُ ذلك كالإبراد

٥٤٣
باب ١٨/ ح ٥٦٠
كتاب مواقيت الصلاة
وكتأخيرِ العِشاء إذا أبطؤوا كما في حديث جابر، والله أعلم.
وأمَّا أثر عطاء فوَصَلَه عبد الرزاق في ((مصنَّفَه)) عن ابن جُرَيج عنه، واختلف العلماء
في المريض هل يجوز له أنْ يَجِمَع بين الصلاتَينِ كالمسافرِ لما فيه من الرِّفْق به أو لا؟ فجَوَّزَه
أحمد وإسحاق مُطلَقاً، واختاره بعض الشافعيّة، وجَوَّزَه مالك بشرطِهِ، والمشهور عن
الشافعيِّ وأصحابه المنع، ولم أرَ في المسألة نَقْلاً عن أحدٍ من الصحابة.
قوله: ((الولید» هو ابن مسلم.
قوله: «هو عطاء بن صُھیبٍ)) وهو مولی رافع بن خَدیج شیخه، قال ابن حِبَّان: صَحِبَه
ستَّ سنين.
قوله: ((وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِه)) بفتح النون وسكون الموحَّدة، أي: المواضع التي تَصِلُ
إليها سهامُه إذا رَمَی بها. وروى أحمد في «مسنده)) (١٦٤١٥) من طريق عليّ بن بلال عن
ناس من الأنصار قالوا: كَّا نُصلِّي مع رسول الله وَِّ المغرب ثمَّ نَرجِع فَتَرامَى حتَّى نأتيَ
ديارَنا، فما يخفى علينا مواقعُ سِهامِنا، إسناده حسن، والنَّبْلُ: هي السِّهام العربيَّة، وهي
مُؤنَّثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سِيدَهْ، وقيل: واحدها: نَبْلة، مثل: تَمْ وتَمْرة،
ومُقْتَضاه المبادَرة بالمغرب في أوَّل وقتها بحيثُ إنَّ الفراغ منها يقع والضَّوْء باقٍ.
٥٦٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن سَعْد، ٤١/٢
عن محمَّدٍ بنِ عَمْرِوِ بنِ الحَسَنِ بنِ عليٍّ قال: قَدِمَ الحَجَّاجُ فسألْنا جابرَ بنَ عبدِ الله فقال: كان
النبيُّ ◌َّه يُصلِّي الظَّهرَ بالهاجِرَةٍ، والعصرَ والشمسُ نَقِيَّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَت، والعِشاءَ أحياناً
وأحياناً، إذا رآهُمُ اجتَمَعُوا عَجَّل، وإذا رآهُم أَبْطَؤُوا أَخَّر، والصبحَ كانوا، أو كان النبيُّ ◌َِهـ
يُصلِّيها بغَلَسٍ.
[طرفه في: ٥٦٥]
قوله: ((محمَّد بن جعفر)) هو غُندَرٌ.
قوله: ((عن محمَّد بن عَمْرو)) في مسلم (٢٣٣/٦٤٦) من طريق مُعاذٍ عن شُعْبةَ عن

٥٤٤
باب ١٨ / ح ٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
سَعْد: سمع محمَّد بن عَمْرو بن الحسن.
قوله: (قَدِمَ الحَجَّاجُ)) بفتح الحاء المهمَلة وتشديد الجيم وآخرُه جيمٌ: هو ابن يوسف
الثَّقَفِيُّ، وزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ الرواية بضمٍّ أوَّلِه، قال: وهو جمعُ حاجٌّ. انتهى، وهو تحريف
بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عَوَانَ في ((صحيحه)) (١٠٨٢) من طريق أبي النَّضْر عن
٤٢/٢ شُعْبة: سألْنا جابر بن عبد الله/ في زمن الحجّاج وكان يؤخّرُ الصلاة عن وقت الصلاة، وفي
رواية مسلم من طريق مُعاذٍ عن شُعْبة: كان الحجّاجُ يؤخّرُ الصلاة.
فائدة: كان قُدوم الحَجَّاج المدينةَ أميراً عليها من قِبَل عبد الملك بن مروان سنةً أربعِ
وسبعينَ، وذلك عَقِبَ قتل ابن الزُّبَيرِ، فأمَّرَه عبدُ الملِك على الحرمينِ وما معهما، ثمَّ نَقَلَه
بعد هذا إلى العراق.
قوله: ((بالهاجِرَة)) ظاهره يعارض حديث الإبراد، لأنَّ قوله: كان يفعل، يُشعِرُ بالكثرة
والدَّوامِ عُرْفاً، قاله ابن دَقِيق العيد، ويُجمَعُ بين الحديثين بأنْ يكون أطلَقَ الهاجرة على الوقت
بعد الزَّوال مُطلَقاً، لأنَّ الإبراد كما تقدَّم مُقيّد بحال شِدَّة الحَرِّ وغير ذلك كما تقدَّم، فإنْ
وُجِدَت شروط الإبراد أبَرَدَ وإلَّا عَجَّل، فالمعنى: كان يُصلِّي الظُّهر بالهاجرة إلَّا إن احتاجَ إلى
الإبراد. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان ذلك مرادَه لَفَصَّلَ كما فصَّل في العِشاء، والله أعلم.
قوله: ((نَقِيَّة)) بالنُّون أوَّله، أي: خالصة صافية لم تَدخُلْها صُفْرة ولا تغيُّر.
قوله: ((إذا وَجَبَتْ)) أي: غابَت، وأصلُ الوجوب السُّقوط، والمراد سقوط قُرْص
الشمس، وفاعل ((وَجَبَت)) مُستتِرٍ وهو الشمس. وفي رواية أبي داود (٣٩٧) عن مسلم بن
إبراهيم: ((والمغرب إذا غَرَبَت الشمس))، ولأبي عَوَانَةَ (١٠٨٢) من طريق أبي النَّصْر عن
شُعْبة: ((والمغرب حين تَجِبُ الشمس))، وفيه دليل على أنَّ سقوط قُرْص الشمس يَدخُل به
وقت المغرب، ولا يخفى أنَّ محلّه ما إذا كان لا يَحُول بين رُؤْيَتها غاربة وبين الرّائي حائل،
والله أعلم.
قوله: ((والعِشاء أحياناً وأحياناً)) ولمسلم (٢٣٣/٦٤٦): أحياناً يؤخّرها وأحياناً يُعجِّل،

٥٤٥
باب ١٨ / ح ٥٦٠
كتاب مواقيت الصلاة
كان إذا رآهم قد اجتَمَعوا ... )) إلى آخره، وللمصنّف (٥٦٥) في ((باب وقت العِشاء)) عن
مسلم بن إبراهيم عن شُعْبة: إذا كَثُرَ الناسِ عَجَّل، وإذا قَلُّوا أخَّر، ونحوه لأبي عَوَانةَ في
روايةٍ (٣٦٧٨). والأحيانُ: جمعُ حينٍ، وهو اسم مُبهَم يقع على القليل والكثير من الزمان
على المشهور، وقيل: الحين سنَّة أشهُر، وقيل: أربعون سنةً، وحديث الباب يقوِّي المشهور.
وسیأتي الكلام على حُكْم وقت العشاء في بابه.
وقال ابن دَقِيق العيد: إذا تَعارَضَ في شخصٍ أمران: أحدهما أنْ يُقدِّمَ الصلاة في أوَّل
الوقت مُنفِرِداً، أو يؤخّرَها في الجماعة، أيُّهما أفضلُ؟ والأقرب عندي أنَّ التأخير لصلاة
الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلُّ عليه لقوله: ((وإذا رآهم أبطؤوا أخّر)) فيؤخّرُ لأجل
الجماعة مع إمكان التقدیم.
قلت: ورواية مسلم بن إبراهيم التي تقدَّمت تَدُلّ على أخصَّ من ذلك، وهو أنَّ انتظار
مَن تَكثُرُ بهم الجماعة أَولى من التقديم، ولا يخفى أنَّ محلّ ذلك إذا لم يَفخُش التأخيرُ ولم
يَشُقَّ على الحاضرين، والله أعلم.
قوله: ((كانوا أو كان)) قال الكِرْمانيُّ: الشَكُّ من الراوي عن جابر، ومعناهما متلازمان،
لأَنَّ أَهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النبيَّ ◌َِّ فالصحابةُ في ذلك كانوا معه، وإن أراد
الصحابةَ فالنبيّ وَّ كان إمامهم، أي: كان شأنُه التعجيلَ لها دائماً، لا كما كان يَصْنَع في
العِشاء من تعجيلها أو تأخيرها، وخبر ((كانوا)) محذوف يدلُّ عليه قوله: ((يُصلّيها))، أي:
كانوا يُصلُّون. والغَلَسُ، بفتح اللام: ظُلْمة آخر الليل.
وقال ابن بطَّال ما حاصله: فيه حذفان، حَذَفُ خبر «کانوا)) وهو جائز کحذف خبر
المبتدَأ في قوله: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: فعِدَّتُهنَّ مثل ذلك، والحذف الثاني حذف
الْجُمْلة التي بعد ((أو)) تقديره: أو لم يكونوا مُجتمِعين. قال ابن التِّين: ويَصِحّ أنْ يكون ((كانوا))
هنا تامَّة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد ((أو)) خاصَّة. وقال
ابن المنيِر: يحتمل أنْ يكون شكّاً من الراوي هل قال: كان النبيّ وَِّ، أو كانوا. ويحتمل أنْ

٥٤٦
باب ١٨ / ح ٥٦١- ٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
يكون تقديره: والصبح كانوا مُجتمِعينَ مع النبي، أو كان النبيّ ◌َّهِ وحدَه يُصلّيها بغَلَس.
قلت: والتقدير المتقدِّم أَولى. والحقّ أنَّه شكٌّ من الراوي، فقد وَقَعَ في رواية مسلم
(٢٣٣/٦٤٦): ((والصبح كانوا، أو قال: كان النبيّ وَلّ))، وفيه حذفٌ واحد تقديره:
والصبح كانوا يُصلّونها أو كان النبيّ وَّهَ يُصلّيها بغَلَس، فقوله: ((بغَلَس)) يتعلَّق بأيِّ
٤٣/٢ اللفظَينِ كان هو الواقع، ولا يَلْزم من / قوله: ((كانوا يُصلّونها)» أنَّ النبيَّ ◌َّ لم یکن معهم،
ولا من قوله: ((كان النبيّ ◌َّ) أنَّه كان وَحْده، بل المراد بقوله: ((كانوا يُصلّونها)) أي: النبيُّ
وَل ﴿ بأصحابه، وهكذا قوله: ((كان النبيّ ◌َ ل﴿ يُصلّيها)) أي: بأصحابه، والله أعلم.
٥٦١ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بنُ أبي عُبيد، عن سَلَمَةَ قال: كنّا نُصلِّي
مع النبيِّ وَّ المغربَ إذا تَوارَتْ بِالحِجَاب.
٥٦٢- حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ دِینارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ
زيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: صَلَّى النبيُّ ◌َّ سَبْعاً جميعاً، وثَانياً جميعاً.
قوله: ((عن سَلَمَةَ)) هو ابن الأكوَع، وهذا من ثُلاثيّات البخاري.
قوله: ((إذا تَوارَتْ بالحِجاب)) أي: استَتَرَت، والمراد الشمس، قال الخطّابُّ: لم يَذكُرِها
اعتماداً على أفهام السامعين، وهو كقوله في القرآن: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
انتهى، وقد رواه مسلم (٢١٦/٦٣٦) من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عُبيد
بلفظ: ((إذا غَرَبَت الشمس وتَوارَت بالحجاب))، فدَلَّ على أنَّ الاختصار في المتن من شیخ
البخاري، وقد صَرَّحَ بذلك الإسماعيلي، ورواه عبد بن مُميدٍ (٣٨٦) عن صَفْوانَ بن
عيسى، وأبو عَوَانَ (١٠٦٢) والإسماعيليُّ من طريق صَفْوان أيضاً، عن يزيد بن أبي عُبيد:
بلفظ: ((كان يُصلِّ المغرب ساعةَ تَغْرُب الشمس حين يغيب حاجبُها)) والمراد: حاجبها
الذي يَبقَى بعد أنْ يغيبَ أكثرُها، والرواية التي فيها «تَوارَت)) أصرحُ في المراد.
وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عبّاس (٥٤٣) في الجمع بين الظَّهر والعصر في وقت
الظُّهر، والله أعلم.

٥٤٧
باب ١٩ / ح ٥٦٣
كتاب مواقيت الصلاة
واستُدلَّ بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بَصْرةَ - بالموخَّدة ثمَّ المهمَلة - رَفَعَه في
أثناء حديثٍ: ((ولا صلاة بعدها حتَّى يُرى الشاهد)) والشاهد: النَّجْمُ (١).
١٩ - باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء
٥٦٣- حدَّثنا أبو مَعمَر، هو عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحُسَين،
قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدة، قال: حدَّثني عبدُ الله المُزَنِيُّ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((لا تَغْلِینَّكُمُ
الأعرابُ على اسمٍ صَلائِكُم المغربِ، قال: وتقولُ الأعرابُ: هي العِشاءُ)).
قوله: ((باب مَن كَرِهَ أنْ يقال للمغرب: العِشاء)) قال الزَّين بن المنيِر: عَدَلَ المصنّف عن
الجَزْم كأن يقول: باب كراهية كذا، لأنَّ لفظ الخبر لا يقتضي تَهْاً مُطلَقاً، لكنْ فيه النَّهيُ
عن غَلَبة الأعراب على ذلك، وكأنَّ المصنّف رأى أنَّ هذا القَدْر لا يقتضي المنع من إطلاق
العِشاء عليه أحياناً، بل يجوز أنْ يُطلَقَ على وجهٍ لا يُترَكُ له التَّسْميةُ الأُخرى كما تركَ ذلك
الأعرابُ وقوفاً مع عادتهم، قال: وإنَّما شُرِعَ لها التَّسْمية بالمغرب لأنَّه اسم يُشعِرُ بمُسَّاها
وبابتداء وقتها، وكُرِهَ إطلاقُ اسم العِشاء عليها لئلا يقعَ الالتباسُ بالصلاة الأُخرى، وعلى
هذا لا يُكرَه أيضاً أنْ تُسمَّى العِشاء بقَيدٍ كأن يقول: العِشاء الأُولى، ويؤيِّده قولهم: العِشاء
الآخرة، كما ثبت في ((الصحيح))، وسيأتي من حديث أنس في الباب الذي يَلِيه، ونَقَلَ ابن
بَطَّل عن غيره: أنَّه لا يقال للمغرب: العِشاء الأُولى، ويحتاج إلى دليل خاص، أمَّا من
حديث الباب فلا حُجَّة له.
قوله: ((عبد الوارٍث)) هو ابن سعيد التَّنُّورِيُّ.
(١) أخرجه أحمد (٢٧٢٢٥)، ومسلم (٨٣٠)، والنسائي (٥٢١) وهذا الحديث صحيح لا مجال للطعن فيه،
غير أن قوله: (والشاهد النجم)) مُدرَج من قول بعض الرواة فهو رأي له وليس روايةً، وقد روى
البيهقي في ((سننه)) ١ / ٤٤٨ من طريق يحيى بن بكير أنه سأل الليث بن سعد بعدما روى له هذا الحديث
عن الشاهد فقال: هو النجم. قلنا: وقد حمل بعض أهل العلم كابن حبان في ((صحيحه)) (١٧٤٤) هذا
التفسير على أن الشاهد هو نجم العُّوق، وهو أول ما يظهر من مجموعة الثريًّا عند غيبوبة الشمس، فإذا
كان الإنسان في بصره أدنى حِدّة وغابت الشمس فإنه يراه، وهو الوقت الذي تحل عنده صلاة المغرب.
وذهب آخرون كالطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ١٥٣ إلى أن المراد بالشاهد الليل.

٥٤٨
باب ١٩ / ح ٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((عن الحُسَين)) هو المعلِّم.
قوله: «حدَّثني عبد الله المُزَنُّ)) کذا للأکثر لم يذكر اسم أبيه، وزاد في رواية كريمة: «هو
ابن مُغفَّلٍ)) بالغين المعجمة والفاء المشدَّدَة، وكذلك وقع منسوباً بذِكْر أبيه في رواية
عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عند الإسماعيليّ وغيره، والإسناد كلُّه بصريّون.
قوله: ((لا تَغْلِيَنَّكُم)) قال الطِّييُّ: يقال: غَلَبَه على كذا: غَصَبَه منه أو أخَذَه منه قَهْراً، والمعنى:
لا تتعرَّضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعِشاء والعِشاء بالعَتَمة، فَيَغْصِب منكم
الأعراب اسم العِشاء التي سََّها الله بها. قال: فالنَّهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
وقال غيره: معنى الغَلَبة أنَّكم تُسمُّونها اسماً / وهم يُسمّونها اسماً، فإنْ سَمَّيْتُموها
بالاسم الذي يُسمّونها به وافَقْتُموهم، وإذا وافَقَ الْخَصْمُ خَصْمَه، صارَ كأنَّه انقَطَعَ له حتَّی
غَلَبَه، ولا يحتاج إلى تقدير: غَصَب، ولا أخَذ.
٤٤/٢
وقال التُّورِشْتي: المعنى: لا تُطلِقوا هذا الاسم على ما هو مُتَدَاوَل بينهم فيَغْلِبَ
مُصْطَلَحُهم على الاسم الذي شَرَعْته لكم. وقال القُرْطبيُّ: الأعراب: مَن كان من أهل
البادية وإنْ لم يكن عربيّاً، والعَرَبي: مَن يَنْتَسِب إلى العرب ولو لم يَسكُن البادية.
قوله: ((على اسم صلاتكم)) التعبير بالاسم يُبعِدُ قول الأزهَريِّ أنَّ المراد بالنَّهي عن ذلك
أنْ لا تُؤَخَّرَ صلاتُها عن وقت الغروب، وكذا قول ابن المنيِر: السِّ في النَّهي سَدُّ الذَّريعة
لئلّا تُسمَّى عِشاءً فيُظنَّ امتدادُ وقتها عن غُروب الشمس أخذاً من لفظ العِشاء. انتهى،
وكأنَّه أراد تقوية مذهبه في أنَّ وقت المغرب مُضيَّق، وفيه نظر، إذْ لا يَلْزم من تسميتها
المغرب أنْ يكون وقتها مُضيَّقاً، فإنَّ الظُّهر سُمّيَت بذلك لأنَّ ابتداء وقتها عند الظَّهيرة،
ولیس وقتها مُضيَّقاً بلا خلاف.
قوله: ((قال: وتقول الأعراب: هي العِشاء)) سِرُّ النَّهي عن موافَقتِهم على ذلك أنَّ لفظ
العِشاء لُغَةً هو أوَّل ظَلام الليل، وذلك من غَيْبوبة الشَّفَق، فلو قيل للمغرب: عِشاء، لَأدَّى
إلى أنَّ أوَّل وقتها غيبوبة الشَّفَق، وقد جَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّ فاعل ((قال)) هو عبد الله المُزَنِيُّ

٥٤٩
باب ٢٠
كتاب مواقيت الصلاة
راوي الحديث، ويحتاج إلى نَقْلِ خاصّ لذلك، وإلَّا فظاهر إيراد الإسماعيليّ أنَّه من تَتِمَّة
الحديث، فإنَّه أورَدَه بلفظ: ((فإنَّ الأعراب تُسمّيها))، والأصل في مثل هذا أنْ يكون كلاماً
واحداً حتَّى يقوم دليلٌ على إدراجه.
فائدة: لا يتناول النَّهيُ تسميةَ المغرب عِشاءً على سبيل التَّغْليب، كمَن قال مثلاً: صلَّيت
العِشاءَين، إذا قلنا: إنَّ حِكْمة النَّهي عن تسميتها عِشاءً خوف اللَّبْس، لزوال اللَّبْس في
الصِّيغَة المذكورة، والله أعلم.
تنبيه: أورَدَ الإسماعيليّ حديث الباب من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه،
واختُلِفَ عليه في لفظ المتن، فقال هارونُ الحَمَّالُ عنه كرواية البخاريّ.
قلت: وكذلك رواه أحمد بن حنبل في «مسنده» (٢٠٥٥٣)، وأبو خَیئمةَ زهير بن حَرْب
عند أبي نُعَيم في ((مُستخرَجه)) وغيرُ واحد عن عبد الصمد، وكذلك رواه ابن خُزَيمةَ في
((صحيحه)) (٣٤١) عن عبد الوارث بن عبد الصمد عن أبيه، انتهى.
وقال أبو مسعود الرّازيُّ عن عبد الصمد: ((لا تَغْلِبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم،
فإنَّ الأعراب تُسمّيها عَتَمَةً))(١)، قلت: وكذلك رواه عليّ بن عبد العزيز البَغَويُّ عن أبي
مَعمَرٍ شيخ البخاري فيه أخرجه الطَّبرانيُّ عنه، وأخرجه أبو نُعَيم في ((مُستخرَجه)) عن
الطَّبرانيِّ كذلك، وجَنَحَ الإسماعيليُّ إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقتِهِ حدیثَ ابن عمر
- يعني الذي رواه مسلم - کما سنذكره في صَدْرِ الباب الذي یلیه.
والذي يتبيَّن لي أنَّهما حديثان: أحدهما في المغرب، والآخرُ في العِشاء، كانا جميعاً عند
عبد الوارث بسندٍ واحد، والله تعالى أعلم.
٢٠ - باب ذِكْر العشاء والعَتَمة ومن رآه واسعاً
قال أبو هُرَيرةَ عن النبيِّ وَّهِ: ((أثقَلُ الصلاةِ على المنافقِينَ العِشاءُ والفجرُ)) وقال: ((لو
يَعْلَمُونَ ما في العَتَمةِ والفجرِ)».
(١) وأخرجه البيهقي في («سننه)) ١/ ٣٧٢ من طريق الإسماعيلي، عن الفريابي، عن أبي مسعود الرازي، به.

٥٥٠
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال أبو عبدِ الله: والاختيارُ أنْ يقولَ: العِشاءُ، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْمِشَآءِ﴾
[النور:٥٨].
ويُذكَر عن أبي موسى قال: كنَّا نَتَنَاوَبُ النبيَّ ◌ََّ عندَ صلاةِ العِشاءِ فَأَعْتَمَ بها.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ: أَعْتَمَ النبيُّ وَّه بالعِشاء، وقال بعضُهم عن عائشةَ: أَعْتَمَ النبيُّ ◌ِكليه
بالعَتَمة.
وقال جابرٌ: كان النبيُّ وَ لاَ يُّصِلِّ العِشاءَ.
وقال أبو بَرْزةَ: كان النبيُّ ◌َ لاَ يُؤَخِرُ العِشاءَ.
وقال أنسِ: أَخَّرَ النبيُّ ◌َِّ العِشاءَ الآخِرَةَ.
٤٥/٢ وقال ابنُ عمَرَ وأبو أيوبَ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم: صَلَّى النبيُّ ◌َّ المغربَ والعِشاءَ.
قوله: ((باب ذِكْر العِشاء والعَتَمة ومَن رآه واسعاً)) غايَرَ المصنِّف بين هذه الترجمة والتي
قبلها مع أنَّ سياق الحديثين الواردَينِ فيهما واحد، وهو النَّهي عن غَلَبة الأعراب على
التَّسْمِيتَين، وذلك لأنَّه لم يثبت عن النبيِّ وَِّ إطلاق اسم العِشاء على المغرب، وثبت عنه
إطلاق اسم العَتَمة على العِشاء، فتَصَرَّفَ المصنّف في التَّرْجِمْتَيْنِ بِحَسَب ذلك.
والحديث الذي وَرَدَ في العِشاء أخرجه مسلم (٦٤٤ /٢٢٨) من طريق أبي سَلَمَةَ بن
عبد الرحمن عن ابن عمر بلفظ: ((لا تَغْلِبَنَّم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنَّها في كتاب الله
العِشاء، وإنَّهم يُعتِمون بحِلَاب الإبل))، ولابن ماجَهْ (٧٠٥) نحوه من حديث أبي هريرة
وإسناده حسن، ولأبي يَعْلى (٨٦٨) والبيهقيِّ (٣٧٢/١) من حديث عبد الرحمن بن عَوْف
كذلك، زاد الشافعيُّ في روايته في حديث ابن عمر: وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون: العَتَمة،
صاحَ وغَضِب(١). وأخرج عبد الرزاق هذا الموقوف من وجه آخرَ عن ابن عمر (٢١٥٤).
(١) روى الشافعي حديثَ ابن عمر المرفوع من طريق أبي سلمة عنه في ((الأم)) ١/ ٩٢-٩٣، وأخرجه
البيهقي في ((السنن)) ٣٧٢/١، و((معرفة السنن والآثار)) (٢٣٨٩) من طريق أبي العباس الأصم عن
الربيع عن الشافعي، فلم يذكر أحدٌ هذه الزيادة في الحديث، لكن رواه المنذر في ((الأوسط)) ٣٧٣/٢ =

٥٥١
باب ٢٠
كتاب مواقيت الصلاة
واختلف السَّلَف في ذلك: فمنهم مَن كَرِهَه كابن عمر راوي الحديث، ومنهم مَن
أطلَقَ جوازه، نَقَلَه ابن أبي شَيْبة عن أبي بكر الصِّدّيق وغيره، ومنهم مَن جعله خلاف
الأَولى، وهو الرّاجح، وسيأتي للمصنِّف، وكذا نَقَلَه ابن المنذر عن مالك والشافعيّ
واختاره، ونَقَلَ القُرْطبيّ عن غيره: إنَّما نُهي عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشَّرْعيَّة الدّينيَّة
عن أنْ يُطلَقَ عليها ما هو اسم لِفِعْلةٍ دُنيَويَّة، وهي الحَلْبة التي كانوا يَحِلُبونها في ذلك
الوقت ويُسمّونها العَتَمة. قلت: وذكر بعضهم أنَّ تلك الحَلْبة إنَّما كانوا يَعتَمِدونها في زمان
الجَدْب خَوْفاً من السُّؤال والصَّعاليك، فعلى هذا فهي فِعْلةٌ دُنيَويَّة مكروهة لا تُطلَقُ على
فعلةٍ دينيّة محبوبة، ومعنى العَتْم في الأصل: تأخير مخصوص.
وقال الطَّبَرُّ: العَتَمة: بقيّة اللَّبَن تَغْبِقِ بها الناقةُ بعد هُوِيٍّ من الليل، فسُمّيَت الصلاة
بذلك، لأنَّهم كانوا يُصلّونها في تلك الساعة. وروى ابن أبي شَيْبة (٤٣٩/٢) من طريق
ميمون بن مِهْرانَ قال: قلت لابن عمر: مَن أوَّلُ مَن سَمَّى صلاة العشاء العَتَمةَ؟ قال:
الشَّيطان.
قوله: ((وقال أبو هريرةَ شَرَعَ المصنِّف في إيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد، كلُّها
صحيحة مُرَّجة في أمكِنةٍ أُخرى، حاصلُها ثبوت تسمية هذه الصلاة تارةً عَتَمةً وتارةً
عِشاءً، وأمَّا الأحاديث التي لا تسمية فيها بل فيها إطلاق الفعل كقوله: ((أعتَمَ النبيُّ وَّ)
ففائدة إيراده لها الإشارة إلى أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو لإطلاق الاسم، لا لمنع تأخير هذه
الصلاة عن أوَّل الوقت.
وحديث أبي هريرة المذكور وَصَلَه المصنّف باللفظ الأوَّل (٦٥٧) في ((باب فضل
العِشاء جماعة))، وباللفظ الثاني وهو العَتَمة (٦١٥) في ((باب الاستهام في الأذان)).
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
= عن الربيع عن الشافعي ثم قال بإثره: وكان ابن عمر ... إلخ، ثم أسند ابن المنذر قول ابن عمر هذا عن
إسحاق عن عبد الرزاق عن ابن رواد عن نافع عن ابن عمر. فلعلَّ الحافظ رحمه الله توهّم أن قول ابن
عمر عنده متصل بحديثه المرفوع، وليس كذلك، والله تعالى أعلم.

٥٥٢
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والاختيارُ)) قال الزّينُ بن المنيِر: هذا لا يتناوله لفظ الترجمة، فإنَّ لفظ الترجمة
يُفهِمُ التَّسْوية، وهذا ظاهر في الترجيح.
قلت: لا تَنافيَ بين الجواز والأولَويَّة، فالشَّيئان إذا كانا جائزَي الفعل قد يكون أحدهما
أَولى من الآخر، وإنَّما صارَ عنده أولى لموافَقتِه لفظ القرآن، ويترجَّحُ أيضاً بأنَّه أكثر ما وَرَدَ
عن النبيّ وَّهِ وبأنَّ تسميتها ◌ِشاء يُشعِرُ بأوَّل وقتها بخلاف تسميتها عَتَمَةً لأنَّه يُشعِرُ
٣/٢ بخلاف ذلك، وبأنَّ لفظه في / الترجمة لا يُنافي ما ذُكِرَ أَنَّه الاختيار، وهو واضح لمن نَظَرَه،
لأنَّه قال: ((مَن كَرِه)) فأشارَ إلى الخلاف، ومَن نَقَلَ الخلاف لا يَمتَنِع عليه أنْ يختار.
قوله: ((ويُذْكَر عن أبي موسى)) سيأتي موصولاً عند المصنَّف (٥٦٧) مُطوَّلاً بعد بابٍ
واحد، وكأنَّه لم يَجِزِم به لأنَّه اختصر لفظه، نَبَّهَ على ذلك شيخُنا الحافظ أبو الفضل،
وأجاب به مَن اعتَرَضَ على ابن الصَّلاحِ حيثُ فَرَّقَ بين الصِّيغتَين، وحاصل الجواب: أنَّ
صيغة الجَزْم تَدُلّ على القوَّة، وصيغة التَّمْريض لا تَدُلّ. ثمَّ بيَّن مناسبة العُدول في حديث
أبي موسى عن الجَزْم مع صِحّتِه إلى التَّمْريض، بأنَّ البخاريَّ قد يفعل ذلك لمَعنّى غير
التَّضعيف، وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى، وكذا اقتصاره على بعضه لوجودٍ
الاختلاف في جوازه، وإنْ کان المصنّف یری الجواز.
قوله: ((وقال ابن عبّاس وعائشة)) أمَّا حديث ابن عبّاس فوَصَلَه المصنّف (٥٧١) في
((باب النوم قبل العِشاء)) كما سيأتي قريباً، وأمَّا حديث عائشة بلفظ: ((أعتَمَ بالعِشاء))
فَوَصَلَه (٥٦٦) في ((باب فضل العِشاء)) من طريق عُقيل، وفي الباب الذي بعده (٥٦٩) من
طريق صالح بن كَيْسانَ، كلاهما عن الزّهْريِّ عن عُرْوةَ عنها، وأمَّا حديثها بلفظ: ((أعتَمَ
بالعَتَمة)) فَوَصَلَه المصنِّف أيضاً في (باب خروج النِّساء إلى المساجد بالليل)) بعد ((باب
وُضوء الصِّبْيان)) من كتاب الصلاة أيضاً (٨٦٤) من طريق شُعَيب عن الزُّهْرِيِّ بالسَّنَدِ
المذكور، وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق عُقيلٍ أيضاً ويونسَ وابن أبي ذِئْبٍ وغيرهم عن
الزُّهْرِيِّ بلفظ: ((أعتَمَ النبيُّ وَّمِ ليلةً بالعِشاء؛ وهي التي يدعو الناسُ العَتَمة)) وهذا يُشعِرُ
بأنَّ السياق المذكور من تصرّف الراوي.

٥٥٣
باب ٢٠ / ح ٥٦٤
كتاب مواقيت الصلاة
تنبيه: معنى أعتَمَ: دخل في وقت العَتَمة، ويُطلَقُ ((أعتَم)) بمعنى: أخّر، لكنَّ الأوَّلَ هنا
أظهر.
قوله: ((وقال جابر: كان النبيّ وَّ﴿ يُصلِّي العِشاء)) هو طرفٍ من حديث وَصَلَه المؤلِّفُ
(٥٦٠ و٥٦٥) في ((باب وقت المغرب)) وفي ((باب وقت العِشاء)).
قوله: ((وقال أبو بَرْزَةَ: كان النبيّ وََّ يُؤَخِّرِ العِشاء)) هو طرف من حديث وَصَلَه المؤلِّفُ
(٥٤٧) في ((باب وقت العصر)).
قوله: ((وقال أنس: أَخَّرَ النبيّ ◌َ ◌ّ العِشاء)) هو طرف من حديث وَصَلَه المؤلِّفُ (٥٧٢)
في «باب وقت العشاء إلى نصف الليل)).
قوله: ((وقال ابن عمر وأبو أيوبَ وابن عبّاس: صَلَّى النبيُّ ونَ ﴿ِ المغربَ والعِشاءَ)) أمَّا
حديث ابن عمر فأسنَدَه المؤلِّفُ في الحج (١٦٧٣) بلفظ: ((صلَّى النبيُّ ◌َّهِ المغربَ والعِشاءَ
بالمُزْدَلِفِة جميعاً))، وأمَّا حديث أبي أيوبَ فوَصَلَه أيضاً (١٦٧٤) بلفظ: ((جمع النبيُّ ◌َّ في
حَجَّة الوَدَاعِ بين المغرب والعِشاء))، وأمَّا حديث ابن عبّاس فوَصَلَه (٥٤٣) في ((باب تأخير
الظُّهر إلى العصر)) كما تقدَّم.
٥٦٤ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهْريِّ، قال سالمٌ:
أخبرني عبدُ الله قال: صَلَّى لنا رسولُ اللهِوٍَّ ليلةً صلاةَ العِشاء، وهي الَّتِي يَدْعُو النّاسُ
العَتَمَةَ، ثُمَّ انصَرَفَ فَأقبَلَ علينا فقال: ((أرأيتُمْ لَيلتَكُم هذه، فإنَّ رَأْسَ مئةِ سَنةٍ منها لا يَبقَى مَمَّن
هو على ظَهْرِ الأرضِ أَحدٌ)».
قوله: ((قال سالمٌ: أخبرني عبد الله)) هو سالم بن عبد الله بن عمر، وشيخُه عبد الله هو
أبوه.
قوله: ((صَلَّى لنا)) أي: لأجلِنا، أو اللّامُ بمعنى الباء.
قوله: ((وهيَ الَّتِي يَدْعُو النّاسُ العَتَمة)) تقدَّم نظيرُ ذلك في حديث أبي بَرْزةَ (٥٤٧) في
قوله: ((وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يؤخّرَ من العِشاء التي تَدْعونها العَتَمة))، وتقدَّم أيضاً من حديث

٥٥٤
باب ٢١/ ح ٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
عائشة عند الإسماعيلي، وفي كلّ ذلك إشعارٌ بغَلَبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصارَ مَن
عَرَفَ النَّهيَ عن ذلك يحتاج إلى ذِكْرِه لقَصْدِ التَّعْرِيف، قال النَّرويُّ وغيره: يُحِمَعُ بين النَّهي
عن تسميتها عَتَمةً وبين ما جاء من تسميتها عَتَمة بأمرَين: أحدهما: أنَّه استعملَ ذلك لبيان
الجواز وأنَّ النَّهي للتنزيه لا للتَّحْرِيم، والثاني: بأنَّه خاطَبَ بالعَتَمة مَن لا يَعِرِفُ العِشاء
لكَوْنه أشهرَ عندهم من العشاء، فهو لقَصْدِ التَّعْرِيف لا لَقَصْدِ التَّسْمية. ويحتمل أنَّه
استعملَ لفظ العَتَمة في العِشاء لأنَّه كان مُشتَهِراً عندهم استعمال لفظ العِشاء للمغرب،
فلو قال: لو يعلمون ما في الصبح والعِشاء، لتَوَهَّموا أنَّها المغرب.
قلت: وهذا ضعيف، لأنَّه قد ثبت في نفس هذا الحديث: ((لو يعلمون ما في الصبح
والعِشاء))، فالظاهر أنَّ التعبير بالعِشاء تارةً وبالعَتَمة تارةً مَن تصرُّف الرُّواة، وقيل: إنَّ
النَّهيَ عن تسمية العِشاء عَتَمة نَسَخَ الجواز، وتُعُقِّبَ بأنَّ نزول الآية كان قبل الحديث
٤٧/٢ المذكور، وفي كلِّ / من القولين نظرٌ للاحتياج في مثل ذلك إلى التّاريخ، ولا بُعْدَ في أنَّ ذلك
كان جائزاً، فلمَّا كَثُرَ إطلاقهم له نُهُوا عنه لئلا تَغْلِبَ السُّنَّةُ الجاهليَّةُ على السُّنَّة الإسلاميَّة،
ومع ذلك فلا يَرُمُ ذلك بدليل أنَّ الصحابةَ الذين رَوَوُا النَّهي استعملوا التَّسْمية المذكورة،
وأمَّا استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلرَفْع الالتباس بالمغرب، والله أعلم.
قوله: ((وهي الَّتِي يَدْعُو النّاسُ العَتَمَةَ)) فيه إشعار بغَلَبة هذه التَّسْمية عند الناس ممَّن لم
يَبلُغْهم النَّهي، وقد تقدَّم الكلام على متن الحديث في ((باب السَّمَر في العِلْم)) (١١٦).
٢١ - باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا
٥٦٥- حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمَّدِ بنِ
عَمْرٍو، هو ابنُ الحَسَنِ بنِ عليٍّ، قال: سَألْنا جابرَ بنَ عبدِ الله عن صلاةِ النبيِّ وَّ فقال: كان
يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجِرَةِ، والعصرَ والشمسُ حَيّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَت، والعِشاءَ إذا كَثُرَ النّاسُ
عَجَّلَ، وإذا قَلُّوا أَخَّرَ، والصبحَ بِغَلَسٍ.
قوله: ((باب وقت العِشاء إذا اجتمع النّاس أو تأخّرُوا)) أشارَ بهذه الترجمة إلى الرَّدِّ على مَن

٥٥٥
باب ٢٢ / ح ٥٦٦-٥٦٧
كتاب مواقيت الصلاة
قال: إنَّها تُسمَّى العِشاءَ إذا عُجِّلَت والعَتَمةَ إذا أُخِّرَت، أخذاً من اللفظَين. وأراد هذا
القائل الجمعَ بوجهٍ غير الأوجُه المتقدِّمة، فاحتَجَّ عليه المصنّف بأنَّها قد سُمّيَت في حديث
الباب في حال التقديم والتأخير باسم واحد. وقد تقدَّم الكلامُ على حديث جابر في ((باب
وقت المغرب)) (٥٦٠).
٢٢ - باب فضل العشاء
٥٦٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، عن عُرْوةَ،
أنَّ عائشةَ أخبَرَتْه قالت: أعتَمَ رسولُ الله وَ لَيَلَةً بالعِشاءِ، وذلك قبلَ أنْ يَفْشُوَ الإسلامُ، فلم
يَخْرُجْ حتَّى قال عمرُ: نامَ النِّساءُ والصِّبْيانُ، فخرجَ فقال لأهلِ المسجدِ: ((ما يَنتَظِرُها أحدٌ مِن
أهلِ الأرضِ غیرُكم».
[أطرافه في: ٥٦٩، ٨٦٢، ٨٦٤]
٥٦٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العَلاءِ، قال: أخبرنا أبو أُسامةَ، عن بُرَيد، عن أَبي بُرْدةَ، عن أَبي
موسى قال: كنتُ أَنَا وَأَصحابي الَّذِينَ قَدِمُوا معي في السَّفِينة نُزُولاً في بَقِيعِ بُطْحانَ والنبيُّ ◌َه
بالمدينةِ، فكانَ يَتناوَبُ النبيَّ ◌َ لَه عندَ صلاةِ العِشاءِ، كُلَّ لَيلةٍ نَفَرٌّ منهم، فوافَقْنا النبيَّ عليه
السلام أَنَا وأَصحابي وله بعضُ الشُّغْلِ في بعضِ أَمْرِهِ، فَأَعتَمَ بالصلاةِ حتَّى ابْهارَّ اللَيلُ، ثمّ
خَرَجَ النبيُّنَّه فِصَلَّى بهم، فلمَّا قَضَى صلاَه قال لمَن حَضَرَه: ((على رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إنَّمِن
نِعْمَةِ الله عَلَيْكُمْ أَنَّه ليسَ أَحَدٌ مِن النّاسِ يُصلِّ هذه الساعةَ غيرُكُم - أَو قال: ما صَلَّى هذه
الساعةَ أَحَدٌ غيرُكُمْ)) لا يَدْرِي أَيَّ الكَلمَتَينِ قال، قال أبو موسى: فَرَجَعْنا فَرْحَی بما سَمِعْنا مِن
رسول الله {ێ.
قوله: ((باب فضل العِشاء)) لم أرَ مَن تكلَّم على هذه الترجمة، فإنَّه ليس في الحديثين
اللَّذَينِ ذكرهما المؤلِّفُ / في هذا الباب ما يقتضي اختصاصَ العشاء بفضيلةٍ ظاهرة، وكأنَّه ٤٨/٢
مأخوذ من قوله: ((ما ينتظرُها أحدٌ من أهل الأرض غيرُكم))، فعلى هذا في الترجمة حذفٌ
تقديره: باب فضل انتظار العِشاء، والله أعلم.

٥٥٦
باب ٢٢ / ح ٥٦٦-٥٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عُرْوةَ)) عند مسلم (٢١٨/٦٣٨) في رواية يونسَ عن ابن شهاب: أخبرني
عُرْوة.
قوله: ((وذلك قبلَ أنْ يَفشُوَ الإسلامُ)) أي: في غير المدينة، وإنَّما فشا الإسلام في غيرها
بعد فتح مگّة.
قوله: ((حتَّى قال عمرُ)) زاد المصنِّف (٥٦٩) من رواية صالح عن ابن شهاب في ((باب
النوم قبل العِشاء)): حتَّى ناداه عمر: الصلاةَ. وهي بالنصب بفعلِ مُضمَرٍ تقديره مثلاً:
صَلِّ الصلاةَ، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه.
قوله: ((نامَ النِّساء والصِّبْيانُ)) أي: الحاضرون في المسجد، وإنَّما خَصَّهم بذلك لأنَّهم
مَظِنَّةٍ قِلَّة الصَّبْر عن النوم، ومحلُّ الشَّفَقة والرَّحْمة، بخلاف الرِّجال. وسيأتي قريباً (٥٧٠)
في حديث ابن عمر في هذه القصَّة: حتَّى رَقَدْنا في المسجد ثمّ استَيقَظْنا، ونحوه في حديث
ابن عبّاس (٥٧١)، وهو محمول على أنَّ الذي رَقَدَ بعضُهم لا كلَّهم، ونُسِبَ الرُّقاد إلى
الجميع مجازاً. وسيأتي الكلام على بقيَّ هذا الحديث في ((باب النوم قبل العِشاء لمن غُلِب))
(٥٦٩).
قوله: ((عن بُرَيدِ)) هو بالموخَّدة والرّاء بلفظ التَّصْغير، وشيخه أبو بُرْدةَ هو جَدُّه.
قوله: ((في بَقيعِ بُطْحانَ)) بفتح الموحّدة من ((بَقيع)) وضمّها من ((بُطْحان)).
قوله: ((وله بعض الشُّغْلِ في بعض أمْرِه فأعتَمَ بالصلاة)» فيه دلالة على أنَّ تأخير النبيّ وَله
إلى هذه الغاية لم يكن قَصْداً، ومثلُه قوله في حديث ابن عمر الآتي قريباً (٥٧٠): «شُغِلَ عنها
ليلةً))، وكذا قوله في حديث عائشة: ((أعتَمَ بالصلاة ليلةً)) يدلّ على أنَّ ذلك لم یکن من شأنه،
والفَيصَل في هذا حديث جابر (٥٦٥): ((كانوا إذا اجتَمَعوا عَجَّل، وإذا أبطؤوا أخَّر)).
فائدة: الشُّغْلُ المذكورُ كان في تجهيز جيش، رواه الطّريُّ(١) من وجه صحیح عن
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
(١) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): الطبراني! ولم نقف عليه عند واحدٍ منهما.

٥٥٧
باب ٢٢ / ح ٥٦٦-٥٦٧
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((حتَّى ابْهارَّ اللَّيلُ)) بالموحَّدة وتشديد الرّاء، أي: طَلَعَت نجومُه واشتبَكَت،
والباهرُ: الممتَلِئُ نوراً، قاله أبو سعيد الضَّرير. وعن سيبويه: ابهارَّ الليلُ: كَثُرَتِ ظُلْمتُه،
وابهارَّ القمرُ: كَثُرَ ضَوْءُه. وقال الأصمعيُّ: ابهارَّ: انتَصَف، مأخوذ من بُهْرة الشيء: وهو
وَسَطُه، ويؤيِّده أنَّ في بعض الروايات: ((حتَّى إذا كان قريباً من نصف الليل))، وهو في
حديث أبي سعيد كما سيأتي، وسيأتي في حديث أنس عند المصنِّف (٥٧٢): ((إلى نصف
الليل)). وفي ((الصِّحاح)): ابهارَ الليلُ: ذهبَ مُعظَمُه وأكثُرُه. وعند مسلم (٢١٩/٦٣٨) من
رواية أُمِّ كُلْثوم عن عائشة: ((حتَّى ذهبَ عامَّةُ الليل)).
قوله: ((على رِسْلِكُم)) بكسر الرّاء ويجوز فتحُها، المعنى: تأثُّوا.
قوله: ((إنَّ من نِعْمة الله)) بكسر ((إن))، ووَهِمَ مَن ضبطه بالفتح، وأمَّا قوله: ((أنَّه ليس
أحدٌ)) فهو بفتح ((أنَّه)) للتَّعْليل، واستُدلَّ بذلك على فضل تأخير صلاة العِشاء، ولا
يعارضُ ذلك فضيلةَ أوَّل الوقت لما في الانتظار من الفضل، لكنْ قال ابن بَطَّل: ولا
يَصلُحُ ذلك الآنَ للأئمَّة، لأنَّه وَّهِ أمر بالتخفيف وقال: ((إنَّ فيهم الضَّعيفَ وذا الحاجة))،
فتركُ التطويل عليهم في الانتظار أَولى.
قلت: وقد روى أحمد (١١٠١٥) وأبو داود (٤٢٢) والنَّسائي (٥٣٨) وابن خُزيمةَ
(٣٤٥) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخُدْريّ: صَلَّينا مع رسول الله وَّلِ صلاة العَتَمة،
فلم يَخْرُجْ حتَّى مضى نحوٌّ من شَطْرِ الليل، فقال: ((إنَّ الناس قد صَلَّوْا وأخذوا مَضاجعَهم،
وإِنَّكم لن تزالوا في صلاة ما انتَظَرتُم الصلاة، ولولا ضعفُ الضَّعيف، وسَقَّمُ السَّقيم،
وحاجةُ ذي الحاجة، لَأَخَّرتُ هذه الصلاة إلى شَطْرِ الليل))، وسيأتي في حديث ابن عبّاس
قريباً (٥٧١): ((لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لَأمرتهم أنْ يُصلّوها هكذا))، وللتِّرمِذيِّ (١٦٧)
وصحَّحه من حديث أبي هريرة: ((لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمرتهم أنْ يؤخِّروا العِشاءَ إلى
ثُلُثِ الليل أو نصفِه))، فعلى هذا مَن وَجَدَ به قوَّةً على تأخيرِها ولم يَغْلِبْه النومُ ولم يَشُقَّ على
أحدٍ من المأمومين، فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قَرَّرَ النَّوويُّ ذلك في ((شرح مسلم))، وهو
اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيَّة وغيرهم، والله أعلم.

٥٥٨
باب ٢٣ / ح ٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٩/٢ ونَقَلَ ابن المنذر وغيره عن الليث وإسحاق: أنَّ المستَحَبَّ تأخيرُ العِشاء إلى قبل الثُّلُث،
وقال الطَّحاويُّ: يُستَحبّ إلى الثُّلث، وبه قال مالكٌ وأحمدُ وأكثر الصحابة والتّابعين، وهو
قول الشافعيِّ في الجديد، وقال في القديم: التَّعْجيلُ أفضلُ، وكذا قال في ((الإملاء))،
وصحَّحه النَّوويُّ وجماعةٌ وقالوا: إنَّه مَّا يُفتَى به على القديم، وتُعُقِّبَ بأنَّه ذكره في
((الإملاء)» وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيثُ الدليل أفضليَّةُ التأخير، ومن حيثُ
النَّظرُ التفصيلُ، والله أعلم.
قوله: ((فَرْحَى)) جمعُ فَرْحان على غير قياس، ومثلُه: ((وتَرَى الناسَ سَكْرِى)) [الحج: ٢] في
قراءة(١)، أو تأنيث أَفَرَحَ(٢) وهو نحو: الرِّجالُ فَعَلَت، وفي رواية الكُشْمِيهَنِيّ: ((فَرَجَعْنا
وفَرِحْنا))، ولبعضهم: ((فَرَجَعْنا فَرَحاً)) بفتح الرّاء على المصدر (٣)، ووقع عند مسلم كالرواية
الأُولى (٤)، وسبب فرحهم عِلْمُهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نِعْمة عُظْمَى، مُستلزِمة
للمَثُوبة الحُسْنَى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله وَلَه.
٢٣ - باب ما يكره من النوم قبل العشاء
٥٦٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: أخبرنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قال: حدَّثنا خالدٌ
الحَذّاءُ، عن أبي المِنْهال، عن أبي بَرْزةَ: أنَّ رسولَ الله وَّلِ كان يَكْرَه النَّوْمَ قبلَ العِشاءِ والحديثَ
بعدها.
قوله: ((باب ما يُكرَه من النَّوْم قبل العِشاء)» قال التِّرمِذيُّ: كَرِهَ أكثرُ أهل العِلْم النومَ قبل
صلاة العشاء، ورَخَّصَ بعضهم فیه في رمضان خاصّةً، انتهى.
ومَن نُقِلَت عنه الرُّخْصة قُيِّدَت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له مَن يُوقِظُه، أو عَرَفَ
(١) وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة، وقرأ الباقون: ((سُكَارَى)) بضم السين وبالألف. ((السبعة)) لابن
مجاهد ص٤٣٤.
(٢) تحرف في (س) إلى: فراح.
(٣) وهي لابن عساكر كما في ((إرشاد الساري)) للقسطلاني ١/ ٥٠٣.
(٤) هو عند مسلم برقم (٦٤١)، لكن بلفظ: ((فرجعنا فَرِحين))، وهو كذلك في النسخة المخطوطة التي عندنا
من «صحیح مسلم)).

٥٥٩
باب ٢٤ / ح ٥٦٩
كتاب مواقيت الصلاة
من عادتِهِ أَنَّه لا يَستَغرِقُ وقتَ الاختيار بالنومِ، وهذا جيِّدٌ حيثُ قلنا: إنَّ عِلَّةَ النَّهِي خَشْيةٌ
خروج الوقت، وحمل الطَّحاويُّ الرُّخْصة على ما قبل دخول وقت العِشاء، والكراهةَ على
ما بعد دخوله.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن سَلَام)) كذا في رواية أبي ذرِّ ووافَقَه ابن السَّكَن، وفي أكثر
الروايات: ((حدَّثْنا محمَّد)) غير منسوب، وقد تَعيَّنَ من رواية أبي ذرِّ وابن السَّكَن، وحديثُ
أبي بَرْزةَ المذكور طرفٌ من حديثه الآتي في السَّمَرِ بعد العِشاء (٥٩٩).
قوله: ((والحديثَ بعدَها)) أي: المحادثةَ. وسيأتي بعد أبوابٍ أنَّ هذه الكراهة مخصوصةٌ
بما إذا لم يكن في أمرٍ مطلوب، وقيل: الحِكْمةُ فيه لئلا يكون سبباً في تَرْكِ قيام الليل، أو
للاستغراق في الحديث ثمَّ يَستَغرِقُ في النوم فيَخرُجُ وقتُ الصبح، وسيأتي الجمع بين هذا
الحديث وبين حديثه ◌َّ لي بعد صلاة العشاء في الباب المذكور.
٢٤ - باب النوم قبل العشاء لمن غُلِب
٥٦٩- حدَّثنا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني أبو بَكْر، عن سليمانَ، قال: حدَّثنا صالحُ
ابنُ كَيْسانَ، أخبرني ابنُ شِهَاب، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ قالت: أعتَمَ رسولُ الله ◌ِّهِ بِالعِشاءِ
حتَّى ناداهُ عمرُ: الصلاةَ، نامَ النِّساءُ والصِّبْيانُ، فخرجَ فقال: ((ما يَنتَظِرُها أحدٌ مِن أهلِ
الأرضِ غَيرُكم))، قال: ولا يُصلَّى يومئذٍ إلا بالمدينةِ، وكانوا يُصلُّونَ فيما بينَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُّ
إلى ثُلُثِ اللَّيلِ الأوَّل.
قوله: ((باب النوم قبل العِشاء لمن غُلب)) في الترجمة إشارة إلى أنَّ الكراهة مُختصَّةٌ بمَن
تَعاطَى ذلك مُختاراً، وقيل: ذلك مستفادٌ من تَرْكِ إنكاره ◌ِ لهِعلى مَن رَقَدَ من الذين كانوا
ينتظرون خروجه لصلاة العِشاء، ولو قيل بالفَرْق/ بين مَن غَلَبَه النومُ في مثل هذه الحالة ٥٠/٢
وبينَ مَن غَلَبَه وهو في مَنزِله مَثلاً، لكان مُتَّجهاً.
قوله: ((حدَّثْني أبو بَكْرٍ)) هو عبدُ الحميد بن أبي أُوَيسٍ واسمه عبد الله أخو إسماعيلَ
شيخ البخاري، ويُعرَفُ بالأعشَى.

٥٦٠
باب ٢٤ / ح ٥٧٠- ٥٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولا تُصلَّى)) بالمثنَّة الفَوْقانيَّة وفتح اللّام المشدَّدة، أي: صلاة العِشاء، والمراد أنَّها
لا تُصلَّى بالهيئة المخصوصة وهي الجماعة إلَّا بالمدينة، وبه صَرَّحَ الدَّاووديُّ، لأنَّ مَن كان
بمَكَّةَ من المستضعَفينَ لم يكونوا يُصلُّون إلَّا سِرّاً، وأمَّا غيرُ مَّة والمدينة من البلاد فلم يكن
الإسلام دخلها.
قوله: ((وكانوا)) أي: النبيُّ ◌َ له وأصحابه، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء
لما يُشعِرُ به السياق من المواظَبة على ذلك، وقد وَرَدَ بصيغة الأمر في هذا الحديث عند
النَّسائيِّ (٥٣٥) من رواية إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ عن الزُّهْرِيِّ ولفظُه: ((ثمَّ قال: صَلُّها فيما
بين أنْ يغيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُث الليل)) وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنسٍ (٥٧٢):
((أنَّه أخّرَ الصلاة إلى نصف الليل)) مُعارَضة، لأنَّ حديث عائشة محمول على الأغلَب من
عادتِه ◌َلله.
فائدة: زاد مسلم (٢١٨/٦٣٨) من رواية يونسَ عن ابن شهاب في هذا الحديث: قال
ابن شهاب: وذُكِر لي أنَّ رسول الله وَ ◌ّ قال: ((وما كان لكم أنْ تَنزُروا رسولَ الله وَه
للصلاة) وذلك حین صاحَ عمر.
تنبيه: ((تَنْزُروا)) بفتح المثنَّة الفَوْقانيَّة وسكون النُّون وضمِّ الزّاي بعدها راء، أي: تُلِحّوا
عليه، ورُوِيَ بضمٍّ أوَّلِه بعدها مُوحَّدٌ ثمَّ راءٌ مكسورةٌ ثمَّ زايٌ، أي: تُخْرِجوا.
٥٧٠- حدَّثنا محمودٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني
نافعٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ شُغِلَ عنها ليلةً فأخَّرَها حتّى رَقَدْنا في
المسجدِ، ثمَّ استَيقَظْنا، ثمَّ رَقَدْنا، ثمَّ اسْتَقَظْنا، ثمَّ خرج علينا النبيُّ وَِّ، ثمَّ قال: ((ليسَ أحدٌ
مِن أهلِ الأرضِ يَنتَظِرُ الصلاةَ غَيرُكم)).
وكان ابنُ عمرَ لا يُبالي أقَدَّمَها أمْ أَخَّرَها، إذا كان لا يَخْشَى أنْ يَغْلِبَه النَّوْمُ عن وَقْتِها، وكان
يَرقُدُ قبلَها.
٥٧١- قال ابنُ جُرَيجٍ: قلتُ لعطاءٍ، وقال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: أَعْتَمَ رسولُ الله